مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ العالم


مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:41 AM
مقدمة



عن الكاتب
ولد ج.م. روبرتس في مدينة باث بإنكلترا، ودرس في كلية تونتن ومعهد كبل في جامعة أكسفورد. ثم عاد إلى أكسفورد عام 1950 بعد خدمة العلم، وأصبح زميلاً في كلية ماغدالن في العام التالي. في عام 1953 ذهب إلى الولايات المتحدة كزميل لصندوق الكومونولث، وكانت تلك أولى سفراته العديدة إلى أمريكا التي شغل خلالها عدة مناصب بينها عضو في معهد الدراسات العليا في بريستون عام 1960، ومنصب أستاذ زائر في جامعة كارولاينا الجنوبية وجامعة كولومبيا في نيويورك.
كان زميلاً ومدرساً في معهد مرتن بأكسفورد من 1953 إلى 1979، ونائب رئيس جامعة ساثامبتن من 1979-1985. ثم عاد بعد ذلك إلى مرتن كناظر كلية في عام 1985 حتى تقاعده في عام 1994. وفي عام 1996 حاز على لقب شرف CBE من أجل (خدماته للتعليم والتاريخ).
حرر الدكتور روبرتس الكتاب الناجح والمحبوب: تاريخ برنل للقرن العشرين، وشارك من عام 1967 إلى 1976 في تحرير المجلة النقدية الإنكليزية للتاريخ، وهو أيضاً صاحب الكتب التالية: ”تاريخ العالم، أوروبا 1880-1945، أسطورة الجمعيات السرية، كوميونة باريس من وجهة نظر اليمين، عصر الثورة والتطور، الثورة الفرنسية، تاريخ أوروبا” في عام 1985 بثت إذاعة BBC2 سلسلة تاريخية من ثلاثة عشر حلقة كتبها د.روبرتس، وفي وقت لاحق من العام نفسه نشرها في كتاب. كما أنه كان مستشاراً تاريخياً لسلسلة البي بي سي التلفزيونية الناجحة : قرن الناس People's century.

توطئة المترجم

وقعت على النسخة الأكبر من هذا الكتاب History of the world عندما كنت أدرس الطب في الولايات المتحدة في عام 1991، وقد شدني إليه منذ البداية، فبعد أن أتممت قراءته كنت على مدى السنوات التالية أعود إليه مراراً لأقرأ فصولاً منه، ثم أعيد قراءتها، وأجد فيها كل مرة أشياء تحفز على البحث والتفكير.
وشيئاً فشيئاً راحت أجزاء الصورة الكبيرة تتركب وتتداخل ويكمل بعضها بعضها، وتضم إليها ملامح قديمة ارتسمت في ذهني مما كنت قد قرأته أو سمعت عنه، فتتحول بالتدريج إلى قصة شيقة إلى ملحمة خلابة وغنية.
وكان فكرة ترجمة الكتاب تراودني في بعض الأحيان، ولكن كما يحلم الواقف عند سفح الجبل ببلوغ سقف العالم، وما أكثر ما يبدأ الحلم بعمل هو بين اللهو والجد، ثم يكتسب من بداياته البسيطة حماساً واندفاعاً أكبر.
وكنت قد قطعت نحو نصف الطريق من دون أن أجد رد فعل مشجع من دور النشر المختلفة التي عرضته عليها، ولا يمكنني أن ألوم أياً منها، لأن الأصل يقع في أكثر من 1100 صفحة!! ثم كان أن لحقت سوريا بركب الإنترنت، فعلمت في إحدى جولاتي فيه أن للمؤلف كتاباً آخر موجزاً عن الموضوع نفسه، وهو ما كنت أتمناه من دون أن يخطر ببالي أنه يمكن اختزال هذا الكتاب الأصغر أسلس حتى من أخيه الأكبر، مع أنه في الحقيقة أمر غير مستغرب بالنظر إلى موهبة الكاتب العظيمة في تقريب التاريخ إلى القارئ من دون إسفاف.
يهتم الكاتب بشرح كيف أصبح عالمنا على الصورة التي نألفها اليوم، وتظهر الخطوط العامة للقصة من عناوين الفصول نفسها. فهو يعد بعد وصف عام لأصول الإنسان فيما قبل التاريخ، يتحدث عن جذور الحضارة ونشأتها. ثم يتناول أربع حضارات قديمة، هي حضارات بلاد الرافدين، ومصر والهند والصين. ثم ينتقل بعدئذٍ ليتحدث عن ”أسس عالمنا” في الشرق الأدنى واليونان، وهي الأسس التي يبنى عليها ”العالم الروماني”، الذي ولدت فيه المسيحية وضربت جذورها.
أما الفصل التالي فهو يقابل عمر بيزنطة الطويل، الذي شهد ولادة الإسلام وانتشاره، وتنصير الشعوب السلافية، وقدوم شعوب آسيا الوسطى إلى الشرق الأدنى، حتى انتقال بيزنطة إلى العثمانيين عند بداية العصور الحديثة.
وهذه البداية هي نفسها المحطة التي ينتهي عندها الفصلان التاليان، حيث يعود الكاتب أولاً إلى آسيا وكأنه يسير بعكس اتجاه الهجرات، فيتم قصص الهند والصين واليابان حتى بدء وصول الأوروبيين إليها. ثم يصف ”صنع أوروبا” وهي قصة مسيحية القرون الوسطى في الغرب بعد سقوط روما، وبداية الدول الحديثة في أوروبا.
بعد ذلك تبدأ ”الاستكشافات والمواجهة” بين المبادرة الأوروبية واستعمارها لشعوب أفريقيا والأمريكيتين وآسيا. ويكرس الكاتب فصلاً لوصف الأوضاع الاقتصادية والسياسية والدينية في أوروبا عند بداية الأزمنة الحديثة؛ يتلوه فصل أكثر عالمية، لأنه لا يقتصر على موضوع الأفكار الجديدة في أوروبا، بل يشمل أيضاً التجارة الدولية، وعلاقة الإسلام بالعالم الغربي، والثورة الأمريكية، والثورة الفرنسية، مع نتائجها حتى 1848-1849.
ثم لا يلبث أن يحدث التسارع الكبير في أنماط الحياة ويقوم النظام العالمي الأوروبي، قبل أن نصل في النهاية إلى العصر الأخير الموزعة قصته على ثلاثة فصول، يتناول أولها السكان والثروة والأفكار والعلوم والمرأة، والثاني الوصف السياسي من بداية الحرب العظمى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أما ثالثها فيمتد حتى نهاية الاتحاد السوفييتي.
لقد ساعدني في رحلتي الطويلة هذه أشخاص كثيرون لا يتسع المجال لذكرهم جميعاً، ولكنني أحب أن أذكر الذين أشعر أنني مدين لهم بشكل خاص: الدكتور صادق جلال العظم، الأستاذ عبد الإله الملاح، الأستاذ ندرة اليازجي، الأستاذ موسى الخوري، الدكتور شفيق فياض، وزارة الثقافة، الأستاذ عمار عبد الحميد والأستاذ جمال سعيد.
ولا أنسى فضل الأصدقاء الكثيرين الذين اهتموا بالموضوع وقرأوا مقاطع من الترجمة وقدموا لي آراءهم المفيدة في مناسبات عديدة.
فارس قطان
دمشق في 6 كانون الأول 2003

لقد اعتمدت في رسم أسماء العلم اعتماداً رئيسياً على المنجد في الأعلام، لأنني وجدت غالبيتها فيه أقرب إلى الأصل وإلى الأذن العربية معاً، فضلاً عن أنه على ما أعلم أشمل قاموس في هذا المجال، ومتاح بين أيدي الكثيرين، فيسهل عليهم بذلك الرجوع إليه لمزيد من المعلومات عن الشخصيات والبلاد والأحداث المذكورة. والكلام الذي بين قوسين هو دوماً من أصل الكتاب، بعكس الحواشي التي أضفتها بالاعتماد على مصادر أذكرها عند الحاجة. وتبقى أفكار الكتاب بالطبع أفكار المؤلف نفسه وأحكامه.
لقد مرت بي منذ بداية اهتمامي بالتاريخ العام عناوين عدد من الكتب الأخرى بالعربية عن هذا الموضوع، بعضها وضع بالعربية وبعضها مترجم. ولكنني لم أجر بحثاً منهجياً عنها في المكتبات العامة، وقد صنفتها في ثلاث مجموعات:
1- مؤلفات قديمة غير عربية:
· هيرودوتس (484؟ - 425؟ ق.م) مؤرخ ورحالة إغريقي:
o ”تاريخ هيرودوتس الشهير” ترجمه عن الفرنسية حبيب أفندي بسترس (مجلدان 636 ص، حلب 1886-1887).
o ”تاريخ هيرودوت” ترجمه عبد الإله الملاح ( المجمع الثقافي بأبو ظبي 2001).
· القديس أوغسطينس (354-430 م) من آباء الكنيسة المشهورين أسقف هيبون في الجزائر:
o ”مدينة الله” (فلسفة مسيحية للتاريخ) ترجمة الخورأسقف يوحنا الحلو (دار الشرق، بيروت -2002).
· أوروسيوس (باولس) ولد على الأرجح في براغا بإسبانيا وزها بين عامي 414-417 م):
o ”تاريخ العالم لأوروسيوس” كتبه بناء على طلب القديس أوغسطينس وتحقيق وتقديم د.عبد الرحمن بدوي عن ترجمة عربية قديمة من منتصف القرن الرابع الهجري ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1982).
2- مؤلفات عربية قديمة*
· الدينوري ( أبو حنيفة أحمد) ( ت895 م) عالم ومؤرخ عربي:
o ”الأخبار الطوال” (تاريخ عام من وجهة النظر الفارسية.
· اليعقوبي (أحمد) (ت بعد 905 م) جغرافي ومؤرخ بغدادي كثير الأسفار:
o ”التاريخ” (ينتهي سنة 258 هـ/872 م)
· الطبري ( أبو جعفر محمد بن جرير) (ت 310هـ/923 م) : مؤرخ ومفسر وفقيه شافعي، ولد في آمل بطبرستان، استوطن بغداد وتوفي بها:
o ”تاريخ الأمم والملوك” ( من خلق العالم حتى 302هـ/915 م)
· المسعودي ( أبو الحسن علي) (ت346 هـ/957 م): مؤرخ ورحالة من أهل بغداد، من ذرية الصحابي إبن مسعود. رحل إلى بلاد كثيرة وأقام في مصر وتوفي فيها لقب بـ(هيرودوتس العرب):
o ”مروج الذهب ومعادن الجوهر” حتى عام 947 م
o ”التنبيه والإشراف” في فلسفة التاريخ والطبيعة.
· مسكويه (أو ابن مسكويه، أبو علي أحمد) (ت 1030 م) مؤرخ له مشاركة في المنطق والكيمياء ، عاش في أصفهان، خدم بني بُوَيه:
o ”تجارب الأمم وتعاقب الهمم” ينتهي بعام 979 م.
· ابن الأثير (عز الدين علي) (1160-1234 م) مؤرخ كبير ولد بجزيرة ابن عمر علي دجلة وزها في الموصل:
o ”الكامل في التاريخ” ضمنه مختصره لتاريخ الطبري موصلاً ذكر الحوادث إلى 1231 م.
· ابن الجوزي (سِبط) (1186-1257 م) مؤرخ بغدادي:
o ”مرآة الزمان في تاريخ الأيام” (من الخلق حتى 1256 م)
· أبو الفداء ( اسماعيل) (1273-1331 م): أمير عربي مؤرخ جغرافي، صاحب حماه:
o ”المختصر في أخبار البشر” (ملخص تاريخ ابن الأثير أوصله إلى عصره).
· ابن خلدون ( عبد الرحمن أبو زيد) (1323-1406 م) مؤرخ وفيلسوف اجتماعي عربي، من أعلام زمانه في الإدارة والسياسة والقضاء والأدب والعلوم، ولد في تونس وتوفي في القاهرة، تولى أعمالاً سياسية في فاس وغرناطة وتلمسان.
o ”المقدمة”
o ”كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”.
3- مؤلفات حديثة:
· مطران خليل ( 1871-1949 م) شاعر وأديب لبناني هاجر إلى مصر:
o ”مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام” (1897) ، وتوجد منه نسختان في مكتبة الأسد بدمشق، إحداهما أصلية والأخرى أحدث صادرة عن دار مارون عبود.
· نهرو جواهر لال (1889-1964) : سياسي هندي ورئيس وزارة (1947-1964):
o ”لمحات من تاريخ العالم” (1934) تعريب لجنة من الأساتذة الجامعيين (دار الجيل- بيروت- طبعة جديدة عام 1997).
· ديورانت ويل (1885-1981) وزوجته آريل (1898-1981)*:
o ”قصة الحضارة” (الطبعة الانكليزية 1935-1975) ترجمت بإشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في جامعة الدول العربية. وتوجد لها نسخة رخيصة الثمن في مشروع مكتبة الأسرة.
o ”الوجيز في قصة الحضارة” عن كتاب ديورانت السابق في سبعة أجزاء صغيرة من إعداد د.غازي مختار طليمات ( دار طلاس، دمشق، 1997).
o ”دروس التاريخ” لويل وآريل ديورانت (ترجمة علي شلش، دار سعاد الصباح، الكويت 1993).
o ”أبطال من التاريخ” لويل ديورانت ( ترجمة سامي الكعكي وسمير كرم، مراجعة عمر الأيوبي، دار الكتاب العربي، بيروت 2003).
· ولز (هربرت جـ) (1866-1946) روائي إنكليزي:
o ”موجز تاريخ العالم” (الطبعة الإنكليزية 1944) ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة الثانية 1999.
· أساتذة من جامعة السوربون:
o ”تاريخ الحضارات العام” الواقع في سبعة مجلدات كبيرة، ترجمه عن الفرنسية فريد .م. داغر، وفؤاد .ج. أبو ريحان، ويوسف سعد داغر، وأحمد عويدات، منشورات عويدات، بيروت، باريس، الطبعة الثانية 1993 عن Histoire Générale des Civilizations ed. Maurice Crouzet (1953-1955).
· توينبي آرنولد (1989-1975) مؤرخ إنكليزي:
o ”تاريخ البشرية” Mankind and Mother Earth 1967 ترجمة الدكتور نقولا زيادة ( الطبعة الرابعة 2003- الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت).
· مؤرخون سوفييت:
o ” موجز تاريخ العالم” وهو يقع في ثلاثة أجزاء من تأليف جماعة من المؤرخين السوفييت من معهد التاريخ بأكاديمية العلوم في الإتحاد السوفييتي، ترجمه محمد عيتاني وسليمة شعلان ووداد مراد (دار الفارابي، بيروت 1989-1990).

مقدمة
لقد كتبت منذ سنوات كتاباً عنوانه ” تاريخ العالم” ثم اقترح علي ناشري أن أكتب تاريخاً موجزاً للعام، وكنت أعلم أن هذا الأمر سوف يكون أصعب من تأليف الكتاب الأكبر، فليست هذه نسخة مركزة من الكتاب السابق، لأنك لا تستطيع أن تختصر تاريخاً عاماً بأن تختزل الصفحات إلى فقرات والفقرات إلى جمل، بل يجب أن تعيد توزيع المواضيع بشكل مختلف وأحياناً بتسلسل مختلف أيضاً إذا أردت ضم الأفكار الأساسية في حيز أصغر.
كما أنه لابد من حذف بعض الأشياء بينما تأخذ أشياءً أخرى وزناً أكبر، ولا بأس بذلك، لأن التاريخ إنما هو سرد الأمور التي يجدها المؤرخ هامة عندما يريد عن الإجابة عن أسئلة يطرحها، فالحقيقة أنه مهما بدا موضوعه صغيراً ومهما كان كتابه كبيراً، فإن لن يقدر إلا على ذكر الأشياء التي يراها هامة ومرتبطة بموضوعه من وجهة نظره في الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها هو نفسه.
قد يستغرب بعض القراء اختياري للأشياء أو الأشخاص الذين وجدتهم هامين ومرتبطين بموضوعي في هذا الكتاب، وربما وجدوا تفسيراً لهذا في المقدمات التي كتبتها لطبعات من النسخة السابقة الأكبر حيث كانت مقاربتي أطول. وأنا لم أعط هذا الكتاب الزمن نفسه لكل جزء من أجزاء العالم ولا لكل فرع من فروع البشر، فصحيح أن اتجاه التاريخ وشكله يتحددان عادة بأعمال الجماعات الكبيرة من الناس، إلا أنه ليس ديمقراطياً أبداُ، إذ أن الأعداد الكبيرة من البشر ذات دور هام في تحديد مجرى الأمور عندما يرتحل الناس في هجرات كبيرة مثلاً أو يضعون أنماطاً من الزراعة أو الصناعة ترسم مصائر أماكن هامة من كوكبنا، أو عندما يتبعون معلماً دينياً أو عقائد أو حتى قادة سياسيين بأعداد غفيرة، وما إلى ذلك.
ولكن الأعداد وحدها لا تشكل العنصر الهام في التاريخ؛ فالصين مثلاً تضم منذ بداية الأزمنة التاريخية نسبة كبيرة من العرق البشري، إلا أن تأثيرها بقي شبه معدوم لزمن طويل. كذلك فإن النساء يشكلن نصف العرق البشري تقريباً، ورغم أنه كانت لهن أحياناً سلطة ونفوذ كبيران في بعض الأماكن، فإن أكثر المجتمعات كانت ومازالت تعطي سلطة ونفوذاً أكبر للرجال.
ولهذا يحق أن نقول أن التاريخ هو قصة الظلم والقمع التي مارسته الترتيبات الاجتماعية ”الأبوية” على النساء، ولا يهمنا ما فعلته الأعداد الكبيرة من البشر فقط، بل تهمنا أيضاً مصائر الأعداد الكبيرة منهم.
إن أكثر طريقة منطقية في تحديد الأشياء المهمة في التاريخ هي أن نعرف عدد الناس الذين تأثروا بها في المحصلة. فقد غيرت بعض الأفكار والحقائق الجغرافية والاكتشافات والمجتمعات وحتى بعض الأفراد حياة مئات بل آلاف الملايين من الأشخاص، وهي التي حددت السبل التي سلكتها البشرية دون سواها.
ويجب أن أقول هنا أن هذه الرواية المختصرة لتاريخ العالم لا تسمح إلا بذكر أسماء أفراد قلائل هم الذين غيروا الإمكانيات المتاحة لغيرهم من البشر. ولا يعني هذا أن تاريخ الملايين من الناس المغمورين غير جدير بالدراسة، بل إن كل شيء في الماضي يستحق الدراسة، ولكن يبقى هذا الكتاب الموجز دليلاً على أن تلك الملايين من الناس ربما كانت ستعيش بصورة مختلفة تماماً لو لم يأت أولئك الأفراد القلائل بأعمالهم التي غيرت العالم.
ولما كان هذا الكتاب قد نشأ من كتاب سابق له فيجب علي من جديد أن أوجه شكري لكل من ساعدني والذين شكرتهم في المقدمات السابقة. ولكن يجب أيضاً أن أقدم اعترافاً خاصاً بالجميل لشخصين اثنين من أجل مساهمتهما في هذا الكتاب. إنني أدين بالمعروف الكبير لناشري ديفيد أتول لأنه هو الذي اقترح هذا المشروع أصلاً، ولمحررتي آن لوسي نورتن لأنها كثيراً ما حفزت همتي الضعيفة في هذا المشوار الذي كان كانت العوائق فيه أكبر مما ظننا في البداية. وأجد نفسي الآن ممتناً لهما امتناناً عميقاً وأشكرهما شكراً حاراً، ولو أنني لم أكن واعياً لفضلهما هذا أثناء إنجاز العمل.

الخامس من آب (أغسطس) 1993

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:43 AM
البدايات

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


البدايات
تستخدم كلمة تاريخ عادةً للدلالة على شيئين مختلفين: فهي تعني ما حدث في الماضي؛ كما أنها تعني الوصف الصحيح لما حدث فيه. وعندما نصف ما حدث في الماضي فإننا دائماً نختار منه أشياء دون غيرها، وعندما نصف تاريخ العالم كله لا نستطيع أن نأخذ بعين الاعتبار كل الزمن الماضي، بل يمكننا أن نتجاهل القسم الأكبر منه فلا حاجة بنا أن نعود إلى زمن "الانفجار الكبير" الذي انبثق منه الكون لكي نفهم وضعنا الحالي.
إن التاريخ هو قصة البشر، لذلك فإن ما يهمّنا هو ماضي البشر، وحتى عندما يبحث المؤرخون في أمور خارج سيطرة البشر مثل الجغرافية والمناخ والأمراض، فإنهم يبغون من ذلك أن يعرفوا لماذا عاش الناس وماتوا بطرق ما دون سواها؛ أي أن التاريخ بمعناه الأول –ما حدث في الماضي – هو ما حدث للبشر وما فعلوه هم أنفسهم.
يختصر هذا الأمر قسطاً كبيراً من الزمن الذي ينبغي علينا دراسته، ولكنه يترك مع ذلك قدراً كبيراً جداً لابد من معالجته. كما أنه لا يبين لنا تماماً أين يجب أن نبدأ. يمكننا نظرياً أن نبدأ بأول كائن بشري، ولكننا لا نعلم متى ظهر ذلك الكائن ولا أين؟! بل يمكننا أن نخمن ذلك بحذر وضمن حدود واسعة، والأصعب من هذا أنه ليس ثمة إجماع على الكائنات التي يمكن أن نعتبرها "بشرية" بين التي عاشت في الأزمنة الباكرة، وأين عبرت الخط الذي يفصل بينها وبين غيرها من الحيوانات.
من العسير أن نرسم خطاً واضحاً بين البشر والكائنات السابقة لها، ولم يعد الناس يتحدثون عن "البشر القردة" أو "الحلقات المفقودة" كما كانوا يفعلون في السابق. صحيح أن الفيزيولوجيا تساعدنا في تصنيف المعلومات، إلا أن صفة "بشري" مازالت موضوع تعريف قد يختلف الناس فيه. إن ما يتفرّد به البشر بشكل أكيد ومميّز ليس امتلاكهم خصائص معينة فحسب، بل ما يفعلونه بتلك الخصائص. لقد أبدى البشر دوماً قدرة تراكمية على صنع التغيير لم يبد مثلها أي نوع آخر، وصنعوا تاريخهم بأنفسهم- ولو كان ذلك ضمن حدود بالطبع – وقد صارت هذه الحدود اليوم واسعة جداً، ولكنها كانت ذات يوم ضيقة للغاية، بحيث لا يمكننا أن نميز الخطوة الأولى التي أخرجت التطور البشري من حتمية الطبيعة. إن تاريخ البشر قد ابتدأ عندما اخترق الاختيار الواعي للمرة الأولى ميراث الجينات والسلوك بعد أن كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة للبقاء.
فعندما ظهرت إمكانية التحرر من حتمية الطبيعة ولو بأوهى درجاتها كانت تلك بداية تغير عظيم جداً، فمنذ ذلك الحين صارت ثقافة البشر تطورية، ولم تعد تبنى بالصدفة وضغوط الطبيعة وحدها، بل أيضاً بالاختيار الواعي وبتراكم رأس مال من الخبرة والمعرفة وباستغلالها. ومن عند ذلك التحول ينبغي علينا أن نبدأ قصتنا، لو كان بإمكاننا أن نعرف متى حدث.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:44 AM
التطور

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ

التطور
يقبل أكثر علماء البيولوجيا اليوم شكلاً من أشكال نظرية تفسر التطور "بالاصطفاء الطبيعي"، ويتفق الكثيرون منهم – ولكن ليس كلهم – على أن التطور يعمل من خلال البيئة، بحيث تشجع بيئة معينة بينما تعيق بقاء سلالات أخرى. ثم تنتقل تلك الرسائل الجينية التي بقيت إلى الجيل الثاني، أما الأخرى فلا تنتقل لأن البيئة تستأصلها قبل انتقال الميراث الجيني. فهناك مثلاً آليات معينة لحفظ حرارة الجسم في بعض الأنواع تسمح لها بالاستمرار في العيش ضمن المناخ البارد –كما هي حال البطريق- أما الأنواع الأخرى التي لا تمتلك تلك الآليات فإنها لا تقدر على العيش في ذلك المناخ، لا تجدها إلا خارجها، هذا إذا وجدت أصلاً.
قد يبدو هذا الأمر بعيداً عن قصة البشرية، ولكنه ضروري لفهم جذور قصتنا الكامنة في الماضي السحيق. لقد بقي التطور البيولوجي زمناً طويلاً يسير ببطء عجيب ضمن الإمكانيات التي تتيحها البيئات المختلفة للمتعضّيات ثم للحيوانات المختلفة. وكان العامل الحاسم في توفير تلك البيئات المختلفة هو المناخ. فمنذ حوالي أربعين مليون سنة بدأت نهاية حقبة مناخية طويلة كانت موائمة للزواحف الكبيرة، وأشهرها الديناصورات. كان العالم يبرد عندئذٍ ، وراحت الظروف المناخية الجديدة تقلص بيئة تلك الزواحف الكبيرة التي أدت في النهاية إلى اختفائها – ويعتقد البعض أن هناك عوامل أخرى غير المناخ قد لعبت دورها أيضاً – إلا أن الظروف الجديدة كانت ملائمة لسلالات أخرى من الحيوانات كانت موجودة من قبل، ومنها ثدييات كان أجدادها الصغار جداً قد ظهروا قبل ذلك بحوالي مائتي مليون سنة. لقد ورثت تلك الثدييات الأرض أو جزءاً كبيراً منها، ثم مرت سلالاتها بتطور فيه الكثير من الانقطاع وحوادث الاصطفاء، حتى تطورت إلى عائلات الثدييات التي تعيش اليوم، ومنها عائلتنا.
ولكن هذه لم تكن نهاية قصة المناخ كعامل انتقاء في التطور، بل بقيت تحدث تقلبات عظيمة في درجات الحرارة، ولو أنها كانت تستغرق مئات آلاف بل ملايين السنين لكي تأخذ كامل مجراها. لقد مرت الأرض بدرجات قصوى من التجمد من ناحية والجفاف من ناحية أخرى. قضت على بعض خطوط التطور الممكنة، في حين ظهرت بالمقابل في أزمنة وأمكنة غيرها ظروف موائمة سمحت لبعض الأنواع بالازدهار وشجعت انتشارها في مواطن جديدة. كانت تلك عملية طويلة للغاية، وكان المناخ يهيئ خلالها خشبة المسرح لتاريخ البشرية، حتى قبل ظهور الكائنات التي سوف يتطور منها البشر، وكان يشكل عبر الاصطفاء الميراث الجيني النهائي للبشرية نفسها.
منذ حوالي خمس وخمسين مليون سنة كانت الثدييات البدائية على نوعين أساسيين: أحدهما يشبه القوارض وقد بقي على الأرض، في حين سكن النوع الآخر الأشجار، وبذلك انخفض التنافس بين العائلتين على موارد الطبيعة. ثم استمرت سلالات من كل منهما لتصبح في النهاية الكائنات التي نعرفها اليوم.
تسمى المجموعة الثانية الآن اللّيموريّات prosimians ونحن من بين أحفادها، لأنها كانت أجداد الرئيسات الأولى* . إن السلالات التي بقيت في المرحلة التالية من تطور الليموريات هي السلالات الجينية الأكثر ملائمة لتحديات الغابة ومخاطرها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-1.jpg
من فصيلة الليموريات
كانت الغابة بيئة خطرة قد لا تنفذ أشعة الشمس إليها إلا قليلاً، لذلك صار للتعلم أهمية قصوى، وقد زالت السلالات المعرضة للحوادث في تلك الظروف، بينما استمرت تلك التي استطاع ميراثها الجيني أن يستجيب ويتأقلم مع أخطار الظلام الدامس والأشكال الغامضة وصعوبة التثبت بالأيدي.
من تلك الأجناس التي ازدهرت – من الناحية الوراثية- أنواع ذوات أصابع طويلة سوف تتطور إلى الأصابع التي نعرفها، وإلى الإبهام الذي يستطيع مقابلة الأصابع الأخرى فيسهل الإمساك بالأغصان، ثم بالأدوات في مرحلة لاحقة. وتطورت أنواع غيرها نحو الرؤية الثلاثية الأبعاد وتراجع حاسة الشم وشكل الوجه القريب من الشكل البشري. ولا حاجة بنا هنا إلى تتبع تفاصيل هذه القصة أكثر من هذا، فهي في غاية التعقيد ومازالت موضع أخذ ورد بين المختصين، ولكنها الخلفية الضرورية لفهم إحدى نتائج التطور، ألا وهي ظهور الفرع الأساسي من عائلة الرئيسات الذي ينتمي إليه البشر، أي فرع البشريات.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:46 AM
البشريات

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



البشريات
ظهرت أولى القردة منذ حوالي 25 مليون سنة، وكانت أرقى الرئيسات تطوراً في زمانها، فقد كانت أجسامها وأدمغتها أكبر بكثير من الرئيسات الأسبق. ثم تطورت منها سلالات جديدة ملائمة لحياة السهوب التي بدأت تمتد على حساب الغابات بسبب تغير المناخ.
كانت هذه السلالات أفضل من فصائل القرديات، أي القردة والقردة الكبيرة ، في مواجهة الظروف الجديدة. وكانت بعضها تمشي منتصبة وتستطيع الجري بصورة لا تقدر عليها القرود. من هذه السلالات نشأ الخط التطوري المسمى البشريات. وتشير بقايا المستحاثّات إلى إمكانية تميز كائنات عاشت بين ثلاثة إلى أربعة ملايين سنة مضت يمكن اعتبارها من بين "أجدادنا". وتوجد أول آثارها في جنوب أفريقيا وشرقها، حيث جرت اكتشافات في تنزانيا الحالية في موقع يدعى ممر أولدفاي في خمسينيات القرن العشرين قلبت الأفكار التي كانت سائدة قبلها حول أصول البشر رأساً على عقب. وطوال الأربعين عاماً التالية راحت اكتشافات العلماء الجديدة توسع المجال الزمني الذي يدور فيه الجدل حول أصول الإنسان.
صحيح أن اكتشافات أخرى هامة قد حدثت في أفريقيا بعدها، وأن الاستنتاجات الأولى صارت الآن موضوع تساؤلات كثيرة، إلا أن البقايا التي وجدت في ممر أولدفاي مازالت أفضل نقطة بداية لسرد ما نعرفه.
لم تبدُ تلك البقايا ذات أهمية كبيرة في البداية، فالبحث الطويل لم يعطِ إلا مجموعة من القطع المتفرقة التي يمكن أن تتسع لها طاولة واحدة كبيرة. لقد وجد أكثر من ألف سن وحوالي اثنتي عشر جمجمة، أما من عظام الحوض فلم يكتشف إلا ثلاثة إضافة إلى لوح كتف واحد وعظام أخرى متفرقة. ولكن أهمية هذا الاكتشاف تكمن في أن هذه العظام كانت بقايا كائنات من نوع غير معروف سابقاً. سمي قرد الجنوب الأفريقي Australopithecus africanus وبدا أن عمر تلك البقايا بين مليونين وثلاثة ملايين سنة.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-2.jpg

قرد الجنوب الإفريقي
كان طول قرد الجنوب هذا حوالي أربعة أقدام* ، وكان حوضه وساقاه وقدماه أقرب إلى البشر منها إلى القردة، أما جمجمته فكانت أشبه بالشكل القردي وتحمل دماغاً أكبر من حجم دماغ الغوريلا إضافةً إلى فك ضخم. وكانت طرفاه الأماميان ينتهيان بيدين حقيقيتين، ورؤوس أصابعه منبسطة النهايات مثل أصابع البشر. كما يمكننا استنتاج بعض الأمور عن سلوكه أيضاً، إذ تشير الأدلة إلى إقامته في المكان نفسه لفترات طويلة، ويعتقد العلماء أن ممر أولدفاي يقدم أول دليل على قيام البشريات بعمليات البناء، لأنهم وجدوا حاجزاً لاتقاء الريح مبنياً من الحجارة.
من المؤكد أن تلك الكائنات كانت من آكلات اللحم، إذ وجدت أيضاً عظام سحقت لاستخراج النقي منها والدماغ من الجماجم، وبما أنه لم تكن هناك نار لطهيها فلابد أنهم كانوا يأكلونها نيئة. كان هذا اللحم على الأرجح لحم جيف وجدوه أثناء بحثهم عن الطعام، ولكن تناول اللحم أمر ذو أهمية كبيرة، لأنه في الحقيقة طعام مركّز، لذلك لا يحتاج من يتناوله إلى الأكل على نحو دائم أو متكرر. ومن ناحية أخرى يمثل تناول اللحم مشاكل تقنية، لأن سحق العظام وكشط الجلد واللحم لا يمكن أن تكون عملية سهلة بالنسبة لكائنات متحدّرة من كائنات نباتية، فهي ليس لها الأسنان والمخالب الحادة التي تملكها بعض الثدييات الأخرى. لقد كانوا إذا ً بحاجة إلى مساعدة في حل هذه المشاكل، وربما كان في هذا الأمر تفسير لواحدة من أكثر الحقائق إثارةً بين اكتشافات أولدفاي، ألا وهي أن قرد الجنوب كان صانع أدوات.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:50 AM
الصفات البشرية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



الصفات البشرية
دلت الحفريات على أن أنواعاً مختلفة من الحجر قد جلبت إلى أولدفاي بعد التقاطها في مكان آخر، أي أنها انتقيت من بين غيرها. وقد عولجت تلك الأحجار بأن نزعت عنها رقائق للحصول على حد مسنن، فتحولت إلى سواطير فجة يمكن إمساكها باليد. وكانت تلك أول أدوات قاطعة صنعت بشكل مقصود، أي أن التقنية قد ابتدأت هنا منذ مليوني سنة.
إن ممر أولدفاي هو أول معلم في عملية صنع الأدوات، وهي عملية طويلة انتشرت ببطء في كافة أنحاء العالم، وسوف تحسّن تلك الأدوات ويكثر عددها جداً، ولكن الأدوات الحجرية بقيت طوال القسم الأكبر مما قبل تاريخ البشر وطوال القسم الأكبر من حياة جنسنا نفسه أيضاً هي الأدوات الأساسية في معالجة البيئة.
مازالت هناك أسئلة كثيرة معلقة فيما يخص مكتشفات أولدفاي، وأهم تلك الأسئلة هي: هل كانت تلك الكائنات حقاً جزءاً من أجداد البشر أصلاً؟ إنها بالتأكيد بشريات ، ولكنها ربما كانت تنتمي إلى سلالة غير التي تحدّرنا منها نحن، أي أنهم، ربما كانوا أولاد أعمام لنا بعيدين وليسوا أجداداً مباشرين. صحيح أنهم يشتركوا ببعض الصفات مع البشر اللاحقين، إلا أنهم في الوقت نفسه، يختلفون عنهم كثيراً في شكل جمجمتهم مثلاً وفي قصر قامتهم.
إن بعض العلماء يعتقدون بوجود "جد" مشترك في سلسلة أخرى أقدم، تحدّر منها كل من البشر وقردة الجنوب، ولكن الموضوع الأهم هو: ما موقع قرد الجنوب على سلم التطور؟ هل هو شكل أولي من الكائنات البشرية؟ أو يمكننا أن نسأل السؤال نفسه بطريقة أخرى: أين ينتهي التاريخ الطبيعي ويبدأ ما قبل التاريخ؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تعتمد على تعاريفنا أصلاً، لأن الجواب يعتمد على ما نختار أن نعتبره من جوهر الطبيعة البشرية.
قال البعض إن اللغة هي التي تميز البشر، ولكن الحقيقة أن هناك حيوانات أخرى تصدر أصواتاً مختلفة كإشارات، وتقوم بحركات يبدو أن لها معاني، فما هي النقطة التي يمكننا أن نعتبر عندها الأشياء لغة؟ .
أما فيما يتعلق بعملية البناء فلا ننس أن النمل والنحل والطيور وحيوانات القندس قادرة عليها على نحو رائع، لقد اقترح بعضهم معياراً آخر لتمييز البشر هو استخدام الأدوات، ولكن هذا الأمر غير محصور بالبشر وحدهم، فالقردة تستخدم العصي لوكز أعشاش الحشرات، أو لمساعدتها في الوصول إلى أشياء بعيدة عن متناول يدها، إلا أن الرئيسات العليا القليلة غير البشرية التي وجد أنها تستخدم الأدوات إنما تستخدمها بطريقة بسيطة جداً، كما تبين الأمثلة، ويبدو أنها لا تصنع الأدوات بهدف معين من أجل الوصول إلى فائدة ما في المستقبل. فربما كان صنع الأدوات إذن معياراً أفضل من استعمالها يميز البشر عن غيرهم من الكائنات. وأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تعلم أنه يفكر بشكل واع في التغيرات الممكنة في بيئته وفي أساليب تحقيقها.
ثمة سبب يجعلنا نعتقد أن سكان موقع أولدفاي أولئك كانوا مختلفين عن غيرهم من الرئيسات. فلما كانت الأحجار، وربما اللحم أيضاً، تجلب من مناطق بعيدة نسبياً، ولما كان جسم قرد الجنوب لا يسمح بتعلق صغاره بأمهم أثناء تنقلها مثل الرئيسات الأخرى على ما يبدو، فربما كان أولدفاي أول مثال نعرفه عن كائنات كان لها بيت تأوي إليه. إن البشر وحدهم من بين الرئيسات لديهم أماكن تبقى فيها الإناث والصغار لفترات طويلة، بينما يبحث الذكور عن الطعام ويحضرونه إليهم.
ويوحي هذا بأمر آخر يتعلق بعقل قرد الجنوب: يبدو أن تلك الكائنات كانت قادرة على التفكير بما سيحدث ولو بطريقة فظة ومبهمة، وقادرة على مقاومة الرغبة بتقطيع طعامها وتناوله حيث تجده، وتبدي ما يكفي من السيطرة على النفس لكي تحمله إلى بيتها لاستهلاكه هناك. إن كبح الدوافع الطبيعية لضمان الرضا مستقبلاً يكمن في أصل كل ما أنجزته البشرية، ويسمي علماء النفس هذه الآلية بعملية "النهي" وهي البداية البعيدة للتخطيط الواعي.
إلا أن الاكتشافات التي حصلت بعد ذلك قد زادت الأمور تعقيداً، إذ يبدو الآن أن قرد الجنوب قد وجد بأنواع عديدة، كما وجدت مؤخراً في مكان آخر من شرق أفريقيا أدلة على وجود كائنات أخرى كانت تعيش في الزمن نفسه، وهي تبدو أقرب إلى البشر اللاحقين، أقله من الناحية الجسمانية.
أي أن قردة الجنوب لم تكن البشريات الوحيدة في العالم منذ حوالي مليونين أو ثلاثة ملايين سنة. ولما كانت بعض تلك الكائنات الأخرى أشبه بالبشر من الناحية الجسدية فقد أطلق عليها اسم فصيلة Homo وهي الكلمة اللاتينية التي تعني الإنسان، وقد وجدت بقايا بعضها من سنوات قليلة قرب بحيرة رودولف* في كينيا، ويبدو أن طول أفرادها يبلغ خمسة أقدام* تقريباً، وأن دماغها أكبر بمرتين تقريباً من دماغ الشامبانزي الحالي.
ليس من السهل على غير المختص أن يجد طريقه بين أدلة مازال الجدال محتدماً حولها بين المختصين، ولا ننس أبداً أننا في أكثر الحالات تحت رحمة ما حالفنا الحظ بإيجاده، فليس من الضروري أن يكون ما اكتشف في أولدفاي نموذجاً لبقية أنحاء العالم، أو حتى لشرق أفريقيا في حوالي عام 2.000.000 قبل الميلاد ، أي أن هذه الأشياء ربما لم تبق إلا بمحض الصدفة. وربما تبدلت الصورة إذا ما اكتشفت أدلة أخرى، ولكن مع هذا يبدو من المرجح أن يكون البحث عن أصول البشرية في أفريقيا، حيث كانت تعيش منذ ثلاثة أو أربعة ملايين سنة، كائنات تنتمي لأكثر من نوع واحد وتشبه البشر في بعض النواحي. ويبدو أن بعضها وبالأخص قردة الجنوب قد نجحت نجاحاً كبيراً من الناحية البيولوجية، إذ تشير الأدلة إلى أنها كانت في حوالي عام 1.000.000 ق.م موجودة في كافة أنحاء العالم خارج الأمريكيتين وأستراليا.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:52 AM
الإنسان المنتصب

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ

الإنسان المنتصب
تزداد قصتنا تعقيداً بسرعة بعد حوالي 2.000.000 قبل الميلاد، إلا أن العلماء باتوا اليوم ماهرين في التمييز بين البشريات المختلفة. وما يهمنا بالنسبة لغرضنا هنا هو أن السلالة البيولوجية التي نشأ منها البشر كانت متفوقة في قدراتها، ويدل على هذا استمرارها، فرغم تقلبات المناخ على مدى ملايين السنين أظهرت الأنواع ذات الصفات البشرية قدرة على البقاء والانتشار والتأقلم مع الظروف المتغيرة تفوق قدرة كائنات كثيرة، ولو بدت لنا ضعيفة التطور. صحيح أننا نتحدث عن تغيرات مناخية استغرقت عشرات الألوف من السنين، إلا أنها كانت تغيرات سريعة بالقياس إلى الظروف الأكثر ثباتاً خلال ملايين السنين التي سبقتها. إن هذه التقلبات السريعة نسبياً تشمل ما نسميه "العصور الجليدية" ، التي استمر كل منها من 50 إلى مئة ألف سنة. خلال العصور الجليدية كانت مناطق شاسعة من نصف الكرة الشمالي مغطاة بألواح جليد هائلة بما فيها قسم كبير من أوروبا وأمريكا حتى مدينة نيويورك الحالية جنوباً، تزيد سماكتها أحياناً عن الميل* . وقد ميز العلماء الآن سبعة عشر أو تسعة عشر عصراً جليدياً، ومازال الخلاف دائراً حول عددها الدقيق، ابتدأ أولها منذ أكثر من ثلاثة ملايين عام، أما آخرها فقد انتهى منذ حوالي عشرة آلاف عام.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-3.jpg

الإنسان المنتصب
كان أثر عصور الجليد على الحياة والتطور هائلاً، لأن امتداد الجليد البطيء كان حاسماً وكارثياً أحياناً على كل ما يقع في طريقه. ومازالت تضاريس طبيعتنا اليوم مشكّلة بفعل حتّ الجليد منذ آلاف القرون، وعندما ذاب الجليد نتجت عنه فيضانات واسعة لابد أن يكون لها فعل الكارثة محلياً، لأنها خربت مواطن الكائنات التي تأقلمت مع تحدي الحياة القطبية. إلا أن ذوبان الجليد كان يحمل أيضاً فرصاً جديدة، لأن المناطق التي يكشفها بزواله تصبح مساكن لأنواع جديدة.
وربما كان الأهم من ذلك في مجمل قصة التطور هو تتالي حدوث البرودة والدفء بصورة متكررة على بعد آلاف الأميال من الجليد نفسه، مما أدى إلى ظهور بيئات جديدة، وتبدّل الجفاف إلى انتشار المناطق العشبية الذي أعطى فرصة لعيش الأنواع الموجودة، والتي يشكل بعضها جزءاً من قصة تطور البشر. والجدير بالذكر أن أفريقيا كانت بعيدة عن أكبر حقول الجليد.
مازال المناخ بالطبع مهماً جداً في أيامنا أحياناً، ولكن محلياً، وعلى مدى أقصر بكثير من الماضي، فهو لم يعد يحدد أماكن بقاء البشر على نحو مطلق. أما في عصور ما قبل التاريخ فقد كان المناخ هو الذي يحدد ذلك، ولم يتمكن البشر من التغلب عليه إلا بصفات جسدية وعقلية اكتسبوها ببطء.
كانت بعض سلالات البشريات أقدر من غيرها على التعامل مع الطبيعة والتحكم بها إلى حد ما. ولنعد إلى موضوع إصبع الإبهام عند البشر، الذي ذكرنا سابقاً أصوله البعيدة، فكثيراً ما يغيب عن بالنا فائدة إصبع الإبهام وأهميته الكبيرتين: إن تقريبه من السبابة يسمح لنا بالتقاط الأشياء الصغيرة، كما يمكننا أن نلفه حول ساعد سلاح أو أداة لكي نحكم قبضتنا عليه، وهو يسهل كثيراُ عملية صنع الأدوات، عدا عن عزف البيانو ورسم اللوحات وممارسة الرياضة بالطبع.
إلا أن الناحية الحاسمة في تفوق البشر على غيرهم من الحيوانات كانت على الأرجح كبر حجم دماغهم، وربما كان هو ما سمح لبعض البشريات بالتفكير في الغد. لقد تضافر هذا العامل مع وجود بيت تأوي إليه البشريات فجعلا بقاءها أسهل. إن صغار البشريات بحاجة إلى زمن طويل لكي تنمو، ولابد أن تكون القدرة على التفكير مع وجود بيت يلجؤون إليه قد سهلت نموهم حتى يصبحوا بالغين ويربوا صغارهم بدورهم. كما أن البيت قد مكن من الراحة والتعافي من الأمراض والحوادث. وكيفما جرت تلك الأمور فإن النتيجة النهائية واضحة: فقد اختيرت الأنواع ذوات الصفات الأكثر بشرية رويداً رويداً عبر آلية الاصطفاء الطبيعي القاسية.
كانت الطبيعة حتى ذلك الحين قد عملت على إزالة السلالات الجينية العاجزة عن التأقلم الجسدي مع تحديات البيئة، ولكن عندما تسلحت بعضها بالحذر وبعد النظر والمهارة صار بإمكانها أن تتجنب الكوارث وصارت هناك قوة جديدة في عملية الاصطفاء، وهي تشبه كثيراً ما نسميه بالذكاء البشري، فعند هذا المنعطف نبدأ البحث عن المحطة التي نزلنا منها إلى البشرية. وتقدم تلك القوة العلامات الأولى على ذلك التأثير الإيجابي والواعي على البيئة، والذي يدل على أبكر إنجازات البشر.
إلا أن هذه الأفكار كلها تبقى ضرباً من التخمين، ولا يجوز أن ننسى أبداً أن معلوماتنا عن قسم كبير مما قبل التاريخ هي معلومات زهيدة للغاية. فأوروبا مثلاً لا تحوي إلا كهفاً واحداً وجدت فيه أدوات تشبه أدوات قرد الجنوب في أفريقيا، ولا يزيد عمرها عن المليون سنة إلا قليلاً.
بعد ذلك الزمان بمرحلة طويلة نجد أدلة على خطوة أخرى هامة في التطور البشري، فقد ظهر كائن ذو نمط جسماني جديد في حوالي 800.000 ق.م، ثم انتشر رويداً رويداً في كافة أنحاء "العالم القديم" ( أي بر أفريقيا وأوروبا وآسيا التي انفصلت الآن عن الأمريكيتين وعن جزر جنوب شرقي آسيا) بحلول عام 250.000 ق.م تقريباً. تدعى الأشكال الأبكر من هذا الكائن "الإنسان الماهر"، وقد سميت تطورات لاحقة إلى نوع آخر بـ"الإنسان المنتصب".

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-4.jpg

الإنسان الماهر

إن الفرق الحاسم بين الإنسان المنتصب والكائنات السابقة الشبيهة بالإنسان، هو في الحجم، وخاصةً حجم الدماغ. فقد طورت إحدى السلالات دماغاً أكبر بمرتين تقريباً من دماغ قرد الجنوب، وأقرب بكثير إلى الإنسان الحديث من دماغ أي من البشريات الأسبق. وكانت هناك كائنات أخرى شبيهة بالإنسان وذوات دماغ كبير، وجدت أجزاء بعضها في أماكن بعيدة مثل الصين وجاوة*.
ولكن يبدو أن الإنسان المنتصب قد نشأ في أفريقيا ثم انتشر إلى أوروبا والقسم الأكبر من آسيا. وقد حاول العلماء أن يقيسوا الفترة التي استغرقها هذا الانتشار، وتقول إحدى النظريات إنها دامت ثلاثة أو أربعة آلاف سنة، كان ينتشر فيها بمعدل ميل واحد* في العام باتجاه الشمال عبر الصحراء الكبرى الحالية والشرق الأدنى إلى فرنسا.
ورغم أنه لم يترك له مستحاثات في أوروبا فإنه استمر فترة أطوال بحوالي عشر مرات من فترة وجود البشر كما نعرفها. ويمكننا تقصي أثره من خلال أدوات خاصة كان يستخدمها، أهمها الأداة الحجرية المسماة بالفأس اليدوية. وقد دلت أماكن اكتشاف هذه الأداة على الأماكن التي سكنها الإنسان المنتصب وازدهر فيها.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:54 AM
الصيد

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



الصيد
بالرغم من الفجوات الهائلة في معرفتنا بالإنسان المنتصب، فإننا نعلم أنه كان نوعاً ناجحاً جداً. كيف حصل على هذا الدماغ الكبير؟ مازال هذا الأمر غامضاً، وعلى الأرجح أن يكون تبدل الغذاء هو سبب ظهور هذا النمط الجسماني الجديد، إذ يبدو أن تناول كمية أكبر من اللحم قد ساعد الكائنات ذوات القوام الأكبر من المتوسط على البقاء والتكاثر. وربما كان لهذا الأمر علاقة بظهور أول مهارة متخصصة، أي مهارة الصيد.
يبدو أن اللواحم الأولى كانت تعتمد إما على الفرائس الصغيرة مثل الزواحف والقوارض، أو أنها كانت تأكل جيف حيوانات أكبر بعد موتها. فقد وجد في أولدفاي عند بداية سجل المستحاثات فيلاً وربما زرافات وجواميس أُكل لحمها. أما بعد هذا التاريخ فيغلب وجود عظام حيوان أصغر بين الفضلات ولزمن طويل. ولكن العيش على بقايا حيوانات ميتة لا يمكن أن يكون طريقة يعتمد عليها، بل لابد من أن يكون قد تحول إلى صيد حقيقي، وصيد حيوانات كبيرة أيضاً، ولو ببطء شديد، ولقد كان لهذا التحول نتائج عظيمة جداً.
يلاحظ بين بقايا أطعمة تلك الكائنات ازدياد حجم الحيوانات المأكولة، ويقابله نمو في حجم جماجم الكائنات التي تقتات عليها. ففي حوالي عام 300.000 ق.م كانت الأفيال تقتل وتقطع في المكان نفسه، وقد وجدت بقايا أعداد كبيرة منها، بينها موقع وجد فيه حوالي خمسين فيلاً، وخلال هذه الفترة نفسها وحتى أزمنة لاحقة تطورت أشكال أسنان وأفكاك تلك الكائنات الشبيهة بالإنسان رويداً رويداً مبتعدة عن الأشكال المميزة لآكلات النباتات.
ولا يمكن تمييز السبب عن النتيجة في هذا التطور، لأن الصيد المنظم الذي يسمح بتناول اللحم لا يمكن أن تقوم به إلا كائنات أحرزت بالأصل من التطور ما يمكنها من القيام بهذه العملية المعقدة. ويدل هذا الأمر من جديد على تسارع عملية التطور.
لقد ظهر بين عامي 1.000.000 و 100.000 قبل الميلاد مجال هائل من القدرات والمهارات الجديدة، وهي التي مكنت من نشوء المجتمعات البشرية الأولى.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:56 AM
قبضة جديدة على العالم

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



قبضة جديدة على العالم

قبل أن يصبح صيد الحيوانات الكبيرة ممكناً كان يجب أن يعرف الكثير عن عاداتها، وأن يصبح من الممكن نقل هذه المعرفة إلى الآخرين المشاركين في مغامرة الصيد التعاونية، من جيلٍ إلى جيل، فلابد أن يكون إذاً ثمة نوع من أنواع الكلام. يقول بعضهم إن الاصطفاء الجيني الذي أدى إلى تغيرات بشكل الدماغ قد ساعد أيضاً على تطور اللغة. قد لا يُعرف أبداً كيف كانت قردة الجنوب تتفاهم فيما بينها، ولكننا نعلم أن رئيسات أقل تطوراً منها كانت تملك طرقاً للتفاهم.
ربما كانت الخطوات الأولى في تنظيم اللغة هي تقطيع نداءات تشبه نداءات الحيوانات الأخرى إلى أصوات متميزة يمكن إعادة ترتيبها، بحيث يمكن إيصال رسائل مختلفة. وربما كان هناك تطورات أخرى مساعدة أيضاً، فالبصر كان يتحسن، وكذلك الإحساس بالعالم كمجموعة كبيرة من الأشياء المنفصلة، وصناعة الأشياء الجديدة (الأدوات) كلها كانت تحدث بشكل متزامن مع تطور اللغة على مدى مئات آلاف السنين، فتضافر كل تلك العوامل هو الذي مكّن من ظهور التفكير المجرد أي التفكير بأشياء ليس لها وجود ملموس، ولابد أن يكون الصيد قد عزز هذا التطور، لأنه زاد من أهمية حفظ المعلومات وتذكرها.
يحتاج الصيد أيضاً إلى مجال واسع من التقنيات والمهارات، لأن الإيقاع بحيوانات عملاقة مثل الماموث ووحيد القرن الصوفي وقتلها باستخدام أسلحة من الحجر والخشب فقط هو في الحقيقة أمر في غاية الصعوبة، ولابد من الكثرة والتنظيم لدفع الحيوان إلى مكان مناسب لقتله، كوجود مستنقع يتخبّط فيه، أو نقاط إشراف جيدة وآمنة للصيادين، وحتى بعد موته تبقى مشكلة تقطيعه بتلك الأدوات الخشبية والحجرية، ثم نقل اللحم إلى البيت. كان وجود كميات أكبر من اللحم خطوة صغيرة جداً نحو توفر بعض وقت الفراغ، لأنه يحرر آكليه مؤقتاً من عناء التفتيش الدائم عن كميات زهيدة من الطعام ولو كانت متوفرة دوماً، ويتيح لهم الوقت لفعل أشياء أخرى، فيمكنهم عندئذٍ أن يضيفوا شيئاً ما إلى التقنية الموجودة.
لقد حسّن الإنسان المنتصب الفؤوس اليدوية ذوات الوجهين، كما خلّف أول دليل أكيد على بناء مساكن، وأول خشب مشغول، وأول رمح خشبي، وأول وعاء وهو طاسة خشبية. إن اختراع أشياء على هذا المستوى يدل على سرعة في التطور وقدرة مختلفة تماماً عما كان موجوداً من قبل. كان العقل يشكل أفكاراً عن الأشياء قبل البدء بصنعها، إذ يقول بعضهم إن الأشكال البسيطة من مثلثات وأشكال إهليلجية وبيضوية، والمطبّقة على أعداد هائلة من الأدوات الحجرية يمكن اعتبارها البدايات الأولى للفن، أي إنتاج أشياء تسر بشكلها عدا عن فائدتها.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:58 AM
النار: استخدامها وإنتاجها

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



النار: استخدامها وإنتاجها
إن أعظم التطورات التقنية للإنسان المنتصب كان تعلم تدبير النار، ونجد أول دليل على استخدام النار في الصين حوالي عام 600.000 ق.م، ولكنه لا يدل على وجود القدرة على توليدها، ويرجّح ألا يكون الإنسان المنتصب قد توصّل إلى توليد النار قط. بالرغم من هذا تبقى قدرته على استخدامها مكسباً هائلاً، بل أهم تغير فريد في التقنية قبل قدوم الزراعة. وقد كان ذلك أول استغلال كيميائي للطاقة بطريقة مختلفة عن عملية تحويل الطعام داخل الجسم.
ونجد عند كثير من الشعوب أساطير عن أبطال أو حيوانات سحرية استولت على النار للمرة الأولى من الآلهة عادة، وربما كان هذا إبرازاً لذكرى بعيدة عن أن النار الأولى قد أخذت من مصدر طبيعي، مثل نشاط البراكين أو اندفاعات الغاز الطبيعي أو حرائق الغابات.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-5.jpg
الحصول على النار من حرائق الغابات
كان استخدام النار على كل حال عملية ثورية، وعلينا ألا ننس أنها استغرقت مئات الألوف من السنين لكي يظهر تأثيرها الكامل. ومن النتائج المباشرة للنار أنها وفرت الدفء والنور والتغلب على البرد والعتمة، فضمنت من ثم تأقلم الإنسان مع البيئة الباردة والمعتمة ولو بصورة ضئيلة في البداية، فقد صارت العائلات قادرة على العيش في مناطق أبرد من ذي قبل، كما سهّلت قليلاً حياتها في المناطق المعتدلة، وسمحت بسكن الكهوف المعتمة ومن ثم بوقاية أفضل من الطقس، كما صار بالإمكان طرد الحيوانات من ملاجئها وإبقاؤها خارجاً، وربما نشأت من هنا فكرة استخدام النار لملاحقة الحيوانات الكبيرة في الصيد.
ومكنت النار أيضاً من تقسية الرماح الخشبية، ومن الطبخ، فصار تناول الطعام أسهل، فامتصاص نقي العظام أصبح أمراً ممكناً بعد طبخها، بعد أن كانت عملية شاقة جداً وهي نيئة. لهذا نرى الحيوان والغوريلا يقضيان جزءاً كبيراً من وقتهما في مضغ الطعام النيئ، في حين يوفر الطبخ الوقت الذي يقضيه الكائن بمضغ الطعام وهو نيئ. والأهم من هذا فإن الطبخ يمكّن من تناول أنواع من الطعام لا يمكن أكلها وهي نيئة، أو نباتات كريهة مرة الطعم، ولابد أن يكون هذا قد زاد من موارد الطعام، وبالتالي سهّل نمو عدد السكان قليلاً، وربما حفز الانتباه أيضاً إلى تنوع الحياة النباتية وتوفرها، فكان بداية علم النبات وفن الطبخ. وأخيراً فإن تناول الطعام المطهو قد ساهم على المدى الطويل في تغير شكل الوجه والأسنان.
وربما ساهم الطبخ أيضاً في كبح الدوافع الآنية، لأن تأجيل الأكل يمنع إشباع الشهية الآني بابتلاع الطعام نيئاً، وإن وجود نار الطبخ كمصدر للضوء والدفء يلم الناس من حوله بعد حلول الظلام، ويزيد من وعي المجموعة بنفسها كجماعة مشتركة، ولابد أن يتكلموا فيما بينهم بطريقة ما، فيتسارع تطور اللغة التي لا نعرف عن أصولها إلا القليل. وأخيراً سببت النار تمايزات جديدة بين أفراد الجماعة، إذ ظهر في وقت من الأوقات حملة النار والمختصون بها، وهم أفراد ذوو أهمية مهيبة وسرية، لأن حياة بقية الجماعة وموتها قد يعتمدان عليهم. كان هؤلاء يحملون الأداة المحررة العظيمة ويحرسونها، ويتحكمون بقدرتها من أجل تحطيم الإيقاع القاسي لليل والنهار بل للفصول أيضاً.
نرى إذن أن ظهور النار خلال عصر الإنسان المنتصب قد خفّف قليلاً من ضغوط الإيقاعات الخارجية الكبرى لعالم الطبيعة على حياة البشريات، فصارت الحياة الآن أقل روتينية وآلية مما كانت عليه عند قرد الجنوب، وباتت بعيدة جداً عن حياة الحيوانات التي لا يحكم سلوكها إلا ما وهبتها الطبيعة من غرائز وجينات. لقد كان بإمكان الإنسان المنتصب أن يختار، وهذه هي خير حجة تسمح لنا أن نقول إن هذا النوع كان أقرب إلى الإنسان مهما كانت الحدود بين القردة والبشر، ومهما بدت حياته مقيدة وتعيسة.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 07:59 AM
المجتمع الأول

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



المجتمع الأول
إن تشكيل صورة عن الظروف المادية للحياة قديماً أسهل من تشكيل صورة عما كان يدور داخل الأدمغة الأكبر التي كانت تصارع تلك الظروف، وليس لنا إلا أن نتأمل بقاياها المادية علها تخبرنا بشيء عن ذلك. ومن المفيد هنا أن نعود للتفكير بصيد الطرائد الكبيرة، ما إن صار الإنسان المنتصب معتمداً على اللحم حتى أمسى طفيلياً على قطعان الطرائد، فبات مضطراً للحاق بها حيثما ذهبت، أو استكشاف أرض جديدة بحثاً عنها ، وصار أكثر قابلية للاستقرار والتكاثر في بعض الأماكن منه في بعضها الآخر. هناك كان يؤسس له بيوتاً يأوي إليها، ويبدو أن بعضها قد ظل مسكوناً طوال آلاف وآلاف السنين.
وكانت العائلة المقيمة في البيت تتطور أيضاً، لأن وجود ذلك المأوى قد جعل تطور العائلة البشرية مختلفاً جداً عن عائلات الحيوانات. وازداد التباين بينهما مع ازدياد حجم أسلاف الإنسان العاقل، لأن زيادة حجم الدماغ تعني بالضرورة زيادة حجم الرأس، وبالتالي زيادة حجم الجنين قبل الولادة، وقد انعكس هذا الأمر في تغيرات حوض الأنثى سمحت بولادة صغار ذوي رؤوس أكبر، كما اقتضى استطالة فترة النمو بعد الولادة حتى يبلغ الأطفال سن النضج. ولم يكن بإمكان جسم الأنثى أن يتطور فيزيولوجياُ بحيث يحتضن الطفل حتى نضجه الجسماني قبل ولادته، لذلك يحتاج أطفال البشر إلى عناية طويلة من الأم بعد الولادة، بعكس أطفال أكثر الثدييات التي تنضج صغارها خلال أشهر قليلة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-6.jpg
المجتمعات الأولى
إن استطالة فترة الطفولة واعتماد الأطفال على دعم أسرتهم ومجتمعهم قبل نضجهم اقتضيا أن تتطور عائلة البشر بشكل مختلف كل الاختلاف عن عائلات الحيوانات الأخرى، وقد كان للاصطفاء الجيني هنا دور أيضاً، إذ لم تعد كثرة عدد الصغار طريقة لضمان بقاء النوع، بل تعلمت المجتمعات البشرية أن تعطي عناية أكثر وأطول لحماية صغارها وتربيتهم وتدريبهم، وكثيراً ما تمتد هذه العناية في أيامنا حتى العشرينات، وظهرت أيضاً فروق أشد بين أنماط حياة الذكور والإناث، فصارت أمهات البشريات أكثر تقيداً من كثير من أمهات الرئيسات الأخرى، وأصبح الآباء أكثر انشغالاً بتأمين الطعام عن طريق الصيد، الذي يتطلب نشاطاً شاقاً وطويلاً يصعب على الإناث المشاركة فيه.
من النتائج الأخرى لاستطالة فترة الطفولة أن التعلم والذاكرة قد صارا أكثر فأكثر أهمية، ويبدو أن الإنسان المنتصب قد عبر خطاً هاماًُ من هذه الناحية أيضاً، إذ زال السلوك المبرمج بالجينات عند أسلاف البشر، ليحل محله التعلم الواعي حول البيئة والتفكير فيها. وقد حدث تغير كبير حلت فيه التقاليد والثقافة، أي الأشياء التي يتعلمها أفراد جماعة ما بعضهم من بعض، محل الميراث الفيزيولوجي كعامل في الاصطفاء التطوري، ولو أننا قد لا نعلم أبداً متى حدث هذا التغير بالضبط.
إلا أن الميراث الفيزيولوجي مازال هاماً جداً بالطبع. فقد كان هناك مثلاً صفة جنسية فريدة حصلت عليها إحدى السلالات الجينية في زمن بعيد جداً، وكان لها تأثير كبير في شكل المجتمع البشري في المستقبل، فعند جميع الثدييات الأخرى تكون جاذبية الأنثى للذكر وخصوبتها أيضاً محصورتين بفترات معينة من التهيج الجنسي، وتتعرض حياتها خلالها إلى اضطراب شديد، يمنعها من العناية بصغارها والاستمرار بتربيتهم. أما إناث البشر فليس لديهن هذه الدورة، ولهذا الأمر أهمية كبيرة، فلو كنَّ مثل غيرهن من الحيوانات لتعرض صغارهن للإهمال فترات طويلة يمكن أن تؤدي إلى صعوبة الاستمرار في الحياة. تسمى هذه الدورة "الدورة النزوية"، وربما احتاج ظهور سلالة جينية متحررة من "الدورة النزوية" حوالي مليون سنة، ولكنها عندما ظهرت كانت نتائجها على مستقبل تطور البشرية هائلة، وسوف تؤثر في نواح كثيرة من طريقة حياتنا نعتبرها اليوم عادية.
كانت إناث البشر إذن تجتذب الذكور دائماً، ولم يكن ذلك محصوراً بفترات يخضع فيها كلا الجنسين إلى آليات أوتوماتيكية من الانجذاب، ولابد أن يكون هذا الأمر قد جعل الخيار الفردي عاملاُ أهم بكثير في التزاوج. كانت تلك بداية طريق غامضة وطويلة جداً سوف تؤدي إلى مفاهيم الحب الجنسي فيما بعد، تتضافر مع الطفولة الطويلة والاعتماد المتزايد الناتج عن تحسن عملية جمع الطعام، لكي تسير باتجاه الوحدة العائلية البشرية الثابتة والمستمرة، والمؤلفة من الأب والأم وذريتهما الذين يبقون معاً ويؤلفون جماعة مشتركة حقيقية. إن هذه المؤسسة لا توجد إلا عند البشر، ولو أن عائلات البشر ليست كلها على هذه الصورة، كما أن الترتيبات الاجتماعية الحديثة كثيراً ما تنتقص منها.
ومن جديد نجد أنفسنا تحت رحمة التخمين، ويجدر بنا أن نكون حذرين جداً. إن الأشياء الأكيدة التي نستطيع معرفتها عن الحياة الاجتماعية لأسلافنا قليلة جداً، ولكننا نشعر في الوقت نفسه أن ما حدث للبشريات الباكرة مهما كان بطيئاً قد وضع الخطوط الأساسية لقسط كبير من حياة البشر قبل وجود أناس مثلنا بزمن طويل. لقد أخذت الثقافة والتقاليد رويداًً رويداُ دور الطفرات الجينية والاصطفاء الطبيعي كمصدر أساسي للتغير بين البشريات، أو يمكننا القول إن التعليم قد صار يمثل أهمية الميراث البيولوجي من أجل البقاء. فالجماعات التي استطاعت تذكر الطرق الفعالة في أداء الأمور والتفكير فيها بأفضل من غيرها قد حملت تطور البشرية إلى الأمام بشكل أسرع. وقد جرت محاولات لتتبع ذلك في التطور الفيزيولوجي لقشرة المخ، أي كتلة الخلايا التي تكون الدماغ نفسه.
ولكننا عندما نحاول التفكير بالعمليات الذهنية في مرحلة ما قبل التاريخ، فإن الشيء الوحيد المؤكد الذي نعلمه هو أنها كانت بعيدة كل البعد عن عمل أذهاننا. وكل ما يمكننا أن نقوله هو إن حياة الإنسان المنتصب تبدو أقرب إلى حياة البشر منها إلى أسلاف البشر، فمن الناحية الجسدية كان حجم دماغه على مستوى يقارب دماغنا نحن، ولو أن شكل جمجمته مختلف عنا بعض الشيء. كما أنه يصنع الأدوات بأساليب تختلف من مكان لآخر، ويبني الملاجئ ويحتمي في المخابئ الطبيعية باستخدام النار، ثم ينطلق منها ليصطاد ويعود بالطعام، وهو يقوم بهذا كله في جماعات على درجة من التنظيم وقادرة على نقل الأفكار عبر الكلام، ومبنية على أساس وجود بيت وتمييز بين أنشطة الذكور والإناث. بل ربما كان هناك تخصصات أخرى أيضاً، لأن حملة النار والأفراد الأكبر سناً الذين تختزن ذاكرتهم خبرة مجتمعاتهم كانوا يعتمدون في معيشتهم على جهد الآخرين إلى حد ما.
من العبث أن نحاول البحث عن خط فاصل في مرحلة ما قبل التاريخ، إذ ليس ثمة دليل على شيء من هذا القبيل، وكل ما يمكننا أن نقوله بثقة هو إن الأمور قد سارت باتجاه معين. وعندما تطور أخيراً نوع فرعي أو أكثر من الإنسان المنتصب إلى نمط جسماني جديد هو الإنسان العاقل، كان يملك في حوزته إنجازاً وميراثاً كبيرين. إن الأفراد يأتون إلى العالم عراة، أما البشرية فلم تأت عارية بل إنها قد حملت معها من الماضي كل ما يجعلها بشرية.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:03 AM
الإنسان العاقل

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



الإنسان العاقل
إذا نظرنا إلى العمر الذي عاشه نوعنا، أي الإنسان العاقل حتى الآن بالقياس إلى طول الأزمنة قبل التاريخية وجدناه عمراً قصيراً، فالإنسان المنتصب قد عاش على الأرض واستغلها بنجاح لفترة أطول منا بحوالي عشر مرات.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-7.jpg
ولكن كما قلنا في السابق لا توجد خطوط فاصلة واضحة، ولابد أن تكون أنواع مختلفة وكثيرة من البشريات قد عاشت على الأرض طوال آلاف السنين وبصورة متداخلة، بحيث عاصرت الأجيال الأخيرة من بعض فصائلها الأجيال الأولى من فصائل أخرى. وهذا واحد من الأسباب التي تجعل من الصعب تحديد زمن ظهور النوع التالي الهام من البشريات، وكل ما يمكننا أن نقوله هو إنه ازدهر بين عامي 250.000 و 50.000 قبل الميلاد، وفي هذا التاريخ الأخير كان المجال مفسوحاً لوجود كائنات بشرية تشبهنا بشكل أوضح.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:05 AM
النياندرتاليون

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



النياندرتاليون
تبدأ القصة باكتشاف جمجمتين في أوروبا عمرهما حوالي ربع مليون سنة، كان شكل هاتين الجمجمتين مختلفاً عن جمجمة الإنسان المنتصب، كما كان دماغهما أكبر منه، ولكنهما لا تشبهان جمجمة البشر الحديثين كثيراً، وكل ما دلتنا عليه هو وجود شيء مختلف عن الإنسان المنتصب. بعد ذلك يحل عصر جليدي جديد ويسدل الستار، فتختفي بقاياه وبقايا البشريات إلى أن تعود المستحاثات لتظهر منذ حوالي عام 100.000 قبل الميلاد، أي في منتصف المرحلة الدافئة التالية. تدل هذه الآثار الجديدة على قطع خطوة كبيرة نحو الأمام، لأنها أول أثر ضمن فصيلة الإنسان على النوع المسمى الإنسان العاقل. ويسمى هذا النوع تحديداً الإنسان العاقل النياندرتالي، على اسم المكان الذي اكتشفت فيه أول جمجمة تنبئ بوجوده أي وادي نياندرتال في ألمانيا، غير البعيد عن دوسلدروف.
كان شكل النياندرتاليين مختلفاً بعض الشيء عن شكل أكثر البشر الحديثين، إذ كانت ذقنهم صغيرة جداً وكانوا ذوي بنية غليظة جداً، والحقيقة أن شكل أول جمجمة وجدت كان غريباً إلى حد أن بعض العلماء حسبوها جمجمة إنسان حديث متخلف عقلياً. ولكن ربما كان بعض البشر الحديثين يشبهون النياندرتاليين قليلاً، فلا داعي إذاً للمبالغة بالفروق بيننا وبينهم، كما أننا نعلم أنهم كانوا يستخدمون اليد اليمنى مثل أكثر البشر الحديثين، أي أن نقاط التشابه بيننا عميقة, إن الفرق الحاسم الذي يميز النياندرتاليين عن البشريات الأبكر إنما هو حجم دماغهم الأكبر. ولما كان من الصعب ربط النياندرتاليين بالبشريات الأسبق فقد مال البعض في البداية إلى الظن أنهم انفصلوا عنها لسبب ما، ربما بسبب الجليد، ولكن مع تزايد المعلومات بات من الواضح أنهم كانوا منتشرين انتشاراً واسعاً جداً، من أوروبا الغربية والمغرب وحتى الصين، وكانت لهم مستوطنات غيرها في الشرق الأدنى 200.000 ق.م. من المؤكد على كل حال أنهم كانوا يعيشون في قسم كبير من أوروبا وآسيا في حوالي 80.000 ق.م، أي مباشرة قبل بداية عصر جليدي آخر( كان الأسوأ) .
صحيح أن شكل النياندرتاليين يبدو لنا بدائياً، إلا أنهم كانوا في الحقيقة على درجة كبيرة من النجاح، وأكثر قدرة وتطوراً ذهنياً من أي كائن ظهر على الأرض قبلهم، وعندما عاد الجليد لم يتجهوا إلى الجنوب، بل بذلوا قصارى جهدهم للتعايش مع البرد، فانتقلوا إلى الكهوف بحثاً عن الحماية، واستخدموا النار التي كانوا يبقونها مشتعلة في حفر جعلوها بأرض كهوفهم تلك.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-8.jpg
إنسان نياندرتال
ولا يمكن لحياة الكهوف أن تكون مريحة، فالنار تملؤها بالدخان، كانوا على الأرجح يحرقون دهن الحيوانات وعظامها لأن الخشب ازداد ندرة في سهول التندرة الجديدة الناتجة عن الجليد. عدا عن الرائحة الكريهة المنبعثة من الفضلات على الأرض، والرطوبة الكامنة من أعماقها حيث لاتصل حرارة النار. إلا أن الكهوف قد سهلت بقاءهم، وكانوا في جميع الحالات تقريباً يختارونها متجهة نحو الجنوب لكي يضمنوا أكبر قدر ممكن من أشعة الشمس، وربما غطوا مداخلها بستائر من الجلد في أشهر الشتاء.
لقد كان هذا استخداماً للتقنية بطريقة جديدة، كان النياندرتاليون يرتدون الجلود أيضاً، وكانت أدواتهم الحجرية أفضل شكلاً من أدوات أسلافهم. ويوحي تزايد سلطتهم على الطبيعة بأنهم كانوا يملكون لغات معقدة، ولو أن بعض العلماء يقولون إن جماجمهم توحي بأن أجزاء الدماغ التي تعالج الكلام كانت أقل تطوراً من الأجزاء الأخرى، ومع هذا فلابد أنهم كانوا يملكون بعض الأفكار المتقدمة جداً وبالتالي الكلمات اللازمة للتعبير عنها، لأنهم أيضاً كانوا يمارسون أمراً جديداً كل الجدة: لقد كانوا يدفنوا موتاهم!!! تدل بعض قبور النياندرتاليين على عناية كبيرة بالدفن، فقد وجد قرب سمرقند مثلاً جسم طفل نياندرتالي دفن ضمن حلقة من قرون الحيوان، بينما نجد في العراق قبراً آخرا يضم جسد رجل محاط بأكداس الأزهار والأعشاب البرية وضعت في القبر قبل دفنه. إن هذه الأمور مهمة، لأنها أولاً أقدم حالة تمكننا من معرفة حقائق عن الماضي من خلال القبور وكثيراً ما تعطينا القبور معلومات غنية، كما أنها من ناحية أخرى تدل على تغير هائل في التفكير، فلماذا كان النياندرتاليون يدفنون موتاهم؟؟!!
إننا لا نملك الجواب الدقيق، ولن نعرفه على الأرجح ، ولكن ربما كان بعض النياندرتاليين قد بدؤوا بتجريب الطقوس، فربما كانوا يحاولون التحكم بالطبيعة عبر القيام بأفعال معينة من أجل إحداث أشياء ما، بل ربما كانت عمليات الدفن هذه والآثار الضئيلة لطقوس متعلقة بالحيوانات في مواقع أخرى لهم علامات على بدايات الدين. وربما بعضهم قد بدأ يؤمن بعالم آخر غير منظور ولكنه قوي، بل كانت الحياة بعد الموت ممكنة فيه. إننا لا نعلم الحقيقة، إلا أن التأمل في هذا الموضوع يبين بصورة واضحة أن النياندرتاليين قد بلغوا مستوى جديداً من العقل. إن العلامات الجديدة ، مثل حجم جمجمتهم ودماغهم الكبير، تدل على أنهم كانوا بشراً يستطيعون بطريقة ما أن يفكروا بشكل مجرد، كما نفعل نحن، كانت مواردهم العقلية على مستوى جيد مكنهم من مواجهة تحديات آخر العصور الجليدية، فتأقلموا معها بنجاح وعاشوا ردحاً طويلاً ضمن الحقبة الباردة. لقد عاشوا على الأرجح إلى جانب سلالات بشرية أخرى، وربما تزاوجوا معها أحياناً، وربما تنازعوا معها، إلا أنهم في النهاية قد هزموا من الناحية الجينية.
وحل محلهم فرع من الفصيلة ننتمي إليه نحن، ألا وهو الإنسان العاقل العاقل. ويبدو أن هذا الفرع الجديد قد نشأ بشكل منفصل عن النياندرتاليين، وأنه يمثل خطاً مختلفاً من تحدر البشريات، خطاً ذا جماجم أخف ووجوه أصغر وأطراف أكثر استقامة. وتجد أقدم أفراد هذا النوع في شرق المتوسط* والشرق الأدنى والبلقان بين عامي 50.000 و 40.000 ق.م، وربما تقدموا نحو الشمال والغرب مع انحسار الجليد.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-9.jpg
إنسان كرومانيون
في التاريخ الأخير كانوا قد ثبتوا أقدامهم في غرب أوروبا حيث يسمى الإنسان العاقل أحياناً "إنسان كرومانيون" ويبدو أن وصولهم إلى الشرق الأقصى قد حصل في زمن لاحق. وفي حوالي 30.000 ق.م كان بعض البشر قد عبروا مضيق بيرنغ بعد انسحاب الجليد فدخلوا الأمريكيتين، ولم يكن فيها في ذلك الحين سكان من البشريات على ما نعلم، وخلال الخمس عشرة ألف سنة التالية انتقل خلفاؤهم رويداً رويداً نحو الجنوب حتى صار البشر يعيشون في كافة أنحاء الأمريكيتين، وفي تلك الأثناء كان غيرهم قد بلغوا أستراليا، حيث أُرِّخت أول بقايا البشر بحوالي عام 25.000 ق.م.
لقد كان هذا الإنجاز عظيماً، إذ لا يوجد نوع آخر من الرئيسات انتشر مثل هذا الانتشار الواسع، ولن ينتشر أي منها مثله، إلا بواسطة البشر، ولكن رغم أن البشر قد انتشروا في كافة أنحاء العالم، وبسرعة كبيرة مقارنة بالأنواع الأسبق، فقد بقيت أعدادهم قليلة لزمن طويل.
يقدّر أحد العلماء العدد الكلي للبشر أنه لم يتجاوز العشرة ملايين في عام 40.000 ق.م، كما قدر غيره أن عددهم لم يتجاوز العشرين ألفاً في فرنسا كلها في الأزمنة النياندرتالية أي أن ذاك العالم كان مختلفاً كل الاختلاف في عالمنا. إلا أن البشر كانوا قد حققوا فيه أشياء مدهشة، وكانت قدرتهم على تغييره لصالحهم تزداد وضوحاً.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:08 AM
النمط الجسماني

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



النمط الجسماني
يعتبر علماء البيولوجيا جميع البشر أفراداً في نوع واحد. صحيح أن التشابه بين أي شخصين قد لا يكون إلا ضئيلاً ماعدا حالة التوأم الحقيقي، وأنه لا يوجد حيوان تختلف أفراده في الشكل إلى هذه الدرجة، ولكننا نبقى جميعاً بالرغم من هذا كائنات بشرية. إن الفروق اللافتة فيما بيننا من ناحية المظهر (في لون الجلد، وشكل العينين والأنف وملاسة الشعر أو تجعده وغيرها لا تمنع البشر من اختيار شركاء ذوي ملامح جسدية مختلفة عن ملامحهم، ومن إنجاب أطفال يحملون صفات جسدية مأخوذة عن الوالدين بدرجات متباينة. ومن الضروري ألا تغيب هذه الحقيقة عن بالنا، لأن بعض الناس ظنوا في مراحل عديدة من الماضي أن الفروق الأساسية في المظهر بين البشر بناء على صفات عرقية تعكس فروقاً أعمق هي أيضاً جزء من ميراثهم الجسدي. ولكن هذا الرأي لم يعد مستحسناً اليوم، ولو بقي له مؤيدوه. إن الفروق في طرق سلوك الجماعات المختلفة من البشر هي فروق حقيقية تماماً، لكن يعتبر الآن أن أصولها تكمن في اختلاف ظروف العيش والتقاليد وأساليب الحياة، أي في الثقافة، وهي مجمل ما يتعلمونه من جماعاتهم، وليس في الميراث الجيني كما هي الحال في لون الجلد أو شكل الملامح.
مازالت هذه الفروق الجسمانية تقسم الجنس البشري إلى مجموعات كبرى معينة متباينة في المظهر، ويقع أكثر الناس ضمن واحد مما اصطلح على تسميته منذ زمن طويل "العروق" البشرية الأساسية، فيما يتعلق بالمظهر. صحيح أن هذه التقسيمات ليست مطلقة من الناحية الجينية، وأنها اليوم غير محبذة لأنها تتخذ أحياناً أساساً للتمييز العنصري الظالم، إلا أنها تبقى الملامح التي رآها البشر واعترفوا بها طوال الحقبة التاريخية. فعلى هذا الأساس، وبعد استبعاد فروق أخرى أكثر تعقيداً هي في أغلب الحالات أكثر أهمية، يقع القسم الأكبر من سكان العالم في ثلاث مجموعات أساسية، هي المجموعات الزنجانية، والقوقاسية، والمغولانية. فالزنجانيون ذوو بشرة سوداء أو داكنة جداً وشعرهم صوفي عادة، ويتباينون كثيراً من ناحية القامة، ويكون أنفهم عادةً واسعاً ومسطحاً وشفاههم ثخينة، ونجد أكثر شعوب هذا النمط الجسماني في المناطق الاستوائية من أفريقيا، إلا أن بينهم شعوباً تعيش على الطرف الآخر من المحيط الهندي حتى غينيا الجديدة وجزر فيجي والفيليبين، بل وحتى تسمانيا*. أما القوقاسيون فكانوا موزعين منذ وقت مبكر على امتداد رقعة واسعة إلى الشمال من الشعوب الزنجانية، في شمال أفريقيا وأوروبا وغرب آسيا، وكثيراً ما يطلق على هذه المجموعة اسم "البيض" مع أن لون بشرتهم يتباين بين الفاتح جداً الذي لا يصطبغ بأشعة الشمس، إلى الأسمر الداكن جداً، بل إنك تجد قوقاسيين في الهند وسيلان ذوي بشرة سوداء، ولكنهم يشبهون الأوروبيين كثيراً إذ تكون أنوفهم وشفاههم رفيعة نسبياً وشعرهم أملس أو متموج، كما أن شعر لحيتهم كثيف عادةً. وبالمثل فإن لون جلد المغولانيين يتباين من الأصفر إلى الأسمر الداكن أما صفاتهم الأخرى فهي الشعر الأملس والأسود عادة، وقلة شعر اللحية، والوجه المسطح، والعينان المائلتان اللوزيتا الشكل، ومواطنهم الأساسية في آسيا الوسطى والصين واليابان، ولكنهم يعيشون أيضاً في ماليزيا وأندونيسيا. ويعتقد بعض العلماء أن هنود أمريكا الأصليين في كل من الشمال والجنوب كانوا أيضاً مغولانيين ، ولكن هذا الأمر لم يحسم بعد، فربما كان المهاجرون إلى أمريكا منذ حوالي 20.000 سنة مضت في مجموعات أقرب إلى القوقاسيين من ناحية الشكل.
لقد توزعت هذه المجموعات الأساسية الثلاث اليوم في أنحاء الأرض، وتزاوحت فيما بينها كثيراً، فأمست البشرية معقدة جداً من ناحية المظهر، عدا عن تعقد ميراثها الجيني، كما أن هناك شعوباً في أماكن أخرى، خاصة في نصف الكرة الجنوبي، لايمكن تصنيفها في أي من هذه المجموعات الثلاث، مثل سكان أستراليا الأصليين وشعب البُشمان* في صحراء كالاهاري. أما كيف ظهرت تقسيمات الجنس البشري الأساسية الثلاثة هذه فلا نعلم عنه الشيء الكثير؛ إن جسم الإنسان لا يحافظ على نفسه بعد الموت باستثناء العظام، فالجلد والدهن وغيرها من الأنسجة تتحلل بسرعة. إن بحوزتنا جماجم تعود لأزمان قديمة جداً، أما الأجسام المحفوظة والتي تسمح لنا باستنتاج بعض الحقائق حول المظهر فلا تتوفر إلا منذ آلاف قليلة من السنين فقط، أي بعد أن كانت الفروق الأساسية في المظهر قد رسخت تماماً. ولكن من المرجح أن تكون المجموعات الأساسية الثلاث قد ظهرت في أماكن مختلفة ثم انتشرت منها حتى التقت بالأخريات وامتزجت بها أحياناً. وكانت الآليات الأساسية في البداية هي على الأرجح آليات الاصطفاء الطبيعي من خلال البيئة لسلالات جينية ملائمة لبعض المناطق والمناخات وأنواع الطعام والارتفاعات وخطوط العرض وغيرها، بعد أن كان البشر الأوائل قد اكتسبوا وسائل البقاء فيها. ففي المناخات الباردة مثلاً يستطيع المغولانيون العيش بكفاءة عالية، لأن لديهم تحت الجلد كمية من الدهن أكبر من القوقاسيين والزنجانيين، أما القوقاسيون فلم يكونوا بحاجة لهذا لأنهم كانوا يعيشون غالباً في مناطق أكثر اعتدالاً، كما أنهم لم يكونوا بحاجة لصباغ الجلد الذي يحمي الشعوب السوداء من أشعة الشمس، فالشمس ليست شديدة في أوروبا وغرب آسيا.ولكننا نعلم أيضاً أن تغيرات الطعام والبيئة قد تعطي تغيرات لافتة في البنية والمظهر خلال أجيال قليلة فحسب. لذا يبدو أن ما نعتبره فروقاً جسمانية دائمة بين البشر لم يظهر إلا بعد حوالي عام 40.000 ق.م، أي أن الحقبة التي انتشر فيها الإنسان العاقل ليثبت أقدامه في كافة أنحاء الأرض ويواجه الظروف الجديدة. وإن هذه الفروق هي التي مكنت البشر من الاستقرار بسهولة في بعض المناطق أصلاً. وبعدما استقروا سرعان ما توزعوا توزعاً عرقياً بقي ثابتاً حتى وقت قريب جداً، فهو لم يتغير كثيراً إلا منذ حوالي عام 1500 للميلاد.



* جزيرة في أستراليا
* شعب من القناصين الرحل- المورد

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:11 AM
التسلسل الزمني في العصر الحجري

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


التسلسل الزمني والتسميات العلمية

في العصر الحجري (الباليوليتي)




600.000 ق.م بداية المرحلة الباليوليتية السفلى

600.000 – 540.000 ق.م عصر جليدي

540.000 – 480.000 ق.م مرحلة بين عصرين جليديين

480.000 – 430.000 ق.م عصر جليدي

430.000 – 240.000 ق.م مرحلة بين عصرين جليديين

240.000 – 180.000 ق.م عصر جليدي

180.000 – 120.000 ق.م مرحلة بين عصرين جليديين

120.000 – 100.000 ق.م عصر جليدي

100.000 ق.م بداية المرحلة الباليوليتية الوسطى

50.000 ق.م بداية المرحلة الباليوليتية العليا

إنسان كرومانيون يحل محل الإنسان النياندرتالي

10.000 ق.م بدايات الثورة النيوليتية مع انحسار الجليد

وبداية المستوطنات البشرية

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:13 AM
البشرية في العصر الحجري القديم

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



البشرية في العصر الحجري القديم
يقع القسم الأكبر من حياة الإنسان على الأرض فيما يسمى "العصر الحجري"، وهي تسمية قديمة ومألوفة ولكنها تستخدم استخداماً مطاطاً جداً. وتسمية العصر الحجري واحدة من ثلاث تسميات اخترعت للحديث عما قبل التاريخ: أي عصور الحجر والبرونز والحديد، وكثيراً ما يعود العلماء إلى هذا التقسيم لأن الطرق الأدق والأكبر تعقيداً في وصف ما قبل التاريخ لا تخلو من العيوب. إن هذه التقسيمات مبنية على حقيقة أن البشرية قد تعلمت بالتسلسل كيف تستخدم الحجر أولاً ثم البرونز ثم الحديد، أي أنها تصنيف لتطور البشرية، وهي تريحنا من التقسيمات الزمنية المبنية على أنواع الصخور أو البيولوجيا أو المناخ التي يستخدمها الجيولوجيون وعلماء المستحاثات القديمة، كما أنها تركز على ما فعله البشر وعلى الأدوات التي يستخدمونها. إلا أن هذه الطريقة في النظر لماضي البشر لها هي الأخرى بعض المتاعب رغم فائدتها، لأن هذه التقسيمات ليست لها نهايات وبدايات واضحة، فقد استمر العصر الحجري في بعض أنحاء العالم حتى وقت قريب جداً، بل مازال هناك حتى اليوم عدد قليل ممن يستخدمون أدوات ليست أفضل بكثير من أدوات إنسان ما قبل التاريخ، ولو أن أعدادهم تتقلص بسرعة.
ثم إن هناك مشكلة أخرى في تسمية " العصر الحجري" هي أنها تغطي امتداداً هائلاً من الزمن، صنعت فيها الأدوات الحجرية واستخدمت من قبل كائنات عديدة، ولكننا غير واثقين من أنها كلها بشر بالمعنى الكامل للكلمة كالإنسان المنتصب مثلاً، فلهذه الأسباب قسم علماء ما قبل التاريخ العصر الحجري تقسيمات أدق، ولا حاجة بنا في هذا الكتاب لأكثر تلك التسميات، إلا أن بينها واحدة هي تسمية "العصر الباليوليتي" وهي كلمة مشتقة من اليونانية تعني العصر الحجري القديم، وهي تشمل القسم الأعظم مما قبل تاريخ الإنسان وتستمر حتى حوالي 10.000 ق.م، ويضم هذا العصر آخر الحقب الباردة والمرحلة التي ثبّت فيها الإنسان العاقل قدميه بشكل واسع، وهي مرحلة فرعية تسمى أحياناً " العصر الباليوليتي الأعلى" لأن آثارها توجد عادة في الطبقات الأعلى من الحفريات، وهذه المرحلة طويلة جداً ربما بلغت 30.000 سنة، لذلك يجب أن نكون حذرين في وصف الحياة خلالها.
كانت المناخات تختلف كثيراً من منطقة إلى أخرى في العالم، وكانت الحيوانات والنباتات تقدم فرصاً مختلفة وتحديات مختلفة، بينما كان البشر يزدادون تنوعاً في أساليب أداءهم للأشياء، التي يمكن أن نسميها ثقافاتهم التقليدية.
أدوات حجرية
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-10.jpg

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:14 AM
صنع الأدوات

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



صنع الأدوات
من المؤكد أن سرعة التغير في العصر الباليوليتي الأعلى كانت بطيئة جداً. وكانت حياة الناس أثناءه قليلة التنوع إلا ما يفرضه توفر الغذاء، ولابد أن العيش على الصيد وجمع الطعام كان هو القاعدة. ويبدو أن إنسان كرومانيون في أوروبا كان خبيراً في صيد الأسماك والحيوانات، وأنه طور تقنيات جديدة باستخدام الشباك والرماح المشوكة. وكانت أدوات الإنسان العاقل خيراً من أدوات أسلافه كما أنها استمرت بالتحسن. وقبل ذلك بوقت طويل، في الأزمنة قبل البشرية، كانت أولى الأدوات القاطعة تصنع من أية مادة مناسبة تقع بمتناول اليد، فقد وجدت أدوات مصنوعة من الحصى والكوارتزيت وحتى من مستحاثات الخشب. ولكن بمرور الزمن صار استخدام الصوان يزداد بشكل مستمر. وربما صارت كمياته نادرة في بعض الأماكن بعد مئات الألوف من السنين، لأن الطرق الباكرة في تشكيله كانت تهدر كميات كبيرة منه، فأحياناً كانت تسعة أعشار الكتلة تقشر عنها لإعطائها حداً قاطعاً.
وفي العصر الباليوليتي الأعلى بدأ الحرفيون البدائيون بابتكار طرق جديدة في صنع أدوات الصوان، فكانوا يصنعون منه لباً بشكل أنبوب مخروط بحيث يمكن أن ينزعوا عنه " شفرات" ذوات وجهين متوازيين وسماكة متجانسة، فكانت هذه طريقة اقتصادية، كما صار بالإمكان تحسين الشفرات من أجل صنع أدوات رقيقة وجميلة، ويبدو أن أفضلها كانت تصنع في أوروبا وشرق المتوسط. ومن بين هذه الأدوات الجديدة والمتخصصة التي أمكن صنعها إزميل لحفر الخشب والعظم يسمى "المنقاش". كان للمنقاش حواف ضيقة للقطع والتقعير والحفر، تدعمها حواف عريضة تكسبها القوة، ولابد أن يكون قد ساهم في تقدم البشر ضمن مناطق جديدة، خصوصاً نحو الشمال، لأنه مكّن من استخدام قرون الوعل وأنياب الماموث لصنع رؤوس الرماح والحرابين*. إن العاج وقرن الوعل أقوى من الخشب وأكثر مرونة من الصوان، فكانت هذه الأدوات أطول عمراً من الأدوات السابقة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-11.jpg
أدوات من العصر الباليوليتي
لقد وجدت آثار تقنية صنع المنقاش على امتداد نصف الكرة الشمالي من أوروبا حتى مضيق بيرنغ وألاسكا، وقيل إنها ربما هي التي مكّنت البشر من غزو الأمريكيتين. أما في نصف الكرة الجنوبي فلا تجد أثراً للمنقاش، فربما كان هذا دليلاً من النوع السلبي على أهميته الخاصة في شغل المواد من أجل تأمين الطعام واللباس في المناخ الباردة.
ثم إن هناك مهارة أخرى جديدة في شغل الصوان، هي صنع "شفرات" دقيقة منه تثبت في الأسلحة وغيرها من الأدوات المصنوعة من الخشب أو العظم. من تلك الأدوات المنجل، كان مستخدماً في قطع النباتات في أماكن عديدة عند نهاية العصر الحجري القديم. ولا يدل استخدام المنجل على أن الناس كانوا يزرعون المحاصيل، بل على أنهم كانوا قد تعلموا تمييز بعض نباتات الحبوب البرية التي تصلح للطعام وجمعها.
وقد صار صيد الحيوانات أسهل أيضاً، لأن الصيادين باتوا مزودين بالأقواس وبالسهام والرماح ذوات الرأس الصواني وبقاذفات الرماح. وكانت هذه الأسلحة على درجة كبيرة من الأهمية، لأن القوس وقاذف الرمح قد ازدادت سرعتهما بدرجة كبيرة، فاتسع بالتالي المجال الذي تبلغه الأسلحة القاذفة كما ازدادت دقتها وقدرتها على القتل، وكان الكثير من هذه الأدوات الجديدة يصنع من مواد جيدة، مثل العظم وقرن الوعل والخشب.
وكان بالإمكان استخدام بعضها للحصول على مصادر جديدة من الغذاء بصنع خطافات وحرابين لصيد الأسماك. وقد مكن العظم أيضاً من صنع الإبر، ومازالت هناك نماذج دقيقة جداً منها تعود لثقافات الصيد الأخيرة في العصر الباليوليتي.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 08:15 AM
أساليب الحياة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ



أساليب الحياة
تشير هذه المعلومات إلى توافر كمية أكبر من الطعام، ولكن بالرغم من هذا، وبالرغم من شبههم بنا جوهرياً من الناحية الجسمانية، كان البشر في العصر الحجري أقصر ممن أتوا بعدهم وأخف وزناً. ولا يمكن أن يكون غذاؤهم متوازناً، يبدو أن النياندرتاليين كانوا يعانون من عوز الفيتامينات، ولابد أن اللحم الذي يأكلونه كان في أكثر الأحيان قد بدأ بالتعفن، ولكن الحقيقة أنه حتى أيامنا هذه مازال الناس يحبون تناول لحم حيوانات الصيد عندما يكون زنخا. والأرجح ألا يكون قد بلغ سن الأربعين من بشر العصر الحجري إلا قلائل، وحتى الذين بلغوه كانت حياتهم تعيسة جداً بمعاييرنا، بسبب آلام التهاب المفاصل والروماتيزم وداء الحفر*، وأخطار الموت كلما كسر لهم عظم أو نخرت سن، ولو أنهم لم يعرفوا السكر الذي يساهم في تلف أسناننا اليوم، وسوف تبقى هذه حال الكثيرين من الناس في العالم لزمن طويل بالطبع.
كان استخدام النار قد وسع خيارات مكان العيش إلى حد كبير، وتعود أولى الأدلة على توليد النار إلى حوالي عام 300.000 ق.م، ولابد أن تكون قد جعلت الحياة أسهل، إلا أن الملابس والمساكن المصنوعة تشير إلى التحكم بالبيئة بأساليب أخرى في العصر الباليوليتي الأعلى، ولولاها لكان من المستحيل على البشرية أن تستقر على كافة سطح الأرض كما فعلت.
لم تكن هناك في ذلك الزمان أقمشة منسوجة، ولكنهم كانوا يقطعون الجلود بشكل شرائط متباينة العرض ثم ينعمونها ويطرونها باستخدام حجر الصوان من أجل الحصول على الملابس، إن أقدم جثة ترتدي الملابس وجدت حتى الآن يعود تاريخها لحوالي 35.000 ق.م، وقد اكتشفت في روسيا وكانت ترتدي بنطالاً من الفرو وقميصاً مزركشاً.
في العصر الباليوليتي الأعلى تبدأ بالظهور أيضاً العلامات الضعيفة الأولى على البناء المقصود للمساكن. صحيح أن هناك حيوانات أخرى تستطيع البناء، إلا أنها تفعل ذلك بطرق محدودة وموروثة ومبرمجة بالغريزة؛ أما البشر فيستطيعون البناء في أي مكان، وتعديل الأسلوب والتقنية بحيث تتلاءم مع المناخ المحلي وطبيعة الأرض والمواد، وبالحجم الذي يناسب أغراضهم. فعدا عن وضع الصخور بعضها فوق بعض، كانت المواد الأساسية المستخدمة في صنع الملاجئ في البداية هي الطين والقش، وهي مواد سريعة الهلاك.
لقد ظل البشر مضطرين للتنقل مع قطعان الطرائد التي يصطادونها على مدار السنة حتى نهاية العصر الحجري القديم، ورغم أن هذا الأمر كان يعيدهم المرة تلو الأخرى إلى كهوف معينة تحمل آثار إقامة طويلة، فإنه لم يترك آثار أبنية دائمة. ولكن وجدت في الشرق الأدنى بعض بقايا أكواخ تعود لحوالي 9000 ق.م ، كما يبدو أنه كان هناك مساكن كبيرة في سهول شرق أوروبا، حيث كانت الكهوف قليلة، ذوات هياكل مصنوعة من عظام الماموث أو أنيابه ومغطاة بالجلود. كانت أرضها على عمق قدمين أو ثلاثة تحت الأرض، وكانت أحياناً مجمعة في مستوطنات يسكنها بضع مئات من الناس، ويوحي هذا الأمر ببدايات مستوى جديد من التنظيم الاجتماعي.



* الإسقربوط – داء ينجم عن عوز فيتاميني

جارة القمر
10-15-2010, 09:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مجهود كبير جدا أخى بارك الله فيك
ومعلومات رائعه
تسلم ايدك
وشكرا جزيلا
تم تثبيت الموضوع

الامبراطور - عين دالة
10-15-2010, 09:10 AM
موضوع هام ابا محمد ويجب قراءته وليس على عجلة لأنه ليس كل مايكتب او يقرأ يصدق خصوصا اذا كان يتعلق باستنتاجات وتخيلات واعتقد ان اسلامنا خير دلل لنستدل منه على حقيقة مثل هذه المعلومات لأنه فيه خبر من قبلنا وخبرنا ومن بعدنا
أحسنت أحسن الله اليك ابا محمد لاحرمنا الله من جميل موضوعاتك الرائعة.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:22 PM
أول الفنون

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


أول الفنون
من الواضح أن البشرية كانت قد قطعت درباً طويلاً في أواخر العصر الحجري، ومن أبرز العلامات على ذلك ما نراه في جزء صغير نسبياً من غرب أوروبا، حيث يوجد أبهى دليل نملكه حتى الآن على بدايات الفن. تبدأ تلك الأدلة بمجموعات صغيرة مخزنة من صباغ المَغْرة الأحمر، جمعها نياندرتاليون منذ حوالي خمسين ألف سنة خلت. لقد درست هذه الأصبغة كثيراً ولكننا لا نعلم فيما كانت تستخدم. إن سبب صعوبة الحديث عن أصول الفن هو ندرة الأدلة الباقية على بداياته الأولى، يحق لنا أن نخمن أن البشر الباكرين كانوا يخربشون أشكالاً في الطين، ويلطخون أجسامهم بالألوان، ويشكّون الأزهار أو الريش في شعورهم، أو يرقصون بأنماط معقّدة مثل غيرهم من الشعوب اللاحقة، ولكن هذه الأشياء كلها إن وجدت لم يبق منها أي أثر. والصعوبة الثانية هي أننا لا ندري لماذا تكلف البشر عناء صنع الفن الأول الباقي، وماذا كانوا يعتقدون أنهم يفعلون.
في الأزمنة التاريخية اللاحقة كان الكثير من الناس يلونون وجوههم وأجسادهم لأسباب مختلفة، ربما قام بعضهم بأشياء مثل هذه في الأزمنة القديمة، إما لأسباب دينية أو عملية (التمويه) أو كجزء من ثقافتهم الجنسية، أو لمجرد التسلية والمتعة. ولكننا على الأرجح لن نعلم أبداً ماذا كان الغرض من تلك المغرة الحمراء، فلو تخيلنا أن علماء الآثار بعد آلاف السنين من أيامنا لم يكن لديهم كدليل على بعض مجتمعات القرن العشرين إلا بعض علب من كحل العينين وحمرة الشفاه، لشق عليهم معرفة الغرض منها. إلا أننا منذ حوالي 35.000 ق.م فما بعد نجد في أوروبا زاداً مستمراً من المعلومات، وهي أدلة أنتجت على مدى فترة زمنية طويلة استمرت حتى عام 10.000 ق.م تقريباً، كما أن هناك كهوفاً وصخوراً في أماكن أخرى مثل أفريقيا نجد فيها الكثير من التصوير والحفر من فترة ما قبل التاريخ. ولكننا لم نجد حتى الآن فناً قديماً قدم الفن الباليوليتي في أوروبا، وأغلب ما بقي منه يوجد في منطقة محدودة جداً، هي عدد من المواقع في جنوب غرب فرنسا وشمال إسبانيا. إن أقدم الأشياء التي وجدت هناك هي أغراض صغيرة مزينة وملونة ومصنوعة في أغلب الحالات من العظم والعاج، كقاذفات الرماح المحفورة مثلاً، وكثيراً ما نجد عليها صوراً محفورة لحيوانات. بعد ذلك، في حوالي عام 20.000 ق.م تبدأ مرحلة استغرقت خمسة آلاف سنة، تركت سلسلة باهرة من اللوحات والرسوم المحفورة على جدران الكهوف وأراضيها، وأكثرها تمثل الحيوانات أيضاً. ثم تأتي بعدها المرحلة الأخيرة من الفن الباليوليتي، حيث تسود صور الأيل، وتنتهي بمجموعة وفيرة من الأدوات والأسلحة المزخرفة، والغريب أن هذا التقليد انقرض بعد ذلك على ما يبدو، ولم يظهر فن جميل طوال ستة آلاف عام.
إن بقاء هذا الفن أمر مذهل، ولكنه غامض في الوقت نفسه، لقد جرت محاولات تخمين كثيرة لتفسيره، وأكثر ما اجتذب اهتمام العلماء هو السلاسل العظيمة من رسوم الكهوف، فهي متوضعة في زوايا قاصية من الكهوف يصعب الوصول إليها، ولا يمكن أن تظهر إلا باستخدام ضوء اصطناعي، ومن الواضح أن الكثرة الغالبة للحيوانات هي أمر هام أيضاً، ففنان العصر الباليوليتي لم يكن يمضي وقته في رسم المناظر الطبيعية ولا حتى البشر، واللافت أن البشر يظهرون دوماً بشكل مجرد وغير واقعي، بينما ترسم الحيوانات بعناية دقيقة بالتفاصيل، فربما كان رسم الأشياء بصورة واقعية يعني السيطرة عليها. لقد حاول بعض العلماء البحث عن أنماط ما في تكرار بعض الحيوانات، ولكن من دون جدوى. يحق لنا أن نخمن أن تلك الرسومات كانت تحمل رسائل إلى الذين ينظرون إليها في تلك المجتمعات التي لم تعرف الكتابة، فإذا تذكرنا أيضاً الدلائل القليلة على عادة الدفن في الأزمنة النياندرتالية فإننا نميل للاعتقاد بأن طقوساً دينية أو سحرية كانت تمارس في تلك الكهوف المعتمة، وإذا كان هذا صحيحاً فربما كان مرتبطاً بمحاولة للتأثير في حركات وسلوك الطرائد التي كان البشر الأُول يعتمدون عليها في معيشتهم. ويتوافق هذا التفسير مع تزايد صور الأيل بمرور الزمن، لأن الرنة والماموث الموجودين في الصور الأقدم كانا ينقرضان مع تراجع الجليد البطيء.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-12.gif
رسوم على جدارن المغاور في العصر الباليوليتي
إن ما نعرفه عن أول فن عظيم في الحقيقة ضئيل جداً، ولكن ما يوجد منه شيء كافٍ للدلالة على أن البشر في أواخر العصر الباليوليتي كانوا قادرين على القيام بإنجازات عقلية مدهشة، وعلى مراقبة العالم من حولهم بدقة. ربما كانوا يفقدون ثقتهم بقدرتهم على التأثير في سلوك الحيوانات، لأنهم لم يكونوا يعلمون أن سلوكها هذا محكوم بالمناخ، ففقدوا معها الحافز لإنتاج الفن أيضاً. ولا يمكن أن يكونوا قد مارسوا الفن للفن أو بغرض بيعه كما هو الحال في عصور لاحقة، ولكن لاريب في أن ما أنتجوه هو فن بالمعنى الكامل للكلمة، لأنه إبداع خلاق تم بعناية ودقة، يصور أشياء جميلة ومؤثرة وقادرة على اجتذابنا ليس بما يمكن فعله بها فقط، بل بحد ذاتها أيضاً.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:24 PM
بداية الزراعة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


بداية الزراعة
إن للفن ثمناً لابد من دفعه حتى عندما لا يُشترى، فالأشخاص الذين نفذوا رسوم الكهوف العظيمة، لم يكن بإمكانهم الخروج للبحث عن الطعام عندما كانوا منشغلين بالرسم مهما كانت حاجاتهم بسيطة، فقد كان هناك إذن بعض الغذاء الفائض عن الحاجة المباشرة حتى في مجتمعات الصيد وجمع الطعام الباكر. إلا أن الخطوة الحاسمة في زيادة ذلك الفائض إنما حصلت عندما تعلم الناس زراعة المحاصيل للغذاء وحصادها، وتدجين الحيوانات واستغلالها. فكان اكتشاف (أو اختراع) الزراعة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-13.jpg
الصيد والجني والزراعة
لقد بات من الواضح الآن أن قصة البشر كلها هي قصة تغير مستمر، جزء كبير منه من صنع الإنسان، ولكن بعض الخطوات في تلك القصة تبرز بسبب أهميتها الخاصة، والزراعة واحدة منها، مثل السيطرة على النار وتعلم الكلام. كانت الزراعة تقريباً آخر الخطوات الكبرى التي خطتها البشرية في حقبة ما قبل التاريخ، والحقيقة أنها قد غيرت الحياة بصورة كبيرة وعميقة للغاية، ولولاها لما حصل أي من التغيرات اللاحقة. لقد أنجزت بقاع مختلفة من العالم الزراعة في أزمنة مختلفة، ولابد أن يكون المناخ والبيئة الطبيعية هما السببان الأساسيان لهذا الاختلاف، كما أنهما يفسران لماذا توصلت بعض الشعوب إلى الزراعة لوحدها؟ بعد زمن طويل من عالم أوراسيا* القديم – في الأمريكيتين مثلاً- ولماذا عجزت غيرها عن التوصل إلى الزراعة إلا بتأثير من الخارج كما هي الحال في أوروبا الغربية في عصور ما قبل التاريخ. يقال إن أقدم آثار النباتات المزروعة تعود لحوالي عام 10.000 ق.م، وقد وجدت في جنوب شرق آسيا، وهي أشكال باكرة من الدخن (الجاورس) والأرز، ومازال كلاهما نباتين هامين في تلك المنطقة حتى اليوم. وبعد حوالي 8.000 عام تعلم الناس في أمريكا الوسطى زراعة نوع من البطاطا الحلوة وشكل بدائي من الذرة. إلا أن منطقة الشرق الأدنى هي التي وجدت فيها معلومات وافرة عن المراحل الباكرة من الزراعة، فقد انتشرت في هذه المنطقة بين عامي 9000 و 6000 ق.م تقريباً أنواع كثيرة من الحبوب التي مازلنا نستخدمها حتى يومنا هذا.



* أوروبا وآسيا معاً

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:25 PM
الهلال الخصيب

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


الهلال الخصيب
يطلق الناس أحياناً تسمية الهلال الخصيب على منطقة هامة للغاية، هي بشكل قوس تمتد شمالاً من دلتا النيل عبر فلسطين وشرق المتوسط، ثم تنعطف شرقاً على طول هضاب الأناضول إلى أن تنتهي على المرتفعات الواقعة بين إيران وبحر قزوين على الطرف الآخر من وديان أنهار بلاد الرافدين. لقد فقد قسم كبير من الهلال الخصيب هذا جاذبيته اليوم، ولكنه منذ عشرة آلاف سنة خلت كان يتمتع بأمطار سخية وتربة خصبة جعلته غنياً بالغابات، وكان غاباته تعج بحيوانات الصيد. ومع انسحاب العصر الجليدي الأخير صار نمو الغابات أقل كثافة منه في الشمال وكان اقتلاعها أسهل.على الهضاب كانت تنمو أجداد نباتات الحبوب اللاحقة، مثل الشعير البري والعلس (القمح البري) وأنواع كثيرة من الأعشاب، ويبدو أن التقنيات الجديدة في الزرع والحصاد قد انتشرت من هذه المنطقة إلى جنوب شرق أوروبا وإلى وادي النيل أيضاً.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-14.jpg
الهلال الخصيب
ويمكننا أن نرتب تسلسل انتشار الزراعة كما يلي: في حوالي عام 9500 ق.م كان الناس يحصدون الأعشاب والحبوب البرية في آسيا الصغرى، وفي عام 7000 ق.م كانت أولى عمليات الزراعة وتربية النباتات قد بدأت في شرق المتوسط وبلاد الرافدين، ثم انتقلت خلال الآلاف الثلاثة التالية غرباً حتى نهر الراين (تقريباً)، إلى أن بلغت أوروبا الغربية والجزر البريطانية بحلول عام 3000 ق.م، وربما توصلت مناطق أخرى إلى طرق جديدة في زراعة النباتات للغذاء بصورة مستقلة، أما إلى الشرق والشمال من المتوسط فيبدو أن الناس قد تعلموها من جيرانهم.
كان لتعلم تدجين الحيوانات تأثير ثوري يساوي تأثير الزراعة تقريباً، وكانت شعوب الصيادين في أوروبا قد دجنت الكلاب، فكانت تلك خطوة كبيرة أخرى في تسخير طاقة الطبيعة لاستخدام البشر. ثم جاءت الخطوة التالية في جمع الحيوانات البرية والاحتفاظ بها ضمن قطعان، وقتل بعضها من أجل لحمها وجلدها وصوفها أو قرونها وعظامها. كانت الحيوانات تسرح بكثرة في الهلال الخصيب وكانت طيعة لسيطرة الإنسان، وكثر الغنم والماعز خصوصاً أو أجدادها بينما كانت أنواع مختلفة من الخنازير تعيش طليقة في كافة أنحاء العالم تقريباً. وعندما تعلم الناس تربية الحيوانات حية بدلاً من اصطيادها، ترتب على ذلك نتائج كثيرة مثل استخراج الحليب وأخذ البيض من الطيور الداجنة، وفي مرحلة تالية سوف يأتي استخدام الحيوان للركوب والحمل والجر. هناك أربعة حيوانات كان تدجينها أساس استغلال الحيوانات الأليفة ومازال، وهي الماعز والغنم والخنازير والبقر، تنتمي هذه الحيوانات كلها لفصائل ثدييات نصف الكرة الشمالي، وتكمل بعضها بعضاً بصورة مفيدة للإنسان.
فالماعز حيوان شديدة التحمل، يستطيع العيش على القليل من العشب، ويمد الإنسان باللحم والحليب والجلد والصوف، ويعيش الغنم حيثما وجد العشب، وكان العشب وفيراُ على هضاب المنطقة المعتدلة، ويمكن استخدامه بطرق استخدام الماعز نفسها، وتجد أقدم الآثار على تربيته في حوالي عام 9000 ق.م في شمال العراق. أما الخنازير فهي تمد الإنسان باللحم، وتستطيع البحث عن طعامها في الأحراش والغابات، كما أنها تنمو بسرعة وتلد عدداً كبيراً من الصغار وبتكرار عال. وينتج عن البقر اللحم والحليب والجلد، كما يمكن استخدامها لجر الأشياء وحملها، ومن أفضل الأدلة على تدجين الحيوان اكتشاف عظام حيوانات كانت تؤكل في المستوطنات الزراعية الباكرة، وهي في جميع الأحوال بقايا صغارها التي قد تقتل قبل أن تبلغ سن النضج، بينما كانت الحيوانات التي تقتلها شعوب الصيادين كاملة النمو في جميع الحالات تقريباً.
لقد كانت زراعة الحبوب وتربية الحيوانات هي النواة التي تشكلت من حولها النظم الزراعية، ولكن بعض مناطق العالم لم تعرف إلا جزءً من هذا التطور، فعندما صار سكان أمريكا الوسطى يزرعون النباتات لم ينتقلوا إلى مرحلة تدجين الحيوانات، والسبب الأرجح هو أنهم لم تكن لديهم حيوانات كثيرة مناسبة لذلك، إلى أن أدخلها بعد زمن طويل من أتوا بعد كولومبوس. لذلك لم يبرع الإنسان في مهارات رعي الحيوانات إلا في جبال الآندس، حيث كان حيوان اللَّامة يُنتج له كل ما يحتاجه من لحم وحليب وصوف، عدا عن حمل الأثقال. ويدلك هذا على أن الانعزال سرعان ما بدأ يميز الحياة في الأمريكيتين عنها في أصقاع العالم القديم. وحتى ضمن العالم القديم كانت هناك صعوبات في الاتصال، وربما كان هذا هو سبب الاختلافات الكبيرة في طرق تطور الزراعة. فصحيح أن المعرفة والمحاصيل قد انتشرت بسهولة من الشرق الأدنى عبر شمال أفريقيا إلى غرب أوروبا وحتى إلى وادي نهر الدانوب، ولكن يبدو أن انتشارها شرقاً إلى آسيا كان أصعب بكثير، كما أن الفروق المناخية الكبيرة لم تسمح بتطور الأمور على الصورة نفسها. فعندما صارت الصين بلداً زراعياً كانت محاصيلها المناسبة لظروفها المحلية مشتقة من نباتات محلية، ولم تأتها من الخارج مثلما أتت الحبوب إلى أوروبا من الشرق الأدنى. والمثال البارز على ذلك هو نبات الأرز، الذي يتميز بأنه لا يحتاج إلى حيوانات لزراعته بل يحتاج إلى مجهود بشري مكثف، وربما لهذا السبب لم يرب الصينيون إلا حيواناً واحداً من أجل لحمه وهو الخنزير، ولو أنهم استخدموا أنواعاً مختلفة من البقر لاحقاً في أشغالهم، ولكن علماء الآثار مازالوا منقسمين وغير متأكدين من أصول الزراعة في الصين، لذلك يفضل ألا نجزم بالأمر.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:26 PM
عالم يتغير

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


عالم يتغير
لقد استغرقت هذه الثورة الناجمة عن تعرّف الزراعة في ظروف حياة الإنسان آلاف السنين. كانت المستوطنات الزراعية الباكرة ذوات عمر قصير، وقد ظل المزارعون الأوائل على الأرجح متنقلين يمارسون زراعة القطع والحرق، وهي طريقة مازالت مستخدمة بين الشعوب البدائية حتى اليوم. يختار الناس في هذا النوع من الزراعة بقعة من الغابة تكون تربتها خصبة بسبب تراكم الأوراق والفضلات المتعفنة، فيقتلون الأشجار بنزع لحائها، ثم يحرقونها ويقتلعون ما بقي من جذوعها إذا أمكن، ويزرعون المحاصيل بين الجذور. وبعد بضع سنوات تكون نباتات الغابة البرية قد صارت كثيفة جداً أو تستنفذ التربة خصبها، فيتحتم عليهم البحث عن موقع آخر.
وقد بقيت هذه حال الزراعة لزمن طويل، لأن الناس لم يكونوا يعرفون طرقاً أفضل لحرث التربة، وكان من الصعب عليهم أن يزيلوا ما بقي من جذوع الأشجار بأدواتهم الحجرية ومعاولهم المصنوعة من قرون الوعول. ولكن مع مرور القرون ظهرت في بعض الأماكن حقول نتيجة عودة الناس المستمرة إليها لسكنها وزراعتها، وعندها بدأ المزارعون الأوائل يصبحون أكثر ارتباطاً بمكان واحد أي أنهم باتوا مستقرين. وقد اكتشف علماء الآثار الكثير من تلك الأماكن المبكرة، وإن هذا الميل للاستقرار هو واحد من أول التأثيرات المعروفة للزراعة في سلوك البشر.
لقد أثرت الزراعة في البيئة غير البشرية أيضاً، لأن الخضار والمحاصيل القديمة كانت مختلفة الشكل كثيراً عما نعرفه اليوم. فنباتاتنا اليوم أكبر بكثير، كما أنها تختلف أحياناً عن الأنواع البرية من ناحية الشكل واللون والحجم، لأن البشر تدخلوا في عملية التطور، فهم باختيارهم سلالات معينة للزراعة ونبذهم سلالات أخرى بدؤوا منذ زمن بعيد بتبديل توازن الطبيعة، ولولا تدخلهم لأنتجت الطبيعة أنواعاً مختلفة جداً. كانت الحبوب والبذور من أهم تلك المحاصيل الجديدة، صحيح أن محاصيل الأوراق والجذور والبصلات كان بالإمكان زرعها وسرعان ما زرع بعضها فعلاً، إلا أن القمح والشعير والبازلاء والعدس تدوم فترة أطول بكثير، لأنها عندما تجفف يمكن تخزينها فتؤمن الغذاء في الشتاء وفي السنوات التي لا تكفي فيها الغلال. فكانت هذه خطوة جديدة في التحرر من جمود إيقاعات الطبيعة، ولو أنها لم تكن كاملة، لأن عمليات البذار والحصاد تحتاج بدورها إلى متطلبات جديدة، إلا أنها كانت على كل حال خطوة جديدة نحو حرية فعل أشياء أخرى غير الصيد من أجل البقاء، الذي ابتدأته البشريات اللاحمة منذ زمن بعيد جداً.
وقد ظهرت آثار أفعال البشر في الحيوانات أيضاً، فلاشك أن أولى الخراف والخنازير المدجنة كانت صغيرة وهزيلة جداً بالقياس إلى الأغنام السمينة الغزيرة الصوف التي ترعى في هضاب انكلترا اليوم، أو الخنازير الضخمة الراقدة في زرائبها. ولم تقتصر التغيرات على الحجم وحده، ففي أغلب الحيوانات والطيور المدجنة نلاحظ قصر الخطم*، لأن البشر ضمنوا لها طعامها، فتمكنت من البقاء كسلالات أقل تطور من ناحية أسنانها وأفكاكها حسب ما تحتاجه الحياة في البرية. بل ربما كانت الحيوانات الحالية أقل ذكاء من أجدادها البرية، لأن الإنسان حماها من أعداء وأخطار الطبيعة الكثيرة، فتمكنت من البقاء كسلالات ضعيفة التطور من الناحية الدماغية في الأجزاء التي تعالج الرسائل الآتية من العالم الخارجي. ثم أن هناك فرقاً لافتاً آخر، هو أن ألوان الحيوانات تصبح أكثر تنوعاً عند تدجينها، لأن انتزاعها من موطنها الطبيعي يسمح ببقاء أشكال ذوات ألوان مختلفة ربما كانت هلكت في البرية بسبب سهولة تمييزها. ولكن لا يمكننا أن نعلم متى بدأ الناس بمحاولة إحداث تغيرات كهذه وإلى أي مدى، فقد صار بديهياً اليوم أن مزاوجة الخراف ذوات الصوف الكثيف أو الأبقار ذوات الحليب الغزير تعطي سلالات أفضل، ولكن لابد من أن تكون الصدفة قد لعبت دوراً كبيراً في المراحل الأولى. وربما كانت الدوافع الأولى لتدخل الإنسان في عملية الاصطفاء الطبيعي مختلفة عن دوافعه اليوم، فربما اختار بعض الرعاة الأوائل مثلاً أن يزاوجوا حيوانات معينة ويربوها بسبب علامات مميزة أعجبتهم، أو لأنها تسهل التعرف عليها؛ ونحن في الحقيقة لا نعلم شيئاً عن هذا الأمر.
إن النتيجة الأهم لتلك الأساليب الجديدة أو لأي شكل من أشكال الزراعة هي نتيجة واضحة، ألا وهي توفر كميات من الغذاء أكبر بكثير من السابق، صحيح أن الفرق بين الصيد والزراعة يتعلق بنوع حيوانات الصيد من جهة، وبنوع النباتات والتربة من جهة أخرى، إلا أن أهمية الزراعة تبقى واضحة إذا عرفنا أن عائلة من البشر تعتمد على جمع الطعام والصيد تحتاج إلى مئات الأكرات* لكي تحصّل كمية كافية، في حين تكفيها خمسة وعشرون أكراً في حال الزراعة البدائية. كانت هذه إذن نتيجة أول قفزة كبيرة في إنتاج الغذاء، وقد تبدو ضئيلة بالقياس إلى التطورات الهائلة التي حدثت منذ ذلك الحين، إلا أن الزراعة قد جلبت معها في الحقيقة أول زيادة جادة في تأمين الغذاء بعد عملية الصيد، وكانت تحمل في ثناياها بذوراً أغنى. لقد أدّت وفرة الغذاء إلى زيادة أعداد البشر، لأنها مكنت من إطعام أعداد أكبر, ولا يمكننا أن نقيّم هذا التطور بشكل جيد، إلا أن نتائجه واضحة لعلماء الآثار في بقايا المستوطنات التي صارت أكبر من السابق، وهي القرى الأولى.
يدل ظهور القرى على حدوث تغيرات أخرى في الحياة الاجتماعية أيضاً، فقد ازدادت الإقامة المستمرة في المستوطنات نفسها، وضعفت الحاجة للتنقل سعياً وراء حيوانات الصيد والنباتات الفصلية. وفي الوقت نفسه ظهرت أبنية أكثر صلابة. ومن الأمثلة المعروفة على هذا التطور أريحا، التي كان فيها قبل عام 9000 ق.م قرية على موقع ينبوع ماء لا يشح، بعد ألف عام كان حجمها قد ازداد إلى أن غطت بيوتها المصنوعة من الصلصال مساحة بين 8-9 أكرات*، وكانت محاطة بأسوار كبيرة من الواضح أن سكانها كانوا يشعرون أن لديهم أشياء تحتاج للحماية، وربما كان لهم أعداء يخشون منهم عليها، لقد كانت لديهم ثروات، ومنذ ذلك الزمان كان البشر قد اكتشفوا طريقة سريعة للحصول على الثروة، هي أخذها ممن يملكونها.
لقد بزغت في أماكن مثل أريحا رويداً رويداً أنماط جديدة من الحياة، بينما كانت المجتمعات تعالج المتطلبات والفرص الخاصة ببيئاتها بمزيد ومزيد من النجاح. وكان هذا مختلفاً عما حدث بعد عصور الجليد الأبكر، عندما لم يكن هناك كائن واسع الحيلة مثل الإنسان العاقل قادر على استغلال ما خلفته العصور الجليدية. ولكن بما أن عدد الناس في العالم قد ظل قليلاً لزمن طويل، فقد بقيت جماعاتهم معزولة إحداها عن الأخرى في العادة، بعد ذلك طورت تلك الجماعات مهارات جديدة، وتغلبت على المزيد من التحديات في بيئاتها، وازداد تباعد بعضها عن بعض في أساليب حياتها، أي في ما يمكننا أن نسميه ثقافاتها، التي مابرحت تزداد تعقيداً. ولابد أن يكون الناس الذين نشؤوا في تلك الثقافات قد قبلوها دون تفكير، كما هي حال أكثر الناس في العالم اليوم، وأن يكون الروتين هو السائد فيها إذا أرادت الجماعة البقاء. لذلك ظلت الثقافات المختلفة تتباعد لزمن طويل، ولاريب أن اللغة قد اتخذت أشكالاً مختلفة من أجل تلبية الحاجات المختلفة، فحتى يومنا هذا مازلنا نجد لغات كثيرة تعيش جنباً إلى جنب في مناطق مازالت بدائية. إن لكل قبيلة تقريباً لغتها الخاصة التي تلبي حاجاتها الدقيقة الخاصة بها، أما اللغات العالمية الكبرى مثل الإنكليزية والإسبانية الحديثتين فلم تظهر إلا بعد ذلك بزمن طويل وهي نتيجة للحضارة.
بالرغم من هذه الفروق كانت تلك الجماعات تعيش بأساليب تبدو لنا متشابهة جداً، فقد كانت كلها ترتكز على تقنية بسيطة جداً، ولو أنها أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه الحال قبلها بآلاف قليلة من السنين، وكانت تحمل قدرة هائلة على توليد المزيد من التغير المتسارع، كما ستبين المرحلة المتميزة التالية من تطور البشرية.



* أنف الحيوان وفكه الناتئان
* الأكر يساوي نحو أربعة آلاف متر مربع

<

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:28 PM
الثورة النيوليتية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


الثورة النيوليتية
تدل تسمية "نيوليتي" على علاقة بالحجر، مثل تسمية "باليوليتي"*. وقد حاول الناس أحياناً تمييز مراحل ضمن العصر الحجري، فصاروا يتحدثون عن حقبة "ميزوليتية". وكما هي الحال في جميع التقسيمات الأخرى في ما قبل التاريخ، تبدأ هاتان الحقبتان وتنتهيان في أزمان تختلف باختلاف المناطق، ولم تحدث فيهما تغيرات مفاجئة، فالناس لم يستيقظوا في يوم من الأيام ليجدوا أنفسهم في حقبة جديدة، بل إن أساليب قيامهم بالأشياء كانت تتغير رويداً رويداً خصوصاً أساليب صنع أدوات معينة من الحجر، وهي أسهل الأمور تتبعاً على علماء الآثار، ولكن رغم أن هذا التغير كان متدرجاً فإن نتيجته النهائية واضحة، ومازالت المجتمعات وهي أشياء معقدة تتغير بالطريقة نفسها، ولو أن ذلك يجري اليوم بسرعة أكبر. ولاتهمنا الحقبة الميزوليتية لأغراضنا هنا رغم أهميتها للمختصين، أما الحقبة النيوليتية فهي تدل على مرحلة هامة جداً في تطور البشرية.
ولكن ما سبب هذه الأهمية الكبيرة؟ إن علماء الآثار لا يستخدمون تسمية "نيوليتي" بمعناها الدقيق إلا للدلالة على ثقافة حلت فيها الأدوات الحجرية المشحوذة والمصقولة على الأدوات المصنوعة بقشر الرقائق. وقد لا يبدو هذا التطور بحد ذاته أمراً مثيراً، ولكن الحقيقة أن الموضوع ينطوي على أشياء أكثر بكثير، فقد أتت المرحلة النيوليتية من وجود الإنسان بعدد من التغيرات ذات الأهمية العظيمة والتي تفوق بكثير أهمية التطور في صنع الأدوات الحجرية، ولو كانت الأخيرة طريقة مناسبة لتحديد مراحله. صحيح أن تلك التغيرات قد تعود جذورها إلى الماضي السحيق، إلا أنها ما كانت لتبلغ مستواها الكبير ومداها الجغرافي الواسع إلا بفضل اكتشاف الزراعة قبلها. فالزراعة هي التي مكنت من ظهور مجموعة من التطورات سميت "الثورة النيوليتية"، وإذا كنا نفصلها إلى عناصر متميزة فما ذلك إلا لتسهيل وصفها. إن المجتمعات البشرية كلها مترابطة بأساليب معقدة، ويتعلق عمل كل قسم وتطوره بوجود الأقسام الأخرى، وعندما ندرك الأهمية العظيمة لتوافر كميات أكبر من الغذاء بفضل الزراعة، لا تعود بك حاجة ملحة لاعتبار هذه الناحية أو تلك حاسمة. لنبدأ إذن عند نقطة واضحة، ولو أن اختيارها اعتباطي، هي تقنية شغل الحجارة، وهي التي أعطت هذه الحقبة اسمها.



* لأن كلمة Ithos اليونانية تعني الحجر، وباليو تعني القديم، وميزو تعني الوسيط، ونيو تعني الجديد

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:30 PM
التغير التقني

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


التغير التقني
كان تقطيع الأشياء القاسية يتم بالفؤوس اليدوية طوال عشرات الألوف من السنين، وهي سواطير حجرية تمسك بقبضة اليد وتشحذ أطرافها بنزع شرائح عنها. ولقد ظلت الأدوات النيوليتية حجرية، ولكنها كانت أنعم وكانت شفراتها تشحذ وتصقل على حجارة أخرى أقسى. كما أن الشفرات صارت تثبت بمقبض وقد زاد هذا من قوة القطع التي كانت قد تحسنت قبل ذلك بتحسن شكل الحجارة وصقلها. وقد ثبت ببعض الفؤوس الحجرية النيوليتية مقابض حديثة وجربت في الغابات وتبين أنها أدوات قوية للغاية وذوات عمر طويل أيضاً، لأنها عندما تثلم يمكن شحذها من جديد بنفس العملية التي صنعت بها. وكانت هذه أداة عظيمة الأهمية للزراعة، لأنها سهلت إزالة أشجار الغابات ونباتاتها من أجل زراعة المحاصيل. ومن بعدها جاءت الجواريف الحجرية من أجل حراثة الأرض، كان تغير تقنية الحجر إذاً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بثورة إنتاج الغذاء، ومع أننا لا نعلم بالضبط تسلسل الأسباب والنتائج فإن العلاقة بين الاثنين أمر واضح.
إن هذه التطورات الكثيرة والمترابطة في حياة الإنسان خلال الحقبة النيوليتية تبرر اعتبارها مرحلة حاسمة في قصة البشرية، لقد استغرقت تلك التغيرات خمسة أو ستة آلاف سنة، وكانت نتيجتها الإجمالية أكبر تسارع في التطور الاقتصادي والاجتماعي قبل مجيء طاقة البخار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد. فإضافة إلى إطعام عدد أكبر من الناس، صار بالإمكان إطعامهم من دون أن يشاركوا في عملية تنمية الغذاء وإحضاره. ربما كان هناك بعض المختصين في أزمنة أبكر، ولكن التخصص الاقتصادي والتقني صار أكثر احتمالاً وأسهل بكثير من اختراع الزراعة. وضمن تلك الجماعات الأكبر والأكثر استقراراً صار هناك عدد أكبر من الحرفيين، الذين يقومون بأعمال مثل صنع الأدوات والأغراض المزينة، ويأخذون مقابلها ما يلزم لمعيشتهم من غيرهم، وكان بعض أنشطتهم ذات أهمية كبيرة في إحداث فروق جديدة في حياة الأفراد بعضهم عن بعض، وفي تحقيق اكتشافات تقنية جديدة أيضاً.
من تلك الاكتشافات اكتشاف الفخار، ربما صنع الفخار للمرة الأولى في اليابان عام 10.000 ق.م، ولكنه كان واسع الانتشار في الهلال الخصيب بعد بضعة آلاف من السنين. كانت الأوعية المصنوعة من الخشب وربما من الحجر أيضاً مستخدمة في أزمنة أبكر، ولكنها صارت أكثر ضرورة بقدوم الزراعة وإمكانية تخزين الطعام. لقد لاحظ بعضهم، ربما صدفة، أن معاملة الطين بالنار تبدل من طبيعته، فصار بالإمكان صنع الأوعية بأسرع وأسهل بكثير، ومن ثم صار من الممكن الطبخ بطريقة مختلفة، وزيادة تنويع الأطعمة، عدا عن تخزين الطعام، والتخفيف من عناء تأمينه. كما أن الخزف يمكن تزيينه بسهولة إما بتلطيخه بالألوان أو بتغير شكله، فقدم بذلك وسيلة جديدة للفن، ولو أنه بقي فظاً لزمن طويل. وقد نتجت عن هذا كله سلسلة واسعة من النتائج. كان النسيج المحبوك اختراعاً نيوليتياً آخر، كان الناس يرتدون التنانير منذ آلاف السنين، وربما بدت ملابسهم في أفضل الأحوال مثل الملابس التي كان يرتديها هنود أمريكا الشمالية في القرن الماضي*، أو الأسكيمو في القرن الحالي* ويمكن اعتبار هذين الشعبين من شعوب العصر الحجري حتى وقت قريب، أما في الأزمنة النيوليتية فقد ظهرت أولى المواد المحبوكة أي الأنسجة في الشرق الأدنى. تدل الزراعة والفخار والأنسجة وحدها على تغيرات واسعة خلال بضعة آلاف من السنين، لقد كانت تلك المرحلة بحق تمهيداً لحضانة المرحلة التالية من تطور البشرية، وهي المرحلة التي مازلنا نعيش فيها، أي حقبة الحضارة. ولكن العصر النيوليتي لا يقتصر على هذه التغيرات، بل حدث فيه تغير آخر يمتد إلى عصر الحضارة، لهذا لا يعتبره بعض العلماء جزءً من العصر النيوليتي، ألا وهو استخدام المعادن.



* التاسع عشر لأن الكتاب صدر عام 1993
* القرن العشرين

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:32 PM
ظهور التعدين

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


ظهور التعدين
لقد غير استخدام المعادن عالم البشر على المدى الطويل، بقدر ما غيرته الزراعة تقريباً. إلا أن هذا التغيير حدث ببطء وهو أصعب على التحديد، إذ كان لابد من حدوث أشياء كثيرة قبل الشعور بتأثيراته الكاملة. وقد بقيت الخامات قليلة لزمن طويل، عندما اكتشف الناس كيف يعالجونها، وكان استخدام المعادن في مراحله الباكرة قليلاً ومتفرقاً ولم يكن ذا تأثير كبير. بالرغم من هذا تقع آثاره الأبكر ضمن الحقبة النيوليتية.
كان النحاس أول معدن استغله الإنسان، وقد حدث هذا بين عامي 7000 و 6000 ق.م في موقع الأناضول، حيث كان من السهل إيجاد خاماته، كما أنه ظهر في قبرص وبعض جزر إيجة، وتبين الدلائل انتشار استخدام النحاس رويداً رويداً نحو الغرب إلى حوض المتوسط، ثم إلى إيطاليا وهنغاريا على البر الرئيسي، بالإضافة إلى الجزر البريطانية. في المراحل الباكرة كان النحاس يشغل بعملية التطريق، ولم يكن هذا ممكناً إلا بالخامات النقية جداً، وكانت الخطوة التالية هي سبكه، أي تسخينه إلى أن يصبح سائلاً ثم صبه في قوالب. وأخيراً اكتشف الناس أن الخامات المشوية يمكن تحسينها بالحرارة أيضاً، من أجل الحصول على معدن أنقى، وعندما صارت هذه العمليات معروفة وضع للتعدين نمطه الأساسي الذي سوف يستمر لآلاف السنين. وقد تابع التطور طريقه باكتشاف مصادر جديدة للخامات، وإجراء التجارب عليها، واكتشاف معادن مختلفة وتخصيص استعمالها لأغراض معينة، والحصول على درجات حرارة أعلى لشغلها وتنقيتها، وبمزج المعادن أيضاً للحصول على معادن صنعية أي ما نسميه اليوم سبائك. ويبدو أن أول سبيكة كانت البرونز، وهو مزيج من القصدير والنحاس، ويكفي مزج مثل واحد من القصدير مع عشرة أمثال من النحاس للحصول على نوع جيد منه. كان البرونز على درجة عظيمة من الأهمية، ومن هنا أتت تسمية عصر البرونز. لقد بقي الناس يعتقدون لزمن طويل أنه صنع واستخدم للمرة الأولى في بلاد الرافدين قبل عام 3000 ق.م بقليل، وكان من المعروف أنه كان يصنع في الصين بعد ذلك بحوالي ألف سنة. ولكن أشياء مصنوعة من البرونز في شمال شرق تايلاند قد أُرّخت مؤخراً بعام 3600 ق.م، أي أنها أبكر ما اكتشف في العالم. وما زلنا بحاجة إلى أدلة أكثر قبل أن يتفق العلماء على تحديد أول مجتمع قديم استخدم البرونز، ولكن النقطة الأساسية هي أن عصر البرونز كان مرحلة في تطور المجتمع البشري تمكن فيها الإنسان من تلبية حاجاته الأساسية للمعادن عن طريق هذا المعدن المزيج. إن البرونز معدن أفضل بكثير من النحاس، إذ يمكن أن تصنع منه شفرات أكثر حدة بكثير وأطول عمراً، أما النحاس فهو أضعف حتى من الصوان من هذه الناحية، ويمكن سبكه في قوالب بسهولة أكبر، وبالتالي صنع أشكال أكثر تنوعاً. وقد أضفى اكتشافه بالطبع أهمية على أماكن وجود القصدير أيضاً، والتي كانت أحياناً في مناطق توضع النحاس نفسها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp1-15.jpg
أدوات برونزية وحديدية
إننا لا نعلم كيف حدث هذا التطور، ولكن ربما لاحظ بعضهم أن النحاس عندما يترك في فرن الخزف يذوب، ويمكن بالتالي صبه في قوالب. تتطور التقنية دوماً بفضل نتائج جانبية، أي أن نتائج ثانوية لتطور ما تصبح خطوات أساسية في تطور آخر، فمقالي الطبخ الحديث الذي لا يلتصق الطعام بها مثلاً قد صنعت بالاستفادة من المعرفة بالمواد المقاومة للحرارة والناتجة عن بناء صواريخ الفضاء.وعندما تلاحظ نتائج ثانوية ما يبدأ الخبراء بإجراء التجارب عليها، فتعطي هذه التجارب نتائج جانبية أخرى. لقد قال بعض العلماء مؤخراً إن عملية تنقية الخامات المعدنية لم تكتشف بطريق المصادفة، بل كانت نتيجة ما نسميه اليوم أبحاثاً وتجارب مقصودة، فإذا كان الأمر صحيحاً فهو دليل واضح على أن البشر كانوا صانعي تغيير بصورة مقصودة منذ العصر النيوليتي.
لقد اكتشف الذهب أيضاً واستخدم منذ زمن باكر، والأرجح أنه كان يوجد في العالم القديم بشكل توضّعات قريبة من سطح الأرض، فكان الحصول عليه أسهل منه في أزمنة لاحقة، لكن استخدامه ظل محصوراً بأمور الزينة تقريباً، بعكس النحاس الذي استفيد منه لصنع الأسلحة والأدوات عدا عن صنع أغراض الزينة، ولم يكن هذا الأمر ممكناً باستخدام الذهب. وحتى البرونز نفسه كان أقل أهمية للأسلحة والأدوات من معدن الحديد. في الحقيقة أن استغلال الحديد يدخل في حقبة التاريخ وليس ما قبل التاريخ، لأنه لم يظهر إلا بعد أن كانت الحضارات الأولى قد ثبتت أقدامها، كما أن استعماله لم ينتشر بشكل واسع إلا بعد عام 1000 ق.م، أي في زمن متأخر جداً. لقد عاش جميع مستخدمي الحديد بعد بداية الحضارة ولو لم يكونوا متحضرين، أي أنهم عاشوا في الحقبة التي نعتبرها عادة حقبة التاريخ وليس ما قبل التاريخ. ولكن من المنطقي أن نتناول موضوع الحديد هنا، لأن قدومه هو فعلاً تتمة قصة التعدين في الأزمنة الباكرة، كما أن علماء ما قبل التاريخ مازالوا يتحدثون عن "عصر الحديد" و ثقافات عصر الحديد وهي تعابير لا تدل على حقبة معينة من الزمن، بل على مرحلة من الثقافة المادية. ويمكننا اعتبار عصر الحديد ذروة الحقبة النيوليتية ونهايتها معاً، ولو أن الشعوب التي تستخدمه قد عاشت لزمن طويل إلى جانب شعوب أخرى لا تستخدم إلا الأدوات الحجرية.
يتفق أكثر العلماء على أن شغل الحديد قد ابتدأ في آسيا الصغرى، مثل شغل النحاس، ولكن هناك اختلافات كثيرة حول تحديد ذلك المكان. لا ريب أن بداية شغل الحديد في هذا الجزء من العالم تفسر بتوفر خاماته المعدنية، فضلاً عن تنامي خبرة شغل المعادن الأخرى. إن تنقية الحديد تحتاج إلى حرارة أعلى بكثير من النحاس، وكان الناس في الأناضول يعرفون أفراناً حرارتها عالية تكفي لصنع الفخار عن طريق إشعالها بالفحم النباتي ونفخ الهواء فيها. ولكنهم مع هذا لم يستطيعوا الوصول إلى حرارة كافية لصب الحديد في قوالب، مثلما كانوا يفعلون بالنحاس والبرونز، لهذا بقي شغل هذا المعدن لزمن طويل مقتصراً على عملية التطريق دون السبك. لقد انتشر صنع الحديد انتشاراً سريعاً، هناك شعب أوروبي سمي لاحقاً الشعب السلتي كان من أفضل شاغلي الحديد، وكان السلتيون ماهرين في شغل البرونز أيضاً، ولو أن الصينيين احتفظوا باللقب لزمن طويل، ولكن استخدام الحديد كان معروفاً قبل ذلك في مناطق كثيرة، وأول شعب استخدمه بشكل كبير هو شعب الأناضول اسمه الشعب الحثي. كان الحثيون يحكمون إمبراطورية كبيرة في الشرق الأدنى في حوالي عام 1500 ق.م، أظهروا أن النصر العسكري أيسر بكثير لمن يمتلك الأسلحة الحديدية، لأن السيف الحديدي أقوى بكثير من السيف البرونزي، فما بالك الخنجر النحاسي أو الفأس الحجرية.
إلا أن تأثير الحديد في تغيير التاريخ كان أكبر من خلال استخدامه في الزراعة، فالأدوات الحديدية أفضل من أية أدوات أخرى لحراثة الأرض، لأنها مكنت من الحفر بصورة أسهل وأعمق، فأمنت بالتالي كميات أكبر من الطعام، ونتجت عن ذلك محاصيل أفضل. كما أمكن زراعة نباتات أعمق جذوراً، وصار قطع الأشجار أسهل أيضاً. ولكن تأثير الحديد بقي لزمن طويل بطيئاً جداً كما كان غالياً جداً، وقد ظلت المحاريث الخشبية هي السائدة في روسيا لمئة سنة خلت، ومازالت الملايين منها تعمل في كافة أنحاء العالم اليوم.
وتغير شغل الخشب أيضاً بفعل المعادن، كانت الأدوات النحاسية والبرونزية قد مكنت من شغل الخشب على مستوى يجوز لنا أن نسميه "نجارة"، بينما سار به الحديد خطوة أخرى إلى الأمام. لقد أمن الحديد للناس أغراضاً أكثر للاستعمال والمتعة، وزاد من إمكانية التخصص في المهارات المختلفة. كانت أهمية المناطق الحاوية على خامات المعادن تزداد بشكل مستمر، وعندما نصل إلى عصر الحضارة يصبح بر أوروبا أكثر أهمية للعالم الخارجي من أي وقت مضى بسبب ذلك، ويزداد اهتمام الغرباء بها. لقد بقيت الشعوب الأوروبية لزمن طويل شعوباً متخلفة بالقياس إلى الشعوب الأخرى، ولكن قارتهم كانت غنية بخامات يسهل استخراجها وغابات كثيفة خلّفها تراجع الجليد يمكنها أن تؤمن الوقود. وكان المنقبون من الشرق الأدنى قد بدؤوا يبحثون عن المعادن في أوروبا قبل عام 3000 ق.م بزمن طويل، وبعد ألف سنة سوف تكون فيها مناطق عديدة مختصة بالتعدين، خاصة في إسبانيا واليونان ووسط إيطاليا، وسرعان ما ستصبح أوروبا منطقة تصنيع كبرى عدا عن كونها منتجة للخامات. وقد كان للتعدين بعض التأثيرات البيئية الضارة أيضاً، إذ يبدو أن استنفاذ الخشب لم يبدأ بإزالة الأشجار من أجل الزراعة، بل بقطعها من أجل الحصول على الفحم اللازم لصهر المعادن. ولكن هذه القصة تصل بنا إلى مرحلة متقدمة جداً بالنسبة لعصر ما قبل التاريخ، وهي بداية موضوع هائل، هي قصة صعود أوروبا رويداً رويداً حتى صارت في النهاية مسيطرة على العالم بفضل استغلال مواردها المعدنية والتقنية.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:34 PM
على عتبة التاريخ

كتاب تاريخ العالم - الفصل الأول - قبل التاريخ


على عتبة التاريخ
تبدو الحيوانات التي تعيش في جماعات، مثل النمل والنحل وقطعان الأيل، على درجة عالية من التنظيم، كما تبدو أفضل من البشر في الحفاظ على القواعد في مجتمعاتها. ولكن السبب هو أنها في الحقيقة مختلفة كل الاختلاف عن البشر، فهي لا تلتزم أبداً بالقواعد، كما نفهمها نحن، بل تسلك سلوكاً آلياً تقريباً، أي أنها تفعل ما تفعله لأنها مبرمجة من خلال جيناتها أو من خلال أنماط سلوك محفورة فيها بصورة عميقة أو مغروزة، لذلك نسميها "غرائز" ولا يمكنها أن تسلك غير هذا السلوك إذا أرادت، بل إنها في الحقيقة لا تملك أن تريد أو أن لا تريد. أما المجتمعات البشرية فأمرها مختلف، صحيح أنها مضطرة لأن تأخذ بالاعتبار طبيعة البشر الأساسية بحاجاتها ودوافعها، ولكنها تقدم طرقاً مختلفة كثيرة للقيام بهذا الأمر، وكثيراً ما يختار أفرادها هذه الطرق بإرادتهم. ففي كل أنحاء العالم مثلاً ينجذب الرجل والمرأة أحدهما إلى الآخر ويعيشان معاً وينجبان الأطفال، ولكن هناك الكثير من المجموعات المختلفة من القواعد التي يمكنهما أن يقوما بهذا الأمر ضمنها، وهذه القواعد وضعها البشر ولم تضعها الطبيعة. ففي إنكلترا مثلاً لا يسمح لك القانون باتخاذ أكثر من زوجة واحدة أو زوج واحد في الوقت نفسه، بينما يجيز لك ذلك في بلدان أخرى، أو لنأخذ مثالا مختلفاً تماماً: منذ بضع مئات من السنين لم يكن ممكناً في أوروبا أن يتخذ المرء مهناً معينة، كصنع الأحذية مثلاً إلا بعد أن ينتمي إلى نقابة خاصة بمن يمارسون تلك المهنة ويخضع لقواعدها في طريقة أداء عمله. ثم انهار هذا النظام لأسباب مختلفة، وانخفضت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر القيود القانونية المفروضة على الإنسان في اتخاذ المهنة التي يريدها والعمل بها كما يشاء، ولكن بقي من الصعب في بعض البلاد أن يختار الإنسان مهناً معينة دون الانتماء إلى النقابة المهنية المناسبة. قد لا يبدو للوهلة الأولى أن لهذا الأمر علاقة بما قبل التاريخ، ولكنه يجب أن يلفت انتباهنا إلى حقيقة أن ما نسميه "مؤسسات اجتماعية" أي طرقاً في تنظيم الناس لفعل الأشياء، هي إلى حد ما من اختيار المجتمعات المختلفة، وأنها قد تتباين كثيراً من مجتمع لآخر، وقد كان هذا الأمر صحيحاً حتى في الأزمنة الباكرة.
تدل الفروق في الأساليب التقليدية لفعل الأشياء على أن بعض المجتمعات البشرية كانت قد أصبحت متميزة جداً منذ نهاية الأزمنة قبل التاريخية. وكان نهجها لتقاليدها الخاصة قد بدأ منذ زمن بعيد في العصر الباليوليتي. إلا أن تلك الفروق قد صارت أكثر حدة بكثير مع الاستقرار، وكان هذا بالطبع نتيجة أخرى من نتائج قدوم الزراعة. ففي أعالي وادي أحد روافد نهر دجلة، على هضاب يقطنها الأكراد، كانت هناك بحلول عام 6500 ق.م قرية صغيرة في مكان يدعى جرمو، لم يكن أهلها يعرفون تسخين الفخار بعد، ولكن كانت لديهم منازل من الصلصال، وكانت أساساتها من الحجر أحياناً وفيها أكثر من غرفة واحدة، وكان في بعض مساكنهم قطع أثاث ثابتة، مثل الأفران والأحواض المتوضعة في الأرض. وكان بإمكان سكانها أن يصنعوا أواني من الحجر الأملس عن طريق قطعه وشحذه، كما كانوا يصنعون منه أغراضاً للزينة مثل حبات الخرز والأساور. وكانوا يمارسون الزراعة وكانت لديهم حيوانات مدجنة من نعاج وماعز وثيران وخنازير وكلاب أيضاً. منذ ذلك الحين كان بعض الناس في جرمو يتميزون عن غيرهم بامتلاك ثروات صغيرة من أغراض زينة وأسلحة يعتزون بها. كان هناك دور للأفراد المختصين في هذا المكان، إذ لم يكن هناك بد من تنظيم شؤونها الإشراف على عمليات الحصاد وتخزين المحاصيل، ولكن عدد الأشخاص في جرمو لم يتجاوز بعض مئات على الأرجح. فإذا ابتعدنا غرباً إلى فلسطين، وجدنا أن أريحا كان يسكنها حوالي ثلاثة آلاف شخص في ذلك الوقت، وكانت هذه مجموعة كبيرة من الناس. كان في أريحا واحة هامة تحتاج إدارتها وصيانتها إلى تنظيم كبير، لذلك كانت الحاجة فيها للمهارات المختصة والحكومة المنظمة أكبر بكثير منها في جرمو. كانت تنشأ خلال العصر النيوليتي إذن، على الأقل بالشرق الأدنى، جماعات أكبر يؤدي لها الناس الولاء والطاعة، وكانت حياة البشر قد ابتعدت كثيراً عن حياة القبائل الرحل، وسارت باتجاه تنظيم الحياة الاجتماعية في وحدات أرضية مستقرة وخاضعة للقوانين نفسها، ومازالت هذه هي طريقة حكم الناس التي نألفها اليوم.
مازلنا نجهل كيف كان كل من الرجل والمرأة يرى دور الآخر في تلك المجتمعات الباكرة، ولكن لابد أن تكون جذور هذا الأمر كامنة في الحقائق البيولوجية والاقتصادية المذكورة آنفاً. لما كان أطفال البشر وهم مستقبل القبيلة محتاجين إلى الكثير من العناية المديدة، فقد ترسخ تقسيم العمل بين الجنسين على الأرجح قبل أن تصبح الجماعات أكثر استقراراً، فصار الرجال يذهبون إلى الصيد وجمع الطعام، وبينما تبقى النساء في البيت. وعلى هذا التقسيم سوف تنمو تقاليد مختلفة من التربية، فيذهب الصبية مع الرجال عندما يكبرون ويصبحون قادرين على مجاراتهم في الصيد، أو لا يعودون مصدر إزعاج لهم على الأقل، أما النساء فربما كن يتعلمن مراقبة الحياة النباتية بعناية قرب البيت، فيجمعن المحاصيل المفيدة والمغذية، وربما كن يشكلن في أماكن كثيرة قوة العمل الأساسية في الزراعة، كما هي الحال اليوم. إننا نعلم بالتأكيد أنه قبل أن نصل إلى عصر التاريخ كانت قد ظهرت أشياء كثيرة سوف تصبح عادية طوال آلاف السنين، وسوف تستمر حتى اليوم.
لنأخذ عام 5000 ق.م كنقطة إشراف وهمية، وليس لهذا التاريخ أية ميزة خاصة عدا عن أنه سهل التذكر. في ذلك الزمان كان شكل الأرض قريباً جداً من شكلها الحالي، ولم تتغير أشكال القارات وحواجز الاتصال ومسالكه الطبيعية كثيراً منذ ذلك الحين. كما يمكننا أن نعتبر أن المناخ قد استقر خلال هذه الفترة لأن سبعة آلاف سنة هي فترة زمنية لا تذكر بالقياس إلى تقلبات المناخ العنيفة على مدى مئات الألوف من السنين قبل آخر عصر جليدي، ولا يحتاج المؤرخ بعدها إلا للنظر في تقلباته القصيرة المدى. في المستقبل كان يقبع العصر الذي مازلنا نعيش فيه والذي كان أكثر التغيير فيه من صنع الإنسان. كانت بعض أجزاء العالم في عام 5000 ق.م قد قطعت شوطاً بعيداً ضمن الحقبة النيوليتية، فصارت حياة البشر كثيرة التنوع والتعقيد، ومختلفة جداً عن حياة الإنسان المنتصب، الذي كان قد بقي على حاله في كل مكان تقريباً رغم تطوراته الكبيرة. ولكن حياة الإنسان المنتصب كانت بدورها مختلفة جداً عن حياة الأشكال الضعيفة البائسة من قرد الجنوب، التي كانت تنتقل حول البحيرة التي كانت تملأ ممر أولدفاي الحالي منذ مليوني عام خلت، والتي لم تكن وسائلها في البقاء بأفضل من وسائل البهائم التي تزحف قربها وتشاركها موارد غذائها.
بحلول الأزمنة النيوليتية أصبحنا في عالم ملأه البشر بتنوعهم وطاقاتهم الكامنة، وسوف يزداد هذا التنوع. سوف تتطور بعض الجماعات البشرية بسرعة، بينما تتطور بعضها ببطء، وسوف تلعب قوى جديدة دورها في تطور البشر مع اتصال الشعوب المختلفة بعضها ببعض وتعلمها الواحد من الآخر، أو مع تفكيرها في خبراتها واندفاعها نحو تجارب جديدة. أي أن تنوع البشرية سوف ينشأ أكثر فأكثر من قدرتها على تغيير الأمور بطريقة واعية فضلاً عن حقائق البيئة العمياء. وسوف تكون النتيجة المزيد من التعقيد، فلم توجد يوماً إمكانيات لاختلاف البشر كما هي الحال في عالمنا اليوم. ولكن العالم كان متنوعاً جداً حتى في عام 5000 ق.م، وليس ثمة خط واضح يفصل نهاية حقبة بشرية عن الأخرى، بل مرحلة زمنية ضبابية غير واضحة الحدود، فيندفع بعض الناس إلى الأمام على طريقهم نحو التحضر، بينما يبقى غيرهم عالقين في العصر الحجري الذي سوف يظل بعضهم فيه بعد آلاف السنين.
لقد صار تسارع التغيير في هذا العالم هائلاً، وكان قد ابتدأ في زمن بعيد من مرحلة ما قبل التاريخ. ومن المهم هنا أن نرى الأمور بأبعادها الصحيحة. إن من يذكر اليوم أن الطائرة لم تكن موجودة عام 1900م، وأن الطاقة الذرية لا يزيد عمرها عن نحو خمسين سنة، وأن الكثير من أمم أفريقيا لم تكن قد اكتشفت قبل أربعين عاماً، وأن مرض الإيدز لم يعرف إلا في الثمانينيات؛ يُعْذَر إذا شعر أن شيئاً لم يتغير لقرون طويلة في العصور الوسطى مثلاً، فقد بقي الناس في قسم كبير من أوروبا يزرعون في القرن الخامس عشر بالطريقة نفسها التي كانوا يزرعون بها في القرن التاسع. ولكنك إذا نظرت إلى الفن الأوروبي في الأبنية مثلاً، في عام 800 م ثم بعد ذلك بخمسمائة عام، وجدت أن تغيراً كبيراً جداً قد حصل.
أما فيما يتعلق بأول الفنون التي ظهرت، أي فن العصر الباليوليتي الأعلى، فيقول لنا الخبراء إن رسوم الكهوف العظيمة تكاد تظهر تغيراً لا يذكر في الأسلوب طوال خمسة أو ستة آلاف سنة. وإذا عدت إلى الماضي الأبعد، وجدت أن الاستمرار الطويل لطرق صنع الأدوات من الحجر دليل على بطء أكبر في التطور، وإذا رجعت إلى أزمنة أبكر منها أيضاً وجدت أن التطور الفيزيولوجي للكائنات البشرية يمكن ملاحظته، ولكنه كان ببطء أنهار الجليد حتى بالقياس إلى التغيرات الهزيلة في الفن الباليوليتي.
إن السبب الحاسم لهذا التسارع الكبير في حدوث التغيير بحلول عام 5000 ق.م هو أن المصدر الأساسي للتجديد كان قد انتقل في ذلك الحين من القوى الطبيعية إلى البشر أنفسهم، وعند نهاية ما قبل التاريخ باتت قصة البشرية قصة اختيارات متزايدة. إن البشر يتخذون قرارات أكثر فأكثر للتصرف والتأقلم بأساليب معينة من أجل مواجهة مشاكلهم وتطوير طرق معينة في أداء الأشياء واستخدام مواد أو مهارات معينة. لهذا فإن ما يمكننا اعتباره أهم تغير على الإطلاق قد حدث في البداية، ولو أننا لا نستطيع أن نعلم زمانه أو مكانه بالتحديد. لقد حصل هذا عندما بدأ كائن ما ربما يكاد يكون بشرياً في أعيننا، يفكر في العالم كمجموعة من الأشياء المنفصلة والمتميزة عنه، ولو أمكننا أن نعلم متى حدث هذا التطور لربما كانت تلك خير بداية لما قبل تاريخ الإنسان، لأنها هي التي فتحت الطريق لاستخدام العالم. وتلك هي قصة كل الانتقال من الحياة التي تشكلها الطبيعة بصورة عمياء إلى الحياة التي تشكلها ثقافة البشر وتقاليدهم. ومن بعد ذلك يظهر ما يشبه الفائدة المركبة، لأنه مع ازدياد أعداد البشر اتسعت ساحات مواهبهم وتراكمت إنجازاتهم وخبراتهم التي يمكنهم التعويل عليها واستثمارها، وحتى الجماعات الصغيرة لم تعد بها حاجة لتجشم عناء تعلم كل شيء من البداية.
إلا أننا نعلم جيداً أن البشر بالرغم من كل هذا قد خلقوا مشاكل جديدة بمثل سرعة حلهم للمشاكل القديمة، وأن قصة البشرية مليئة بالنكسات والفشل المأساوي أحياناً. ولكن هذا الأمر يعود فيؤكد من جديد حقيقة أساسية تتعلق بالبشر عند اقترابهم من حقبة خلق الحضارات الأولى، هي أنهم فريدون من ناحية قيامهم باستخدام العالم وتغييره بطريقة واعية. إن إحدى الطرق القليلة الجيدة لوصف الإنسان العاقل هي أنه قبل كل شيء حيوان صانع للتغيير، والدليل على هذا إنما يكمن فيما فعله، أي في تاريخه. وراء هذا التاريخ يقبع كل ما نظرنا إليه في هذا الكتاب نظرة سريعة، ملايين من السنين كانت خلالها الكائنات تتشكل بطرق جعلت البشر وحدهم من بين الرئيسات قادرين على قولبة مصائرهم، ومع أنهم لم يكونوا قادرين على فعل ذلك إلا ضمن حدود ضيقة، فإن أبكر الأدلة على تأثيره تعود إلى أزمان قديمة جداً.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:36 PM
الحضارات الأولى

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات

الحضارات الأولى
بزغت الحضارات الأولى بين عامي 3500 ق.م و 500 ق.م، واستهلت العصر الذي صارت فيه كل التغيرات الهامة في حياة البشر من صنع الإنسان نفسه. وفيها يمكننا البحث عن أسس عالمنا نحن، لأنها مازالت تحدد جزءاً كبيراً من الخريطة الثقافية للعام حتى اليوم. لقد كانت تلك الحضارات نتيجة امتزاج مهارات البشر وعوامل الطبيعة بأشكال معينة، فأعطت كل حالة مستوى جديداً من الحياة المبنية على استغلال الطبيعة. صحيح إن أبكر الحضارات قد ظهرت كلها خلال بضعة آلاف من السنين، وهي تكاد تكون لحظة صغيرة أمام حقبة ما قبل التاريخ المديدة، ولكنها لم تظهر على نحو متزامن، ولا كانت على نفس الدرجة من النجاح، فقد اندفعت بعضها إلى الأمام فأحرزت إنجازات دائمة، بينما تقهقرت بعضها الأخرى أو اختفت، ولو من بعد ازدهار مذهل. إلا أنها جميعاً قد أظهرت ازدياداً حاداً في سرعة التغير ومستواه بالقياس إلى أي من إنجازات الأزمنة الأبكر.
يبدأ تسلسل الأمور بشكل تقريبي في حوالي عام 3500 ق.م في بلاد الرافدين، عندما ظهرت للعيان أول حضارة يعترف بها، وظهرت الحياة المتحضرة في مصر في تاريخ لاحق ولكنه باكر أيضاً، ربما في حوالي 3100 ق.م، ثم نجد في جزيرة كريت بحلول عام 2000 ق.م تقريباً معلماً آخر هو الحضارة التي تسمى الحضارة المينوية. ومنذ ذلك الحين يمكننا تجاهل الأسبقيات في شرق المتوسط والشرق الأدنى، لأن المنطقة أمست مكونة من مركب حضارات متداخلة ومتبادلة في التأثير. في تلك الأثناء، ربما بحلول عام 2500 ق.م ، كانت الحضارة قد نشأت في الهند، أما حضارة الصين فتبدأ بعدها في نحو منتصف الألف الثانية ق.م، وهي حالة منعزلة تدل على أن التفاعل قد لا يكون بالضرورة عاملاً هاماً في تفسير ما يحدث. ومنذ ذلك الحين لم تظهر حضارات من دون تحفيز خارجي أو صدمة أو ميراث من حضارات أخرى نضجت قبلها، إلا في أمريكا الوسطى والجنوبية.
ليس من السهل أن نجد أموراً مشتركة بين الحضارات الأولى عدا عن اعتمادها الكامل على الزراعة المحلية، وإنجازها الكتابة، وتنظيمها المجتمع على مستوى جديد في المدن. وحتى إذا كانت تقنيتها متقدمة بالقياس إلى تقنيات أسلافها غير المتحضرين، فإن مصادر الطاقة فيها مازالت قوة عضلات الحيوان والإنسان التي كانت تستخدمها لتلبية أغراضها المادية. وقد ظل شكل تلك الحضارات وتطورها يتحددان إلى درجة كبيرة ببيئتها، ولكن بدأت تقضم قيود الجغرافية وتزداد قدرة على استغلالها والتغلب عليها. إن تيارات الرياح والمياه التي كانت توجه السفر البحري الباكر مازالت اليوم هي هي، وحتى في الألف الثانية ق.م كان الناس يتعلمون تسخيرها لمنفعتهم، لذلك كانت إمكانيات التبادل والتفاعل بين البشر منذ زمن باكر جداً أوسع بكثير منها في الأزمنة قبل التاريخية.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-1.jpg
طرق التجارة القديمة في الشرق الأدنى
بعض معالم التطور الزراعي في الحضارات الباكرة

8000-5000 ق.م زراعة أنواع مدجنة من القمح والشعير، تدجين الغنم والماعز والبقر في جنوب غرب آسيا والأناضول واليونان وفارس وحوض بحر قزوين، انتقال تقنيات الزراعة والحصاد من آسيا الصغرى إلى أوروبا، زراعة الدخن –الجاورس- في الصين.
3400-3100 ق.م استخدام الكتان لصنع الأنسجة في مصر، وأول دليل على الحراثة وتقليب الأرض وتسميدها فيها.
3000 ق.م الحمير تستخدم للحمل في مصر، السومريون يزرعون الشعير والقمح والتمر والكتان والتفاح والخوخ والبرقوق والعنب.
2900 ق.م تدجين الخنازير في شرق آسيا
2540 ق.م تعتبر بداية صناعة الحرير في الصين
2500 ق.م الأفيال المدجنة في وادي نهر الهندوس، البطاطا تزرع في البيرو.
2350 ق.م صناعة الخمر في مصر
1600 ق.م زراعة الكرمة والزيتون في كريت
1500-1300 ق.م الشادوف يستخدم للري في مصر، وأدلة على قنوات الماء فيها.
1400 ق.م المحاريث الحديدية تستخدم في الهند
1200ق.م الجمال المدجنة في الجزيرة العربية

لا يجوز إذاً أن نجزم في أصول الحضارات أو أسباب نشوئها أصلاً، لأن الحضارة لم تظهر بطريقة واحدة. لا ريب أنها كانت تنتج عادة من تضافر عدد من العوامل التي تؤهب منطقة معينة لإعطاء شيء معقد يعترف به بعد كحضارة، ولكننا لا نعلم ما هي العوامل التي تسرّع هذه العملية أو تطلقها. لقد كانت البيئات والتأثيرات الخارجية والمواريث الثقافية تختلف من مكان لآخر، لذلك لم يكن تطور البشرية بالسرعة نفسها ولا نحو النتائج نفسها في كل مكان. إن البيئة الجغرافية المناسبة هي عامل أساسي، ولكن للثقافة أهميتها أيضاً. لقد كان على الشعوب أن تستغل بيئاتها وأن تواجه التحديات، ومن الواضح أن وديان الأنهار كما في بلاد الرافدين ووادي الهندوس والصين ومصر كانت بيئات ملائمة، لأن أراضيها كانت غنية وسهلة الزراعة وقادرة على إطعام جماعات كثيفة من الفلاحين في قرى سوف تنمو لتشكل المدن الأولى. إلا أن الحضارات قد ظهرت أيضاً في بيئات مختلفة جداً، مثل ميزو- أمريكا* وكريت المينوية واليونان، ونحن نعلم عن وجود تأثيرات خارجية هامة في الحالتين الأخيرتين، ولكن مصر ووادي الهندوس أيضاً كانا على اتصال ببلاد الرافدين منذ زمن بعيد جداً. وقد تكون الاتصالات الخارجية هامة حتى في حالة الصين، ولو بدت منعزلة عن العالم الخارجي تقريباً للوهلة الأولى. كان الناس في السابق يقولون في البحث عن مصدر مركزي واحد للحضارة أتت منه جميع الحضارات الأخرى، ولكن هناك حالة الحضارات المنعزلة في القارتين الأمريكيتين التي يصعب تفسيرها بهذه النظرية، كما أنه من الصعب جداً أن نضع تسلسل هذا الانتشار المفترض بشكل يتفق مع تحسن معلوماتنا عن التواريخ القديمة بفضل استخدام طريقة الكربون المشع.
الحقيقة أن تمييز الحضارات الباكرة بعد ظهورها أسهل من معرفة طريقة نشوئها، ولا يمكننا إعطاء أحكام مطلقة تنطبق على نشوئها جميعاً. إننا نطلق كلمة حضارة على تفاعل البشر بطريقة خلاقة جداً، عندما تتراكم كمية حاسمة من القدرة الثقافية والموارد المادية، فتتحرر طاقات البشر على التطور الذي يسير عندئذٍ بقوته الذاتية. تضم الحضارة الجهود المشتركة لأعداد أكبر من الناس، وذلك بضمهم معاً في تجمعات أكبر، وإن كلمة حضارة civilization مرتبطة بكلمة لاتينية تعني المدينة city، وقد قدمت المدينة أكثر من أية مؤسسة أخرى ذلك التجمع الكبير والحاسم من البشر، ودعمت الإبداع بأكثر من أية بيئة أخرى، حتى الآن، ففي المدن الأولى استخدمت الثروة الناتجة عن الزراعة لإعالة طبقات الكهنة، التي طورت بنى دينية معقدة، وشجعت على تشييد أبنية كبرى لها وظائف أوسع من دورها الاقتصادي، وبهذا خصصت موارد أكبر بكثير من الأزمنة السابقة لأغراض غير الاستهلاك المباشر. ومع ظهور الكتابة تركز تخزين الأعمال والخبرات، وباتت هذه الثقافة المتراكمة بالتدريج أداة أكثر فأكثر فعالية في تغيير العالم.
مع قدوم الحضارة ازداد تباين الشعوب بعضها عن بعض سرعة في أصقاع العالم المختلفة. إن أوضح حقيقة حول الحضارات الباكرة هي التنوع المدهش بين أساليبها المختلفة، ولكننا نغفل هذه الحقيقة في العادة بسبب وضوحها الكبير. لقد سبب قدوم الحضارة تبايناً متزايداً وسريعاً في الملابس والعمارة والتقنية والسلوك والأفكار والأعراف الاجتماعية. ولا ريب أن حقبة ما قبل التاريخ قد أعطت مجتمعات تختلف فيما بينها في أنماط الحياة والعادات والذهنية عدا عن صفاتها الجسمانية المختلفة، إلا أن غياب الثروة والتقنية المتخصصة في ذلك الحين قد حد من درجة الاختلاف. أما مع الحضارات الأولى فيصبح التمايز أوضح بكثير، وهو نتيجة للطاقة الخلاقة للحضارة نفسها. ومنذ الحضارات الأولى حتى يومنا هذا توجد في الوقت نفسه نماذج متباينة من المجتمعات البشرية التي تؤثر إحداها في الأخرى وتخصبها، سواء كان ما تعرفه إحداها عن الأخرى كثيراً أو قليلاً. إن جزءاً كبيراً من هذه القدرة الجديدة عصي على الكشف اليوم، لأن معلوماتنا زهيدة جداً عن حياة الفكر في المراحل الأولى من الحضارة، إلا ما يتعلق منها بالمؤسسات حسبما نفهمها والرموز المقصودة، والإشارات غير المقصودة في الفن والأفكار المجسدة في الأدب.


* الجزء المتحضر من المكسيك وأمريكا الوسطى، قبل زمن الإسبان ( الموسوعة البريطانية).

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:37 PM
تفاعل الثقافات في الهلال الخصيب

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات





تفاعل الثقافات في الهلال الخصيب

يظهر هذا التفاعل المتبادل بين الثقافات المختلفة واضحاً للمرة الأولى في الشرق الأدنى، فقد تعرضت هذه المنطقة لاضطراب عظيم بسبب قدوم عروق مختلفة إليها ورحليها

عنها طوال ثلاثة أو أربعة آلاف سنة، فأغنتها ومزقتها في الوقت نفسه. وسوف يصبح الهلال الخصيب في الجزء الأكبر من الأزمنة التاريخية بوتقة عظيمة للثقافات، ومنطقة للاستيطان والعبور أيضاً، تدفق الناس عبرها يتبادلون الأفكار والمؤسسات واللغات والمعتقدات، التي مازال الكثير منها يؤثر فيها اليوم.

كان السبب الأساسي لترحال الشعوب هو على الأرجح زيادة عدد السكان في مواطنها الأصلية، إلا أن عدد سكان العالم في نحو عام 4000 ق.م قد قدر بثمانين إلى تسعين مليوناً فقط، وسوف يزداد خلال الأربعة آلاف سنة التالية بمعدل خمسين بالمئة ليصبح مئة وثلاثين مليوناً تقريباً. إن معدل هذه الزيادة ضئيل جداً بالقياس إلى الأزمنة اللاحقة، وهو يدل على البطء النسبي في تزايد قدرة البشر على استغلال العالم الطبيعي، ولكنه في الوقت نفسه انقطاع ديموغرافي هائل يميز هذه الحقبة عن الأزمنة قبل التاريخية. كان هذا التزايد يعتمد على هامش ضئيل جداً من الموارد، فقد كان بإمكان الجفاف والقحط أن يدمرا موارد الغذاء في منطقة ما بصورة حادة ومفاجئة، ولابد أن يؤدي هذا إلى خطر المجاعة، وهي واحدة من القوى الأولى المحركة للتاريخ الباكر. فطوال آلاف السنين لم يكن بالإمكان نقل الغذاء إلا بواسطة الحيوان، لذلك كان الجفاف أو العواصف المدمرة أو حتى ارتفاع الحرارة أو انخفاضها لسنوات قليلة تجبر الشعوب على الترحال، فتدفع التقاليد المختلفة بعضها إلى بعض، فتتصادم وتتعاون وتتعلم إحداها من الأخرى، وتزداد بذلك غنى وقدرة على التطور.

يمكننا تمييز شعوب أزمنة الحضارة الباكرة في الهلال الخصيب من خلال الفروق اللغوية فيما بينها. وتنتمي تلك الشعوب كلها إلى واحدة من مجموعات أربع: مجموعة نشأت في أفريقيا إلى الشمال والشمال الشرقي من الصحراء الكبرى تسمى ” الحامية” ثم مجموعة ”الساميين” الذين نشأوا في شبه الجزيرة العربية، ومجموعة ”الهنود الأوروبيين” الذين نشأوا في جنوب روسيا وانتشروا بحلول عام 4000 ق.م أيضاً إلى أوروبا وإيران، وأخيراً المجموعة التي يمكن أن نسميها ” قوقازية” وأصلها من جورجيا ومنطقة القوقاز. ويبدو أن الجزء الأكبر من الهلال الخصيب كانت تسكنه مجموعة من القوقازيين هذه في حوالي عام 4000 ق.م، وهم الأبطال الأساسيين للقصة في أبكر تاريخ للشرق الأدنى. ولكن الشعوب السامية أيضاً كانت قد بدأت بالتغلغل في المنطقة في ذلك الحين، وفي منتصف الألف الثالثة ق.م كانت قد ثبتت أقدامها وسط بلاد الرافدين على امتداد الألسنة الوسطى لنهري دجلة والفرات. لقد تمكن القوقازيون من التمسك بالمرتفعات المحيطة ببلاد الرافدين في الشمال الغربي، وكان التفاعل والتنافس بين الشعوب السامية والقوقازية موضوعاً مستمراً في التاريخ الباكر لهذه المنطقة. بحلول العام 2000 ق.م كانت قد دخلت المسرح شعوب أخرى تشكل لغاتها جزءاً مما يسمى المجموعة ” الهندية الأوروبية”. من هذه الشعوب الشعب الحثي الذي اندفع إلى الأناضول قادماً من أوروبا، بينما كان شعب هندي أوروبي آخر هو الشعب الإيراني يدخل الشرق. وبين عامي 2000 ق.م و 1500 ق.م تنازعت واختلطت فروع من هاتين المجموعتين مع الشعوب السامية والقوقازية في الهلال الخصيب نفسه، بينما يكمن التفاعل بين الحاميين والساميين وراء قسم كبير من التاريخ السياسي لمصر القديمة. إن هذا السيناريو المشوش هو بالطبع عام للغاية وتفاصيله غير أكيدة، ولكن بالرغم من هذا تبقى هجرات الشعوب ضمن هذا النمط العام هي الخلفية التي ظهرت عليها الحضارة الأولى وازدهرت، مهما كانت طبيعة تلك الهجرات وأسبابها.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:41 PM
سومر

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات


سومر
لقد ظهرت تلك الحضارة الأولى في القسم الجنوبي من بلاد الرافدين، أي في أرض العراق الحالية، فعلى هذه الأرض التي يبلغ طولها 700 ميل*، والتي يشكلها واديا نهري دجلة والفرات، كان الناس يعيشون
منذ زمن طويل. وقد صارت في الأزمنة النيوليتية مكتظة بالقرى الزراعية، ويبدو أن أقدم المستوطنات كانت في أقصى الجنوب. كان الساحل الجنوبي لبلاد الرافدين أعلى بنحو 100 ميل* إلى الشمال مما هو عليه اليوم، وبفضل قرون طويلة من تصريف مياه النهرين الكبيرين من الداخل وفيضاناتهما السنوية تراكمت تربة على درجة عظيمة من الخصب في المناطق المحيطة بالدلتا. وكانت المحاصيل تنمو بيسر إذا ما توفر الماء بشكل مستمر وآمن، وكان هذا الأمر ممكناً في العادة لأن قاع النهر كان أحياناً أعلى من مستوى الأرض المجاورة، أما المطر فقد كان شحيحاً وغير منتظم. وقد ظهرت هنا في زمان باكر إمكانية زراعة كمية تزيد من حاجة الاستهلاك اليومي، وهذا الفائض هو الذي سمح بظهور حياة المدن، كما كان صيد السمك من البحر المجاور ممكناً أيضاً.
كانت هذه البيئة تحدياً وفرصة في الوقت نفسه، لأن دجلة والفرات قد يغيران أحياناً مجراهما بشكل مفاجئ وعنيف، لذلك كان من الضروري تدبير أرض الدلتا المستنقعية الواطئة عن طريق تكويم السدود وحفر الأقنية من أجل تصريف المياه. كانت تصنع منصات من القصب والطين لتبنى عليها أول المساكن في بلاد الرافدين، وقد بقيت تلك التقنيات مستخدمة حتى هذا القرن*. وكانت الرقع الصغيرة المزروعة من الأرض تتجمع حيث تكون التربة في أخصب حالاتها، ولم يكن بالإمكان تدبير أمور تصريف المياه والري اللازمة إلا بشكل جماعي. لقد اضطرهم هذا بلا ريب إلى التنظيم الاجتماعي من أجل استصلاح الأراضي، ومعه ظهر نوع من السلطة المشروعة. وكيفما حدث ذلك فإن استصلاح الأراضي من المستنقعات المائية في سومر كان أول إنجاز من نوعه على ما يبدو، ولابد أن يكون قد دفع إلى درجة جديدة من التعقيد في طريقة عيش أهل بلاد الرافدين معاً.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-2.gif
الدولة السومرية والدولة الأكادية
ومع زيادة أعدادهم صاروا يأخذون مساحات أكبر من الأرض من أجل الزراعة، وعاجلاً أو آجلاً سوف يتواجه سكان القرى المختلفة بسبب الحاجة لاستصلاح المستنقعات التي تفصل بينهم، بل وربما كانوا على اتصال مع بعضهم البعض قبل ذلك بسبب حاجات الري المختلفة، وقد كان أمامهم أحد خيارين: إما الاقتتال أو التعاون؛ وفي مرحلة ما من هذا التطور بات من المنطقي أن ينضم الناس بعضهم إلى بعض في مجموعات أكبر من أجل حماية أنفسهم فضلاً عن تدبير بيئتهم. من النتائج المادية لهذا التطور ظهور المدن، كان مقام الإله المحلي محاطاً بسور من الطين في البداية لصد الفيضانات والأعداء، ثم صار يرفع على منصة فوق مستوى المياه، وكان من الطبيعي أن يختار هذا المقام موقعاً لمستوطنة أكبر: فقد كان الإله يقف وراء سلطة الجماعة، التي يمارسها كاهنه الأكبر، والذي أضحى رئيس حكومة دينية صغيرة تتنافس مع غيرها.
يفسر مثل هذا الأمر الفرق بين جنوب بلاد الرافدين في الألفين الثالثة والرابعة ق.م من جهة، والمناطق الأخرى ذوات الثقافة النيوليتية التي كانت على اتصال بها عندئذٍ من جهة أخرى. صحيح أنه كانت هناك أشياء كثيرة مشتركة تجمع بلاد الرافدين والأناضول وآشور وإيران في العصر النيوليتي، ولكن في هذه المنطقة الصغيرة وحدها بدأ ينمو ويتبلور بصورة أسرع نمط من قرى الشرق الأدنى ليصبح شيئاً جديداً، هو أول مدينة حقيقية. كان لتلك المدنية مراكز كثيرة، وكانت فيها أول حضارة يمكن تمييزها، أي حضارة سومر، وهو الاسم القديم لأقصى أجزاء بلاد الرافدين جنوباً، يطلق اسم السومريين على الذين كانوا يتحدثون لغة سميت فيما بعد باللغة السومرية، وهو على الأرجح ذوو جذور قوقازية. ومازال العلماء منقسمين حول زمن وصولهم إلى المنطقة، ولكنهم كانوا في عام 4000 ق.م قد رسخوا أقدامهم فيها، والحقيقة أن سكان سومر المتحضرة صاروا مزيجاً من الأعراق، ربما كان بينهم سكان أبكر من هذه المنطقة، وكانت في ثقافتهم عناصر أجنبية ومحلية.
كان السومريون الأوائل يعيشون في قرى مثل جيرانهم وكانت لديهم بعض مراكز العبادة الهامة والمسكونة بصورة مستمرة منذ زمن طويل. منها مركز في مكان يدعى أريدو*، نشأ على الأرجح في حوالي عام 5000 ق.م ، ثم راح ينمو بشكل مستمر حتى وقت متقدم من الأزمنة التاريخية، وفي منتصف الألف الرابعة كان فيه معبد يعتقد بعضهم أنه كان النموذج الأصلي لعمارة النُصُب في بلاد الرافدين، ولكن لم يبق منه اليوم إلا المنصة التي كان يقوم عليها. لقد بدأت أماكن العبادة هذه كأماكن للتعبد والحج، ولم يكن فيها عدد هام من السكان المقيمين، إلا أن المدن تبلورت من حولها فيما بعد، ويساعد هذا الأمر في تفسير العلاقة الوثيقة التي ظلت قائمة دوماً بين الدين والحكم في بلاد الرافدين القديمة.


سومر الباكرة

حوالي عام 5000 ق.م اللغة السومرية متداولة
حوالي عام 4000 ق.م الاستقرار في الموقع الذي سيصبح بابل فيما بعد
حوالي عام 3500 ق.م اللغة السومرية تظهر مكتوبة
حوالي عام 2800 ق.م السلالة السومرية الأبكر
حوالي عام 2350-2200 ق.م حكم سرجون الأول وسلالة أكد
حوالي عام 2150 ق.م الغوتيون والأموريون يطيحون بالسلالة الأكدية
حوالي عام 2000 ق.م عودة الحكم الأكدي باسم سلالة أور الثالثة
حوالي عام 1800-1600 ق.م تفوق بابل على سومر
الكتابة
استمرت الحضارة السومرية من عام 3300 إلى عام 2000 ق.م تقريباً. فمنذ زمن باكر جداً كان الناس فيها يصنعون أختاماً أسطوانية الشكل، محفور عليها صور صغيرة يدورونها بالصلصال. ومن هذه الصور طور السومريون صوراً مبسطة كانوا ينقشونها على ألوح الصلصال بواسطة ساق القصب، كانت هذه خطوة كبيرة نحو الكتابة الحقيقية. ثم تطورت هذه إلى أسلوب يسمى الكتابة المسمارية، تستخدم أدوات وإشارات ومجموعات من الإشارات للدلالة على الأصوات والمقاطع الصوتية. وقد أدى استخدام الكتابة المسمارية إلى تحسن في تبادل المعلومات لا سابق له، وسهل كثيراً العمليات المعقدة من ري الأراضي والحصاد وتخزين المحاصيل، فمكن بالتالي من استغلال الموارد بفعالية أكبر، كما أنه متن الحكم بصورة كبيرة وارتباطاته بطبقات الكهنة الذين كانوا يحتكرون معرفة الكتابة في البداية.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-3.jpg
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-4.jpg
الكتابة المسمارية
لقد حفظت لنا الكتابة منذ ذلك الحين أعداداً كبيرة من السجلات، وأتاحت لنا معرفة أشياء كثيرة عن ذلك الزمان لأنها حفظت الأدب، فصار بإمكاننا أخيراً أن نتعامل بالعملة الصعبة عند الحديث عن الأفكار. إن أقدم قصة في التاريخ هي ملحمة جلجامش، وهي رواية ظهرت في الأزمنة السومرية، ودونت بعد عام 2000 ق.م بقليل، كان جلجامش رجلاً حقيقياً يحكم مدينة (أوروك)، وقد صار كذلك أول فرد وأول بطل في الأدب العالمي، وإن اسمه هو أول اسم شخص يجب ذكره في هذا الكتاب. إن أكثر ما يلفت نظر القارئ الحديث في تلك الملحمة هو قدوم طوفان عظيم يقضي على البشرية جمعاء، ما خلا عائلة نجت بفضل بنائها فلكاً، ومنها ينشأ عرق جديد ليعمر الأرض من بعد همود الطوفان. ولا نجد هذه القصة في أقدم نسخ الرواية، بل في قصيدة منفصلة تظهر بأشكال كثيرة في الشرق الأدنى، وبعد ذلك في العهد القديم لليهود، وسبب دمجها في الملحمة السومرية واضح، لأن الفيضانات كانت كوارث مميزة لجنوب بلاد الرافدين، وقد حاول علماء الآثار تحديد فيضان كارثي مفرد كان وراء أسطورة الفلك، ولكنهم لم يتوصلواً إلى نتائج مقنعة، ولو أن هناك أدلة وافرة على حدوث الفيضانات المتكررة. من الصعب أن ننفذ إلى التاريخ من خلال هذه الملحمة، فما بالك أن تعرف عن علاقتها بشخصية جلجامش التاريخية، تقول الملحمة إن الأرض تبزغ في النهاية من الماء، فربما كانت هذه رواية السومريين عن خلق العالم، عن تكوينه. وفي الكتاب المقدس المسيحي أيضاً تبزغ الأرض من المياه بإرادة الله، وقد ظلت هذه الرواية مقنعة لأكثر الناس المثقفين في أوروبا طوال ألف سنة، فنحن إذ ندين بشيء من تراثنا الفكري لأسطورة بناها السومريون بعناصر مما قبل تاريخهم، عندما كانت الأراضي الزراعية تستصلح من مستنقعات دلتا مابين النهرين.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-5.jpg
جلجامش
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-6.jpg
إحدى أحداث أسطورة جلجامش
لقد ظلت الأفكار السومرية واسعة الانتشار في الشرق الأدنى بعد أن انتقلت بؤرة التاريخ بعيداً عن بلاد الرافدين بزمن طويل، وظهرت نسخ وأجزاء مختلفة من تلك الملحمة في أرشيف وبقايا شعوب كثيرة في أنحاء مختلفة في هذه المنطقة في الألف الثانية ق.م.
ورغم أن جلجامش قد توارى عن الأنظار إلى أن أعيد اكتشافه في الأزمنة الحديثة، فقد بقي طوال ألفي سنة تقريباً اسمه معروفاً يذكره الأدب في لغات كثيرة، وقد عاشت اللغة السومرية أيضاً قروناً في المعابد ومدارس الكتبة، مثلما استمرت اللاتينية بين المتعلمين في أوروبا من بعد انهيار العالم الكلاسيكي الغربي لروما.
الديانة السومرية
تجسد تقاليد الكتابة واللغة أفكاراً وصوراً تجعل الناس يرون العالم بأساليب معينة، فتفتح لهم طرقاً وتحد طرقاً أخرى، أي أن لها وزنها التاريخي. تعطينا ملحمة جلجامش بعض المعلومات عن آلهة بلاد الرافدين في زمن باكر، وكانت أهم الأفكار التي بقيت حية بفضل اللغة السومرية أفكاراً دينية على الأرجح في حوالي عام 2250 ق.م كان قد ظهر مجمع من الآلهة الفردية تجسد إلى حد ما عناصر الطبيعة وقواها، وسوف تبقى هذه الآلهة هي العمود الفقري لديانة بلاد الرافدين طوال آلاف السنين، وبداية اللاهوت. كان للمدن في الأصل آلهتها الخاصة بها، التي كانت تشكل تسلسلاً هرمياً فضفاضاً يعكس النظرة إلى المجتمع البشري ويساهم في صياغتها أيضاً، وقد أُعطي لكل منها نشاط أو دور خاص، فكان هناك إله للهواء، وإله للماء، وإله للمحراث، وآلهة للحب والتكاثر، ولكن للحرب أيضاً وعلى قمة هذا الهرم كان يتربع ثالوث مؤلف من ثلاثة آلهة مذكرة كبرى هي: أب الآلهة، و”السيد الريح” الذي لا يمكن فعل شيء من دونه، وإله للحكمة والمياه العذبة التي تعني الحياة نفسها بالنسبة إلى سومر. وإن هذه الصورة لدليل على نظرة ما إلى عالم ما فوق الطبيعة لا مثيل لها في تعقيدها وغناها في ذلك الزمان الباكر. ثم أن هناك ملاحظة هامة أخرى هي أن المعابد كانت تزداد حجماً وفخامة بمرور القرون ومن أسباب ذلك أنهم كانوا يبنون المعابد الجديدة على بقايا القديمة منها، وكانوا يقدمون الذبائح لضمان جودة المحاصيل، وبلغنا أن أحدهم قد بني بأرز مجلوب من لبنان ونحاس من الأناضول. لن تجد في ذلك الزمان مجتمعاً أعطى الدين مثل هذه المكانة البارزة، أو كرس مثل هذا القدر من موارده الجماعية لدعمه، وربما كان السبب أنه لا يوجد مجتمع قديم أعطى الناس الشعور بمثل هذا الاعتماد المطلق على مشيئة الآلهة. إذ يبدو أن بلاد الرافدين السفلى كانت في الأزمنة القديمة أرضاً مسطحة رتيبة مكونة من سهول الطين والمستنقعات والماء، فلم تكن ثمة جبال تسكن فيها الآلهة على الأرض مع البشر، بل السماء الخاوية في الأعلى، وشمس الصيف التي لا ترحم، والرياح العاتية، والفيضانات التي لا تقاوم، وهجمات القحط المدمرة التي لا يملكون ردها إلا بأوهى الأسباب. وكانت الآلهة تعيش في قوى الطبيعة هذه، ويمكن التقرب إليها في الأماكن العالية الوحيدة المشرفة على السهول، أي في الأبراج والزِّقُّرات المبنية بالقرميد، والتي تجد انعكاساً ضعيفاً لها في برج بابل في الكتاب المقدس، فليس من الغريب إذاً أن يكون السومريون قد اعتبروا أنفسهم شعباً خلق ليكدح من أجل الآلهة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-7.jpg
آلهة من آلهات سومر
كانت الآلهة تصويراً فكرياً لمحاولات السيطرة على الطبيعة، ولو كان من المستحيل على أهل بلاد الرافدين أن يعبروا عن ذلك بهذه العبارة، أي أنها كانت محاولات لمقاومة كوارث الفيضانات والعواصف الرملية المفاجئة، وضمان استمرار دورة الفصول عن طريق تكرار احتفال الربيع الكبير، حينما تزوج الآلهة من جديد ويعاد تمثيل دراما الخلق، فيضمنون عندئذٍ استمرار العالم لسنة أخرى؛ وما كان لديهم من خيار آخر. في زمن لاحق صار الناس يبغون من الدين أن يساعدهم على مواجهة رعب الموت الذي لامفر منه، ويبدو أن السومريين والذين ورثوا عنهم أفكارهم الدينية كانوا يرون العالم الآخر مكاناً حزيناً كئيباً، وهنا تكمن جذور فكرة جهنم التي ستظهر في زمن لاحق. ولكننا نعلم أيضاً أن ملكاً وملكة سومريين من منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد قد لحقت بهما حاشيتهما إلى القبر حيث دفنوا معهما، ربما بعد تناول دواء ما، فلعلهم كانوا يؤمنون بأن الموتى يذهبون إلى مكان تفيدهم فيه الحاشية العظيمة والمجوهرات البديعة. أما من الناحية السياسية للديانة السومرية، فقد كانت الأرض كلها جوهرياً ملكاً للآلهة التي كان الملك وكيلاً عنها، والأرجح أنه كان ملكاً كاهناً مثلما كان قائداً محارباً، ومن حوله كانت طبقة الكهنة التي تقوم برعاية مهارات ومعارف خاصة، ومن هذه الناحية أيضاً كانت سومر منشأ تقليد آخر، هو تقليد عرّافي الشرق ومتنبئيه وحكمائه، وكان هؤلاء مسؤولين عن أول جهاز تعليم منظم ومبني على الاستذكار والنسخ.
الحياة في سومر
من الأشياء الأخرى التي نتجت عن الديانة السومرية أول تصوير للبشر يشبههم شبهاً حقيقياً، وتراهم أحياناً مجمعين في مواكب، وبذلك تأسس واحد من المواضيع الكبرى في فن التصوير، فضلاً عن موضوعين آخرين بارزين، هما الحرب وعالم الحيوان. لقد رأى البعض أيضاً في صور الناس في سومر الصفات النفسية التي مكنتهم من تحقيق الإنجازات المدهشة لحضارتهم، أي اندفاعهم نحو التفوق والنجاح، ولكن الشيء الذي تراه بشكل أكيد في الفن السومري هو الحياة اليومية التي كانت خافية عنك في الأزمنة الأبكر، فإذا أخذت بعين الاعتبار اتصالات سومر الواسعة وتشابه الحياة الزراعية بينها وبين الشعوب المجاورة لها، فقد تنبئك تلك الرسوم عن صور الحياة كما كانت تعاش في جزء كبير من الشرق الأدنى القديم. تظهر الأختام والتماثيل والرسوم شعباً يرتدي في العادة تنورة من الفرو، لعله فرو الماعز أو الغنم؟ وتضع النساء أحياناً ثنية منها فوق أحد الكتفين، أما الرجال فهم حليقون عادة ولكن ليس دائماً، ويرتدي الجنود الزي نفسه، ولكنهم يحملون أسلحة ويعتمرون أحياناً قبعة جلدية مستدقة الطرف. وأما الرفاهية فيبدو أنها كانت تتمثل بوقت الفراغ والممتلكات، خصوصاً المجوهرات، التي يبدو أن الغرض منها كان الإشارة إلى المرتبة، فإذا كان الأمر كذلك فإنما هو علامة أخرى على تزايد تعقيد المجتمع.

كان رأس العائلة هو الزوج، الذي يتخذ امرأته بعقد يبرمه مع أهلها، ويرأس أهل بيته من أقارب وعبيد، وهذا هو النمط الأبوي الذي بقي شائعاً حتى وقت قريب جداً في أنحاء كثيرة من العالم. إلا أن تغيرات لافتة قد طرأت عليه، فيما بعد، إذ يبدو أن النساء السومريات كن أقل انسحاقاً من أخواتهن في كثير من مجتمعات الشرق الأدنى حتى في أزمان لاحقة، ربما هناك اختلاف بين التقاليد السامية وغير السامية في هذا المجال. توحي قصص السومريين عن آلتهم بمجتمع شديد الوعي لجاذبية المرأة الجنسية، والحقيقة أن السومريين كانوا أول شعب كتب عن عاطفة الحب الجنسي، وقد منح قانونهم الذي يمكن تتبع أثره بعد عام 2000 ق.م بزمن طويل النساء حقوقاً هامة استمرت حتى الأزمنة بعد السومرية، فلم تكن المرأة مجرد متاع، بل حتى العبدة لها حقوق إذا كانت أماً لأولاد رجل حر. وكان يحق للمرأة مثل الرجل أن تطلب الانفصال، وأن تتوقع معاملة عادلة بعد الطلاق. صحيح أن زنى الزوجة يعاقب بالموت ولا يعاقب به زنى الزوج، إلا أن هذا الفرق يمكن فهمه في ضوء الحرص على الميراث والأملاك. ولم يبدأ قانون بلاد الرافدين بالتشديد على أهمية العذرية وفرض الحجاب على النساء المحترمات إلا بعد ذلك بزمن طويل، وكان هذان الأمران علامة على أن دور المرأة في الحياة يزداد قسوة وتقييداً لها.
عند نهاية تاريخهم كحضارة مستقلة كان السومريون قد تعلموا العيش في جماعات كبيرة، ويقال إن إحدى المدن كانت تحوي ستة وثلاثين ألف ذكر، وقد تطلب هذا الأمر مهارات كبيرة في البناء، وخاصة في تشييد الصروح الضخمة. ولم يكن في جنوب بلاد الرافدين حجارة، لذلك كان أهلها في البداية يبنون بالقصب الذي كانوا يلصقون بعضه ببعض بواسطة الطين، ثم انتقلوا إلى استخدام لبن الصلصال المجفف بأشعة الشمس. وعند نهاية الحقبة السومرية كانت تقنية البناء بالصلصال قد بلغت درجة من التطور سمحت بتشييد أبنية كبيرة جداً لها أعمدة وسطوح، وأعظمها زقّرة أور، التي كان لها طابق علوي يبلغ ارتفاعه أكثر من مئة قدم*، وقاعدة طولها مئتا قدم وعرضها مئة وخمسون** . وقد اكتشفت أول عجلة معروفة لصنع الفخار في أور، فكانت تلك خطوة تقنية أخرى، وكان هذا أول استغلال نعرفه للحركة الدائرية، وعليه ارتكزت صناعة الفخار بالجملة، فأصبحت مهنة رجال من بعد أن كانت مهنة نساء فيما مضى، وسرعات ما استخدمت العجلة في النقل بحلول عام 3000 ق.م. ومن اختراعات السومريين الأخرى، اختراع الزجاج، كما كان حرفيوهم المختصون يسبكون البرونز في بداية الألف الثالثة ق.م.
وتثير هذه الحقيقة أسئلة أخرى: فمن أين أتت المواد الأولية؟ إذ ليست هناك أية معادن في جنوب بلاد الرافدين، وحتى في الأزمنة النيوليتية لابد أن تكون المنطقة قد استوردت الصوان والسبج*** لصنع الأدوات الزراعية. من الواضح إذاً وجود شبكة واسعة من الاتصالات الخارجية، مع شعوب الخليج الفارسي من جهة، ومع شرق المتوسط وسورية البعيدين من جهة أخرى. ومن المؤكد أن بلاد الرافدين كانت في عام 2000 ق.م تحصل على البضائع من وادي الهندوس أيضاً ولكن ربما بصورة غير مباشرة، وتدل هذه الأمور بالإضافة إلى بقايا بعض الوثائق المتفرقة على بدايات نشوء نظام تجاري بين المناطق مابرح ينسج أنماطاً من الاعتماد الاقتصادي المتبادل.
إلا أن أساس المجتمع قد ظل الزراعة من أجل الاستهلاك المحلي، فكان الشعير والقمح والدخن والسمسم تزرع بكميات كبيرة، وربما كان الشعير هو المحصول الأساسي، وهذا يفسر كثرة الأدلة على وجود الكحول في بلاد الرافدين القديمة. كانت التربة التي يخلفها الفيضان سهلة يمكن زراعتها زراعة مكثفة من دون الحاجة لأدوات حديدية، إلا أن المساهمة الكبرى للتقنية هنا كانت في مجالات الري والبناء ونمو نظام الحكم. وقد تراكمت هذه المهارات رويداً رويداً، ولا ننس أن الأدلة على الحضارة السومرية تمتد على مدى أكثر من ألف وخمسمائة عام من التاريخ، وإذا كنا تحدثنا عنها حتى الآن كأن شيئاً لم يحدث خلالها، أو كأنها كانت وحدة ثابتة لم تتغير، فإنها بالطبع لم تكن كذلك. فمهما كنا متحفظين حول بطء التغير في العالم القديم، والذي قد يبدو لنا جامداً اليوم، فإننا نعلم أن تلك كانت خمسة عشر قرناً من التغير الكبير في بلاد الرافدين، ولو بقي جزء كبير منها غامضاً وتواريخه تقريبية.
التغير السياسي
يمكنك هنا تمييز ثلاث مراحل عريضة، فالمرحلة القديمة لسومر قد استمرت بالتقريب من عام 3360ق.م إلى عام 3400ق.م، وهي قصة من الحروب بين دول المدن وما يعتريها من بزوغ وأفول. ومن الأدلة على ذلك المدن المحصنة واستخدام العجلة في التقنية الحربية في عربات فظة ذوات عجلات أربع. نحو منتصف هذه المرحلة بدأت السلالات المحلية تثبت أقدامها بقدر من النجاح، ويبدو أن المجتمع السومري كان فيه بالأصل نوع من القاعدة التمثيلية أو حتى الديمقراطية، إلا أن النمو المتزايد قد أدى إلى تميز الملوك عن الحكام الكهنة الأسبق، وربما بزغ هؤلاء الملوك كأمراء حرب عينتهم المدن لقيادة قواتها، ثم بقوا متشبثين بالسلطة بعدما زالت حالة الطوارئ التي استدعتهم، ومنهم انبثقت السلالات التي راحت تتقاتل فيما بينها.
ثم يظهر فجأة رجل عظيم يفتتح مرحلة جديدة هو سرجون الأول، الذي كان ملكاً على مدينة تقع على قسم أعلى من الفرات اسمها أكد، لم يكتشف موقعها بعد. لقد فتح سرجون المدن السومرية بين عامي 2400 و 2350 ق.م واستهل مرحلة السيادة الأكدية عليها. وكان شعبه من القبائل السامية التي طالما ضغطت على حضارات وديان الأنهار من الخارج في الماضي. ثمة رأس محفور يعتقد أنه يمثله، فإذا كان صحيحاً فهي من أولى صور الملوك، كان سرجون الرجل الأول في سلسلة طويلة من بناة الإمبراطوريات، وقد زعموا أنه أرسل قواته حتى مصر وإثيوبيا. لم يكن حكمه مبنياً على السيادة النسبية لإحدى دول المدن على غيرها، بل إنه قد أسس إمبراطورية موحدة دمجت المدن كلها في كيان واحد، وخلفت أسلوباً جديداً في الفن السومري يتميز بموضوع انتصارات الملوك. إلا أن هذه الإمبراطورية الأكدية لم تكن نهاية سومر، بل فترة فاصلة وثاني مراحلها الأساسية، وهي تعبر عن إنجاز جديد في التنظيم، ففي عهد سرجون كانت قد ظهرت دولة حقيقية، وكانت السلطات الدنيوية والدينية قد افترقتا افتراقاً كاملاً، فظهرت القصور إلى جانب المعابد في المدن السومرية، وكان الملوك يستمدون سلطتهم من الآلهة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-8.jpg
الملك سرجون
إن اختراع الجندية كمهنة تحترف قد لعب على الأرجح دوراً في التطور السابق، فإنك ترى على صروح أور فرق المشاة المنضبطة تسير ضمن تشكيلات عسكرية، يغطي كل ترس فيها طرف الترس المجاور له، والرماح كلها مسددة إلى الأمام. كانوا يتباهون بأن لدى سرجون 5400 جندي يأكلون بحضرته في قصره، وكان هذا الأمر بلا ريب نتيجة للغزوات التي أمنت الموارد اللازمة للإنفاق على قوة كهذه. كانت سلطة الدولة قد نشأت بالأصل من التحديات والحاجات الخاصة ببلاد الرافدين، ومن الواجب الأول للحاكم في تنظيم الأشغال الكبرى من أجل الري والسيطرة على الفيضانات، وإن هذه السلطة القادرة على تعبئة المجهود البشري اللازم أمكنها أن تعبئ الجنود أيضاً. وقد ازداد الميل للاحتراف مع زيادة الأسلحة تعقيداً وكلفة، ومن أسباب نجاح الأكديين استعمالهم سلاحاً جديداً هو القوس المركبة المصنوعة من شرائح الخشب وقرن الحيوان.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-9.jpg
يوم في أكاد
لقد أطيح بالهيمنة الأكدية بعد سرجون بقرون ونصف القرن، أي على عهد ابن حفيده، ويبدو أن ذلك الأمر قد تم على أيدي شعوب جبلية تسمى الشعوب الغوتية. فبدأت عندئذٍ ثالث مراحل سومر وآخرها، وهي التي يسميها العلماء ”المرحلة السومرية الجديدة” فعادت الهيمنة من جديد إلى السومريين الأصليين الذين كان مركزهم في أور، وقد استمرت هذه الهيمنة حوالي مئتي سنة أخرى، أي حتى عام 2000 ق.م. إن أول ملك من سلالة أور الثالثة مارس هذه السيادة قد سمى نفسه ملك سومر وأكد، ولا نعلم تماماً ماذا كان هذا اللقب يعني من الناحية العملية. يبدي الفن السومري في هذه المرحلة ميلاً جديداً لتمجيد سلطة الأمير، كما صار الحكام يسعون لتجسيد عظمتهم في زقّرات أكبر وأفضل. وتظهر الوثائق الإدارية الميراث الأكدي أيضاً، وربما كان الطموح إلى ملكية أوسع انعكاساً لهذا الميراث، فقد كانت البلاد الخاضعة لآخر ملوك أور الناجحين تمتد من شوش، سوس، على حدود أرض عيلام على القسم السفلي من دجلة، حتى بيبلوس* على ساحل لبنان.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-10.jpg
الأمبراطورية الأكادية في عهد سيرغون
كانت هذه حقبة أفول الحضارة الأولى، وهي لم تختف بل سوف تضيع فرديتها في التاريخ العام لبلاد الرافدين والشرق الأدنى، وقد انتهت بذلك حقبة كبرى من الإبداع. ومن بعد هذه المنطقة الصغيرة نسبياً سوف يتسع أفق تاريخنا. كان الأعداء يعجون على حدود سومر، وفي نحو عام 2000 ق.م جاء العيلاميون وسقطت أور بأيديهم. ونحن لا نعلم السبب، ولكننا نعلم أن سقوطها قد تم من بعد عداوة متقطعة استمرت 1000 عام، وقد اعتبر سقوط أور هذا نتيجة صراع للسيطرة على الطرق المؤدية إلى مرتفعات إيران والمعادن التي يحتاجها أهل بلاد الرافدين.وكانت هذه على كل حال نهاية أور ونهاية التقاليد السومرية المتميزة، التي اندمجت الآن، في دوامات عالم مكون من حضارات عديدة. إلا أن سومر كانت طوال خمسة عشر قرناً تقريباً قد وضعت أول تربة للحضارة في بلاد الرافدين، مثلما استصلح أسلافها الأرض نفسها في عصر ما قبل الحضارة. لقد خلف السومريون كتابة، وأدباً ، وميثولوجيا، وصروحاً ضخمة ، وفكرة عن العدالة والشرعية، وجذور تقليد ديني عظيم.و إن هذه الأشياء كلها لتشكل سجلاً رائعاً، وسوف تكون بذرة لأشياء كثيرة غيرها، لأن انتشار الحضارة كان قد بلغ شوطاً بعيداً عندما ماتت سومر.
بلاد الرافدين بعد سومر
كان الشرق الأدنى عندئذٍ خليطاً من الشعوب مابرح يزداد تعقيداً، كان الأكديون قد اندفعوا بالأصل من منبع الشعوب السامية الكبير في شبه الجزيرة العربية لينتهوا في بلاد الرافدين، أما الغوتيون الذين شاركوا في الإطاحة بالأكديين فكانوا قوقازيين من الشعوب الأصلية في المنطقة. وأما الأموريون (العموريون) فكانوا شعباً سامياً انتشر في طول المنطقة وعرضها، وانضم إلى العيلاميين للإطاحة بجيوش أور وتحطيم سطوتها، وقد ثبتوا أقدامهم في دمشق وآشور، أي القسم العلوي من بلاد الرافدين، وفي بابل أيضاً، سلسلة من الممالك الممتدة حتى ساحل فلسطين، بينما بقوا يتنازعون على جنوب بلاد الرافدين مع العيلاميين. أما في الأناضول فكان جيرانهم الحثيون وهم شعب هندي أوروبي عبر من البلقان في الألف الثالثة. وعلى حواف هذه الصورة المتداخلة كانت توجد شعوب أخرى قوية.



* 1100 كم تقريباً
* 150 كم تقريباً
* العشرين
* هي اليوم أبو شَهرَين القريبة من أور
* نحو 30 متراً
** نحو 60× 45 متر
*** زجاج بركاني
* جبيل الحالية

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:45 PM
بابل

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات


بابل
من معالم قصتنا ظهور إمبراطورية جديدة في بلاد الرافدين، هي إمبراطورية بابل. ومن ملوكها حمورابي، الذي تكفي شهرته كصاحب شريعة لكي تضمن له مكاناً في التاريخ ولو لم نكن نعرف عنه شيئاً غيرها. فالحق أن شريعته هي أقدم تعبير مكتوب عن مبدأ العين بالعين. كما أنه أول حاكم وحد بلاد الرافدين كلها، ومع أن الإمبراطورية لم تعمر طويلاً فسوف تصبح مدينة بابل منذ أيامه المركز الرمز لشعوب الجنوب السامية. ربما ابتدأ حكم حمورابي في عام 1792 ق.م وقد حافظ خلفاؤه على تماسك الأمور إلى ما بعد 1600 ق.م، عندما عادت بلاد الرافدين فتقسمت من جديد.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-11.jpg
مدينة بابل
كانت الإمبراطورية البابلية الأولى تمتد في أوجها من سومر والخليج حتى آشور، أي القسم الأعلى من بلاد الرافدين شمالاً، وكان حمورابي يحكم مدينتي نينوى ونمرود على نهر دجلة، ومدينة ماري في أعلى الفرات، كما كان يسيطر على هذا النهر حتى أقرب نقطة منه إلى حلب. كان طول هذه الدولة نحو سبعمئة ميل* وعرضها نحو مئة**، أي أنها كانت دولة كبيرة، بل هي في الحقيقة أكبر دولة ظهرت في المنطقة حتى ذلك الزمان، لأن أور لم تكن أكثر من تجمع فضفاض من المدن. كان الهيكل الإداري في بابل محكماً، وإن شريعة حمورابي لجديرة بشهرتها ولو أن للصدفة دوراً في هذا. لقد كانت هذه الشريعة منقوشة في الحجر ومنصوبة في ساحات المعابد لكي يراجعها الشعب، مثلما كان الأمر على الأرجح في المجموعات الأقدم من الأحكام والقوانين، والتي لم تبق منها إلا نتف قليلة. كانت شريعة حمورابي أطول وأحسن تنظيماً من المجموعات الأسبق، وهي تضم نحو 282 بنداً تعالج فيه مجالاً واسعاً من الأمور معالجة شاملة: مثل الأجور، الطلاق، أتعاب العناية الطبية، وأمور كثيرة غيرها. إلا أنها لم تكن تشريعاً، بل إعلاناً عن قانون موجود، ويجب ألا يغيب هذا الأمر عن بالنا عندما نسميها ” شريعة”، أي أن حمورابي قد جمع قوانين كانت دارجة أصلاً ولم يبتكرها من لاشيء.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-12.gif
تمثال لحمورابي
لقد أمنت هذه المجموعة من القوانين المبنية على العرف والعادة خطاً أساسياً من خطوط الاستمرارية في تاريخ بلاد الرافدين، ومن المؤسف أن عقوباتها قد ازدادت قسوة بمرور الزمن على ما يبدو بالقياس إلى قوانين سومر، أما من النواحي الأخرى فقد استمر التقليد السومري في بابل في مجال القانون.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-13.jpg
المملكة البابلية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد
يتضمن هذا القانون بنوداً تتعلق بالعبيد، لأن بابل كانت تقوم على العبودية مثل جميع الحضارات القديمة، ومثل كثير من حضارات الأزمنة اللاحقة أيضاً. كانت العبودية هي المصير الذي ينتظر الخاسر عادة في حروب التاريخ الباكر، ونساءه وأولاده أيضاً. وعلى عهد الإمبراطورية البابلية الأولى كان هناك أسواق منتظمة للعبيد، وكانت الأسعار الثابتة دليلاً على انتظام هذه التجارة. وكان العبيد الآتون من مناطق معينة يثمنون بشكل خاص. ورغم أن سطوة السيد على العبد كانت مطلقة، فإن بعض العبيد في بابل كانوا يتمتعون باستقلال اقتصادي ملحوظ، ويعملون بالتجارة، بل قد يملكون بدورهم عبيداً لحسابهم. وكانت لهم حقوق قانونية ولو أنها ضيقة. من الصعب أن نعرف ماذا كانت العبودية تعني من الناحية العملية، ولا فائدة من إطلاق أحكام عامة، لأن الأدلة تشير إلى أن العبيد كانوا يقومون بمهام متنوعة، وإذا كانت حياة أكثرهم شاقة فقد كانت حال أكثر الناس على الأرجح. لقد كانت الحضارة في الأزمنة القديمة تقوم على استغلال كبير للإنسان من قبل الإنسان، وإذا لم يشعر الناس بأن هذا الوضع وحشي، فذلك لأن أحداً ما كانت لتخطر بباله طريقة أخرى لتسيير الأمور.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-14.jpg
حمورابي
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-15.jpg
نص من شريعة حمورابي
الفكر البابلي
مازالت حضارة بابل أسطورة من العظمة والأبهة، فقصر ماري الكبير في القسم الأعلى من الفرات كانت له أسوار حول ساحاته تبلغ سماكتها أربعين قدماً* في بعض الأماكن، وكان فيه نحو ثلاثمئة غرفة تشكل مجمعاً واحداً، تصرفه أنابيب مبطنة بالقار تجري على عمق ثلاثين قدماً**، وكان يغطي مساحة 150×200 ياردة***. كما وجدت فيه كميات كبيرة من رُقُم الصلصال التي تكشف لنا أعمال حكومة بابل، وهي تعطينا أيضاً أدلة على حياة الفكر، ففي ذلك الحين أخذت ملحمة جلجامش الشكل الذي نعرفها فيه. لقد دفع علم التنجيم في بابل مراقبة الطبيعة إلى الأمام، كان البابليون يأملون بمعرفة مصائرهم من خلال مراقبة النجوم، فأسسوا بذلك علماً هو علم الفلك، ووضعوا سلسلة هامة من الأرصاد الفلكية. فبحلول عام 1000 ق.م كان من الممكن التنبؤ بخسوف القمر، وخلال قرنين أو ثلاثة بعد ذلك كانت مسارات الشمس وبعض الكواكب قد حددت بدقة لافتة بالنسبة إلى مواقع النجوم التي تبدو ثابتة. وقد اعتمدت الرياضيات في بابل على الإنجازات الفكرية للسومريين، الذين ندين لهم بطريقة التعبير عن الرقم بحسب موقعه بالإضافة إلى شكله (كما يدل الرقم 1 مثلاً على الواحد أو العشر أو العشرة أو غيرها من القيم بحسب موقعه بالنسبة إلى الفاصلة العشرية). كان السومريون يعلمون عن النظام العشري ولكنهم لم يستغلوه، وقد توصلوا إلى طريقة لتقسيم الدائرة إلى ستة أقسام متساوية، ثم طور البابليون هذا الاكتشاف فقسموها إلى 360 درجة وقسموا الساعة إلى ستين دقيقة، كما أنهم وضعوا جداول في الرياضيات والهندسة الجبرية ذات منفعة عملية كبيرة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-16.jpg
تمثال من مملكة ماري
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-17.jpg
بقايا مدينة ماري
كان علم الفلك قد ابتدأ في المعبد، في تأمل حركة الأجرام السماوية التي تعلن قدوم احتفالات الخصب والبذار، وقد ظلت الديانة البابلية أيضاً وثيقة الصلة بالتقليد السومري. يبدأ خلق العالم عند البابليين، كما هي الحال في سومر، من غمر من المياه -وثمة إله يعني اسمه ”الطمي”- ثم يُصنع الإنسان في النهاية كعبد للإلهة، وفي إحدى النسخ تصنع الآلهة البشر في قوالب الصلصال، مثلما تصنع قطع القرميد، وكانت هذه الصورة للكون ملائمة للملكية المطلقة. كان لبابل إلهها مثل المدن القديمة، وهو مردوك، الذي شق طريقه رويداً رويداً، إلى أن تصدر منافسيه من آلهة بلاد الرافدين. وقد استغرق هذا الأمر زمناً طويلاً، وقال حمورابي إن آلهة سومر قد منحت مردوك رئاسة مجمع آلهة بلاد الرافدين، ورجته أن يحكم الناس جميعاً من أجل خيرهم. ومن بعد القرن الثاني عشر ق.م كانت مكانة مردوك لا غبار عليها في العادة. في هذه الأثناء بقيت اللغة السومرية مستخدمة في طقوس بابل الدينية، وفي أسماء الآلهة والنعوت التي كانت تتمتع بها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-18.jpg
الإله مردوك
إلا أن إنجازات حمورابي لم تعمر طويلاً من بعده، كان قد أطاح بمملكة أمورية، التي تأسست في أشور عند نهاية هيمنة أور، ولكن هذا النجاح كان مؤقتاً. وبقيت آشور طوال ألف عام بعدها ساحة للقتال والغنيمة معاً، إلى أن طغت على بابل في النهاية، فانتقل مركز ثقل تاريخ بلاد الرافدين إلى الشمال بشكل حاسم. أما الحثيون الذين كانوا قد ثبتوا أقدامهم في الأناضول في الربع الأخير من الألف الثالثة ق.م، فقد اندفعوا ببطء إلى الأمام خلال القرون القليلة التالية، وتبنوا هم أيضاً الكتابة المسمارية وكيفوها لكتابة لغتهم الهندية الأوروبية. وفي عام 1700 ق.م كانوا يحكمون البلاد الواقعة بين سوريا والبحر الأسود، ثم وجهوا غزواتهم نحو بابل التي كانت قد ضعفت وتقلصت، إلى أن قضوا أخيراً على سلالة حمورابي وإنجازاته.
وعندما انسحب الحثيون حكمت شعوب أخرى بلاد الرافدين وتنازعت عليها طوال أربعة قرون غامضة لا نعلم عنها إلا القليل، صار خلالها انفصال آشور عن بابل نهائياً، وسوف تكون لهذا الانفصال أهمية كبرى في الألف التالية. وفي ذلك الحين كانت بؤرة تاريخ العالم قد انزاحت بعيداً عن بلاد الرافدين.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/blank.png
المملكة الحثية



* 1000 كم تقريباً
* 150 كم تقريباً
* 12 م تقريباً
* 9 م تقريباً
* 140× 180م تقريباً

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:50 PM

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:55 PM
أولى حضارات آسيا

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات


أولى حضارات آسيا
إذا نظرت إلى العالم في عام 1000 ق.م ، وهو تاريخ اعتباطي، وجدت أن الحضارة كانت قد ترسخت فيه إلى الشرق من الهلال الخصيب ومصر، فكانت كل من الهند والصين قد طورت لنفسها أنماطاً متميزة من الحياة المتحضرة، ومختلفة تماماً عن تلك الحضارات الأسبق الواقعة إلى الغرب منها، ولو حصلت اتصالات سطحية بها. وكانت الثقافات الأصلية في الصين والهند قد خلقت فيهما طرقاً في التفكير والسلوك متميزة تماماً وممتدة على رقعة شاسعة من الأرض. وكان هذان البلدان هما قلبا المنطقتين الجغرافيتين (ثم الثقافيتين) الأساسيتين اللتين تقسمان آسيا إلى الشرق من أفغانستان ومرتفعات إيران وجنوب سيبيريا. فالمنطقة الهندية تحدها جبال الهيمالايا وسلاسل الجبال المجاورة لها، أي مرتفعات بورما وسيام* وسواحل أرخبيل اندونيسيا. أما المنطقة الأساسية الثانية في شرق آسيا فهي تتكون من أرض الصين الكبيرة، ولكنها تشمل أيضاً كوريا واليابان والهند الصينية. وطوال القسم الأكبر من الأزمنة التاريخية كانت الحضارات التي تظهر في الهند والصين تنزع إلى السيطرة على هذين الجزئين الكبيرين من آسيا، وهما منطقتان متنوعتان تنوعاً كبيراً من حيث طبيعة الأرض والمناخ الجغرافية، وتضمان أكبر أنهار العالم، مثل الهندوس**والغانح والبرهمابترا والميكونغ واليانغ تسي كيانغ والنهر الأصفر وجميعها تصرف كميات هائلة من المياه من مرتفعات آسيا الداخلية، وقد كان وادياً اثنين من هذه الأنهر موقعين لأول أشكال الحياة المتحضرة في آسيا.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-38.jpg
خارطة الهند والصين وأندونيسيا ودول شرق آسيا
وإذا نظرت إلى شبه القارة الهندية نظرة أقرب وجدتها تعادل أوربا في الحجم تقريباً، وقد بقيت معزولة لزمن طويل بسبب جغرافيتها، فلم تُغْزَ إلا نادراً من خلال ممرات الشمال الغربي، وذلك حتى القرن السادس عشر. إن جبال هذه المنطقة –خاصة منها الأبعد نحو الشمال- هي من أعلى الجبال في العالم، وإلى الشمال الشرقي تمتد الأدغال. أما الضلعان الآخران لشبه القارة الهندية فهما يطلان على المحيط الهندي الواسع. وقد منحتها هذه الجغرافية مناخاً متميزاً ومتنوعاً جداً ولكنه استوائي، فالجبال الشمالية تصد الرياح الجليدية القاسية الآتية من آسيا الوسطى، ولو أن شمال الهند قد يكون أحياناً قارص البرودة في الشتاء، بينما تجد السواحل الطويلة مفتوحة أمام الغيوم المحملة بالمطر، والتي تجري إليها من المحيط لتروي سهول الشمال الجافة بأمطارها الموسمية السنوية. ويحدد هذا الترتيب ساعة الهند المناخية وبالتالي الزراعية، فيأتي بالمطر خلال أكثر شهور السنة حرارة، ويؤمن لمرتفعات الدكن الجنوبية غطاء من الغابات الكثيفة، ويبدو أن الزراعة قد ترسخت أول ما ترسخت في سهول نهر الهندوس الغرينية في الشمال الغربي.
أما منطقة الصين الثقافية فهي أكبر حتى من هذه، وهي أكبر من الولايات المتحدة، إذ أن بين بكين وهونغ وكونغ إلى الجنوب حوالي 1200 ميل* في خط مستقيم. وتضم هذه الأرض الشاسعة مناخات كثيرة ومناطق كثيرة، ففي الصيف يكون الشمال حارقاً وجافاً بينما يكون الجنوب رطباً ومعرضاً للفيضانات، ويبدو الشمال عارياً ومغبراً في الشتاء بينما يبقى الجنوب أخضر على الدوام. وكانت الحضارة في الصين تنزع دوماً إلى الانتشار من الشمال إلى الجنوب، وإلى التأثر بتيارات آتية من منغوليا وآسيا الوسطى. وينقسم هذا البلد الكبير إلى ثلاثة أقسام طبوغرافية أساسية تحددها وديان ثلاثة أنها كبرى تصرف القسم الداخلي من البلاد، وتجري عبرها من الغرب نحو الشرق تقريباً. هذه الأنهار هي من الشمال إلى الجنوب: الهوانغ هو أو النهر الأصفر، واليانغ تسي كيانغ، والسيكيانغ، ولم تساعد هذه الأنهار في ربط الصين بالعالم الخارجي إلى أن جاء الأوروبيون، لذلك بقيت الصين زمناً طويلاً منعزلة مثلها مثل الهند. وتغطي الجبال قسماً كبيراً منها، ومازالت حدودها تمتد بلا انتظام عبر سلاسل كبيرة من الجبال والمرتفعات وعلى امتدادها، إلى في أقصى الجنوب والشمال الشرقي. وتقع منابع نهر اليانغ تسي كيانغ مثل منابع الميكونغ في مرتفعات كون لون شمالي التيبت. وإن هذه الحدود الجبلية هي عوامل عزل كبيرة، وهي تشكل قوساً لا يقطعها إلا جريان النهر الأصفر نحو الجنوب آتياً إلى الصين من وسط منغوليا.



* تايلاند اليوم
** السند
* 1900 كم تقريباً

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 02:59 PM
حضارة الهند الباكرة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات


حضارة الهند الباكرة
إن الحضارة في الهند أقدم منها في الصين، ولكن تاريخها أكثر تفككاً. ومازالت الهند القديمة تعيش بيننا من بعض النواحي بعكس جميع مراكز الحضارات الباكرة الأخرى. فحتى بداية القرن العشرين كان كثير من الهنود يعيشون مثل جميع أجدادنا القدامى، أي على الصيد والجمع الطعام، ومازالت العربة التي يجرها الثور وعجلة صنع الفخار في قرى كثيرة حتى اليوم مثل التي كانت مستخدمة منذ أربعة آلاف سنة على ما يبدو، بل مازالت تعبد في مقامات القرى آلهة وإلهات تعود في أصولها إلى العصر الحجري. كما أن الترتيبات الاجتماعية قبل عام 1000 ق.م بزمن طويل مازالت تنظم حياة الملايين من الهنود، من مسيحيين ومسلمين فضلاً عن الهندوس.
إن الشعوب ذات البشرة الداكنة والتي تسمى شعوباً دراويدية وتجد أحفادها اليوم بشكل أساسي في جنوب الهند، كانت تعيش في الشمال أيضاً منذ حوالي خمسة آلاف سنة، وربما كان هؤلاء هم الهنود الأصليون، ولكن هذا الأمر غير مؤكد. لقد دخلت شعوب كثيرة إلى شبه القارة الهندية من خلال ممرات الجبال في الشمال الغربي، وربما جاء شعب آخر وأطلق شرارة الحضارة في وادي الهندوس، حيث بدأت الزراعة في الهند وحيث توجد الأدلة الأولى على صنع الفخار على عجلة، ولكن لا أحد يعلم الحقيقة بشكل أكيد. صحيح أن بعض العلماء قد اجتذبتهم فكرة أن تكون الهند أخذت حضارتها عن الشرق الأدنى، ولكن ربما توصل الهنود إلى الحضارة بأنفسهم، مثلهم مثل أهل بلاد الرافدين.
لقد ظهرت الحضارة في الهند منذ عام 2500 ق.م تقريباً، وتشهد على ذلك أعمال علماء الآثار في أربعين أو خمسين موقعاً، من بينها بقايا مدينتين كاملتين في موهنجو دارو وهرابا، وكلتاهما قريبتان من نهر الهندوس، ولكن بينهما مسافة 400 ميل (650 كم تقريباً). كانت هاتان المدينتان كبيرتين ومدهشتين حقاً، وربما كان في كل منهما ثلاثين ألف نسمة عندما كانتا في ذروة امتدادهما، وكان محيطهما بين 2-205 ميل (3-4 كم ). من الواضح أن وادي نهر الهندوس لم يكن في ذلك الزمان جافاً بعد، لأن حضارة على هذا المستوى -وكانت حضارة هرابا هذه تشمل منطقة واسعة جداً- تحتاج إلى زراعة غنية جداً، ولابد من وجود طرق للتحكم بنهر الهندوس المعرض للفيضانات عن طريق نظم للتصريف والري من أجل أن تنشأ حياة المدن، ويشير هذا بدوره إلى مهارات عالية في التنظيم والإدارة والتقنية. وربما كان اختراع القرميد المشوي اختراعاً حاسماً، لأنه المادة التي بنيت بها مدن هرابا، وهو مناسب للتحكم بالفيضانات في هذا الوادي الخالي من الحجارة، إذ يمكن استخدامه لبناء السدود والمجارير والقنوات، بينما لا يمكن ذلك باستخدام القرميد المجفف بأشعة الشمس الذي كان يصنع في بلاد الرافدين.
كانت هنالك أرصفة للسفن أيضاً، منها رصيف في لوثال تصله بالبحر قناة طولها ميل كامل 1.5 كم ، ويدل على وجود تجارة مع العالم الخارجي، ربما كانت تجارة بالبضائع القطنية لأنك تجد في هذه الحضارة أبكر الأدلة على صنعها، ويعزز هذا الأمر الانطباع الذي تعطيه بقايا المدن بأنها كانت مدن غنية. فقد كان في كل مدينة قلعة ومناطق سكنية منازلها مرتبة بانتظام على مخطط متصالب، ولم تكن الشوارع مبلطة ولكن منازلها كانت متينة ومبنية من قطع قرميد ذات حجم واحد ومجهزة تجهيزاً حسناً، كما كانت هناك جوارير مبطنة بالقرميد تحمل الماء من أحواض الغسيل والمراحيض، ولها فوهات مغطاة تسمح بتنظيفها وفحصها، وكانت البيوت مزودة بأنابيب لرمي الأنواع الأخرى من الفضلات ثم جمعها. وقد اكتشفت أيضاً حمامات أو أحواض كبيرة في أماكن عامة مثل التي تراها اليوم في قرى الهند التي لا حصر لها، ولعلها كانت تستخدم للعناية بنظافة الجسم لأن ثمة أدلة على ممارسة هذه العادة، أي أنه ربما كانت هناك أصول قديمة جداً لعادة الاغتسال التي طالما شددت عليها ديانة الهند، وطقوس الوضوء في الديانة الهندوسية اللاحقة.
كانت حضارة هرابا تعرف الكتابة، وتجد كتاباتها على آلاف الأختام التي يبدو أنها كانت تستخدم لتعلمي بالات البضائع التي كانت تباع للخارج، كما تجدها على كسر قليلة باقية من الفخار. وكانت هذه الكتاب تصويرية، ولم تكشف الكثير لبحوث العلماء عدا عن احتمال أن تكون لغة هرابا قريبة من اللغة الدراويدية التي مازالت حية في جنوب الهند اليوم، ولكن من الواضح أن الكتابة كانت هامة جداً لعمل جهاز الإدارة الفعال والواسع. ويبدو أيضاً أن الأوزان والمقاييس كانت موحدة على امتداد منطقة واسعة؛ وأنه كانت هناك مخازن حبوب عامة كبيرة في المدن. كما تدل أحجار المراسي التي وجدت على رصيف لوثال على أن سفناً كبيرة كانت ترسو فيه، وقد وجدت بقايا من الأختام المستخدمة لتعليم بالات البضائع في الطرف العلوي من الخليج الفارسي، أي أن تجارة هرابا كانت تجارة واسعة المدى. ومن المعروف أيضاً أن أفكاراً وتقنيات من وادي الهندوس قد انتشرت عبر السند والبنجاب وعلى طول الساحل الغربي لغجرات، ولكن هذه العملية استغرقت قروناً طويلة، ومازالت الصورة التي تكشفها لنا الآثار مشوشة وغير واضحة.
الهند الآرية
بعد عام 2000 ق.م ببضعة قرون آلت حضارة وادي الهندوس إلى نهايتها، ولا نعلم السبب الذي أدى إلى ذلك. يقول البعض إنها ربما راحت ضحية كارثة بيئية من صنع البشر، فربما كان السبب هو المغالاة في قطع الأشجار من أجل تغذية أفران صنع القرميد، وبالتالي تخريب توازن الزراعة الدقيق القائم على ضفاف الهندوس، أو ربما سبّب اقتلاع الأشجار للزراعة أو الرعي، تعرية وجفافاً وانهياراً في الإنتاجية. وإذا كان أحد هذين الاحتمالين أو كلاهما صحيحاً فقد صار التحكم بفيضانات الهندوس المدمرة أمراً أصعب بكثير، وهي أخطار كانت ماثلة على الدوام، إلا أننا في الحقيقة لا نعلم السبب.
هناك أيضاً احتمال وجود عامل آخر زاد الطين بلة في هذه البلد التي خربتها أصلاً المغالاة في استغلال بيئتها، وهو احتمال نال بعض التأييد لأنه قد يربط تاريخ الهند بالاضطرابات الكبرى التي كانت تجري في أماكن أخرى من العالم. يبدو أن حضارة هرابا قد انتهت في حوالي عام 1750 ق.م، ويتزامن هذا تزامناً لافتاً مع اندفاع مجموعة جديدة من الشعوب الغازية إلى شبه القارة، هي الشعوب التي تسمى آرية. لقد كان هؤلاء هنوداً أوربيين، وإن تسمية آري هي تسمية تدل على اللغة مثل تسمية هندي أوروبي، ولكنها تطلق عادة بشكل خاص، وهو استخدام ملائم على مجموعة واحدة من الشعوب الهندية الأوروبية التي بدأت تدخل الهند من جبال هندوكوش في حوالي عام 2000 ق.م، بينما كان غيرهم من الهنود الأوروبيين يتدفقون إلى إيران. وكانت هذه بداية قرون عديدة سوف يزداد فيها امتداد موجات هؤلاء المهاجرين عمقاً ضمن وادي الهندوس وإقليم البنجاب.
وقد وصلوا في النهاية إلى أعلى نهر الغانج، ولا يميل العلماء إلى فكرة أن يكون الآريون وحدهم سبب خراب مدن هذا الوادي، كما أنهم لم يقضوا على الشعوب الأصلية، ولكن لا ريب أن قدومهم قد تميز بمقدار كبير من العنف، لأنهم محاربون وبدو ومسلحون بأسلحة برونزية، كما أنهم جلبوا معهم الخيل والعربات، وقد وجدت في مدن وادي الهندوس هياكل عظمية توحي بحدوث اقتتال. ولكن ثمة علامات كثيرة أيضاً تدل على أن السكان الأصليين في أماكن أخرى قد عاشوا إلى جانب الوافدين الجدد محتفظين بمعتقداتهم وعاداتهم، وقد امتزجت بعض تقاليد هرابا بالتقاليد اللاحقة.
لم يكن لدى الآريين ثقافة متقدمة مثل التي وجدوها، وقد زالت الكتابة بقدومهم، ولم تظهر من جديد إلا في منتصف الألف الأولى ق.م. والمدن أيضاً زالت لتعود فتنشأ من جديد، ولكن كان ينقصها عندئذٍ الإحكام والنظام اللذين اتصفت بهما مدن وادي الهندوس من قبلها. ويبدو أن الآريين لم يتخلوا عن عاداتهم الرعوية ويستقروا للزراعة إلا ببطء، وقد انتشروا شرقاً وجنوباً من مناطق استقرارهم الأصلية في امتداد من القرى بغير انتظام. واستغرق هذا الانتشار قروناً عديدة، ولم يكتمل ولا استوطن وادي الغانج حتى قدوم الحديد، إلا أن الثقافة الآرية قد ساهمت مساهمات حاسمة في تاريخ الهند.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-39.jpg
مصور الهند مع نهر الغانج وإقليم البنجاب
أولى تلك المساهمات هي وضع أسس الديانة الهندية، كان جوهر ديانة الآريين هو مفهوم الأضاحي، فمن خلال القرابين كانوا يعيدون بلا نهاية عملة الخلق التي أنجزتها الآلهة في بداية الزمان. وكان الإله آغني إله النار، وهو عظيم الأهمية، لأنه من خلال لهب قرابينه يمكن للإنسان أن يبلغ الآلهة، كما منح البراهمة أهمية ومكانة كبيرتين، لأنهم الكهنة الذين يرأسون هذه الاحتفالات. ومن أهم الآلهة الأخرى اثنان هما فارونا إله السموات وضابط النظام الطبيعي وتجسيد العدالة، وإندرا الإله المحارب الذي يذبح التنين سنة بعد سنة، فيطلق من جديد مياه السموات التي تأتي مع اندفاع الرياح الموسمية. ويخبرنا عن هذين الإلهين وعن غيرهما الريغ فيدا وهي مجموعة تضم أكثر من ألف ترتيلة فيدية تؤدى أثناء تقديم القرابين، وقد تراكمت عبر القرون.
يبدو أن الريغ فيدا تعكس الثقافة الآرية بعد أن غيرها الاستقرار في الهند، وليس كما كانت في أزمنة أبكر، وكانت في البداية كتقليد شفهي، وبسبب قدسيتها كان من الضروري استظهارها استظهاراً دقيقاً، وقد حماها هذا الأمر من التحريف عن شكلها الأصلي الذي جمع أولاً في حوالي عام 1000 ق.م، عندما سجلت للمرة الأولى بعد عام 1300 للميلاد. وهي تشكل مع التراتيل اللاحقة والأعمال النثرية أفضل مصادر معلوماتنا عن الهند الآرية، التي تبقى آثارها بكماء لزمن طويل، لأن الآريين كانوا يبنون بالخشب وليس بالقرميد كما في مدن وادي الهندوس.
تمتد الهند الموصوفة في الريغ فيدا من ضفاف الهندوس الغربية إلى نهر الغانج، ضمنها كانت تعيش شعوب آرية وسكان أصليين قاتمي البشرة جنباً إلى جنب في مجتمعات وحداتها الأساسية هي العائلات والعشائر. وكانت فيها أنماط اجتماعية من أصل آري وسوف تبقى لها أهمية دائمة، وكان أساس حياتهم الاجتماعية هو ما نسميه اليوم نظام الطبقات المنغلقة Caste. إن نظام الطبقات المنغلقة هي الميراث الأساسي الذي تركه الآريون للهند، إلى جانب ديانتهم ولغتهم السنسكريتية، وهي أساس لغات الهند التي مازالت محكية اليوم، ثم تطورت تلك الطبقات، فصارت عبارة عن مجموعات من الناس يتبعون نفس المهنة وتحق لهم وحدهم. وعضوية الطبقة وراثية، ولا يتزوج أفرادها في الحالة المثالية إلا من طبقتهم، ويشتركون بطقوس خاصة وأعمال إجبارية، وإذا كانوا متزمتين فإنهم لا يأكلون إلا طعاماً حضره أفراد من الطبقة نفسها. وقد صارت في النهاية مئات من الطبقات وفروع الطبقات، ومع تزايد تعقيد المجتمع وضعت محرمات جديدة في الزواج والطعام، وأصبحت متطلبات هذا الترتيب في النهاية ناظماً أساسياً لمجتمع الهند، بل الناظم الأهم في حياة الكثيرين من الهنود. وفي الأزمنة الحديثة أضحت هناك آلاف من الطبقات المحلية والمهنية، وقد شكلت هذه مع روابط العشيرة والعائلة والانتماء المحلي بنية من السلطة في مجتمع الهند يعادل نفوذها نفوذ المؤسسات السياسية الرسمية والسلطة المركزية.
كان هذا النظام قد بدأ بتقسيم بسيط للمجتمع الآري إلى ثلاث طبقات: البراهمة، المحاربون، المزارعون. لم تكن هذه الطبقات في البدء محددة بدقة ولا حصرية كما صارت لاحقاً، بل يبدو أن الانتقال من إحداها إلى الأخرى قد ظل ممكناً طوال قرون عديدة، ويبدو أن الحاجز الاجتماعي الوحيد الذي كان يستحيل عبوره في الأزمنة القديمة هو الحاجز بين الآريين وغير الآريين. إذ يبدو أن هناك طبقة اجتماعية رابعة قد ميزت وحددت تحديداً شديداً وقاسياً، وهي تضم السكان الأصليين ذوي البشرة الأقتم من الغزاة، لأن الغزاة أرادوا البقاء منفصلين عنهم فاعتبروهم بالتالي خارج نظام الطبقات الثلاث أصلاً. وصار غير الآريين، أي أفراد الطبقة الرابعة الجديدة يسمون ”النجسين” ولما كانوا غير آريين فلم يكن يحق لهم الاشتراك في القرابين الدينية أو الدراسة أو سماع تراتيل الفيدية. وفي النهاية أمسى هؤلاء النجسون الذين ميزوا أصلاً لرغبة في الحفاظ على نقاوة العرق، هم طبقة ”المنبوذين” the untouchables في الهند الحديثة، وهي طبقة تترك لها الأعمال القذرة من تنظيف وكنس، وينظر إليها باحتقار شديد، إلى حد أن بعض البراهمة مازالوا يشعرون أن ظل الكناس يلوث الطعام إذا وقع عليه.
كان هناك ملوك منذ المجتمع القبلي الآري الباكر، وفي نحو عام 600 ق.م كان هناك ما يقرب من ستة عشر مملكة موزعة في وادي الغانج وراسخة فيه. وكانت هذه نتيجة قرون من الضغط الدائم نحو الشرق والجنوب الشرقي، ويبدو أن الاستقرار السلمي والتزاوج قد لعبا دوراً لا يقل عن دور الغزو في هذا التطور، ولكننا لا نستطيع من خلال الميثولوجيا أن نرى بوضوح كيف حدث ذلك. لقد انتقل مركز الثقل في الهند الآرية أثناء هذه الحقبة رويداً رويداً من البنجاب إلى وادي الغانج مع تبني الشعوب التي كانت هناك للثقافة الآرية. وكان وادي الغانج منذ القرن السابع ق.م المركز الرئيسي لسكان الهند، وربما صار هذا ممكناً بفضل زراعة الأرز. فبدأ عندئذٍ عصر ثان من المدن الهندية، كانت أبكرها أسواقاً ومراكز تصنيع تجمع الحرفيين المختصين، وبفضل وجود السهول الكبيرة ونشوء جيوش أكبر وأفضل تجهيزاً، بلغنا خبر استخدام الفيلة، سهل الاندماج في وحدات سياسية أوسع، كما أن ظهور النقد واكتشاف الكتابة من جديد قد ساعدا في زيادة تماسك الحكومات وانتظامها، وتجد في وثائق لاحقة معلومات عن تلك الحكومات وعن الأسماء الكبيرة المرتبطة بها، خصوصاً في ملحمتين هنديتين كبيرتين، هما الرامايانا والمهابهاراتا اللتان دونت نصوصهما كما نعرفها للمرة الأولى في نحو عام 400 ق.م.
ومهما كانت السمات المحلية للثقافات الهندية، فقد استمرت الحضارة الآرية بالانتشار، فتقدمت نحو البنغال على طول وادي الغانج، كما امتدت جنوباً على طول السواحل الغربية نحو غجرات، ثم المرتفعات الوسطى لشبه القارة الهندية، ويبدو أن استيطان الآريين قد توقف هناك. لقد كانت منطقة الدكن في الجنوب معزولة دوماٌ عن الشمال بواسطة هضاب مغطاة بالأدغال، هي هضاب فنديا، كما أن جنوب الهند نفسه مقسم بالهضاب، وقد أعاق هذا الأمر بناء دول كبيرة فيه، لذلك بقي مفككاً وبقيت بعض شعوبه تعيش في ثقافات الصيد وجمع الطعام القبلية بسبب صعوبة الوصول إليها. إلا أن هذا الوصف لا يجوز أن يجعلنا ننسى وجود النصف غير الآري في شبه القارة، ولو أن الكتابات والنصوص الكلاسيكية مقتصرة على الشمال الآري. والحقيقة أن الأدلة القليلة الموجودة من آثار الجنوب تشير إلى تأخره الثقافي الواضح والمستمر عن منطقة نهر الهندوس وبقية شبه القارة منذ المرحلة الباكرة، وإن اسم الهند إنما أتى من اسم نهرها الشمالي هذا. أما في الجنوب فلا يبدأ البرونز والنحاس بالظهور إلا بعد وصول الآريين إلى الشمال بزمن طويل، ومتى خرجت من وادي نهر الهندوس لا تعود تجد تماثيل معدنية ولا أختاماً، كما تندر التماثيل الفخارية العائدة للأزمنة ما قبل الآرية، وإن استمرار اللغات الدراويدية في الجنوب لدليل على انعزال هذه المنطقة الدائم.
إن تقديرات أعداد السكان في الأزمنة القديمة تخمينية لا يعول عليها كثيراً، وقد قدر عدد سكان الهند بحوالي 25 مليوناًً في عام 500 ق.م ، وربما كان هذا تقريباً ربع سكان العالم كله في ذلك الحين. إلا أن أهمية تاريخ الهند الباكر تكمن في تأثيره المستمر في صياغة حياة مئات الملايين من الناس اليوم، وليس في عدد سكانها الكبير في العصور القديمة. ويصح هذا الأمر بالأخص على موضوع الدين، فقد تبلورت الديانة الهندوسية الكلاسيكية في الألف الأولى ق.م، كما كانت البوذية أيضاً قد ظهرت كديانة عالمية كبرى في طور النشوء؛ ولما كانت أفعال الناس محكومة بما يؤمنون أنهم قادرون على فعله، فإن هاتين الديانتين هما مفتاحان لتاريخ الهند، أي أن جوهر تاريخ هذا البلد هو صياغته لثقافة معينة وليس صياغة أمة أو اقتصاد ولقد كانت الديانة في قلب تلك الثقافة.
ديانة الهند الباكرة
إن جذورها لسحيقة القدم، ثمة ختم من موهنجو دارو صورة شخص كأنه شكل باكر للإله شيفا، وهو أحد شخصيات العبادة الشعبية الكبرى في الهندوسية، كما وجدت في مدينة هرابا أحجار بشكل قضيب الرجل lingam الذي يمثل شعاره في المعابد الحالية، وربما كانت عبادة شيفا أقدم عبادة باقية في العالم، ولو أن لها ملامح آرية هامة. كما أن ثمة أختاماً أخرى من هرابا توحي بعالم ديني يتمحور حول إلهة أم وثور. ومازال الثور مستمراً حتى اليوم بشكل الإله ناندي الذي تراه في مقامات القرى التي لا حصر لها في كافة أنحاء الهند الهندوسية، وقد اكتسب قوة جديدة في تجسده الأخير كشعار انتخابي لحزب الكونغرس.
أما الإله فشنو فهو آري بصورة أوضح؛ وهو أيضاً يشكل عبادة هامة في الهندوسية الشعبية الحديثة، وقد انضم إلى مئات الآلهة والإلهات المحلية التي مازالت تعبد اليوم لتشكل معاً مجمع الآلهة الهندوسية. ومهما كانت آثار عصر هرابا أو حتى ما قبل هرابا في الديانة الهندوسية، فإن تقاليدها الفلسفية والتأملية الكبرى قد انبثقت من الديانة الفيدية ومن التراث الآري. إن السنسكريتية هي لغة التعليم الديني التي ما زالت تستخدم اليوم في الجنوب المتحدث باللغات الدراويدية مثلما هي مستخدمة في الشمال، وقد كانت السنسكريتية رباطاً ثقافياً عظيماً، وكذلك الديانة التي حملتها. وكانت التراتيل الفيدية نواة نظام من الفكر الديني أكثر تجريداً وفلسفة من الروحانيات البدائية[1]، وقد تطورت المفاهيم الآرية حول الجحيم والجنة، أي ما كان يسمى بيت الطين وعالم الآباء، رويداً رويداً نحو الإيمان بأن أعمال الإنسان في الحياة هي التي تحدد مصيره.
وبزغت من هذه العناصر بالتدريج بنية هائلة وشاملة من الفكر، ونظرة للعالم ترتبط فيها الأشياء كلها ضمن شبكة عظيمة من الوجود. فقد تمر الأرواح بأشكال مختلفة من حياة إلى حياة ضمن هذا الكل الشاسع، وقد تصعد سلم الوجود أو تهبطه، كأن تنتقل بين الطبقات مثلاً أو حتى بين عالمي الإنسان والحيوان. ويتحدد شكل التقمص من حياة إلى حياة أخرى بالسلوك السليم، كما أن هذا التقمص مرتبط بفكرة التطهر والتجدد، والثقة بالتحرر مما هو عابر وعارض وظاهر، والإيمان بالتطابق الجوهري بين الروح والوجود المطلق في البراهما، أي المبدأ الخالق. وكان واجب المؤمن هو التقيد ”بالدارما” وهي مفهوم لا يمكن ترجمته، ولكنه يجسد شيئاً من الأفكار الغربية عن قانون عدالة طبيعي، وشيئاً من فكرة أن على الإنسان احترام الواجبات التي تفرضها عليه مرتبته في الحياة وطاعتها.
لقد استغرقت هذه التطورات زمناً طويلاً، ومرت التقاليد الفيدية بخطوات معقدة وغامضة حتى تحولت إلى الهندوسية الكلاسيكية، وكان البراهمة في قلب المراحل الباكرة من هذا التطور، وكان لهم دور أساسي في طقوس تقديم القرابين في الديانة الفيدية، ويبدو أنهم سرعان ما تعايشوا مع آلهة عالم أقدم. ولم تظهر علامات مقاربة أكثر فلسفية إلا عام 700ق.م تقريباً، وذلك في نصوص مقدسة تسمى الأبانيشد، وهي مزيج من التلاوات والتراتيل والحكم والتأملات وضعها رجال قديسون، ترشد إلى المعاني العميقة للحقائق الدينية التقليدية. إن التركيز على الآلهة والإلهات الشخصية فيها أقل بكثير من النصوص الأبكر، كما أنها تضم بعض أبكر التعاليم الزاهدة، التي سوف تصبح ملمحاً بارزاً ولافتاً من ملامح الديانة في الهند، مع أن الذين مارسوها كانوا قلة قليلة. لقد لبت الأبانشيد الحاجة التي شعر بها البعض للبحث عن الرضا الديني خارج إطار التقاليد، ويبدو أن بعضهم كانت تساورهم الشكوك حول مبدأ القرابين. كانت أنماط جديدة من التفكير قد بدأت بالظهور عند بداية الحقبة التاريخية، وتجد التعبير عن الشك بالمعتقدات القديمة، منذ التراتيل المتأخرة في الريغ فيدا، وسوف تجسد الديانة الهندوسية الكلاسيكية تأليفاً بين أفكار مثل أفكار الأبانشيد التي تشير إلى مفهوم توحيدي للكون وبين التقاليد الأقرب إلى تعدد الآلهة والأكثر شعبية التي كان ينادي بها البراهمة.



[1] الأرواحية animism هي الاعتقاد بأن لكل ما في الكون وحتى للكون نفسه روحاً أو نفساً -

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:01 PM
الصين القديمة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني - أولى الحضارات



الصين القديمة
منذ نحو ألفين وخمسمائة عام تعيش على الأرض أمة صينية تستخدم لغة صينية، وإن هذا لدليل على حضارة طويلة ومستمرة ومنيعة على التأثير الخارجي، لا يجاريها في ذلك إلا حضارة مصر القديمة. ولقد بقيت حكومة الصين لزمن طويل وحدة واحدة بالرغم من فترات الانقسام والاضطراب، وصاغت لها هذه الخبرة هوية تاريخية ثقافية بقدر ما هي سياسية، لأن ثقافة الصين هي التي سهلت توحيد الحكم. ومنذ تاريخ باكر جداً تبلورت فيها مؤسسات ومواقف تناسب ظروفها الخاصة، وسوف تستمر لزمن طويل.
تظهر الأدلة على الزراعة في شمال الصين، في أرض أعلى بقليل من مستوى فيضان النهر الأصفر؛ كانت تلك زراعة من النوع الذي يستنفذ التربة بشكل كامل أو جزئي، وتعود الأدلة عليها لحوالي 5000 ق.م. من هذه المنطقة الهامة انتشرت الزراعة شمالاً إلى منشوريا وجنوباً أيضاً. وسرعان ما ظهرت فيها ثقافات معقدة تستخدم حجر اليشب والخشب للحفر، وتدجن دودة القز، وتصنع الأواني المعدة للاحتفالات بأشكال سوف تصبح تقليدية، بل ربما كان الصينيون يستخدمون العيدان في تناول الطعام منذ ما قبل التاريخ. ويقصد من هذا كله أن الصين كانت منذ الأزمنة النيوليتية تبدي ملامح كثيرة سوف تميزها في المستقبل. ومن هذه العلامات الاستخدام الواسع للدخن، وهو نوع من الحبوب ملائم للزراعة الجافة* التي كانت تمارس أحياناً في الشمال، كما أنه قد ظل المادة الأساسية في طعام الصينيين حتى ألف سنة خلت تقريباً.
تتحدث كتب الصين القديمة وأساطيرها عن شخصية اخترعت الزراعة، ويدل ذلك على أهمية هذا الاختراع. إن الأشياء التي يمكنك استنتاجها بشكل أكيد وواضح عن التنظيم الاجتماعي الباكر هي أشياء قليلة جداً، ولكنهم كانوا يعتبرون أن كل بقعة تحت السماء هي أرض الحاكم، وربما كان هذا انعكاساً لأفكار قديمة تقول إن الأرض برمتها ملك للجماعة ككل. ويمكنك أيضاً أن تنسب إلى الأزمنة الباكرة ظهور بنية العشيرة والطواطم، إذ تكاد القرابة أن تكون أول مؤسسة يمكن تمييزها، وسوف تستمر لتصبح هامة في الأزمنة التاريخية. وتوحي الأدلة التي يقدمها الخزف ببعض التعقيد في الأدوار الاجتماعية، لأن هناك قطعاً رقيقة منه تعود إلى الأزمنة النيوليتية لا يمكن أن تكون قد صنعت لأغراض الاستعمال اليومي، فيبدو إذن أن مجتمعاً متعدد الطبقات كان قد بدأ يبزغ قبل أن نصل إلى الحقبة التاريخية.
لقد بقيت تلك الزراعة التي قامت عليها ثقافة الصين المتقدمة محصورة بشمال البلاد، وإن هناك مناطق كثيرة في هذا البلد الشاسع لم تبدأ بالزراعة إلا بعد زمن طويل، وفي مرحلة متقدمة من الحقبة التاريخية. ولكن العلماء متفقون مع التقاليد التي تقول إن قصة الحضارة تبدأ في هذه المنطقة الشمالية الهامة على عهد حكام ينتمون لشعب يدعى الشانغ، وهو أو اسم في اللائحة التقليدية للسلالات له أدلة مستقلة تؤيد وجوده. وقد بقيت هذه اللائحة أساس تقسيم تاريخ الصين لزمن طويل، وسوف تصبح التواريخ أكثر دقة منذ أواخر القرن الثامن ق.م، ولكن ليس ثمة تقسيم جيد لتاريخ الصين الباكر مثل الذي نعرفه عن مصر. وفي حوالي عام 1700 ق.م مع هامش قرن واحد زيادة أو نقصاناً تمكنت قبيلة اسمها الشانغ، كانت تتميز باستخدام العربة في المعارك الحربية، من فرض نفسها على جيرانها على امتداد رقعة واسعة من النهر الأصفر، وعلى حوالي 40.000 ميل مربع (100.000 كم2) من شمال هونان.

صين الشانغ
كان ملوك الشانغ شخصيات عظيمة عاشوا وماتوا في أبهة، وكان العبيد والضحايا يقدمون قرابين ويدفنون معهم في مدافن عميقة وفخمة. ويبد أن حكومة الشانغ كانت عبارة عن ملاك أراضي محاربين يرأسون سلالات أرستقراطية لها أصول شبه أسطورية، ولكنها تمكنت من توحيد العملة وتشييد تحصينات ومدن على مستوى يحتاج إلى مجهود جماعي واسع. وكان في بلاط الشانغ كتبة وأمناء أرشيف، فقد كانت تلك مملكة تعرف الكتابة، ويبدو أنها كانت تحكم أول ثقافة عرفت الكتابة بحق إلى الشرق من بلاد الرافدين إلا إذا تبين أن الكتابة في وادي الهندوس كان أكثر تطوراً مما يبدو الآن، وكان لحضارة الشانغ أيضاً تأثير يمتد وراء المنطقة التي سيطرت عليها هذه السلالة سياسياً.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-40.jpg
صين التشانغ والصين الحالية
في الأزمنة الباكرة كانت القرارات الكبرى والأقل منها أيضاً تتخذ عن طريق قراءة الوحي، فكانوا يحفرون رموزاً على تروس السلاحف أو عظام ترقوة الكتف المأخوذة من حيوانات معينة، ثم يوضع عليها دبوس برونزي محمى بحيث يصنع شقوقاً على الطرف المقابل، وينظر في اتجاه هذه الشقوق وطولها بالنسبة إلى الرموز ويقرأ الوحي بناء على ذلك. ويقدم هذا الأمر دليلاً على فترة تأسيس اللغة الصينية، لأن الرموز المنقوشة على هذه العظام والتي كانت تحفظ كسجلات هي الأشكال الأساسية للغة الصينية الكلاسيكية. كان لدى شانغ نحو 5000 رمز من هذه الرموز، ولكن لا يمكن قراءتها كلها، إلا أننا نعلم أن بنية اللغة منذ ذلك الحين كان مثل بنية اللغة الصينية الحديثة، أي أنها مكونة من صور يمثل كل منها مقطعاً صوتياً واحداً، وهي تعتمد على ترتيب الكلمات وليس على تصريفها من أجل إضفاء المعنى، فقد كان الشانغ إذن يستخدمون شكلاً من أشكال اللغة الصينية. وسوف يتحول قراء الوحي في المستقبل إلى طبقة العلماء النبلاء، وهم خبراء لا غنى عنهم لأنهم يملكون مهارات مقدسة وسرية. وهكذا بقيت اللغة حكراً على نخبة صغيرة نسبياً وجدت أن امتيازاتها متأصلة فيها، وأن من مصلحتها أن تحميها من الفساد والتحريف. وكانت اللغة قوة عظيمة في تأمين الوحدة والثبات، كما صارت الصينية المكتوبة لغة للحكم والثقافة تسمو على تقسيمات اللهجات المحلية والأديان والمناطق، وسوف يبقى فن التخطيط ذا مرتبة عالية بين فنون الصين، وبهذه الوسيلة تمكنت النخبة من ضمن هذا البلد الواسع والمتنوع برباط واحد.
حقبة التشو
انهار الشانغ في النهاية أمام قبيلة أخرى من غرب الوادي، هي قبيلة التشو، وقد حدث هذا على الأرجح في عام 1027 ق.م. لقد تم على عهد التشو الحفاظ على الكثير من بني الشانغ الحكومية والاجتماعية المتقدمة وازدادت تطوراً أيضاً، كما استمرت طقوس الدفن وتقنيات شغل البرونز والفنون التزيينية بأشكال لم تتغير تقريباً. وقد شهدت مرحلة التشو تمتين هذا الميراث وزيادة انتشاره، وتبلور مؤسسات إمبراطورية الصين القادمة، واللافت أن التشو كانوا يعتبرون أنفسهم محاطين بشعوب بربرية تتمنى أن تحقق لها سلالتهم السلام كي تنعم بخيراته، والحقيقة أن سيادتهم كانت ترتكز على الحروب. كانت الحكومة في العادة عبارة عن مجموعة من الوجهاء والأتباع، بعضهم أكثر اعتماداً على السلالة من بعضهم الآخر، ويؤدون لها في أيام الرخاء على الأقل اعترافاً شكلياً بسلطتها، كما يزداد اشتراكهم بثقافة واحدة. كانت الصين ككيان سياسي من المنطقي استخدام هذا التعبير ترتكز على أملاك بيرة على درجة من التماسك تسمح لها بالبقاء طويلاً، وأحياناً كان سادتها الأصليون يتحولون إلى حكام يمكن أن نسميهم ملوكاً، تخدمهم بيروقراطيات بسيطة خاصة بهم.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp2-41.jpg
مملكة التشو
في نحو 700 ق.م طرد البرابرة التشو من مركز أجدادهم إلى وطن جديد إلى الشرق في هونان، ولكن سلالتهم بقيت حتى عام 256 ق.م. وتمتد المرحلة التالية التي يمكن تمييزها منذ عام 403 وحتى 221 ق.م، وتعرف باسم ذي دلالة، هو مرحلة الدول المتحاربة. لقد بات الاصطفاء التاريخي عن طريق الصراع الآن ضارياً، وراحت الأسماك الكبيرة تلتهم الصغيرة حتى لم يبق في النهاية إلا حوت واحد كبير، فصارت جميع أراضي الصينيين للمرة الأولى إمبراطورية واحدة كبيرة تحكمها سلالة التسين، التي أتى منها اسم الصين. ومن المناسب أن نتوقف عند هذه النقطة، فقد دلتنا سجلات الصين التاريخية التقليدية حتى الآن، على نحو خمسة عشر قرناً من الصراعات الغامضة بين الملوك والرعايا الأقوياء من دون أن تعطينا خطاً للقصة، إلا أننا نستطيع تمييز عمليات أساسية كانت تجري خلالها سوف تكون لها أهمية عظيمة في المستقبل.
من تلك العمليات الانتشار المستمر للثقافة من حوض النهر الأصفر نحو الخارج، لقد بدأت الحضارة الصينية بشكل جزر صغيرة جداً في بحر من البربرية ولكنها صارت في عام 500 ق.م ملكاً مشتركاً لعشرات بل ربما مئات الدويلات والإقطاعيات الموزعة عبر الشمال، كما انتقلت إلى وادي اليانغ تسي كيانغ. وكانت هذه منذ زمن بعيد أرض مستنقعات وغابات كثيفة ومختلفة جداً عن الشمال، وكانت تسكنها شعوب أكثر بدائية. وعند نهاية مرحلة الدول المتحاربة كان مسرح تاريخ الصين على وشك الاتساع بشكل كبير، فقد تغلغل نفوذ التشو في هذه المنطقة، ولعب التوسع العسكري دوراً في ذلك وساهم في هذا التغلغل في صنع أول ثقافة ودولة كبريين في وادي اليانغ تسي كيانغ.
مجتمع الصين الباكر
منذ عهدي الشانغ والتشو كان قد وضع نمط مجتمع المستقبل بشكل انقسام جوهري إلى طبقتين، هما طبقة النبلاء أصحاب الأرض، وطبقة العامة وسوادها من الفلاحين. لقد دفعت الطبقة العامة وأحفادهم، وهم الأكثرية العظمى من الشعب، ثمن كل ما أنتجته الصين من حضارة وسلطة، ولكننا لا نعلم إلا القليل من أعدادهم التي لا تحصى، لأن الفلاح الصيني كان ينتقل بين كوخه الطيني في الشتاء ومخيم يعيش فيه خلال أشهر الصيف لكي يحرس المحاصيل ويرعاها، لم يترك أي من هذين المسكنين أثراً يذكر. عدا عن هذا يبدو الفلاح مغموراً في جماعة لا اسم لها، فهو لا ينتمي إلى عشيرة ومرتبطاً بالأرض التي يؤخذ منها في بعض الأحيان لكي يؤدي واجبات أخرى ويخدم سيده في الحرب أو في الصيد.
وقد استمر التمييز بين عامة الشعب والنبلاء زمناً طويلاً جداً، وفي أزمنة لاحقة كان النبلاء معفيين من عقوبة الجلد التي قد تطبق على العامة، ولو أنهم كانوا بالطبع معرضين لعقوبات مناسبة بل رهيبة في حال ارتكابهم جرائم أخطر، كما كانوا يتمتعون باحتكار فعلي للثروة استمر بعد احتكارهم الأبكر للأسلحة المعدنية. إلا أن الفرق الحاسم في المنزلة إنما هو في مكانة النبيل الدينية الخاصة والناشئة من احتكاره طقوساً دينية معينة. والنبيل وحده ينتمي إلى عائلة أي أن له أجداداً وإن تقاليد توقير الأجداد واسترضاء أرواحهم تعود إلى ما قبل أزمنة الشانغ.
إن العائلة هي تطوراً قانونياً للعشيرة وفرعاً منها، وكان هناك نحو مائة عشيرة لا يحق لأفرادها الزواج من شخص من العشيرة نفسها، وكانوا يعتقدون أن كلاً منها قد أسسها بطل أو إله. كان آباء عائلات العشائر وبيوتها يمارسون سلطة خاصة على أفرادها، وكان جميعاً مؤهلين لأداء طقوسها المضنية والطويلة، التي يطلبون فيها من الأرواح أن تتوسط لصالح العشيرة لدى القوى المسيطرة على الكون. ثم صارت هذه الطقوس تميز الأشخاص المؤهلين لامتلاك الأراضي وشغل المناصب. وكان هناك نوع من تساوي الفرص على مستوى العشيرة، لأن أياً من أفرادها يمكنه أن يعين في أعلى مناصبها، فكلهم مؤهلون لذلك بفضل تحدرهم جوهرياً من أصول شبه إلهية؛ وبهذا المعنى لم يكن الملك إلا رجلاً أول بين رجال متساوين، ونبيلاً بارزاً بين جميع النبلاء.
أما عامة الشعب فكانت تجد متنفسها الديني في آلهة الطبيعة، وكان استرضاء أرواح الجبال والأنهار وعبادتها واجباً ملكياً هاماً منذ الأزمنة الباكرة، ولو أن سلطة عبادات الطبيعة في الصين كانت أضعف منها في أنظمة دينية أخرى. كان جوهر ادعاء الأسرة الحاكمة بحق الطاعة هو صدارتها الدينية، لأنها تستطيع عن طريق ممارسة الطقوس بلوغ رضا قوى غير منظورة، يمكن معرفة نياتها من خلال قراءة الوحي. وعندما يفسر الوحي يمكن تنظيم الحياة الزراعية للجماعة، لأنه هو الذي يحدد البذار والحصاد وغيرها. لذلك كانت أشياء كثيرة تعتمد على المكانة الدينية للملك، وكانت لها الأهمية الكبرى في الدولة. في عهد تشو ظهرت فكرة وجود إله أعلى من الآلهة المؤسسة للسلالات، وأنه قد منح انتداباً من السماء بالحكم، فكانت هذه بداية فكرة أخرى أساسية في المفهوم الصيني للحكم، وسوف ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم التاريخ الدوري، الذي يرسمه صعود السلالات وهبوطها. وقد أدى هذا الأمر بالطبع إلى محاولات تخمين من أجل معرفة العلامات التي تسمح بالتعرف على صاحب الانتداب الجديد.
لا تعطي السجلات الباكرة لحكومة الصين الانطباع بأن الملكية كانت لديها أشغال كثيرة، فعدا عن اتخاذ قرارات السلم أو الحرب في الحالات غير العادية، يبدو أن الملك لم تكن لديه أشياء كثيرة يفعلها سوى أداء واجباته الدينية والصيد واستهلال مشاريع البناء أو تأسيس المستوطنات الزراعية، كما كان يفعل بعض ملوك التشو، وقد بزغ رويداً رويداً وزراء كانوا ينظمون حياة البلاط، بينما كان الملك عبارة عن صاحب أراضٍ لا يحتاج في الغالب إلا وكلاء ومشرفين وبعض الكتبة، ولا ريب أنه كان يقضي جزءاً كبيراً من حياته متنقلاً بين أراضيه. أما النشاط الأخير الوحيد الذي يحتاج فيه إلى مساعدة الخبراء هو النشاط المتعلق بأمور ما فوق الطبيعة، ومن هنا سوف تنمو رابطة وطيدة بين الحكم وتحديد الوقت والتقويم، وكلاهما على أهمية كبرى في المجتمعات الزراعية. كانت التقنيات اللازمة مبينة على علم الفلك، ورغم أنها اكتسبت أساساً هاماً من الملاحظة والحساب فقد كانت أصولها سحرية ودينية.
الحديد والمدن
كانت مرحلة التشو قد انتهت باضطرابات اجتماعية متزايدة، سببها الأرجح هو ضغط السكان على الموارد. ولهذا كان الحديد عاملاً هاماً جداً، ويبدو أنه كان مستعملاً في حوالي عام 500 ق.م، وقد أدى استخدامه إلى ارتفاع حاد في الإنتاج الزراعي، وبالتالي في عدد السكان، مثلما حدث في أماكن أخرى. وتعود أولى الأدوات الحديدية التي وجدت إلى القرن الخامس ق.م، أما الأسلحة الحديدية فقد ظهرت في زمن لاحق. ومنذ تاريخ باكر كانت هذه الأدوات تصنع عن طريق السبك، وقد وجدت قوالب لسبك شفرات المناجل الحديدية تعود إلى القرن الرابع أو الخامس، أي أن تقنية الصين في معالجة هذا المعدن كانت متقدمة جداً منذ أزمنة باكرة. وسواء أحدث هذا الأمر كتطور لسبك البرونز أو للتجريب في أفران الخزف القادرة على إعطاء درجات حرارة عالية، فإن الصين قد توصلت إلى سبك الحديد في نفس الوقت الذي عرفت فيه معالجته بالتطريق، بينما لم تصل مناطق العالم الأخرى إلى درجات حرارة كافية لسبكه إلا بعد نحو خمسة عشر قرناً.
هناك تطور هام آخر في أواخر عهد التشو هو نمو المدن، لقد نشأت أبكر المدن على الأرجح في مواقع المعابد التي كان أصحاب الأراضي يستخدمونها كمراكز إدارية لأملاكهم، فكانت الجماعات تتجمع من حولها ومن حول معابد آلهة الطبيعة الشعبية القائمة عادة في السهول قرب الأنهار. وتجد على عهد الشانغ متاريس مصنوعة من التراب المضروب وأحياء أرستقراطية ومسورة وبقايا أبنية كبيرة. كانت آنيانغ عاصمة للشانغ في حوالي عام 1300 ق.م، وكانت فيها مسابك للمعادن وأفران للخزف فضلاً عن قصور ومقبرة ملكية. أما عاصمة التشو بعدها فكانت وانغ تشنغ، وكانت بشكل مستطيل من الأسوار الترابية يبلغ طول كل منها حوالي ثلاثة كيلو مترات. وفي عام 500 ق.م ظهرت عشرات المدن، وكانت لها في العادة ثلاثة مناطق محددة: بقعة صغيرة مسورة تعيش فيها الأرستقراطية، وبقعة أكبر يسكنها الحرفيون المختصون والتجار، ثم الحقول خارج الأسوار التي تغذي المدينة. كانت أحياء التجار إذن مفصولة عن أحياء الأرستقراطية بأسوار ومتاريس تحيط بالأخيرة، ولكنها كانت هي أيضاً واقعة ضمن أسوار المدينة، وهي علامة على تزايد الحاجة للحماية. كما كنت تجد الشوارع التجارية للمدن في مرحلة الدول المتحاربة محالاً تبيع المجوهرات والتحف الغريبة والطعام واللباس، عدا عن الحانات وبيوت القمار والبغاء.
إلا أن قلب مجتمع الصين قد ظل بالرغم من ذلك في الريف، ومع نهاية حقبة التشو صارت طبقة أصحاب الأراضي تبدي علامات لا لبس فيها على استقلال متزايد عن ملوكها. كانت سيطرتها الاقتصادية متأصلة في امتلاكها للأرض بحكم العرف، وهذه الملكية التي يمنحها الملك نظرياً لا تقتصر على الأراضي وحدها، بل تشمل أيضاً العربات والحيوانات والأدوات، وبالأخص البشر، فالعمال يمكن بيعهم أو مبادلتهم أو توريثهم بوصية. وكان النبلاء يحتكرون الأسلحة باستمرار، وبمرور الزمن لم يعد أحد غيرهم بقادر على امتلاك الأسلحة الأغلى ثمناً والدروع والخيول التي مابرح استخدامها يتزايد. وفي عام 600 ق.م بدا من الواضح أن ملك التشو قد صار خاضعاً لكبار النبلاء، وكانت الفوضى تتزايد وكذلك الشك بالمعايير التي تحدد الحق بالحكم، وقد بلغت هذه التطورات ذروتها في الأزمة الاجتماعية والسياسية العميقة والمديدة التي ظهرت في قرون الانحلال الأخيرة من عهدي التشو والممالك المتحاربة، وأدت إلى فورة هامة من الأفكار حول أسس الحكم والأخلاق. فكان هناك مدرسة من المعلمين يسمون "القانونيين" يشددون على أن سلطة التشريع وليس أداء الطقوس[2]يجب أن تكون هي المبدأ الأساسي في الدولة، وأن يكون هناك قانون واحد للجميع، يضعه حاكم واحد ويطبقه بحزم شديد. وقد استهجن البعض هذه الأفكار واعتبروها عقيدة مشككة ومؤيدة للسلطة، ولكنها اجتذبت الملوك في القرون القليلة التالية، وقد استمر الجدال زمناً طويلاً. إن أكثر من انتقد القانونيين هم أتباع أشهر معلمي الصين قاطبة ”كونفوشيوس”.
كونفوشيوس والثقافة الصينية
إن اسم كونفوشيوس هو الشكل اللاتيني لاسمه الأصلي كونغ فو تزو، وقد أطلق عليه الأوروبيون اسم كونفوشيوس هذا في القرن السابع عشر، أي بعد مرور أكثر من ألفي سنة على ولادته التي حدثت في منتصف القرن السادس ق.م ، وسوف يكون له في الصين توقير أعمق من أي فيلسوف آخر، لأن ما قاله ونسب إليه قد صاغ تفكير مواطنيه طوال ألفي سنة. كان كونفوشيوس ينتمي لعائلة من قراء الوحي من طبقة النبلاء الأدنى، وقد أمضى بعض الوقت وزيراً للدولة ومشرفاً على أهراء الحبوب، وكانت لديه أفكار وتوصيات حول أسس الحكم العادل، ولكنه عجز عن إيجاد حاك يطبقها بصورة عملية، فتحول عندئذٍ إلى التأمل والتعليم. وكانت غايته هي أن يقدم صيغة نقية ومجردة للحقائق التي كان يؤمن أنها كامنة في جوهر الممارسات التقليدية، وأن يعيد بذلك إحياء الاستقامة الشخصية والخدمة المنزهة عند الطبقة الحاكمة. كان كونفوشيوس رجلاً محافظاً مصلحاً، وكان يؤمن أن هناك في الماضي عصراً أسطورياً كان كل إنسان فيه يعرف مكانه ويؤدي واجبه، وكانت العودة إلى ذلك العصر هي غايته الأخلاقية. وكان يوصي بمبدأ النظام أي وضع كل شيء في مكانه الصحيح ضمن تجربة الحياة الكبرى، وقد تجلى هذا الأمر في نزعة قوية لتأييد المؤسسات التي تحافظ على ذلك النظام، مثل العائلة والتسلسل الهرمي والأقدمية، وفي احترام الواجبات الكثيرة والمتدرجة التي تربط بعضها ببعض. وكان من شأن هذه التعاليم أن تعطي رجالاً يحترمون الثقافة التقليدية، ويشددون على قيمة الأعراف السليمة والسلوك القويم، ويسعون إلى تحقيق واجباتهم الأخلاقية في الأداء الدقيق لمهامهم.
لقد نجحت هذه التعاليم نجاحاً فورياً من ناحية أن الكثيرين من تلاميذه قد اكتسبوا شهرة ونجاحاً دنيويين مع أن تعاليمه تستنكر السعي المقصود نحو هذه الأهداف، وتحض على إنكار الذات بشهامة، ولكنها نجحت أيضاً من ناحية أعمق وأطول عمراً بكثير، لأن أجيالاً من الموظفين الصينيين سوف تدرب على مبادئ السلوك والحكم التي وضعها. لقد صارت نصوص كونفوشيوس، وليست كلها أصلية، تعامل بما يشبه الخشوع الديني، واستخدمت لقرون طويلة بصورة موحدة وخلاقة من أجل قولبة أجيال من حكام الصين ضمن مبادئ كان يعتقد أنه قد وافق عليها، ويلفت النظر هنا التشابه مع استخدام الكتاب المقدس المسيحي في زمن لاحق، على الأقل في البلاد البروتستانتية، إلا أن كونفوشيوس لم يقل أشياء كثيرة حول أمور ما فوق الطبيعة، فهو لذلك لم يكن معلماً دينياً بالمعنى المألوف للكلمة، وربما لهذا السبب حقق معلمون آخرون نجاحاً أكبر منه بين الجماهير، بل كان همه الأكبر هو الواجبات العملية. ويبدو أن الفكر الصيني اللاحق أيضاً لم يهتم كثيراً بالأمور النظرية، مثل حقيقة عالم الحواس أو إمكانية الخلاص الفردي، بعكس تقاليد فكرية أخرى أرقتها هذه الأفكار، كما أن الفلاسفة الصينيين لم يهتموا كثيراً بوضع مخطط للمعرفة عبر الاستجواب المنهجي لطبيعة العقل ومدى قدراته، بل صاروا يهتمون بعبر الماضي وحكمة الأزمان الغابرة والحفاظ على النظام السليم، أكثر من تأمل الألغاز الثيولوجية والأحاجي الفلسفية، أو البحث عن الأمان بين ذراعي آلهة غامضة. ولا تدين التقاليد الفكرية الصينية بعد كونفوشيوس بالكثير لتعاليم الأفراد، بعكس التقاليد الأوروبية التي تقوم على الاستجواب المنهجي.
ومع ذلك فقد ظهرت أنظمة فكرية منافسة للكونفوشيوسية، فهناك المعلم لاوتسه، وهو حكيم ذائع الصيت جداً، مع أننا في الحقيقة لا نكاد نعلم عنه شيئاً، ويقال إنه مؤلف النص الذي يعتبر الوثيقة الأساسية في نظام فلسفي سمي فيما بعد ”بالطاوية”. يدعو هذا النظام إلى الإهمال المقصود لأشياء كثيرة تؤيدها الكونفوشية، مثل احترام النظام السائد واللياقة والتقيد الدقيق بالتقاليد والطقوس، كما تحض الطاوية على الخضوع لمفهوم كان موجوداً في الفكر الصيني أصلاً ومألوفاً لدى كونفوشيوس، هو مفهوم الطاو أو ” الطريق”، وهو المبدأ الكوني الذي يتخلل الكون المتناغم ويدعمه. ومن الناحية العملية يؤدي هذا التفكير إلى الاستكانة السياسية والزهد واتخاذ البساطة والفقر مثالاً. كما أن ثمة حكيماً آخراً أتى لاحقاً في القرن الرابع هو منشيوس (منغ تزو)، علم الناس أن يسعوا لخير البشرية، فكانت تعاليمه تطويراً لتعاليم كونفوشيوس وليست افتراقاً عنها. والحقيقة أن جميع مدارس الفلسفة الصينية كان عليها أن تحسب حساب تعالم كونفوشيوس، إذ أنها قد حظيت بمكانة ونفوذ عظيمين. ولا يمكنك أن تقيم التأثير الكامل لتعاليمه، التي لم تبلغ فترة نفوذها الكبرى إلى بعد موته بزمن طويل، إلا أنه قد وضعت المعايير والمثل للنخب الإدارية حتى يومنا هذا. وكانت تركز على اهتمام كبير بالماضي سوف يعطي كتابة التاريخ في الصين نزعة منحازة ومميزة لها، وربما كانت لها تأثيرات ضارة على البحث العلمي، وقد تغلغل الكثير من مبادئها أيضاً مثل توقير الأجداد في الثقافة الشعبية من خلال القصص والمواضيع التقليدية للفن، فزادت بذلك من تمتين حضارة الصين التي كانت ملامحها اللافتة قد ترسخت بحلول القرن الثالث ق.م.
مازال فن الصين أكثر جوانب حضارتها القديمة جاذبية وقرباً، ولم يبق شيء هام من عمارة الشانغ والتشو لأنهم كانوا يبنون بالخشب عادة، كما أن المدافن لا تكشف عن أشياء كثيرة.
ولكن من ناحية أخرى دلت الآثار على قدرة لتشييد الأبنية الكبرى، فقد كان سور إحدى عواصم التشو مصنوعاً من تراب مضروب علوه ثلاثون قدماً أي (تسعة أمتار)، وثخانته أربعون قدماً أي (اثنا عشر متراً)، كما أن الأغراض الصغيرة والكثيرة الباقية تدل على أن هذه الحضارة كانت قادرة على صنع أعمال رائعة منذ أيام الشانغ، وينطبق هذا بالأخص على الخزف، الذي لم يكن يضاهيها فيه أحد في العالم القديم، فضلاً عن أشغال البرونز العظيمة، والتي بدأت تصنع في أوائل عصر الشانغ، ثم استمرت بعد ذلك بلا انقطاع. كان فن سبك أوعية القرابين والقدور وجرار النبيذ والأسلحة والأوعية الثلاثية الأقدام قد بلغت ذروته منذ عام 1600 ق.م، ويظهر سبك البرونز بصورة مفاجئة وعلى مستوى عال من الإتقان جعل البعض يحاولون تفسيره بانتقال التقنية من الخارج، ولكن ليس هناك دليل على ذلك. كما أنه ليس هناك دليل على أن أشغال البرونز الصينية قد بلغت العالم الخارجي في الأزمنة الباكرة، إذ لم يكتشف أي عمل في أي مكان آخر يعود لما قبل منتصف الألف الأولى ق.م. وحتى في الأزمنة الأبكر لم يكتشف خارج الصين أي من الأشياء الأخرى التي أولاها الفنانون الصينيون اهتمامهم الكبير، مثل حفر الرسوم الجميلة والدقيقة على الحجر والحجر اليشب. ويبدو أن الصين لم تصبح لها علاقات هامة بالعالم الخارجي إلا في زمن متقدم من الحقبة التاريخية فيما عدا بعض الأشياء القليلة التي تعلمتها من جيرانها البرابرة. فكان مثلها مثل حضارة الهند، في أنها لم تبد نزعة قوية للتوسع خارج مهدها، على عظمته.



* نوع من الزراعة يمارس في المنطقة الجافة من دون ري، بالحفاظ على طبقة رقيقة من التربة المحروثة أو المهاد تمنع الرطوبة الطبيعية للتربة من التبخر.
[2] النص الأصلي تنقصه كلمة وليس وقد استوى المعنى بعد مراجعة النسخة الأكبر من تاريخ العالم

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:06 PM
تفاعل وتبادل

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


تفاعل وتبادل
في عام 1000 ق.م كانت قد ظهرت أنماط عديدة من الحضارة في الشرق الأدنى وشرق المتوسط، وكانت أنماط أخرى قد زالت. وكانت القوى العظمى قد ألفت التعامل إحداها مع الأخرى عبر هذه المنطقة من خلال الدبلوماسية الرسمية، بينما كان الحرفيون والتجار والمرتزقة يتحولون فيها بحثاً عن معيشتهم، والناس يتبادلون الأفكار وأساليب الفن والمهارات التقنية في كافة أنحائها. وكانت تلك بحق أول مجموعة عالمية من المجتمعات. ولقد بقيت هذه المنطقة لزمن طويل المكان الوحيد في العالم الذي يبدي هذه الحيوية والتبادل الخلاق، وفيها يمكنك أن تميز بدايات تيارات سوف تسيطر على تاريخ العالم في قرننا هذا. وإن أفضل نقطة للبدء بفهم الأمور هي مرة ثانية تحركات الشعوب وترحالها. تفسر تلك الهجرات جزءاً كبيراً من التبدّلات الدينامية الجارية، فطوال الألف الثاني ق.م يظهر في كل من الهند وإيران وبلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر وبحر إيجة تأثير الشعوب التي نسمي لغاتها هندية أوروبية. تقول إحدى الفرضيات إن الهنود الأوروبيين قد أتوا من جنوب روسيا، وكان ذلك على الأرجح قبل عام 2000 ق.م بزمن طويل، وربما كان السبب أن التغيرات المناخية في آسيا الوسطى قد دفعت شعوباً أخرى في الشرق إلى الهجرة غرباً، فشكلت بذلك ضغطاً على "الهنود الأوروبيين" ودفعتهم بدورهم. ومن الطرق التي سلكوها طريق تمتد في شبه جزيرة البلقان نزولاً إلى اليونان وتراقيا، ومن هناك عبر الأناضول. وفي هذه الأثناء كان هنود أوربيون آخرون قد نزلوا عبر القوقاز، ومن تركستان إلى بلخ وإيران والهند، وإن اسم إيران مرادف لصفة ”آري” Aryan وعدا عن الهنود الأوروبيين الذين كانوا في منطقة الدانوب بجنوب شرق أوروبا، كان آخرون قد تحركوا غرباً إلى ألمانيا وشمال فرنسا بل وحتى الجزر البريطانية، ولكن لنترك قصتهم لمرحلة لاحقة.
في الهلال الخصيب دخلت هذه الشعوب صراعاً مع الإمبراطوريات القديمة التي كان تسيطر عليه منذ الإطاحة بسومر، وكانت الشعوب السامية تنتقل فيه أيضاً. ويخبرنا العهد القديم من الكتاب المقدس المسيحي أن إبراهيم، الذي يعتبره اليهود الآن في بداية تاريخهم التقليدي، قد انطلق من أور عبر بلاد الرافدين والشام سعياً إلى المرعى، وهي على الأرجح قصة حفظتها ذاكرة الشعوب. وكانت هناك قبائل كثيرة تنتقل في ذلك الحين، كما أن الهنود الأوروبيين كانوا أيضاً رعاة رحل، وتتنازع فيما بينها على الكلأ والماء في الهلال الخصيب، وقد انجذبت تلك الشعوب إلى الثقافات المتطورة التي كانت في هذه البلاد، وراحت تستعير منها وتقلدها.
ولابد أن تكون الهجرة قد سرعت في انتشار الحضارة بصورة كبيرة، والدليل على هذا هو انتشار الكتابة. في عام 2000 ق.م كانت الكتابة محصورة إلى حد كبير بحضارات وديان الأنهار، ولو أن المسمارية كانت منتشرة في كافة أنحاء بلاد الرافدين وكانت تكتب بها لغتان أو ثلاث؛ ففي مصر مثلاً كان يحفر على الصروح بالكتابة الهيروغليفية، وكانت الكتابة اليومية تتم بشكل مبسط منها يدعى الهيراطية، أما المسمارية فكانت مستخدمة في الدبلوماسية. ولكنك بعد حوالي ألف سنة صرت تجد شعوباً تعرف الكتابة في كافة أنحاء الشرق الأدنى، وفي كريت واليونان أيضاً، ويمكن تمييز هذه الشعوب من خلال لغاتها المختلفة. كما أنها كانت تخترع كتابات جديدة، ففي كريت مثلاً تجد في حوالي عام 1500 ق.م كتابة كانت مستخدمة لتدوين شكل من اللغة اليونانية، أي أنها تصل بك إلى مشارف عالم جديد. وإن أول كتابة دوّن بها أدب غربي كانت مستخدمة في عام 800 ق.م، وهي مشتقة من أبجدية اخترعت لكتابة لغة سامية ومأخوذة من الفينيقيين.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:08 PM
التجارة والسفر

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


التجارة والسفر
إن الأسفار البعيدة هي مثل اللغة علامة على التغير ومحرك له في الوقت نفسه، ولا تجد في البداية أدلة على الأسفار البعيدة إلا في بعض الآثار، مثل أرصفة مرافئ هرابا أو بعض الأختام الأجنبية. وتدل هذه الآثار على أن القصدير كان يجلب من بلاد الرافدين وأفغانستان والأناضول إلى ما يمكن أن نسميه الآن مراكز ”تصنيع”، كما تجد نحاس قبرص في أماكن كثيرة، ويستنتج من هذا أنه كان سلعة يتاجر بها على نطاق واسع، وكذلك نحاس بر أوروبا، لأنه هناك مناجم بأرض يوغوسلافيا السابقة كانت محفورة حتى عمق ستين أو سبعين قدماً (20 متراً) تحت سطح الأرض قبل عام 4000 ق.م. أما بالنسبة للمواد غير المعدنية، فيذكر الكتاب المقدس شهرة خشب أرز لبنان الذي كان يصدر لمصر، كما كان الكهرمان يجلب من البلطيق إلى بحر إيجة، والتوابل من الشرق الأدنى عبر البحر الأحمر إلى مصر، كل هذا قبل عام 1000 ق.م. وقد تغيرت الجغرافية الاقتصادية ببطء مع نمو هذه الروابط، فظهرت مراكز برعت بالتجارة وازدهرت ازدهاراً عظيماً. لقد تعاطى الكريتيون والشعوب الباكرة في بر اليونان التجارة إلى حد كبير، وكانت البحرين تجتذب التجار من بلاد الهند وبلاد الرافدين. ومع اقتراب الألفية من نهايتها كان أعظم شعوب بالتجارة في العالم القديم، أي الشعب الفينيقي المقيم في المدن الساحلية لبلاد الشام، على باب عصر ذهبي من الازدهار.
كان حمل البضائع الكبيرة صعباً، أقله عن طريق البر، لأنه بقي يعتمد على الحمير إلى أن دجّنت الجمال في منتصف الألفية الثانية ق.م، وقد فتح تدجين الجمال تجارة القوافل في آسيا وشبه الجزيرة العربية. أمّا النقل بالعجلات فيبدو أن أهميته بقيت محلية لزمن طويل بسبب رداءة الطرق ورداءة محاور العجلات أيضاً، مع أن العربات كانت تستخدم في بلاد الرافدين في نحو عام 3000 ق.م، وفي سوريا نحو عام 2250 ق.م، وفي الأناضول بعد ذلك بقرنين أو ثلاثة، وفي بر اليونان في نحو عام 1500 ق.م. إلا أن نقل البضائع بكميات كبيرة كان أبسط وأرخص عن طريق الماء منه عن طريق البر، وسوف يظل كذلك حتى عصر القطار البخاري.
كانت شعوب العصر النيوليتي تقوم برحلات طويلة عبر البحر في زوارق الكنو المحفورة، وقد أمن المجداف القوة الدافعة للقيام برحلات بحرية طويلة فضلاً عن تحسين التحكم بحركة القارب. بعد ذلك وضع مصريو السلالة الثالثة شراعاً على سفينة عابرة للبحار، وكان الساري المركزي والشراع المستطيل بداية الإبحار بالاعتماد على قوة غير تيارات المياه وعضلات الإنسان. وقد تحسنت الأشرعة ببطء على مدى الألفين التاليين، إلا أن سفن الأزمنة القديمة كانت في أكثر الأحيان ذات أشرعة مستطيلة، لذلك كانت الرياح السائدة هي التي تحدد نمط الاتصالات البحرية. مع هذا كان التجار يتبادلون البضائع ويكسبون المال بصورة متزايدة عن طريق البحر، وقبل قوافل الجمال بزمن طويل كانت السفن تحمل ضروب الصمغ والراتنج من جنوب شبه الجزيرة العربية شمالاً على طول البحر الأحمر، وكانت سفن أخرى تجوب في أنحاء نهر إيجة، وفي القرن الثالث عشر ق.م كانت تبحر في شرق المتوسط سفن قادرة على حمل أكثر من 200 سبيكة نحاسية، وبعد قرون قليلة صار بعضها مزوداً بظهر سدود للماء.
ولكن طبيعة هذا التبادل تبقى غير واضحة، حتى في عام 1000 ق.م، ويبدو أن الناس كانوا يتبادلون البضائع والخدمات قبل أن يتحضروا، ولكن ربما كان هذا الأمر أشبه بعملية إعادة توزيع متفق عليها ضمن الجماعة. في الأزمنة التاريخية صار لبعض الشعوب زعماء يرأسون مخزناً مشتركاً، ويملكون بمعنى ما كل ما يخص الجماعة، ثم يوزعونها على أفرادها من أجل ضمان أعمالها بصورة سلسة، وربما يفسر هذا الأمر تخزين البضائع والمؤن في المعابد السومرية. لقد مر زمن طويل قبل أن تظهر أي وسيلة للتبادل معترف بها على نطاق واسع أي ما نسميه النقد ونجد أول دليل عليه في بلاد الرافدين، حيث كانت الحسابات تسجل بمكاييل من الحبوب أو الفضة قبل عام 2000 ق.م، كما يبدو أن مسكوكات النحاس كانت أحياناً تستخدم كوحدات مالية في قسم كبير من المتوسط في أواخر عصر البرونز. إلا أن أول وسيلة للتبادل مختوماً ختماً رسمياً بقيت لنا قد أتت من كَبَدوقية* في أواخر الألف الثالثة ق.م، وكانت عبارة عن مسكوكات فضية، وهي عملة معدنية حقيقية. ومع هذا لم تظهر أولى قطع النقد حتى القرن السابع ق.م وكان الناس قبلها يتدبرون أمورهم من دونها، فالفينيقيون مثلاً، وهم مشهورون بحذقهم وفطنتهم في شؤون التجارة، لم تكن لديهم عملة حتى السادس ق.م، ومصر التي كانت نظاماً اقتصادياً ذا إدارة مركزية لم تتخذ النقد إلا بعد ذلك بقرنين. إلا أن هذا الأمر لم يمنع الناس من تبادل البضائع، ولا يمكننا أن نسمي عمليات التبادل تلك "تجارة" بمعناها الحالي، كما أنه ليس من الواضح ما إذا كانت السوق في العالم القديم دوماً مكاناً يتوصل الناس فيه إلى قيم السلع عن طريق المساومة. عندما تبدأ حقبة السجلات التاريخية تجد أدلة على انتقال السلع بصورة جزية أو هدايا رمزية أو دبلوماسية بين الحكام أو بصورة عطايا نذرية. لقد ظلت الإمبراطورية الصينية حتى القرن التاسع عشر الميلادي تعتبر تجارتها مع الدول الأخرى جزية من العالم الخارجي، وكان الفراعنة أيضاً ينظرون إلى تجارتهم مع بحر إيجة نظرة مشابهة، كما يبدو من رسوم مدافنهم. وربما شملت هذه العمليات التجارية تبادل أغراض موحدة مثل الأوعية أو القدور ذات الوزن الواحد، أو الخواتم ذات الحجم الواحد، فكانت لها بذلك بعض خواص العملة.


* اسم أطلق قديماً على آسيا الصغرى

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:10 PM
الحضارة الإيجية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الحضارة الإيجية*
كانت الحياة في الشرق الأدنى وشرق المتوسط في الألف الثانية ق.م غنية بالروابط المشتركة والتفاعل المتبادل، إلا أن بعض مراكز الحضارة فيها كانت على درجة بارزة من النجاح والأهمية، وكانت جزيرة كريت واحدة من تلك المراكز، وهي أكبر الجزر اليونانية. طوال الأزمنة النيوليتية كان يعيش في كريت شعب متقدم ربما كان له اتصالات بالأناضول، ولكن الأدلة غير حاسمة، إلا أن شيئاً ما قد حفزه على القيام بإنجازات لافتة. ففي حوالي عام 2500 ق.م كانت هناك مدن وقرى هامة مبنية من الحجر والقرميد على سواحل كريت يمارس سكانها شغل المعادن وقص الأختام والمجوهرات، وكانوا يشتركون بقسم كبير من ثقافة بر اليونان وآسيا الصغرى، ويتبادلون البضائع مع جماعات إيجية أخرى. ثم حصل تغير هام، ففي حوالي عام 2000 ق.م بدؤوا يبنون قصوراً كبيرة هي أهم صروح الحضارة التي نسميها الحضارة المينوية، وكان أعظم تلك الصروح هي قصر كنوسوس الذي بني للمرة الأولى في حوالي عام 1900 ق.م، ولا تجد في أي من الجزر الأخرى شيئاً يضاهيه في عظمته وأبهته.


* إيجة بحر بين اليونان وتركيا الحاليتين، من متفرعات المتوسط

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:29 PM
مينوا

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


مينوا
إن الحضارة المينوية هي التسمية التي تطلق على حضارة كريت في عصر البرونز، والتي سوف تصير لها هيمنة ثقافية على كافة منطقة بحر إيجة تقريباً، وليس لهذه التسمية معنى آخر. وهي مشتقة من اسم الملك الأسطوري مينوس، الذي قد لايكون له وجود حقيقي. لقد اعتقد الإغريق بعد ذلك بزمن طويل أو قالوا إن مينوس كان حاكماً عظيماً يعيش في كنوسوس ويتداول مع الآلهة، وإنه تزوج باسيفايه ابنة الشمس، التي ولدت وحشاً هو المينوتور، كان يلتهم الشبان والصبايا المرسلين تقدمة له من اليونان في قلب متاهة، إلى أن نجح البطل ثيزنوس أخيراً في اختراق تلك المتاهة وذبح فيها وحش المينوتور. إن هذا الموضوع غني ويوحي بالكثير، ولكن ليس من دليل يؤيد القصة، وربما كان اسم مينوس لقباً يطلق على عدد من الحكام الكريتيين.
لقد استمرت الحضارة المينوية نحو ستمائة سنة، ولكننا لا نعلم إلا الخطوط العامة لتاريخها، كانت مدنها كلها تعتمد على قصر كنوسوس، وقد ازدهرت طوال ثلاثة أو أربعة قرون، وكانت تتاجر إذا صح التعبير مع مصر وبر اليونان. في أواخر الأزمنة النيوليتية أدى تطور الزراعة إلى تحسن زراعة الحبوب في كريت وإلى زراعة الزيتون والكرمة أيضاً، ويبدو أن الجزيرة كانت في ذلك الزمان كما هي اليوم أنسب مناخاً وأرضاً حتى من بقية جزر بحر إيجة وبر اليونان لزراعة هاتين النبتتين، اللتين سوف تصير لهما أهمية كبيرة في زراعة المتوسط، فيما بعد. كانت زراعة الزيتون والكرمة ممكنة حيث لا يمكن زراعة الحبوب، وقد غير اكتشافهما إمكانيات الحياة في المتوسط، وسمح للتو بازدياد عدد السكان في كريت وأدت زيادة السكان إلى توفر إمكانيات جديدة، ولكنها اقتضت في الوقت نفسه حاجات أكبر من أجل التنظيم والحكم وتدبير زراعة أكثر تعقيداً والتصرف بالمنتجات الزراعية، وكانت كريت تصدر الصوف أيضاً.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp3-1.jpg
خريطة لجزيرة كريت تبين مدن كنوسوس وماليا وفايستس

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:30 PM
كريت القديمة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


كريت القديمة

2600- 2000 ق.م
المرحلة المينوية: أولى المدن في شرق كريت وغرف الدفن الدائرية
2000-1570 ق.م
المرحلة المينوية الوسطى: بناء أول القصور في كنوسوس وماليا وفايستس، اتصالات بمصر واليونان، تبني الكتابة التصويرية
1700-1600 ق.م
وصول اللوفيين، ظهور الكتابة الخطية (أ) ، التأثر بأسلوب بناء القصور في بحر إيجة
1570-1425 ق.م
المرحلة المينوية الوسطى إلى المتأخرة، تطور التجارة والقوة البحرية، الكتابة الخطية (أ) تحل محل الكتابة التصويرية، بناء القصور في كنوسوس وفايستُس وهاجيا تريادا
حوالي 1500- 1400 ق.م
تخرب قصر كنوسوس مرتين بسبب الزلازل وإعادة بنائه
حوالي 1300
إعادة استيطان فايسيُس وهاجيا تريادا، ظهور مستوطنات جديدة من كنوسوس في غرب كريت
حوالي 1400-1300 ق.م
مستوطنات أخائية من ميقينية تبدأ بإزاحة السكان الأصليين، استخدام الكتابة الخطية الأخائية (ب)، النار تدمر قصر كنوسوس
حوالي 1200 – 1100 ق.م
الدوريون يدمرون كنوسوس


بلغت الحضارة المينيوية ذروتها في حوالي عام 1600 ق.م، وبعد قرن واحد تقريباً دمرت قصورها، وربما كان هذا بفعل الزلازل، لأن الأبحاث الحديثة تشير إلى حدوث انفجار بركاني كبير في جزيرة ثيرا* في وقت يوافق هذا الدمار. لذلك قيل إن سبب الكارثة قد يكون موجات مدية عاتية وزلازل أصابت جزيرة كريت التي تبعد عنها حوالي سبعين ميلاً (100 كم)، تلاها هبوط غيوم من الرماد خربت حقولها. ولكن إذا كان هذا التفسير صحيحاً فإن هذه الكارثة الطبيعية إنما قصمت ظهر ثقافة واحدة ولم تكن نهاية الحضارة الباكرة في كريت، لأنها سوف تعرف أزمنة مزدهرة بعد. ورغم أن سيادة حضارتها الأصلية زالت، فإن شعباً من اليونان سوف يأتي ويسكنها لمدة قرن آخر عرفت فيه الازدهار من جديد. إلا أنها في بداية القرن الرابع عشر ق.م خربت مرة ثانية بفعل الحرائق ولم يتم بناؤها من بعدها، وهكذا تنتهي قصة حضارة كريت الباكرة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp3-2.jpg
قصر كنوسوس
بعد أكثر من ألف سنة كانت التقاليد اليونانية تقول إن كريت المينوية كانت تسيطر على بحر إيجة بفضل قوتها البحرية، ولكن هذه الفكرة قد ضخمت كثيراً، فربما كان للمينويين سفن كثيرة ولكن من المستبعد أن يبلغوا حد الاختصاص في ذلك التاريخ الباكر، ولا يمكنك في عصر البرونز أن تميز بين التجارة والقرصنة، والقرصنة المضادة. إلا أن المينويين كانوا على كل حال مطمئنين إلى الحماية التي يؤمنها لهم البحر، إذ أنهم كانوا يعيشون في مدن غير محصنة قريبة من الساحل وعلى أرض غير مرتفعة كثيراً. وقد استغلوا البحر مثلما استغلت شعوب أخرى بيئاتها الطبيعية، وحفزهم هذا الأمر على تبادل البضائع والأفكار، فكانت لهم ارتباطات وثيقة بسوريا قبل عام 1550 ق.م، وكانت بضائعهم تنقل على سواحل بحر الأدرياتيك. والأهم من هذا هو تغلغلهم في اليونان، فربما كان المينويون أهم منفذ انتقلت من خلاله بضائع وأفكار الحضارات الأولى في أوروبا في عصر البرونز. وتجد منتجات كريت في مصر أيضاً ابتداء من الألف الثانية ق.م، وتلاحظ تأثير الفن الكريتي في فن المملكة الحديثة، بل إن بعض العلماء يعتقدون أن رجلاً مصرياً كان يقيم في كنوسوس، ربما للإشراف على مصالح هامة، ويقول بعضهم أن المينويين قد حاربوا على جانب المصريين ضد الهكسوس. لقد وجدت المزهريات والبضائع المعدنية الكريتية في أماكن عديدة من آسيا الصغرى أيضاً، وكان المينويون يزودون البر بمنتجات كثير غيرها مثل الأخشاب والعنب والزيت وحتى الأفيون، وكانوا بالمقابل يأخذون المعادن من آسيا الصغرى، والمرمر من مصر، وبيض النعام من ليبيا، ولقد كان ذلك العالم عالماً نشيطاً.
لقد مكنت الثروة المينويين من العيش بأبهة، وأجمل شاهد عليها هي قصورهم، إلا أن المدن أيضاً كانت حسنة البناء ومجهزة بأنابيب تصريف مجاري محكمة. أما الإنجازات الأخرى فهي فنية أكثر منها فكرية، إذ يبدو أن المينويين قد أخذوا الرياضيات عن مصر وتركوها على حالها، وزالت ديانتهم بزوالهم من دون أن تترك شيئاً للمستقبل على ما يبدو، بينما أثر الفن المينوي في أساليب حضارات أخرى، ومازال حتى اليوم فناً بديعاً تتجلى عبقريته في صوره، وقد بلغ ذروته في الرسوم الجدارية التي تجدها في القصور والتي تتصف بحيوية وحركة مدهشتين، كما أنه أسلوب أصيل بحق قلدته شعوب ما وراء البحار في كل من مصر واليونان، وسوف يساهم هذا الأسلوب من خلال فنون القصر الأخرى أيضاً، خاصة منها فن شغل الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة في تحديد أساليب الموضة في الخارج.
يعطينا الفن المينوي أيضاً أدلة على أسلوب حياة الكريتيين، ويبدو أنهم كانوا يرتدون ملابس قليلة، فالنساء يصورن عاريات الصدر عادة والرجال حليقين، كما تجد صور الأزهار والنباتات بوفرة توحي بتقدير عفوي لنعم الطبيعة. ويبدو أن المينويين لم يجدوا العالم مكاناً منفراً. وتشهد على ثروتهم جرار الزيت الكبيرة والجميلة التي وجدت مصفوفة في قصورهم، ويظهر اهتمامهم بالراحة والجمال الأنيق بوضوح في رسوم الدلافين والزنابق التي تزين غرف ملكة مينوية. كما تدل الآثار على عالم ديني فريد لأنه ليس عالماً مرعباً، ولكن ليس بين أيدينا أية نصوص منه، ولا يمكننا أن نعرف شيئاً عن طقوسه.إنك تلاحظ كثرة مذابح القرابين والفؤوس ذات الرأسين، كما يبدو أن العبادة كانت تتمحور حول شخصية أنثوية ربما كانت إلهة خصب نيوليتية من اللواتي يظهرن المرة تلو المرة في كافة أنحاء الشرق الأدنى كتجسيد لطاقة الأنثى الجنسية، مثل عشتار وأفروديت في أزمان لاحقة. وتراها في كريت ترتدي تنّورة أنيقة، عارية الصدر، واقفة بين أسدين وممسكة بثعبانين. أما وجود إله ذكر فهو أمر غير واضح، ولكن يوحي به ظهور قرني الثور في أماكن كثيرة، والرسوم الجدارية التي تصور هذه الحيوانات النبيلة، خاصة إذا ربطناها بالأساطير اليونانية اللاحقة، لأن أوربا أم مينوس قد أغراها الإله زفس بشكل ثور، كما أن باسيفايه زوجة مينوس ضاجعت ثوراً فولدت وحش المونيتور، الذي كان نصفه ثوراً ونصفه الآخر رجلاً، هذا عدا عن طقوس القفز على الثيران، وهي طقوس غامضة ولكنها هامة. وعلى كل حال لا تبدو ديانة كريت ديانة كئيبة، إذ أن اللوحات الجدارية التي تمثل أنواع الرياضة والرقص لا توحي بشعب حزين.
أما الحكم في الحضارة المينوية فمازال أمراً غامضاً، لقد كان القصر أشبه بمركز اقتصادي، أي أنه كان مخزناً كبيراً للسلع يقوم الحاكم بإعادة توزيعها، وكان معبداً أيضاً ولكنه لم يكن قلعة، وفي فترة نضجه كان مركز بنية عالية التنظيم، ربما كانت مستوحاة من آسيا. كان المينويون يعرفون الكتابة ويحفظون السجلات، ولا نعلم شيئاً عن أدبهم، ولكننا نعلم أشياء قليلة عن إدارتهم من خلال مجموعة هائلة مكونة من آلف الرقم وجدت في القصر، وتدل على ما كانت الحكومة تطمح إليه على الأقل، أي الإشراف على الأمور إشرافاً شديداً ومحكماً لا تجد مثيلاً له إلا في إمبراطوريات آسيا وفي مصر.
مازال الكثير من تلك الرقم عصياً على القراءة، ولكننا نعلم أن أبكرها مدونة بكتابة تصويرية بعض رموزها مأخوذة من مصر، تليها مجموعة مدونة بالكتابة الخطية (أ) ثم مجموعة مدونة بالكتابة الخطية (ب). ويتفق العلماء الآن، على أن هذه الكتابة الخطية (ب) هي أول شكل مدون نملكه من اللغة اليونانية، وهي تعود للفترة بين عامي 1450 إلى 1375 ق.م تقريباً. ويوافق هذا التاريخ الأدلة التي تعطيها الآثار عن وصول وافدين جدد من البر الرئيسي، في ذلك الوقت تقريباً، نجحوا في إزاحة سكان كريت الأصليين وأشرفوا على المرحلة الأخيرة من الحضارة المينوية. ويبدو أن هذه الشعوب الوافدة تشكل هي الأخرى جزءاً من قصة الشعوب الهندية الأوروبية التي تظهر مراراً وفي أماكن كثيرة خلال تلك الحقبة الغامضة. وفي فترة لاحقة تبعهم آخرون من البر إلى كريت ونجحوا في استيطانها بعد الانهيار الأخير لكنوسوس واختفاء المينويين من تاريخ العالم.


* سانتورين الحالية

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:32 PM
الميقينيون

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الميقينيون* قبل ذلك ببضعة قرون كانت الثقافة الكريتية قد أثرت تأثيراً كبيراً في البر الرئيسي لليونان، وكانت تعيش فيه بقايا شعوب نيوليتية سماها الإغريق اللاحقون Pelasgoi ، بقيت موزعة في شمال بحر إيجة حتى عام 500 ق.م. ولكن كان قد حل محلها عندئذٍ أو غزاها شعب اعتبره الإغريق اللاحقون أجدادهم وكانوا يسمونهم ”الأخائيين”. كان الأخائيون قد وصلوا إلى سهل الأتيك وشبه جزيرة البيلوبونيز في نحو عام 2500 ق.م، وكانوا يتحدثون لغات هندية أوروبية، وكانوا رعاة غنم يحبون الحرب ويعرفون استخدام العربات، ويبدو أنهم أعطوا الرجال أهمية أكبر بكثير من النساء في المجتمع، كما كانت أصنامهم مختلفة جداً عن أصنام الديانات المتمحورة حول آلهة أنثوية كانت سائدة في الشرق الأدنى وبحر إيجة قبل وصولهم مباشرة، وكانوا برابرة بالقياس إلى الكريتيين.
لقد كان بين مستوطنات الأخائيين مستوطنة واقعة في واد بشبه جزيرة البيلوبونيز هي ميقينية، التي صارت مركز حضارة، كانت ميقينية أكثر تقدماً بكثير من كل ما ظهر قبلها في اليونان، إلا أنها أقل تقدماً من حضارة كريت المينوية، وكانت تدين لها بالكثير. وقد ظهرت هذه الحضارة في نحو عام 1600 ق.م، وانتشرت خلال خمسة أو ستة قرون في الجزء الأكبر من بر اليونان، وفي نحو عام 1300 ق.م كان الملوك الحثيون في الأناضول يكتبون إلى ملك ميقينية كرجل بارز يحرصون على التعامل معه. ولم تكن ميقينية ذات إدارة كبيرة وأرشيف معقد مثل الإمبراطوريات الشرقية، بل ربما كان لملوكها مجالس يستشيرونها مكونة من الزعماء. وتظهر الرقم التي وجدت في بيبلوس في غرب البيلوبونيز وجود ما يشبه طبقة من الموظفين وهي علامة على التأثير المينوي، ولكن ربما كان أكثر منطقية أن نعتبر المجتمع الميقيني أشبه بمجموعة من الأملاك الكبيرة، إحداها تابعة لملك من درجة بارزة من المكانة والقوة تجعل الآخرين يقبلون به سيداً عليهم، أي ربما لم يكن تنظيمها أكثر من تنظيم قبلي أو عائلي مطور قليلاً وتحت زعامة ملوك.
لم تترك الحضارة الميقينية أشياء كثيرة، عدا عن بعض الأبنية الباهرة وأغراضاً ذهبية متقنة. ولقد صار أولئك البرابرة بمرور القرون ”ميقينيين”، وكانوا أعلى حضارة من الـPelasgoi ، إلا أن الشيء الأساسي الذي بقي يميزهم إنما هو قدرتهم القتالية. وقد انتشرت مهارات ميقينية الباهرة إلى كثير من جزر بحر إيجة عندما حلت سيادة المقينيين التجارية محل سيادة المينويين في حوالي عام 1400 ق.م. وكانت صادراتهم الفخارية تحل أحياناً محل الصادرات المينوية، كما وجدت في ميقينية خرزات مصنوعة في بريطانيا من كهرمان البلطيق، وربما صارت هذه الشعوب غنية بفضل التجارة فاكتسبت أهمية تفوق حجمها، بينما كانت القوى العظمى مثل مصر والإمبراطورية الحثية تعاني من المصاعب في عصر سادت فيه هجرات الشعوب.


* أو الميسينيون the Mycenaeans وتسمية ميقينية أقرب إلى اللفظ اليوناني Mukenai وهي المتعمدة في المنجد في الأعلام

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:36 PM
الفينيقيون

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الفينيقيون من أهم الشعوب القديمة التي اشتغلت بالتجارة فينيقيو بلاد الشام، لقد كان لهم تاريخ طويل ومضطرب، وكانوا يزعمون أنهم قد وصلوا إلى صور في حوالي عام 2700 ق.م، وهو أمر مستبعد. ولكن الشيء الأكيد هو أنهم قد ثبتوا أقدامهم على ساحل لبنان الحالي في الألف الثانية ق.م، عندما كان المصريون يشترون منهم خشب الأرز. لقد كان هذا الشريط الساحلي الضيق هو قناة الاتصال التاريخية بين أفريقيا وآسيا، أما من ورائه فتقع أرض داخلية ضحلة فقيرة بالموارد الزراعية تقطعها الهضاب الممتدة من الجبال إلى البحر، بحيث كان من الصعب على المستوطنات الساحلية أن تتحد فيما بينها. ومثل عرب البحر الأحمر، صار سكان هذه المستوطنات بحارة لأن جغرافية بلادهم قد دفعتهم للتطلع نحو الخارج وليس نحو الداخل.
كان الفينيقيون ضعافاً في بلادهم، خضعوا لسيطرة قوى عديدة الواحدة تلو الأخرى، فليس من قبيل الصدفة إذن أنهم لم يبرزوا إلا بعد أن كانت أيام ازدهار مصر وميقينية والإمبراطورية الحثية قد ولت، أي أنهم قد ازدهروا أثناء تراجع سواهم، فتمتعت المدن الفينيقية بيبلوس* وصور وصيدون** بعصرها الذهبي القصير بعد زمن طويل من انقضاء سيادة المينويين في التجارة. وكانت الكتاب القدامى ومنهم كتاب العهد القديم يشددون على سمعة الفينيقيين كتجار ومستوطنين، وقد بقيت الأصبغة الفينيقية مشهورة ومطلوبة حتى الأزمنة الكلاسيكية. ولابد أن تكون الحاجة التجارية قد حفزت الابتكار لديهم، وإن أبجديتهم هي جد قديم لأبجديتنا، ولو لم يتبق لنا أدب فينيقي هام. كانت التجارة اختصاصهم، وراحوا يتخذون لأنفسهم مراكز ومستوطنات أو محطات تجارية كان غيرهم قد تاجر في بعضها، حتى صارت هناك في النهاية نحو خمس وعشرين مستوطنة على طرفي البحر المتوسط. كانت أولاها لارنكا الحالية بقبرص عند نهاية القرن التاسع ق.م، وكان أبعدها غرباً تقع مباشرة خلف مضيق جبل طارق في موقع مدينة قادش، بل إنهم قد تبادلوا البضائع مع الناس البدائيين في كورنوول***. ربما كان تأسيس هذه المستوطنات انعكاساً لأزمنة مضطربة حلت بالمدن الفينيقية من بعد استقلالها المثمر القصير عند بداية الألف الأولى. وفي القرن السابع سويت صيدون بالأرض وأخذت بنات ملك صور إلى حريم الملك الآشوري، وبذلك لم يبق من فينيقيا سوى مستوطناتها.

كان الفينيقيون والميقينيون تجار حضارة، أما المينويون فكانوا ذوي أصالة حقيقية، لأنهم لم يكتفوا بالأخذ من مراكز الثقافة الراسخة الكبرى، بل أعادوا صنع ما أخذوه قبل أن ينشروه من جديد. إلا أن هذه الشعوب كلها، الوسيطة منها والمبدعة، قد ساهمت في تشكيل عالم ما فتئ يتغير بسرعة. سوف يدفع البحث عن المعادن المستكشفين والمنقبين إلى أصقاع أبعد وأبعد، حتى إلى المجاهل البربرية في شمال أوروبا وغربها، ومابرحت التجارة تفعل فعلها البطيء، فتفتت الانعزال وتغير علاقات الشعوب بعضها ببعض وتفرض على العالم أشكالاً جديدة. ولكن ليس من السهل دوماً أن نربط هذا الأمر بالغليان الإثني في بحر إيجة أو بالتاريخ المضطرب للبر الآسيوي منذ الألف الثانية ق.م فيما بعد.
* جبيل الحالية
** صيدا الحالية
*** في أقصى جنوب إنكلترا

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:42 PM
الإمبراطورية البابلية الأخيرة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الإمبراطورية البابلية الأخيرة
بيد أن تلك العاصفة الكاسحة لم تكن نهاية تقاليد بلاد الرافدين بعد، لقد ترك انهيار آشور الهلال الخصيب عرضة لغزاة جدد، ففي الشمال اندفع الميديون عبر الأناضول إلى أن صدوا عند حدود ليديا* ، ودفعوا السقيتيين إلى وطنهم في روسيا.
واستولى أحد فراعنة مصر على الجنوب وساحل بلاد الشام ولكنه هزم على يد الملك البابلي نبوخذنصر، الذي منح حضارة بلاد الرافدين ربيعها الأخير من المجد القصير. كانت إمبراطورية نبوخذنصر آخر إمبراطورية بابلية، وكانت تمتد من السويس والبحر الأحمر وسوريا عبر بلاد الرافدين حتى مملكة عيلام القديمة، التي صارت تحكمها الآن سلالة هندية أوروبية ثانوية تدعى السلالة الأخمينية. وتكفي فتوحات نبوخذنصر لكي تخلد ذكراه كفاتح عظيم، فقد خرب أورشليم في عام 587 ق.م إثر ثورة يهودية ودمر المعبد من جديد، وأخذ سبطا يهوذا إلى الأسر في ثلاث عمليات ترحيل كبرى، ففرض عليهم السبي، وهي تجربة ساهمت مساهمة كبيرة في صياغة هويتهم، بحيث صار بإمكاننا أن نسميهم من بعدها "يهوداً" ، لأنهم أضحوا ورثة وحملة تقاليد قومية يسهل اقتفاء أثرها منذ ذلك الحين. وقد ساهم يهود السبي في تجميل عاصمة نبوخذنصر، التي بقيت حدائقها المعلقة أو سطوحها في ذاكرة الأجيال واحدة من عجائب الدنيا السبع، وكان نبوخذنصر بلا ريب أعظم ملك في زمانه.
كانت أبهة الإمبراطورية البابلية تتركز كل عام في عبادة مردوك، التي بلغت الآن ذروتها، فقد كان يقام احتفال كبير في رأس السنة تحضر فيه جميع آلهة بلاد الرافدين، الأصنام والتماثيل الموجودة في مقامات الولايات كلها، عبر الأنهار والقنوات لكي تتشاور مع مردوك في معبده وتعترف له بسيادته. وكانت تحمل في موكب كبير بشارع يبلغ طوله ثلاثة أرباع الميل(1كم) قيل أنه كان أفخم الشوارع في العالم القديم، أو ترسو من الفرات قريباً من المعبد، حيث تحمل إلى حضرة تمثال الإله مردوك، الذي قال عنه المؤرخ الإغريقي هيرودوتس بعد قرنين أنه كان مصنوعا من طنين وربع الطن من الذهب. ولا ريب أنه كان يبالغ ولكنه كان بالتأكيد تمثالاً بديعاً. كانت الآلهة تتداول مصائر العالم كله الذي كان مركزه هذا المعبد وترسمها لسنة أخرى. وعلى هذه الصورة كانت الثيولوجيا انعكاساً لحقيقة سياسية، لأن إعادة تمثيل دراما الخلق كانت مصادقة على سلطة مردوك الأبدية وملكية بابل المطلقة، وكان الملك يحمل مسؤولية ضمان النظام في العالم فكان بالتالي يتمتع بالسلطة اللازمة لذلك.
كانت تلك آخر مراحل ازدهار تقاليد بلاد الرافدين المديدة. لقد ضاعت ولايات على عهد خلفاء نبوخذنصر، ثم حصل غزو في عام 539 ق.م عن يد فاتحين جدد من الشرق يسمون الفرس، فكان الانتقال من العظمة والأبهة إلى الذل والخراب انتقالاً سريعاً، يوجزه سفر دانيال من العهد القديم في مشهد ختامي رائع هو وليمة بَلَشَصَّر* وهي رواية لم تكتب إلا بعد ذلك بنحو ثلاثمائة عام كما أنها مغلوطة في حقائق هامة ** إلا أن وراء نبرتها المشددة حقيقة درامية ونفسية جوهرية. فإذا كان لقصة العصور القديمة نقطة تحول فإنما هي هذه النقطة، إذ زالت تقاليد بلاد الرافدين المستقلة التي تعود إلى أيام سومر، وأمسينا على عتبة عالم جديد***.


* بلد قديمة في غرب آسيا الصغرى تركيا الحالية على بحر إيجة
* " وفي تلك الليلة قتل بلشصر ملك الكلدانيين، وأخذ الملك داريوس الميدي" (سفر دانيال 5/30-31)
** يشرح المؤلف في كتابه الأكبر أن بلشصر لم يكن ابن نبوخذ نصر ولا خليفته، وأن الملك الذي أخذ بابل كان قورش
*** يقتبس المؤلف أيضاً في الكتاب الأكبر " اقعدي صامتة وادخلي في الظلام، يا بنت الكلدانيين، فإنك لا تدعين سيدة الممالك بعد" (أشعيا 47/5)

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:43 PM
الدوريون

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الدوريون
كان الغزاة الجدد يتحدثون أشكالاً من اللغة اليونانية، وقد تقسموا إلى أحزاب غازية كثيرة ومجموعات صغيرة من المستوطنين، وساعدت اللغة العلماء على اقتفاء بعض تحركاتهم، وبالأخص تحركات الشعب الذي بات مسيطراً على جنوب شبه جزيرة البيلوبونيز والذي سمي فيما بعد لاكونيا. دعي هؤلاء بالدوريين، الذين تابعوا تقدمهم من البر الرئيسي فاستوطنوا رودس وكوس وكريت وغيرها من الجزر، ويستدل على أماكن تقدمهم من خلال لهجتهم. وتشير الأدلة اللغوية إلى أن إيونيا*أي الساحل الجنوبي الغربي لآسيا الصغرى، كانت على الأرجح مستوطنة من قبل مجموعة مختلفة عنهم هي جماعة من الأخائيين الذي فروا من وسط اليونان والبيلوبونيز بعد أن طردهم الدوريون. لقد كانت هجرات الشعوب توسع العالم الإغريقي إذاً، ولكن يبدو أن الوافدين الجدد في بعض الأماكن، خصوصاً في سهل الأتيك، لم يكونوا هم المسيطرين – إذا حكمنا ثانية من خلال اللغة- ولو أن الحكم الميقيني قد اختفى. والحقيقة أن تلك الشعوب القبلية لم تصل إلى حوض بحر إيجة بهوية إغريقية، بل إنها صارت إغريقية بحكم وجودها هناك واشتراكها بخبرة واحدة ضمن تلك المنطقة.
من الصعب أن نرتب الأحداث بحسب تسلسل زمني معين، أو نعرف تفاصيلها وأسبابها، حتى عام 700 ق.م تقريباً، إلا أن نتيجتها واضحة، وهي أن المتحدثين باللغة اليونانية قد تشتتوا في جماعات عديدة نشأت منها في زمن لاحق عشرات المدن الإغريقية حول بحر إيجة. كانت لاكونيا وسهل الأتيك تتميزان بوجود مناطق تضم مدناً عديدة تحت حكم واحد، أما الجماعات الأخرى فكانت كلها صغيرة، بل صغيرة جداً، ومستقلة. أي أنها ذات حكم ذاتي autonomous -وهي كلمة يونانية- وليست أجزاء في إمبراطورية آخرين. وقد نمت بعض تلك المدن خلال عصور الظلام حتى صار فيها عشرة آلاف شخص أو أكثر، وكان فيها عادة مكان مرتفع أو Acropolis كمركز للمدينة ومكان لمقامات آلهتهم وهي فكرة نشأت في آسيا قبل ذلك بقرون عديدة، وكان يحكمها في العادة ملوك كان أولهم على الأرجح زعماء جماعات محاربة أو عصابات من القراصنة، ثم حلت محلهم فيما بعد مجالس مكونة من أهم أصحاب الأراضي.

* ومنها أتت تسمية اليونان بالعربية – المترجم نقلاً عن الموسوعة البريطانية

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:45 PM
الإمبراطوريات والشعوب في بر الشرق الأدنى

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الإمبراطوريات والشعوب في بر الشرق الأدنى
في تلك الأثناء بقيت قصة الشرق الأدنى لزمن طويل قصة صراعات على ثروة تزداد رويداً رويداً في أبرز منطقة زراعية في العالم القديم، ولم يكن في الصحارى والسهوب من حولها موارد تقارن بما فيها. وما انفك الغزاة يأتون الواحد بعد الآخر يدفعهم الحسد والجشع، فيتركون وراءهم أحياناً جماعات جديدة، ويؤسسون أحياناً دولاً جديدة تحل محل الدول التي أطاحوا بها. ولم يكن الناس في تلك الأزمنة المضطربة قادرين على فهم ما يجري، بل كانت المصائب تحل بهم من حيث لا يدرون، فتحرق بيوتهم أو تغتصب زوجاتهم وبناتهم أو يؤخذ أبناءهم أرقاء. أو قد تكون المتاعب أهون من هذا، كأن يأتي حاكم جديد يفرض عليهم ضرائب أعلى، ولا ريب أن أحداثاً كهذه تسبب هزات كبيرة. ولكن من ناحية أخرى لابد أن يكون الملايين من الناس قد عاشوا في تلك الأزمان من دون أن يشعروا بتغير هام في حياتهم، إلا أن يصل إلى قريتهم أول سيف أو منجل حديدي، ومن دون أن يساورهم أدنى شك بالأفكار والمؤسسات التي ظلت على حالها أجيالاً كثيرة. لقد كان الغزاة يواجهون مراكز راسخة في الحكم والسكان، وبنى سياسية قوية ومديدة، وتنظيمات هرمية كثيرة من المختصين بشؤون الإدارة والدين والمعرفة، لذلك لم يكن بإمكانهم أن يقضوا عليها مثلما قضى الغزاة على البنى التي كانت قائمة في منطقة بحر إيجة. لاريب أن هذه المنطقة قد عرفت مقداراً كبيراً من الدينامية والعنف أثناء انتقالها من عصر البرونز إلى عصر الحديد، ولكن لا يجوز أن نبالغ في تأثير هذه العوامل على البنى الراسخة.
الحثيون
نحو بداية الألف الثانية ق.م وصل شعب هندي أوروبي آخر هو الشعب الحثي إلى آسيا الصغرى، واستقر في الأناضول بينما كانت الحضارة المينوية تبلغ أعظم انتصاراتها. ولم يكن الحثيون شعباً بدائياً، بل كان لهم نظام قضائي خاص بهم، وسرعان ما تعلموا الكثير من بابل، وقد نعموا باحتكار طويل للحديد في آسيا، وبفضل هذا المعدن فضلاً عن مهارتهم في التحصين والتحكم بالعربة صاروا وبالاً على مصر وبلاد الرافدين. لقد شنوا على بابل غارة قصمت ظهرها في حوالي عام 1590 ق.م، وكانت تلك أعلى ذروة بلغتها الإمبراطورية الحثية الأولى، ثم مروا بمرحلة غامضة من الانحسار قبل أن تعود قوتهم لتبزغ من جديد في النصف الأول من القرن الرابع عشر، وامتدت هيمنتهم لفترة من الزمن من سواحل المتوسط إلى الخليج الفارسي، فسيطروا على الهلال الخصيب كله ماعدا مصر. إلا أن إمبراطوريتهم انهارت مثل غيرها من الإمبراطوريات القديمة، وكانت نهايتها حوالي عام 1200 ق.م.
ولم يعد الحثيون في ذلك الحين ينعمون باحتكار الحديد، بل إن استخدامه كان قد شاع بحلول عام 1000 ق.م، في كافة أنحاء الشرق الأدنى، ولاريب أن انتشاره هذا قد تم بفضل قدوم موجات جديدة من الشعوب الهندية الأوروبية التي راحت ترمي الاضطراب في كل مكان. ونلاحظ تقارباً واضحاً بين زمن انهيار آخر قوة حثية على يد شعب من تراقيا اسمه الشعب الفريجي، وبين هجمات شعوب البحر المدونة في السجلات المصرية. لقد كانت شعوب البحر هذه علامة جديدة من علامات الاضطراب، فقد كانوا مسلحين بالحديد، وراحوا منذ بداية القرن الثاني عشر ق.م يغزون شرق المتوسط مخربين المدن في سوريا وساحل بلاد الشام، وربما كان بعضهم لاجئين من ميقينية، إذ كان هناك أخائيون بين الذين اشتركوا في الهجمات على مصر عند نهاية القرن، ويبدو الآن أن غزوة قاموا بها في حوالي 1200 ق.م هي التي خلدت باسم حصار طروادة. ثمة جماعة من تلك الشعوب الهائمة استقرت في كنعان، أي في الأرض الواقعة بين البحر الميت والغرب في حوالي عام 1175ق.م، ومازالت ذكراهم محفوظة في اسم حديث مشتق من اسمهم هو فلسطين*. بيد أن أكبر ضحايا شعوب البحر هذه إنما كانت مصر، بل إنهم قد نجحوا في إحدى المرات في انتزاع دلتا النيل من قبضة فرعون.
لقد كانت مصر تعيش أياماً عصيبة في بداية القرن الحادي عشر، فتمزقت لفترة من الزمن وراحت تتنازعها مملكتان. ولم تكن شعوب البحر عدوها الوحيد، إذ يبدو أن أسطولاً ليبياً قد غزا الدلتا، كما نشأت في السودان مملكة مستقلة في حوالي عام 1000 ق.م سوف تكون مصدر متاعب في المستقبل، ولو أن المصاعب لم تكن قد ظهرت على حدود النوبة بعد. وهكذا كانت موجات الشعوب البربرية تبلي البنى الإمبراطورية القديمة مثلما أبلت اليونان الميقينية من قبلها.
العبرانيون
في خضم هذه الاضطرابات كلها وقع في الغالب حدث لا نعرف تاريخه ولا نعلم عنه إلا من خلال تقاليد دونت بعدة قرون عديدة. هذا الحدث هو هروب شعب من مصر كان المصريون يسمونهم العبرانيون، وصار العالم بعد ذلك بزمن طويل يسميهم يهوداً. ولا تجد شعباً استطاع بمثل هذه الأصول الزهيدة والأعداد الضئيلة أن يحدث مثل تأثيرهم الكبير في التاريخ، فالحقيقة أن ميراث اليهود سوف يغير العالم.
تعود أصول هذا الشعب إلى الشعوب السامية، وهي شعوب بدوية من شبه الجزيرة العربية لا نعرف عنها الكثير، كان أجدادها عبارة عن قبائل مختلفة تتغلغل في منطقة الهلال الخصيب منذ أزمنة ما قبل التاريخ. ويبدأ تاريخ اليهود التقليدي بعصر الآباء الأولين، الذي تجسده قصص الكتاب المقدس عن إبراهيم وإسحق ويعقوب، ويحتمل أن تكون أصول هذه الشخصيات الأسطورية العملاقة رجالاً حقيقيين. فإذا وجدوا بالفعل فإن تاريخهم يبدأ في نحو عام 1800 ق.م، ضمن الاضطراب الذي حل بعد نهاية أور، التي يخبرنا العهد القديم أن إبراهيم قد أتى منها إلى كنعان، وهي قصة معقولة تماماً. وقد صار أحفاد إبراهيم يعرفون في النهاية بالعبرانيين، وهو تحريف لكلمة تعني الهائمين تظهر للمرة الأولى في الكتابات والنقوش المصرية في القرن الرابع عشر أو الثالث عشر ق.م، أي بعد استقرارهم الأول في كنعان بزمن طويل. إن تسمية العبرانيين هي على الأرجح أفضل تسمية نطلقها على القبائل التي نتحدث عنها الآن، أما تسمية اليهود فيفضل الاحتفاظ بها لمرحلة لاحقة.
يصور الكتاب المقدس شعب إبراهيم في البداية بصورة قبائل من الرعاة تتنازع مع جيرانها وأقربائها على الآبار والمراعي، وماتزال ضعيفة يدفعها القحط والجوع في أرجاء الشرق الأدنى. ولا يمكن أن يكون لديها ما يميزها عن سواها من قبائل البدو الرحل. ثمة مجموعة منهم في الكتاب المقدس تسمى عائلة يعقوب يحكى أنها رحلت إلى مصر ربما في بداية القرن السابع عشر ق,م، ومع تقدم القصة نتعرف على يوسف، الابن العظيم ليعقوب، الذي بلغ مرتبة عالية في خدمة فرعون. فإذا رجعنا إلى السجلات المصرية وجدناها تشير إلى حدوث اضطرابات واسعة أثناء سيطرة الهكسوس، ربما تفسر بلوغ رجل أجنبي مثل هذه المكانة البارزة في البيروقراطية المصرية، لأن هذا الأمر لم يكن مألوفاً في الأزمنة العادية. ولكن من المؤسف أن لا دليل يؤكد هذه القصة أو ينفيها، إذ ليس بين يدينا إلا التقاليد، كما هي الحال في كافة التاريخ العبري حتى عام 1200 ق.م تقريباً. ولكن كتب العهد القديم التي تروي هذه التقاليد لم تأخذ شكلها الحالي حتى القرن السابع ق.م أي ربما بعد ثمانمائة سنة من قصة يوسف، وإن فيها عناصر أقدم حتى من ذلك. وما كان شيء من هذا ليهم أحداً من الباحثين سوى اليهود، لو لم تقع فيما بعد أحداث تكمن جذورها في الرؤية الدينية الفريدة لهذا الشعب الصغير، الذي يصعب تمييزه عن غيره من شعوب المنطقة.
كان العبرانيون على ما نعلم أول شعب توصل إلى مفهوم مجرد الله بل إنهم صاروا يمنعون صنع صور تمثله، لقد كانت تجري في الشرق الأدنى القديم أحداث معاصرة تقريباً قيل إنها جعلت الرؤى الدينية التوحيدية أكثر جاذبية، وهو رأي معقول جداً، إذ راحت الاضطرابات والكوارث الكبرى تحل بشعوب المنطقة المرة تلو المرة من بعد الإمبراطورية البابلية الأولى، ولابد أن يكون هذا الأمر قد أوهن الثقة بحماية الآلهة المحلية. وقد اعتبرت كل من تجديدات أخناتون الدينية والتشديد المتزايد على عبادة مردوك في بلاد الرافدين محاولات استجابة لهذه التغيرات. إلا أن العبرانيين وحدهم قد توصلوا إلى توحيد متماسك لا مهادنة فيه، اكتملت عناصره الأساسية في القرن الثامن ق.م. كانت أولى الديانات العبرية تؤمن على الأرجح بوجود آلهة عديدة مثلها مثل غيرها من الشعوب السامية، ولكنها أحادية العبادة، أي أن القبائل العبرانية كانت تعبد إلهاً واحداً فقط هو إلهها الخاص. ثم تطور ذلك الأمر إلى فكرة أن شعب إسرائيل، وهو الاسم الذي صار يعرف به سبط يعقوب، يدين بالولاء الحصري لإله سبطه يهوه. كان يهوه إلهاً غيوراً، عقد عهداً مع شعبه بأن يعيده إلى الأرض الموعودة، إلى كنعان التي كان قد أتى إليها بإبراهيم من أور. وكانت فكرة العهد هذه فكرة رئيسية جداً طمأنت إسرائيل على أنها إذا حققت أمراً معيناً فسوف تنال النتيجة التي تبغيها.


* يقصد الفلسطينيين القدامى the philistines

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:48 PM
أولى الديانات التوحيدية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


أولى الديانات التوحيدية
إن رغبة يهوه بألا يعبد سواه هي التي مهدت الطريق أمام التوحيد، فجاء زمان لم يعد فيه أبناء إسرائيل يشعرون بأي احترام نحو الآلهة الأخرى. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل كانت طبيعة يهوه متميزة منذ زمن باكر، وكان المظهر البارز لعبادته هو ألا تصنع له أية صورة محفورة. كان يظهر أحياناً مثل آلهة أخرى في مكان إقامة دائم مثل معبد مصنوع باليد، أو حتى في تظاهرات الطبيعة، ولكن مع تطور ديانة إسرائيل صار يهو يعتبر إلها متسامياً وكلي الوجود: ”أين أذهب من روحك، وأين أهرب من وجهك؟” (المزمور 139/7)*كما كانت أعمال يهوه الخلاقة صفة أخرى تميز التقاليد اليهودية تميزاً حاداً عن تقاليد بلاد الرافدين الأسبق. صحيح أن كليهما يصور أصول الإنسان من هيولى مائية، إذ يقول سفر التكوين:” وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام”**، ولكن عند أهل بلاد الرافدين كانت هناك في الأصل مادة ما وكل ما فعلته الآلهة إنما هو إعادة ترتيبها، أما عند العبرانيين فكان الأمر مختلفاً لأن يهوه قد خلق الهيولى نفسها. كان يهوه عند إسرائيل هو ما وصفته المعتقدات المسيحية اللاحقة، بـ” صانع كل شيء، الذي به صنعت الأشياء كلها”. وقد صنع الإنسان على صورته وكرفيق له لا كعبد، فكان الإنسان ذروة كشف يهوه عن طاقته الخلاقة، وكائناً قادراً على معرفة الخير من الشر، مثل يهوه نفسه، ويعيش في عالم تحكمه أخلاق وضعتها طبيعة يهوه، لأنه وحده صانع الحق والعدل.
تتضمن هذه الأفكار أشياء سوف تحتاج قروناً طويلة لكي تتضح وتبزغ، من بعد أن كانت في البداية مغمورة ضمن خرافات مجتمع قبلي يبحث عن تأييد إلهه في الحروب والنكبات. لقد شددت التقاليد اليهودية اللاحقة تشديداُ كبيراً على الهجرة العجائبية من مصر، وهي قصة تسيطر عليها شخصية بطل غامض هو موسى. وكانوا العبرانيون عندما وصلوا إلى كنعان مجمعين على الأرجح حول عبادة يهوه، ويبدو أن قصة الكتاب المقدس التي تروي تجوالهم في سيناء تعكس الزمن الحاسم الذي صيغ فيه وعيهم القومي الأول هذا. ولكن مرة أخرى ليس بين أيدينا سوى تقاليد الكتاب المقدس التي دونت بعد ذلك بزمن طويل. من المعقول أن يكون العبرانيون قد هربوا أخيراً من الظلم القاسي في بلد أجنبية حيث كانت تفرض عليهم أعباء السخرة من أجل تنفيذ أشغال البناء الكبرى. إن اسم موسى هو اسم مصري، ومن المحتمل أن تكون هناك شخصية تاريخية وراء هذا القائد الأسطوري العظيم الذي يسيطر على قصة الهجرة في الكتاب المقدس ويجمع شمل العبرانيين في البرية. في الرواية التقليدية يؤسس موسى القانون عندما ينزل بالوصايا العشر بعد مقابلته ليهوه، وقد كانت هذه مناسبة تجديد للعهد بين يهوه وشعبه في جبل سيناء، ولعلها تمثل عودة هذا الشعب البدوي إلى تقاليده بعد أن تآكلت عبادته بالإقامة الطويلة في دلتا النيل، إلا أن الوصايا نفسها لا يمكن أن تنسب إلا لزمن متأخر جداً عن زمن حياة موسى.

بالرغم من هذا يجب علينا أن نعامل رواية الكتاب المقدس باحترام لأن فيها أشياء كثيرة يمكن ربطها بمصادر أخرى، وأخيراً يأتي عالم الآثار لنجدة المؤرخ مع وصول العبرانيين إلى كنعان. إن قصة الفتح المروية في كتاب يشوع تتناسب مع الأدلة التي نملكها على خراب المدن الكنعانية في القرن الثالث عشر ق.م، كما أن ما نعرفه عن الثقافة والديانة الكنعانية يتوافق مع رواية الكتاب المقدس عن صراعات العبرانيين ضد العبادات المحلية وتعدد الآلهة المتفشي في كل مكان. وقد بقي هذان التقليدان الدينيان يتنازعان فلسطين طوال القرن الثاني عشر ق.م، ويبدو أيضاً أن العبرانيين قد اجتذبوا دعم قبائل بدوية أخرى قبلت عبادة يهوه، ورغم أنها بقيت تتنازع فيما بينها بعد استقرارها فقد ظلت على عبادته، فكان هو القوة الوحيدة التي تؤلف بينها، لأن التقسيمات القبلية كانت المؤسسات السياسية الوحيدة عند شعب إسرائيل.
* ترجمة دار المشرق - بيروت
** نفس المصدر السابق

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:56 PM
العصر الأخير لإمبراطورية بلاد الرافدين

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


العصر الأخير لإمبراطورية بلاد الرافدين
دخلت تقاليد حضارة بلاد ما بين النهرين آخر عصور ازدهارها في القرن الثامن؛ وكانت مدينة نينوى الواقعة على القسم العلوي من نهر دجلة قد حلت محل عاصمة آشور القديمة وصارت مركزاً سياسياً مثلما كانت بابل من قبلها. واستطاعت الإمبراطورية الآشورية الجديدة أن تعيد النظام من بعد الاضطراب الكبير الذي حل إثر انهيار سلطة الحثيين. ويحدثنا العهد القديم عن هجوم الجيوش الآشورية على الممالك السورية واليهودية المرة تلو المرة إلى أن غزتها، وقد عانى الخاسرون الأمرين. ولم تكن الإمبراطورية الآشورية تعتمد على إخضاع الملوك والبلاد، بل كانت تطيح بالحكام المحليين وتضع مكانهم حكاماً آشوريين، وكثيراً ما كانت تجرف الشعوب أيضاً مثل أسباط إسرائيل العشرة، في عملية إبعاد جماعية.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp3-4.jpg
تطور إمبراطورية آشور التاريخي
واستولت الجيوش الآشورية على بابل في عام 729 ق.م، ثم مالبثت أن قامت بتدمير إسرائيل كما غزت مصر وضمت إليها دلتا النيل، وكانت قبرص عندئذٍ قد استسلمت لحكم الآشوريين، وكان هؤلاء قد غزوا سيليزيا* وسوريا أيضاً. وأخيراً في عام 646 ق.م حصل آخر غزو هام، وهو غزو جزء من أرض عيلام**، وأكره ملوكها على جر عربة الفاتح الآشوري عبر شوارع نينوى. وهكذا صار هناك الآن نظام موحد من الحكم والقانون يتخلل أكثر الشرق الأدنى، ووهنت الإقليمية بفعل تقدم الجيوش وترحيل الشعوب ضمنه، وانتشرت الآرامية التي كانت منذ زمن طويل لغة التفاهم في سوريا وبلاد الرافدين لتصبح لغة مشتركة للشرق الأدنى.
إن هناك صروحاً لا تنكر عظمتها تشهد على القوة الخلاقة للإمبراطورية الآشورية، فقد بني قصر كبير عند نهاية القرن الثامن من خرساباد قرب نينوى تبلغ مساحته أكثر من كيلو متر مربع وتزينه نقوش بارزة تمتد على مسافة تزيد عن 1.5 كم وكانت غنائم الغزو تمول بلاطاً غنياً وبديعاً. كما خلف آشوربانيبال 668-626 ق.م صروحه الخاصة، منها مسلات نقلت من طيبة إلى نينوى، ومجموعة كبيرة من الرقم التي صنعت لمكتبته، فقد كان رجلاً يحب الثقافة والآثار القديمة, وقد جمع نسخاً من كل ما وجده من سجلات بلاد الرافدين القديمة، وإليه ندين بجزء كبيرة من معرفتنا بأدب تلك البلاد، وهذا ما يمكننا من الولوج إلى الأفكار التي حركت هذه الحضارة بسهولة أكبر من سابقاتها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp3-5.jpg
آشوربانيبال في رحلة صيد
كان التصوير المتكرر للملوك الآشوريين بشكل صيادين جزءاً تقليدياً من صورة الملك المحارب، وربما كان أيضاً محاولة مقصودة لإظهارهم أبطالاً مثل الأبطال الأسطوريين الذين قهروا الطبيعة في الماضي السومري السحيق. إلا أن النقوش الحجرية البارزة التي تخلد المآثر العظيمة للملوك الآشوريين تكرر أيضاً بصورة رتيبة قصة أخرى، هي قصة النهب والاستعباد والإعدام على الخازوق والتعذيب، وأخيراً الحل النهائي المتمثل بالرحيل الجماعي. لقد كانت الإمبراطورية الآشورية ترتكز على أساس من الوحشية، وكان جيشها يجند تجنيداً إلزامياً ومسلحاً بأسلحة حديدية، وكان قوة متماسكة مؤلفة من وحدات منسقة، فيما بينها، وفيه سلاح حصار قادر على اختراق الأسوار التي كانت منيعة من قبله، بل كان فيه أيضاً بعض الخيالة المدرعين. وربما كانت فيه حمية دينية خاصة، لأنك ترى الإله آشور يحلق فوق الجيوش وهي ذاهبة إلى المعركة، وإليه كان الملوك يروون انتصاراتهم على الكفرة.

إلا أن هذه الإمبراطورية الآشورية سرعان ما كسفت، ولعلها ألقت على كاهل أبنائها حملاً تنوء به طاقة البشر. لقد راحت تنهار منذ العام الذي تلا موت أشوربانيبال، فثار البابليون وساندهم الكلدانيون فضلاً عن جار جديد هو مملكة الميديين، التي كان دخولها مسرح التاريخ علامة على تغير هام. كان الميديون منشغلين لزمن طويل بشعب بربري آخر من الشمال هو الشعب السقيتي الذي تدفق إلى إيران من القوقاز، كما تدفق في الوقت نفسه على طول ساحل البحر الأسود نحو أوروبا، كان السقيتيون خيالة خفاف الحركة يقاتلون بالقوس من على ظهور الخيل، ويعتبر ظهورهم بمثابة إعلان عن نشوء قوة جديدة في تاريخ العالم، هي الشعوب البدوية القادمة من آسيا الوسطى. لقد دفع السقيتيون شعوباً أخرى أمامهم بينما كان آخر الوحدات السياسية المبنية على السكان القوقازيين الأصليين في الشرق الأدنى تنهار أمامهم وأمام الميديين والأشوريين، وعندما ضم السقيتيون والميديون قواهم تمكنوا من التغلب على آشور أيضاً، فزالت من التاريخ ونهب الميديون نينوى في عام 612 ق.م.
* منطقة في جنوب غربي بولندا
** في إقليم خوزستان بغرب إيران

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:57 PM
بزوغ فارس

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


بزوغ فارس
بحلول منتصف الألف الأولى ق.م تكون قطعت أكثر من نصف قصة الحضارة من ناحية الطول الزمني. كان العالم القديم المؤلف من حضارات متميزة جداً قد أفسح المجال لعالم جديد صارت فيه رقعة أكبر فأكبر من هذه المنطقة تشترك بحكومات مديدة وتقنية وديانة منظمة وحياة مدن، وراحت تتغير بصورة متسارعة مع زيادة تفاعل التقاليد المختلفة فيها. وتظهر التغيرات في الأشياء الصغيرة كما تظهر في الكبيرة، ففي القرن السادس حفر مرتزقة إغريق في الجيش المصري نقوشاً على أرجل التماثيل العملاقة في أبي سنبل التي تبعد أكثر من 1000 كم على القسم العلوي من النيل، مثلما حفر جنود إنكليز شعاراتهم وأسماءهم في صخور ممر خيبر بعد ذلك بألفين وخمسمائة سنة، وكانت أنماط الشرق الأدنى المتميزة فيما مضى قد اختلطت تماماً بسب الاندفاع العسكري والاقتصادي لأهل بلاد الرافدين وخلفاءهم، وبسبب هجرات الهنود الأوروبيين، وقدوم الحديد وانتشار الكتابة. وكانت أعظم اضطرابات هجرات الشعوب القديمة قد ولت عندما بزغ الشرق الأدنى من أواخر عصر البرونز، وسوف تكون البنى السياسية التي تركوها هي محركة الأحداث في المرحلة التالية من تاريخ العالم.
لقد ولى زمان بعض الشعوب، ومنها شعب مصر، التي مرت بعد عام 1000 ق.م بانحسار يدل على عجزها عن التغير والتأقلم. كانت نجاتها من أولى هجمات الشعوب التي تستخدم الحديد وطرد شعوب البحر آخر انتصارات المملكة الحديثة، ومن بعدها صارت العلامات كلها تدل على التقهقر والتراجع، ففي الداخل راح الملوك والكهنة يتنازعون السلطة، وفي الخارج لم تعد سيادتها إلا وهماً. لقد مرت بمرحلة من تنافس السلالات، ثم تلتها فترة قصيرة من الوحدة سمحت بوصول جيشها إلى فلسطين من جديد، ولكن عند نهاية القرن الثامن كانت سلالة من الغزاة الكوشيين قد رسخت قدميها فيها. ثم طرد الآشوريون تلك السلالة من مصر السفلى في عام 671 ق.م، ونهب آشوربانيبال مدينة طيبة، وعند انحسار قوة الآشوريين عادت لمصر مرحلة وهمية ثانية من الاستقلال. في ذلك الحين كان قد ظهر عالم جديد اضطرت مصر أن تتنازل له تنازلات أوسع من الصعيد السياسي، ويدل على هذا تأسيس مدرسة للمترجمين الإغريق ومستوطنة إغريقية للتجارة ذات صلاحيات خاصة في الدلتا. بعد ذلك هزمت مصر من جديد في القرن السادس على يد نبوخذنصر أولاً 588 ق.م وبعدها بستين سنة 525 ق.م على يد الفرس، وظلت منذ القرن الرابع ق.م حتى القرن العشرين الميلادي تحت حكم أجنبي أو سلالات مهاجرة، وزالت من واجهة التاريخ.
يعرف الحاكم الذي أطاح ببابل ومصر معاً باسم قورش ملك فارس، ولا تظهر كلمة إيران حتى عام 600 ميلادي تقريباً، وهي تعني بأقدم أشكالها أرض الآريين، ويبدأ تاريخ فارس قبل هذا بقرون قليلة عندما اندفعت إليها قبائل آرية آتية من الشمال. من بين الوافدين الجدد كانت هناك قبيلتان تتميزان بالقوة والبأس، هما الميديون والفرس، فقد تقدم الميديون نحو الغرب والشمال الغربي إلى ميديا، بينما كان الفرس قد تحركوا جنوباً نحو الخليج وثبتوا أقدامهم على طرف وادي دجلة وفي أرض عيلام القديمة، وأطلق على مملكتهم الحديثة اسم قديم هو فارس.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 03:59 PM
الأباطرة الأخمينيون

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الأباطرة الأخمينيون
كان قورش متحدراً من أسرة تسمى الأسرة الأخمينية، وهو أول رجل فارسي بقي في ذاكرة الأجيال كشخصية تاريخية عالمية اعترف بمكانتها الفاتحون الآخرون الذين سعوا للتشبه به في القرون التالية. في عام 549 ق.م قهر قورش آخر ملوك الميديين المستقلين، فتمكن من صنع مملكة موحدة، ومنذ ذلك الحين راحت حدود الغزو تمتد إلى أن شملت أكبر إمبراطورية عرفت حتى ذلك الزمان. ولم يصعب على قورش أن يثبت حدوده إلا في الشرق، حيث عبر جبال هندوكوش وقتل أخيراً وهو يحارب السقيتيين، ويدين نجاحه بالكثير لغنى مملكته بالمعادن، خاصة بالحديد، كما أن المراعي العالية للوديان كان تحوي مؤونة وافرة من الخيل والخيالة. وكانت حكومته مختلفة الأسلوب عن سابقاتها، فلم يعد الفن الرسمي يعبر عن الافتخار بالأعمال الوحشية، بل كان قورش حريصاً على مراضاة رعاياه الجدد. وتجد بعض الأمور التي تدل على رغبته في مصالحتهم، فقد حاول التعويض عن استيلائه على ملكية بابل بالتضرع لحماية الإله مردوك، كما أنه استهل بناء المعهد في أورشليم للمرة الثالثة. ولم يطلب من حكام الولايات إلا جباية الجزية التي كانت تغذي خزانة فارس، وكانت ثمرة هذا كله إمبراطورية متنوعة ولكنها قوية.
ورغم أن هذه الإمبراطورية قد مرت بانتكاسات كثيرة فإنها ظلت طوال قرنين تقريباً إطاراً للشرق الأدنى، والذي استمر السلام فيه فترات طويلة لم يعهدها منذ زمن بعيد. وقد قام ابن قورش بضم مصر إلى إمبراطوريته، ولكن ظهر رجل ادعى الحق بالعرش وشجعت مساعيه الميديين والبابليين محاولة منهم لاستعادة استقلالهم، ومات ابن قورش قبل أن يتمكن من معالجة أمره. وكان الرجل الذي أحيى ميراث قورش شاباً ادعى أنه هو أيضاً من سلالة الأخمينيين، ألا وهو داريوس.
لقد حكم داريوس بين عامي 522-486 ق.م، ولم يحقق كل ما كان يصبو إليه، إلا أنه زاد الإمبراطورية اتساعاً على اتساع. لقد عجز مثلما عجز قورش من قبله عن إحراز تقدم ضد السقيتيين، ولكن أعماله ضاهت أعمال قورش العظيم نفسه. وقد نقش على الصرح الذي يخلد انتصاراته على المتمردين كتابة: "أنا داريوس الملك العظيم، ملك الملوك، ملك فارس"، وهو تكرار للقب أخميني متكبر قديم تبناه داريوس. وازداد انتقال السلطة من المركز إلى الولايات مع تقسيم الإمبراطورية إلى عشرين ولاية، يحكم كلاً منها حاكم يسمى "مرزباناً" يكون أميراً من العائلة المالكة أو من كبار النبلاء. وكان هناك مفتشون ملكيون يراقبون عملهم أمانة سر ملكية تراسلهم. وصارت الآرامية لغة الإدارة. كان الحكم يعتمد على اتصالات لم يعرف خير منها فيما مضى، وقد بنيت طرق كان بالإمكان نقل الرسائل عبرها بسرعة 250 كم في اليوم أحياناً.
لقد وضع داريوس مخطط عاصمة جديدة في برسيبوليس حيث دفن في النهاية، وكان الغرض منها تقديم التمجيد العظيم للملك، وقد عكست تنوع الإمبراطورية وعالميتها. كانت العمالقة الآشورية والثيران والأسود ذوات الرؤوس البشرية تحرس بوابات برسيبوليس مثلما حرست بوابات نينوى من قبلها. أما عواميدها التزيينية فهي اختراع مصري أخذته فارس عن طريق الحجارين والنحاتين الإيونيين، كما تجد تفاصيل إغريقية في النقوش البارزة وفي الزينة. وتجد مزيجاً مماثلاً من الملامح الأجنبية في المدافن الملكية القريبة التي تذكر بوادي الملوك في مصر.
كانت الحضارة الفارسية منفتحة دوماً على التأثيرات الخارجية، وقد امتزجت الديانتان الفيدية والفارسية في قندهار Gandhara* وكلتاهما ديانة آرية. كان جوهر الديانة الفارسية هي القرابين، وكان محورها النار؛ وفي عصر داريوس كانت أكثر عباداتها الرسمية تقدماً قد تطورت إلى ما سمي بالزرادشتية، التي انتشرت بسرعة في غرب آسيا مع انتشار الحكم الفارسي. ولم تكن الزرادشتية على الأرجح إلا ديانة أقلية، ولكنها سوف تؤثر في كل من اليهودية وعبادات الأسرار التي تشكل جزءاً كبيراً من البيئة التي نشأت فيها المسيحية، فالملائكة في التقاليد المسيحية ونار جهنم التي تنتظر الأشرار قد أتت كلها من زرادشت مؤسس هذه الديانة. إلا أننا لا نعرف الكثير عنه، سوى أنه كان يعلم أن الأرض مكان صراع أبدي بين إله الخير هو إله النور وروح شريرة هي روح الظلام. وتوجد نصوص الزرادشتية المقدسة في مجموعة تسمى الأفيستا أو الزندأفيستا، ومازالت تستخدمها الجماعة البارسية The parsee community في الهند والتي يشتق اسمها من نفس الكلمة التي يشتق منها اسم فارس Persia.
لقد ضمت فارس بسرعة عدداً أكبر من الشعوب في تجربة مشتركة، وللمرة الأولى صار الهنود والميديون والبابليون والليديون والإغريق واليهود والفينيقيون والمصريون تحت حكم إمبراطورية واحدة، وكان المرتزقة الهنود يقاتلون في الجيوش الفارسية مثلما قاتل المرتزقة الإغريق في جيوش مصر من قبل. وكان الناس يعيشون في مدن في كافة أنحاء الشرق الأدنى، وحول قسم كبير من البحر المتوسط، ويشتركون بمعرفة الكتابة التي صارت تدون الآن بأبجديات كثيرة. أما التقنيات الزراعية والتعدينية فقد امتدت أبعد من هذا، فنقل الأخمينيون مهارات الري من بابل إلى آسيا الوسطى، كما جلبوا الأرز من الهند ليزرعون في الشرق الأدنى. وعندما تبنى الإغريق الآسيويون عملة نقدية كانت مبنية على الترقيم الستيني البابلي وضمن هذا التنوع الغني تستطيع تمييز بدايات الحضارة العالمية المقبلة، وقد آن الأوان للحديث عن الذين رسموا أسسها، ألا وهم الإغريق.

* الإسم القديم لقندهار Kandahar

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:01 PM
عالم البحر المتوسط

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


عالم البحر المتوسط
طوال ألف سنة بعد عام 500 ق.م كانت البلاد المحيطة بشرق البحر المتوسط، بما فيها ساحله الشرقي وسوريا وأوروبا حتى نهري الراين والدانوب وسواحل البحر الأسود، محور قصة هامة. ولم تكن هذه البلاد معزولة قط عما يجري خارجها، بل كانت أكثر وعياً له من أي زمن مضى، كانت الأفكار والمعرفة والعادات والشعوب التي تحمل هذه الأشياء كلها تتدفق من الشمال والشرق وتغير الحياة في المنطقة تغييراً عظيماً بمرور الزمن، وكانت شعوب المنطقة تعالج هذه القوى التي تضغط عليها من الخارج وترحب بها أحياناً، إلى أن صنعت منها في النهاية شيئاً جديداً كل الجدة، وهذا ما ينقل بؤرة تاريخ العالم من الهلال الخصيب إلى الغرب. لقد وضعت شعوب البحر المتوسط وبحر إيجة حضارة راسخة خاصة بها. كانت أولى الخطوات الحاسمة في تأسيس تلك الهوية من صنع الإغريق بين عامي 700 و 350 ق.م، ففي تلك الحقبة تشكلت أمور كثيرة مازلنا نألفها، وسوف تساهم في تشكيل تاريخ أوروبا اللاحق قبل أن تبدأ تأثيرات الرومان واليهود.
كان الإغريق يستعملون كلمة "أوروبا" ولكن معناها عندهم كان مختلفاً كل الاختلاف عن معناها لدينا اليوم، لأن عالمهم كان حوض البحر المتوسط وليس البر الكبير القابع في الشمال، والحقيقة أن المتوسط كان في الأزمنة القديمة منكفئاً على ذاته إلى حد كبير، فخلف سواحله كلها تقريباً ترتفع هضاب وجبال عالية، ولا تجد سهولاً واسعة تمتد نحو الداخل إلا في ليبيا ومصر، وأكثرها الآن صحارى ولو أنها لم تكن دوماً على هذه الصورة. أما في المناطق الأخرى فلا يفصل المرتفعات والبحر إلى سهول ساحلية ضيقة، ويتغذى البحر الأسود بالأنهار الكبرى الآتية من وديان روسيا والبلقان، ويصب مياهه في البحر المتوسط. والطرف الشمالي للبحر الأسود مؤلف من سهول شاسعة، أما سواحله الشرقية والجنوبية فهي جبلية. ولا تصب في المتوسط إلا ثلاثة أنهار هامة، وهي تؤمن الوصول إلى الأقسام الداخلية من البلاد المحيطة به، فالنيل هو أطولها، وهو يمتد ألف كيلومتر نحو الداخل قبل أن يصل إلى الشلال الأول، أما نهر الرون فهو يجري في وسط فرنسا ويصرف مياه جبال الألب الغربية، وينبغ نهر الإبرو على بعد 60 أو 70 كيلومتر فقط من ساحل إسبانيا الشمالي على المحيط الأطلسي قبل أن يشق طريقه إلى المتوسط عبر وادي أراغون العريض، أما النهر الآخر الكبير الذي يهمنا فهو نهر البو في شمال إيطاليا والذي يصب في بحر الأدرياتيك.
وأما من ناحية المناخ فإن بلاد المتوسط في الغالب بلاد دافئة ولكنها ليست شديدة الحر، وتحظى بقدر معقول من المطر على سلاسلها هضابها وجبالها. وقد كانت سواحلها أكثر خضرة بكثير من 2500 عام لأن أكثر الأشجار والنباتات التي كانت تغطي الهضاب قد زالت بسبب الرعي المستمر، فأدى ذلك إلى انجراف في سطح التربة. إن غابات لبنان ماتزال مثل الأساطير، كما أن الزراعة في شمال أفريقيا تمتد إلى مسافة أكبر نحو الداخل وتمنع تقدم الصحراء التي كانت أبعد عن الساحل مما هي عليه اليوم.
كان الناس حول البحر المتوسط يحصلون معيشتهم بطرق متشابهة جداً، فالذين يعيشون على السواحل كانوا يصطادون السمك من المياه الغنية به، وفي السهول الضيقة كانوا يزرعون القمح والشعير، وعلى المرتفعات العليا كانوا يزرعون الكرمة والزيتون، وعلى الهضاب كانوا يرعون الغنم والماعز. وكانوا يمضون وقتاً طويلاً في الهواء الطلق لأن المناخ لا يكون شديدة البرودة إلا شتاء في الجبال. فكانت هذه الأشياء كلها تجمع شعوب المتوسط إذاً، كما كان البحر يزيدهم ارتباطاً بعضهم ببعض مع مرور الزمن، وقد بقي السفر عبر الماء أسهل منه على البر حتى العصور الحديثة، وكان هناك نشاط تجاري بحري واسع ولمسافات بعيدة في عام 500 ق.م، وعندما يظهر شيء جديد في أي جزء من المتوسط فإنه كان ينتشر فيه بصورة أسهل وأسرع منه في إمبراطوريات الشرق البعيدة عن البحار. ويصح هذا الأمر بالأخص على حوض بحر إيجة، وهو البحر الواقع بين كريت واليونان وتركيا.
إن طبوغرافية هذه المنطقة ومناخها متوسطية، ولكن لها مع ذلك عدداً من الملامح المميزة لها، فالسهول الساحلية وقيعان الأودية على البر الرئيسي أصغر منها في الغرب، والساحل أكثر وعورة بالصخور والأجراف وأكثر تثلماً بالموانئ والملاجئ.وتجد في بحر إيجة المئات من الجزر بعضها ليست إلا صخوراً لا تصلح لزراعة شيء وبعضها الآخر خصبة جداً، وليست هذه المنطقة كبيرة، فهي تبلغ حوالي 600 كم من ساحل تراقيا* إلى كريت، و 250 كم فقط من طروادة** إلى أقرب سواحل بر اليونان.ويكون البحر هائجاً في العادة، كما أن الرياح القوية قد جعلت الإبحار عملية شاقة إلى من خلال طرق معينة، وكان الناس منذ الأزمنة المينوية يبحرون في إيجة متنقلين بثقة من مكان إلى آخر بعد أن فهموا طبائعه، وهذا ما شجع التجارة.
منذ الأزمنة المينوية كانت أفكار ومهارات بلاد الحضارات القديمة، أي بلاد الرافدين وسوريا ومصر، قد انتقلت إلى سكان جزر بحر إيجة وسواحله. وربما انتشرت الزراعة أيضاً في زمن أبكر من ساحل بلاد الشام إلى تلك الجزر ومنها إلى مقدونيا. وكان انتقال تأثير الشرق الأدنى من خلال مرافئ بلاد الشام ودلتا النيل إلى بحر إيجة أسهل بكثير منه إلى الهند وآسيا الوسطى والصين، التي كانت تفصلها عنه حواجز طبيعية ومسافات بعيدة. كما أن طبيعة الأرض تفسر لماذا كان اتصال شعوب بحر إيجة المباشر بأوروبا الغربية قليلاً، ولو أن أوروبا قد قدمت المعادن وغيرها من المواد الأولية إلى بلاد الشرق الأدنى الغنية من خلال الفينيقيين.

* منطقة قديمة في جنوب شرقي آوروبا، هي اليوم قسمان : غربي يتبع اليونان، وشرقي يكون القطاع الأوروبي من تركيا بين المضايق وبحر مرمرة ، أهم مدنه استانبول على البوسفور والقرن الذهبي – المنجد في الأعلام.
** أو إليون : مدينة قديمة في غرب تركيا

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:02 PM
اليونان

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


اليونان
يتكون الجدار الغربي لبحر إيجه من بر اليونان، وخلف ساحله الصخري المثلم الممتد في غير انتظام تقع أرض تنقسم إلى ثلاثة أجزاء جغرافية طبيعية. فالجنوب مكون من شبه جزيرة كبيرة تسمى البيلوبونيز؛ وهي تكاد أن تكون جزيرة إذ لا يربطها إلا عنق ضيق جداً هو برزخ كورتس يشبه جزيرة أخرى أكبر منها تمتد بشكل نتوء من جنوب شرق أوروبا. ويسمى الطرف الجنوبي لهذه الأخيرة سهل الأتيك، الذي يمتد شمالاً حتى مرتفعات تساليا. وأخيراً هناك المنطقة الجبلية الواقعة في أقصى الشمال، مقدونيا، وقد جعلت هذه الجغرافية اليونان بلداً عصياً على الغزو عن طريق البر إلا من خلال طرق قليلة محددة، وكان الهجوم عليها أسهل عن طريق البحر.
لقد بزغ من يونان عصر الظلام نوع جديد من حياة المدن شكلته طبوغرافيتها المقسمة، وسوف تساهم بعض المدن الإغريقية مساهمة خاصة في المستقبل. لذلك فهي تستحق أن نتمهل عندها قليلاً ولو استبقنا أحداث قصتنا. في أيامها الباكرة كانت تلك المدن في العادة تحت حكم ملوك، وسوف يظل بعضها يطلق على حكامه هذا اللقب في أزمنة قادمة. ولكن منذ أن بدأت السجلات التاريخية بالتوافر فإنك تجد أنها كانت في القرن السابع تحت حكم "أرستقراطيين" وهي كلمة يونانية تعني "خير الناس". كان الأرستقراطيون أصحاب أراضي وكانوا على درجة من الغنى تسمح لهم بشراء الأسلحة والدروع والخيول غالية الثمن التي جعلتهم قادة في الحرب. وكانوا في البداية يحكمون الإغريق الآخرين، وسوادهم من الفلاحين، لأن الزراعة كانت دوماً وسيلة الرجال الأحرار لتحصيل معيشتهم في العالم الإغريقي.
كانت المجتمعات الإغريقية البسيطة الباكرة قد بدأت تصبح أكثر تعقيداً بحلول عام 600 ق.م. وكان يعيش في بعضها أجانب يعملون في الحرف اليدوية والتجارة، ولكنهم لا يتمتعون بنفس حقوق السكان الذين ولدوا هناك ويدل وجود هؤلاء الأجانب المقيمين metics ونشاطاتهم على حدوث نمو سريع في التجارة. ولما كان المال أوفر من السابق فقد صار بعض الناس أغنياء. ومن العلامات الدالة على ذلك زيادة استخدام العملة المعدنية في العالم الإغريقي، كما بدأ الأفراد والجماعات يختصون بأنواع مختلفة من التجارة والمصنوعات، فكانت أثينا مثلاً مختصة بصناعة الخزف.
مع ازدياد الثروة حصلت أعداد أكبر من الناس على الأرض، كما صاروا قادرين على دفع ثمن الأسلحة والدروع. وفي القرن السابع ق. م ظهر نوع جديد من المحاربين كان الإغريق يسمونهم الهبليت. كان الهبليت مشاة يرتدون الخوذات والدروع البرونزية التي تغطي الجسد ويحملون التروس والرماح. وقد تغيرت طبيعة الحرب في اليونان بواسطتهم تغيراً سريعاً، لأن المعارك كانت في السابق عبارة عن قتال فردي بين الأشخاص القلائل القادرين على دفع ثمن الأسلحة والدروع، وهذا ما جعلهم أعتى بكثير من المقاتلين الذين يتبعونهم إلى ساحة المعركة. أما الآن فقد صار النصر في المعارك من نصيب تكتلات الهبليت المنظمة، وقد كان الهبليت يحافظون على تشكيل دقيق، يكون كل رجل فيه محمياً من جانبه الأيمن بترس جاره. وكانت المعارك في اليونان تجري عادة في قيعان سهول صغيرة، لأن الهدف هو إما تدمير المحاصيل المزروعة هناك أو الدفاع عنها. وفي هذا النوع من الأرض يكاد تشكيل الهبليت أن يكون منيعاً على الهزيمة إذا عرف أن يهاجم هدفه ككتلة واحدة ويحافظ على تماسك صفوفه، وقد ازدادت أعداد الرجال ذوي الخبرة العسكرية، وصار الانضباط والتدريب هما اللذان يكسبان المعارك. وبذلك راحت السلطة تنفلت من أيدي الأرستقراطيات القديمة، ولم يعودوا وحدهم المسيطرين على القوة المسلحة. إن هذا التغير الهام قد نشأت عنه السياسة، وهي أحد ابتكارات الإغريق العظيمة.

دولة المدينة
إن كلمة سياسة politics هي كلمة مألوفة نسمعها ونستعملها دون أن نفكر كثيراً بمعناها، ولكن إذا أردنا تعريفها فيمكننا أن نقول بشكل تقريبي إنها:” طريقة في إدارة الشؤون العامة عن طريق اتخاذ القرارات بشأنها من بعد مناقشة عامة لمناحي العمل المختلفة الممكنة”. وقد يبدو هذا الكلام مجرداً، ولكن الحقيقة أن هناك فرقاً كبيراً بين هذا الأسلوب العام وبين ما ينتج عن الإرادة التعسفية للحاكم، وكان الإغريق يعون هذا الفرق تماماً عندما ينظرون إلى بلاد فارس أو مصر. إن كلمة سياسة politics هي بالأصل كلمة يونانية، وهي مشتقة من الكلمة التي كانوا يطلقونها على الدولة أو المدينة المستقلة Polis. ولا تدل هذه الكلمة على المكان فقط، فالإغريق لم يكونوا يقولوا ”أثينا” فعلت كذا أو ”طيبة” فعلت كذا، بل كانوا يتحدثون عن ”الأثينين” و”الطيبيين” ونسمي الـPolis هنا ” دولة المدينة”، ولكنها كما قلنا ليست مجرد تجمع للناس الذين يعيشون في مكان واحد، كما أنها بالتأكيد أوسع بكثير من مفهوم ”الدولة” الحديث. لقد كانت دولة المدينة جماعة مشتركة، ولم تكن تشمل كل من يعيش في المدينة والريف المحيط بها، بل كانت مكونة من المواطنين فقد\ط، أي أولئك الذين يأخذون مواقعهم في صفوف الهبليت أثناء الحرب والذين لهم كلمة ولو صغيرة في شؤونهم المشتركة. أما العبيد والأجانب المقيمين والنساء فما كان بإمكانهم أن يكونوا مواطنين، فقد كانت هذه الرابطة أشبه بالانتماء إلى عشيرة منها بمفهومنا الحديث عن المواطنة، والحقيقة أن أبكر المؤسسات الاجتماعية ضمن المدن كانت مبنية على علاقة القربى.
كان المواطنون الأوائل في الدول الأغريقية هم القادرون على دفع ثمن الأسلحة من أجل الالتحاق بصفوف الهبليت والقتال دفاعاً عن تراثهم. ولابد أن تكون معارك طاحنة كثيرة قد جرت لا نعلم عنها اليوم إلا القليل القليل. في القرن السادس صار رجال جدد يحوزون على حق المواطنة في كل مكان تقريباً، وكان حكم الأرستقراطيين يزول ليحل محله حكم رجال أقوياء ذوي شعبية، كان الإغريق يسمونهم Tyrants*، ثم زال هؤلاء بدورهم لتحل محلهم حكومات ذات قاعدة أوسع. إن كلمتي أوليغرشية و ديموقراطية هما كلمتان أخريان من أصل يوناني مازلنا نستخدمهما، فبعض المدن كان يحكمها الميسورون (الأوليغرشيات) وبعضها الآخر أغلبية الرجال الأحرار (الديمقراطيات)، إلا أن انتقال الحكم بالوراثة كان ينحسر في كل مكان تقريباً.
لقد بقيت أكثر المدن صغيرة تعيش على مزارع الوديان الصغيرة التي توجد ضمنها عادة، وحتى في الأزمة اللاحقة لم يكن من المألوف أن يبلغ عدد المواطنين في دولة المدينة 20.000، لهذا كان المواطنون يشعرون بقدر من المشاركة الشخصية في الحياة العامة هو أكبر بكثير مما يشعر به مواطنو الدول الحديثة. وكانوا يشاركون بصورة جماعية في أمور أنطناها نحن بمنظمات خاصة مثل النوادي والكنائس. وكان الإغريقي يسمع في المجالس التي تدير الشؤون العامة آراء أصدقائه وأعدائه ومعارفه في المسائل التي تمسهم جمعياً. إن هذه الأشياء كلها قد جعلت الحياة في دولة المدينة مجهدة تتطلب الكثير، ولكنها كانت في الوقت نفسه حياة مثيرة. وقد برز بعض الرجال كأول الممثلين لمهنة جديدة هي مهنة السياسة، فكان أولئك السياسيين يسعون لإقناع مواطنيهم بما ينبغي فعله عن طريق مخاطبتهم في المجلس، وليس من الغريب إذن أن يكون الإغريق قد اعتبروا أن دولة المدينة تعطي الناس الفرصة لكي يحققوا ذاتهم، أي يطلقوا كل الطاقة الكامنة في طبيعتهم البشرية بطريقة لم يوفرها أي من نوع من أنواع التنظيمات البشرية الأخرى. كانوا يعتقدون أن المرء يكون متحضراً في دولة المدينة بصورة غير متاحة في أماكن أخرى، وقد قال أحد فلاسفة الإغريق إن الإنسان هو كائن صنعته الطبيعة لكي يعيش في دولة المدينة. وكان لديهم أيضاً كلمة تدل على من ينسحب إلى اهتماماته الشخصية ولا يرغب بالمشاركة في الشؤون العامة أو لا يهتم لها، هي كلمة idiot*.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:06 PM
حضارة جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا

حضارة جديدة
عندما انتعشت التجارة من جديد بعد غزوات الدوريين، أي في حوالي القرن التاسع، راح الرجال يغامرون بالسفر ويعيدون ربط شبكات التجارة القديمة التي مزقها الزمن. وكانوا ينقلون أشياء كثيرة في قدور وجرار تمكننا بقاياها من تتبع هذه العملية. كان تصميم تلك الأوعية وإتقان صنعها قد تراجعا كثيراً عند نهاية المرحلة الميقينية، ولكن حتى نحو عام 1000 ق.م كان الخزف يصنع بأسلوب جديد وجذاب جداً، ربما ابتدأ في أثينا. وكان يزين برسوم بسيطة جداً ولكنها جميلة ومكونة من أشكال مجردة مثل الخطوط والدوائر المتحدة المركز وشرائط الألوان ولهذا سميت رسوماً هندسية. ثم تطورت هذه الرسوم الجميلة فأصبحت أكثر تعقيداً، ولكن لم تظهر فيها الأشكال البشرية حتى القرن الثامن ق.م، أي بعد أن كان عمرها حوالي 250 سنة، وحتى هذه الأشكال البشرية كانت ترسم في البداية بطريقة هندسية ومجردة. وكان الخزف علامة على أن الحياة في بحر إيجة تزداد تحضراً من جديد.
تخبرنا رسوم السفن على مزهريات القرن الثامن القصة نفسها، أي عن وجود عالم إغريقي جديد في بحر إيجة بعد عام 776 ق.م بقليل وهو العام الذي صار الإغريق يعتبرونه بداية لتاريخهم. كان ذلك تاريخ حدث هام هو الألعاب الأولمبية الأولى، التي أخذت اسمها من اسم المكان الذي كانت تعقد فيه، أي أوليمبيا الواقعة في غرب اليونان، ويشك العلماء بهذا التاريخ (كما يبدو أنه كان ثمة احتفال أقدم سابق لهذه الألعاب المكونة من الملاكمة والجري والغناء والرقص)، ولكنه يبقى مع ذلك معلماً جيداً لبداية تاريخ اليونان. وقد ظلت هذه الألعاب تعقد بشكل منتظم تقريباً كل أربع سنوات طوال ألف سنة كاملة؛ ومع أنها صارت في حوالي عام 200 ق.م استعراضاً للمحترفين يجتذب السواح من الخارج، فإنها كانت في أيامها الأولى مسابقات لفرق الهواة التي تفد إليها من كافة أنحاء اليونان لتمثل مدنها. فكان هذا هو الاحتفال الوحيد الذي يجمع الأثينيين والطيبيين والإسبرطيين وممثلي مدن أخرى كثيرة بصورة منتظمة، وقد ساعدهم بذلك على أن يروا أنفسهم جميعاً كإغريق.
اللغة والهلينية
كان الإغريق يسمون أنفسهم Hellenes أما كلمة إغريقي Greek فهي مشتقة من اللاتينية، أي لغة الرومان الذين أتوا بعدهم، عند نهاية عصور الظلام كانت جماعات مختلفة عديدة في بحر إيجة تشعر أنها تشترك بأشياء كثيرة بالرغم من اقتتالها المتكرر فيما بينها. وأهم ما كانت تشترك به هو اللغة. وكانت اللغة اليونانية في القرن الثامن ق.م على وشك التطور بطريقة جديدة. إن أول شكل مكتوب من اللغة اليونانية وجد على رقم في كنوسوس وفي القصور الميقينية، ولكنه لم يستخدم إلا في المحاسبة، ولم تكتسب اليونانية شكلها الحالي إلا عندما أخذ الإغريق ربما من خلال التجارة اختراع الأبجدية الذي أوجده الفينيقيون وكيفوه لحاجاتهم الخاصة. وإن أول كتابة بالأحرف اليونانية الجديدة وجدت حتى الآن هي على إبريق يعود لعام 725 ق.م تقريباً. وعندما صارت اليونانية لغة مكتوبة كان الإغريق قد ساروا خطوة جديدة نحو فكرة أنهم بالرغم من جميع الفروق فيما بينهم يشتركون بأشياء كثيرة. والحقيقة أن شعورهم هذا كان قوياً إلى حد أن الكلمة الدالة على غير الإغريقي لديهم كانت مبنية على فكرة أنه لا يتحدث اليونانية: فكانوا يسمونه barbaraphonoi أي من ”يبربر” أو يتكلم كلاماً غير مفهوم، ومازالت كلمة بربري مستخدم للدلالة على الشخص غير المتحضر.
إن تدوين اللغة يثبت أفكارها، وعلى مدى مئات السنين كان الشعراء والقصاصون يكررون روايات وأغاني وأساطير الشعوب التي نشأ منها الإغريق. صحيح أن استظهار الأدب على هذه الصورة يعطيه عمراً مديداً، ولكن تفاصيله تتغير رويداً رويداً لأن الذين يؤدونه قد يرغبون بإظهار ناحية ما تبدو لهم مناسبة أو إدخال تلميح جديد يجعل أداءهم أقوى أثراً في مستمعيهم. أما عندما تدون القصص فلا يعود ثمة مجال كبير أمام الأفراد لتغييرها، لقد كانت هناك بالتأكيد مئات من القصص المعروفة عن الآلهة والأبطال في اليونان القديمة قبل أن يمكن تدوين أي منها، إلا أن ثمة مجموعة صارت أهميتها محورية في الثقافة والتربية عند الإغريق، لأن أول أعمال مكتوبة في الأدب الإغريقي قد أُخذت منها. تتحدث هذه القصص والأساطير عن حملة إخائية على طروادة، وهي مدينة في آسيا الصغرى، وتشكل أحداث تلك الحملة خلفية القصيدتين الطويلتين اللتين نسميهما الإلياذة والأوديسة، واللتين يبلغ طولهما معاً حوالي 28000 بيت شعر، وهما اثنان من أعظم الأعمال الأدبية في العالم. ويأتي اسم الإلياذة من الاسم اليوناني لمدينة طروادة (إليون) التي تخبرنا القصيدة أنها كانت تحت الحصار بينما تسرد لنا أياماً قليلة من حياة بطل إخائي عظمي هو أخيل. أما القصيدة الثانية فهي على اسم بطلها أوديسيوس، الذي ذهب إلى طروادة في نفس الحملة الإخائية، وهي تتحدث عن ترحاله طوال عشر سنوات بعد نهاية الحصار، وعن مغامراته الرائعة وسعة حيلته، ثم عودته أخيراً إلى وطنه وانتصاره على الذين حاولوا اغتصاب مكانه في غيابه. وتنسب التقاليد هاتين القصيدتين إلى رجل واحد وهو شاعر كفيف اسمه هوميرس، ربما كان يعيش على جزيرة خيو، ولكن هذا الأمر مازال موضوع خلاف، مثل أشياء كثيرة متعلقة بالقصيدتين.
يرجح أن الإلياذة والأوديسة قد دونتا للمرة الأولى في القرن السابع ق.م، وإذا كان الأمر كذلك فإنهما لم تكونا إلا أحدث نسختين من مواد قديمة جداً، فيها أفكار ونبذ حقائق من قرون عديدة، مخلوطة فيما بينها من دون أي معرفة بما يناسب كل حقبة تاريخية. وإذا أردت أن تتخيل شيئاً مشابهاً إلى حد ما فلك أن تتصور قصيدة من القرن العشرين تتحدث عن اكتشاف كولومبس لأمريكا مغلوطة ببضعة قرون، يسافر فيها في سفن شراعية، ولكنه يملك مع ذلك مذياعاً، ويقابل سكاناً أصليين يلبسون ويتكلمون ويفكرون مثل الأسبان، ومحبوك فيها فوق هذا كله تفاصيل وذكريات باهتة وبعض من لغة قصيدة بيولف*. وقد سبب هذا الخليط اختلافاً كبيراً بين الباحثين، وحاولوا ربطها بالآثار المكتشفة، ولكن كثيراً ما تبين أن الواقع كان مختلفاً جداً عما تصفه القصيدة. فحصار طروادة العظيم مثلاً الذي يستمر عشر سنوات في القصة لم يكن على الأرجح إلا غارة سريعة مثل غارات الفايكنغ قام بها بضع مئات من قطاع الطرق على مستوطنة صغيرة لا يزيد حجمها عن ثلاثة أو أربعة هكتارات. ولكنك بالرغم من هذا تجد ضمن هذا الخليط تفاصيل تلقي ضوءاً على عصور الظلام التي تحدرت منها بعض عناصر القصيدتين.
كانت هاتان القصيدتان عند الإغريق بمثابة كتب مقدسة، وكانت مكانتهما المحورية تشبه مكانة العهد القديم لدى اليهود. وقد بقي الشعراء المحترفون طوال أجيال يحصلون معيشتهم من التنقل وسرد الإلياذة والأوديسة، وفي الحالات القليلة التي يتلقى فيها الإغريق تعليماً رسمياً تكون هاتان القصيدتان أساسه. لقد لخص هوميروس الأمور التي جعلت الإغريق يعتبرون أنفسهم مختلفين، وقصيدتاه هما أول وثيقتين عن وعي الإغريق لذاتهم، فقد كانوا يعتقدون أنهما تضمان تاريخهم القديم، ومعلومات جوهرية عن آلهتهم وعلاقتها بالبشر وكيف تتصرف، وتفسيراً لمصير الإنسان والهدف من الحياة، ودليلاً للأخلاق ونماذج من السلوك السليم والخصال التي تجعل الإنسان يعيش حياة صالحة، وغير ذلك الكثير. لقد وجد الإغريق في الإلياذة والأوديسة نصوصاً لحل النزاعات، ومعايير للحكم على السلوك، وأبهى نموذج من أسلوب استعمال لغتهم، وساهمت هاتان القصيدتان في تشكيل أفكارهم وأذواقهم طوال مئات السنين، ثم أفكار البشرية لزمن أطول، واللافت أن الإغريق لم يكونوا يسمون هوميروس باسمه في العادة، بل كانوا يكتفون بلقب " الشاعر".
ديانة الإغريق
تجد في قصائد هوميروس الشيء الكثير عن الآلهة والآلهات وبالتالي عن الديانة التي كانت تجمع بين الإغريق. وقد صارت تلك الآلهة التي وصلتنا أسماؤهما مجمعاً مشتركاً في العالم الكلاسيكي بأكمله. ولكن لديانة الإغريق أبعاداً أخرى كثيرة ، ومن أجل أن تحاول فهمها يجب عليك أن تبعد عن تفكيرك بعض المعاني المرتبطة بالدين اليوم، إذ لم يكن لدى الإغريق مجموعة واضحة من العقائد ولا رجال دين مختصون بهذه الأمور -كانت لكهنتهم وعرافيهم وظائف أضيق- ولا كنيسة تجمع المؤمنين في منظمة مشتركة. بل كان لديهم خليط من الأساطير والأفكار والخرافات التي لم يكن أي منها مفروضاً عليهم جميعاً. إلا أن بعضها كانت تحاول فهم مشاكل الإنسان العميقة والدائمة، مثل سهولة انقلاب الحظ السعيد، والنقمة التي تترصد من يهزأ بقواعد الحياة أو يتكبر. لقد كانت الأساطير إذاً محاولة لمعالجة أحاجي الحياة. ونحن أيضاً لدينا أساطير، ولكنها في العادة مرتبطة بالعلم وليس بالآلهة. فنحن نقول مثلاً إن سلوك شخص ما يمكن تفسيره بشقاء عاشه في طفولته أو بضغوط العمل، ويعطينا هذا شعوراً بأننا نستطيع معالجة مشاكلنا، كأن نذهب إلى الطبيب مثلاً أو نأخذ عطلة. وعندما نحصل على نتيجة حسنة يتعزز إيماننا بهذه المعتقدات. والإغريق مثلنا كانت لديهم علاجات مبنية على الإيمان، ولكنه إيمان بأشياء غير التي نثق بها اليوم، إلا أن وسائلهم كانت تبدو لهم نافعة أيضاً، وكانت ممارسة الدين لديهم تعني أداء طقوس الغرض منها الحفاظ على رضا الآلهة.
كانت هناك أشياء مختلفة كثيرة قد يمارسها الإغريقي كجزء من ديانته، فقد كانت توجد مثلاً أشكال من العبادة بشكل طقوس أو أسرار تؤدى لتمثيل عمليات الطبيعة الكبرى مثل إنتاش النبات ونموه أو مرور الفصول. كما كانوا يفسرون الفأل أيضاً ويستشيرون العرافين في الأمور الهامة. كانت العرافة الأساسية هي عرافة أبولو في دلفي، ولكن كانت هناك أماكن كثيرة غيرها يحج الناس إليها من مسافات بعيدة من أجل أن تبين لهم مصائرهم. كان لكل مدينة آلهة تعيش في المعابد التي توجد عادة في الأكروبوليس*، وكانوا يخدمونها بخشوع في احتفالات المدينة التي تمتزج فيها الطقوس الدينية بالألعاب والعروض المسرحية، أو يقدمون لها القرابين في البيوت وفي مذابحها المقامة على جوانب الطرقات. كانت الآلهة أثينا مثلاً هي الآلهة الحارسة للمدينة التي تحمل اسمها، وقد تعبد في أماكن أخرى أيضا. ولا ننس التوقير الذي كانوا يؤدونه لمئات من الآلهة الصغرى والأرواح وقوى الطبيعة في آلاف المقامات. وإن القدر الكبير المقدم لها والجهود المبذولة لاسترضائها عن طريق القرابين مثلاً لتشير إلى أن عبادتها ربما كانت أكثر نواحي ديانة الإغريق شعبية.
كان الإغريق يعتقدون أن هذه الآلهة والإلهات التي يشتركون في عبادتها قد تتدخل في حياة البشر، ولكن ربما كان الاهتمام بها أكبر على المستوى الرسمي منه على مستوى الأفراد. وهي الآلهة التي تظهر قي قصائد هوميروس. وكانوا يعتقدون أن أكبرها تقيم على جبل ألومبس، وقد دخلت أسماؤها لاحقاً مثل زفس، وآريس، وأفروديت، إلى تراث أوروبا من الأساطير. وهي أوضح أمثلة على صورة الآلهة لدى الإغريق، وأبرز صفاتها هي أنها بشرية إلى حد بعيد. فصحيح أن زفس ملك الآلهة يكون في بعض الأحيان شخصية رهيبة يقذف صواعقه من حوله، إلا أنه في الوقت نفسه سيد إغريقي في أواسط العمر، طيب السرية وذو تصرفات خرقاء، كما أنه ميال إلى ملاحقة الفتيات. كذلك تجد في أفروديت إلهة الحب والخصب الكثير من صفات المرأة من غرور وأهواء. ولا تعيش هذه الآلهة بعيداً عن شؤون البشر بل تتدخل فيها مبدية عواطف بشرية إلى حد بعيد. فترى هوميروس يصور بوسيدون إله البحر والزلازل وهو يزرع درب أوديسيوس بالبلاء بسبب ضغينة يحملها عليه، بينما تنحاز إلى البطل وتساعده أثينا إلهة الحرب والحكمة العذراء التي تؤثره على سواه.
تشكل الديانة أساساً عميقاً من اللاعقلانية قد يغيب عن البال عندما ننظر إلى الحضارة الإغريقية في مرحلة نضجها القادمة. وقد نتجت عن هذه اللاعقلانية نظرات للعالم تكون أحياناً متعارضة أو متضاربة. كما أنها استعارت وضمت إليها عناصر من الخارج، مثل الأسطورة الآسيوية التي تقول بعصور الذهب والفضة والبرونز والحديد. إلا أن النتيجة كانت تجربة دينية مختلفة عن تجارب الشعوب الأخرى. وربما كان لهوميروس الدور الأكبر في تنظيم عالم ما فوق الطبيعة على هذه الصورة، وهو لا يفسح مجالاً كبيراً للعبادات الشعبية. وقد تذمر ناقد إغريقي في زمن لاحق من أن هذا الشاعر "قد نسب إلى الآلهة كل ما هو شائن ومعيب بين البشر، من سرقة وزنى وخداع". وكان محقاً في ذلك، لأن عالم الآلهة كما صوره هوميروس كان يسير بصورة مشابهة للعالم الحقيقي. فرغم أن ميثولوجيا الإغريق وفنهم قد يدينان بالكثير لمصر والشرق، فقد بقيا يصوران آلهتهم كرجال ونساء أفضل وأسوأ. وكان هذا العالم بعيداً كل البعد عن وحوش آشور وبابل أو عن شيفا* ذي الأذرع الكثيرة. ويشير هذا الأمر إلى تغير عظيم في المواقف الفكرية فإذا كانت الآلهة مثل البشر، فربما كان بإمكان الإنسان أن يصير مثل إله!!!
العالم الإغريقي
إن اليونان بحد ذاتها صغيرة جداً، ولكنها كانت جزءً من عالم أكبر بكثير. ولم يكن هناك في اليونان أو جزرها من يعيش على بعد أكثر من سبعين كيلو متر عن البحر، وهذا ما جعل الإغريق يألفون السفر في البحر وهو قوام الأوديسة، ولا يخافون منه مثل سكان البلاد البعيدة عنه. لذلك راحوا يستكشفون بيئتهم الأوسع ويستفيدون منها، ومنذ البداية كان سكان بحر إيجة من المستوطنين والمهاجرين، إذ لم يكن في بر اليونان فرص كثيرة للزراعة المجزية. والحقيقة أن زيادة عدد السكان قد سببت الضغط على الأراضي المتاحة، منذ القرن العاشر، فكان هذا هو المحرك البعيد لموجة كبيرة من الاستيطان، أدت عند نهايتها في القرن السادس إلى ظهور عالم إغريقي يمتد بعيداً وراء بحر إيجة، من البحر الأسود في الشرق حتى جزر البليار* وفرنسا وصقيلة في الغرب وليبيا في الجنوب. وكان هناك قوى أخرى تفعل فعلها أيضاً، فبينما كان المزارعون الباحثون عن الأرض يستوطنون تراقيا** استقر إغريق آخرون على ساحل بلاد الشام وجنوب إيطاليا من أجل المتاجرة. لقد كان الفينيقيون هو الذين فتحوا هذا الطريق، وربما شجع ذلك الإغريق على التشبه بهم أو نبههم إلى مواقع مناسبة لإقامة المستوطنات، فصاروا يرسلون إليها الأعداد الزائدة من السكان. إن أول مستوطنة إغريقية في غرب المتوسط قد أسستها في خليج نابولي حملة أرسلتها مدينتا خلقيس وأرتريا في حوالي عام 750 ق.م. وفي القرن التالي راحت مدن أخرى تنشئ مستوطنات صغيرة لها سوف تصبح مكتفية بذاتها ومستقلة مثل المدن الأصلية. فضربت المستوطنات جذورها في السهول الزراعية بصقلية كما نشأت على سواحل شمال أفريقيا وفرنسا، وكان إحداها أصل مدينة مرسيليا. كان أنجح تلك المستوطنات هي سيراكوزا (سرقوسة) في صقيلة، وقد صارت بين عامي 500 و 350 ق.م تقريباً، أي ما يسمى الأزمنة (الكلاسيكية) المدينة الإغريقية الوحيدة التي تضم أكثر من مئة ألف نسمة، فضلاً عن أثينا، وتذكرنا تلك الحقيقة بالضآلة النسبية لأعداد السكان في الحضارة الإغريقية.
بعد أن استولى الإغريق على المواقع الطيبة في صقلية وإيطاليا تحول اهتمامهم نحو الشرق. ولكن الشرق كانت فيه عقبات سياسية، إذ لم يكن بإمكان أي مدينة إغريقية باحثة عن المستوطنات الجديدة أن تجازف وحدها بمواجهة القوى البرية الكبرى القائمة هناك. لذلك تحول اتجاه الاستيطان نحو الشمال مبتعداً عن ساحل بلاد الشام. فاستقر بعض الإغريق في أشباه جزر شمال بحر إيجة حيث طردوا من بقي من شعوب الـPelasgoi أو استعبدوها، بينما أبحر آخرون عبر مضيق الدردنيل إلى البحر الأسود، الذي كان البقعة المفضلة لموجة ثانية من الاستيطان الإغريقي، أتت بعد قرن واحد من الموجة الأولى تقريباً. وفي عام 500 ق.م صارت هناك سلسلة من المدن الإغريقية تحيط بالبحر الأسود كله، كانت بعضها تصلح للزراعة، إلا أنها اهتمت بالتجارة أكثر من المستوطنات الغربية، وقد ساهمت كثيراً في تنشيط الأعمال التجارية في بحر إيجة. أما في الشمال منها فكانت تعيش شعوب بربرية بالمعنى الحديث للكلمة، منها السقيتيون وهم بالأصل شعب بدوي يمارس الزراعة في القرن السادس في السهول الواقعة بين نهري الدون والدانوب. وفي الغرب أيضاً واجه الإغريق في تراقيا شعوباً جبلية أكثر بربرية وشراسة.

* Beowulf
* قلعة أو قمة محصنة تشرف على المدينة
* أحد آلهة المثلث الهندي إله الدمار والخراب – المنجد في الأعلام
* أحد آلهة المثلث الهندي إله الدمار والخراب- المنجد في الأعلام
* أرخبيل إسباني في غرب المتوسط شرقي خليج بلنسية
* تدل هذه التسمية اليوم على المستبد أو الطاغية - المترجم

* ومعناها الحديث هو الأحمق

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:07 PM
إيطاليا والإتروريون*(الإتروسك)

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


إيطاليا والإتروريون*(الإتروسك)
لم يواجه الإغريق في الغرب أي إمبراطورية كبيرة، ولكن شغلتهم مدينة قرطاجة. كانت قرطاجة دولة مدينة في شمال أفريقيا أسسها الفينيقيون في حوالي عام 800 ق.م، ثم كبرت خلال بضعة قرون فصارت أعظم قوة وثروة من مدن الفينيقيين القديمة الواقعة على الساحل الشرقي للمتوسط مثل صور وصيدون**، وباتت تهدد الإغريق المقيمين في جنوب إيطاليا وصقيلية. أما على المدى الطويل فإن الخطر الآتي من الغرب إنما كان يكمن في الشمال، عندما كانت حركة الاستيطان الإغريقية جارية على قدم وساق لم تكن هناك على الهضاب المطلة على نهر تيفيرة (التيبر) إلا بضعة أكواخ للرعاة، ولكن موقعها هذا سوف يصبح عاصمة إمبراطورية قادمة، هي إمبراطورية روما. إن تأثير روما الكبير على التاريخ وولع الرومان بحبك روايات خيالية مثيرة حول أصولهم تجعل من الصعب أن تتخيل كم كانت بدايات قصتهم ضئيلة. تقول التقاليد إن روما مدينة تقوم على سبعة تلال، ويختلف علماء الآثار حول ما إذا كان تاريخ تأسيسها أقرب إلى عام 100 ق.م أو 800 ق.م، إلا أننا نعلم أن أبكر المستوطنات قد ظهرت على قمتي تلتين من التلال السبعة، وكان يسكنها رعاة أتوا إليها من المرتفعات المجاورة. ويبدو أن المراعي هناك كانت أفضل منها في القسم الداخلي البعيد عن البحر، وكان من السهل حماية هذين الموقعين، فضلاً عن وجود معبر مناسب لنهر تيفيرة، وهو في الحقيقة أخفض معبر يمكن اجتيازه قبل البحر.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp3-3.jpg
موقع إريتوريا في إيطاليا الحالية
صحيح أن هذا الموقع كان دوماً يؤهب المنطقة لأن تصبح مركزاً أساسياً للمواصلات، إلا أن تلك المستوطنات الصغيرة ما كانت لتصبح ذات شأن لولا وصول شعب نسميه الآن الشعب الإتروري، قبل عام 600 ق.م بقليل، وهو اسم مشتق من اسمهم اليوناني. مازال الأتروريون شعباً غامضاً، ويرجح أن يكونوا قد أتوا أولاً عبر البحر من البلقان في القرن العاشر، وربما انضم إليهم فيما بعد مهاجرون من آسيا الصغرى في حوالي عام 700 ق.م. وعندما انتقل الأتروريون إلى موقع روما كانوا بالتأكيد شعباً مزيجاً يعرف مهارات وثقافات غريبة عن إيطاليا في ذلك الزمان. ومنذ وصولهم إلى شبه الجزيرة الإيطالية كانوا ماهرين في شغل المعادن فاستغلوا مكامن خام الحديد الغنية في جزيرة إلبا وفي البر أيضاً.
مازلنا نجهل الكثير عن الإتروريين، ولكن يبدو أنهم كانوا يعيشون في اتحاد فضفاض من المدن التي يحكمها ملوك. وقد بلغ موطنهم إتروريا الذي كانوا يسيطرون عليه مساحة كبيرة تمتد من نهر البو في الشمال حتى السهل الساحلي إلى الجنوب من نهر تيفيرة. وكانوا يعرفون الكتابة وقد تبنوا الأبجدية الإغريقية من المدن الإغريقية في الجنوب على الأرجح، ولكن الكثير من نقوشهم مازالت غير مفهومة. وكانوا يعيشون في مدن إحداها مدينة كايرة* التي كان فيها حوالي 25000 نسمة في عام 600 ق.م أكثرهم من الإغريق، ولابد أن يكون وصولهم بأعداد كبيرة إلى روما قد بدل من طبيعة المكان. لقد شدد الرومان فيما بعد على فكرة المدينة والمواطن، وبدؤوا تقويمهم ad urba condiat أي (من تأسيس المدينة) الذي أرخ خطأ بعام 753 ق.م في التقويم المسيحي. ولكن الرومان كانوا يدينوا للإتروريين بأشياء كثيرة غير هذه، فمن خلالهم تعرفوا على الحضارة الإغريقية، وعنهم ورثوا الأسطورة الإغريقية التي تقول إن إنياس بطل طروادة المذكور في الإلياذة قد هرب منها عند هزيمتها وأبحر غرباً ليؤسس مدينة روما. كما أن هناك عادات رومانية كثيرة مثل إقامة ألعاب المصارعة وارتداء ثوب التوغة وقراءة المستقبل أتت كلها من الإتروريين. ولقد تشكلت أهم معتقدات الرومان الدينية في الأزمة الإترورية أيضاً؛ حتى أنثى الذئب التي ظهرت في أسطورة رومولس وريمس عن تأسيس روما هي على الأرجح بقية من عبادة الإتروريين لهذا الحيوان. وربما كان اهتمام الرومان بتصريف المياه أيضاً شيئاً آخر تعلموه من الإتروريين.
كانت روما مدينة في بداية القرن السادس ق.م ومنذ ذلك الحين أو بعده بقليل لم يعد هناك شعبان يعيشان في المكان نفسه، ولو بقيت هناك لغتان ضمن المدينة بسبب امتزاج الإتروريين بالسكان السابقين الذين يدعون باللاتينيين أحياناً ، وعندما اكتمل هذا الامتزاج صار بإمكاننا أن نتحدث عن الرومان كشعب متميز. ومازالت السنوات مابين عام 600 و 500 ق.م غامضة جداً، وقد نسج الرومان فيما بعد أساطير كثيرة حولها، ولكن خلالها كانت روما قد اكتسبت مؤسسات عديدة سوف تستمر زمناً طويلاً جداً. إحدى هذه المؤسسات كانت مؤسسة لتجنيد المواطنين الإلزامي في الخدمة العسكرية، وقد كان من الواجب العسكري في الأيام الأولى لروما مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحقوق المدنية. كما كانت هناك مؤسسة أخرى، وهي مؤسسة للحكم المقتصر على النبلاء Patricians، الذين أتت تسميتهم من مرتبتهم كأرباب أسرPatres.
تقول التقاليد إن آخر ملك إتروري قد طرد في عام 510 ق.م، ولكن هذا التاريخ مغلوط بمقدار ثلاث أو أربع سنوات على الأرجح. ويمكننا أن نقول إن روما قد خرجت عندئذٍ من الشرنقة الإترورية. بينما كان الإتروريون يعانون الأمرين، فقد طردهم الإغريق من كمبانيا كما أخذوا منهم جزيرة ألبا. كانت روما دولة مدينة جديدة ظلت علاقاتها بالمدن الإترورية المجاورة علاقات ودية، لأنه كانت تواجه أخطاراً شديدة من جيرانٍ أخر، كما كانت طرق الاتصالات التي تسيطر عليها هامة لتجارة الإتروريين. إلا أن القرن الخامس ق.م قد شهد أيضاً بداية حقبة طويلة من الحرب بين روما والمدن الإترورية، وفي نفس الوقت تقريباً تظهر آخر علامات الوجود الإتروري في روما، مثل النقوش والبضائع التجارية. لقد كانت روما في ذلك الحين مستقلة استقلالاً حقيقياً، ولكن لم يكن فيها بعد ما يدل على ما ستبلغه في المستقبل من قوة عالمية.

* إتروريا هو الاسم القديم لتوسكانا
** صيدا الحالية
* caere وهي اليوم تشيرفيتيري الواقعة على بعد 50 كم شمال غربي روما – الموسوعة البريطانية

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:08 PM
المعجزة الإغريقية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


المعجزة الإغريقية
كان إغريق إيطاليا معرضين لضغط الإتروريين في القرن السادس ق.م، كما كان القرطاجيون مصدر خطر دائم على إغريق صقلية، ولكن هذين الخطرين قد أمكن صدهما، وعند بداية القرن الخامس صار الإغريق الشرقيون هم الذين يعانون الأمرين على أيدي جيرانهم. ولم يكن هذا بالأمر الجديد، فلطالما كانت مدن إيونيا الإغريقية عرضة للابتزاز والغزو من القوى الآسيوية. ولقد بدا الآن أن بر اليونان بات مهدداً هو الآخر، إذ ازداد احتكاك الإغريق والفرس ببعضهما في آسيا الصغرى مع غزو الفرس للممالك غير الإغريقية هناك، والذين اندفعوا عبر مضيق الدردنيل واحتلوا المدن الواقعة على ساحل تراقيا. وفي عام 499 ق.م ثار إغريق إيونيا على المطالب المفروضة عليهم، وأغضبهم بالأخص تدخل الفرس في شؤونهم الداخلية، ودعمهم للطغاة ضد رعاياهم. وقد نجحوا في ثروتهم لفترة من الزمن بفضل مساعدة بعض مدن بر اليونان، ولكنهم هزموا في النهاية، ثم قرر الفرس معاقبة إغريق بر اليونان على مساعدتهم للمتمردين.
فقام الفرس بغارة بحرية فاشلة، ثم أطلقوا أسطولاً آخر في عام 490 ق.م، وقد رسا الجيش الذي يحمله حسب الخطة المرسومة، إلا أن الأثينيين انتصروا عليهم في معركة ماراتون، حيث أثبتت قوات الهبليت المنظمة أنها قادرة على هزيمة جيش الفرس العظيم. ولكن الفرس عادوا بعد عشر سنوات، وقد جاءوا هذه المرة عن طريق البر، فراحوا يتقدمون على طول الساحل، ثم بنوا جسراً عظيماً من القوارب عند مضيق الدردنيل لكي يعبر عليه جيشهم إلى أوروبا، وتابعوا مسيرهم ببطء نحو الغرب والجنوب تحت حماية أسطولهم الذي كان يغطي ميسرتهم. واستلم الإسبرطيون عندئذٍ زعامة الدفاع عن الإغريق، وعند مضيق ترموبيل هزم الملك الإسبرطي ليونيداس مع 300 من جنوده، ولكنهم تركوا للمستقبل أسطورة خالدة من البطولة. ومابرح الفرس يتابعون تقدمهم، واضطر الإغريق للتخلي عن سهل الأتيك، فاحتلت أثينا وخربت، وانسحب الإغريق إلى كورنتس وجمعوا أسطولهم في خليج سلامينا. كان الخريف قد حل، وربما خاف ملك الفرس من الشتاء لأن شتاء اليونان قاسياً، فقرر أن يحسم الأمر ويهاجم سفن الإغريق. كان عددهم أكبر، ولكنه هذه الميزة ضاعت في المياه الضيقة حول جزيرة سلامينا، فحطم الإغريق أسطوله واضطر جيش الفرس للانسحاب عندما خسر دعم أسطوله وتموينه. وفي العام التالي 479 ق.م هزم الفرس في معركة بلاتيا، وفي اليوم نفسه أحرز الإغريق انتصاراً عظيماً آخر في ميكالي على الساحل الآسيوي، حيث أحرقوا أسطولاً فارسياً ثانياً، ورغم أن الحرب بقيت تجرجر أذيالها سنوات بعد ذلك، فقد كانت هذه الحقيقة نهاية خطر الفرس، وهي التي استهلت أعظم عصور تاريخ الإغريق.
وتم تحرير المدن الإيونية تحت زعامة الأثينيين، وقد اتسمت العقود التالية بنمو قوة أثينا، وخاصة في البحر، وأدى هذا الأمر إلى خوف بقية الدول منها، وبالأخص اسبرطة. ويبين الفرق بين أثينا واسبرطة مدى التباين الذي قد تبلغه إحدى دول المدن عن الأخرى. فقد كان تحكم اسبرطة ارستقراطية واسعة (حوالي 5000 رجل حسب كتاب القرن الخامس) بطريقة متقشفة جداً بل متزمتة، وكانت الرفاهية فيها ممنوعة، ولم يكن يحق للإسبرطيين أن يمتلكوا ذهباً ولا فضة. وكان دورهم ضئيلاً في حركة الاستيطان، فظلوا شعباً زراعياً يحتل أراضي جيرانه كلما احتاج إلى ذلك. ولم يكونوا أغنياء ولكنهم كانوا يحتفظون بجماعة كبيرة من عبيد الأرضي يسمون الهلّوت وكانوا يخشون ثوراتهم. وكانوا يفخرون بانتصاراتهم العسكرية، وكانت تقاليد الهبليت عندهم قوية بشكل خاص.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:10 PM
سيادة أثينا

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


سيادة أثينا
أما أثينا القرن الخامس، التي بنيت من جديد وعاد لها ازدهارها من بعد كارثة عام 480 ق.م، فقد كانت مدينة تجارية، وكانت حكومتها أكثر حكومات الدول الإغريقية ديمقراطية، إذ إن جميع القرارات كانت تتخذ عن طريق المجلس العام للمواطنين ولو أنهم لم يكونوا جميعاً قادرين على حضور الاجتماعات، ولا كانوا يشكلون أغلبية السكان، كما أن إدارييها كانوا يختارون عن طريق القرعة. وفي أعقاب الحروب مع الفرس أغرى الأثينيين أن يحاولوا تزعم بلاد اليونان، فشكلت عصبة من أجل دعم أسطول مشترك لمحاربة الفرس، لم ينضم إليها الإسبرطيون، كان أعضاؤها في البدء يساهمون بالسفن، ثم صاروا يدفعون المال للأثينيين بدلاً من ذلك من أجل بناء السفن وتزويدها بالرجال. وعندما بدأ أعضاء العصبة يشعرون أن خطر الفرس قد بات بعيداً رفضوا دفع ما يترتب عليهم، إلا أن الأثينيين أكرهوهم على ذلك. وحتى بعد عقد السلم في عام 449 ق.م استمرت هذه العصبة الديلية (سميت بهذا الاسم لأن قيادتها كانت أولاً في جزيرة ديلوس) وفي ذروتها كان هناك 150 دولة تدفع كلها الجزية لأثينا.
نادراً ما يحظى الغالبون بالشعبية، ولكن الأثينيين قد حظوا بالدعم والإعجاب بدلاً من العداوة، وكانوا ميالين إلى التدخل في الشؤون الداخلية للمدن الأخرى ودعم النظم الديمقراطية حيثما وجدت. إلا أن هذا الأمر لم يرق للمواطنين الأغنياء في المدن الأخرى، وكانوا هم الذين يدفعون الضرائب التي أضحت الآن جزية لأثينا. من ناحية أخرى كانت الأغلبية الفقيرة تحوز على دعم الأثينيين وكثيراً ما كان ذلك بالقوة، ولم يضرها أن يدفع الضرائب مواطنوها الأغنياء، ولا همها على ما يبدو المال المجتبى لم يعد يصرف على أسطول أثينا بل على تجميلها بالأبنية والصروح الفخمة. وقد كان إغريق القرن الخامس في العادة يعترفون لأثينا بالصدارة الثقافية وبأنها مثال لبقية اليونان. إلا أن العالم الإغريقي ما فتئ يزداد انقساماً، في أحد الجانبين وقفت دول ديمقراطية كثيرة تتطلع إلى زعامة أثينا، وقد ربط هذا الأمر الديمقراطية بالصراع ضد الفرس وبتفوق أسطول الأثينيين مثلما كان الإنكليز في القرن التاسع عشر يعتقدون أن انتشار الحضارة والحكم الدستوري عملية لا تنفصل عن البحرية الملكية التي تصون إمبراطوريتهم، بينما وقفت في الجانب الآخر الدول الأكثر أوليغرشية وأرستقراطية، والتي كانت حريصة على تجنب الصراع مع الفرس وتخشى زيادة امتداد قوة أثينا.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:11 PM
الحياة في اليونان

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


الحياة في اليونان
صحيح أن إغريق القرن الخامس كانوا يعيشون تحت دساتير مختلفة، وأنهم كانوا يفكرون بالعالم بطرائق مختلفة جداً عن الرجال والنساء في الحضارات الأولى، إلا أن بعض الأشياء لم تتغير كثيراً منذ نهاية عصور الظلام، إننا قد ننسى أحياناً حتى اليوم الكثيرين من الناس هم فلاحون، وفي العالم الإغريقي كان أكثر الناس يحصلون معيشتهم من الأرض، حيث ظلت الزراعة شاقة وبدائية حتى مع ظهور الأدوات الحديدية. أما في مجال التصنيع، فلم يكن هناك إلا بضع مئات من الفخارين هم الذين يصنعون الأعمال التي اشتهرت أثينا بتصديرها. وكان أكبر معمل للتروس في المدينة يعتبر هائلاً لأن فيه 120 عاملاً. وكان هناك عدد قليل نسبياً من الحدادين والحجارين وصناع الدروع والمجوهرات وغيرها من الاختصاصات. لقد بقيت الزراعة عماد الاقتصاد، مثلما هي الحال اليوم في كثير من دول العالم، ولكنها لم تنتج ثروة كبيرة، ولو أن الزيتون والكرمة قد وسعا من إمكانياتها، لأن تربة اليونان ليست غنية في العادة، فظلت المحاصيل قليلة وضعيفة النوعية طوال الأزمنة الكلاسيكية. وكانت بقع الأرض صغيرة جداً ، فحتى الرجل الغني لم يملك إلا 20-30 هكتاراً من أراضي الحبوب والكرمة معاً كما يبين تصنيف لمواطني أثينا بحسب الثروة وضع في القرن السادس. وقد ظل الاتجاه العام هو تقسيم الأملاك مرة بعد الأخرى عند الميراث، وكان أكثر الرجال الأحرار من صغار الملاك بمقاييسنا. وقد اقتضى الاعتماد على الزراعة في أراض صغيرة أن تكون الحياة شاقة وبسيطة، فإنك حين تنظر إلى آثار اليونان العظمية مثل بناء البارثينون في أثينا أو المعابد الإغريقية الكثيرة الباقية فقد تشكل انطباعاً خاطئاً عن الحياة في اليونان القديمة، لأن هذه كانت أبنية عامة تمول بموارد جماعية، ولكن الحقيقة أن أكثر الإغريق كانوا يعيشون في بيوت صغيرة متواضعة ويأكلون طعاماً بسيطاً، ولم يكن لديهم عبيد ولا حتى خدم.
لم يكن الفرق الأساسي بين الناس في دولة المدينة هو الفرق بين الأغنياء والفقراء ولا بين الأحرار والعبيد، بل كان بين المواطنين وغير المواطنين. لقد كان هناك الكثير من الفقراء بين مواطني دولة ديمقراطية مثل أثينا، وكان تزايد فقر الفلاحين في أماكن كثيرة مشكلة تتكرر باستمرار، كما يبدو أن عدد الأحرار الذين لا يملكون أرضاً كان يزداد بمرور الزمن، وكانت أعداد الأجانب المقيمين تزداد حيث تزدهر التجارة، أحد التقديرات يقول أن حوالي أربعين بالمئة من سكان أثينا الذكور في القرن الخامس ق.م كانوا من غير المواطنين على اختلاف أنواعهم. إلا أن هذه المدينة تبقى حالة خاصة، فقد كانت أكثر اعتماداً على التجارة والصناعة من أكثر المدن، لذلك كانت فيها نسبة أعلى من الرجال الأثرياء، وكان بعضهم ينتمون للعائلات الأرستقراطية القديمة، ويعيش هؤلاء على الدخل الذي تؤمنه له أملاكهم وهذا ما يفسر استهجان الإغريق لكسب المال عن طريق ممارسة المهن أو التجارة. إلا أن طبقة الأثرياء هذه كانت تتسع عن طريق انضمام التجار الأغنياء إليها أيضاً، ولم يكن الغنى يعني الكثير قياساً إلى أنماط الاستهلاك الحديثة ولكنه كان على كل حال يجعل الحياة مختلفة اختلافاً كبيراً عن حياة الفلاحين.
الرق
هناك جماعة أخرى هامة من سكان دولة المدينة كان لها وضع قانوني خاص، هي جماعة العبيد. في الأزمنة البعيدة القدم كان المهزومون في الحرب يستعبدون أحياناً، ولكن الرجال كانوا يقتلون في العادة بينما يبقى على النساء للاستفادة منهن في أشغال البيت واستغلالهن جنسياً. وعدا عن حالة الحرب هذه، كان الإنسان يصير عبداً إما بحكم ولادته أو بحكم محكمة أو بأن يشترى من أحد أسواق الرق الكبيرة في آسيا الصغرى. لقد نما بين القرنين الخامس والرابع ق.م شعور أن استرقاق الإغريق للإغريق أمر ظالم وشاذ، ولكن بقي هناك عبيد إغريق بالرغم من ذلك. كان عدد العبيد في اليونان أقل منه في إمبراطوريات الشرق الكبيرة أو في الأزمنة الرومانية اللاحقة، وإن لهذا الأمر علاقة أساسية بصغر حجم الأراضي الزراعية في اليونان، فقد كان بإمكان المزارعين أن يدبروا معيشتهم بالاعتماد على أنفسهم وعلى عائلاتهم، ولم يكونوا قادرين على شراء عبد ولا على إطعامه، لأنه لا ينتج ما يقوم بأود نفسه. ولم تكن هناك أملاك كبيرة تعتمد على عمل العبيد، وكان أكثرهم يعيشون في المدن، حيث يؤدون أنواعاً مختلفة من الأعمال كخدم وحرفيين. وقد ذاعت شهرة أحدهم وهو القاص ايزوبس. يبدو أن ربع عدد سكان أثينا في القرن الخامس كانوا من العبيد، ولكن لم يكن هناك أي قطاع في الاقتصاد يعتمد عليهم اعتماداً مطلقاً، ماعدا مناجم الفضة التي كانت تملكها الدولة، وكان بعض العبيد لا يعملون في خدمة شخص واحد بصورة دائمة بل يستأجرون ضمن جماعات ويدفع لهم أجر مثل العمال الأحرار، وكانوا يعملون إلى جانبهم في الأشغال نفسها، وكان على العبد أن يعطي سيده جزءاً من أجره، ولكن وضعه لم يكن يختلف كثيراً من الناحية العملية عن وضع عامل حر فقير.
كان من الممكن تحرير العبيد، كما كان بإمكانهم شراء حريتهم، ولكن يبدو أن هذا الأمر لم يكن شائعاً. على كل حال ما كان وضعهم ليتحسن كثيراً إذا تحرروا ماداموا يعملون مقابل أجر. إننا لا نسمع عن ثورات العبيد ماعدا ثورات عبيد الأرض الهلوت في إسبرطة، وهي حالة خاصة، ولكن هذا الصمت لا يعني الكثير، إذ يبدو أن أكثر العبيد المنزليين لم يعاملوا معاملة سيئة، ولكنهم كذلك كانوا معرضين لظروف قاسية جداً في مناجم الفضة بسهل الأتيك. إلا أن هذا الأمر لم يكن يصدم الإغريق القدامى كما يصدمنا اليوم، والحقيقة أن كل الناس كانوا يعيشون حياة قاسية بالنسبة إلى معاييرنا الحديثة، ويبقى الشيء الذي يميز العبد هو أن هناك إنساناًً آخراً يملك عليه سلطة مطلقة.
المرأة في اليونان القديمة
كانت النساء الحرات أيضاً مستثنيات من المواطنة، وتشير بعد الأدلة إلى أن حياتهن كانت مقيدة ومحجوبة من نواح أخرى أيضاً، وإن اختلفت العادات من مكان لآخر. يبدو أن أكثر الإغريق كانوا يرون أن الفتيات الاسبرطيات يتمتعن بحرية زائدة، وكانوا يستهجنون ارتدائهن السراويل الصغيرة أثناء ممارستهن التمارين الرياضية مع الفتيان. أما في منزل غني بأثينا مثلاً فكانت النساء يعشن في قسم منفصل من البيت تقفل أبوابه أثناء الليل، وهذا يذكرنا بعزلة النساء في الحريم الشرقي، والهدف منه كان على الأرجح هو منع الرجال من الوصول إلى الخادمات، لأنهن إذا حملن أو ولدن فسوف تضعف فائدتهن في العمل، وسوف تصير في البيت أفواه جديدة لابد من إطعامها. ونحن نعلم أيضاً أن النساء المتزوجات المحترمات كن يرتدين الحجاب عند الخروج من المنزل عادة، ولا يغادرنه وحدهن، ولا يجوز أن يتكلمن مع أحد في الطريق. كان الإغريق يحبون الحفلات كما تدل أعمالهم الخزفية، ولكن يبدو أن جو حفلاتهم كان مختلفاً كل الاختلاف عن جو الاسترخاء الذي يجمع بين النساء والرجال من النبلاء في رسوم المدافن المصرية. وقد لا يقابل رجال الإغريق نساء أصدقائهم أبداً، وإذا قابلوا امرأة في حفلة ما فهي حتماً امرأة تحترف مهنة الترفيه وتسمى hetaera وقد بلغت بعضهن من الشهرة ما سمح لأسمائهن بالوصول إلينا، ولم يكنّ مجرد مومسات بل كنّ يجدن الغناء والمحادثة والرقص، ولكنهن لم يكن محترمات أبداً لأن مفاتنهن هذه كانت معروضة للبيع.
لم يكن خارج البيت نشاط متاح لسيدة إغريقية من عائلة كريمة، كان بإمكان النساء الفقيرات أن يعملن عند الناس، ولكن السيدة لا تستطيع ذلك. لم يكن أمام المرأة أن تصبح ممرضة أو ممثلة أو كاتبة أو أي شيء من ذلك لأن هذه المهن لم تكن متاحة للإناث. ويبدو أن الإغريق كانوا في العادة يعتبرون الفتيات غير جديرات بالتعليم، أما في البيت فكانت هناك أشغال كثيرة، إذ كن يغسلن الملابس ويصنعنها ابتداءً من غزل الخيوط ثم حياكتها لصنع النسيج، وقد كان تدبير أمور البيت شاقاً ومضنياً.
من أسباب قلة الحقوق القانونية للمرأة بالنسبة إلى الرجل في أثينا كمثال خاص، أن المجتمع الإغريقي مثل كل مجتمع قبل مجتمعنا ومثل القسم الأكبر من العالم اليوم، كان يهتم بالعائلة وليس بالفرد. لقد كان مجتمعاً أبوياً، ولم يكن بإمكان النساء أن يمتلكن أو يدرن أعمالاً، وكن دوماً تحت الوصاية القانونية لأزواجهن أو لأقرب أقاربهن الذكور.وإذا صارت المرأة الوريثة الوحيدة لأملاك أبيها فيحق لأقرب أقاربها الذكور بل يفرض عليه أن يطلب يدها من أجل ضمان بقاء الأملاك للعائلة. أما عدا عن هذه التفاصيل فمن الصعب أن نقول أشياء عامة حول النظرة إلى المرأة في اليونان، ومن أسباب ذلك أن الأدب لا يكاد يذكر شيئاً عن الحياة في المنزل، ولكننا نعلم أيضاً أن النساء كن يذهبن إلى المسرح في أثينا، ولابد أنهن كن يشاهدن ويستمعن إلى الشخصيات الأنثوية الكبرى في التراجيديا الإغريقية، مثل أنتيغون وإلكترا وجوكاستا، وميديا، وغيرها من الأدوار الأنثوية المتنوعة جداً ولا يمكن أن يفهمنها إذ كن مجرد شغالات هامشيات. كما أنك تجد على شواهد القبور والمزهريات صور زوجات وأمهات راحلات يودعن عائلاتهن ويوحي هذا الأمر بحنان عميق، ولا تجد ما يشير إلى الازدراء في معاملتهن، بأن تحجب وتعيش حياة معزولة. لقد كانت زوجة سقراط تناكده باستمرار وهي حتماً لم تتصرف بصورة خانعة، ولابد أن تكون هناك زوجات كثيرات مثلها في اليونان القديمة، ففي المحصلة يستحسن أن نكون حذرين حين حكمنا على مواقف الإغريق من المرأة. قال هوميروس: ”لاشيء أجمل من أن يعيش الرجل وزوجته معاً في وحدة حقيقية، وأن يشتركا بالأفكار نفسها”. وكان جميع الإغريق المتعلمون يقرؤون هذا الكلام.
عندما يكون أطفال الإغريق صغاراً كانت تربيهم أمهاتهم، أما إذا أريد للصبية أن يذهبوا إلى المدرسة، ولم تكن البنات يرسلن إليها قط، فإنهم يخرجون عن نطاق رعاية الأم في عمر مبكر، وكان التعليم متاحاً للصبية الإغريق إذا كانت عائلتهم قادرة على دفع تكاليفه، وكان يشدد تشديداً كبيراً على حفظ الأشياء عن ظهر قلب، فتسمع عن صبية حفظوا أعمال هوميروس كلها بهذه الطريقة، وكان الأدب والكتابة والموسيقى والجمباز تشكل الجزء الأكبر من منهاج الدراسة. كان الهدف هو صنع "الرجل الكلي" وإعطاؤه تعليماً شاملاً ومتوازناً يؤهله لأن يأخذ مكانه في دولة المدينة ويشارك في قيمها وأذواقها، ولم يكن الغرض من التعليم التدرب على مهارات خاصة، بل كان الإغريق يعتبرون هذا الأمر أجدر بالعبيد. ولم تكن هناك جامعات إلى أن ظهر ما يشبه الجامعة في أثينا في أواخر القرن الخامس، ولكن يبدو أن المستوى العام لمعرفة القراءة والكتابة كان عالياً جداً، إذا حكمنا على ذلك من استخدام لوحات الإعلان والنقوش العامة في أثينا.

مسافر بلاحدود
10-15-2010, 04:13 PM
حرب البيلوبونيز

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث - أسس عالمنا


حرب البيلوبونيز
طوال أكثر من ربع قرن أي من عام 431 ق. إلى عام 404 ق.م احتدم صراع كبير تخللته هدنات قصيرة في كافة أنحاء العالم الإغريقي، وسمي هذا الصراع حرب البيلوبونيز لأن أحد طرفيه كان مكوناً من رابطة دول شبه جزيرة البيلوبونيز، التي تتزعمها اسبرطة ضد أثينا. لقد تورطت جميع الدول الإغريقية تقريباً في مرحلة أو أخرى من هذا الصراع، ولم تعرف اليونان قبله حرباً على هذا المدى الواسع، وقد دفعت هذه الحرب ثوقديديس إلى كتابة دراسته التاريخية من أجل تفسير سبب نشوبها، ويتفق المؤرخون منذ ذلك الحين على أنها كانت نقطة تحول في تاريخ الحضارة.
وليس اندلاع هذه الحرب غريباً بالنظر إلى ريبة الإغريق وحساسيتهم، فقد كان السخط يتزايد على سيادة أثينا، وكانت اسبرطة تقود المعارض ضدها فيما يمكن أن نسميه "الحرب الباردة" استمرت 40 سنة. وكان قد اندلع في عام 460 ق.م اقتتال استمر سنوات عديدة، ثم بقيت كل من أثينا واسبرطة مضطرتين لقتال الحلفاء والأتباع المنشقين، ويبدو أن الكثير من الأثينيين كانوا يعتقدون أن نشوب حرب أخرى قد بات أمراً محتماً. كانت أثينا تريد حيازة قصب السبق بين الدول الإغريقية، وكان هذا أمراً لابد من حسمه، وكان الاسبرطيون يخشون نوايا الأثينيين ويحظون بتعاطف الإغريق المعارضين للنظم الديمقراطية التي مافتئت أثينا تزداد تأييداً لها، ثم كانت هناك أيضاً غيرة من ثروة أثينا وسلطتها التجارية، وخاصة بين أهل كورنتس، وهي مثلها مدينة تجارية كبيرة. والحقيقة أن الحرب قد ابتدأت عندما ثارت كركيرا (كورفو الحالية) التابعة لكورنتس واستغاثت بمساعدة الأثينيين، فبدت هذه لبعض الأثينيين فرصة لا تفوت، لأن كركيرا واقعة على طريق هامة جداً نحو الغرب، وكانت السفن في تلك الأزمنة تحاول أن تبقى على مرأى من اليابسة، فكانت لها بالتالي ميزة إستراتيجية هامة. وعندما لبى الأثينيين نداء الكركيريين اشتكى الكورنتسيون إلى الاسبرطيين، كما اشتكت مدن أخرى من طغيان أثينا، إلا أن الزعيم الوطني والمهيج للدهماء بركليس الذي كان يسيطر على أثينا قد ألح على أهل مدينته ألا يقدموا تنازلات، بل قال هم أن أثينا نموذج يحتذى لليونان كلها. وهكذا ابتدأ الاسبرطيون في عام 431 ق.م ما سموه حرب التحرير.
كان حلفاء الأثينيين والاسبرطيين موزعين في كافة أنحاء العالم الإغريقي تقريباً، ولكن يمكنك أن تقول بصورة عامة إن إيونيا والجزر كانت إلى جانب الأثينيين، بينما كانت شبه جزيرة البيلوبونيز إلى جانب الاسبرطيين وكانت المستوطنات تتبع أحياناً مدنها الأصلية وأحياناً أخرى لا تتبعها. أي أن الحرب كانت في الحقيقة بين البحر والبر. كان الإسبرطيون يغزو أرض أثينا في كل فصل من فصول الحملات الحربية، فينسحب الأثينيون إلى ما وراء أسوار مدينتهم، ويتركون أراضيهم عرضة للتخريب والاحتلال، ولكنهم كانوا يؤمنون الغذاء عن طريق البحر، ويقومون بعمليات عسكرية تمتد لمسافات بعيدة. وهكذا ظلت الحرب تسير في طريق مسدود لزمن طويل، لقد عانى الأثينيون في إحدى المرات من الطاعون معاناة رهيبة، ولكن لم يستطع أن يهزمهم الجيش الإغريقي الذي تعوزه أساليب الحصار ومهارات الهندسة المعروفة في جيوش فارس. ومات بركليس في عام 429 ق.م فعقد السلم لبضع سنوات عام 421 ق.م، إلا أن الأثينيين عادوا وحركوا الحرب من جديد فخططوا لحملة كبيرة ضد سيراكوزا (سرقوسة)* وهي أغنى المدن المؤيدة لعصبة البيلوبونيز، ولكن حملتهم انتهت بكارثة فقدوا فيها نصف جيشهم وأسطولهم بأكمله، وفوق هذا فإنها جعلت الإسبرطيينن يطلبون مساعدة الفرس، فمول هؤلاء عندئذٍ أسطولاً لمساعدة المدن التي أرادت رفع نير أثينا، مقابل وعد بعودة سيطرتهم السابقة على المدن الإغريقية في آسيا، وفي هذه المرة تدمر أسطول الأثينيين بعد سنوات طويلة من الاقتتال وعانوا من الحصار والمجاعة، فأكرهوا على الاستسلام.
لقد جرى هذا الصراع إذاً على نطاق واسع لم تعرف اليونان مثله من قبل لأن صد غزوات الفرس السابقة كان عبارة عن معركتين في البحر ومعركتين على البر، كما أن الحروب بين الدول الإغريقية لم تكن أكثر من حملات صيفية قصيرة تنتهي بمعركة بين جيشين من الهبليت. إلى أن لحرب البيلوبونيز هذه أهمية كبرى في نتائجها عدا ضخامتها، يقول ثوقيديدس أنها امتدت فترة هائلة من الزمن، وسببت للإغريق مآسي لم يعهدوها قط، ولم يكسب أحد من هذه الحرب إلا الفرس. لقد حاول الاسبرطيون المنتصرون في البداية إرهاب الدول الإغريقية الأخرى عن طريق قوتهم العسكرية، مثلما كان الأثينيون قد سيطروا عليها من خلال قوتهم البحرية، ولكنهم اضطروا لمحاربة تحالفات أخرى بدورهم، وعندما هزم جيش اسبرطة الشهير في لوكترا في عام 371 ق.م بات من الواضح أن اسبرطة ليست بأقدر من أثينا على السيطرة على المدن الإغريقية وفرض نوع من الوحدة عليها. والحقيقة أن الحرب قد بينت أن أقوى الدول الإغريقية عاجزة عن التمتع بالسيادة المطلقة على الباقيات، فلا كان الإغريق بقادرين على أن يبتعد بعضهم عن شؤون بعض، ولا على قبول سيادة إحدى دولهم على الأخريات. فربما كان وحدة الإغريق مستحيلة ما لم تفرض فرضاً عن طريق الغزو، ولكن لم تكن أي دولة بينهم تملك القوة الكافية لذلك. وكان الكثير منها قد فقدت اكتفاءها الذاتي منذ زمن طويل، وصارت لها مصالح تجارية كثيرة اضطرتها لدخول السياسة في كافة أنحاء العالم الإغريقي من أجل رعايتها. فأثينا مثلاً لم تكن تستطيع العيش من دون استيراد الحبوب وتصدير الخمر والزيت والمصنوعات.
لقد وضعت الحرب أيضاً عبئاً ثقيلاً على الشؤون الداخلية للجماعات الإغريقية، ولكن ينبغي علينا أن نكون حذرين في تقدير هذا الأمر، لأن ما نعرفه عن تاريخ بعضها أكثر بكثير مما نعرفه عن بعضها الآخر. في أثينا أدت الحرب الطويلة إلى التخصص بين الجنود والبحارة فازداد بالتالي استخدام المرتزقة، وظهرت فروق اجتماعية جديدة بسبب التجارة، لأن التجار صاروا أغنياء. وتفاقم الشعور بالظلم بين الفلاحين الذين يرون أراضيهم تخرب المرة تلو الأخرى أثناء المعارك. كما سبب الهجوم على السياسيين الذين تسببوا بهذه الكوارث مرارة كبيرة، وقد ساهمت كل هذه الأشياء في إحداث ثورة وضعت الأوليغرشية محل الديمقراطية لفترة من الزمن. إلا أن الأمر كان أعمق من حلول نظام سياسي محل نظام سياسي آخر، لأن المفهوم القديم لدولة المدينة كوحدة مكونة من مواطنين يشتركون بصورة متساوية في جميع نشاطاتها لم يعد مناسباً للمستوى الذي بلغته الحياة في الدولة.
لقد زالت دولة المدينة في النهاية، ومابرح الناس منذ ذلك الحين يتساءلون عن السبب، إلا أن هناك حقيقة أخرى ربما كانت أهم من هذا السؤال. لقد نظرت العصور اللاحقة إلى اليونان القديمة ورأت فيها نجاحاً هائلاً مهما كانت إخفاقاتها السياسية، وكان الناس يرونها كياناً واحداً لأنهم لم يعرفوا عنها الأشياء الكثيرة التي نعرفها اليوم، كما أنهم لم يعرفوا التقسيمات التي يضعها العلماء الآن بين الأزمنة والأمكنة المختلفة. وقد كانت تلك غلطة مثمرة، لأن الفكرة التي شكلها الناس عن اليونان لا تقل أهمية عن حقيقتها. سوف يُعاد شرح معنى التجربة الإغريقية وتفسيرهاً كثيراً، وسوف تُكتشف اليونان القديمة ويُفكر فيها مراراً، فتُبعث لتحيا بأشكال مختلفة طوال أكثر من ألفي سنة. وسوف يعود الأوروبيون إليها المرة تلو الأخرى لتأمل معانيها، وليس هذا إلا اعترافاً واجباً لها، لأن الحضارة الإغريقية كانت رغم سحاباتها أعظم امتداداً لسيطرة الإنسان على مصيره حتى ذلك الزمان. ولم تتوقف أوروبا قط عن جني فوائد رأس المال الذي وضعته اليونان، ومن خلال أوروبا بلغت ثمار تلك الوديعة العالم بأسره.


* في جزيرة صقلية

محمد أبوبكر
10-15-2010, 06:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

بارك الله فيك أخي الغالي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:34 AM
مقدونيا والهلينية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

مقدونيا والهلينية

لقد أقام الإغريق عالماً جديداً في المتوسط والشرق الأدنى، والمفارقة أن هذا العالم قد نشأ أثناء تفسخ دول المدن، إذ أمست هذه الدول أضعف وأقل قدرة على مقاومة التدخل الخارجي من بعد كارثة حرب البيلوبونيز، فبدأت تبزغ قوة جديدة على الطرف الشمالي لليونان هي مملكة مقدونيا. كان بعض الناس وخاصة المقدونيين يقولون إن مقدونيا دولة إغريقية وجزء من العالم الإغريقي، وكان أهلها يتحدثون اللغة اليونانية ويحضرون احتفالات اليونان، كما كان ملوكها يدعون أنهم متحدرون من سلالات إغريقية، بل من أخيل نفسه بطل الإلياذة الأخائي العظيم. إلا أن الكثيرين من الإغريق لم يقبلوا بهذا، وكانوا يعتبرون المقدونيين شعباً بربرياً غير متحضر لا يقارن بالشعوب ذات الثقافة الغنية في بحر إيجة وصقلية.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp4-1.jpg

نمو مقدونيا

لاريب أن مقدونيا كان بلداً متخلفاً بالقياس إلى أثينا أو كورنتس مثلاً، وكان على ملوكها أن يتعاملوا مع أرستقراطية من الزعماء الجبليين البعيدين كل البعد عن الجو الثقافي المتطور في أثينا، إلا أنها قد غيرت مجرى تاريخ الإغريق بفضل اجتماع عدد من العوامل الملائمة. من تلك العوامل ظهور أمير كفؤ وطموح فيها عام 359 ق.م، كان من بين طموحاته أن يُعترف بمقدونيا كبلد إغريقي، وهو فيليبس الثاني ولي عهد المملكة، لقد كانت الظروف كلها في صالح فيليبس، لأن الدول الإغريقية كانت منهكة إثر صراعها الطويل، وفارس كانت قد مرت بسلسلة من الثورات تركتها في حالة ضعف. كما أن مقدونيا كانت غنية بالذهب فكان بمقدورها أن تمول جيشاً قوياً وفعالاً تدين فعاليته بالكثير لجهود فيليبس الشخصية. وكان فيليبس قد فكر ملياً في الأساليب العسكرية الإغريقية عندما كان في طيبة أثناء شبابه، وتوصل إلى أن تطوير تكتيك الهبليت يكمن في ابتكار تكوين جديد، هو الكتيبة المؤلفة من عشرة صفوف من المشاة المسلحين برماح طويلة. كانت رماح هذه الكتيبة أطول بمرتين من الرماح العادية، وكانت المسافة بين الرماحين أكبر منها في تشكيل الهبليت، بحيث تبرز رماح الذين في المؤخرة من المقدمة بين الصفوف الأمامية، وقد شكل هذا الترتيب سلاحاً رهيباً مكوناً من الرماح المتراصة التي تشبه أشواك القنفذ. وفوق هذا كان يدعمها أيضاً خيالة مدرعون وسلاح حصار مكون من أسلحة ثقيلة مثل المنجنيق.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:35 AM
الاسكندر الكبير

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

الاسكندر الكبير

لقد بلغ من نجاح الجيش المقدوني أنه مكن فيليبس وابنه من بعده القضاء على استقلال مدن بر اليونان وإنهاء حقبة من تاريخ البشرية هي حقبة دولة المدينة. في عام 335 ق.م محيت طيبة عن بكرة أبيها واستعبد سكانها عقاباً لهم على ثورتهم، ويمكننا اعتبار هذا التاريخ نقطة تحول هامة، صحيح أن ثورات أخرى قد حصلت فيما بعد، إلا أن عصر اليونان الكلاسيكية العظيم كان قد ولى، ويكفي هذا الأمر وحده لكي يضمن لملوك مقدونيا مكاناً في التاريخ. إلا أن هناك تغيرات باهرة أكثر سوف تحدث في عهد الاسكندر ابن فيليبس، وهو واحد من الرجال القلائل في التاريخ الذين درجت العادة على إطلاق لقب ” الكبير ” عليهم. لقد سحرت شخصيته حلفاءه وأحاطت الأساطير باسمه حتى صار معبود الناس طوال آلاف السنين. كان الاسكندر قبل كل شيء محارباً وفاتحاً، ولكنه كان أكثر من هذا بكثير، ومن المؤسف أنه لم تبق لنا سيرة معاصرة عنه، ومازالت حقائق كثيرة حول حياته وشخصيته غامضة، ولكنه كان بلا شك قوة حاسمة لا في تاريخ اليونان وحدها بل في تاريخ العالم أيضاً، منذ عام 334 ق.م عندما عبر إلى آسيا لمهاجمة الفرس على رأس جيش مجند من دول إغريقية كثيرة، حتى عام 323 ق.م، عندما مات في بابل ربما بالتيفوئيد، وله من العمر ثلاثة وثلاثون سنة فقط

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp4-2.gif

من فسيفساء تمثل الإسكندر المقدوني

كان الاسكندر مغرماً بإغريقيته، وكان يجل ذكرى أخيل الذي يعتبره جداً له ويحمل معه في حملاته نسخة يعتز بها من قصائد هوميروس، كما كان قد تتلمذ على يد أرسطو، وكان مقاتلاً شجاعاً بل متهوراً في بعض الأحيان، كما كان قائداً داهية وبارعاً في قيادة الرجال، وكان يعرف عندما يفتح البلاد أن يتصرف بتعاطف مع شعبها بعد الإطاحة بحكامها. وكان أيضاً رجلاً عنيفاً، إذ يبدو أنه قتل صديقاً له في شجار وهو ثمل، بل ربما وافق على مقتل أبيه.


فيليبس المقدوني والاسكندر الكبير

358-336 ق.م
حكم فيليبس الثاني المقدوني
338 ق.م
معركة خيرونيا تضمن لفيليبس المقدوني السيطرة على بر اليونان
336-323 ق.م
حكم الاسكندر
334 ق.م
الاسكندر يغزو إمبراطورية الفرس، ويكسب معركة غرانيكوس قرب الدردنيل
333 ق.م
الإسكندر يهزم داريوس الثالث ملك فارس في معركة ايسوس
332 ق.م
الاسكندر يحاصر صور ويستولي على مصر
331 ق.م
هزيمة داريوس الثالث النهائية في معركة كوكميلة ثم موته في العالم التالي
330-324 ق.م
حملات الاسكندر إلى المرزبانات الفارسية الشرقية وغزوة للهند
323
موت الاسكندر


مهما كانت نقائص الاسكندر فإنها لم تمنعه من إحراز مسيرة باهرة من النجاح، لقد هزم الفرس في آسيا الصغرى في معركة ايسوس، ثم قطع إمبراطوريته كلها جنوباً أولاً عبر سوريا إلى مصر، وعاد نحو الشمال والشرق إلى بلاد الرافدين مطارداً ملك الفرس داريوس الثالث الذي مات أثناء فراره، فكانت تلك نهاية الحقبة الأخمينية. ثم تابع مسيره عبر إيران وأفغانستان ونهر جيحون (آمودريا) وما وراء سمرقدند، وأسس مدينة على نهر سيحون سيردريا، ثم عاد نحو الجنوب ثانية لكي يغزو الهند ولكنه بعد أن قطع مئتي كيلو متر وراء نهر الهندوس وصار ضمن إقليم البنجاب بلغ الإنهاك بقواده مبلغاً شديداً فجعلوه يعود أدراجه. وعاد في مسير فظيع على نهر الهندوس وعلى طول الساحل الشمالي للخليج الفارسي إلى أن وصل إلى بابل وهنا مات الاسكندر.

إلا أن حياته القصيرة لم تقتصر على الفتوحات، وسرعان ما تفككت إمبراطوريته من ناحية أنه لم يعد لها مركز حكم واحد، ولكنه نشر التأثير الهيليني إلى أصقاع لم يكن قد بلغها قط. لقد أسس الاسكندر مدناً كثيرة كانت تسمى على اسمه في العادة، ومازالت هناك مدن عديدة تحمل اسم الإسكندرية، عدا عن أماكن أخرى تحمل اسمه بصورة مقنعة. كما أنه مزج الإغريق والآسيويين في جيشه بحيث راح كل منهم يتعلم من الآخر، وصار هذا الجيش قوة أكثر عالمية. لقد جند الشباب من نبلاء الفرس، كما ترأس ذات مرة زواجاً جماعياً لتسعة آلاف من جنوده على نساء شرقيات، وترك الاسكندر الإداريين السابقين في البلاط الفارسي في مناصبهم من أجل إدارة الأراضي المفتوحة، بل إنه اتخذ اللباس الفارسي أيضاً مثيراً بذلك استياء رفاقه الإغريق الذين كانوا يستنكرون ما فرضه على زوار بلاطه من سجود أمامه سيراً على عادة ملوك الفرس.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp4-3.jpg

إمبراطورية الإسكندر ومساره في فتوحاته والمعرك الهامة

لقد كان الإطاحة بأعتى إمبراطورية في عصره وإنهاء عصر المدن الإغريقية في أوروبا وآسيا معاً أعمالاً غيرت شكل العالم، ولو أن تأثيرها الكامل لم يتضح على الفور. وكانت هناك نتائج إيجابية كثيرة لم تظهر إلا بعد موته، عندما برزت آثار الأفكار والمعايير الإغريقية التي نشرها في أصقاع الأرض في البلاد الإغريقية وغير الإغريقية على السواء. ولهذا السبب صيغت كلمة هلنستي لوصف العصر الذي تلا موته والمنطقة التي غطتها الإمبراطورية السابقة أي بالتقريب المنطقة الواقعة بين بحر الأدرياتيك ومصر في الغرب وجبال أفغانستان في الشرق، أما إمبراطوريته نفسها فلم تبق متماسكة لزمن طويل، ولم يخلف الاسكندر وريثاً له سرعان ما راح قواده يتنازعون على الغنائم.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:36 AM
خلفاء الاسكندر: العالم الهلنستي

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


خلفاء الاسكندر: العالم الهلنستي


لقد احتاج الأمر حوالي أربعين عاماً لكي تستقر أراضي الإمبراطورية السابقة في ترتيب جديد كمجموعة من الممالك التي يحكم كلاً منها أحد رجال الاسكندر أو رجل متحدر منه، ويسمى هؤلاء عادة الخلفاء Diadochi . وكانت أغنى تلك الممالك في مصر، حيث استولى على زمام الأمور قائد مقدوني اسمه بطليموس، وقد تمكن بطليموس من الفوز بجثمان الاسكندر ودفنه في مدفن فخم مهيب في الإسكندرية، فمنحه هذا مكانة خاصة كحارس لرفات الفاتح العظيم. كما أنه أسس آخر سلالة مصرية في العصور القديمة، وهي السلالة التي سوف تحكم مصر حتى عام 30 ق.م عندما ماتت آخر البطالسة، أي كليوباترا الشهيرة عدا عن فلسطين وقبرص وجزء كبير من ليبيا. إلا أن مصر لم تكن أكبر دول الخلافة. فرغم أن فتوحات الاسكندر في الهند قد آلت إلى ملك هندي، فإن أسرة سلوقس وهو قائد عسكري آخر من مقدونيا قد حكمت لفترة من الزمن مساحة تمتد من أفغانستان حتى البحر المتوسط، ولكن هذه المملكة السلوقية لم تبق كبيرة إلى هذا الحد، إذ تأسست في بداية القرن الثالث ق.م مملكة جديدة اسمها مملكة برغاما في آسيا الصغرى، كما أسس جنود إغريق مملكة أخرى في بلخ في أفغانستان الحالية. أما مقدونيا نفسها فقد غزاها البرابرة ثم صارت بيد سلالة جديدة، بينما استمرت الدول الإغريقية القديمة في تفسخها، وكانت تنظم نفسها أحياناً في اتحادات فضفاضة مع أن بعضها كانت قد أملت باستعادة استقلالها عند موت الاسكندر ولكن لا حاجة بنا هنا لكل هذه التقلبات؛ إن أهميتها التاريخية تكمن في أنها كانت التربة التي مهدتها فتوحات الاسكندر لنمو الأفكار والحضارة الإغريقية نمواً لا سابق له، إذ غدت اليونانية هي اللغة الرسمية في الشرق الأدنى كله، وكانت أكثر شيوعاً كلغة يومية أيضاً خاصة في المدن الجديدة.

لقد أُسس عدد كبير من هذه المدن خصوصاً في أراضي السلوقيين وشُجّع المهاجرون الإغريق على الاستقرار فيها، ولكنها كانت مختلفة جداً عن المدن الإغريقية القديمة في بحر إيجة، إذا أنها كانت أكبر منها بكثير وسرعان ما صار في كل من الإسكندرية بمصر وأنطاكية في سورية والعاصمة السلوقية قرب بابل حوالي 200.000 نسمة. كما أن هذه المدن لم تكن ذات حكم ذاتي قط، فالسلوقيون مثلاً كانوا يحكمون من خلال حكام الولايات وأجهزة الإدارة التي استلموها من الإمبراطورية الفارسية القديمة، والتي كان إغريق القرن الخامس يعتبرونها دولاً استبدادية بربرية. وراحت تظهر إدارات مستمدة من التقاليد القديمة لمصر وبلاد الرافدين وليس من تقاليد دولة المدينة، وقد منح الحكام ألقاباً شبه إلهية مثل ملوك الفرس القدامى، وفي مصر أحيى البطالسة عبادة فرعون القديمة كما أن أول البطالسة اتخذ لقب ”سوتير” أي المخلص.

إلا أن المدن كانت ذات طابع إغريقي إلى حد ما، فقد كانت أبنيتها تشيد حسب الأنماط الإغريقية، كما كانت فيها مسارح وصالات رياضة ومراكز للألعاب والاحتفالات تشبه كثيراً مثيلاتها في الماضي. وظهرت التقاليد الإغريقية أيضاً في الأسلوب الفني، وربما كان أشهر التماثيل الإغريقية هو تمثال أفروديت الذي وجد في جزيرة ميلوس والموجود في متحف اللوفر بباريس اليوم، ويسمى فينوس ميلوس وهو عمل الحقبة الهلنستية. ومثلما انتشر الأسلوب والموضة الإغريقيان كذلك انتشرت الثقافة الإغريقية، ولكن الريف لم يتأثر بها تقريباً إذ لم تكن اليونانية اللغة الأصلية لأكثر الناس في دول الخلافة ولو أن الكثيرين منهم قد تعلموا الحديث بأشكال منها. وسرعان ما راح الكتاب في المدن الجديدة يكتبون أعمالهم باليونانية، وقد وجد هذا الأدب جمهوراً ورعاة له في بيئة ما برحت تزداد ازدهاراً لزمن طويل، لأن حروب الاسكندر كانت قد أطلقت غنائم هائلة من الذهب والفضة والأغراض الثمينة حركت التطور الاقتصادي، كما أمنت الضرائب اللازمة لتمويل الجيوش الدائمة والإدارات، وكان العالم الهلنستي أوسع بكثير من العالم الإغريقي السابق، ومسرحاً أوسع منه للثقافة الإغريقية.

إن أوضح إشارة إلى استمرارية تقاليد الماضي هي دراسة العلم، وكانت الإسكندرية في مصر بارزة بروزاً خاصاً في هذا المجال، ففيها عاش إقليدس، وهو الرجل الذي نظم علم الهندسة وأعطاه شكله الذي احتفظ به حتى القرن التاسع عشر ميلادي. ومن أبناء الإسكندرية أيضاً رجل كان أول من قاس حجم الكرة الأرضية وأول من استخدم البخار لنقل الطاقة. اشتهر أرخميدس ببناء آلات الحرب في صقلية كما اشتهر باكتشافاته النظرية في الفيزياء، وكان على الأرجح تلميذاً لإقليدس، وثمة إغريقي هلنستي آخر هو أريستارخوس وهو من ساموس وليس من الإسكندرية توصل إلى فكرة أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، ولو أن معاصريه لم يقبلوا بهذه النظرية لأنها لا تتفق مع فيزياء أرسطو. إن هذه الكمية من العلوم والفرضيات ، وماهذا إلا غيض من فيض، هي إضافات كبرى إلى معارف البشرية، ولكن بالرغم من هذا كانت هناك عقبة هامة أمام العلم الهلنستي، وهي غياب الرغبة باختبار تلك النظريات بصورة عملية وعدم توفر الأدوات اللازمة لذلك أيضاً، وكان العلماء متحيزين للعلوم الرياضية وليس التطبيقية، وربما لم يكن وضع التقنية في ذلك الزمان يسمح بالاستخدام العملي لتلك الأفكار، ولو أن البعض قد عارضوا هذا الرأي قائلين إن المخترعين الهلنستيين كانوا قادرين على بناء محرك بخاري مثلاً لو أنهم تخيلوه. ومع هذا قد يجوز لنا اعتبار انتصارات العلم الهلنستي تعويضاً عن ضياع تقاليد الحكم الذاتي في السياسة، والأسئلة الفلسفية المتعلقة بأهداب الحياة وكيف يجب على الناس أن يعيشوا ويسلكوا، إلا أن العالم الهلنستي قد نجح في إنتاج فلسفة أخلاقية جديدة هامة هي الفلسفة الرواقية. وتقول الرواقية بصورة تقريبية أن واجب الإنسان هو أن يكون فاضلاً مهما كانت العواقب المترتبة عليه من ذلك، والفضيلة هي قبل كل شيء إطاعة القوانين الطبيعية التي تحكم الكون والناس جميعاً وليس الإغريق وحدهم. وكانت تلك أول محاولة لتقديم فلسفة تصلح للبشرية جمعاء، كما نتجت عنها أول إدانة للعبودية، وهي خطوة فكرية عملاقة لم يحرزها فلاسفة اليونان الكلاسيكية قط، وسوف يكون لهذه الأفكار تأثير عميق طوال قرون عديدة بين نخب قوة جديدة هي روما.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:37 AM
صعود قوة روما

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


صعود قوة روما

في هذه المنطقة التي تأثرت تأثراً عميقاً بل تبدلت بفعل الثقافة المنبعثة أصلاً من اليونان، سوف تنتشر في النهاية قوة إمبراطورية جديدة، وسوف تضم أيضاً جزءاً كبيراً من بر أوروبا وشمال أفريقيا، وهما منطقتان لم تدخلا نطاق الحضارة قبل ذلك قط، فضلاً عن العالم الهلنستي، هذه القوة هي إمبراطورية روما. يمكننا اعتبار روما واحدة من الدول الهلنستية الخليفة، ولكن تاريخها يبدأ بحسب التقاليد وبحسب الدراسات الحديثة أيضاً قبل الاسكندر بوقت طويل، وإثر طرد الملوك الإتروريين في حوالي عام 510 ق.م.
كانت روما في ذلك الزمان جمهورية، وسوف يظل مواطنوها يصرون على تقاليدهم الجمهورية، حتى عندما باتوا يعيشون في دولة أشبه بالملكية، ومن الناحية الواقعية لا يمكنك أن تعتبر أن الجمهورية استمرت أكثر من 450 عاماً، أي حتى منتصف القرن الأول ق.م، ولكنها على كل حال فترة طويلة. لقد تغيرت الجمهورية كثيراً على مدى السنين، إلا أن هناك تغيراً كان أهم من سواه لأنه يفسر تأثير روما على التاريخ اللاحق، هذا التغير هو توسع سلطتها وانتشارها، فعلى عهد الجمهورية باتت سلطة روما تضم عالم البحر المتوسط بأكمله، وقد صنعت إمبراطورية رومانية كانت إطاراً ومهداً لأشياء كثيرة مازالت تشكل حياتنا اليوم.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:38 AM
الجمهورية الباكرة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

الجمهورية الباكرة

لقد تغيرت روما كثيراً خلال تلك القرون التي بنيت فيها الإمبراطورية، وكان أول قرنين من عمر الجمهورية مليئة بالصراعات السياسية العنيفة، وكان سببها أحياناً مطالبة المواطنين الفقراء بالمشاركة في السلطة إلى جانب الأغنياء والنبلاء. كان هؤلاء يسيطرون على مجلس الشيوخ، وهو جهاز الحكم الأساسي، كما تبين الأحرف المنقوشة على الصروح وعلى رايات الجيش spqr وهي الأحرف الأولى من عبارة لاتينية معناها مجلس شيوخ روما وشعبها. والغريب أن هذه الصراعات استمرت زمناً طويلاً من دون أن تلحق بالجمهورية ضرراً قاتلاً، ويدل هذا دلالة كبيرة على أن مؤسساتها كانت تتغير رويداً رويداً مع تقديمها التنازلات للقوى الشعبية. ولكن رغم أن المواطنين الفقراء أحرزوا انتصارات كبيرة ونالوا حصة أكبر من غنائم السلطة فإن روما لم تصبح قط ديمقراطية بمعنى أن يسيطر فيها الفقراء على الحكم زمناً طويلاً.
وبقي المواطن الروماني العادي فلاحاً يزرع أرضه الصغيرة مستفيداً من المناخ والخصب الرائعين اللذين جعلا إيطاليا دوماً بلداً غنية عندما تحكم بصورة جيدة، بل حتى عندما لا تحكم بصورة جيدة أحياناً. وكان الفلاح يتصف بالكد والمهارة اللذين ميزا الإيطاليين في زمن لاحق، وكانت زراعته هي أساس الجمهورية الباكرة، ولم تكن روما في الأيام الأولى للجمهورية قد أصبحت بعد مدينة كبيرة تعيش على الحبوب المستوردة ومليئة بأعداد هائلة من المهاجرين كما أصبحت في القرون القادمة. كان الروماني العادي يملك أرضاً صغيرة إذاً كما أنه كان مستقلاً، ولم تنتشر ظاهرة الأملاك الكبيرة التي يملكها سكان المدن وتعتمد على عمل العبيد لزراعة الحبوب والزيتون لصنع الزيت من أجل بيعها إلا في القرن الثاني ق.م. وحتى نهاية هذه القصة سوف ينظر الرومان بحنين إلى الأيام البسيطة للجمهورية الباكرة على أنها الأزمنة التي كان فيها المواطن متمسكاً بالقيم والفضائل الرومانية ويعيش مستقلاً بالاعتماد على قطعة الأرض التي يملكها.
إن هذا الأساس الزراعي الضيق يجعل من الصعب تفسير المرحلة الأولى من توسع روما، وليس من العدل أن نقول أن الرومان كانوا دوماُ عدوانيين ومتلهفين للغزو، إذ كثيراً ما كان حكم روما مثل الإمبراطوريات اللاحقة يمتد بسبب الخوف من الجيران والمنافسين وليس بسبب الجشع، كما أن هذا التوسع كان بطيئاً. صحيح أن مساحة أرض روما قد تضاعفت بقدر مثلين على حساب جيرانها في القرن الخامس، وأن سيطرة الرومان قد حلت محل سلطة الإتروريين في وسط إيطاليا، إلا أن هذه لم تكن بعد بداية نموها المتواصل. في عام 390 ق.م نهب غاليون من الشمال روما نفسها وهذه هي المناسبة المشهورة التي تقول الأسطورة أن الرومان التجأوا فيها إلى مبنى الكابيتول حيث أنقذهم من الهجوم المباغت صياح الإوز التي لاحظت ما كان يجري وكل على حال كان الرومان في حوالي عام 250 ق.م يسيطرون على إيطاليا إلى الجنوب من نهر الأرنو، وكانت هذه المنطقة تابعة إما للجمهورية أو لخلفائها، الذين سمح لهم بإدارة شؤونهم الداخلية على أن يزودوا جيش روما بالرجال، وبالمقابل كان مواطنوهم يتمتعون بحقوق المواطنين الرومان عندما يأتون إلى روما، ويشبه هذا الأمر إلى حد ما سيطرة أثينا على عصبة ديلوس.
كان نجاح روما قائماً على عدد من الميزات، فقد ساعدها موقعها الاستراتيجي كمدينة وكذلك انغماس الإترورييين الطويل بصراعاتهم مع الإغريق والمدن اللاتينية الأخرى بينما كانت القبائل السلتية تضغط عليهم من الشمال. وهناك عامل آخر هو النظام العسكري الذي استفاد الفائدة القصوى من طاقة روما البشرية، فقد كان من واجب كل مواطن ذكر بحوزته أملاك أن يخدم في الجيش إذا احتاج الأمر، وكان هذا مطلباً شاقاً، لأن جندي المشاة كان يخدم ست عشرة سنة على عهد الجمهورية، ولو أن الخدمة لم تكن تشمل العام كله لأن الحملات كانت تبدأ في الربيع وتنتهي خلال الخريف. وقد تم بذلك صنع آلة عسكرية أضحت خلال القرون القليلة التالية أفضل آلة عرفها العالم، وكان عدد السكان الذين يجند منهم أفراد الجيش يزداد بصورة مطردة بسبب التزام الحلفاء بإمداده بفرقهم العسكرية.
ومنذ أن كانت روما تسيطر على إيطاليا كانت قد تورطت في بلاد أبعد، كانت بعض المدن الإغريقية قد استغاثت بملك ايبرس* لمساعدتها ضد الرومان في بداية القرن الثالث ق.م فقام هذا بحملات في الجنوب وفي صقلية، وربما كان يفكر ببناء إمبراطورية في الغرب مثل إمبراطورية الإسكندر، وقد ربح معارك بالفعل ولكن الثمن كان باهظاً، وقد بدا في وقت من الأوقات أن مصر البطالسة قد ترغب بالتحالف مع روما، والحقيقة أن أول هم كبير للجمهورية خارج إيطاليا كان بالفعل في أفريقيا، ولكن إلى الغرب من مصر



* مملكة قديمة في البلقان جنوبي مقدونيا

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:43 AM
الحروب الفونية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


الحروب الفونية

كانت قرطاجة بالأصل مدينة فينيقية، وكانت أغنى بكثير من صور وصيدون، كما أنها كانت قوة بحرية كبرى لها قواعدها في صقلية وسردينية. وكانت أحياناً تتحالف مع إغريق صقلية وأحياناً أخرى تحاربهم، ولكنها ظلت خطراً دائماً يهدد السهول الساحلية الغربية الغنية في إيطاليا وتجارة موانئها. ولقد حدثت في النهاية ثلاث حروب فونية والتسمية مشتقة من التسمية اللاتينية للفينيقيين، بين روما وقرطاجة. وانتهت الحرب الأولى في عام 241 ق.م بتخلي القرطاجيين عن صقلية بعد أكثر من عشرين عاماً من القتال، ولو أنه لم يكن قتالاً مستمراً كما استولى الرومان على كورسيكا وسردينية نتيجة لذلك، وأسسوا أول مقاطعة لهم في غرب صقلية أما بر إيطاليا فكان إما تحت حكمهم المباشر كجزء من الجمهورية أو متحالفاً معها عملياً. وكانت تلك أولى أراضي روما فيما وراء البحار. وليست الحروب دوماً أهم الأحداث عند رواية التاريخ، ولكن من المفيد في هذه الحالة أن نتمهل قليلاً عند الحروب الفونية، لأن أشياء كثيرة قد نجمت عنها، قبل الحرب الثانية التي بدأت في عام 218 ق.م كان القرطاجيون قد ثبتوا أقدامهم في إسبانيا واستقروا في قرطاجة الجديدة أي قرطاجنة الحالية وشعر الرومان بالخطر عندما امتدت سلطتهم حتى نهر الإبرو، وهاجم القرطاجيون واحدة من المدن القليلة التي بقيت مستقلة على ساحل إسبانيا، ثم سار جيش كامل لهم مع فيلته إلى إيطاليا بقيادة هنيبعل أعظم قادتهم. وهزم الرومان سلسلة من الهزائم المنكرة، فتخلى عنهم كثيرون من حلفائهم وانقلبوا إلى طرف أعدائهم، إلا أن الرومان صمدوا حتى استعادوا سيطرتهم في النهاية، وبعد أن قضى القرطاجيون اثنتي عشر سنة في إيطاليا عانوا من المجاعة وطردوا. وأعطى مجلس الشيوخ الروماني قائده الكفء سيبيو الإذن بالعبور إلى أفريقيا، حيث وقعت معركة زام في عام 202 ق.م التي قصمت ظهر المنافس الجدي الوحيد لروما في الغرب في واحدة من المعارك الحاسمة في التاريخ. واضطر القرطاجيون عندئذٍ لعقد سلام كان مقيداً لهم، إلا أن الكثيرين من الرومان بقوا يخشونهم بصورة عظيمة. ولم تنشأ الحرب الفونية الثالثة إلا بعد زمن طويل في عام 149 ق.م وقد انتهت بهزيمة القرطاجيين الكاملة، فدمرت مدينتهم وحرثت الأرض فوق موقعها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp4-4.jpg
الإمبراطورية القرطاجية في القرن الثالث قبل الميلاد باللون الأحمر
في ذلك الحين كانت الإمبراطورية الرومانية قد ولدت بالفعل ولو لم تولد بعد بالاسم، كانت الإطاحة بقرطاجة بمثابة نهاية سيراكوز، وهي آخر دولة إغريقية مستقلة في صقلية، لأنها تحالفت مرة أخرى مع القرطاجيين، فصارت صقلية كلها رومانية، كما تم غزو جنوب إسبانيا، وسرعان ما تدفق العبيد والذهب من صقلية إلى سردينية وإسبانيا ففتح عيون الرومان على غنائم الغزوات. أما في الشرق فكانت مقدونيا قد تحالفت مع قرطاجة لفترة من الزمن، وبذلك بدأت روما تتدخل في سياسة الإغريق، وفي عام 200 ق.م استنجدت أثينا ومملكة برغاما بصورة مباشرة بروما ضد مقدونيا والسلوقيين، وكان الرومان عندئذٍ مهيئين نفسياً لزيادة تدخلهم في الشرق. وكان القرن الثاني ق.م حاسماً، إذ أطيح بمقدونيا وتحولت المدن الإغريقية إلى مدن تابعة لروما، وورث آخر ملوك برغاما أرضه لروما في عام 133 ق.م. وأنشأت في نفس السنة مقاطعة جديدة اسمها مقاطعة آسيا، هي الطرف الغربي من الأناضول، وكان شمال إسبانيا قد فتح أيضاً، وبعده بقليل أخذ جنوب فرنسا أي غاليا. وفي القرن التالي تبعها شمال فرنسا ثم المزيد من الفتوحات في الشرق، وقد كانت هذه سلسلة مذهلة من النجاحات، ولم تقتصر فائدتها على روما ولا اقتصرت أضرارها على الشعوب المغزوة، بل أن الجمهورية نفسها قد تضررت منها أيضاً.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:45 AM
انحلال الجمهورية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


انحلال الجمهورية

كان الرومان يحبون أن يهنئوا أنفسهم على اتباعهم ما يسمونه mos maiorum وهي عبارة لاتينية يمكن ترجمتها بأساليب أجدادنا. وكانوا يبدون ولعاً دائماً بالتقاليد ويحبون الحفاظ على الأساليب القديمة في أداء الأمور، وكانت الديانة الرومانية بالدرجة الأولى عبارة عن المحافظة على الاحتفالات التقليدية وأدائها بالصورة اللائقة. وحتى عندما يفعل الرومان شيئاً جديداً كان يحبون أن يكسوه بثوب قديم، ومن نتائج ذلك أن أسماء مؤسسات الجمهورية وفكرة أن الدولة جمهورية وليست ملكية قد ظلت تستخدم بعد أن فرغت من محتواها بزمن طويل.
والمواطنة الرومانية مثال على ذلك. فقد كان المواطنون الأوائل كلهم رجالاً، وكانوا فلاحين في جميع الحالات تقريباً، وكان لهم حق التصويت والحصول على العدالة أمام المحاكم وواجب الخدمة في الجيش. ثم حصلت ثلاث تغيرات هامة مع مرور القرن: أولها حقوق المواطنة صارت تمنح بالتدريج لأناس كثيرين خارج أراضي روما الأصلية. وثانيها أن الحروب الفونية أفقرت الفلاح الإيطالي، فقد صارت الجندية تبعد الجنود الرومان عن بيوتهم وعائلاتهم فترات أطول فتقع فريسة للفقر، كما أن الحروب خربت الريف الإيطالي تخريباً فظيعاً، وعندما عاد السلام أخيراً كان أصحاب الأراضي الصغيرة عاجزين عن تأمين معيشتهم هناك. ومن ناحية أخرى كان رجال آخرون قد جمعوا ثروات طائلة خلال تلك الحروب، فراحوا يشترون الأراضي لزراعتها ضمن أملاك كبيرة، وكانوا أحياناً يستخدمون العبيد وهم جزء من غنائم الفتوحات، للعمل فيها. فبات المواطن الفلاح يميل للانتقال إلى المدينة بحثاً عن معيشته، ويتحول إلى ما يسميه الرومان "بروليتاريا" أي رجلاً تنحصر مساهمته في الدولة بإنجاب الأطفال. وقد أثر هذان التغيران على السياسة، لأن تلك الأعداد المتزايدة من المواطنين الفقراء هي أصوات انتخابية يمكن شراؤها أو تملقها أو ترهيبها على يد السياسيين المتلهفين للوصول إلى مناصب تتيح لهم الحصول على الغنائم الثمينة التي تؤمنها الفتوحات في الخارج.
وهناك تغير ثالث في وضع المواطن نشأ من الحرب أيضاً، هو أن الجندية باتت مهنة احترافية دائمة بدلاً من أن تعتمد على مواطنين يسلحون ويجندون عند الأزمات الطارئة. ومن معالم هذا التطور أن ملكية الأرض لم تعد شرطاً للخدمة العسكرية، وكانت القوة البشرية التي يستمد منها الجيش أفراده تتقلص بالتدريج، لهذا أتيح لمن لا أملاك لهم أن يخدموا فيه، فتوفرت عندئذٍ أعداد كافية من المتطوعين من بين الفقراء المستعدين للخدمة مقابل أجر، ولم يعد التجنيد الإلزامي ضرورياً. صحيح أن المواطنة شرطاً للخدمة العسكرية في البدء، ولكن في النهاية سمح لغير المواطنين بالانخراط في الجيش أيضاً، وأخيراً صاروا ينالون حقوق المواطنة مكافأة لهم على خدمتهم.
وبالتدريج انفصل الجيش الروماني بهذه الطريقة عن الجمهورية، فصارت الفيالق المشهورة التي يتألف منها تنظيمات دائمة، وازداد شعور جنودها بالولاء لرفاقهم وقادتهم، ومنذ القرن الأول ق.م كان كل فيلق يحمل رمز العقاب على راية ترمز إلى شرف الفيلق واتحاده، وهو مزيج من الوثن الديني والشارة العسكرية.
كانوا المواطنون يزدادون فقراً إذاً وصارت أصواتهم تشترى، كما أتيح للسياسيين أن يفوزوا بثروات هائلة بالأراضي الجديدة إذ عينوا فيها حكاماً أو قادة عسكريين، وأضحى الجيش قوة لا تقهر تقريباً في ميدان القتال، وبات ولاءه لذاته وقواده أكبر منه لمجلس الشيوخ. وكانت هذه كلها تطورات سياسية بطيئة ولكن حاسمة، وقد استمرت حوالي قرنين مبدلة من طبيعة الجمهورية ولو بقيت المظاهر الخارجية على حالها. في تلك الأثناء كانت روما تزداد غنى بصورة واضحة، ولم يقتصر هذا على الغنائم والعبيد المتوفرة نتيجة الفتوحات للأفراد القلائل الذين كانوا في المكان المناسب في الوقت المناسب، بل إن المواطنين الفقراء استفادوا أيضاً بصورة غير مباشرة، لأن فرض الضرائب على المقاطعات الجديدة قد أعفاهم من دفع ضرائبهم. وكانت تقام ألعاب مكلفة لتسليتهم، كما بذل بعض الثروة الجديدة في تجميل روما وغيرها من المدن الإيطالية، وكانت تظهر تغيرات أخرى في تلك المدن مع زيادة الاتصال بالشرق، خاصة في المدن الإغريقية التي كان المثقفون الرومان يربون أصلاً على احترامها كجذور لثقافتهم. ومع اتساع عملية التهلن وصلت إلى الغرب عادات ومعايير جديدة تظهر في الأشياء اليومية مثلما تظهر في الفن والحياة الفكرية، فقد يبدو شغف الرومان بالاستحمام مثلاً واحداً من أكثر الأشياء المميزة لهم، ولكن الحقيقة أنهم تعلموا هذه العادة من الشرق الهلنستي.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:48 AM
السلام الروماني

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


السلام الروماني


رغم تفاقم الفساد والعنف السياسيين في روما، ورغم سوء بعض حكام المقاطعات الرومانية، فقد حققت سلطة روما السلام لمنطقة واسعة من المتوسط والشرق الأدنى، ولفترات طويلة لم تعرفها من قبل، وفرضت الإدارة الجمهورية النظام على شعوب كثيرة وأمنت لها قانوناً مشتركاً. وكان الكثيرون من غير الرومان الذين يعيشون تحت حكم روما معجبين بمن يديرون هذا النظام بالنظر لما يتمتعون به من حس بالعدالة والنزاهة، وبسبب أعمالهم التي رسخت جذور الحضارة. وكانت النتيجة العملية لهذا كله هامة جداً لتاريخ العالم أيضاً، لأن الجمهورية قبل أن تنتهي كانت قد وضعت إطاراً سياسياً وعسكرياً على مستوى لا مثيل له إلى الغرب من الصين، كما أنها حمت الحضارة الهلنستية، وكانت ثقافات كثيرة تعيش ضمن هذا الإطار، الواحدة إلى جانب الأخرى، وتساهم كل منها بدورها في هذا الكيان العالمي.

وبقيت هذه البنية تنمو لزمن طويل، ففي عام 58 ق.م ضم الرومان قبرص، وفي السنوات القليلة التالية استلم سياسي شاب اسمه يوليوس قيصر قيادة الجيش الروماني في غاليا وراء جبال الإلب في فرنسا، وقضى على استقلال الشعوب السلتية فيها، كما أنه قاد حملتي استطلاع عبر القنال الإنكليزي (المانش) إلى الجزيرة التي كان الرومان يسمونها بريطانيا، ولكنه لم يبق فيها، ويمكن اعتبار هذه الأراضي آخر ما ضم إلى الإمبراطورية الجمهورية. وفي عام 50 ق.م باتت جميع السواحل الشمالية للمتوسط وكل فرنسا والبلاد الواطئة وإسبانيا والبرتغال وقسم كبير من الساحل الجنوبي للبحر الأسود ومن تونس وليبيا الحاليتين تحت حكم روما، إلا أن الجمهورية كانت عندئذٍ على حافة الزوال.

لقد ذكرنا أسباب انهيارها، إلا أن الطريقة التي حدث بها تدين بالكثير للأفراد والصدفة، مثلما هي الحال دائماً. كان حلفاء روما في إيطالية صعاب المراس، فحاربتهم أولاً ثم منحت المواطنة الرومانية لكامل شبه الجزيرة تقريباً، وبهذا لم تعد الكلمة الأخيرة للجمهورية في الحقيقة بيد المجالس الشعبية الرومانية التي لا تجتمع إلا في روما، ثم إن استمرار الحروب في الشرق قد أتى إلى روما بمزيد من القادة العسكريين الذين تملؤهم الطموحات السياسية. وفي حوالي عام 100 ق.م نشبت حالات طارئة في أفريقيا وجنوب غاليا أدت إلى منح سلطات استثنائية لقادة عسكريين كانوا ساسة في روما، فاستخدموها ضد خصومهم السياسيين فضلاٌ عن أعداء الجمهورية. وصارت روما مكاناً خطيراً تتفشى فيه الجرائم والعنف الشعبي عدا عن الدسائس والفساد السياسي، وبات الناس يخشون أن يظهر ديكتاتور ولكنه لم يعلموا من أين سيأتي.

ولم يخطر ببال أحد أن يكون الديكتاتور هو يوليوس قيصر فاتح غاليا. لقد منحته السنوات السبع التي قضاها هناك ثلاث ميزات عظيمة، فقد أبعدته عن روما بينما ألقي اللوم على غيره وتفاقم الفوضى والعنف والفساد، كما أنه بلغ درجة هائلة من الغنى، وكسب أيضاً ولاء أفضل الجيوش الرومانية وأحسنها تدريباً وخبرة، وكان جنوده يشعرون أنه رجل يهتم لحالهم ويضمن لهم الأجر والترقية والنصر.

لقد ظل قيصر دوماً شخصية خلابة، واعتبره الناس بطلاً مثلما اعتبروه شريراً، ومازالت سمعته تتأرجح بين هذا وذاك. صحيح أنه لم يبق طويلاً في القمة، وأنه مات على يد أعدائه، إلا أن كفاءاته لا يمكن أن يرقى الشك إليها. لقد كتب روايته عن حملاته الناجحة بلغة لاتينية هي من أفضل ما كتب في أيامه، وساهم هذا في تدعيم الإيمان بها، وكانت صفاته القيادية عظيمة كما كان رابط الجأش وذا صبر عنيد، ولم يكن متوحشاً، إلا أنه لم يعرف الرحمة. ومهما كانت أهدافه والناحية الأخلاقية لأعماله فيمكننا أن نجمع على الأقل على أنه لم يكن أسوأ من أكثر السياسيين في أيامه، وكثيراً ما كان يظهر نفسه بصورة أفضل منهم.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:54 AM
نهاية الجمهورية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


نهاية الجمهورية

في كانون الثاني (يناير) من عام 49 ق.م ضرب قيصر ضربته، لقد ادعى أنه يدافع عن الجمهورية ضد أعدائها، فعبر نهر الروبيكون وهو حدود مقاطعته وسار بجيشه إلى روما، وكان هذا عملاً غير شرعي. ثم راح يخوض الحملات طوال أربع سنوات في أفريقيا وإسبانيا ومصر مطارداً خصومه الذين كانت لهم جيوش في المقاطعات قد يستخدمونها ضده، لقد سحق المعارضة بالقوة ولكنه كسب أيضاً أعداء سابقين إلى جانبه عن طريق اتخاذ سبيل الحلم معهم بعد انتصاره عليهم. ونظم دعمه السياسي في مجلس الشيوخ بعناية فجعلوه ديكتاتوراً مدى الحياة، إلا أن بعض الرومان كانوا يخشون أن يعيد تأسيس الملكية فاجتمع عليه أعداؤه في النهاية واغتالوه في عام 44 ق.م.
وظلت الجمهورية موجودة من ناحية المظهر، ولكن التغيرات التي أجراها قيصر نحو مركزية السلطة بقيت على حالها، ولم يكن بالإمكان حل المشاكل عن طريق العودة إلى الوراء. وفي النهاية جاء ابن أخيه ووريثه بالتبني أوكتافيانس، الذي بين أن التغيرات الحاصلة غير قابلة للعكس، فكانت هذه بداية ما يعرف بالإمبراطورية الرومانية. لقد قام أوكتافيانس أولاً بمطاردة السياسيين الذين اغتالوا قيصر، ثم خاض حرباً أهلية وصلت به إلى مصر التي ضمت كمقاطعة رومانية بعد انتحار أنطونيوس وكليوباترا، وعندما عاد إلى روما مدعوماً بولاء جنوده السابقين وجنود يوليوس قيصر أيضاً، راح يستخدم سلطته بحذر، فجعل مجلس الشيوخ يؤمن الواجهة الجمهورية اللائقة لكل ما يفعل. وكان من الناحية الرسمية يحمل لقب Imperator ومعناه أنه قائد الجيش في ساحة القتال، ولكنه كان أيضاً ينتخب العام تلو العام إلى منصب القنصل، وهو أهم المناصب التنفيذية في الجمهورية. وأخيراً منح لقب فخري هو أوغسطس، وقد عرف بالتاريخ باسم أوغسطس قيصر. وظلت سلطته تزداد بازدياد المناصب والألقاب الشرفية التي تمنح له، ولكنه بقي يصر دوماً على أن هذا كله إنما يتم ضمن الإطار الجمهوري القديم، وكان يسمى Princeps أي مواطناً أول وليس ملكاً. وكان في الواقع يزداد اعتماداً على السلطة التي أتته بفضل سيطرته على الجيش، وقد نظم أول فيلق للخدمة في العاصمة نفسها وهو الحرس الإمبراطوري الخاص، وعلى الإدارة المكونة من موظفين مدنيين يعملون مقابل أجر. كان أوغسطس ينوي أن يخلفه قريب له، وكان هذا ابناً لزوجته بالتبني، إذ لم يكن له إلا ابنة وقد حمل خمسة قياصرة متتاليين من بعده لقبي Imperator و Princeps وبعد أن مات أوغسطس في عام 14 للميلاد أُلّه مثلما أله يوليوس قيصر قبله.
لقد كان هذا تغيراً كبيراً وضع الدولة الرومانية على طريق جديدة، إذ سوف يحكمها في المستقبل ملوك ولكنهم معتمدون على الجيش ومحتاجون لاسترضائه. وعندما مات أوغسطس كانت قد زالت السيطرة القديمة والطويلة لطبقة صغيرة من السياسيين في روما بانتصار واحدة من الأسر القائدة بينها، ولو أن سيادة القياصرة لم تخل من الاضطراب. وعندما دفن أوغسطس كان يذكر بإنجازاته العظيمة في إحلال السلام وإحياء التقاليد الرومانية القديمة. إلا أن أياً من القياصرة الثلاث الذين أتوا بعد خليفته تيباريوس لم يمت ميتة طبيعية، ويعتقد البعض أن تيباريوس نفسه لم يمت بصورة طبيعية أيضاً. لقد بات بإمكاننا الآن أن نسمي هذه الدولة إمبراطورية، وسوف تحقق هذه الإمبراطورية إنجازات عظيمة وتنشر حكم روما فوق أراض أوسع بعد، ولكنها سوف تنهار هي الأخرى في النهاية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 05:56 AM
يسوع الناصري

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


يسوع الناصري


في عام 26 للميلاد عين حاكم روماني جديد هو بيلاطس النبطي على المقاطعة التي كانت اليهودية جزءاً منها في لحظة من لحظات التاريخ العصيبة. وكانت هذه المنطقة تعيش اضطراباً كبيراً، فقد كان يهود سوريا وفلسطين يبغض كل منهم الآخر، كما كانوا يبغضون جيرانهم الإغريق والسوريين، ولكنهم كانوا يبغضون أشد ما يبغضون المحتلين الرومان وجباة ضرائبهم. وكان بعض اليهود ينتمون إلى طائفة تسمى الزيلوت، هي من إحدى نواحيها حركة قومية، بينما كان الكثيرون منهم ينتظرون قائداً أو مسيحاً مسحه الله متحدراً من سلالة داود لكي يسير بهم نحو النصر، ولكنهم كانوا مختلفين كثيراً حول طبيعة هذا النصر، هل هو عسكري أم رمزي. كان يسوع الناصر عندئذٍ في حوالي الثلاثين من عمره، وكان قد شب ضمن هذه التوقعات والآمال، كان يعلم أنه رجل قديس، وقد أثارت تعاليمه والمعجزات التي رويت عنه حماسة كبيرة، إن السجلات التي بين أيدينا عن حياته هي الأناجيل، وهي روايات دونها أتباعه بعد موته بناء على ذكريات أشخاص كانوا يعرفونه، وقد كتبت لكي تبين أنهم محقون في اعتباره شخصاً متميزاً فريداً، هو المسيح.

وأكدت الأحداث التي جرت في نهاية حياة يسوع لأتباعه أنه شخص فريد، فقد اتهمه الزعماء الدينيون اليهود بالتجديف وأخذوه أمام الحاكم الروماني بيلاطس الذي كان حريصاً على تجنب المزيد من النزاع الطائفي في تلك المدينة المضطربة، فتغاضى قليلاً عن حرفية القانون وسمح بإدانة يسوع. وبناء على ذلك صلب يسوع، وكان هذا على الأرجح في عام 33 للميلاد، وبعد فترة قصيرة آمن تلاميذه أنه قام من بين الأموات، وأنهم قابلوه وتحدثوا معه بعد ذلك، وأنهم رأوه يصعد إلى السماء، وأنه إنما تركهم ليعود عما قريب جالساً عن يمين الله لكي يدين الناس جميعاً عند نهاية الدهور.

ومهما اختلفت الآراء في تفاصيل الأناجيل فإن الذين كتبوها كانوا مؤمنين بها، أو أنهم دونوا ما أخبرهم به رجال يؤمنون أنهم رأوها بأمهات أعينهم، ومن الواضح أيضاً أن حياة يسوع لم تكن ناجحة بالمعنى الدنيوي إلى درجة تسمح باستمرار تعاليمه بقوة رسالتها الأخلاقية وحدها. صحيح أنه اجتذب بصورة خاصة الكثيرين من الفقراء والمنبوذين، فضلاًً عن اليهود الذين كانوا يشعرون أن تقاليدهم لم تعد مرضية بالأشكال التي تبلورت فيها، إلا أن هذه النجاحات كانت ستموت معه لو لم يؤمن أتباعه أنه قهر الموت نفسه وأن الذي عمدوا باسمه سوف ينتصرون على الموت بدورهم ويعيشون إلى الأبد من بعد دينونة الله. وقبل أن ينقضي قرن واحد كان التبشير بهذه الرسالة منتشراً في كافة أنحاء العالم المتحضر تحت مظلة الإمبراطورية الرومانية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:07 AM
الإمبراطورية الرومانية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


الإمبراطورية الرومانية

لقد احتاج لقب Imperator الذي حمله أوغسطس وخلفاؤه إلى زمن طويل لكي يصبح معناه الرجل الذي يتربع على قمة الإمبراطورية، أي ما نسميه إمبراطوراً وكان أكثر تاريخ الإمبراطورية على هذه الصورة، مثلما حدث على عهد الجمهورية، أي أن المؤسسات والأفكار كانت تتغير رويداً رويداً وبطريقة غير ملحوظة على المدى القصير. في القرن الذي تلا موت أوغسطس جاء إلى العرش إثناء عشر إمبراطوراً، كان أول أربعة منهم أقرباء له ولعائلته، وآخرهم نيرون الذي مات في عام 68 ميلادي. ثم تفككت للتو في حرب أهلية، فنودي بأربعة أباطرة في عام واحدة. وبين هذا الأمر أنه عندما يعجز الإمبراطور عن تأمين انتقال السلطة إلى خليفته بصورة سلمية فإن السلطة الحقيقية تكون بيد الجيش، كما حدث في العام الذي يسمى "عام الأباطرة الأربعة". وربما كان هناك أكثر من جيش واحد في المعادلة، لأن حاميات المقاطعات قد تؤيد عدة مرشحين مختلفين، وقد تكون الكلمة الأخيرة أحياناً للحرس الإمبراطوري الشخصي في روما نفسها لأنه في مسرح الأحداث. وقد بقي مجلس الشيوخ يعين القاضي الأول في الجمهورية ولكن لم يكن بمقدوره إلا أن يعمل عن طريق المناورة وحبك المكائد، ولم يكن بقادر على هزم الجيش في المحصلة. أما الأباطرة فكانت صفاتهم وكفاءاتهم الشخصية تحدد ما يقدرون على فعله، بشرط أن يحافظوا على ولاء الجيش.
وظهر في النهاية إمبراطور صالح من عام الأباطرة الأربعة، هو فسبسيانس، الذي كان أسوأ عيوبه البخل. لم يكن فسبسيانس أرستقراطياً رومانياً، بل كان جده قائد مئة ثم أصبح جابي ضرائب، ولكنه كان عسكرياً بارزاً. وبات من الواضح أن العائلات الرومانية القديمة قد فقدت قبضتها على السلطة، إلا أن عائلة فسبسيانس -أي العائلة الفلافية- قد عجزت عن الحفاظ على الخلافة الوراثية لفترة طويلة، فعاد أباطرة القرن الثاني إلى الحل الذي ابتدأه أغسطس، أي تبني ورثة العرش. وجاء أربعة من هؤلاء هم ”الأباطرة الأنطونيون” الذي أمنوا للإمبراطورية قرناً كاملاً تقريباً من الحكم الصالح والهادئ، بدا للعصور اللاحقة عصراً ذهبياً، وكان ثلاثة منهم إسبانيين وواحد إغريقي، أي أن الإمبراطورية لم تعد بيد الإيطاليين.
كانت الإمبراطورية عالمية في قمتها إذاً كما تدل أصول هؤلاء الأباطرة، وفي قاعدتها أيضاً ما برحت تحطم الحواجز بين الشعوب. واستمرت عملية رومنة العائلات القائدة في المقاطعات باطراد، فتعلم شباب الغاليين والسوريين والأفارقة والإلبريين اللغتين اليونانية واللاتينية، وكانوا يرتدون ألبسة مثل ألبسة الرومان ويربون على الافتخار بالتراث الروماني. وكان الموظفون المدنيون والجيش يحافظون على سير الأمور ويحترمون مشاعر الناس في المناطق المختلفة من الإمبراطورية طالما أن الضرائب تدفع بانتظام، وعندما صدر في عام 212 م مرسوم يقضي بمنح حقوق المواطنة لجميع الرعايا الأحرار في الإمبراطورية، كان هذه هي النتيجة المنطقية لعملية الاندماج الطويلة. وحتى مجلس الشيوخ كان بعض أعضائه في ذلك الحين غير مولودين في إيطاليا، ولم تعد صفة روماني تدل على الولادة في مكان معين بل على الانتماء إلى حضارة معينة.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp4-5.jpg
الإمبراطورية الرومانية في العام 117 الميلادي.
لقد ازدادت مكانة الأباطرة، أو مكانة منصبهم على الأقل، وصاروا يبتعدون عن صورة القاضي الأول ويزدادون تشبثاً بالملوك الشرقيين، الذي يعتبرون من طينة مختلفة عن طينة رعاياهم. وساهمت في هذا عادة تأليه الإمبراطور بعد موته. فقد أله كل من يوليوس قيصر وأوغسطس من بعد موتهما، ولكن منذ دوميتيانس وهو ابن قسبسيانس صار الأباطرة يؤلهون أثناء حياتهم، كما أن المذابح التي كانت تقدم عليها القرابين للجمهورية أو لمجلس الشيوخ باتت تكرس للإمبراطور فقط، خاصة في الشرق.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:12 AM
الميراث الروماني

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


الميراث الروماني

حتى الذين أسفوا على تلك التغيرات لم يكن بإمكانهم أن ينكروا أن الإمبراطورية كانت إنجازاً مدهشاً يحق للرومان أن يفتخروا به. فقد أمن الرومان حكماً منظماً وقانونياً لأوسع رقعة عرفها العالم حتى ذلك الزمان، وكانت تضم شعوباً سوداء وبيضاء وسمراء وكلها رومانية على قدم المساواة، كما ضمنوا لها نعم السلام والازدهار أيضاً، وهذه كلها إنجازات لا سابق لها، وهي أفضل حجة تسمح لنا أن نقول إن الرومان قد أتوا بأشياء عظيمة حقاً. من الناحية الملموسة خلفوا صروحاً وأبنية وأعمالاً هندسية كبيرة، وبعد قرون عديدة سوف يظن الناس أن آثارهم قد بناها عمالقة وسحرة في الماضي البعيد من شدة انبهارهم بها، كما أن أحد علماء الآثار الإنكليز في القرن السابع عشر قال إن آثار ستونهنج* هي معبد روماني، لأنهم وحدهم قادرون على الإتيان بشيء بهذه العظمة. وقد كان مخطئاً هو الآخر، ولكن هذه الأخطاء طبيعية ولها دلالات هامة. إن ما خلفه الرومان في القرميد والصخر والإسمنت كان باهراً ولا مثيل له في أوروبا الغربية، والكثير منه بني لأغراض عملية جداً. ولم يكون يجوز لفيلق ما أن يعسكر ولو لليلة واحدة إلا بعد أن يضع مخططاً جيداً لمعسكره ويحفر له الخنادق ويبني المتاريس للدفاع عنه، ولهذا اكتسب الجيش قدراً كبيرة من الخبرة في أمور المساحة والهندسة والبناء. إلا أن أكثر الأبنية الرومانية كانت في المدن، لأن الرومان كانوا يعيشون في حضارة مدنية، وفي كافة أنحاء الإمبراطورية كانت الأبنية والصروح العامة شواهد على ما يعتبرونه لائقاً بالحياة المتحضرة. ومن أجل تخديم تلك المدن بنوا طرقاً تربطها فيما بينها، وزودوها بمسارح الألعاب والحمامات ومصارف المياه والماء العذب لجعلها مريحة. وكانوا يحبون الفخامة والأبهة، ورغم أنهم صنعوا بعض الأشياء الفظة والغليظة، فقد كانوا أشخاصاً عمليين لذلك لم يبنوا أشياء بلا فائدة مثل الأهرام، ومع هذا كانت بعض مدافنهم فاخرة جداً، وبعد قرون عديدة سوف يصبح مدفن الإمبراطور هادريانس قلعة سان أنجلو.
لقد استخدم الرومان تقنية فعالة جداً ولكنها لم تكن بجديدة، وكانت بكراتهم أفضل من بكرات المصريين، وكانوا يستخدمون رافعات وأدوات حديدية لم يعرفها بناة الأهرام، ولكنهم لم يخترعوا أشياء هامة قياساً بالإغريق. كانوا يستخدمون أنواعاً كثيرة من المواد، ولكن أكثرها كانت موجودة قبلهم، ماعدا الإسمنت الذي اخترعوه هم، وقد مكن الإسمنت من تشييد الأبنية بأشكال جديدة، وكان الرومان أول معماريين تخلصوا من الحاجة لرفع الأسقف العريضة على صفوف من الأعمدة، لأنهم اخترعوا القبة المحمولة على قناطر.
من أكثر أعمالهم ظهوراً لنا الآن هي الطرق، التي مازالت في بعض الأحيان صالحة للنقل، وحتى عندما زالت كانت الطرق الجديدة تبنى فوق مواقعها. وكان هناك فيلق خاص من المساحين يرعى تلك المهارات التي مكنت من بلوغ هذه الدقة المدهشة في عبور الهضاب والوديان على خط مستقيم، وكانت تبنيها الفيالق في العادة، وهي التي أمنت للإمبراطورية وسائل الاتصال التي مكنت من حكم هذه الرقعة الكبيرة من العالم. وإن سرعة نقل الرسائل والبضائع عن طريق البر لم تتحسن منذ عصر القياصرة حتى عصر القطار بل إن الاتصالات كانت تتراجع في بعض الأماكن خلال الألف سنة التالية عندما لا تصان الطرق الرومانية.
لقد أخذ البناؤون الأوروبيون في عصور لاحقة كميات هائلة من الأحجار المقصوصة الجاهزة من الآثار الرومانية، لذلك صار من الصعب علينا أن نتخيل مدى روعة الإمبراطورية في أيامها. ومازالت هناك بعض الصروح العظيمة التي تقف منفردة، مثل جسر بون دوغار في جنوب فرنسا، ومسرح الألعاب في مدينة نيم القريبة منه، والبوابة السوداء في ترير بألمانيا، وقناة جر المياه التي مازالت تروي مدينة سغوفيا الإسبانية، ومجمع الحمامات في بات بإنكلترا، أما في مدينة بومبيي بإيطاليات فتجد مدينة محفوظة بأكملها، كما تجد بقايا أخرى في أماكن كثيرة في كافة أرجاء أوروبا والشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأهم ما بقي هو الآثار المدهشة في روما نفسها عاصمة الإمبراطورية.
كان الرومان يفتخرون بأنهم أقوياء أشداء، ولكنهم كانوا يحبون الراحة أيضاً، وكانوا أحياناً يغالون في الانغماس بالملذات كما تدل لوائح الأطعمة والأشربة التي كانت تقدم في ولائم الأغنياء عندما كانت موضة دارجة، ولكن يحق لنا أن نعجب باهتمامهم بالاستحمام والتدفئة المركزية، وفقد كانوا ذوي مهارة كبيرة في كافة أمور السباكة والتمديدات الصحية، وكانت هناك قنوات محكمة تجلب ماء الشرب إلى المدن التي تجد فيها الحمامات والمراحيض العامة. أما في البيوت الخاصة فكنت تجد غرف البخار وغرف المعيشة المدفأة تدفئة مركزية من تحت الأرض، ولم يعتد سكان بريطانيا على ضرورة تدفئة المنازل بصورة كافية بعدها حتى القرن العشرين.
أما عدا عن مجالي الهندسة والهيدروليك (علم حركة السوائل) فكانت ابتكارات الرومان قليلة، وهم لم يساهموا مساهمة كبيرة في العلوم البحتة. في مجال الزراعة بدؤوا يدخلون استخدام الطواحين المائية في نهاية الأزمنة الإمبراطورية، أما الطواحين الهوائية فلم تكن قد ظهرت بعد، وبقيت عضلات الحيوان والإنسان هي المصدر الأساسي للطاقة. كثيراً ما قيل إن توفر أعداد كبيرة من العبيد لم يخلق عند الرومان الحاجة لاختراع آلات تقوم بعمل البشر، وقد يكون في هذا شيء من الصحة، ولكن هناك تفاسير أخرى محتملة، فقد استمرت مشكلة تحويل الفكرة الجيدة إلى اختراع عملي بسبب وضع التقنية، كما أن تاريخ الإمبراطورية صار يجبر العزب الريفية على أن تكون مكتفية بذاتها، فباتت تعيش على ما تنتجه بنفسها ولم تجرب أشياء جديدة. وأخيرا ً لم يكن هناك أي حافز من الخارج، لأن الصين الغنية بالمهارات التقنية كانت بعيدة للغاية، وجيران روما القريبين لم يكن لديهم شيء هام يشكل تحدياً وحافزاً لها.
يبدو أن أكثر نشاط فكري حاز على إعجاب الرومان هو مجال عملي أيضاً، ألا وهو القانون وفن الخطابة الملازم له، ولم ينشأ في بيئة روما فلاسفة مثل فلاسفة اليونان الكلاسيكية، ولا في أي حضارة أخرى كالصين أو الهند مثلاً، وحتى الفلاسفة الهلنستيون كانوا أقل أصالة من المفكرين الإغريق الذي سبقوهم بالرغم من هذا تجد في الثقافة الرومانية بعض الممثلين الجيدين للفلسفة الرواقية، وبعض المؤرخين الهامين، وكوكبة من كتاب النثر والشعر اللاتيني، منهم فرجيل شاعر الملاحم، وهو بلا شك شخصية عملاقة حتى في الأدب العالمي.
من السهل أن نستخف بإنجازات الرومان الفكرية قياساً إلى إنجازات اليونان، ولا ننس أن إنتاج هذا السيل المتصل من الرجال ذوي الكفاءات الشاملة طوال قرون يدل على اعتماد ثقافة الرومان على الأفكار المحافظة، وقد كان للتقاليد الإغريقية دور كبير في ذلك. كان السياسيون الرومان الذي يصلون إلى أعلى المراتب يمرون بمناصب عديدة كإداريين وقادة عسكريين ومشرفين على البناء والأشغال الهندسية ومحامين وقضاة، وقد استطاعت روما أن تقدم فيضاً لا ينقطع من الرجال القادرين على هذه الأشياء كلها. كما أن الإمبراطورية نفسها كانت متسامحة وعالمية، فحتى عقيدة ثورية مثل المسيحية بكل ما تحمل من بذور الانقلاب للمستقبل أمكنها أن تضرب جذورها وتزدهر، وكانت الإمبراطورية على درجة هامة من التطور الفكري أيضاً، وإن الإمبراطورية المسيحية اللاحقة هي التي لجأت إلى محاكمة الناس بتهم التجديف.



* آثار حجرية ضخمة من حقبة ما قبل التاريخ في إنكلترا

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:14 AM
المسيحية والإمبراطورية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


المسيحية والإمبراطورية

وسرعان ما ظهرت الجماعات المسيحية في كافة أرجاء العالم الروماني، وكان الجميع يعترفون بأن مسيحيي أورشليم، حيث عاش أول جيل عرف المسيح وسمعه من قادة الكنيسة، يستحقون توقيراً خاصاً. وكانت الروابط الوحيدة التي تجمع بين جميع المسيحيين هي طقس التعميد، وهو علامة القبول في الدين الجديد، وإيمانهم بأن المسيح قد قام من بين الأموات، وطقس الإفخارستيا وهي الخدمة الخاصة التي تمثل وتحيي ذكرى آخر وجبة تناولها المسيح مع تلاميذه عشية اعتقاله ومحاكمته وصلبه. كان أكثر المسيحيين يؤمنون أيضاً أن نهاية العالم أمست على الأبواب، وأن يسوع سوف يعود قريباً لكي يجمع المؤمنين به، ويضمن لهم الخلاص في الدينونة الأخيرة. وبناء على ذلك لم يكن ثمة ما يفعله المرء على هذه الأرض سوى أن يترقب ويصلي، ولهذا لم تكن إدارة الكنائس عملاً معقداً. ولكن كانت هناك قرارات إدارية لابد من اتخاذها بسبب زيادة أعداد المؤمنين وأموالهم، فظهر رجال إداريون يسمون أساقفة وشمامسة، وبمرور الزمن سوف يتخذون أدواراً كهنوتية أكثر ويزداد اهتمامهم بقيادة العبادة ومسائل اللاهوت فضلاً عن شؤون الإدارة.
كان أول تغير كبير هو انفصال المسيحية عن اليهودية، صحيح أن المسيحية لم تتخل قط عن ميراث التوحيد اليهودي، ولا عن كتب العهد القديم من الكتاب المقدس، ولا عن النظرة إلى مصير الإنسان كامتداد لرحلة الحج الطويلة لشعب مختار عبر التاريخ، وصحيح أن الثقافة المسيحية مازالت حتى اليوم مشبعة بالأفكار والصور المأخوذة من الماضي اليهودي، إلا أنها بالرغم من ذلك قد انفصلت عن المجتمع اليهودي والأمة اليهودية. كان الرومان في البداية يعتبرون المسيحيين طائفة من الطوائف اليهودية، ولكن نمو الكنائس غير اليهودية جعلهم متميزين، وعجز المسيحيون اليهود عن إقناع اليهود الآخرين باعتناق نظرتهم بأن المسيح الذي ينتظره شعبه منذ زمن طويل قد جاء في يسوع، ولا يمكن أن يكونوا استمروا في حضور اجتماعات الكنيس إذ كان من المعروف أنهم يتناولون الطعام في وجبات عامة مع أشخاص غير يهود وغير مختونين ويأكلون لحم الخنزير ولا يراعون النواحي الأخرى للشريعة اليهودية.
وقد حصلت نقطة تحول أخرى هامة عندما ثار اليهود ثورتهم الكبرى ضد الرومان في فلسطين في عام 66 م وكان قائد الجيش في المنطقة في ذلك الحين هو إمبراطور المستقبل فسبسيانس وكانت هذه أسوأ ثورات اليهود التي اضطر الرومان للسيطرة عليها، فبعد سبع سنوات من الاقتتال وصلت المجاعة بأهل أورشليم إلى حد أكل لحوم البشر لكي يبقوا على الحياة، ودمر الهيكل الذي أعيد بناؤه بعد العودة من السبي، وفضلت القوات اليهودية الأخيرة أن تنتحر انتحاراً جماعياً على أن تسلم معقلها في مسادة في عام 73 م. أما المسيحيون فلم يشاركوا في هذه الثورة، وربما خفف هذا من ارتياب السلطات الرومانية بهم، ولكن اليهود الآخرين خارج فلسطين لم يشاركوا بها أيضاً، لهذا تركوا وشأنهم تحت حكم سلطاتهم الدينية الخاصة، أما أورشليم فقد أخذت من اليهود بعد الثورة وجعل منها هادريانس مستوطنة إيطالية في عام 135 م وأقصى جميع اليهود عن المنطقة اليهودية، إلا أن هذه الثورة وعواقبها قد زادت الشعب اليهودي وعياً لذاته واعتماداً على التقيد الصارم بالشريعة، لأن الهيكل قد زال من الوجود، وزاد هذه الأمر من صعوبة وضع المسيحيين اليهود.
كان اليهود أول من اضطهد المسيحيين، فهم الذين طالبوا بصلب المسيح، كما أنهم قتلوا أول شهداء المسيحيين القديس اسطفانس وسببوا للقديس بولس أشد المحن العصيبة في حياته، ويقول بعض العلماء إن يهود روما جعلوا من المسيحيين أكباش فداء بأن اتهموهم بتسبب الحريق الكبير الذي اندلع في المدينة عام 64 م، فجلبوا عليهم أول اضطهاد روماني، وهو الذي تقول الأسطورة إن القديسين بطرس وبولس قد هلكا فيه. ولا ريب أن عدداً كبيراً من المسيحيين ماتوا ميتة فظيعة في ميدان الألعاب أو أحرقوا أحياء، ولكن هذه الأحداث الرهيبة كانت محلية وغير شائعة، بل يبدو أن المسيحيين ظلوا يتمتعون عادة بالتسامح الرسمي حتى وقت متقدم من القرن الثاني الميلادي، أما الناس فكانوا يرتابون بهم ويلفقون عليهم القصص، فيقولون إنهم يمارسون السحر الأسود، وأكل لحوم البشر، وسفاح القربى، وكان بعض الرومان يكرهون أفكارهم التي تشجعهم على اعتبار أنفسهم مساوين لسادتهم في نظر الله، وبالتالي على مقاومة السلطة التقليدية للزوج على زوجته وللوالدين على أبنائهما والسيد على عبيده. ومن الطبيعي أن يعتبر المؤمنون بالخرافات أن المسيحيين هم سبب الكوارث الطبيعية، فكانوا يقولون إن الآلهة القديمة أغضبها التسامح مع المسيحيين فصارت ترسل المجاعات والفيضانات والأوبئة، إلا أن هذا لم يؤثر كثيراً في الإدارة، ولم تدخل السلطة صراعاً رسمياً ضد المسيحية إلا في القرن الثاني.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:16 AM
اضطهاد المسيحية وتطورها

كتاب تاريخ العالم (http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?option=com_content&view=section&id=15&Itemid=197)- الفصل الرابع - العالم اليوناني (http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?option=com_content&view=category&id=196&Itemid=362)
[/URL] [URL="http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?view=article&catid=196&id=1830&tmpl=component&print=1&page=&option=com_content&Itemid=432"] (http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?option=com_mailto&tmpl=component&link=aHR0cDovL3d3dy5yZWVmbmV0Lmdvdi5zeS9yZWVmL2luZ GV4LnBocD92aWV3PWFydGljbGUmaWQ9MTgzMCZvcHRpb249Y29 tX2NvbnRlbnQmSXRlbWlkPTQzMg==)

اضطهاد المسيحية وتطورها

لقد تبين في ذلك الحين أن بعض المسيحيين يرفضون تقديم القرابين للإمبراطور والآلهة الرومانية، وكان اليهود أيضاً يرفضون القيام بهذا، ولكن الرومان كانوا يقبلونه منهم ويعتبرونهم شعباً متميزاً له عاداته التي يجب احترامها. أما المسيحيون فإن أكثرهم لم يعودوا يهوداً ، فلماذا لا يقومون إذاً بأعمال التوقير الرسمي هذه مثل غيرهم؟ وبالتالي فقد أدينوا لا لأنهم مسيحيون بل لأنهم رفضوا القيام بشيء يأمر به القانون. ولاريب أن هذا الأمر قد حرض على الاضطهاد على المستوى غير الرسمي، فظهرت المذابح والمضايقات بحق المسيحيين في القرن الثاني في أنحاء كثيرة من الإمبراطورية خاصة في غاليا.
إلا أن هذا القرن كان أيضاً قرن تقدم بالنسبة للكنيسة، وفي هذا العصر ظهر أول آباء الكنيسة، وهم شخصيات كبيرة من علماء اللاهوت والإداريين، وضعوا الخطوط الأساسية للعقيدة المسيحية من أجل أن يميزوها بوضوح عن العقائد الأخرى ويحددوا واجبات المسيحيين ووظائفهم. ومن هؤلاء الآباء اثنان كانا على أهمية خاصة بسبب الطريقة التي حاولا بها ربط المسيحية بالأفكار الإغريقية، فساهما بالتالي في فصل المسيحية عن غيرها من العبادات الشرقية الكثيرة، وهما القديس اكليمنضس الإسكندري، وتلميذه أوريجنس. لقد كانت منجزات الآباء الفكرية والمعنوية عظيمة، وقد ساعدتهم بعض تيارات ذلك العصر، إذ كان البحث جارياً عن أساليب جديدة في الدين في كافة أرجاء العالم الروماني في القرن الثاني، فاستفادت المسيحية من هذا، كما أن الأفكار الجديدة كانت تنتشر بسرعة في عالم يضمه القانون والنظام الرومانيان، ويستطيع الناس فيه أن يسافروا بحرية ويجدوا أشخاصاً يتحدثون اللغة اليونانية في كل بقعة منه.
عند نهاية القرن الثالث ربما كان حوالي عشر عدد السكان في الإمبراطورية مسيحيين، وكان قد جاء إمبراطور مسيحي أيضاً بالاسم على الأقل، كما يبدو أن هناك إمبراطوراً آخراً قد ضم يسوع المسيح إلى الآلهة التي يعبدها في مسكنه. وفي أماكن كثيرة صارت السلطات المحلية تألف التعامل الرسمي مع الزعماء المسيحيين المحليين، الذين كثيراً ما كانوا رجالاً بارزين في جماعاتهم، ويلعبون كأساقفة دوراً كبيراً في إدارة شؤونها وفي تمثيلها. ولقد كانت لدى الإمبراطورية هموم أخرى أولى من هذه الديانة التي لا يسعى أفرادها لتسبب المتاعب.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:19 AM
فرثية وفارس

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

فرثية وفارس

منذ عام 92 ق.م كان جيش روماني قد وصل إلى نهر الفرات، وللمرة الأولى صارت الجمهورية على اتصال مباشر بالفرثيين، وهم شعب سوف يلعب دوراً هاماً في شؤون الرومان طوال القرون الثلاثة التالية. وهذا ما حدث بعد حوالي أربعين سنة عندما غزا جيش روماني بلاد الرافدين، فمحي خلال أسابيع قليلة عن بكرة أبيه في واحدة من أبشع الكوارث العسكرية في التاريخ الروماني، وبات من الواضح أن الفرثيين شعب لا يسهل التدخل في شؤونه. كان الفرثيون شعباً آخر من تلك الشعوب الهندية الأوروبية البدوية الأصل الآتية من آسيا الوسطى، وكانوا مشهورين بطريقتهم في القتال، فكانوا يتظاهرون بالفرار ثم يستديرون بسروجهم لإطلاق السهام نحو من على ظهور الخيل وهي تجري، ومن هنا أتت الرمية الفرثية. وكانوا قد اختاروا الاستقرار في جنوب شرقي بحر قزوين، في منطقة صارت تعبرها بعد ذلك طريق هامة للقوافل من الصين إلى بلاد الشام وهي طريق الحرير، وسوف تجلب هذه الطريق الثروة للملوك الفرثيين في المستقبل. وكانوا يعيشون هناك تحت حكم الفرس أولاً ثم تحت حكم السلوقيين، إلى أن ضاق الحاكم الفرثي المحلي في منتصف القرن الثالث ق.م بحكم الأخيرين وقرر أن يخلع نيرهم، فكانت تلك بداية المملكة الفرثية المستقلة التي سوف تستمر حوالي خمسمائة عام. في إحدى مراحلها في القرن التالي كانت الإمبراطورية الفرثية تمتد من بلخ* في الشرق حتى بابل والفرات الذي يفصلها عن سوريا في الغرب أي كل ما بقي في ذلك الحين من المملكة السلوقية وحتى أباطرة الصين ارتأوا أن يفتتحوا معها علاقات دبلوماسية وربما كان من أسباب ذلك شهرة الخيول الفرثية البديعة التي كان الصينيون يقدرونها أيما تقدير. وكان الملوك الفرثيون يسمون أنفسهم على قطع نقودهم الملك العظيم أو ملك الملوك وهي ألقاب تقليدية لحكام فارس، وكانوا يدعون أنهم ورثة سلطة الأخمينيين. ولكن فرثية لم تكن في أيامها الأولى دولة مركزية منظمة على الأرجح، بل كانت أشبه بتحالف من النبلاء الكبار الذين يأتون بالفرق العسكرية المكونة من أتباعهم ليضموها إلى جيش سيدهم. وعندما واجه الرومان جيشهم كان هذا قوة حربية مخيفة، فعدا عن خيالته رماة السهام المشهورين كان فيه سلاح غير موجود عند الرومان هو سلاح الخيالة المدرعين بدروع ثقيلة، والذين يمتطون خيولاً مغطاة هي أيضاً بدروع ذات زرد.
لقد ظلت روما وفرثية تتنازعان على أرمينيا زمناً طويلاً ، وهي مملكة حدودية إلى الشرق من الأناضول كان كل منهما يعتبرها ضمن مجاله، واستمرت الصراعات سجالاًً بينهما، مرة ينتصر هذا ومرة ذاك، وفي إحدى المرات احتل جيش روماني العاصمة الفرثية، إلا أن الحدود لم تتغير كثيراً. كانت منطقة النزاع هذه بعيدة جداً عن روما، لذلك لم يكن بإمكانها أن تتمسك بفتوحاتها هناك إلا بمجهود كبير ومصاريف باهظة، كما أن مشاكل الملوك الفرثيين في بلادهم كانت تشغلهم وتمنعهم من طرد خطر الرومان من آسيا بشكل كامل. وفي حوالي عام 225 م قتل آخرملك فرثي على يد حاكم فارس الذي كان تابعاً له، وهذا الرجل الذي أطاح به اسمه أردشير وسوف يحيي أحفاده عظمة الأخمينيين وأبهتهم من جديد، ويعيدون السيادة الفارسية إلى قسم كبير من الشرق الأدنى.
كان تلك الإمبراطورية الفارسية الساسانية التي سميت على اسم ساسان أحد أجداد أردشير والتي سوف تصبح ألد أعداء روما. لقد سعى حكام ساسان للتشديد على استمرارية الماضية، فاتخذوا الألقاب الملكية الفارسية التقليدية والديانة الزردشتية، كما أن أردشير ادعى الحق بكل الأراضي التي كان يحكمها داريوس أعظم الأخمينيين. وكانت تقاليد الإدارة الساسانية تعود لزمان أبعد من هذا أي إلى آشور وبابل، وكان ادعاء الملك بالسلطة الإلهية، إلا أن هذه الإدعاءات لم تسلم من النزاع، فقد حصلت صراعات بين الملكية وكبرى أسر النبلاء التي ادعت التحدر من الزعماء الفرثيين القدامى الذين كانوا يريدون الاحتفاظ بالسلطة في أيديهم. ولكن في النهاية وبعد قرون من الصراع، سوف تعيش الإمبراطورية الساساينة فعلياً حياة أطول من حياة الإمبراطورية الرومانية، وقد زاد من خطرها أنها ظهرت في وقت كانت روما فيه مكبلة بالأخطار في أماكن أخرى وبالاضطراب في شؤونها الداخلية، وبقي الوضع دوماً على هذه الصورة. فقد جاء مثلاً بين عامي 226-379 م خمسة وثلاثون إمبراطورياً رومانياً، بينما لم يحكم في فارس إلى تسعة ملوك ساسانيين، وكان لفترات الحكم الطويلة هذه والاستقرار الملازم لها ميزات كبيرة. ربما كان شابور الأول (241-272) م أبرز ملوك الساسانيين على الأقل حتى نهاية سلالته، وقد أسر ذات مرة إمبراطوراً رومانياً هو فاليريانس المسكين الذي يقال أن الفرس سلخوا جلده حياً وحشوه، ولكن قد لاتكون هذه الرواية صحيحة. كما أن شابور فتح أرمينيا وغزا مقاطعتي سوريا وكبدوقية الرومانيتين في مناسبات عديدة. وقد مرة بعد ذلك فترات طويلة من السلام بين روما وفارس، إلا أن هاتين القوتين الكبيرتين لم تتمكنا من التعايش الهادئ قط.
كانت الإمبراطورية الرومانية قد بلغت أقصى مداها قبل هذا بزمن طويل، وعندما مات الإمبراطور ترايانس – تراجان في عام 117م. وكانت تغطي في ذلك الحين مساحة تبلغ حوالي نصف مساحة الولايات المتحدة الحالية، وكانت أراضيها تمتد من شمال غربي إسبانيا حتى الخليج الفارسي. وكان أرمينيا قد ضمت في عام 114 م، فوصل هذا بحدود روما إلى بحر قزوين في الشمال الشرقي، وكانت مقاطعة داسيا الكبيرة إلى الشمال من الدانوب قد فتحت قبل ذلك ببضع سنوات.
صحيح أنهم اضطروا للتخلي عن بعض تلك الأراضي فور احتلالها، خاصة الواقعة وراء الفرات، ولكن هذه الرقعة الواسعة كانت مصدر مشاكل أمنية هائلة حتى من دونها. ورغم أنها لم تكن هناك قوة كبرى تهدد روما إلا في الشرق وهي دولة مثل روما قادرة على حشد الجيوش الكبرى في ميادين القتال وتنفيذ الخطط الدبلوماسية والإستراتيجية طويلة الأمد، فإن المشاكل في المناطق الأخرى باتت أعصى عن المعالجة بمرور الزمن. وربما كانت أفريقيا هي المكان الوحيد الذي بقيت فيه الأمور هادئة بعد ضم موريتانيا في عام 42 م، إذ لم يكن لروما هناك جيران ذو شأن، ولم تكن فيها مجموعات سكانية هامة خلف حدود الحكم الروماني مباشرة، حيث لاشيء سوى الصحراء الممتدة بلا نهاية.



* مدينة قديمة في أفغانستان غربي مزار شريف وجنوبي مجرى آمودريا

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:23 AM
أوروبا: الحدود المحصنة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


أوروبا: الحدود المحصنة*
أما في أوروبا فكانت الأمور مختلفة، إذ كانت توجد على طول الحدود الممتدة من البحر الأسود إلى مصبات نهر الراين شعوب جرمانية كثيراً ما كان الرومان في حالة حرب معها، وكانوا قد طردوا بعضها من مواطنها الأصلية، ولكن الجرمان كانوا خصوماً أشداء. كان أوغسطس قد أمل بتوسيع حدود الإمبراطورية حتى نهر الإلب – لابه- ولكن بات من الواضح أن هذا غير ممكن، خاصة بعد الكارثة الكبرى التي حلت بالجيش الروماني في عام 9 م حيث محيت ثلاثة فيالق عن بكرة أبيها في هزيمة نالت من معنويات الرومان بصورة كبيرة، حتى إنهم لم يسمحوا من بعدها بظهور أرقام تلك الفيالق في لائحة الجيش، وبسبب المشاكل الناجمة عن وجود هذه الشعوب ثم صنع الحدود المحكمة للإمبراطورية.
ولم يكن الهدف من هذه الحدود تبيان أين تنتهي مسؤوليات حكومة، وتبدأ مسؤوليات حكومة أخرى فقط، كما هي الحال في الحدود بين أكثر الدول اليوم، بل كان الغرض منها حماية ما يكمن داخلها وفصله عما يقبع خارجها. كانت الحدود تفصل بين درجتين متباينتين من الثقافة، فضمنها تقع أوروبا اللاتينية المتميزة عن المجتمعات الجرمانية في الشمال وخلف نهر الدانوب، ولم يكن السلاف وصلوا إلى خشبة المسرح بعد. فعلى الجانب الروماني من الحدود كان يسود النظام والقانون والأسواق المزدهرة والمدن الراقية، أي باختصار الحضارة، بينما كانت تنتشر على الطرف الآخر المجتمعات القبلية والتخلف والأمية والبربرية، وكان من المستحيل بالطبع أن تنعزل هاتان المنطقتان انعزالاً كاملاً والحقيقة أن الحركة بالاتجاهين لم تنقطع قط، إلا أن الرومان كانوا ينظرون إلى ماوراء الحدود نظرة حذر ويقظة. وكانوا يقيمون هذه الحدود على عوائق طبيعية كلما أمكنهم ذلك، وكان أكثرها على طول نهري الراين والدانوب، أما في الفجوات الواقعة بين تلك العوائق الطبيعية فكانوا يبنون التحصينات من التراب أو الخشب أو الحجر أحياناً، ويضعون على طولها معسكرات دائمة للفيالق تربط فيما بينها أبراج إشارة ونقاط دفاع أصغر. وكانت الطرق تمتد على طول الحدود بحيث يستطيع الجنود أن يسيروا بسرعة من نقطة إلى أخرى، وكانت هناك أشغال طويلة تمتد بين أعلى الراين والدانوب، وأشغال أخرى في دوبروجا* تمتد حتى البحر. ولكن أبرز تلك الأشغال هو ما يعرف اليوم بسور هادريانس على اسم الإمبراطور الذي بناه، وقد ابتدأ العمل في هذا السور حوالي 122 م في شمال بريطانيا بين نهر التاين ولسان سولواي البحري، وهو مبني من الحجر ويمتد على طول ثمانية أميال رومانية حوالي 120 كم وتحميه من الجانبين خنادق يبلغ عرضها حوالي عشرة أمتار وعمقها ثلاثة، فضلاً عن ستة عشر حصناً، ونقاط دفاع أصغر تبعد الواحدة عن الأخرى حوالي 1.5 كم، وبرجين بين كل نقطتي دفاع، وقد قال مدون سيرة هادريانس إن الغرض من هذا السور كان فصل الرومان عن البرابرة. ولكن هذه الحواجز لم تكن فعالة إلا إذا زودت تزويداً كافياً بالرجال، وقد ضعفت الحامية التي تحرس سور هادريانس مرتين، مرة عند نهاية القرن الثاني ومرة خلال القرن الرابع، فاجتاحته عندئذٍ الشعوب الاسكتلندية والبيكت البربرية التي غزت الإمبراطورية حتى مسافة بعيدة في الجنوب وأعملت فيها النهب والتدمير.
أما في القارة الأوروبية فرغم أن الحدود على نهر الراين كانت قصيرة نسبياً فقد كانت تحرسها ثمانية فيالق، في عهد أوغسطس كان أفراد الجيش جنوداً متطوعين يخدمون خدمة طويلة وصاروا يأتون من المقاطعات بصورة متزايدة، وكثيراً ما كانوا من البرابرة، ولم تقتصر خدمتهم على الوحدات الخاصة ذات الخلفية المحلية مثل الرماة المهرة في جزر البليار بإسبانيا والخيالة المدرعة الثقيلة في مقاطعات الدانوب بكل كانوا يخدمون أيضاً في فيالق المشاة التي كانت قلب قوة روما العسكرية. وكان هناك في العادة ثمانية وعشرون فيلقاً تبلغ حوالي 160.000 رجل بالإجمال، تخدم كلها على طول الحدود أو في المقاطعات البعيدة مثل إسبانيا ومصر، وكان هناك نفس هذا العدد من الرجال تقريباً في الوحدات الاحتياطية والمختصة كالخيالة. إن الخدمة الطويلة في المناطق نفسها قد جعلت الفيالق أقل حركة مع مرور الزمن، فكانت مدن الحاميات تضم مجموعات كبيرة من الأتباع وعائلاتهم والذين يصعب عليهم أن يتنقلوا من مكان لآخر. إلى أن الشبكة الداخلية للطرق ظلت تؤمن لقواد الإمبراطورية ميزات كبيرة في تحريك قواتهم بسرعة، وقد تغير توزيع وحدات الجيش رويداً رويداً بصورة تعكس الاحتياجات الإستراتيجية، ففي بداية القرن الثالث كان نصف فيالق الراين قد نقل، بينما تضاعف حجم الجيش على الدانوب بمقدار الثلثين.



* the limes
* منطقة في رومانيا بين البحر الأسود والدانوب

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:27 AM
ضغوط البرابرة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني


ضغوط البرابرة
بعد عام 200 م بقليل كان ضغط الشعوب الجرمانية على الحدود في تصاعد مستمر وباتت تطالب بعبور تلك الحدود والاستقرار ضمن أراضي الإمبراطورية. ولاريب أن بعضهم قد اجتذبتهم الحضارة والثروة، ولكن كانت هناك أيضاً قوة أخرى هامة تؤثر عليهم، وهي ضغط شعوب لشعوب أخرى من الشرق نحو الغرب نتيجة تغيرات في آسيا الوسطى إما طبيعية كالمناخ أو سياسية مثل مضايقة أباطرة الهان في الصين لشعب الهسيونغ نو الذي سوف يعرفه الأوربيون لاحقاً باسم الهون، فكانت تجري إذاً عملية دفع للشعوب نحو الغرب، وفي نهاية السلسلة كانت القبائل الجرمانية التي صار محتماً عليها أن تصطدم بحدود الإمبراطورية الرومانية.
يبدو أن البرابرة لم يكونوا قادرين على حشد أكثر من عشرين أو ثلاثين ألف رجل في ميدان المعركة مرة واحدة، ولكن هذه الأعداد كانت أقوى من قدرة الإمبراطورية في القرن الثالث، وكان من المستحيل عليها أن تصدهم إلى الأبد بسبب الضغوط والمشاغل التي كانت تؤرقها في أماكن أخرى. وقد سمح أولاً لبعض قبائل الراين بالإقامة في الأراضي الرومانية، حيث جندوا عندئذٍ للمساعدة في حماية الحدود من القادمين الجدد.
وبعد ذلك عبر القوط، وهي عائلة جرمانية أخرى من شعوب نهر الدانوب في عام 251 م وقتلوا إمبراطوراً في معركة، وبعد خمس سنوات عبرت شعوب الإفرنج نهر الرين وسرعان ما راحت مجموعة أخرى هي الألمان تغير حتى ميلانو جنوباً. وفي تلك الأثناء تابع القوط مسيرتهم إلى اليونان ثم راحوا يضايقون إيطاليا وآسيا الصغرى من البحر.
وكان هذا زمناً عصبياً بالنسبة لروما، فبينما كانت هجمات البرابرة مستمرة بدأت مرحلة جديدة من الحرب الأهلية والنزاعات على الخلاقة، وقد قتل عدد من أباطرة القرن الثالث على يد جنودهم، ومات أحدهم على يد القائد العام لقواته. ثم ذبح الغاليون هذا الأخير بعد أن وشى به أحد ضباطه. وحتى الناس البعيدون عن هذه الأحداث العنيفة أصابتهم الضرائب الباهظة والانحسار الاقتصادي والتضخم الفظيع، ولم يعد الوجهاء المحليون يرغبون بالخدمة في مجالس المدن أو في الإدارة لأن هذه المناصب صارت تعني أنهم سيجلبون على أنفسهم كراهية الشعب بسبب جبي تلك الضرائب، وكثيراً ما كانت ضرائب عينية جراء تفاقم الأزمة المالية. كما أن هناك علامات أخرى على التدهور هي إعادة بناء الأسوار الدفاعية حول المدن ، ولم تكن هناك حاجة لتلك الأسوار على عهد الأباطرة الأنطونيين، أما الآن فحتى أسوار روما قد تم ترميمها، كما بنيت في القرن الثاني تحصينات حول مدن لم تحصن من قبل قط.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:38 AM
ديوقليتيانس وقسطنطين

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

ديوقليتيانس وقسطنطين

لقد تغير طالع روما في نهاية القرن الثاني عندما جاءتها سلسلة جديدة من الأباطرة الأكفاء، وكان أول من قلب التيار رجلاً من مقاطعة إليريا هو أورليانس الذي سماه مجلس الشعب تسمية تليق به هو محيي الإمبراطورية الرومانية، ولكنه اغتيل حين كان على وشك غزو فارس، إلا أن خلفاءه كانوا هم أيضاً عسكريون أكفاء مثله، فبعد عشر سنوات من موت أورليانس ارتقى العرش رجل آخر من إليريا هو ديوقليتيانوس، الذي أعاد صنع قوة الإمبراطورية القديمة ومجدها ظاهرياً على الأقل، كما أنه بدل طريقة عملها. وكان ديوقليتيانوس ذا أصول متواضعة وتفكير تقليدي جداً، وكان ينظر لدوره نظرة عالية جداً، فقد اتخذ اسم جوبيتر وهو رب الأرباب عند الرومان أي زفس عند الإغريق، ويبدو أنه كان يرى نفسه مثل إله يحمل العالم المتحضر بمفرده.
وحاول ديوقليتيانوس أن يقدم علاجات أكثر عملية لمشاكل الإمبراطورية، فجرب أن يضبط الأسعار والأجور من أجل إيقاف التضخم ولكنه محاولته هذه انتهت بكارثة. إلا أن أهم خطوة اتخذها كانت خطوة ربما لم ير هو نفسه نتائجها البعيدة، إذ أنه قد مهد الطريق أكثر من أي رجل آخر لتقسيم الإمبراطورية إلى كيانين شرقي وغربي سوف يسير كل منهما في سبيله. وقد تجادل الناس كثيراً حول ما إذا كانت هذه النتيجة حتمية أم لا. كانت روما قد صهرت جزءً كبيراً من إمبراطورية الاسكندر في الشرق المتهلّن بالعالم الإغريقي الغربي الذي لم يزره ذلك الفاتح الكبير قط، ولكن بقيت هناك دوماً فروق واضحة بين الاثنين، إلا أن الضغوط لم تظهر إلى أن تبدت مصاعب القرن الثالث. وبات من المستحيل معالجة مشاكل الغرب مع وجود الحاجة لموارد الشرق الغني ضد البرابرة والفرس. في عام 285 م جرب ديوقليتيانس أن يحل المشاكل عن طريق تقسيم الإمبراطورية على طول خط يمتد من الدانوب إلى دلماتيا*، وعين إمبراطوراً شريكاً له على النصف الغربي يحمل مثله لقب أوغسطس، وكان لكل منهما مساعد يعني كخليفة له ويسمى قيصراً. ثم تبعت ذلك تغيرات أخرى، فزالت سلطات مجلس الشيوخ القليلة الباقية، ولم تعد عضويته إلا لقباً فخرياً، كما قسمت المقاطعات السابقة إلى وحدات أصغر يحكمها رجال معينون من قبل الإمبراطور، وأعيد ترتيب الجيش ووسع كثيراً وأعيد التجنيد الإلزامي وسرعان ما صار هناك حوالي نصف مليون رجل جاهز للقتال.
ولاريب أن هذه الترتيبات قد حسنت الأوضاع لفترة من الزمن، ولكن كانت لها أيضاً نقاط ضعف. إن تلك الآلية التي أريد منها تأمين الخلافة السلسة لمنصبي أوغسطس لم تعمل إلا مرة واحدة عندما تنازل ديوقليتيانس وزميله عن العرش في عام 305 ، وانسحب إلى قصره الكبيرة في سبليت على ساحل كرواتيا التي مازالت آثاره تحيط بجزء كبيرة من المدينة الحالية هناك. لقد اقتضى كبر حجم الجيش فرض المزيد من الضرائب على سكان الإمبراطورية الذين تناقصت أعدادهم. ولكننا نرى على المدى البعيد أن خطوة عظيمة الأهمية قد اتخذت؛ فرغم أن خلفاء ديوقليتيانس لم يلتزموا بتقسيم الإمبراطورية حسب المخطط الذي وضعه، ورغم حصول محاولات أخرى لحكمها كوحدة واحدة، فإن كل إمبراطور في المستقبل كان مضطراً عملياً لتقيل مقدار كبير من الانقسام بين الشطرين.
وثمة جانب آخر من جوانب مجهود الإصلاح هذا، هو زيادة التشديد على سلطة الحاكم الفريدة والإلهية تقريباً، وهي في الحقيقة ناحية شرقية، وتدل على أن الناس لم يعودون يثقون بالإمبراطورية ثقة كاملة ولا يشعرون بالولاء لها كما في السابق، وسوف يكون هذا التطور على أهمية كبيرة لمستقبل المسيحية وفأل شر لتقاليد التسامح الديني للإغريقية الرومانية القديمة. لقد أعيد إحياء مسألة تقديم المسيحيين للقرابين للإمبراطور، وفي عام 303 م بدأ ديوقليتيانس آخر اضطهاد عام للمسيحية، ولكنه لم يدم طويلاً بعد تنازله عن العرش الذي حدث بعد ذلك بسنتين، ولو أنه استمر في مصر وآسيا فترة أطول بقليل منه في الغرب.
والمفارقة هي أن المسيحية كانت في ذلك الحين على عتبة أولى انتصاراتها العالمية الكبرى بفضل عمل الإمبراطور الذي يمكننا اعتباره أهمهم جميعاً، ألا وهو قسطنيطين الذي نادى به جيشه إمبراطوراً في مدينة يورك في إنكلترا عام 306 م والذي أعاد توحيد الإمبراطورية في عام 324م بعد عقدين من الحرب الأهلية. كان قسطنطين قد قرر أن يرى ما إذا كان إله المسيحيين سيساعده، وليس ثمة ما يدعو للشك بصدقه وإخلاصه الديني، إذ يبدو أنه كان دوماً يتوق لعبادة توحيدية وظل لزمن طويل يعبد إل الشمس الذي كانت عبادته مرتبطة بعبادة الإمبراطور. وفي عام 312 م تراءت له رؤيا عشية معركة هامة جعلته يأمر جنوده أن يضعوا على تروسهم حروفاً ترمز للمسيحية كطريقة لإظهار تبجيله لإله هذه الديانة. وقد ربح قسطنطين المعركة بالفعل، وسرعان ما شمل تسامح الإمبراطور وعطفه المسيحية، فراح يمنح الهبات للكنائس، ولو أن نقوده بقيت سنوات طويلة تحمل رمز الشمس، وبدأ يشارك في شؤونها الداخلية عن طريق التحكيم في الخلافات الكنسية الهامة عندما تطلب منه ذلك الأطراف المتنازعة، وإننا نشعر في أعماله بأنه يتحول رويداً رويداً نحو اعتناق المسيحية.
ومنذ عام 320 م لتعد الشمس تظهر على نقوده وصار على جنوده أن يحضروا المواكب الكنسية، وفي عام 321 م جعل يوم الأحد عطلة عامة، ولكنه قال إن هذا كان توقيراً لإله الشمس، كما بنى الكنائس وشجع معتنقي المسيحية عن طريق منحهم الجوائز والوظائف. وأخيراً أعلن أنه مسيحي، ولو أنه لم يتنكر رسمياً للديانات والعبادات القديمة قط ، ولم يتلق قسطنطين المعمودية إلا عندما كان على سرير الموت، مثل كثيرين من المسيحيين الاوائل. ولكنه في 325 م ترأس أول مجمع مسكوني للكنيسة في نيقيا، والمجمع المسكوني هو الذي يحضره الأساقفة من كافة أرجاء العالم المسيحي، فكانت هذه بداية التقليد الذي يمنح الأباطرة سلطة دينية خاصة والذي سوف يستمر حتى القرن السادس عشر. لقد ساهم قسطنطين أيضاً مساهمة أخرى كبيرة في المستقبل عندما قرر أن يجعل عاصمته في بيزنطية، وهي مستوطنة إغريقية قديمة عند مدخل البحر الأسود سوف تعرف بالقسطنطينية. وكان يرغب أن يبني هناك مدينة تضاهي روما نفسها، لكنها غير ملوثة بالديانة الوثنية، وسوف تظل القسطنطينية عاصمة إمبراطورية طوال ألف سنة ومركزاً للدبلوماسية الأوروبية لخمسمائة عام أخرى. إلا أن أعمق الآثار التي تركها قسطنطين في تشكيل المستقبل إنما هو جعل الإمبراطورية مسيحية، إذ إنه كان يؤسس أوروبا المسيحية من دون أن يعلم، وقد قبل بحق أنه يستحق لقبه أي قسطنطين الكبير بسبب أهمية أعماله لا بسبب دوافعه أو شخصيته.
كانت الأخطار الخارجية على الإمبراطورية الشرقية تبدو في أيام قسطنطين أقل منها على الإمبراطورية الغربية، وقد ساهمت أعماله في زيادة الانقسام الثقافي بين الشطرين. كان الشرق أغنى بالسكان وقادراً على إطعام نفسه وجمع كميات أكبر من الضرائب ومن المجندين، أما الغرب فقد صار أفقر وتراجعت مدنه وصار يعتمد على استيراد الحبوب من أفريقيا وجزر المتوسط، وأضحى في النهاية معتمداً على تجنيد البرابرة للدفاع عن نفسه؛ كما ازداد تألق القسطنطينية رويداً رويداً حتى صارت تضاهي روما بل تفوقها بهاء. والأهم من كل هذا أن المسيحية ساهمت في تشديد الانفصال بين منطقتين اثنتين، فأصبح هناك غرب يتحدث اللاتينية فيه جماعتان مسيحيتان كبيرتان إحداهما رومانية -يرأسها أسقف هو بابا روما- والأخرى أفريقية، وازداد ابتعادهما عن الكنائس الناطقة باليونانية في آسيا الصغرى وسوريا ومصر التي كانت كلها أكثر تقبلاً للتأثيرات الشرقية وأشد تأثراً بالتقاليد الهلنستية.



* منطقة ساحلية في كرواتيا على بحر الأدرياتيك

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 06:42 AM
نهاية الإمبراطورية في الغرب

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

نهاية الإمبراطورية في الغرب

لقد حكم أبناء قسطنطين الإمبراطورية حتى عام 361، ولكنها سرعان ما تقسمت من جديد فصار يحكمها إمبراطوران شريكان، ولم ينضم الشرق والغرب بعدها تحت حكم رجل واحد إلا مرة واحدة. كان هذا الرجل هو الإمبراطور ثيودوسيوس، الذي منع أخيراً عبادة الآلهة الوثنية القديمة، فوضع بذلك وزن الإمبراطورية بأكمله في كفة المسيحية وانقطع عن الماضي الروماني القديم.
إلا أن الأمور في أيامه ما برحت تتدهور في الغرب بصورة متسارعة، إلى أن اختفت الإمبراطورية الغربية في عام 500.
ولم يحدث زلزال ويبتلع المجتمع فجأة، أي أن الدولة الرومانية لم تزل من الوجود، بل إن الذي اختفى هو جهازها في الشطر الغربي، أو بالأحرى ما بقي منه. في القرن الرابع كانت علامات التراجع واضحة في الإدارة الإمبراطورية الغربية، وازدادت المطالب على مواردها المتناقصة، ولم تحدث فتوحات جديدة يمكن أن تساعد في دفع تكاليف الدفاع عنها. ومع ارتفاع الضرائب صار الناس يغادرون المدن ويحاولون العيش في الأرياف حيث يمكنهم أن يكتفوا بذاتهم ويهربوا من الضرائب. إن نقص المال هذا قد أفقر الجيش فجعله أكثر اعتماداً على المرتزقة البرابرة، وكلف هذا الأمر الدولة المزيد من المال، كما أنها كانت مضطرة لتقديم التنازلات للبرابرة بينما كانت حدودها خاضعة لضغوط موجات جديدة منهم.
وفي الربع الأخير من القرن الرابع هجم شعب بدوي شديد الشراسة من آسيا هو شعب الهون على الشعوب القوطية التي كانت تعيش على ساحل البحر الأسود والقسم الأسفل من الدانوب وراء الحدود الرومانية، ورتبت الإمبراطورية الشرقية بصورة سلمية استقرار اللاجئين منهم ضمن حدودها، ولكن أحد تلك الشعوب وهم شعب الفيزيغوط -القوط الغربيون- انقلبوا على الرومان وقتلوا في عام 378 م إمبراطوراً في معركة أدريانوبل، وسرعان ما تدفق المزيد والمزيد منهم ضمن أراضي الإمبراطورية حتى صاروا مثل إسفين يفصل القسطنطينية عن الغرب. وبعد سنوات قليلة عادوا يتحركون من جديد ولكن نحو إيطاليا هذه المرة، وكان الذي أوقفهم قائداً عسكرياً فانداليا يعمل في خدمة الإمبراطورية، ومنذ عام 406 م صارت الإمبراطورية تستخدم قبائل البرابرة كحلفاء foederati وهي كلمة تدل على البرابرة الذين لا يمكن مقاومتهم ولكن يمكن إقناعهم بالمساعدة. وكان هذا أقصى ما بوسع الإمبراطورية الغربية أن تفعله لحماية نفسها، وسرعان ما تبين أنه لم يعد كافياً.

التواريخ الرئيسية في القرون الأخيرة من الإمبراطورية الغربية

212 م كركلا يمنح المواطنة لجميع سكان الإمبراطورية الأحرار تقريباً
249 م بداية أول اضطهاد عام للمسيحيين
285 م ديوقليتيانس ينظم الإمبراطورية في نظام جديد هو النظام الرباعي
313 م مرسوم ميلانو يعيد للمسيحيين أملاكهم وحرية العبادة
330 م تكريس القسطنطينية كعاصمة
376 م القوط يعبرون الدانوب
406 م الفاندال والسويف يعبرون الراين
409 م الفاندال والألان والسويف يغزون إسبانيا
410 م انسحاب الفيالق من بريطانيا، الغيزيغوط ينهبون روما
412-414 م الفيزيغوط يغزون غاليا وإسبانيا
420 م الجوت والأنكلوسكسون يرسون في بريطانيا
429-439 م الفاندال يغزون شمال أفريقيا ويفتحون قرطاجة
455 م الفاندال ينهبون روما
476 م خلع آخر إمبراطور في الغرب رومولس أوغسطولس
وراحت الشعوب البربرية تتجول على طول الغرب اللاتيني وعرضه، ففي عام 410 نهب القوط روما نفسها، وكان هذا حدثاً فظيعاً جعل القديس أوغسطينس وهو أسقف أفريقي وأعظم آباء الكنيسة يكتب كتاباً (وهو أحد تحف الأدب المسيحي) وهو مدينة الله*، لكي يشرح كيف يسمح الله بحدوث شيء كهذا. وأخيراً بلغ الفيزيغوط في تقدمهم أكيتانيا في جنوب غربي فرنسا، ثم توصلوا إلى تفاهم مع الإمبراطور الذي أقنعهم بمساعدته في معالجة أمر شعب بربري آخر هو شعب الفاندال الذي كان قد اكتسح إسبانيا في ذلك الحين. ودفع الفيزيغوط بالفاندال في النهاية عبر مضيق جبل طارق، فاستقر الفاندال في شمال أفريقيا حيث جعلوا عاصمتهم في قرطاجة التي أقاموا فيها، ومنها عبروا المتوسط في عام 455 م لينهبوا روما مرة ثانية.
ولكن رغم فظاعة هذه الغارة فإن ضياع أفريقيا كان هو المصيبة الكبرى لأن القاعدة الاقتصادية للإمبراطورية الغربية قد تقلصت وصارت محصورة بجزء من إيطاليا. ومن الصعب أن نقول متى انتهى الإمبراطورية الغربية بالتحديد، لأن ملامحها كانت تتلاشى رويداً رويداً وقد استمرت الأسماء والرموز فيها حتى النهاية. وعندما صد الهون أخيراً عن الغرب في معركة كبيرة قرب تروا وهي مدينة على نهر السين بفرنسا الحالية، في عام 451 م كان الجيش الروماني مؤلفاً من فيزيغوط وإفرنج وسلتيين وبرغنديين، وكلهم برابرة تحت قيادة ملك فيزيغوطي، وفي عام 476 م قتل رجل بربري آخر الإمبراطور الأخير في الغرب فمنحته الإمبراطورية لقب "نبيل" وكانت الإمبراطورية الغربية قد حل محلها عدد من الممالك الجرمانية، ولو بقيت بعض الأشياء رومانية في الظاهر، ويعتبر عام 476 عادة تاريخاً مناسباً لنهاية قصة الإمبراطورية التي بدأت على عهد أوغسطس. إلا أن التاريخ لا يعرف النهايات الواضحة البسيطة، وإن الكثيرين من البرابرة الذي كان بعضهم قد تعلموا على يد الرومان قد اعتبروا أنفسهم الأمناء الجدد على ما بقي من سلطة روما، وظلوا يعتبرون إمبراطور القسطنطينية سيدهم الأعلى.

* نشرته دار المشرق ببيروت 2002، ترجمه الخورأسقف يوحنا الحلو

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 01:42 PM
أشياء تبدلت وأشياء استمرت

كتاب تاريخ العالم - الفصل الرابع - العالم اليوناني

أشياء تبدلت وأشياء استمرت


في نهاية القرن الخامس كان الكثير من البرابرة قد استقروا إلى جانب النبلاء القدامى في مقاطعات غاليا وإسبانيا وإيطاليا وتبنوا الأساليب الرومانية، بل إن بعضهم كان قد تنصر، ولم يقض البرابرة على الماضي الروماني إلا في الجزر البريطانية، لهذا لم تنته قصة الحضارة القديمة في عام 500 م بصرف النظر عما حل بالإمبراطورية. قبل قرون عديدة كان شاعر روماني قد قال عن إحدى فتوحات روما ”إن اليونان الأسيرة قد أسرت فاتحها الهمجي”، ويقصد بهذا وهو على حق أن الحضارة الإغريقية قد اسرت قلوب الرومان الذين استولوا عليها، وقد تكررت الصورة في الغرب عندما انهارت الإمبراطورية الرومانية على يد البرابرة. لذلك استمر تأثير الرومان في التاريخ، ومن خلالهم استمر أيضاً تأثير الإغريق واليهود، وسوف تكون هناك إمبراطورية رومانية مركزها مدينة بيزنطية طوال ألف عام تقريباً، وحتى في عام 1800 كان في أوروبا ثمة شيء اسمه الإمبراطورية الرومانية المقدسة. بل مازال رجال الدين المسيحيون اليوم يرتدون لباساً مأخوذاً من لباس نبلاء الرومان في القرن الثاني الميلادي، ومازالت باريس ولندس وإكستر وكولونيا – كولن- وميلانو وعشرات غيرها من المدن مراكز هامة للسكان مثلما كانت في الأزمنة الرومانية. ولو أنها مرت بقرون ذوى فيها ازدهارها عما كان عليه على عهد الأباطرة الأنطونيين. ومازال قسم كبير من خارطة أوروبا على الشكل الذي رسمه الرومان عندما وضعوا حامياتهم وبنوا طرقهم، وكثيراً ما كانت مستوطناتهم تزيد من تأثير التقسيمات الطبيعية.

ولكن ربما كانت الاستمرارية أوضح اليوم في الأمور غير المادية، وأهم هذه الأمور وأولها هي اللغة، لأن اللغات الأوروبية غنية جداً بالكلمات المأخوذة عن اليونانية واللاتينية، وهما اللغتان اللتان أتى بهما الكتاب المقدس إلى أوروبا للمرة الأولى. كما أن الطرائق التي نستخدمها في حساب الوقت وتقسيمه إنما أتتنا من العالم الإغريقي الروماني، لأن يوليوس قيصر هو الذي تبنى اقتراح رجل إغريقي من الإسكندرية بأن السنة المصرية المؤلفة من 365 يوم مع إضافة يوم واحد كل أربع سنوات هي أفضل من التقويم الروماني التقليدي المعقد، وعلى عهد قسطنطين صارت الفكرة اليهودية عن يوم راحة sabbeth كل سبعة أيام فكرة مقبولة. كما أننا ندين بالطبع للمسيحيين الأوائل بتقسيم التاريخ إلى ماقبل الميلاد وما بعده، وهو تقسيم مازال كل العالم المسيحي وأكثر العالم غير المسيحي يستخدمه اليوم، فبعد عام 500 بقليل قام راهب بحساب تاريخ ميلاد المسيح وأخطأ فيه بمقدار بضع سنوات، ولكن حكمه مازال إلى اليوم أساس التقويم الذي نستخدمه، ويمكنك أن تجد أمثلة لاحصر لها في الرياضيات الإغريقية والقانون الروماني واللاهوت المسيحي وغيرها من المجالات عن أفكار ورثناها من العصور القديمة ومازال لها تأثير تاريخي كبير حتى يومنا هذا. عندما صار الناس في عصور لاحقة ينظرون إلى الماضي أدهشتهم كثرة الأشياء التي يدينون بها للحضارة التي أنتجتهم، فوجدوا فيها الإلهام والوحي، كما وجدوا فيها المحك لتقييم أعمالهم، ولو أن الأوروبيين قد بالغوا أحياناً في إنجازات الإغريق والرومان، وإن لدى أكثر الحضارات عصوراً كلاسيكية تأخذ عنها المعايير التي تقيم بها إنجازاتها اللاحقة. ولقد صارت العصور الكلاسيكية أسطورة عما تستطيع الحضارة الإتيان به وعما ينبغي على الناس أن يفعلوه، ولهذا السبب ما برح الناس اليوم يسيرون بين آثار هذا الماضي العظيم مثل أجدادهم في العصور الوسطى. ومابرح يفتنهم.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 01:46 PM
بدايات بيزنطية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات





بدايات بيزنطية



استمرت الإمبراطورية الرومانية التي أسسها قسطنطين ألفاً ومائة عام من بعده في القسطنطينية، وظل حكامها دوماً يسمون أنفسهم روماناً، وهذا هو أيضاً الاسم الذي كان أعداؤهم يطلقونه عليهم، وقد حكموا نصف العالم المسيحي أي قسمه الذي يقع في منطقة المتوسط والشرق الأدنى. وإنك عندما تنظر اليوم إلى تاريخ هذه الإمبراطورية تجد أسباباً كثيرة دفعت الشطرين الغربي والشرقي إلى التباعد واتخاذ طريقين منفصلين، ولكن لم يكن بإمكان أحد أن يرى هذا الاحتمال في البداية، وهو لم يصبح أمراً عادياً إلا بعد أن حدثت خطوات تدريجية كثيرة. لقد تحولت في البداية اهتمامات الحكومة في القرن الثالث نحو الشرق رويداً رويداً، وزاد هذا من أهمية المقاطعات الشرقية والناطقة باليونانية التي كانت فيها أكبر الجماعات المسيحية، كما اتخذ قسطنطين قرارات هامة بأن تكون الإمبراطورية مسيحية وبأن تبنى عاصمة جديدة على مضيق البوسفور في بيزنطة، ولو أنه لم يسكن هناك قط، وكان هذا قراراً حاسماً. ثم انهارت الإمبراطورية الغربية في القرن الخامس فكانت تلك خطوة حاسمة أخرى باعدت بين شطري الإمبراطورية، ومن بعدها لم يعد هناك رجعة. وصارت الإمبراطورية الشرقية مضطرة للتفاهم مع البرابرة المنتصرين في الغرب بأفضل شروط ممكنة، وربما كان هذا هو الأمر الوحيد الذي حافظ على وهم أن الإمبراطورية مازالت موحدة.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 01:48 PM
يوستينيانس

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

يوستينيانس

بالرغم من ذلك جاء إلى العرش في عام 527 م إمبراطور هو يوستينيانس الذي ظل يأخذ وحدة الإمبراطورية مأخذ الجد وحاول مرة أخرى أن يحكمها ككيان واحد؛ ولكنه في النهاية ساهم هو أيضاً في زيادة الانفصال، ويعتقد أكثر الناس أن قصة الإمبراطورية البيزنطية المتميزة إنما تبدأ به. كان يوستينيانس رجلاً بغيضاً للغاية، فقد كان خداعاً وجحوداً وشكاكاً وبخيلاً، ولكنه كان في الوقت نفسه طموحاً ومغامراً وشجاعاً، وكان يؤمن إيماناً تاماً بأسلوب الحياة الرومانية وبالإمبراطورية كحامية للحضارة والديانة الحق. لقد سحق بلا رحمة الأخطار التي كانت تهدد سلطته في الداخل، كما استعاد بعض الأراضي الرومانية في الغرب لفترة قصيرة، فطرد الأوستروغوط (أي القوط الشرقيين) من روما نفسها وحرر إيطاليا لفترة من الزمن، كما هزم الفيزيغوط في إسبانيا وأعاد حكم الإمبراطورية إلى قرطبة واستعاد جزر كورسيكا وسردينية وصقلية. ولكن ثمن هذا التحرير كان باهظاً، ففي الأزمنة اللاحقة حين كان الناس ينظرون إلى الماضي ويلومون البرابرة على تخريب إيطاليا إنما كانوا في الحقيقة يفجعون لما فعلته بها جيوش يوستينيانس. لقد كان نجاحه نجاحاً مؤقتاً على كل حال، لأن الإمبراطورية كانت تحارب دوماً على جبهتين، وقد استنزفت منها حملاتها المكلفة ضد الفرس كل من الرجال والمال، وعند نهاية حكم يوستينيانس كان البرابرة في تراقيا يفصلون من جديد شرق الإمبراطورية عن غربها، والحقيقة أن افتراق مصيري الشرق والغرب كان مستمراً لا تقطعه إلا هدنات قصيرة.
كانت مساهمة يوستينيانس في الانفصال النهائي مساهمة هامة، ورغم أنه كان يفتخر بأنه يتحدث اللاتينية ومعجباً بالماضي الروماني فقد ساهم أكثر من أي إمبراطور آخر في جعل بيزنطة مركز ثقافة سياسية متميزة. ومن مظاهر ذلك عملية الإصلاح الكبرى التي أجراها على قانونها المعقد والمشوش، والذي كان يعود في بعض أصوله إلى أيام الجمهورية الباكرة، فأمن لها بذلك مجموعة جديدة من الاجتهادات القضائية والمتماسكة، وهي عملية لم تستغرق أكثر من خمس سنوات ولكنها سوف تشكل تاريخ بيزنطة ثم تاريخ أوروبا لقرون طويلة. وقد تبدو هذه خطوة محافظة، إلا أنها كانت في الحقيقة بداية طرق جديدة، وقد صار القانون الروماني الذي وضعه يوستينيانس نافذاً في الشرق من فوره، كما أنه بدأ يصبح مقبولاً في القرن الحادي عشر كأساس للاجتهادات القضائية السليمة في أوروبا الغربية أيضاً. وكانت تسيطر عليه بصورة قوية النظرة إلى القانون كشيء يصنعه الحكام لا كشيء تتناقله الأجيال بحكم العادة كما في التقاليد الجرمانية، وقد راق هذا الأمر لأمراء كثيرين من بعده، ولو أنه لم يرق دوماً لشعوبهم.
واتخذ يوستينيانس قرارات أخرى أضعفت التقاليد القديمة، فعندما فتحت إيطاليا اختار أن يجعل رافينا عاصمة للإمبراطورية بدلاً من روما، كما أنه ألغى أكاديمية أثينا التي كانت مستمرة منذ عصر مؤسسها أفلاطون، إذ أنه كان مصمماً على أن يكون إمبراطوراً مسيحياً، أو على الأقل أن يحكم إمبراطورية مسيحية الطابع، وقد صادر الكثير من الحريات الخاصة التي كان اليهود يتمتعون بها كما تدخل في تقويمهم وعبادتهم وشجع ملوك البرابرة على اضطهادهم، وكان هذا ابتعاداً عن تقليد التسامح الهلنستي الروماني القديم في أمور الدين. وتنطبق هذه المعاملة على بعض المسيحيين أيضاً، لأن يوستينيانس منح دعمه وتأييده الكاملين لرجال الدين الأرثوذوكس الذي عقدوا عددا ً من المجامع الهامة حكموا فيها على بعض العقائد بأنها هرطقة وأدانوها بناء على ذلك، وأدى هذا إلى مضايقة الجماعات التي تسير على تلك العقائد، مثل أقباط مصر ونساطرة شرق سورية الذين اضطروا للجوء إلى فارس، أما الذين لم يهربوا فقد ظلوا يغذون من شعورهم بالظلم والمرارة، وسوف يكلف هذا الإمبراطورية ثمناً باهظاً على المدى البعيد.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp5-1.jpg
الإمبراطورية الرومانية عند وفاة يوستنيانس سنة 565 ميلادية
ولم يستطع يوستينيانس ضم الكنيستين اللاتينية الغربية التي صارت تتطلع لقيادة بابا روما والأرثوذوكسية الشرقية كما كان يرجو، وكانت هذه عقبة أيديولوجية أمام أية محاولة لإعادة توحيد الإمبراطورية القديمة. وما كانت الكنيسة الغربية لتقبل بالسيادة الدينية التي ادعاها الإمبراطور حتى في أمور العقيدة، وهي ناحية أهم بكثير مما يبدو للوهلة الأولى، وقد دخل يوستينيانس باندفاع كبير في مناقشات لاهوتية لا تهمنا كثيراً في هذه الأيام ولكنها لم تكن مجرد هواية. أما الكنيسة الغربية فكانت تؤكد دوماً أنه مهما كان واجب الناس نحو حكامهم الدنيويين فإن الكنيسة وحدها هي التي تقول لهم ما هو واجبهم النهائي، لأنهم إنما يدينون به لله، ولهذا سوف تضطر الكنيسة والدولة في الغرب أن تعيشا جنباً إلى جنب، أحياناً بصورة ودية وأحياناً في صراع، أحياناً تسيطر هذه على تلك وأحياناً أخرى تسيطر تلك على هذه، ومن هذا التوتر سوف تنشأ الحرية. أما الكنائس الشرقية فكانت تقول إن السلطتين الروحية والدنيوية ملك للإمبراطور نفسه، الذي له الكلمة الفصل في كل شيء لأنه نائب الله على الأرض. وسوف تنتقل هذه النظرة للحكم في النهاية إلى الحكم الأوتوقراطي لقياصرة روسيا، وكلمة أوتوقراط هي لقب يوناني من ألقاب الإمبراطور وتشكل مصير روسيا التاريخي في المستقبل.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp5-2.jpg
لوحة تمثل الإمبراطور يوستينيانس

ولم ينعكس الاتجاه نحو الحكم الأوتوقرطي منذ أيام يوستينيانس قط، رغم حصول بعض التنازلات وظهور بعض نقاط الضعف أحياناً، فطغت الصفات الشرقية على هذا المنصب الذي كان ذات يوم منصب القاضي الأول في الجمهورية الرومانية، وصار الأباطرة البيزنطيون يعاملون باحترام مهيب مثل ملوك الفرس من قبلهم، وكان ظهورهم للناس يحاط بالاحتفالات المعقدة وعلامات التبجيل المفرطة، بل كان الناس يسجدون أمامهم توقيراً لهم. ويركز الفن البيزنطي على هذه الناحية، فقد كان فناً دينياً تماماً في أشكاله ومواضيعه، وهو يصور الأباطرة على أنهم وكلاء لله على الأرض وتجسيد لقوته الإلهية، كما يصور المسيح بصورة الملك الظفر وليس بصورة المخلص المعذب المهان الذي تراه في الفن الكاثوليكي، وقد كان هذا الأسلوب متأثراً بالفن الآسيوي فضلاً عن فن روما القديمة. ويظهر الأباطرة في صورهم ورؤوسهم محاطة بهالة مثل التي تراها حول رؤوس آخر الأباطرة قبل العصر المسيحي والتي أخذوها عن الإله الشمس، وهي تظهر في صور بعض الحكام الساسانيين أيضاً.
وكان من الطبيعي أن تتأثر بيزنطة بالثقافة الشرقية، لأن الكثير من مقاطعات الإمبراطورية تقع في آسيا، وقد صارت أكثر اعتماداً عليها بعد عام 600 عندما لم تبق لها أراضي كثيرة في أوروبا. وكان على الإداريين أن يتحدثوا اليونانية، ولكن الإمبراطورية كانت متعددة الأعراق وكان الترقي فيها متاحاً للجميع بصرف النظر عن أصولهم الإثنية مثلما كان الأمر في أيامها الماضية، فكان الأباطرة يأتون من سوريا والأناضول والبلقان، وكان يوستينيانس نفسه من مقاطعة إليريا* ومتحدراً من أصول قوطية. صحيح أن مدن آسيا الصغرى قد تتحدث اللغة اليونانية إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على الريف، ومع مرور الزمن سيطرت أسماء العائلات الآتية من الأناضول على السياسة والإدارة البيزنطية، فكان هذا مصدراً آخر من مصادر التأثير الآسيوي، وإذا تذكرنا أيضاً الحركة الدائمة عبر الحدود بين بيزنطة وجيرانها الآسيويين وجدنا من الطبيعي أن تبتعد بمرور القرون عن المسيحية الغربية وعن ميراثها الهليني كذلك.



* منطقة قديمة في شمال غربي شبه جزية البلقان على ساحل الأدرياتيك

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 01:53 PM
الدين والدولة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

الدين والدولة

كان قلب بيزنطة هو دورها المسيحي وأسلوبها الخاصة في التعبير عنه، وكان هذا الدور جزءاً أساسياً من عملية الخلاص المتاحة للبشر، وقد انعكس في كل ما كانت تفعله؛ ولكن لأفعالها في الوقت نفسه أبعاداً أخرى في مجال الدعاية والعلاقات العامة، ومن المستحيل في العادة أن نعرف ما إذا كانت الأولوية للاعتبارات الدنيوية أو غير الدنيوية. لقد استخدم يوستينيانس المسيحية ورجال الكنيسة كفرع من فروع الدبلوماسية، فكان يقف عراباً في عمادة أطفال الأمراء البرابرة، ويرسل المبشرين لتنصير سواهم. كما ساهمت ثروات القسطنطينية وغناها، وكذلك ثروات أجزاء أخرى من الإمبراطورية أثناء حكمه، في إبهار جيرانها، وما زال أعظم صرح فيها هو الباسيليقا التي بناها، أي كنيسة الحكمة المقدسة أو القديسة صوفيا، وقد عُدّت هذه الكنيسة طوال قرون من أعظم بناء في العالم المسيحي، ولو أن قبتها الضخمة انهارت ذات مرة أثناء حكم يوستينيانس وكانت أهبة الوسط الإمبراطوري تستعرض فيها أثناء العبادة بين الذهب والحرير المدلى وإشعاع فسيفسائها ورخامها البديعين.
لقد عاشت الإمبراطورية الشرقية عمراً طويلاً ومرت خلال هذا العمر بتغيرات كثيرة، ولكن سكانها ظلوا يدعون أن لا شيء تغير فيها على الإطلاق، وبقي أباطرتها يحملون لقب أغسطس حتى النهاية. والحقيقة أن جوهرها الديني لم يتغير بل بقيت مسيحية ضمن تقاليد خاصة هي التقاليد التي تسمى أرثوذوكسية، ومن هذه التقاليد نشأت الكنائس الحالية في اليونان وقبرص، وكذلك في روسيا وبلغاريا وغيرها من البلاد السلافية. وكانت الأرثوذوكسية مختلفة من نواح كثيرة عن المسيحية الكاثوليكية التي صارت لها السيادة في أوروبا الغربية، فلم يكن هناك في الكنيسة الأرثوذوكسية مثلاً رجل له سلطة مثل سلطة بابا روما، بل كان الإمبراطور في الحقيقة يعين بطريرك القسطنطينية، وهو الزعيم المعترف به للكنيسة الشرقية بعد القرن السابع، وبالمقابل كان البطريرك يقدم مباركة الكنيسة عند تتويج الإمبراطور. وكثيراً ما كانوا رجال الدين العاديين يتزوجون، بينما صار رجال الدين في الكنيسة الغربية عزاباً، لهذا لم يشكل الكهنة في البلاد الأرثوذوكسية مجتمعاً منفصلاً كما حصل في أوروبا الغربية. إلا أن رهبان الكنيسة اليونانية كانواً عزاباً، وهنا يكمن فرق آخر، لأن الرهبنة المسيحية التي بدأت في مصر في القرن الثالث عندما انسحب القديسون للمرة الأولى إلى الصحراء من أجل الصلاة والتأمل وضبط النفس ضد المغريات الدنيوية، قد بقيت أقرب إلى أنماطها الأصلية في الأرثوذوكسية منها في أشكالها الغربية، التي صارت تبتكر أساليب جديدة في إعطاء الرهبان أدواراً عملية واجتماعية عدا عن أدوارهم الروحية والفردية.
ثم أن التقاليد الأرثوذوكسية اليونانية كانت مضطرة لمعالجة منازعات ومناقشات لاهوتية بصورة أكبر من كنيسة روما في القرون الأولى، ويعكس هذا وجود تقاليد دينية مختلفة ضمن العالم الهلنستي القديم. كانت البطريركيات أي كبرى الأسقفيات الأربع الأساسية هي بطريركيات القسطنطينية وأورشليم وأنطاكية والإسكندرية، وكانت كل منها تمثل شيئاً مختلفاً قليلاً عن الأخريات، فكان لابد من لمصالحها المحلية وتقاليدها الثقافية هي أن تعبر عن نفسها في النزاعات اللاهوتية، وكانت هذه واحدة من القوى الفاعلة طوال قرنين أو ثلاثة كثر فيها الانشقاق والانفصال. وفي الوقت نفسه خرجت أنطاكية والإسكندرية والقدس من نطاق سيطرة الإمبراطورية، أخذتها الجيوش العربية فأعطى هذا أهمية لا سابق لها للتقاليد الأرثوذوكسية اليونانية التي تسير عليها بطريركية القسطنطينية بين الكنائس الشرقية.
لقد خضعت بعض النزاعات لقرارات وتوضيحات المجامع العامة، المسكونية للكنيسة كلها، إلا أن الانقسام بين روما والقسطنطينية استمر طوال الوقت بل توسع. وقد عقد آخر مجمع عام اعترفت به كل من الكنيستين الكاثوليكية اللاتينية والأرثوذوكسية اليونانية في عام 787م، وكان الفرق بين المسيحية الغربية والشرقية عندئذٍ واضحاً جداً، حتى في أكثر معانيه تحديداً وحرفية. ومازالت الكنائس الأرثوذوكسية حتى اليوم تبدو بصورة مختلفة جداً عن الكنائس الغربية سواء كانت رومانية أو أنغليكانية، ومن أوضح تلك الفروق المكان الذي يخصص لصور القديسين ومريم العذراء ويسوع المسيح في الكنائس الأرثوذوكسية، إذ إن هذه الأيقونات تعرض على حجاب خاص وفي المقامات من أجل أن يقوم الناس بتبجيلها، وهي ليست مجرد زينة بل إن الغرض منها هو المساعدة في تركيز التعبد والتعاليم الدينية، أي أنها كما يقال نقطة التقاء بين السماء والأرض. فليس من الغريب إذاً أن يؤدي هذا إلى التشديد على رسم الأيقونات وصنعها من الفسيفساء في الفن البيزنطي ثم في الفن السلافي من بعده، وبالتالي إلى إبداع أعظم التحف في هذين التقليدين. لقد كانت شعبية الأيقونات راسخة منذ القرن السادس، ولكنها ظلت سبباً للخلاف المرير أحياناً، فقط ظهرت حركة "تحطيم الأيقونات" وكانت عاملاً آخر في ابتعاد المسيحية الأرثوذوكسية اليونانية عن المسيحية اللاتينية إلى أن قررت السلطة الإمبراطورية أن تؤيد الأيقونات بحزم في القرن التاسع. صحيح أن الانقطاع الرسمي بين الكنيستين لم يحدث حتى عام 1054، إلا أن المسيحية كانت عملياً في حالة انشقاق قبل ذلك بقرون عديدة، وكان من المحتم أن يسرع هذا الانشقاق التباعد الثقافي والسياسي بين الشرق والغرب بمرور الزمن.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 01:54 PM
إعادة صنع الشرق الأدنى

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

إعادة صنع الشرق الأدنى

في عام 500 م وبعده بقرون عديدة كانت الحضارات والثقافات على حواف الإمبراطوريتين الغربية والشرقية في حالة من الصراع والتفاعل في الوقت نفسه، ويصح هذا الوصف بالأخص في الشرق الأدنى أكثر منه على أي مكان آخر في العالم. إن الصراعات التي ابتدأت في ذلك الحين سوف تستمر قروناً طويلة، وقد لخص مؤرخ إنكليزي كبير إحدى مراحل هذا الصراع ” النزاع العالمي”، وهو اعتراف واجب بعظمة المواضيع التي كان النزاع يدور حولها. ولكن رغم التغيرات العميقة التي حلت بالمنطقة كان سكانها يشتركون بأشياء كثيرة فيما بينهم، كانت الإمبراطوريات الكبرى في إيران تهاجم الغرب منذ ألف سنة قبل عام 500ق.م، ولم تتخلل ذلك إلا هدنات قصيرة، إلا أن الحروب قد تقرب بين الحضارات أحياناً، وكان هناك في الشرق الأدنى تقليدان ثقافيان مميزان ولكن تأثيرهما متداخلان إلى درجة أنه لا يمكن فصل تاريخهما. فمن خلال الإسكندر وخلفائه كان الأخمينيون قد نقلوا إلى روما أفكار وأساليب ملكية إلهية تعود جذورها إلى بلاد الرافدين القديمة، ومن روما استمرت هذه الأفكار لتزدهر في بيزنطة، وقد سحرت فارس وروما كل منهما الأخرى كما ساهمت كل منهما في تدمير الأخرى في النهاية. ولكن روما نفسها كانت قد تغيرت، فصارت إمبراطورية مركزها القسطنطينية ومحصورة فعلياً بمصر وفلسطين وسوريا والأناضول واليونان وقسم كبير في البلقان حتى نهر الدانوب، وكانت هي القوة العظمى الممثلة للمسيحية في الشرق الأدنى.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 02:07 PM
فارس وبيزنطة

كتاب تاريخ العالم (http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?option=com_content&view=section&id=15&Itemid=197)- الفصل الخامس - نزاعات الحضارات (http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?option=com_content&view=category&id=197&Itemid=363)

[/URL] (http://www.reefnet.gov.sy/reef/index.php?option=com_mailto&tmpl=component&link=aHR0cDovL3d3dy5yZWVmbmV0Lmdvdi5zeS9yZWVmL2luZ GV4LnBocD92aWV3PWFydGljbGUmaWQ9MTczNSZvcHRpb249Y29 tX2NvbnRlbnQmSXRlbWlkPTQ1Nw==)

فارس وبيزنطة



كانت فارس هي القوى الكبرى الثانية في الشرق الأدنى في عام 500 م، وكانت مثل بيزنطة وريثة تقاليد تعود للأخمينيين وقبلهم أيضاً إلى بلاد الرافدين القديمة، وكانت إمبراطوريتها على وشك استعادة أراضيها للمرة الأخيرة عن طريق فتوحاتها التي امتدت من أرمينيا إلى اليمن، وربما ازدادت عداوة حكامها نحو الإمبراطورية الرومانية عندما أصبحت هذه مسيحية، وكان الفرس المسيحيون يتمتعون بالتسامح من الناحية النظرية، إلا أن خطر خيانتهم لبلادهم أثناء الحروب المستمرة مع روما قد جعل من معاهدة السلام التي عقدت في القرن الخامس والتي نصت على التسامح حبراً على ورق. وكان ثمة جماعة من المسيحيين تسمى النساطرة لا ينطبق عليها هذا الوصف، إذ كان الفرس متسامحين تجاههم بالفعل لأنهم مضطهدون من قبل البيزنطيين، وبالتالي فقد اعتبرهم الساسانيون مخلصين لهم من الناحية السياسية، وعلى هذه الصورة كان الدين يقسم المنطقة ويضعف عالميتها السابقة.

وحول هذين المركزين الكبيرين للحضارة كانت تتجمع دول ودويلات أصغر تابعة لهما ولكنها أقل منهما تطوراً، ووراءها كانت تمتد أراضي البرابرة. كان بين جيران بيزنطة في الشرق بعض القواعد المسيحية مثل مملكة أرمينيا، ووراءها تقع الهند، وهي مركز آخر للحضارة ولكنها بعيدة جداً ولا يمكن اختراقها وراء جبال أفغانستان وسهول نهر الهندوس. وفي شبه الجزيرة العربية كانت توجد ممالك صغيرة على درجة من الحضارة وقبائل من البدو الرحل، أما خلف نهر جيحون، آمودريا، فكانت تعيش الشعوب البدوية في آسيا الوسطى، وإلى الشمال من بيزنطة ظهرت مجموعة جديدة من القبائل هي القبائل السلافية التي استقرت على طول القسم السفلي من الدانوب، وإلى الغرب منها كانت الشعوب الجرمانية.

كان أغلب الحروب المتكررة بين بيزنطة وفارس في القرن السادس بلا نتيجة حاسمة، ولكن يمكننا اعتبارها الشوط الأخير في صراع الشرق والغرب الذي ابتدأه الإغريق والفرس قبل ذلك بألف عام، والذي بلغ ذروته عند بداية القرن السابع في آخر حرب عالمية في العالم القديم، وربما كان الدمار الذي سببته هو الضربة التي قضت على الحضارة المدنية الهلنستية في الشرق الأدنى. كان يحكم فارس في ذلك الحين كسرى الثاني، وهو آخر الملوك الساسانيين العظام، وكانت الإمبراطورية البيزنطية ضعيفة لأنها كانت قد خسرت إيطاليا كما أن شعوب السلاف والأفار القادمة من منطقة الفولغا قد بدأت بالتدفق إلى البلقان. ويبدو أن الفرصة قد سنحت لكسرى عندما قتل المتمردون إمبراطوراً بيزنطياً كفأً، فغزت جيوش الفرس أرمينية وكبدوقية وسوريا وخربت مدنها ونهبت أورشليم في عام 615 آخذة معها عود صليب المسيح الذي كان أشهر كنوزها. وفي العام التالي غزت مصر، وبعد عام آخر كانت طلائعها الأمامية على بعد ميل واحد من القسطنطينية، بل إنهم ركبوا البحر فغاروا على قبرص وانتزعوا رودس من الإمبراطورية، وبدا أنهم قد استعادوا إمبراطورية داريوس بينما كانت بيزنطة تخسر آخر ممتلكاتها في إسبانيا على الطرف الآخر من المتوسط. كانت تلك أحلك لحظة في صراع الرومان الطويل مع فارس، ولكن جاء لإنقاذها إمبراطور عسكري جديد هو هرقل – هيراكليوس- المتحدر من أصل أرمني والذي كان قد ارتقى العرش قبل بضع سنوات. لقد كشف هرقل عن كفاءته، فاستخدم القوة البحرية لإنقاذ القسطنطينية في عام 626 م عندما عجز الأفار عن نقل جيش حلفائهم الفرس لمساعدتهم في الهجوم على المدينة، وفي العام التالي اقتحم آشور وبلاد الرافدين وهي قلب النزاع في إستراتيجية الشرق الأدنى منذ القدم، وتمرد جيش الفرس فاغتيل كسرى، وعقد خليفته الصلح مع البيزنطيين. وانتهت بذلك الأيام العظيمة لقوة الساسانيين، واسترجع عود الصليب أو ما قيل أنه عود الصليب إلى أورشليم، وانتهى أخيراً الصراع الطويل بين فارس وروما، وكان مركز تاريخ العالم على وشك التحول إلى صراع آخر.




(http://www.reefnet.gov.sy/reef/index5.htm)[URL="http://www.reefnet.gov.sy/reef/index5.htm"]

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 02:10 PM
ديانة عالمية جديدة: الإسلام

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

ديانة عالمية جديدة: الإسلام

لقد انهار الساسانيون في النهاية لأن أعداءهم كانوا كثر، وكان عام 610 قد أتى بنذير شؤم لهم لأنه العام الذي هزمت فيه قوة عربية جيشاً فارسياً للمرة الأولى. وبقي ملوك الفرس قروناً عديدة غير مهتمين بالأعداء الواقعين إلى جنوبهم، إلا أن الضربات القاضية إنما أتتهم من الجنوب، من قيظ شبه الجزيرة العربية وصخورها. ولم تكن شبه الجزيرة دوماً على هذه الصورة، ففي بداية الحقبة المسيحية كانت فيها أراضي مروية ونشأت فيها ممالك صغيرة تتاجر عبر موانئها مع الهند والخليج الفارسي وشرق أفريقيا حاملة الصمغ والتوابل إلى مصر، ومنها كانت هذه البضائع تنتقل إلى أنحاء المتوسط. وقد ازدهرت تلك الممالك وكانت مستقلة عن الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية الكبريين اللتين لم تخترقا شبه الجزيرة بصورة عميقة قط، إلا أن نظام الري قد انهار ولا نعلم الأسباب، فصارت الأرض صحراء مجدبة، وارتحلت القبائل من مدن جنوب شبه الجزيرة نحو الشمال وعادة شعوبها إلى حياة البداوة والرعي، ومنها نشأت جيوش ديانة عالمية جديدة.
إن ديانة الإسلام التي أسسها النبي محمد هي المنافس الوحيد للمسيحية كديانة عالمية في حيويتها وسعة مداها الجغرافي، وقد نشأت بالأصل من نفس جذور المسيحية، أي من الثقافات القبلية للشعوب السامية في الشرق الأدنى، كما أنها قريبة من المسيحية ومن مصدرها أي اليهودية في التشديد على أنه لا يوجد إلا إله واحد هو الله، وليس التوحيد هو الشيء الوحيد الذي تشترك به هذه الديانات الثلاث، إذ يقول المسلمون أنهم يعبدون نفس الإله الذي يعبده اليهود والمسيحيون ولكن بطريقة مختلفة.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 02:12 PM
النبي محمد

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

النبي محمد

تبدأ قصة الإسلام في مكان لم نذكره بعد في تاريخنا هذا، فقد ولد محمد في مكة بشبه الجزيرة العربية لوالدين فقيرين ينتميان إلى عشيرة صغيرة من قبيلة بدوية هامة في حوالي عام 570م، وسرعان ما تيتم. ولا نعرف كيف كبر وتربى، ولكننا نعلم أن ذلك قد حدث في مكان على درجة من الأهمية، لأن مكة كانت واحة ومركزاً للحج، وكان العرب يأتون إليها من أماكن بعيدة لتبجيل حجر نيزكي أسود هو الكعبة التي كانت مركزاً للديانة الوثنية. كان بعض العرب في تلك الأيام يهوداً وبعضهم مسيحيين، ولكن أكثرهم كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة ويعبدون آلهة الطبيعة والأرواح المختلفة، إلا أن الواحات مثل مكة التي كانت القوافل تأتي إليها، والموانئ الصغيرة التي بقيت على اتصال بالعالم الخارجي، كانت تجتذب بعض الغرباء والأجانب، وكان بعضهم قد جلب معه معرفة ديانات أرقى إلى شبه الجزيرة في أيام محمد، وكان العرب يعبدون الإله الذي يسمونه الله والذي يعبده المسيحيين واليهود.
يبدو أن محمداً قد أرقته علامات تدل على اضطرابات كبيرة حلت بشعبه، لأن التجارة ونمو السكان والتأثيرات الأجنبية كانت قد بدأت تخرب ترتيباتهم التقليدية والقبلية. إذ كانت المجتمعات العربي القديمة مجتمعات رعوية منظمة حول روابط القربى، وكان النسب والسن هما اللذان يضفيان الاحترام على الإنسان وليس المال. أما الآن فلم تعد الثروة ملازمة دوماً لشرف النسب والتقدم بالسن، وكانت هذه مشكلة اجتماعية وأخلاقية كبيرة. وبدأ محمد يتفكر في سبل الله المتاحة للإنسان، وذات يوم بينما كان يتأمل في غار خارج مكة سمع صوتاً يطلب منه أن يضع رؤية جديدة لكلمة الله، وظل محمد يتحدث كنبي طوال ثلاث وعشرين سنة، ثم دون أتباعه تلك الأقوال التي جمعت بعد وفاته فأصبحت واحداً من أعظم الكتب في تاريخ العالم، ألا وهو القرآن. وهكذا سوف يصبح المسلمون أمة لها كتابها مثل اليهود والمسيحيين الذين يعتزون بكتبهم المقدسة

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 02:14 PM
ديانة جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

ديانة جديدة

لقد وضع القرآن بالدرجة الأولى أساس الديانة التي تسمى الإسلام، وهي مجموعة من المبادئ التي تجمع أخوة المؤمنين اليوم في كافة أنحاء العالم. وتعني كلمة ”إسلام” التسليم أو الرضوخ لأمر الله، وكان محمد يرى في نفسه الأداة التي أوصل الله من خلالها وصيته إلى الناس، وقد علم المسلمين أن هذه الوصية ابتدأت في الماضي بأنبياء إسرائيل الكبار، وبيسوع أيضاً والذين كانوا جميعهم أنبياء حقيقيين، ولكنه صار على ثقة بأنه هو آخر الأنبياء وبأن الله أوصل من خلاله رسالته الأخيرة إلى البشرية. لقد وضعت تلك الرسالة معتقداً وشريعة في السلوك لمواجهة حاجات شعب محمد نفسه، ولكنها سوف تثبت تقبلها الواسع لدى شعوب أخرى أيضاً، وكان جوهرها هو التشديد على ألا يعبد إله إلا الله، أي أن الإسلام دين توحيدي بلا مهادنة، ومن اعتراضات المسلمين على المسيحية اعتقادهم أنها تؤمن بتعدد الآلهة لأنها أعطت ليسوع والروح القدس نفس الأهمية التي تعطيها لله الأب، وفرض الإسلام أيضاً سلسلة من الشعائر الدينية الضرورية أهمها الصلاة بصورة منتظمة وتجنب الدنس، وهذا ما يحتاجه المرء لتأمين خلاصه.
كان الإسلام عقيدة بسيطة ولكنها ثورية في الوقت نفسه، وقد بشر بأن الذين ظلوا متعلقين بالآلهة القديمة للمجتمع العربي سوف يكون مآلهم الجحيم، وما كان لهذا المعتقد أن يكسبه شعبية بين العرب غير المسلمين، كما أدى تشديده الكبير على أهمية الأخوة بين المؤمنين إلى انقلاب حقيقي لأنه كان تجاوزاً للولاء القبلي، والحقيقة أن بعض أقرباء محمد أنفسهم قد انقلبوا عليه فغادر مكة في عام 622م ومعه حوالي مائتين من أتباعه واتجه شمالاً إلى واحة أخرى تبعد حوالي 400 كم، وسوف تسمى المدينة أي "مدينة الرسول". فنظم هناك جماعة جديدة، وصارت الآيات تركز على الأمور اليومية والعملية مثل الطعام والشراب والزواج والحرب، وعلى هذا المبادئ سوف يبنى الإسلام كحضارة متميزة. لقد كانت هذه الهجرة إذاً نقطة التحول في قصة الإسلام الأولى، واعتبرت منذ ذلك الحين بداية التقويم الإسلامي الذي ما زال مستخدماً في كافة أنحاء العالم، وكان هذا انفصالاً عن المجتمع البدوي التقليدي ولو لم يظهر تأثيره الكامل في البداية؛ لأن محمداً كان في الحقيقة يؤسس مجتمعاً من نوع جديد.
ومات محمد في عام 632 م ، وورث سلطة تفسير تعاليمه رجل يلقب بالخليفة، كان جميع الخلفاء الأوائل أقرباء لمحمد بالدم أو بالمصاهرة، وعلى عهدهم هزمت قبائل جنوب شبه الجزيرة، وسرعان ما انتشر القتال إلى الشمال، إلى غرب سوريا وجنوب بلاد الرافدين، وسرعان ما ظهرت أيضاً المعارضة للخلفاء الأوائل من أسرة محمد الذين اتهموا بأنه مستغلون، وبدا وكأن الخلافة المبنية على السلطة في أمور الدين والعقيدة قد تراجعت خلال سنوات قليلة إلى منصب دنيوي. وفي عام 661 م خلع الخليفة الأخير وقتل، وانتقل منصبه إلى أسرة أخرى هي أسرة الأمويين التي احتفظت به قرناً واحداً تقريباً، وعندما تنازلوا عنه لأسرى أخرى اغتصبته لنفسها كان الإسلام قد أعاد صنع خريطة العالم.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 08:53 PM
ديانة الفتوحات

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

ديانة الفتوحات

كان الإسلام في سنواته الأولى يبدو ضعيفاً للغاية من الناحية الدنيوية، مثل المسيحية من قبله، وكان فرص نجاح هاتين الديانتين عند موت كل من يسوع ومحمد فرصاً زهيدة، وما كان ليخطر ببال أحد ما عدا أتباعهما أنهما سوف يقدران على الاستمرار، فما بالك أن تصبحا قوتين كبريين في تاريخ العالم، ولكنهما أصبحتا بالفعل، ولو بطرق مختلفة جداً. كان الإسلام منذ البداية ديانة فتوحات، ومنذ أيام محمد كان جهاده العسكري قد ابتدأ، لقد استخدم محمد المدينة كقاعدة عسكرية لكي يخضع الذين عارضوه في مكة والقبائل المجاورة، فالذين استسلموا رحب بهم ضمن الأمة، أي أخوية المؤمنين التي تسمو على التقسيمات القبلية، إلا أن الإسلام احترم القبيلة والبنية الأبوية القديمة بشرط ألا تتدخل في شريعته، كما ثبت مكانة مكة القديمة كمركز للحج، ولم يطرد من المدينة إلا الذين عارضوا الديانة الجديدة، ومنهم العرب اليهود.
ومن هذه البداية تتالت التوسعات العسكرية بعد موت الرسول بوقت قصير، عندما هاجمت الجيوش العربية الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، والمذهل أنها هاجمتهما معاً في الوقت نفسه، فخلال خمس سنوات طرد العرب ”الروم” من سوريا وأخذوا القدس، التي مازالت حتى اليوم أحد الأماكن المقدسة للإسلام، وسرعان ما أخذوا بلاد الرافدين من الفرس ومصر من البيزنطيين، كما شكل أسطول عربي فبدأت الغارات على قبرص التي اقتسموها فيما بعد مع البيزنطيين، وفي عام 700 م كانوا قد احتلوا قرطاجة وأسلموا البربر وجعلوهم حلفاء لهم فصار كامل ساحل شمال أفريقيا بيد المسلمين. أما الإمبراطورية الساسانية فكانت قد انهارت منذ زمن طويل، وطرد آخر ملوكها من عاصمته في عام 637 بعد سلسلة من الهزائم على يد الجيوش العربية، ومات قرب مروة في عام 651 م بعد أن ناشد بلا جدوى مساعدة إمبراطور الصين. واستمرت حملات العرب فوصلت شرقاً حتى كابول عاصمة أفغانستان، وعند بداية القرن الثامن عبروا جبال هندوكوش لغزو الهند، واستقروا في السند لبعض الوقت بينما كانوا ينهبون إقليم غجرات، وفي الوقت نفسه تقريباً عبر عرب آخرون مضيق جبل طارق واكتسحوا إسبانيا حيث قضوا على مملكة الفيزيغوط القديمة، وفي عام 717 م حاصروا القسطنطينية للمرة الثانية ولكن من دون أن يحرزوا نجاحاً، وكانوا عندئذٍ قد توغلوا في القوقاز أيضاً.
لقد كانت هذه تقريباً أعلى نقطة بلغتها الفتوحات العربية؛ ويقال إن أحد جيوشهم قد بلغ الصين في بداية القرن الثامن، وسواء كان هذا صحيحاً أم لا فإنهم قد أحرزوا على الصينيين نصراً عظيماً، وأخيراً في آسيا في أعالي جبال البامير في عام 751 م قبل أن يهزمهم شعب الخزر، فاستقروا عندئذٍ وجعلوا حدودهم عبر القوقاز وعلى طول نهر جيحون. قبل ذلك بسنوات قليلة أي في عام 732 م، أي بعد قرن تماماً من موت محمد كان جيش عربي آخر قد صد قرب بواتييه، فكانت هذه أبعد نقطة بلغوها في غرب أوروبا ولو أنهم ظلوا يغيرون غارات عميقة خلال السنوات القليلة التالية، إلا أن المد كان قد انحسر أخيراً.
من أسباب النجاح المذهل أن عدوّي العرب الأولين أي بيزنطة وفارس الساسانية ظلا يتحاربان فيما بينهما لزمن طويل، كما كانت لديهما مشاكل هائلة على جبهات أخرى. فقد كان على البيزنطيين أن يعالجوا أمر الأفار والبربر، وكان على الساسانيين أن يعالجوا أمر الغزاة القادمين من آسيا الوسطى والذين كان أفظعهم الهون. وكان هناك أيضاً ضمن الإمبراطورية البيزنطية أيضاً شعوب مستاءة مثل شعب مصر أغضبها سوء حكم القسطنطينية ومضايقتها الدينية، فكانت مستعدة لاستقبال سادة جدد. وكان انتصارات العرب الأولى حاسمة، لأنه بعد الإطاحة بفارس لم يعد هناك في منتصف القرن السابع أي قوة كبرى تصدهم إلى الغرب من الصين ما عدا بيزنطة، ولم يكن لدى العرب ما يخسرونه، فقواتهم يدفعها الفقر الذي أتت منه والإيمان بأن الموت في ساحة المعركة ضد الكفار سوف يدخلها الجنة، كانوا يؤمنون أنهم يقاتلون في سبيل الله، فكان يحركهم مثال عظيم مثل المسيحيين ومثل الثوار في أزمنة لاحقة، وقد جعلهم هذا الإيمان شجعاناً فدائيين وقساة، وكانت النتيجة سجلاً باهراً من الفتوحات التي بدا معها أن الإسلام قد يحكم العالم كله.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 08:55 PM
العالم العربي الإسلامي

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات


العالم العربي الإسلامي


لم يشكل الإسلام وحدة سياسية قط، وكان أهم مركزين أساسيين أولين له هما الخلافتان الأموية والعباسية. وقد انتهت الخلافة الأموية في عام 750 م عندما أطاح بآخر خليفة أموي رجل اغتصب منصبه واتخذه لنفسه ثم أكمل انتصاره بعملية احترازية قتل فيها جميع ذكور العائلة المهزومة، وبهذا ابتدأت الخلافة العباسية كقوة سياسية حقيقية حتى منتصف القرن العاشر وبقي ثمة خليفة عباسي بالاسم حتى القرن الثالث عشر، وعلى عهدها بلغت الحضارة العربية أمجادها. وعندما زالت سيادة العرب عليها في النهاية كان الذين حلوا محلهم قد أصبحوا هم أيضاً مسلمين، وعلى عهدهم سوف تبلغ الحضارة الإسلامية ذرى جديدة في فارس والهند وغيرها.
في بداية عصر العباسيين كان الإسلام متأثراً جداً بأصوله العربية، وإن أوضح العلامات على ذلك هي استخدام اللغة العربية، ولما كان القرآن مكتوباً بها فقد انتشرت في كافة أرجاء العالم الإسلامي. ورغم أن الخلافة العباسية بقيت تتحدث باللغة الغربية فإنها قد ابتعدت كثيراً عن ثقافة القرن السابع الفجة التي انتشرت من الصحراء عن طريق الفتوحات. كان العرب في تلك الأيام الأولى يحاولون الانفصال عن الشعوب التي غزوها، ولم يتدخلوا في التقاليد المحلية، إذ بقيت اللغتان اليونانية والفارسية مستخدمتين حتى القرن الثامن كلغتين للحكم في دمشق وقطيسفون (طيسفون عاصمة الساسانيين السابقة) وكانوا يعيشون كطبقة عسكرية في مدن منعزلة تعتمد على الضرائب المفروضة على المناطق المجاورة، فلا يتدخلون في التجارة ولا يملكون الأرض. إلا أن هذا الانفصال قد تلاشى رويداً رويداً، فصار اعتناق الإسلام أكثر شيوعاً وصارت مدن الحاميات مثل البصرة والكوفة بالتدريج مدناً حقيقية تعمل بالتجارة، وعرف الشرق الأدنى من جديد إمبراطورية عالمية وجدت فيها تقاليد مختلفة كثيرة مكاناً لها ضمن ثقافة يدعمها نظام إمبراطوري، ويرى بعض العلماء أن الثقافة العباسية كانت آخر ازدهار للهلنستية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 08:57 PM
الخلافة العباسية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

الخلافة العباسية

كان المسلمون من غير العرب يكرهون سادتهم العرب خاصة في المقاطعات الشرقية، أي التي كانت فارسية في الماضي، وكان استياؤهم من أسباب وصول العباسيين إلى السلطة، وقد انتقلت الخلافة من دمشق عاصمة الأمويين إلى بغداد على نهر دجلة. وكانت بغداد في ذلك الحين قرية مسيحية صغيرة ثم صارت مدينة هائلة تضاهي القسطنطينية، وربما بلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة، وكانت تعج بالحرفيين وبوسائل الترف البعيدة كل البعد عن الحياة البسيطة التي عاشها الجنود العرب الأوائل في الإسلام، وامتزجت فيها الأفكار الإسلامية والمسيحية والهلنستية واليهودية والزرادشتية، وحتى الهندوسية بين تجار آتين من بلاد كثيرة، وقد بلغ ازدهار بغداد ذروته على عهد الخليفة الشهير هارون الرشيد الذي يقال إنه الحاكم الذي روت له شهرزاد حكاياتها عن ألف وليلة.
ولكن بالرغم من كل هذا، ومن أن الخلافة صارت أشبه بملكية شرقية من النوع المألوف وبعيدة عن المنصب الروحي المحض، فإنها لم تنحرف عن الإسلام قط، بل كانت هذه الديانة الجديدة تتخلل الإمبراطوريات العربية وجميع الدول التي نشأت منها وحلت محلها. لقد شيدت في كافة أنحاء العالم الإسلامي مساجد يجتمع فيها المؤمنون كل يوم للصلاة متجهين نحو مكة، وكانت تتلى فيها كلها الصلوات نفسها والشريعة نفسها، إن شبه العقيدة الإسلامية بالمسيحية قد جعل بعض رجال الدين البيزنطيين يعاملون الإسلام على أنه هرطقة مسيحية، وليس ديانة جديدة، ولكن الحقيقة أنه كان في مبادئه الأساسية وفي شعائره اليومية أيضاً مختلفاً جداً عن المسيحية. لقد حرم الإسلام لحم الخنزير مثل اليهودية وحرم الخمر أيضاً وأمر بالحج إلى مكة، ويوصى جميع المسلمين حتى اليوم بأداء هذا الحج مرة في حياتهم، كما أنه فرض واجب الزكاة للفقراء وسمح بالاحتفاظ بالعبيد، ولكنه أوصى بحسن معاملتهم، وأمر قبل كل شيء بأداء الصلاة بصورة منتظمة، ولكن ربما كان أكثر ما لفت أنظار غير المسلمين هو تساهله في موضوع تعدد الزوجات.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 08:58 PM
العلوم والفنون الإسلامية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

العلوم والفنون الإسلامية

لقد ساهم القرآن في قولبة الثقافة الإسلامية من نواح أخرى كثيرة أيضاً، وربما كانت عناية الإسلام الكبيرة بالكلام، وفنونه وأشكاله المحكية والمكتوبة تعود في جذورها إلى أهمية رواة القصص في المجتمعات القبلية، إلا أن القرآن قد رفع مكانة التلاوة والقراءة إلى مرتبة أعلى أيضاً، بل إنه في الحقيقة قد جعل من اللغة العربية لغة أدبية. وكثيراً ما كان المثقفون المسلمون يكتبون الشعر، وقد بلغت الخلافة العباسية مستوى عالياً من العلم، وكان أساسه الأكبر في علوم الدين، لأنهم كانوا ينظرون إلى كل شيء من تلك النظرة، إلا أنه أعطى على كل حال رجالاً على درجة عالية من الثقافة. ويبدو أن الكتابة على عهد الخلافة العباسية كانت أوسع انتشاراً منها في أي حضارة معاصرة، وقد ترجمت في تلك الحقبة كتب كثيرة إلى العربية، وساهم هذا مساهمة كبيرة في نشر نصوص اليونان الهلنستية والكلاسيكية في أوروبا.
وتفسر حركة الترجمة هذه بزوغ عصر مجيد من إنجازات الإسلام العظيمة في العلوم والرياضيات. لقد بنى العرب معارفهم على أعمال الإغريق واستلهموا أعمال الفرس والهنود وإن الأرقام التي نستعملها اليوم ونسميها عربية هي بالأصل هندية ولكنها من وضع عالم رياضيات عربي، فتفوقت الثقافة العربية في علوم الفلك والطب والرياضيات، وظلت كتب تدريس الطب العربية وأكثرها من وضع الأطباء الفرس تدرس طوال قرون في أوروبا ككتب مدرسية معتمدة. ومازالت اللغات الأوروبية تحمل آثار الحضارة العربية، مثل كلمتي zero, cipher وكلاهما من الصفر وalgebra من الجبر وفي مجال الموسيقى zither, guitar وكلاهما من القيثارة وlute من العود، وهناك مصطلحات كثيرة في التجارة أيضاً مثل tariff من التعرفة وكلمة douane الفرنسية من الديوان التي تعني مخفر الجمارك و magazine بمعنى المخزن.
كان المسافر الأوروبي أو حتى الصيني يجد مدن الخلفاء وثقافتهم مختلفة جداً عما يعرفه في بلده، وليس بسبب اختلاف اللباس وحده، لقد بقي الفن الإسلامي زمناً طويلاً يهتم بالتخطيط والزخرفة الدقيقة بدلاً من رسم الأشياء لأن تعاليم الإسلام منعت تصوير جسم الإنسان ووجهه، أما المنمنمات التي تروق للذوق الغربي اليوم فلم تظهر إلا لاحقاً في الإمبراطوريات الإسلامية في فارس والهند. وفي مجال البناء أخذ المسلمون اختراع القبة عن الرومان ولكنهم سرعان ما توصلوا إلى أسلوبهم المميز والجذاب، وربما كان الدافع إليه رغبة العرب المنتصرين في البناء بأسلوب يميزهم عن شعب الأراضي التي فتحوها. إن أول قبة في الإسلام هي قبة الصخرة التي بنيت في القدس في عام 691، وهي مزار مقدس عند اليهود والمسلمين على السواء، لأن اليهود يؤمنون أن إبراهيم كان على وشك التضحية بابنه إسحق عليها، بينما يؤمن المسلمون أن البني قد عرج منها إلى السماء، وسرعان ما بينت قبب إسلامية أخرى، واليوم صار المسجد ومئذنته التي ينادي منها المؤمنون إلى الصلاة مشهداً مألوفاً في كل أرجاء العالم وليس في بلاد الإسلام وحدها.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:07 PM
حدود الإسلام الأبعد

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

حدود الإسلام الأبعد

كان قلب الإسلام دوماً هو شبه الجزيرة العربية والشرق الأدنى القديم الذي حكمه الخلفاء، أي البلاد الواقعة بين مصر في الغرب وجبال هندوكوش وما وراء بحر قزوين في الشرق والشمال. ولكن الإسلام انتشر بعيداً خارج هذه المنطقة، لأنه كسب بعد الفتوحات أتباعاً جدد فانتقل بسرعة على طول ساحل أفريقيا إلى إسبانيا، بينما احتل عرب آخرون أجزاء من صقلية وبعض الجزر الأخرى في البحر المتوسط، ولو أن الفتوحات خارج أفريقيا لن تبقى بلاداً إسلامية إلى الأبد.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp5-3.jpg
توسع الدولة الإسلامية
ثمة فرع من العائلة الأموية في إسبانيا لم يقبل قط بالإطاحة بخلافتهم، بل أسس فيها إمارة أي مملكة مستقلة في عام 756 في قرطبة، وسوف يحكم هؤلاء طوال قرون جزءاً كبيراً من جنوب إسبانيا، حيث سيبلغ المجتمع الإسلامي من بعض النواحي ذرى جديدة في الثقافة والحضارة أعلى مما بلغه الشرق من قبله، كما أن إسبانيا العربية أصبحت في القرن العاشر مركزاً لخلافة جديدة منافسة للخلافة القديمة. ولكنها سرعان ما وجدت نفسها في موقع الدفاع عندما راحت الممالك المسيحية تضغط عليها إلى أن سقطت قرطبة بأيديهم في عام 1236م ، ثم استغرقت عملية استعادة المسيحيين لشبه الجزيرة بأكمله قرنين آخرين، وانهارت الحضارة الإسلامية البديعة في الأندلس أخيراً في القرن الخامس عشر.
وتأسست أيضاً خلافة جديدة أخرى في القرن العاشر في مصر، فكانت هذه علامة على التمزق السياسي في بلاد الإسلام المركزية التي لن تتحد بعد ذلك أبداً ولو أنها بقيت مسلمة، وفي هذه الأثناء تغلغل الإسلام إلى آسيا الوسطى والهند والسودان وحوض النيجر بين القرنين الثامن والثاني عشر، وحمله التجار العرب إلى شرق أفريقيا عن طريق الساحل، وإلى غربها بواسطة القوافل عبر الصحراء الكبرى، كما حملته قوارب الدهو التجارية العربية عبر خليج البنغال إلى ماليزيا وإندونيسيا. لقد فرض الفاتحون الإسلام على جزء كبير من الهند، وعندما استطاع مبشروهم أسلمة المغول ضمنوا أن تصل ديانتهم في النهاية إلى الصين، إن قصة انتشار الإسلام هذه هي قصة مذهلة في نجاحها، ولكن نموه السريع قد جعل من المستحيل عليه الحفاظ على وحدة سياسية ولو مثل التي كانت له على عهد الخلفاء. كما أنه تطور من نواح كثيرة خارج تعاليم الرسول، وأصبح باختصار قلب حضارة معقدة ومتنوعة تشكل تحدياً دائماً للتقاليد الأخرى، وقادرة في الوقت نفسه على التفاعل الغني معها.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:08 PM
عصر بيزنطة الكبير: صنع أوروبا السلافية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

عصر بيزنطة الكبير: صنع أوروبا السلافية

سوف تكون بيزنطة درعاً تاريخياً للمسيحية الغربية لأنها حمتها من الفرس أولاً ثم حمتها لزمن طويل من خطر أكبر بكثير هو الإسلام، عدا عن الموجات المستمرة من الشعوب البربرية في الشمال، فقط ظلت الإمبراطورية الشرقية متراساً للعالم الإغريقي الروماني القديم في المتوسط، حتى بعد أن طوقها المسلمون بفتحهم شمال أفريقيا وإسبانيا ولم تزل في النهاية إلا بعد أن عاشت ألف سنة. إلا أن الرياح كانت مؤاتية للإسلام منذ القرن السابع عندما فقدت الإمبراطورية الشرقية كل الأراضي التي كانت قد استردتها من الفرس، بل إن الجيوش العربية حاصرت القسطنطينية نفسها طوال خمس سنوات 673-678 م وفي تلك الأثناء اجتاحت القبائل المسماة قبائل السلاف كلاً من تراقيا ومقدونيا، بينما عبرت قبائل البلغار نهر الدانوب.
وفي عام 717 م ارتقى العرش إمبراطور من الأناضول هو ليون الثالث، وكانت هذه علامة على وصول التأثير الشرقي إلى قمة الإمبراطورية. كان ليون على درجة عالية من الكفاءة، إذ تمكن من استعادة جزء كبير من أراضي الإمبراطورية السابقة كما ثبت هو وابنه الحدود بين الإمبراطورية والخلافة، فاستعادت الإمبراطورية إقليم الأناضول وأحكمت قبضتها عليه رغم حصول المناوشات والغارات. وكانت قد عقدت حلفاً هاماً مع شعب بدوي ثبت قدميه في جنوب روسيا هو شعب الخزر. كان شعب الخزر بمثابة حاجز للإمبراطورية أمام تقدم الإسلام من تلك الناحية، أما في الغرب فكان نفوذ الإمبراطورية ضعيفاً لأنها ضيعت رافينا ولم يبق لها إلا مواطئ أقدام صغيرة في إيطاليا وصقلية، ولو أن ليون أعاد نفوذ بيزنطة إلى أطراف البلقان حيث ستتمكن الإمبراطورية من احتواء خطر البلغار فيما بعد، وكانت الفترة الممتدة حتى القرن الحادي عشر بالإجمال فترة نجاح وتعافي، فقد استعادت كلاً من قبرص واليونان وأنطاكية واستمر الصراع لاسترجاع شمال سوريا، ورغم حدوث مشاكل داخلية في السلالة وخلافات دينية استطاعت بيزنطة أن تلعب دورها كقوة كبرى، وقبل أن تحل الأزمة العالمية القادمة كانت قد أنجزت دوراً تاريخياً عالمياً آخر هو صنع السلافية المسيحية. لقد نصرت بيزنطة الشعوب السلافية ومن خلال هذه العملية منحتهم الحضارة أيضاً، وربما كان إنجازها المضاعف هذا هو أطول الأشياء التي خلفتها عمراً، إذ لولا تنصر الشعوب السلافية لتغير العالم كثيراً.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:11 PM
الشعوب السلافية (الصقالبة)

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

الشعوب السلافية (الصقالبة)
مازال الخلاف قائماً حول المكان الذي نشأ منه السلاف في الأساس، وتشكل كثير من الأراضي السلافية خاصة في روسيا جزءاً من الامتداد الواسع الذي تلتقي فيه أوروبا بآسيا، وكانت الشعوب البدوية تنتقل عبرها طوال ألوف السنين، ومنها اندفعت هجرات الشعوب الكبرى المرة تلو المرة. لقد تمكن السلاف من التمسك بأراضيهم التي تقابل بولندا وروسيا الحاليتين رغم تعرضهم لمضايقة السقيتيين والأفار والقوط والهون، وبين القرنين الخامس والسابع كانوا قد ثبتوا أقدامهم على الطرفين الشرقي والغربي لجبال الكربات، وبدؤوا بالتحرك جنوباً بتأثير ضغوط تشبه الضغوط التي دفعت هجرات الشعوب الأخرى، وفي القرن السابع كانت تحميهم في الطرف الشرقي إلى حد ما شعوب أخرى استقرت هناك.
وانتشرت قبائل السلاف في البلقان رويداً رويداً، إلا أن أول مملكة سلافية نشأت هي مملكة البلغار، وهم ليسوا بسلافيي الأصل، بل كانوا على الأرجح من الهون ثم صاروا سلافاً عن طريق اتصالهم بالسلافيين وتزاوجهم معهم. ولكن يمكننا أن نعتبر أن مملكتهم هذه كانت سلافية عندما اعترفت بيزنطة بوجودها في عام 716 م، وكان شعبها عندئذٍ قد تبنى أساليب سلافية كثيرة. وسوف يصبح البلغار مصدر متاعب كثيرة للإمبراطورية، فقد احتلوا أراضي كانت بالأصل لها، كما أنهم وصلوا بغاراتهم حتى القسطنطينية نفسها جنوباً، وكان المجهود اللازم لصدهم يعيق دوماً جهود بيزنطة في استعادة مكانتها في الغرب. ويعرف أحد الأباطرة بلقب ”قاتل البلغار”، ولكن البلغار تمكنوا في بداية القرن التاسع من قتل إمبراطور آخر في ساحة المعركة، فكان هذا أول إمبراطور يقتل بأسلحة البرابرة منذ خمسمائة عام، وقد صنعوا من جمجمته كأساً لملكهم.
وأرسلت بيزنطة للبلغار مبشرين كانوا يمزجون الدبلوماسية بالتنصير، وأهمهم رجلا كنيسة عظيمان في القرن التاسع هما الراهبان القديسان كيرلس وميثوديوس. ومازال اسم كيرلس حياً في الأبجدية التي ابتكرها من أجل اللغات السلافية، وهي الأبجدية الكيرلسية المشتقة من الأبجدية اليونانية، والتي مازالت نسخ مبسطة منها تستخدم في صربيا وبلغاريا وروسيا. ثم جاء ملك بلغاري أو قيصر كما كان يسميه البيزنطيون، وقبل المعمودية المسيحية، ولم تكن هذه نهاية الصراع بعد ولكنها كانت خطوة هامة، وقد سمى أحد ملوك البلغار في القرن العاشر نفسه إمبراطور الرومان وهاجم القسطنطينية ولكن بلا جدوى، وأخيراً وفي عام 1014 تمكن البيزنطيون من ضرب البلغار ضربة قاضية أركعتهم، وفقأ الإمبراطور الذي هزمهم عيون 15.000 من سجنائه البلغار وأرسلهم إلى وطنهم ليكونوا عبرة لأهل بلدهم، فمات حاكم البلغار آنذاك ربما من هول الصدمة، وسرعان ما أضحت بلغاريا مقاطعة بيزنطية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:12 PM
كييف روس

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

كييف روس
في تلك الأثناء كانت المسيحية قد ازدادت انتشاراً نحو الشمال والشرق، على الامتدادات العليا لأنهار روسيا كانت تعيش جماعات سلافية تحكمها أرستقراطية تشتغل بالحرب والتجارة، هذه الارستقراطية هي شعوب اسكندنافية شمالية من الأصول التي تسمى في أوروبا الغربية ”الفايكنغ أو النورمان” ولكنها كانت تسمى ”الفاريغ” في روسيا. كان الفاريغ قد هزموا السلاف بعد أن نزلوا عبر الأنهار من الشمال وكانوا أشداء وواسعي الحيلة ومتوحشين. وقد غاروا على القسطنطينية وحاربوا الشعوب المقيمة في السهوب وبلغوا بتجارتهم مدينة بغداد. واستقر أحد أمراءهم واسمه روريك فيما يسمى اليوم مدينة نوفغورود على بحيرة ايلمن في حوالي 860 م حسب التقاليد الروسية، وطالما كانت هناك طبقة نبلاء في روسيا كان جميع أمراءها يدعون أنهم متحدرون من روريك هذا.
وتحول المركز الرئيسي لسلطة الفاريغ وتجارتهم خلال العقود القليلة التالية إلى كييف على نهر الدنيبر، وكانت تسمى كييف روس، وكانت على درجة كبيرة من الأهمية في الدبلوماسية البيزنطية، فأحياناً كان على الإمبراطورية أن تصد أمراءها المحاربين وأحياناً قد تجعل منهم حلفاء مفيدين لها. وفي النهاية قبل أمير روسي في عام 986 م المسيحية ديناً له ولشعبه، فكان هذا قراراً عظيم الأهمية يكاد يساوي أهمية قرار قسطنطين في رسم مصير البشرية لأنه هو الذي شكل تاريخ روسيا منذ ذلك الحين، وقد اعترف مواطنوه الروس بهذا بعد مائتي عام وطوبوه باسم القديس فلاديمير. وكما هي الحال في قصة قسطنطين، لا نعلم بالضبط مدى الدور الذي لعبته كل من القناعة الشخصية والحسابات السياسية في تنصر فلاديمير، ولكننا نعلم أنه عندما تزوج من أميرة بيزنطية كانت قصة أعظم الأمم السلافية قد ابتدأت.
ربما كانت كييف أغنى بكثير من أغلب مدن أوروبا الغربية في القرن العاشر، وقد صارت الآن مركزاً مسيحياً، إذ راح فلاديمير وخلفاؤه يفرضون العقيدة الجديدة بالقوة وبمساعدة الكهنة البلغار وإشراف بطريرك القسطنطينية الذي كان يعين مطران كييف، كما تبنت روسيا الأبجدية الكيرلسية وطقوس الكنيسة الأرثوذوكسية. وفي بداية القرن الحادي عشر كانت كييف في ذروة بهائها ونفوذها، وكان حاكمها العظيم ياروسلاف الحكيم يفاوض الحكام البعيدين في غرب أوروبا فضلاً عن بيزنطة، وقد رأى أحد زوار كييف الغربيين أنها تضاهي القسطنطينية. وقام ياروسلاف برعاية المؤسسات التعليمية ونشر أول مجموعة قوانين روسية، وفي عهده أيضاً وضع كتاب ”التاريخ الأول ” وهو واحد من أول الأعمال الأدبية الروسية ودفاع عن عمل أمراء كييف في توحيد روسيا تحت راية المسيحية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:14 PM
بزوغ أوروبا الشرقية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

بزوغ أوروبا الشرقية

بعد زمن قصير من هذا العصر العظيم ازدادت المشاكل الداخلية والخارجية في كييف، كما كانت قد ظهرت بولندا المسيحية، إلا أن بولندا ارتبطت بالمسيحية الغربية وليس الأرثوذوكسية، لأن حاكمها اختار أن يقبل سلطة بابا روما، وكانت تعاني من ضغط الأمراء الألمان في الغرب ومن منافسة أرثوذوكسية في الشرق، وقد كتب لشعبها مصير تاريخي شاق، ومليء بالبطولات والمآسي لأنه أمة من سلافية من ناحية الأصل واللغة ولكنها أوربية غربية ورومانية كاثوليكية من ناحية الثقافة والدين، فكانت دوماً ساحة للصراع بين أعداء رهيبين من الطرفين.
لقد نشأت ممالك سلافية أخرى في بوهيميا ومورافيا، وعند بداية القرن الثاني عشر صارت هناك أوروبا سلافية مسيحية، إلا أنها لم تشكل إلا من ناحية الأصل العرقي، وهي رابطة لم يكن لها وزن كبير في ذلك الزمن، بل كانت مقسمة بين فرعي الكنيسة أي كنيسة روما والكنيسة الأرثوذوكسية، فضلاً عن أن طبيعة أراضي البلقان قد قسمت الناس المقيمين فيها إلى شعوب صغيرة. وكان هناك أيضاً شعب غير سلافي هو الشعب المجري الذي أتى من جنوب جبال الكربات ليستقر في وادي الدانوب بين الشعوب السلافية، والأسوأ من هذا أن السلافيين رغم استقرار علاقتهم ببيزنطة كانوا محاطين بالأعداء من الغرب والشرق معاً، فمن الغرب كانوا تحت ضغط الألمان الذين اندفعوا شرقاً بزعامة تنظيم عسكري ديني يسمى فرسان التوتون، وكان هؤلاء يعتبرون حربهم ضد السلاف بمثابة حرب مقدسة، وفي الشرق كانت الأمور أسوأ حتى من هذا، إذ حل بكييف في عام 1240 حدث رهيب عندما احتلها ونهبها شعب آسيوي متوحش هو شعب المغول.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:15 PM
شعوب آسيا الوسطى

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

شعوب آسيا الوسطى

لقد أتى أولئك المغول من آسيا الوسطى، وهي منطقة يمكننا أن نعرفها بأنها المنطقة القابلة للسكن من آسيا وغير الخاضعة بصورة فعلية لأي دولة كبيرة مثل الصين أو فارس، وغير المتأثرة كثيراً بأي من المراكز الكبرى للحضارة. والحقيقة أن امتداد آسيا الوسطى كان دائم التغير، ويمكننا أن نعرفها أيضاً بأنها القسم من آسيا المناسب لحياة البدو. وهي من الناحية الجغرافية بشكل ممر ضخم ومرتفع تحده من الشمال غابات سيبيريا، بينما يتكون جداره الجنوبي من الصحارى وسلاسل الجبال والهضاب الممتدة من بحر قزوين عبر شمال إيران، وأفغانستان حتى جبال هندوكوش والتبت. إن أكثر أراضي هذه المنطقة عبارة عن سهوب قاحلة، وشديدة البرد في الشتاء، ويفسر هذا الأمر انعزال شعوبها الطويل عن التأثيرات الخارجية إلى أن جاءت الحملات التبشيرية المسيحية ونصرتها، ومنذ ذلك الحين تمكن كل من البوذيين والمسلمين والمسيحيين من هداية بعضها إلى دياناتهم. وكانت الثروات التي تتراكم في هذه المنطقة تتجمع عادة في واحات يلتجئ إليها الناس، وكثيراً ما أثارت غيرة البدو وحسدهم، وكانت بعض أشهر تلك الواحات مثل سمرقند ومرو وبخارى محطات على طرق القوافل الممتدة من الصين إلى الغرب والتي تسمى طريق الحرير.
لقد تعلمت الشعوب البدوية المقيمة في تلك السهوب طريقة معينة في الحياة تناسب بيئتها هذه، ومع أنهم ظلوا أميين لزمن طويل فقد كانوا يتمتعون بمهارات كثيرة جعلت منهم أعداء مخيفين كثيراً ما لعبواً دوراً حاسماً في تاريخ العالم. وكان أي اختلال صغير في المناخ أو السياسة في الشرق يعني الحياة أو الموت بالنسبة لتلك الشعوب التي تعيش على المرعى، فيدفعها إلى التنقل والترحال ويجعلها تصطدم بالشعوب الواقعة إلى الجنوب والغرب منها، وعندما تحصل تحركات كهذه على مجال واسع فإنها تصنع التاريخ. من بين تلك الشعوب الشعب السقيتي الذي فتن الإغريق وضايق الفرس، وكان السقيتيون في بداية الحقبة المسيحية الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من الشعوب، إذ كانت تدفعهم من الخلف شعوب أخرى ووراءها كان شعب الهسيونغ نو هم أجداد الهون، وهؤلاء أيضاً دفعهم إلى الغرب تدخل أباطرة الصين. كانت تحدث إذاً عملية هائلة من هجرات الشعوب، ففي القرن الرابع الميلادي كان الهون قد وصلوا غرباً حتى ما وراء بحر قزوين، وفي القرن التالي بلغوا أقصى بعد عن وطنهم، وبدا أن أوروبا الغربية قد تسقط بأيديهم إلى أن صدتهم معركة في مدينة تروا على نهر السين في فرنسا الحالية عام 451 م. وكانت هناك شعوب أخرى كثيرة لعبت دورها في هذه الهجرات الكبيرة منها الأفار والخزر والبشنيق والكومان، وكان لكل منها تأثيرها في تاريخ العالم في مرحلة ما من مراحله، ولكن الفروق بينها معقدة للغاية وقصتها طويلة ومشوشة لا يمكن تلخيصها هنا. إلا أن بينها شعباً واحداً يستحق اهتماماً خاصاً هو عشيرة كانت تعرف شغل الحديد، وكانوا عبيداً لشعب مغولي يسمى الجوان جوان، أو الأفار في أوروبا وهذه العشيرة هي الأتراك.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:17 PM
الأتراك

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

الأتراك

نسمع عن الأتراك للمرة الأولى في حوالي عام 500 م، لقد قبلوا في القرن السابع السيادة الإسمية لأباطرة الصين، وكانوا عبارة عن قبائل ترتبط فيما بينها بروابط سلالية فضفاضة، وتنتشر في منغوليا حتى نهر جيحون وكان له زعيم يسمى الخان، وقد سميت هذه الشبكة من النفوذ الممتدة من الصين حتى فارس ”إمبراطورية” تركية، ومن الصعب أن نعرف إلى أي مدى كانت إمبراطورية حقاً، ولكن كان هناك على كل حال نوع من العلاقة السياسية التي تربط بين شعوبها البدوية الممتدة عبر آسيا استمر لمدة قرن تقريباً، وهو في الحقيقة إنجاز كبير بالنسبة لبرابرة. وقد رأى حكام كل من الصين وفارس وبيزنطة والهند في أوقات مختلفة أن عليهم الانتباه لأمر الخانات الأتراك والتعامل معهم، فالبيزنطيون شجعوهم على مضايقة الحدود الشمالية الشرقية لفارس، كما يبدو أن الإمبراطورية الساسانية قد سمحت في سنواتها الأخيرة لبعضهم بالاستقرار ضمن حدودها مقابل مساعدتهم لها ضد بيزنطة والعرب، وقد استفاد الأتراك من هذه الاتصالات وتعلموا فن الكتابة.
وشكلت الإمبراطوريات العربية بعد ذلك حاجزاً قوياً أمام تقدم الأتراك، إلى أن تداعت الخلافة العباسية وتقسمت أراضيها إلى دويلات عديدة مختلفة في القرن العاشر، فاستطاعت الشعوب التركية عندئذٍ أن تتقدم من جديد. في ذلك الحين كانت إحدى عشائرهم، وهي عشيرة السلاجقة قد اعتنقت الإسلام، واندفع هؤلاء أولاً إلى مرتفعات فارس ومنها إلى الأناضول، وكانوا مسلمين، وخدم بعضهم كمرتزقة في الجيوش العربية وبذلك صاروا تحت سيطرة الحضارة العربية. وكان سلوكهم شبيهاً بسلوك الكثير من الشعوب البربرية التي تعيش على أطراف مراكز الحضارة، فهم لم يحاولوا تخريب الحياة المتطورة التي أعجبوا بها بل سعوا للمشاركة في ثمارها، وبدأت الأعمال الكبرى في مجال الآداب والعلوم العربية والفارسية تترجم إلى اللغة التركية.
وعلى عهد السلاجقة بدأت تظهر أخيراً دولة تركية حقيقية في إيران والأناضول، حيث سمى الأتراك مقاطعتهم الجديدة ”سلطنة الروم” لأنهم اعتبروهم جزءاً من تراث روما، وهكذا بدأت شيئاً فشيئاً عملية تحول أهل الأناضول المسيحيين إلى الإسلام، فكان هذا من أسباب سلسلة من الحملات جاءت من غرب أوروبا تسمى الحملات الصليبية كانت تريد صد تقدم الإسلام، إلا أن إمبراطورية السلاجقة الأتراك لم تستمر طويلاً بعد عام 1200 م حتى في الأناضول.
في تلك الأثناء كانت سلالة تركية أخرى قد احتلت مصر، والحقيقة أن الإمبراطوريات العربية الكبيرة كانت تتآكل منذ زمن طويل، بينما كانت المسيحية تستعيد قواها، فقد أسس الصليبيون الغربيون ممالك مسيحية جديدة في بلاد الشام، أما العرب فقد خسروا صقلية كما كان المسيحيون في الغرب قد بدؤوا باستعادة إسبانيا منهم، وإن هذا العالم الإسلامي الممزق والمضعف قد اكتسحته في القرن الثالث عشر عاصفة عاتية جديدة آتية من الشرق.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:21 PM
جنكيز خان

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

جنكيز خان

لقد سبب المغول للإسلام أكبر كارثة عرفها في تاريخه، وهم نشأوا بالأصل من الأراضي الواقعة إلى الشمال من الصين والتي تسمى اليوم منغوليا على اسمهم. في تسعينيات القرن الثاني عشر كان أحد شباب المغول قد أصبح خاناً على شعبه، ثم راح يسعى للانتقام من إهانات حلت بهم على يد التتار، وهو شعب بدوي آخر، وخلال سنوات قليلة قبلت به كافة قبائل المغول "خاناً عاماً" عليها أو كما تسميه بلغتها "تشنكيز خان” ثم حرف العرب اسمه هذا فصار جنكيز خان. كان جنكيز أكبر فاتح عرفه التاريخ، وقد أرهب أوروبا وآسيا معاً، وكانت الدولة التي بناها أقرب إلى الإمبراطورية الحقيقية من أية دولة بناها زعيم بدوي آخر، ولو أن عاصمتها الوحيدة كانت خيام اللباد في معسكره.
لقد بدأ جنكيز بالسيطرة على قوة عظمى عندما استولى على شمال الصين في عام 1215، ثم مالبث أن وجه اهتمامه نحو الغرب، وكان المغول وثنيين ولم يكونوا لا مسلمين ولا مسيحيين، لذلك لم يميز جنكيز في اختيار ضحاياه. وكانت أولى الضحايا هي الأراضي الإسلامية الشمالية في إيران ومدن الواحات الغنية فيما وراء نهر جيحون، وكان الناس إذا قاوموهم يقتلون في مذابح جماعية، لذلك صارت الشعوب التي تعرف ما ينتظرها تستسلم دون قتال، وكان المغول عندئذٍ يبقون على حياتهم، وبعد زمن قصير غزا جنكيز جنوب روسيا، وفرض الجزية على الأمراء المسيحيين هناك. وعندما مات خلفه ابنه، الذي سرعان ما تحول اهتمامه إلى الغرب أيضاً، فنهب المغول مدينة كييف في عام 1236 م، وقاموا من هناك بغارات بعيدة في عمق أوروبا، فخربوا بولندا ومورافيا وطاردوا ملك هنغاريا المسكين عبر كرواتيا حتى ألبانيا قبل أن يتوقفوا عن ملاحقته. ولم يعودوا إلى وطنهم إلا عندما مات الخان وصار لابد من اختيار خان جديد، وقد كان في الحاضرين بين انتخابه رسول بابوي وسلطان سلجوقي وأمير روسي ومبعوث من قبل الخليفة العباسي.
وما إن استقرت الشؤون الداخلية للمغول حتى هجمت جيوشهم على الإسلام من جديد، فهزموا أولا سلاجقة الروم، ثم تحولوا إلى ما بقي من الخلافة العباسية فاكتسحوا بغداد ونهبوها، ولما كانوا يؤمنون بخرافة تحرم سفك دم الخليفة فقد لفوا الرجل المسكين وهو آخر الخلفاء العباسيين في سجادة وداسوا عليه بالخيل حتى مات. ثم اندفعوا إلى سوريا، وبدا مصير الإسلام على كف عفريت، إلا أنهم هزموا أخيراً على يد مماليك مصر قرب الناصرة في عام 1260، وبهذا أنقذ الإسلام، ولكن سوف تكون للمغول سيطرة طويلة على جزء كبير من آسيا وروسيا من بعد.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp5-4.jpg

إمبراطورية جينكيزخان في الربع الأول من القرن الثالث عشر

وتفككت إمبراطورية جنكيز خان الموحدة وحلت محلها مجموعة من الخانيات التي ترتبط فيما بينها بروابط فضفاضة والتي يحكم كلا منها أمير مغولي مستقل، ولكنها كانت تشترك أيضاً بأشياء كثيرة فيما بينها، وكان هذا التحالف المغولي يشمل في أوسع امتداد له سدس مساحة العالم القديم تقريبا. كانت وسائل الاتصال فيه حسنة وكذلك شرطته، وقد عرف المغول أن يستفيدوا من رعاياهم المهزومين بطريقة ذكية، فجندوهم في جيوشهم كما استخدم جنكيز الموظفين المدنيين الصينيين لإدارة نظام الضرائب واستعار الكتابة التركية لتدوين اللغة المنغولية، وكان هذا الأمر على أهمية كبرى في تشكيل أفكار المغول. سوف نتحدث عن الصين المغولية في موضع آخر، ولكن نذكر هنا أن الخانات الكبار صاروا يعتبرون أنفسهم مثل أباطرة الصين، فكانوا يتوقعون من الشعوب الأخرى أن تدفع لهم الجزية لا أن تفاوضهم كأنداد لهم، وكانوا يؤمنون أنهم يمارسون سلطة ملكية عالمية بالنيابة عن إلههم إله السماء. إلا أنهم كانوا في الوقت نفسه متسامحين في أمور الدين، وقد أعجب المسيحيين بتنوع المعتقدات في بلاط المغول، وقيل إن أحد الخانات كان على وشك أن يتعمد إلا أن هذا الأمر لم يتم.
عند نهاية القرن الثالث عشر حدث تغير هام عندما أسلم الخان الذي يحكم فارس، فزال عندها الخطر عن الإسلام، وصار جميع الحكام الفرس منذ ذلك الحين مسلمين. وقد عاد السلام وبعض الازدهار إلى أراضي الإسلام القديمة رويداً رويداً، ولم يبعث رعب المغول من جديد إلا مرة واحدة على عهد فاتح لا يقل رعباً عن جنكيز هو تيمورلنك، الذي امتزج فيه الدم التركي بالدم المغولي. لقد اكتسح تيمور فارس في عام 1379 بعد أرقتها سلسلة من النزاعات والصراعات الأهلية، إذ كان قبلاي خان أي الخان الكبير قد مات عند نهاية القرن السابق، ولم يعين عندها سيد على جميع المغول، كما خرب تيمو الهند ونهب دلهي في هجوم خاطف، وقيل إن سبب تلك السرعة العجيبة كانت رغبة جيشه بالهرب من رائحة النتن المنبعثة من أكوام الجثث التي خلفها وراءه، وحارب الخانات الآخرين ودمر بلاد المماليك والأتراك وفتح بلاد الرافدين. إلا أنه لم يبن إمبراطورية ولم تستمر فتوحاته من بعده، وإذا كان له تأثير هام في التاريخ فهو تأثير غير مقصود إذ إن هجماته قد عطلت لعقود من الزمن شعباً تركياً في الأناضول هو الشعب العثماني ومنعته من الانقضاض على الإمبراطورية البيزنطية والإجهاز عليها.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:31 PM
نهاية بيزنطة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

نهاية بيزنطة

كانت نقطة الضعف الأساسية في بيزنطة هي حاجتها الدائمة لمحاربة أعداء أشداء على أكثر من جبهة واحدة في الوقت نفسه، فبعد أن صارعت العرب ونجت منهم حل محلهم غزاة مسلمون جدد أهمهم الأتراك، كما اضطرت من بعدهم لمعالجة أمر الأفار والبلغار والفاريغ في الشمال والشمال الشرقي، صحيح أن الغرب المسيحي كان وراءها، إلا أنه كان في الحقيقة يزداد انفصالاً عن الأرثوذوكسية الشرقية، بل كان يبدو في بعض الأحيان وكأنه عدو آخر لها. وفي عام 800 م توج البابا في الغرب الملك شارلمان إمبراطوراً، ولم يرق هذا التتويج لبيزنطة لأن اتخاذ لقب الإمبراطور تحدياً لها كوريثة حقيقية لروما، ومنذ ذلك الحين صار الإداريون البيزنطيون يسمون الغربيون جميعاً " إفرنجاً" لأن شارلمان كان ملكاً على الإفرنج، بل إن هذا الاسم ظل يطلق على الأوروبيون في الشرق الأدنى وقسم كبير من آسيا حتى القرن العشرين، حيث لم يعد الناس يميزون بين الإيطاليين أو الإسبان أو الألمان، مثلما كان الأوروبيون يخلطون بين الفروع المختلفة من الأتراك. وقد حاول الإفرنج واليونانيون أن يتعاونوا مع بعضهم ضد العرب، ولكن هذه المحاولة إنما زادت الخلافات فيما بينهم، ثم إن البيزنطيين كانت لهم ادعاءات قديمة في إيطاليا، كما وأن وصول النورمان إلى صقلية ومحاولتهم الاستيلاء على أجزاء من اليونان تنتمي للإمبراطورية قد سبب صراعاً صريحاً بين الشرق والغرب. وكانت بيزنطة تزداد ضعفاً ومواردها تتقلص منذ القرن الحادي عشر وكانت النخب الحاكمة البيزنطية تزول لتحل محلها عائلات أرستقراطية من الأناضول وأرمينيا، وقد زاد هذا من عمق الهوة الثقافية بين الحضارتين الشرقية والغربية.
لقد حلت بالإمبراطورية البيزنطية ضربة مدمرة في عام 1072 عندما مزق الأتراك جيشها في معركة مانتزيكرت – ملازكرت فضاعت منها آسيا الصغرى التي كانت أهم مورد لجنودها وأغنى مقاطعاتها؛ ورغم أنها استعادت شيئاً يسيراً من أراضيها بعد هجمات المغول على الأتراك فقد صارت منذ ذلك الحين محصورة بشريط ضيق من الأرض. وفوق هذا كان على الإمبراطورية البيزنطية أن تواجه خطرين جديدين قادمين من الغرب، أحد هذين الخطرين هو جمهورية البندقية الإيطالية –فينيسيا- التي كانت تابعة لها في السابق، فقد كان البنادقة قد ساعدوا البيزنطيين في صد النورمان عن اليونان، فسمح لهم بالمقابل أن يتاجروا بحرية في كافة أنحاء الإمبراطورية كرعايا لها لا كأجانب، ولكن البيزنطيين بهذا العمل قد جلبوا الدب إلى كرمهم، لأن البنادقة احتكروا بمرور الزمن تجارة أوروبا مع بيزنطة، وسرعان ما فاقت قوتهم البحرية قوة بيزنطة نفسها، وخاصة بعد أن هزموا أسطولاً مصرياً فأزاحوا بذلك القوة الوحيدة التي كانت توازن قوتهم، وبعد تلك التنازلات التجارية كسب البنادقة أراضي جديدة بل إنهم خاضوا حرباً ضد بيزنطة ، وفي القرن الثالث عشر صارت البندقية إمبراطورية وسوف تزداد اتساعاً، وتضم إليها عشرات الجزر والموانئ خلال القرون الثلاثة التالية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:33 PM
الحملات الصليبية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

الحملات الصليبية

والخطر الثاني جاء أيضاً من الغرب في الحركة التي تسمى الحملات الصليبية، التي قام بها الأوروبيون الغربيون باسم الدفاع عن المسيحية، مع أن مصالحهم ومصالح الأرثوذكس كانتا على طرفي نقيض. في القرن الثاني عشر أسس الصليبيون في بلاد الشام أربع دول لاتينية لم تعمر طويلاً ولكنها أقيمت على أرض كانت في السابق لبيزنطة، كما أن تدخل الإفرنج في المنطقة قد كشف عداوته لها بصورة صريحة، عندما نهب جيش صليبي مسيحي مدينة القسطنطينية في عام 1204، وهي ضربة كادت تودي بالإمبراطورية، وقد نجت منها إلا أن رجال الكنيسة الأرثوذكس لم يغفروا للمسيحيين اللاتين هذا العمل قط. ولم يستعد البيزنطيون عاصمتهم حتى عام 1261، ولم تعد إمبراطوريتهم في ذلك الزمان إلا جزءاً صغيراً من كيانها السابق، وباتت مجرد دولة بلقانية لها طرف صغير في آسيا وعاصمة ذات ماض عظيم. ولم يتمكن البيزنطيون من السيطرة على البلغار مرة ثانية بعد ذلك، بينما استولى البنادقة والجنوبيون أيضاً على كافة جزر بحر إيجة.
واضطر أباطرة القرن الرابع عشر لطلب مساعدة المسلمين أي الأتراك العثمانيين من أجل معالجة خطر أمير صربي، وكان العثمانيون قد ساعدوا الأباطرة في استعادة عاصمتهم من ”إمبراطورية لاتينية” أسسها الصليبيون هناك، إلا أن العثمانيين هم الذين قضوا على بيزنطة في النهاية. لقد حاول البيزنطيون إصلاح خلافاتهم مع الغرب، ولكنهم في النهاية اضطروا إلى مواجهة الإسلام وحدهم من جديد، وقد قاوموه بأساليب مختلفة منها الأساليب الدبلوماسية، إذ أن أحد حكام العثمانيين قد تزوج من ابنة أحد الأباطرة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم مرغمين على خوض الحرب في النهاية.
في عام 1400 م كان الأتراك قد احتلوا جزءاً كبيراً من البلقان، وفتحوا صربيا وبلغاريا، فرسخوا بذلك جذور الإسلام في عمق أوروبا من جديد، كما كانوا قد هزموا حملة صليبية أخرى، واكتسحوا اليونان من بعدها وحاصروا القسطنطينية نفسها، ولم يمنعهم من القضاء عليها إلا هزيمتهم على يد تيمولنك المغولي. وقد بدا أن موجة ثانية من الفتوحات الإسلامية كانت تمتد في الشرق بينما كانت المسيحية تخرج المسلمين من عالمها في الغرب. وعندما استأنف الأتراك تقدمهم خربوا إمبراطورية البندقية، إلا أن هدفهم الأساسي إنما كان الاستيلاء على القسطنطينية. لقد ابتدؤوا آخر هجماتهم في أوائل شهر نيسان (أبريل) من عام 1453 م، وبعد حوالي شهرين من الحصار، أي في يوم 29 أيار (مايو) توجه الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر وهو الإمبراطور الثمانون بعد سميه قسطنطين الكبير، إلى كنيسة القديسة صوفيا حيث تناول القربان وخرج ليموت مدافعاً عن عاصمته في آخر أيامها كمدينة مسيحية. وسرعان ما انتهى كل شيء، فدخل السلطان العثماني محمد الثاني إلى المدينة واتجه من توه إلى الكاتدرائية ونصب فيها عرش انتصاره.
يقول أحد الكتبة اليونانيين بهلع كبير " لم يحدث قط ولن يحدث أبداً شيء أفظع من هذا" والحقيقة أن أحداً لم يكن مهيئاً لهذا الحدث، وقد روع هذا النبأ المسيحية الغربية، ولم يكن ذلك انتصاراً للهلال على الصليب فحسب، بل كان خاتمة لقصة ترجع إلى اليونان القديمة قبل ذلك بألفي سنة، لأن زوال الدولة البيزنطية كان في الوقت نفسه نهاية للتقاليد الرومانية وخاتمة ألف عام من الإمبراطورية المسيحية. وكانت تلك أشد اللحظات درامية في تغير تاريخي كبير، وهو القضاء على الدولة المسيحية في الشرق الأدنى والبلقان وشرق المتوسط، وحلول قوة عالمية جديدة محلها هي الإمبراطورية العثمانية.

مسافر بلاحدود
10-16-2010, 09:35 PM
جار المسيحية الجديد

كتاب تاريخ العالم - الفصل الخامس - نزاعات الحضارات

جار المسيحية الجديد

لقد صار الأتراك العثمانيون هم قادة العالم الإسلامي، ويجدر بنا أن نتابع قصتهم قليلاً، كان العثمانيون منذ زمن طويل شعباً يعيش على الحدود بين العالم المسيحي والمغول الوثنيين، وربما كان هذا ما ألهب في نفوسهم الحماس الشديد، وكانوا من أعتى محاربي الإسلام، مع أنهم كانوا مستعدين لتجنيد المرتدين والمرتزقة من المسيحيين في جيوشهم، والحقيقة أن الشرق الأدنى الإسلامي بالإجمال قد ازداد عداوة للمسيحية منذ الحملات الصليبية. كان الرسول قد أوصى بالتسامح مع المسيحيين لأنهم يعبدون الله، ولكن بعد سلوك الإفرنج مع المسلمين والترحيب الذي استقبل به الرعايا المسيحيين الغزاة المغول بات الإسلام أكثر ضراوة نحو المسيحية.
وخلال قرون قليلة شكل العثمانيون سداً كبيراً من الإسلام لا سابق له بين المسيحية الغربية وآسيا، وفي وجه روسيا الأرثوذكسية في الشمال أيضاً، كما اندفعوا إلى عمق وادي الدانوب، كانت سفنهم تضايق تجارة المتوسط وقد ابتلعت إمبراطورية البندقية بصورة مطردة، ولم تكن جيوشهم دون جيوش الأوربيين بل ربما كانت أفضل منها، وكان لديهم سلاح مدفعية أيضاً. فقد استخدموا في حصار القسطنطينية الأخير مدفعاً عملاقاً بناه لهم مهندس هنغاري، يحتاج مئة ثور لتحريكه ولا يمكن إطلاق النار منه إلا سبع مرات في اليوم.
لقد سبب العثمانيون تغيرات عميقة في أوروبا التي حكموها، فقد ضربوا جذور الإسلام راسخة في بعض المناطق مثل البوسنة عندما أسلمت جماعات فيها، أما السكان المسيحيون فصاروا يتطلعون الآن إلى رجال دينهم الأرثوذكس لقيادتهم، وباتت المسيحية علامة الوطنية في البلقان إذ حفظت لكثير من شعوب المنطقة قسطاً كبيراً من تراث بيزنطة، كما أن الأرثوذوكسية اليونانية التي بقيت تتطلع إلى زعامة بطريرك القسطنطينية قد انفصلت عن روسيا حيث استقر أكبر أساقفة الكنيسة أخيراً في موسكو. وكانت تركيا العثمانية مجتمعاً متعدد العروق والأديان، ولو أن المسلمين كانوا دوماً في القمة، وكان للرعايا غير المسلمين حكم ذاتي داخلي ضمن جماعتهم بزعامة رؤسائهم الدينيين، والحقيقة أن مسلك العثمانيين نحو اليهود والمسيحيين كان بالإجمال أفضل من مسلك الإسبان نحو اليهود والمسلمين.
لا يمكن لأي إمبراطورية أن تستمر إلى الأبد، ولكن الحقيقة إن تراجع الإمبراطورية العثمانية قد استغرق زمناً طويلاً جداً، ولم تنته حتى عام 1922 م أما في القرنين السادس عشر والسابع عشر فلم يكن يخطر ببال أحد أن قوة العثمانيين قد تتراجع، إذ أنهم كانوا يتابعون اندفاعهم في عمق أوروبا، ففي عام 1526م محوا الجيش المجري عن بكرة أبيه في هزيمة مازالت ذكراها حية كيوم أسود في تاريخ هنغاريا، وبعد ثلاث سنوات حاصروا فيينا، كما أنهم استولوا على قبرص وكريت وبقية جزر شرق المتوسط، وانتزعوا سوريا ومصر من المماليك وكردستان وبلاد الرافدين من فارس، وأرسلوا جيشاً حتى عدن في الجنوب، وفي عام 1673 عادوا لحصار فيينا مرة ثانية. إلا أن المد كان قد بدأ ينحسر وكان التراجع الطويل لقوة الأتراك قد ابتدأ، ولو أنهم ظلوا يستولون على أراض جديدة في المتوسط حتى عام 1715.
كانت تلك مغامرة رائعة ومريعة في الوقت نفسه، وقد تركت في تاريخ أوروبا أثراً عميقاً لا يقتصر على المناطق التي احتلها العثمانيون، فلطالما ارتعدت أوروبا أمام قوة العثمانيين، بل إن افتتانها بهم قد استمر زمناً أطول. وهي لم تنجح قط في تنظيم مقاومة مشتركة ضدهم، فكان ذلك العبء يقع دائماً على كاهل أمير أو اثنين، بل إن بعض الأمراء الأوروبيين قد تطلعوا إلى العثمانيين ليساعدوهم ضد أبناء دينهم من المسيحيين. أما بالنسبة للأوروبيين الشرقيين الواقعين تحت حكم العثمانيين فقد كانت الإمبراطورية واحدة من تلك التجارب التي مروا بها، والتي عمقت الهوة بينهم وبين الأوروبيين في الغرب منذ أن رسمت حدود الإمبراطورية الرومانية. وقد شعرت بعض الشعوب في أوروبا بهجمات العثمانيين بصورة أشد من بعضها الآخر، إلا أن تاريخ القارة بأكمله قد تأثر بها بصورة أو بأخرى، وربما كان أعمق تأثيراتها كلها هو أنها أبعدت تفكير الأوروبيين عن الاتصال بآسيا براً عن طريق الشرق الأدنى وجعلتهم يمعنون التفكير في البحث عن طريق للالتفاف حول الإسلام، وهي فكرة كانت موجودة في أذهان بعضهم منذ نهاية القرن الثاني عشر، والحقيقة أن الوسائل اللازمة لهذا الالتفاف كانت متوفرة عند سقوط القسطنطينية، إذ كانت السفن البرتغالية تنتقل جنوباً على ساحل المغرب بهمة ونشاط قبل ذلك، باحثة عن طريق جديدة نحو الشرق، وربما أيضاً حليف في أفريقيا يطوق خاصرة الأتراك، وبعد أن سقطت القسطنطينية في عام 1453 سوف يزداد بحثهم هذا حماسةً واندفاعاً.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:02 AM
هند الموريا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

هند الموريا
صحيح أن النمط الديني لتاريخ الهند كان قد وضع بحلول نهاية الحقبة الفيدية، إلا أنه ظل مرناً وقد حدثت فيه تطورات جديدة، فحركة الرهبنة مثلاً وهي اختراع يعود للأزمة الفيدية، قد أدت إلى تجارب الزهد والتنسك فضلاً عن التأمل الفلسفي. كما أن ثمة ديانة جديدة على درجة كبيرة من النجاح نشأت كرد فعل ضد شكلية الديانة البرهمنية هي الديانة اليانية، التي ابتكرها معلم من القرن السادس، أوصى بأشياء عديدة منها احترام حياة الحيوان، وهذا ما جعل الزراعة وتربية الحيوان أمراً مستحيلاً، لذلك مال اليانيون إلى ممارسة التجارة فصارت جماعتهم من أغنى الجماعات في الهند.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/blank.png
إمبراطورية الموريا

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:05 AM
البوذية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

البوذية

إلا أن أكثر الأنظمة تجديداً على الإطلاق إنما كانت تعاليم البوذا، ويعني هذا الاسم الذي أطلق عليه ”المستنير” أو ”الواعي” أما اسمه الأصلي فهو سدهارتا غوتاما، وهو لم يكن برهمنا بل أميراً من الطبقة المحاربة عاش في بداية القرن السادس قبل الميلاد. تربى سدهارتا تربية نبيلة في سعة من العيش في دولة على الطرف الشمالي من سهل الغانج، ولكنه وجد حياته غير مرضية فترك مسكنه، وقضى سبع سنوات في التنسك وإماتة الجسد قبل أن يبدأ بالوعظ والتعليم. وقد وضع عقيدة متقشفة وأخلاقية الهدف منها التحرر من العذاب عن طريق الوصول إلى حالات أعلى من الوعي، فقد علم بوذا تلاميذه أن يكبحوا متطلبات الجسد أو ينبذوها بحيث لا يمنع شيء روحهم من بلوغ حالة النرفانا المباركة، أي التوحد بالحقيقة النهائية أو الإلوهية التي كان يؤمن أنها كامنة وراء الحياة، فمن خلال إماتة الذات على هذه الصورة كان بإمكان الإنسان أن يتحرر من دورة البعث والتقمص التي لا تنتهي، وهي نمط الوجود الذي كان يقول به الدين على أيامه، وكذلك الهندوسية من بعده.

يبدو أن بوذا كان يتمتع بقدرات عملية وتنظيمية كبيرة، ونزاهة أخلاقية لا غبار عليها، وشخصية سرعان ما جعلت منه معلماً محبوباً وناجحاً، وقد تجنب الديانة البرهمنية ولم يعارضها، وإن ظهور جماعات من الرهبان البوذيين قد أمن لعمله بيئة من المؤسسات التي سوف تستمر من بعده، كما أنه منح دوراً للذين لم ترضهم الممارسات التقليدية، خاصة النساء وأتباع الطبقات الدنيا، إذ لم تكن الطبقات تعني شيئاً في نظره. إلا أن ما صار يعرف بالبوذية، أي الديانة التي طورها أتباعه بناء على تعاليمه، قد لا تعكس نظرته الشخصية، لأن أفكاره كانت بسيطة لا تؤمن بالطقوس ولا بإله. وسرعان ما مرت عقيدته بتطور قد يعتبره البعض تشويهاً لها، وضمت الكثير من المعتقدات والممارسات التي كانت موجودة قبلها مثل جميع الديانات الكبرى، إلا أن هذا التطور قد ساعدها على الاحتفاظ بشعبية كبيرة، وسوف تمتد بعد موت غوتاما بقرون، وقد مات في حوالي 483 ق.م لتصبح أكثر الديانات انتشاراً في آسيا، وقوة عظيمة في تاريخ العالم، وهي أول ديانة عالمية امتدت خارج المجتمع التي ولدت فيه.

منذ كان بوذا على قيد الحياة كانت قد اكتملت الخطوط الأساسية لنمط الحضارة الهندية التي مازالت حية اليوم متمتعة بقدرة عظيمة على تمثل الثقافات الأخرى واستيعابها، وهذه حقيقة هامة جداً تميز الهند عن بقية العالم. إن أولى التقارير التي أتتنا من شاهد عيان عن حضارة الهند الباكرة تعود للعصر الهلنستي، بعد حوالي قرنين من موت بوذا، وهذا الشاهد هو رجل إغريقي اسمه ميغاستينيس أرسله الملك السلوقي سفيراً إلى الهند في حوالي عام 300 ق.م، وهو يخبرنا عن الهند الواقعة وراء نهر الهندوس، والتي لم يبلغها جيش الاسكندر قط، لأن ميغاستينيس هذا قد سافر حتى البنغال وأوريسا وقابل الكثيرين من الهنود واستجوبهم. صحيح أنه كان يروي قصصاً مختلفة عن أناس يعيشون على الروائح بدلاً من الطعام والشراب، وعن عمالقة ذوي عين واحدة في وسط الجبين، وآخرين ذوي أقدام ضخمة يستخدمونها للاحتماء من الشمس، وعن أقزام وأناس بلا فم، ولكنه يصف أيضاً الهند على عهد حاكم عظيم هو جندرة كبتا مؤسس السلالة التي تسمى سلالة الموريا، ونحن نعرف أشياء أخرى عن جندرة كبتا هذا من خلال مصادر أخرى. ويقول بعضهم إنه استلهم الفتح عندما رأى في شبابه الإسكندر الكبير أثناء غزوه للهند، وقد بنى على كل حال دولة شملت واديي الهندوس والغانج الكبيرين فضلاً عن القسم الأكبر من أفغانستان التي أخذها السلوقيين، وبلوشستان وكانت عاصمتها في باتنا. ويبدو من رواية ميغاستينيس أن شعوبها كانت منقسمة منذ ذلك الحين إلى تقليدين دينيين، أحدهما الديانة البرهمنية القديمة التي كانت أصل الهندوسية، والأخرى على ما يبدو هي البوذية. أما جندرة كبتا فيقال إنه قضى الأيام الأخيرة من حياته معتزلاً مع أتباع الديانة اليانية قرب ميسور حيث مارس طقوس تجويع النفس حتى الموت.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:06 AM
آشوكا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

آشوكا

لقد خلف جندرة كبتا ابنه الذي زاد الإمبراطورية اتساعاً باتجاه الجنوب، إلا أن الرجل الذي أكمل هذه العملية إنما هو آشوكا، ثالث أباطرة الموريا، الذي حكم رقعة واسعة لن تعرف الهند أكبر منها تحت حكم واحد حتى تبلغ فيه السلطة البريطانية ذروتها في القرن التاسع عشر. وعلى عهد آشوكا –أيضاً- تبدأ بالظهور وثائق غنية عن الهند، لأنه ترك الكثير من النقوش والسجلات والقرارات والرسائل رعاياه. وتشير هذه الوثائق إلى التأثيرين الفارسي والهلنستي، إذ إن الهند كانت في ذلك الحين أكثر اتصالاً بالعالم الخارجي من الصين، كما أنه خلف في قندهار بأفغانستان كتابات محفورة باللغتين اليونانية والآرامية، وقندهار واحدة من المدن الكثيرة التي سميت على اسم الإسكندر الكبير.

كانت هذه أكثر الحكومات تنظيماً حتى ذلك الزمان، والأهم من هذا هو أن الهند على عهد آشوكا كان قد ترسخ فيها نظام الطبقات المغلقة ترسخاً متيناً، كان آشوكا يحكم البلاد من خلال الإدارة، وكان يساعدها على ما يبدو جهاز كبير من الشرطة السرية أو المخابرات الداخلية. وكان هذا الجهاز يقوم بالواجبات التي نتوقعها منه مثل جبي الضرائب، والحفاظ على الأمن والنظام والإشراف على الري، كما كانت عليه أيضاً مهمة الترويج لمجموعة من المعتقدات، أي ما يمكن أن نسميه أيديولوجية. كان آشوكا بوذياً، ويقال إنه اعتنق البوذية بعد أن شهد معركة دامية رهيبة أثارت الاشمئزاز في نفسه، وقد نصب الكثير من الأعمدة التي ترمز للوصل بين السماء والأرض وعليها نقش رسالته. ولم تكن تلك الرسالة بوذية فقط بل يمكن تلخيصها بكلمة داما Dhamma، وهي مشتقة من كلمة سنسكريتية تعني ”القانون الكوني”، وتوصي بالتسامح الديني واللاعنف واحترام الإلوهية في جميع البشر. والحقيقة أنها أفكار مذهلة بتطورها بالنسبة إلى ذلك الزمان، وكثيراً ما يعتز بها الهنود اليوم رغم أنها تعود لعصر بعيد، ولم توضع تلك المبادئ كقوانين أو مراسيم يجب إطاعتها وتنفيذها، بل يبدو أنها كانت جزءاً من محاولة آشوكا لتسهيل حكم هذه المجموعة الهائلة، والمتقلقلة من الشعوب والعقائد واللغات. تقول إحدى نقوشه ”إن الناس جميعاً أولادي”، ولاريب أن الحكم يسهل كثيراً إذا ما اتفق الناس على هذا، ويلاحظ أن آشوكا لم يبدأ بنصب تلك العواميد إلا قرب نهاية حكمه، بعد عام 260ق.م تقريباً أي عندما كانت فتوحاته قد اكتملت.

لقد قام آشوكا أيضاً بمجموعة من الأشغال العامة التي كان الغرض منها منفعة رعاياه، فبنى خزانات المياه، وحفر الآبار، وجعل محطات للاستراحة على مسافات منتظمة على طول طرق الإمبراطورية، كما زرع أشجار تين البنغال لتؤمن الفيء للمسافرين. إلا أن هذه الأشياء كلها لم تساعد كثيراً في التغلب على انقسامات الهند، بل يبدو على العكس أن ملامحها الدينية قد تعمقت وترسخت في أزمنة الموريا. لقد سارت أفكار الدين وآدابه خطوة أخرى نحو تبلور الديانة الهندوسية عندما بدأت قصيدتا المهابهاراتا والرامايانا تأخذان شكلهما النهائي، وهما ملحمتان كبيرتان ترويان قصص الآلهة والشياطين والمغامرات التاريخية الجريئة، وقد أضيفت إلى ملحمة المهابهاراتا "أغنية الرب" "باغاد غيتا"، التي سوف تصبح النص الجوهري للديانة الهندوسية وسوف تحظى بمكانة تساوي مكانة العهد الجديد في الديانة المسيحية. كما ازدهرت في أزمنة الموريا عبادات أخرى أكثر شعبية وأقرب إلى الخرافة، منها عبادة كرشنا، أكثر آلهة الهند شعبية، وهي عبادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالباغافاد غيتا لأن هذه القصيدة تدور حول شخصية كرشنا. وازدهرت البوذية أيضاً على عهد آشوكا، وربما بفضل تأييده ودعمه لها، فقد بلغ به حماسه أنه أرسل البعثات التبشيرية إلى أصقاع الأرض، ومنها بعثات إلى مصر ومقدونيا لم تحرز نجاحاً كبيراً، بينما أفلحت غيرها في بورما وسيلان (سيريلانكا)، والحقيقة أن البوذية مازالت هي الديانة السائدة في سريلانكا منذ ذلك الحين.

وسرعان ما راحت إمبراطورية الموريا تتفكك بعد موت آشوكا، وليس سبب هذا التفكك واضحاً ولكن ربما كان أبسط تفسير له هو أنها اتسعت كثيراً حتى باتت أكبر من مواردها. فقد كانت بالأساس دولة تعيش بصورة طفيلية على زراعة محدودة، وغير قادرة على التوسع الكبير مثل كافة الإمبراطوريات القديمة، ولاريب أن إدارتها كانت بدائية ينخرها الفساد والمحسوبية لأنها لم تكن تملك نظاماً عقلانياً لتوظيف الناس والرقابة عليهم. أما مجتمع الهند فقد كان على كل حال مستقلاً إلى حد كبير عن الأنظمة السياسية، ويسير بحسب ترتيبات العائلة والطبقة، ولم يكن الهندي العادي يهتم كثيراً بما يحدث فوق هذين المستويين، ولم تكن إمبراطوريات الهند تحظى بولاء رعاياها إلا عندما تؤمن لهم النظام والعيش الكريم، مثلها مثل إمبراطوريات الصين.

تعتمد الاستمرارية الطويلة في تاريخ الهند إذاً على الدين والطبقة الاجتماعية والعائلة، كما أن الاقتصاد لم يتغير كثيراً، والحقيقة أن حياة الفلاح الهندي لم تعرف تبدلاً هاماً بين أزمنة الموريا ووصول الأوروبيين في القرن السادس عشر، وربما كان هذا أمراً طبيعياً بالنظر إلى مناخ الهند والروتين الذي فرضه عليها. وبالرغم من هذا فقد حدثت بعض التطورات الهامة، منها نمو التجارة التي أمنت للحكومة دخلاً من رسومها، وربما كان هذا سبب العناية ببناء الطرق، كما ترافق نمو التجارة بنمو الجمعيات التجارية والحرفية، التي بلغ من شأنها أن بعضها اعتبرت خطراً على سلطة الملك، وكانت التجارة الخارجية مع أفريقيا، والإمبراطورية الرومانية تنمو باستمرار أيضاً.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:07 AM
الهند الهندوسية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الهند الهندوسية


اغتيل آخر أباطرة الموريا في حوالي 184 ق.م، ثم تفكك تاريخ الهند فصارت قصته مشوشة جداً طوال خمسمائة سنة تقريباً، ولكن تبرز من خلال هذا التشويش بعض الخطوط القليلة، أهمها سلسلة من الغزوات أتت من الشمال الغربي. كان البلخيون أحفاداً للإغريق خلفهم الإسكندر الكبير على أعالي نهر جيحون، حيث بنوا لأنفسهم مملكة مستقلة بين الهند والدولة السلوقية في القرن الثالث ق.م، وسرعان ما اجتذبتهم الهند، فاندفعوا إلى وادي الهندوس في القرن الأول ق.م، ثم تبعتهم شعوب أخرى استقرت في البنجاب في أزمنة مختلفة، ومنها الفرثيون والسقيتيون. ومن أكثر تلك الشعوب الغازية غموضاً وإثارة للاهتمام شعب الكوشانا، الذين أتوا من حدود الصين البعيدة، يبدو أن اهتمام الكوشانا كان دوماً مركزاً على آسيا الوسطى، إلا أنهم حكموا إمبراطورية امتدت في يوم من الأيام من السهوب حتى بيناريس على نهر الغانج. وكانوا بوذيين متحمسين لديانتهم، وفي أيامهم ابتدأ نحت تماثيل بوذا بأسلوب يظهر فيه التأثير الإغريقي عادة، وكان هذا من علامات انتقال البوذية إلى أرض الواقع لتصبح ديانة مثل كل الديانات، إلا أن تغيرات كثيرة كانت تجري في الوقت نفسه، والحقيقة أن جميع ديانات الهند وطوائفها كانت تتفاعل فيما بينها.

وفي النهاية زال شعب الكوشانا هم بدورهم، وعادت الهند لتتمزق من جديد وتتحول إلى عدد من الممالك المشتتة. ولم تستعد وحدتها السياسية إلا حين أسست إمبراطورية جديدة هي إمبراطورية الكبتا في عام 320 م. ولكننا نستطيع أن نميز ضمن فوضى القرون السابقة لها، أي عندما كانت الإمبراطورية الرومانية في ذروتها، سلسلة متصلة من الغزوات الآتية من ناحية الشمال الغربي، لقد أولئك الوافدون الجدد بتأثيرات جديدة، ويحتمل أن تكون المسيحية ظهرت في القرن الأول الميلادي، إلا أنهم لم يزعزعوا قط تقاليد الهند الدائمة التي ما برحت تزداد قوة ومتانة. كما أنهم لم يتغلغلوا في الجنوب، والحقيقة أن الجنوب لن يتحد سياسياً بالشمال بعد عهد الموريا حتى قدوم الحكم البريطاني. وسوف يبقى سهل الدكن أكثر منطقة حافظت فيها الهندوسية على طبيعتها وثباتها، وعلى حكامها من العرق الدراويدي غير الآري، وسوف تظل عالماً آخر بعيداً عن شمال الهند الهندوسي، رغم اشتراكهما بالدين والمعتقدات شكلياً. أما أنماط الحياة في الهند فلم تتأثر بقدوم الحكام ورحيلهم الدائمين لا في الشمال ولا في الجنوب، بل كان أكثر الهنود يعيشون في ذلك الزمان في قرى مكتفية بذاتها وغير متأثرة بما يجري خارجها مثل حالها اليوم. وكانت موجات الغزاة القادمة من وراء الجبال تتوالى، فيبرز منهم بين الحين والحين فاتح كبير يجمع شمل البلاد، ولكنها لاتلبث أن تعود فتتفكك بعد زمن يقصر أو يطول إلى ممالك مبنية حول المراكز والجماعات المحلية القديمة، وكانت هذه تستمر على مدى القرون مهما عصفت بها الرياح من وقت لآخر.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:18 AM
الكبتا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الكبتا

كانت عاصمة أول إمبراطور من أباطرة الكبتا في مدينة باتنا، التي كانت عاصمة الموريا من قبل، وقد حكمت سلالته شمال الهند موحداً من وادي الغانج، وحققت السلام والحصانة في وجه الغزوات حتى صار الهنود في عصور لاحقة يعتبرون عصر الكبتا عصراً ذهبياً من السلام والحكم الصالح، ومرحلة كلاسيكية أعطت فيها الفنون ثمارها للمرة الأولى. والحقيقة أن أولى المعابد الحجرية الكثيرة والغنية بالتماثيل إنما تعود إلى عصر الكبتا، وأهميتها في تاريخ الفن والعمارة في الهند تقابلها في أوروبا أهمية الكاتدرائيات القوطية التي بنيت في العصور الوسطى. كما ازدهر في عهدهم الأدب، وبدأت تقاليد الدراما الهندية الشعبية المبنية على قصص مأخوذة من الملاحم السنسكريتية الكبرى، والتي مازالت لها شعبيتها الكبيرة بين رواد السينما في الهند وحتى اليوم. وكان ذلك أيضاً عصر المعرفة والتطور الفلسفي، ففي القرن الخامس اخترع علماء الحساب الهنود النظام العشري، وهو اختراع ذو أهمية عظيمة جداً للبشرية، وسوف ينقله العرب بعد ذلك إلى الغرب على أيام الخلافات.
لقد حدثت على عهد الكبتا تطورات دينية هامة هي استمرار لعملية ابتدأت منذ زمن بعيد، حتى بزغت منها في النهاية الديانة الهندوسية الكلاسيكية. نحن نعلم أن الترتيبات الاجتماعية المعقدة للهندوسية، والتي مازالت هامة للغاية في تشكيل الحياة في الهند اليوم، والمعتقدات المرتبطة بها أيضاً كانت راسخة تماماً بعد عهد الكبتا، ولو أننا لانعلم على وجه الدقة متى اتخذت تلك الترتيبات شكلها الثابت. وتعود جذور الهندوسية إلى ماضٍ سحيق، ربما كان سابقاً للغزوات الآرية، لأن ثمة آلهة كانت تعبد منذ حضارات وادي الهندوس القديمة وربما كانت أشكالاً سابقة أو ”أجداداً” للإله الهندوسي شيفا، إلا أن الهندوسية قد خرجت من القالب البرهمني والفيدي القديم الذي كان يطوقها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/blank.png
إمبراطورية الكبتا

انتشار البوذية


حياة غوتاما
حوالي عام 563-483 ق.م
المجلس يشير إلى أول انشقاقات كبرى ضمن البوذية
حوالي عام 370 ق.م
الإمبراطور آشوكا يعتنق البوذية
عام 255 ق.م
اتخاذ البوذية ديانة في سيلان
حوالي عام 240 ق.م
التاريخ التقليدي لوصول المبشرين البوذيين إلى الصين
عام 61 م
المجلس البوذي في كشمير يضع النصوص الأساسية لبوذية مهيانا.
حوالي120 م
كانيشكا ملك الكوشانا يروج للبوذية في قندهار والبنجاب والسند
حوالي 120-162 م
البوذية تتغلغل في إندونيسيا
حوالي 200 م
البوذية تتغلغل في بورما
حوالي 400-500 م
البوذية تصل إلى اليابان
حوالي 550 م
البوذية تصل إلى الصين
عام 844 م
البوذية تقبل في تايلند
حوالي 1300 م

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:20 AM
العقيدة والمجتمع

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

العقيدة والمجتمع

كان المجتمع في أزمنة الكبتا يشبه المجتمع الهندوسي اللاحق إلى حد كبير، وكان أساسه نظام الطبقات المغلقة، الذي تطور الآن وتجاوز تقسيم الطبقات الأربع السابق الذي كان سائداً في المجتمع الفيدي. كما أن العقيدة الدينية تغيرت هي الأخرى، والحقيقة أنه من الصعب وصف الديانة الهندوسية، لأنها ليست عبارة عن عقائد أو نصوص يجب على المرء الإيمان بها، ولا هي ناحية منفصلة أو متميزة من الحياة، بل هي طريقة في النظر إلى العالم المرئي واللامرئي معاً ككيان واحد والعيش فيه. وإذا كان ثمة مبدأ عملي محوري في الهندوسية فهو أن يعيش المرء حياته بحسب موقعه في النظام الذي يضم الأشياء كلها. إن أكثر الهنود اليوم فلاحون مثلما كانوا دائماً، وقد لا يعني الدين عندهم إلا السعي لنيل رضا الآلهة بوسائل خرافية يؤدوها لها في المعبد القريب، بالإضافة إلى احترام طبقتهم الاجتماعية وما تفرضه عليهم من قيود في الحياة العملية، والاشتراك بالاحتفالات الشعبية الكبرى التي مازلنا نرى ما يشبهها في قرى الهند حتى اليوم، حيث تصنع عربات عملاقة ذات عجلات وتحفر عليها صور ملونة للشياطين والآلهة والإلهات والوحوش وتجر عبر الشوارع، وكانت أيضاً ثمة عبادات تختص بالآلهة والإلهات الكبرى مثل شيفا وكرشنا. ولكن كان يوجد في الوقت نفسه شكل من الهندوسية الفلسفية الصرف والبعيدة كل البعد عن فجاجة القرابين الحيوانية وعبادة الصور التي استمرت على المستوى الشعبي مثلما بقي الناس في ديانات أخرى قروناً طويلة يصلون بصورة يشوبها الكثير من السحر والخرافة، كان أكثر أشكال الهندوسية تطوراً يسمى الفيدانتا، وهي عقيدة مجردة تشدد على لاحقيقية العالم المادي الملموس مثل بعض أشكال البوذية، وتعلم أن على الإنسان السعي للتحرر منه عن طريق معرفة الحقيقة أي البرهما. وهكذا كان في الهندوسية عقائد ترضي جميع حاجات الناس على اختلافها.

إلا أن تطبيق الهندوسية على مستوى الحياة اليومية كان ينزع إلى الشدة والقسوة، فقد كانت هناك عادة تزويج الأطفال، كما ابتدأت عادة جديدة تسمى ”السوتية” التي تكره فيها النساء الأرامل على الاستسلام لكي يحرقن حتى الموت على محرق أزواجهن المتوفين، وتدل هاتان العادتان وعلامات كثيرة غيرها في القرنين الخامس والسادس على أن مرتبة المرأة في المجتمع كانت تتدنى باستمرار، كان البراهمة في الأزمنة الباكرة يسمحون للنساء بتعلم الكتابات الفيدية، أما الآن فقد صارت هذه محظورة عليهن.

والبوذية أيضاً كانت تمر بتطورات هامة استمرت قروناً طويلة قبل أزمنة الكبتا وبعدها، وفلم يعد بوذا معلماً كبيراً، بل صار نموذجاً ومثالاً للمخلصين الذين يسمون البوذيساتفا، وهم رجال تنازلوا عن هدف إفناء الذات من أجل أن يبقوا في العالم ويعلموا الناس طريق الخلاص. وكان أهم التغيرات هو ظهور ما يسمى ببوذية مهايانا "أو الوسيلة الكبرى” التي كان لها شكل بسيط يتمثل بعبادة بوذا نفسه كمخلص إلهي وتظاهر من تظاهرات بوذا السماوي الواحد العظيم. وقد اكتسبت هذه العبادة الشعبية أوسع بكثير من طقوس إماتة الجسد والتقشف الشديدة التي علمها غوتاما( بوذا). كان بوذا قد منع عبادة الأوثان، ولكن منذ القرن الأول فيما بعد، صارت تصنع له أعداد متزايدة من الصور وراح المؤمنون يعبدونها في المعابد، وفي النهاية أضحت بوذية مهايانا هي الشكل المسيطر من هذه الديانة، فازدهرت في نيبال والتبت والصين واليابان، بينما تمكن التقليد الأقدم من الحفاظ على نفسه في إندونيسيا وماليزيا.

لقد تقاربت ديانتا الهند الكبريان قليلاً في تطورهما، لأن بوذا صار يعتبر إلهاً تقريباً، ولو أنه إله غامض، وكان هذا شبيهاً بفكرة الهندوس عن الروح الكامنة في جوهر الأشياء كلها. كما صارت هاتان الديانتان كلتاهما تدعوان إلى التأمل والسلبية وأداء الواجبات المعروفة والتوافق مع مخطط الأشياء، وليس إلى محاولة تغيير العالم عن طريق هداية الناس أو العمل الحثيث. وكانت الهندوسية والبوذية ملائمتين للنظرة إلى الزمن على أنه دورات متكررة بلا نهاية لا يملك الأفراد سبيلاً إلى كسر طوقها، ولاريب أن هذا الفرق قد وضع حضارة الهند على مسار مختلف حتى على المستوى الدنيوي. وقد فرضت المؤسسات الاجتماعية في الهند وبالأخص نظام الطبقات المنغلقة أعباء اقتصادية كبيرة، لأن هامش الموهبة الفردية والمبادرة يضيق كثيراً عندما يتحدد دوره الاقتصادي بحسب ولادته. والحقيقة أن طموح الناس جميعاً كان ضيقاً ما خلا طموح المحارب، وطموح المحارب لا يشبع عادة إلا بأساليب هدامة

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:38 AM
الهند الإسلامية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الهند الإسلامية

في حوالي عام 500 م كانت ثمة علامات تدل على أن الكبتا كانوا يفقدون سيطرتهم على الأمور، ولم يمض زمن طويل حتى تفككت الهند من جديد إلى إمارات صغيرة، وسرعان ما عاد الغزاة لمضايقتها من الشمال الغربي، ولكنهم كانوا في هذه المرة فرعاً من الهون، وقد نجحوا بالقضاء على البوذية في أفغانستان إلا أنهم لم يخلفوا أثراً دائماً في وادي الهندوس. ثم جاء العرب وفتحوا البنجاب لفترة من الزمن دون أن يتركوا فيها تأثيراً ملموساً، إلا أن قدومهم كان بداية قصة الإسلام في الهند.
ثم جاءت موجة ثانية من المسلمين في القرن الحادي عشر أقوى من موجة العرب، وكانت مكونة من شعوب تركية تنوي البقاء، فبنوا خلال عقود قليلة حكماً إسلامياً شمل كافة وادي الغانج وكان مركزهم في دلهي. وكان بعض الأتراك متلهفين لنشر دينهم فاضطهدوا الهندوسية ودمروا معابدها، ولكنه لم يستمروا طويلاً بدورهم، ففي عام 1398 نهب تيمور لنك مدينة دلهي، وكانت تلك نهاية السلاطين الأتراك، وهم أول مسلمين حكموا جزءاً كبيراً من الهند. إلا أن الإسلام كان قد ترسخ في شبه القارة، وسوف يشكل تحدياً لقدرتها على تمثل الثقافات الأجنبية لم تعرف مثله من قبل. ومع الإسلام أتت تأثيرات أخرى أيضاً فمنذ ذلك الحين صارت ثقافات البلاط في الهند متأثرة بصورة قوية بالأساليب والعادات الفارسية.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:39 AM
أول أباطرة المغول

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

أول أباطرة المغول

إن الرجل الذي أعاد إحياء الإمبراطورية الإسلامية في الهند هو بابر، كان بابر ينتسب بأبيه إلى تيمور لنك وبأمه إلى جنكيز خان، فكان في عروقه دم مغولي، وسوف تسمى الإمبراطورية التي أنشأها الإمبراطورية المغولية، ولو أنه لم يستخدم هذه التسمية. كان بابر يعتبر نفسه منتمياً للتقاليد الفارسية، وقد نشأ من أحفاد تيمور الذين استقروا في فارس وكانوا في الحقيقة أتراكاً أكثر منهم مغول. وكان يحب الشعر الفارسي وفن البستنة الذي يهواه الفرس، وقد أدخل إلى كابل العنب والبطيخ الأصفر والموز وقصب السكر، وكان أيضاً مغرماً بجمع الكتب وعلى درجة عالية من الثقافة، وكان شاعراً كتب سيرة ذاتية جميلة ورواية من أربعين صفحة عن هندستان في زمن فتحه لها، دون فيها عاداتها وبنية طبقاتها الاجتماعية فضلاً عن حياتها البرية وأزهارها. كان بابر قبل كل شيء مقاتلاً بارزاً بدأ حياته العسكرية بركوب الخيل إلى جانب والده في المعارك عندما كان في سن العاشرة، وقد كشف عن معدنه عندما استولى على سمرقند وله من العمر أربعة عشر سنة في عام 1497. وكانت قاعدته في كابل، وفي عام 1525 دعاه بعض أمراء الهند المسلمين المستائين من حكم الهندوس والمنشقين عليهم، فاكتسح البنجاب كما أرادوا، وتابع مسيره فاحتل دلهي وقتل سلطانها في المعركة، ولكنه سرعان ما انقلب على الأمراء الذين دعوه، ثم أخضع الأمراء الهندوس بعد أن استغلوا الصراعات بين الحكام المسلمين، وعندما مات في عام 1530 كان يحكم إمبراطورية تمتد من كابل إلى حدود بيهار، وقد دفن في كابل بناء على رغبته.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/blank.png

إمبراطورية المغول بحدودها الأوسع

أما حفيده أكبر فقد زاد من بعده الإمبراطورية اتساعاً على اتساع، وقد بهر به الأوروبيون فسموه المغولي الكبير، كان أكبر مقاتلاً شجاعاً، وقد صارع ذات مرة نمراً بمفرده وقتله بسيفه، وكان منذ صباه يحب ركوب فيلته المقاتلة ويؤثر الصيد على الدروس، ولهذا كان أمياً تقريباً بعكس جميع أباطرة المغول، ولكنه حافظ على التقاليد الجميلة لسلالته في تقدير الثقافة والفنون وجمع الكتب واللوحات، وكان لديه في بلاطه زمرة من الرسامين الذين يعملون تحت رعايته، وقد بلغت الهندسة وفن التصوير عند المغول ذروتهما في عهده.
لقد حكم أكبر من عام 1555 إلى 1605 ويوافق حكمه الطويل هذا بالتقريب حكم الملكة إليزابيث في انكلترا وأبدى براعة كبيرة في معالجة أمر الفروق الدينية بين رعاياه، فمن أول أعماله عندما ابتدأ الحكم أنه تزوج أميرة من شعب الراجبوت الهندوسي، وكان قبل ذلك قد سمح للنساء الهندوسيات في حريمه بممارسة ديانتهن. وسرعان ما ألغى ضريبة الأعناق التي فرضها أسلافه على غير المسلمين، كما كان يدير شؤونه المالية وزير هندوسي، وقد أظهر أيضاً رأفة واسعة نحو الأمراء الهندوس المهزومين، وكانت زوجته الهندوسية ابنة أكبر ملوك راجبتانا، وهو حاكم المنطقة التي تسمى جيبور اليوم، أي أن الزواج قد لعب في دبلوماسيته دور المصالحة أيضاً. وإن الانطباع العام الذي يتركه في النفس حكم أكبر هو انطباع بالتسامح الرشيد، وكان هذا كفيلاً بتسهيل الحكم في تلك الإمبراطورية ذات التنوع العظيم.
عندما مات أكبر كانت سلالته أرسخ من أي سلالة حكمت الهند قبلها، خاصة بعد أن فرضت ضريبة جديدة على الأرض أمنت المال اللازم للقيام بأود الإمبراطورية من دون الحاجة للمزيد من الفتوحات، بل يبدو أنها أدت إلى زيادة في الإنتاج الزراعي، وسوف تستمر بعض التجديدات الإدارية التي تمت على عهد إمبراطورية المغول حتى زمن متقدم من وجود البريطانيين في الهند. ويبدو أن الطبقة الحاكمة المسلمة كانت تلطف من عدائها للهندوسية، مع أن هذه الديانة قد تعتبر عبادة أوثان في نظر الإسلام، كما ظهرت لغة مشتركة بين أفراد الديانتين هي لغة الأردو أي لغة المعسكر، التي استخدمها الفاتحون المسلمون لمخاطبة رعاياهم الهندوس، وهي لغة ذات بنية هندية ومفردات تركية وفارسية. وهي من الأشياء الأخرى التي استمرت حتى القرن العشرين، فقد كانت لغة التخاطب في الجيش الهندي تحت حكم البريطانيين ومازالت مستخدمة بشكل واسع حتى اليوم. ولكن حكم أكبر قد عرف أيضاً بداية حدث نذير سوف يكون له شأن كبير... لقد كانت موانئ الهند الغربية تتاجر عبر البحر المتوسط -منذ أيام الرومان- وفي القرن السادس عشر بدأت أولى اتصالاتها المنتظمة بالطرف الأطلسي من أوروبا أيضاً، وكان البرتغاليون أيضاً أول الأوروبيين الذين وصلوا إلى الهند، وقد ظهروا على ساحل ملابار قبل عام 1500 بقليل، ثم انتقلوا ببطء حول خليج البنغال في النصف الثاني من القرن السادس عشر، وأسسوا لهم هناك محطات للمتاجرة. وقد دعا أكبر بعضهم لإرسال بعثات من علماء دينهم إلى بلاطه كي يتجادلوا مع علماء الدين المسلمين، ووصل ثلاثة منهم بالفعل في عام 1580. وفي يوم 31 كانون أول (ديسمبر) من عام 1600، أي في آخر يوم من القرن السادس عشر، أسس بعض رعايا الملكة إليزابيث الأولى أول شركة إنكليزية للهند الشرقية في لندن، وقد مرت ثلاث سنوات أخرى قبل أن يصل أول المبشرين الإنكليز إلى بلاد أكبر. ولم تكن حقبة البريطانيين قد أتت بعد، إلا أن هذه الحدث كان معلماً هاماً في تاريخ الهند وتاريخ إنكلترا معاً، منذ ذلك الحين، سوف يفد الأوروبيون إلى شبه القارة بأعداد متزايدة، ولن تقدر على تجاهلهم بعد ذلك أبداً.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:41 AM
الصين الإمبراطورية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الصين الإمبراطورية

كانت توجد وراء حدود الإمبراطورية الرومانية بلاد كثيرة غريبة لا يعلم الرومان عنها الشيء الكثير، إلا أن أكثر تلك البلاد غموضاً إنما هي الصين، فالرومان لم يتصلوا بها إلا اتصالاً واهياً وغير مباشر عن طريق التجارة، ومنها كان يأتي الحرير لهذا كان الرومان يسمونها serica أي ذات الحرير. إن عزلة الصين الطويلة قد أمنت لثقافتها قروناً طويلة من المناعة، ورغم أن علاقاتها بشعوب آسيا الوسطى كانت وثيقة ومعقدة فإنها منذ توحدت لم يعد لديها على حدودها دول كبرى يتوجب عليها إقامة علاقات معها. وقد ازدادت عزلتها مع تحول مركز ثقل الحضارة الأوروبية إلى الغرب والشمال، وظهور حاجز بينهما مكون من الدول الوريثة للتركة الهلنستية، أي بيزنطة وفارس الساسانية ثم الإسلام.
ولهذه الأسباب بقيت الصين بعيدة، فلم تصل إليها التيارات التي كانت تغير الأجزاء الأخرى من البر الأوروبي الآسيوي، بل ظلت بمنأى عن الاضطرابات التي حلت بغيرها من الحضارات الكبرى. وحتى عندما أتى الإسلام كان تأثيره فيها أقل من غيرها. وكانت الصين تتمتع أيضاً بقدرة عظيمة على امتصاص التأثيرات الأجنبية التي تفد إليها، وتعتمد قدرة التمثل هذه على ثقافة نخبة إدارية استمرت قروناً طويلة بالرغم من تبدل السلالات والإمبراطوريات، وهي التي وضعت الصين على مسارها الثابت. كانت هذه الإدارة تحتفظ بسجلات مكتوبة منذ أبكر الأزمان، وقد زودتنا سجلاتها بوثائق لا مثيل لها وغنية بالحقائق الموثوقة، ولو أنها من اختيار أقلية صغيرة تعكس اهتماماتها، ولهذا فنحن ندين بقسط كبير من معرفتنا بالصين إلى كتبتها. ويشدد التاريخ الذي سجله أولئك الكتبة على الاستمرارية والسلاسة في مرور الأحداث، وهو أمر طبيعي في بلد هائل المساحة لأن إدارته لا يمكن أن تنجح إلا إذا تحقق لها التجانس والانتظام. إلا أن هذه السجلات تغفل أشياء كثيرة، فحتى في الأزمنة التاريخية يصعب علينا أن نعرف كيف كانت الأكثرية العظمى من أهل الصين تعيش حياتها وماذا كانت همومها الحقيقية.
ومن الأسهل قليلاً أن نتحدث عن تاريخ هذه الدولة. يتكون العمود الفقري لتاريخ الصين بعد نهاية مرحلة الدول المتحاربة من صعود السلالات المختلفة وهبوطها، ويمكننا أن نجد تواريخ محددة لهذه السلالات، إلا أن استخدام تلك التواريخ قد يكون مضللاً لأن الأمور لا تنقلب فجأة بين عام وآخر، بل قد تحتاج السلالة عقوداً عديدة لكي تبسط سلطتها الفعلية على الإمبراطورية كلها، وقد يستغرق فقدانها لسلطتها زماناً أطول، والحقيقة أنه لابد من تجاوز الحدود بين السلالات عند الحديث عن تطور الأحداث. لقد أبقينا هذا التحفظ في بالنا يبقى الحديث عن تاريخ الصين بحسب سلالاتها طريقة مفيدة تمكننا من تقسيمه إلى عدد من المراحل الكبرى التي تمتد حتى القرن العشرين، إن أولى المراحل التي يهمنا أمرها هما مرحلتا التسين والهان

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:43 AM
التسين

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

التسين


لقد أتت سلالة التسين من دولة في الغرب ظل بعض الصينيين يعتبرونها بربرية حتى القرن الرابع ق.م، وتذكرنا قصتهم هذه بقصة صعود مقدونيا في العالم الإغريقي، لاسيما أنهما قد حدثتا في زمنين متقاربين. وقد ازدهرت سلالة التسين، وربما ساهم في هذا الازدهار عملية إصلاح جذرية للقانون قام بها وزير من وزرائهم في حوالي عام 350 ق.م، وربما كان من أسباب نجاحهم أيضاً أنهم استخدموا سلاحاً جديداً هو السيف الحديدي الطويل. وقد احتلوا مقاطعة تسيشوان ثم صاروا مملكة في عام 325 ق.م، وكانت ذروة نجاحاتهم انتصارهم على آخر خصم لهم في عام 221 ق.م، وتوحيد الصين للمرة الأولى في إمبراطورية واحدة تحت حكم سلالتهم التي سميت البلاد على اسمها. لقد كان هذا الإنجاز إنجازاً عظيماً، ويمكننا أن نعتبر الصين منذ ذلك الحين مركزاً لحضارة واحدة واعية لهويتها المميزة. وكان هناك قبل ذلك علامات تدل على أن الأمور سوف تتطور في هذا الاتجاه، فالحقيقة أن بعض أجزاء الصين كانت عند نهاية مرحلة الدول المتحاربة تتشابه فيما بينها بصورة واضحة تعادل الفروق التي بينها، وعندما جاءت سلالة التسين وحققت للبلاد وحدتها السياسية من خلال قرن كامل من الفتوحات، كانت تلك نتيجة طبيعية للاندماج الثقافي الذي كان جارياً. بل إن بعض الناس يقولون بإمكانية الشعور بوجود القومية الصينية قبل عام 221 ق.م فإذا كان هذا صحيحاً فلا ريب أنه قد سهل امتداد الفتوحات، إلا أن سلالة التسين قد أطيح بها بعد أقل من عشرين سنة وحلت محلها سلالة جديدة.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:47 AM
الهان

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الهان

قبل أن نتحدث عن حكومات الصين في تلك الأزمنة الباكرة، يجب ألا يغيب عن بالنا أن حدودها تبقى تخمينية وأن سلطتها الفعلية ربما كانت أضيق وأضعف مما توحي به المعلومات المتوفرة. ولكن الصين ظلت على كل حال أكثر من أربعمائة سنة أي من عام 206 ق.م إلى 220م، تحت حكم أباطرة من سلالتين تحملان الاسم نفسه، هما سلالتا الهان. لقد توقف حكم سلالة الهان السابقة لفترة قصيرة من 9-23 م ولم تحل سلالة الهان اللاحقة محلها فوراً، ولكن يمكننا مع هذا اعتبار هاتين الحقبتين كياناً واحداً ، ولو أن بعض الأباطرة كانوا أكثر نشاطاً وفعالية من بعضهم الآخر. إن رسم حدود إمبراطورية الهان على الخريطة هو أمر تخميني جداً، ومن المؤكد أنهم لم يحققوا سيطرتهم على المنطقة كلها بل إنها كانت أضعف حتى من سلطة الرومان على إمبراطوريتهم في ذلك الحين. كما أن الحضارة الصينية لم تتخلل أرض الصين الحالية مثلما تخللت الحضارة الهلنستية أوروبا الغربية والمتوسط والشرق الأدنى، فلم يتم توحيد الكتابة الصينية حتى عهد التسين أي مباشرة قبل أزمنة الهان، وكان القسم الأكبر من المنطقة الخاضعة سياسياً للهان يعيش فيه مجتمع قبلي لم ”يتصيّن”، أي يكتسب نمط الحياة الصيني، إلا عدد قليل من زعمائه خاصة في الجنوب، ولم تكن هناك بعد روابط قوية على مستوى الحياة اليومية يمكنها أن تساهم في تعزيز النظام وتوطيده.


http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp6-4.jpg


إمبراطورية الهان


إلا أن أباطرة الهان قد تمكنوا من بسط ادعاءات الصين بالسيطرة السياسية على رقعة أوسع من أي سلالة قبلهم، وكانت إمبراطوريتهم في أكبر امتداد لها تعادل حجم الإمبراطورية الرومانية أقل من الناحية النظرية. وقد تميز الإمبراطور وو تي الإمبراطور العسكري الذي حكم بين 141-87 ق.م بكثرة ضمه للأراضي، فعلى عهده ضمت إلى الإمبراطورية مساحة كبيرة من آسيا الوسطى هي حوض نهر تاريم فضلاً عن جنوب منشوري، الواقعة شمالي السور العظيم، وقسم كبير من جنوب شرق ساحل الصين. لقد أخضعت أيضاً الشعوب التايلندية المقيمة في وادي نهر الميكونغ، كما قبلت أنام في فييتنام بسيادة الهان. وفي مرحلة لاحقة تم طرد شعوب مغولية تسمى الهسيونغ نو من شمال صحراء غوبي، فكانت تلك بداية مسير طويل لهم جعل منهم قوة لها وزنها في تاريخ العالم، وقد عرفوا باسم الهون.

لقد زاد هذا التوسع اتصالات الصين بالأجزاء الأخرى من العالم، ولكن اتصالها بمنطقة البحر المتوسط بقي اتصالاً غير مباشر، لأن أكثر تجارة الصين كانت عن طريق البر، وكانت أكثر بضائعها رواجاً هي الحرير، الذي كان تحمله القوافل إلى الغرب منذ حوالي عام 100 ق.م، على طول الطريق المسمى طريق الحرير عبر آسيا الوسطى. وربما كانت الاتصالات الجديدة بالخيالة البدو المقيمين في الصحارى هي سبب ظهور الأحصنة البرونزية الجميلة التي ابتدأ سبكها منذ أزمنة الهان.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:52 AM
الديانة في الصين

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الديانة في الصين


وبالرغم من توسع اتصالات الصين على هذه الصورة فقد بقيت معزولة عن التأثيرات الخارجية، فلا تجد فيها ما يشبه مثلاً تأثير اليهودية والمسيحية على الحضارة الإغريقية الرومانية، صحيح أن الإسلام تغلغل في تركستان وفي زوايا الإمبراطورية وازدهر فيها إلا أنه لم يصل إلى داخلها. وربما كان التحدي الوحيد لتقاليدها هو الديانة البوذية، التي وصلت إليها على ما يبدو خلال القرن الأول الميلادي عبر الطرق التجارية الآتية من آسيا الوسطى، ولعلها أهم ثقافة استوردتها الصين قبل القرن التاسع عشر. كانت البوذية في جوهرها أقرب ديانة إلى الصين من أي ديانة أخرى قبل المسيحية، لأنها تشدد على الابتعاد عن هذا العالم وليس على أداء الإنسان لواجباته نحو مجتمعه، وربما كان الذين دفعوها إلى الصين هم شعب الكوشانا، لأنهم نشروها في آسيا الوسطى ومن هناك انتقلت إلى شمال الصين خاصة في شكل بوذية مهايانا. ويظهر بوذا هنا بصورة المخلص الذي يستطيع المؤمن أن يتطلع إلى عونه ومساعدته، ولاريب أن هذه الصورة كانت مريحة ومطمئنة في أزمنة الاضطراب والتفكك الاجتماعي. والحقيقة أن في البوذية ما يناسب جميع الناس على اختلافهم، ففيها الخرافة للبسطاء وفيها الأفكار الفلسفية التي تحفز أذهان المثقفين، فضلاً عن أنها تتمتع بأسلوب فني جذاب وجميل.

وانتشرت البوذية رويداً رويداً من قمة المجتمع إلى قاعدته، وراح الطلاب والرهبان يتنقلون بين الصين والهند بحثاً عن تعاليمها، وقد بلغت أعظم انتصارات لها بين القرنين السادس والتاسع، ولكنها كانت في الوقت نفسه تمر بتحولات وتغيرات كثيرة، وقد تطورت في بعض الأحيان إلى شيء مختلف تماما ً عن تعاليم غوتاما الأصلية (أي بوذا). لقد صارت البوذية في كل مكان مزيجاً من المعتقدات المتضاربة والمتناقضة، إلا أنها مرت في الصين بتطورات خاصة، وظهرت فيها طوائف جديدة إحداها حركة التأمل التي عرفت لاحقاً باسمها الياباني زن، وكانت العزوبية عقيدة أساسية في التعاليم البوذية الكلاسيكية، ولكن الصينيين كانوا ينفرون من هذه الفكرة لأن استمرار العائلة وعبادة الأجداد كانا يحظيان بمكانة كبيرة لديهم، وهذا ما دفع بعض رجال الدين البوذيين في الصين إلى التخلي عن مبدأ العزوبية.

لقد ساهمت الدولة في تنظيم شؤون البوذية، فحددت عدد الرهبان والأديرة من أجل منع ثرواتهم من الهروب من نظام الضرائب، ولكن هذا الأمر كان صعب التحقيق. وقد حدثت من وقت لآخر موجات اضطهاد كانت أسوأها في القرن التاسع، وقد منعت خلالها جميع الديانات الأجنبية وتقول المصادر الرسمية أن أكثر من 4600 دير قد دمر وأكثر من ربع مليون راهب وراهبة بوذيين قد خسروا ميزة إعفائهم من الضرائب، بينما كانت الكونفوشية تعيد إحكام قبضتها على المثقفين. وكانت تلك بداية انحسار البوذية في الصين، ولم تبلغ من بعدها مثل تلك القوة قط، والحقيقة أن البوذية لم تبدل الحضارة الصينية، بل أمدتها ببعض العناصر الجديدة وحسب.

لم تؤثر البوذية إذاً على المعتقدات الدينية التي كان أكثر أهل الصين يعيشون بحسبها، كما أن الديانة التقليدية لم تقف منها ولا من غيرها من العقائد موقفاً متشدداً، ولم تكن الدولة تقدم على الاضطهاد إلا عندما يشكل دين جديد خطراً على البنية السياسية أو الاجتماعية. أما الواجبات التي تفرضها التقاليد الصينية فهي تنحصر بأن يقوم الأشخاص المناسبون بأداء طقوس القرابين وبعادة توقير الأجداد، وقد ثبتت الكونفوشية هذه النزعة المتساهلة، وكان مثقفو الصين على درجة عالية من التسامح وأعجب الأوروبيون بهذا الأمر إعجاباً كبيراً، كما أصدر أحد الأباطرة في زمن لاحق على عهد التانغ مرسوماً يسمح بالتبشير بالمسيحية التي وصلت إلى الصين عن طريق المبشرين النساطرة ، وقد يتوقع المرء من هذا أن تزدهر في الصين الأفكار الجديدة الوافدة من الخارج، ولكن الحقيقة أنها لم تزدهر. صحيح أن انهيار المجتمع التقليدي واضطرابه خلال أفول سلالة الهان وما بعده قد دفع الناس إلى البحث عن عقائد ومعتقدات جديدة، مثل ما حدث أثناء انهيار الإمبراطورية الرومانية إلا أن المستفيد من هذا التدهور إنما كان العقائد الشعبية والديانة الطاوية، التي تطورت فصارت مزيجاً من علاج الأمراض عن طريق الإيمان ومن الخرافة والأفكار البوذية.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:54 AM
الحضارة الصينية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الحضارة الصينية

بالرغم من تلك التأثيرات الأجنبية إذاً، كان المثقفون الصينيون في أزمنة الهان يعتبرون بلدهم مركز العالم ومقر الحضارة الحقة، ولاريب أن هذه الثقة بحضارتهم هي من أسباب لامبالاتهم بما كان يجري في البلاد الأخرى، إلا أن هناك أسباباً غير هذه، منها بُعد أرض الصين عن الحضارات الأخرى، الذي كان دوماً عاملاً هاماً أمن للصين الحماية من تخريب القوى الخارجية، ولكنه في الوقت نفسه جعل تجاربها الثقافية ضيقة ومحدودة وحكامها قليلي الاهتمام بالعالم الخارجي. كما أن الصين كانت مكتفية بذاتها من الناحيتين الاقتصادية والتقنية، فهي غنية بالموارد الطبيعية كما كانت زراعتها وتقنيتها في عصر الهان قادرتين على استغلال بيئتها استغلالاً ناجحاً، والحقيقة أنه لم يكن هناك في العلام بلد أكثر منها تطوراً. إن آخر الأشياء الجديدة التي أتتها من الخارج قبل الأزمنة الحديثة إنما هو نبات الأرز، وقد دخلها في عصور قديمة جداً إما من جنوب شرقي آسيا أو من الهند.
وأتت حقبة الهان بمزيد من التطورات والابتكارات، فقد صنع علماء الهان أول بوصلة مغناطيسية وكان لها قرص مدرج وإبرة ولكنها لم تكن تستخدم للإبحار بل لتوجيه المعابد توجيهاً صحيحاً عند بناءها. كما ابتكروا أول طريقة لرسم الخرائط على أساس شبكة من الخطوط المتقاطعة، واخترعوا آلات لتسجيل الزلازل وأدوات للحرفيين لقياس سماكة الأشياء ذات تدريجات عشرية. إلا أنك عندما تستعرض اليوم ابتكارات تلك المرحلة فإن أكثر ما يبهرك بينها هو اكتشاف الصينيين لطريقة صنع الورق، التي أعلن عنها في ورشات الإمبراطور في عام 105 للميلاد وسوف تكون أهمية هذا الاختراع عظيمة جداً للجنس البشري بأكمله، ولو أن طريقة صنعه لم تصل إلى الغرب إلا بعد قرون عديدة. لقد كان الورق أرخص من ورق البردي والرق، ولو أنه أسرع بلاء من الأخير كما أنه أسهل صنعاً.
وقد تحسن النقل أيضاً خلال أزمنة الهان وتحسنت معه المواصلات، فظهرت في القرن الأول ق.م الدفة المثبتة بمؤخرة السفينة لتوجيهها بدلاً من المجداف الكبير المتدلي من أحد طرفيها، ولم تعرف السفن الأوربية هذه الدفعة إلا بعد حوالي اثني عشر قرناً، وعلى عهد سلالة الهان السابقة ظهرت أيضاً عدة الحصان التي تغطي صدره، فصار بالإمكان جر أحمال أثقل بكثير من السابق. وبعد نهاية السلالة بقليل سوف يبدأ الصينيون باستعمال الركاب، وهو اختراع ذو أهمية كبيرة في الحرب لأنه يعطي الفارس مقداراً أكبر من الأمان والسيطرة على فرسه، أما النشابية، وهي قوس مثبتة على هيكل خشبي ذي أخاديد تستخدم لتوجيه السهام، فقد اخترعت على عهد الهان، وكانت انجازاً تقنياً هاماً جداً لأنها أقوى من أقواس البرابرة وأكثر دقة منها، وكان البرابرة عاجزين عن تقليدها إذ لم يكن أحد غير الصينيين يعرف طريق صنع الأقفال البرونزية اللازمة لها.
إن هذه الاختراعات كلها شواهد على غنى حضارة الهان، وقد كانت تلك بداية حقبة مجيدة، لأن علوم الصينيين ورياضياتهم سوف تنتج خلال الألف سنة التالية فيضاً من الأفكار الجديدة هو أغزر بكثير مما ظهر في أوروبا. ويبدو أن حياة الحكام والأغنياء في الصين على عهد الهان كانت حياة رائعة، وأنها عرفت الكثير من الأشياء المبتكرة الجميلة والمصنوعة من الحرير والخشب الملون، ولو أن أكثرها قد هلكت. وعندما ابتدأ إحراق القصور خلال العقود المضطربة الأخيرة من عمر السلالة ضاعت مجموعات فنية لاتقدر بثمن. ولكن بالرغم من هذا بقي مقدار كبير من المصنوعات الجميلة لأن الهان كانوا يدفنون الأغنياء والنبلاء مع الكثير من مقتنياتهم أو مع نماذج لها، وقد تم مؤخراً اكتشاف هام لبدلات متقنة الصنع من حجر اليشب دفن فيها أميرة وأمير من سلالة الهان. وتجد على عهد سلالة الهان اللاحقة أن المصنوعات البرونزية، وبالأخص تماثيل الأحصنة، تدل على تطور جديد في فن سبك البرونز، وهو واحد من أقدم الفنون في الصين، كما كان الخزافون يبتكرون أصنافاً جديدة من الميناء الملونة لأعمالهم الخزفية البديعة.
يدل الفن في عهد الهان إذاً على أن الحضارة الصينية كانت تنظر إلى الماضي وليس إلى المستقبل، وإن هذه الحقيقة لتصح على حياة الفكر أيضاً، فعلى عهد الهان ابتدأ العلماء بتدوين تواريخ السلالات، عندما وضع سو ما تشين أعظم مؤرخي الصين كتابه ”سجلات تاريخية”، وهو عمل يقدره المختصون بهذه الأمور تقديراً عالياً. إلا أن أهم التطورات التي حصلت في أزمنة الهان إنما هو ترسيخ العقيدة الكونفوشية كإيديولوجية رسمية للدولة، وكان هذا انتصاراً لتعاليم ذلك الرجل الحكيم أو ما اعتبر تعاليمه، لقد أراد العلماء أن يصلحوا الأضرار الجسيمة التي حلت بالصين ومكتباتها منذ عهد التسين، إذ كانوا قد تعرضوا لأزمة بشعة وإهانة عميقة في عام 213 ق.م عندما انقلب الإمبراطور على منتقدي نظامه العسكري الاستبدادي، فأحرق الكتب جميعها ولم يبق إلا على الأعمال المفيدة في العرافة (التنبؤ بالغيب) والطب والزراعة والكتب التي تمجد السلالة، وقد هلك أكثر من أربعمائة عالم في ذلك الاضطهاد. أما الآن فقد أعاد الهان اكتشاف النصوص الكونفوشية التي ضاعت على عهد التسين. كان أباطرة الهان راغبين بمصالحة المثقفين إذاً، ولو أن جوهر هذا التحول ليس واضحاً، فأعادوا منصب الأستذة في الدراسات الكونفوشية، وأمروا بتقديم القرابين بانتظام لكونفوشيوس في كافة المدارس الحكومية، وبدؤوا يتقبلون المتقدمين للخدمة المدنية على أساس الامتحان في الأعمال الكونفوشية الكلاسيكية. وقد أدت هذه الأمور كلها إلى تحويل العقيدة الكونفوشية إلى عقيدة رسمية ذات عمر مديد، وضعت نصوصها الأساسية بعد عام 200ق.م بقليل، وظلت من بعدها تتمثل العناصر الفكرية من مدارس أخرى، ولكن مبادئها الأخلاقية بقيت منذ ذلك الحين هي المسيطرة في الفلسفة التي سوف تشكل حكام الصين في المستقبل. وفي عام 58 م أمر بتقديم القرابين لكونفوشيوس في كافة المدارس الحكومية، وأخيراً باتت المناصب الرسمية على عهد التانغ محصورة بالذين تدربوا على تعاليمه، وقد مدت الكونفوشية حكام الصين طوال أكثر من ألف سنة بمجموعة من المبادئ الأخلاقية وبثقافة أدبية تكتسب بالاستظهار العنيد، فنشأت بهذا طبقة إدارية هي من أكثر الإدارات التي عرفها العالم حتى اليوم فعالية وتجانساً إيديولجياً.
إلا أن تأييد العلماء لم يكن كافياً لضمان استمرار سلالة الهان، لأنها واجهت تحديات داخلية وخارجية شديدة، كان أخطرها ثورات الفلاحين المتتالية، إذ تزايد عدد السكان فصار الكثيرون من الفلاحين بلا أرض وغير قادرين على إيجاد المال اللازم لدفع الضرائب وتأمين الطعام، وفي الوقت نفسه عاد البرابرة يهاجمون البلاد من الخارج، وراح القادة المهيمنين على الجيش يغتصبون السلطة في الأراضي التي يسيطرون عليها. أما البرابرة الذين سمح لهم بدخول الحدود على أمل تعليمهم أساليب الحياة الصينية فقد انقلبوا على الذين أدخلوهم أصلاً، وفي عام 221 م تخلى آخر أباطرة الهان عن عرشه لابن أكبر القادة العسكريين، فعادت الصين لتتفكك من جديد.
لقد ضاع الكثير من تراث ثقافة الهان البديعة وخرب خلال القرنين الرابع والخامس عندما عاد البرابرة لمضايقة الحدود، وتفككت الصين مرة ثانية إلى مجموعة من الممالك كان بعضها تحت حكم سلالات بربرية، ولكن قدرة الصين العجيبة على امتصاص الثقافات الأجنبية تظهر بوضوح حتى خلال هذه الأزمة الكبيرة.
واجتذبت أساليب الحياة في الصين البرابرة رويداً رويداً، فخسروا هويتهم واتخذوا لباس الصينيين ولغتهم، وأصبحوا شعباً جديداً من شعوب هذا البلد، والحقيقة أن مكانة الحضارة الصينية بين شعوب آسيا الوسطى كانت عظيمة، وكان جيرانها غير المتحضرين يميلون إلى اعتبارها مركز العالم وقمة الثقافة، مثلما كانت الشعوب الجرمانية في الغرب تنظر إلى روما، بل إن أحد حكام التتر قد فرض عادات الصين ولباسها على شعبه فرضاً بمرسوم أصدره في عام 500م. إلا أن خطر آسيا الوسطى ظل قائماً وراء الحدود، كما ظهرت في القرن الخامس أول إمبراطورية مغولية في منغوليا. ولكن وحدة الصين لم تكن في خطر كبير عندما استلمت سلالة التانغ الشمالية التفويض السماوي في عام 618، ولم يكن الانقسام والغزوات البربرية قد خربت أسس حضارتها التي دخلت عصرها الكلاسيكي.
كانت ثقافة الصين في عهد التانغ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمؤسساتها، وكان الصينيون يعتبرون أن العائلة والدولة هما المصدران الوحيدان للسلطة، ولم تتعرض هاتان المؤسستان لتحد يذكر لأن الصين لم تعرف كيانات مثل الكنيسة أو النقابات التي ظهرت في أوروبا حيث أثارت الأسئلة حول مواضيع الحق والحكم وأعطت ثمارها الغنية. لقد كانت الملامح الأساسية للدولة الصينية قائمة منذ عهد التانغ، وسوف تستمر حتى القرن العشرين وتستمر معها نظرتها ومواقفها المميزة لها، وكان لجهود الهان الكبيرة في تماسك الدولة وتدعيمها دور كبير في صنع تلك المواقف، أما منصب الإمبراطور كحامل للتفويض السماوي فقد كان راسخاً منذ أيام التسين، والحقيقة أن مكانته لم تتزعزع رغم تبدل السلالات، لأن تلك التبدلات كانت تفسر دوماً بانتقال التفويض السماوي إلى أيدٍ جديدة ، بل إن السلطة الكامنة في مكانة الإمبراطور كانت تنمو بصورة مستمرة. فبعد أن كان في البدء زعيماً إقطاعياً كبيراً سلطته امتداد لسلطة العائلة أو العزبة تطور رويداً رويداً حتى صار حاكماً يرأس دولة مركزية ذات طبقة إدارية كبيرة، وكان هذا التطور قد ابتدأ منذ زمن بعيد، فلو لم تكن الدولة قوية لما تمكنت من تنظيم تلك الأعداد الكبيرة من البشر على عهد أول أباطرة التسين من أجل ربط أجزاء السور العظيم وبناء حاجز متصل منها ضد البرابرة يربو طوله على 2000 كم، وتقول الأسطورة إن هذا الإنجاز قد كلف حياة مليون شخص، وقد تمكن أباطرة الهان من فرض احتكارهم لسك النقود ووحدوا العملة، وعلى عهدهم تم تأسيس الخدمة المدنية أيضاً.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 12:56 AM
البيروقراطية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

البيروقراطية

كان توسع الأراضي قد اقتضى توسيع الإدارة أيضاً، وقد استمرت تلك الإدارة الموسعة رغم مرور البلاد بفترات كثيرة من التفكك، وهذا دليل على قوتها، وبقيت حتى النهاية واحدة من أبرز مؤسسات إمبراطورية الصين وأصدقها تعبيراً عنها. وعندما انهارت سلالات الصين وحلت محلها دويلات صغيرة متنافسة خسرت البلاد الوحدة التي كانت قد حققتها، وكانت لطبقتها الإدارية الكفء الفضل في انتشالها من حقبة التراجع تلك وإعادتها إلى سبيل النهوض والتقدم، وقد ضمن هذا الجهاز أُصُر البلاد عن طريق الإيديولوجية فضلاً عن الإدارة، لأن موظفيه كانوا يدربون على الأعمال الكونفوشية الكلاسيكية ويمتحنون فيها، فضمنوا بذلك اقتران الثقافتين الأدبية والسياسية في الصين بصورة لا مثيل لها في أي بلد آخر.

إن الشيء الوحيد الذي كان يميز أفراد هذه الطبقة الإدارية عن سائر أفراد المجتمع من حيث المبدأ إنما هو تعليمهم، وهو أشبه بحيازة شهادة جامعية في أيامنا، وكان أكثرهم يأتون بالأصل من طبقة النبلاء أصحاب الأراضي، ولكنهم ينفصلون عن هذه الطبقة، ومتى انتخبوا لمنصبهم عن طريق الامتحان صاروا يتمتعون بمكانة لا تعلو عليها إلا مكانة عائلة الإمبراطور، فضلاً عن المزايا المادية والاجتماعية الكثيرة. وكان يتوجب عليهم القيام بمهمتين أساسيتين كل سنة، هما جمع بيانات عدد السكان وسجلات الأراضي التي يعتمد عليها نظام جبي الضرائب في الصين، أما مهامهم الأخرى فهي قانونية وذات طبيعة رقابية، إذ كانت الشؤون المحلية تترك بيد نبلاء المقاطعة تحت إشراف حوالي ألفي حاكم مقاطعة من الطبقة الإدارية. وكان كل حاكم يعيش في مجمع رسمي هو السراي، مع موظفيه وسعاته وخدمه وخدم بيته من حوله، وكانوا يخضعون لجهاز دولة يقوم بمراقبتهم وتوجيههم ورفع التقارير عن أعمالهم، وقد حكمت هذه الإدارة عندما كانت في أقصى اتساع لها منطقة أكبر بكثير من الإمبراطورية الرومانية.

كانت هذه البنية تتمتع بقوة محافظة عظيمة، وقد ضمن نظام الامتحانات أن تنفذ سلطة الحكومة بحسب مبادئ مثالية متفق عليها، وكان من الصعب جداً على رجل لا يمتلك بعض الثروة أن يقوم بأود نفسه خلال الدراسات الطويلة اللازمة لتحضير الامتحان، إذ إن الكتابة بالأشكال التقليدية وحدها تحتاج إلى سنوات طويلة لإتقانها، ورغم هذا فإن مبدأ التنافس قد ضمن ألا تبقى المواهب محصورة تماماً بعائلات النبلاء الغنية والقديمة، لذلك كان الطبقة الحاكمة في الصين تستمد أفرادها من ذوي الجدارة ولو بصورة محدودة. وكانت تحدث حالات من الفساد وشراء المناصب من وقت لآخر، ولكن علامات التراجع هذه لاتظهر في السجلات عادة إلا في المراحل الأخيرة من حكم السلالة، وكان إداريو الإمبراطورية في أكثر الحالات يبدون استقلالاً واضحاً عن خلفيتهم، وكانوا نظرياً رجال الإمبراطور، ولم يكن يسمح لهم بأن يمتلكوا أراض في المقاطعة التي يخدمون فيها، أو يخدموا في مقاطعتهم، أو يكون لهم أقرباء في نفس الفرع من الحكومة. ولم يكونوا يمثلون طبقة ما، بل كانوا نخبة منها تجند بصورة مستقلة وتتجدد وتترقى عن طريق المنافسة، وهم الذين جعلوا الدولة حقيقة واقعية، وكان بعضهم يرتقون هذا التسلسل الهرمي حتى أعلى مستوياته فيصبحون مستشارين للإمبراطور، ولم يكن ينافسهم في الأهمية إلا الخصيان الذين يعملون في البلاط. فكثيراً ما كان الإمبراطور يؤمنون لهؤلاء على سلطات كبيرة لأنهم غير قادرين على تأسيس عائلات، وكانوا هؤلاء هم القوة السياسية الوحيدة الناجية من قيود العالم الرسمي.

ولم يكن هناك في الصين ثمة تمييز بين الحكومة والمجتمع كما في أوروبا، بل كان الرجل الواحد يجمع أدواراً عديدة مثل الإداري والعالم والنبيل، بينما كانت هذه الأدوار في أوروبا تتوزع على أفراد مختصين في الحكومة وفي سلطات المجتمع غير الرسمية. وفضلاً عن ذلك كان جمع الأدوار في الصين يتم ضمن إطار من الإيديولوجية هي من المجتمع بمنزلة القلب من الجسد، ولا تكاد تجد مثل هذا الترتيب إلا في الإسلام. ولم يكن الحفاظ على القيم الكونفوشية بالأمر اليسير، لأنه لا يلبى بالكلام وحده، لقد حافظت الإدارة على تلك القيم عن طريق ممارستها سيطرة أدبية تشبه السيطرة المديدة التي كانت لرجال الدين في الغرب، ولم يكن في الصين كنيسة تنافس الدولة، وكانت مبادئها محافظة إلى أبعد الحدود، ومهمتها الملحة هي الحفاظ على النظام القائم وعلى تماسك المجتمع، وقد تقوم ببعض الأشغال العامة الكبرى بين الحين والآخر، وأما معاييرها السائدة فهي الانتظام وترسيخ المبادئ ذاتها في كافة أنحاء تلك الإمبراطورية الهائلة والمتنوعة، والتي يتميز فيها حكام المقاطعات عن الشعب الذي تحت رعايتهم من كل ناحية حتى من ناحية اللغة، والحقيقة أنها قد نجحت في بلوغ هذه الأهداف نجاحاً باهراً.

كانت كل سلالة تمر بدورة الصعود حتى الأفول، وتبدأ فترة التراجع عادة بعجز السلالة عن حماية حدودها من الغزوات البربرية الجديدة الآتية من الخارج، وبالضيق والمجاعة وثورات الفلاحين في الداخل، فتؤدي هذه كلها إلى تعطل نظام جبي الضرائب وتداعي القانون والأمن أيضاً، فيظهر عندئذٍ قادة عسكريون محليون يديرون ممالك صغيرة على حسابهم. ولكن هذه الفترات من الفوضى لم تعد بعد القرن العاشر تخرج عن السيطرة إلى حد يجعل الناس يشكون بالمبدأ الأساسي، وهو أن الصين يجب أن يحكمها الإمبراطور كبلد واحدة، صحيح أن الصين في أواخر عهد السونغ انقسمت إلى دولة شمالية يحكمها البرابرة ودولة جنوبية يحكمها الصينيون، ولكنها لم تتفكك قط إلى وحدات صغيرة حتى القرن العشرين.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:03 AM
الاستمرارية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الاستمرارية

لذلك فإن السجلات التاريخية أقل تفككاً وتشويشاً مما قد نخالها للوهلة الأولى، والحقيقة أن أشياء كثيرة استمرت طوال ألف سنة من دون انقطاع يذكر، بالرغم من مرور فترات من الهيجان والغزو بين وقت وآخر، ومع أن الحكام والسلالات كانوا يتبدلون، فقد بقيت للعرش الإمبراطوري مهابته، ولو أن انتداب السماء كان يسحب من الرجل أو السلالة التي تحمله في مرحلة ما. وبقيت مكانة الخدمة المدنية بالأخص رفيعة لايرقى إليها الشك، ولما كان أفرادها يختارون دوماً بناء على جدارتهم وموهبتهم فلم يكن لها من نظير في العالم كله من حيث فعاليتها وبراعتها. لقد أعاد أباطرة السوي والتانغ امتحانات الدخول التي استهلها الهان، ومن خلال تلك الامتحانات ضمنت الإدارة لنفسها قالباً فكرياً محافظاًَ جداً، ومن أن هذا الأمر قد شكل عقبة كبيرة على المدى البعيد، فقد أعطى المثقفين في الصين نظرة للعالم استمرت بلا تغيير حتى قرن مضى، ويدل هذا على أنها ظلت قادرة على تلبية حاجات الصين لزمن طويل.
لقد عمق نظام الامتحان الهوة بين النخبة الحاكمة المتعلمة والجماهير غير المتعلمة، ومع تقدم الإمبراطورية بالعمر على مدى القرون الطويلة طرأت على بنيتها الاجتماعية تغيرات عديدة، فكان هناك بالإجمال تراجع مستمر في أهمية الأرستقراطية ولكن ليس في ثروتها، وصارت مضطرة للتنازل عن سلطاتها السياسية والإدارية للموظفين المدنيين المحترفين. كما كانت هناك أعداد متزايدة من التجار لابد من أخذهم بالحسبان مع تطور التجارة وتوسع المدن وازدياد عدد سكانها، ثم إن بعض العقائد الجديدة المختلفة عن العقيدة الكونفوشية الرسمية للإداريين والنبلاء كانت تحظى بالأهمية بين حين وآخر، بل إن بعض كبار المجتمع أيضاً قد تحولوا إلى الطاوية والبوذية عندما انهارت سلالة الهان فسنحت الفرصة للأخيرة بالتغلغل في الصين. وكانت بوذية مهايانا أشد خطراً من أي قوة أيديولوجية قبل المسيحية، لأنها تدعو إلى نبذ القيم الدنيوية على العكس من الكونفوشية، وهي لم تستأصل على نحو كامل قط بالرغم من الاضطهاد الذي أصابها على عهد التانغ، وكانت هجماتهم عليها في الأرجح لأسباب مالية وليست إيديولوجية. ولكن الكونفوشية وجدت نفسها مضطرة للتصالح مع البوذية بعد الضرر المادي الكبير الذي ألحقته بها، ولا تجد في الحقيقة ديانة أجنبية غيرها كان لها مثل ذاك الأثر القوي في حكام الصين إلى أن جاءت الماركسية، حتى إن بعض الأباطرة كانوا بوذيين.
أما الفلاح فكانت حياته بعيدة جداً عن تأثير تلك الأفكار الدينية والفلسفية، كان يعيش حياته بين براثن الحروب والمجاعات، لذلك تراه يتحول إلى السحر والخرافة. وإن القدر الزهيد الذي نعرفه عن حياته ليشير إلى أنها كانت قاسية لاتحتمل بل رهيبة في بعض الأحيان.
وقد ظهرت ثورات الفلاحين أولاً على عهد الهان، ثم صارت حقيقة راسخة في تاريخ الصين تعود لتتكرر على نحو منتظم مثل تعاقب السلالات، وكان الإداريون يقمعون الفلاحين إما لحساب الحكومة الإمبراطورية التي تحاول جمع الضرائب لتمويل حملاتها في الخارج، أو لحساب مصالحهم الخاصة كمضاربين بالحبوب، ولهذا كان الفلاحون يلتجئون إلى الجمعيات السرية، وهي موضوع آخر يتكرر في الصين. وكانت ثوراتهم تأخذ عادة أشكالاً دينية، وتجد فيها جميعاً خطاً مستمراً يظهر بأشكال عديدة، ويرى العالم دوماً منقسماً إلى صنفين من الناس، صنف الأخيار وصنف الأشرار، صنف الصالحين وصنف الآثمين، ويؤمن مع ذلك بقدوم عصر من السعادة والعدل بعد هذا الصراع المديد، وكان هذا الخطر، يهدد بنية المجتمع أحياناً، ولكن نادراً ما كتب للفلاحين النجاح لزمان طويل.
كان التغير في مجتمع الصين يسير إذاً على نحو بطيء جداً، ورغم جميع الابتكارات الثقافية والإدارية لم تتبدل حياة الناس في أسلوبها أو مظهرها بصورة كبيرة على مدى القرون، وكان قدوم السلالات ورحيلها يعزى إلى مفهوم انتداب السماء، ورغم إنجازاتها الفكرية الكبيرة تبدو حضارة الصين في مراحلها الباكرة منطوية على ذاتها ومكتفية بذاتها ومستقرة إلى حد الجمود. إلا أن التغيرات كانت تحدث بالفعل، ولو ببطء شديد، من تلك التغيرات النمو المتزايد للتجارة والمدن، فقد صارت الدولة تستغني عن سخرة الفلاح وتلجأ بدلاً منها إلى فرض الضرائب على هذه الموارد التجارية الجديدة. كما أن السلالات المختلفة راحت توسع السور العظيم الذي ابتدأته سلالة الهان وتعيد أحياناً بناء أجزاء منه، وإنه مايزال حتى اليوم مشهداً عجيباً يذهل الناظرين، وهو أعظم بكثير من التحصينات الدفاعية التي بناها الرومان على حدودهم. وقبل بدء حقبة التانغ مباشرة اكتمل أيضاً بناء نظام كبير من الأقنية يربط وادي اليانغ تسي كيانغ بوادي النهر الأصفر في الشمال، وبمدينة هانغ تشو (خنسة) في الجنوب. وقد استخدم الملايين من العمال في هذا المشروع وغيره من مشاريع الري الكبرى، وهي أعمال تضاهي في ضخامتها أهرام مصر وكاتدرائيات أوروبا الكبرى التي شيدت في العصور الوسطى.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:04 AM
الصين الكلاسيكية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الصين الكلاسيكية

إلا أن هذا التمزق المتكرر لم يمنع حكام الصين وحكماءها وحرفييها من الوصول بحضارتهم إلى ذروتها خلال الألف سنة التي جاءت بعد استهلال عهد التانغ (618)م. ويعتبر البعض أن العصر الكلاسيكي للصين كان في القرنين السابع والثامن، أي على عهد التانغ أنفسهم، بينما يراه البعض الآخر في عهد سلالة السونغ التي أتت بعدهم. وتعكس حضارة التانغ تأثير اتصالات الصين بالعالم الخارجي، خاصة بآسيا الوسطى، وكانت العاصمة عندئذٍ في مدينة شانغ آن الواقعة على نهاية طريق الحرير في مقاطعة شنسي الغربية، ويعني اسم شانغ آن " السلام المديد"، وإليها كان يأتي الفرس والعرب وشعوب آسيا الوسطى، فجعلوها واحدة من أكثر المدن عالمية على الأرض. وكانت فيها كنائس نسطورية ومعابد زرادشتية ومساجد إسلامية، وتدل الأشياء الباقية منها على أنها ربما كانت أفخم وأروع عاصمة في أيامها، كما تبين مصنوعاتها تذوق الصينيين للأساليب الفنية الأجنبية، فقد كانوا يقلدون أشغال الفضة الإيرانية مثلاً، وتجد فيها أيضاً الكثير من التماثيل الفخارية للخيالة والجمال المحملة بالبضائع، وهي صورة حية لحياة آسيا الوسطى تدور في شوارع شانغ آن، التي كانت أشبه ما تكون بمستودع تجاري كبير. وكثيراً ما كانت تلك التماثيل تلون بطلاء الميناء المنوعة الجديدة التي ابتكرها خزافو التانغ والتي قلدها الحرفيون الآخرون حتى في اليابان وبلاد الرافدين. إن هذه الحرف اليدوية وتلك الحركة التجارية النشيطة قد شجعها وجود البلاط، وتكشف لك الرسوم التي وجدت في المدافن شيئاً من حياة أرستقراطية البلاط. فترى الرجال مسترخيين في الصيد يصحبهم خدامهم الآتين من آسيا الوسطى، بينما تظهر النساء بتعابير وجه خاوية وملابس فاخرة، وخادماتهن يحملن لهن المراوح وعلب التجميل وحكاكات الظهر وسواها من أدوات المخدع، وكانت السيدات الكبيرات في عصر التانغ يفضلن موضات آسيا الوسطى التي أخذتها من خادماتهن البيتيات.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp6-5.jpg

بلاد التانغ
إلا أن تاريخ المرأة في الصين يبقى أمراً غامضاً مثل نواح كثيرة في تاريخ هذا البلد الذي لاتكاد وثائقه تهتم إلا بالثقافة الرسمية، كان حياة النساء على الأرجح حياة شاقة، ولا تسمع عنهن الكثير حتى في الأدب ماعدا بعض القصائد وقصص الحب الحزينة. ويفترض أنهن يشكلن حوالي نصف عدد السكان، أو ربما أقل من النصف بقليل، لأن العائلات الفقيرة كانت تعرض طفلاتها للموت في الأزمنة العصيبة. وتدل هذه الحقيقة دلالة قوية على المنزلة المتدنية للمرأة في الصين حتى الأزمنة الحديثة، ثم أن هناك عادة أخرى هي عادة ربط قدمي البنت ومنعما من النمو لأنهم كانوا يحبون القدم الصغيرة عند المرأة، وكان هذه العادة تسبب تشوهات قبيحة قد تجعل السيدة النبيلة عاجزة عن المشي، وكانت النساء الصينيات معرضات للقمع الشديد حتى بالقياس إلى الشعوب البربرية ذات العادات الوحشية، وقد استمر هذا القمع حتى القرن العشرين، وكانت الفلاحات يقمن بالجزء الأكبر من العمل الشاق في الحقول، وحتى نساء الطبقات العليا لم يكن يتمتعن بقدر كبير من الحرية.نأأ
ولانذكر الثقافة الرسمية في الصين سكان المدن أيضاً، وهم يشكلون حوالي عشرة بالمئة من سكان البلاد، لقد كانت بعض مدن الصين أكبر المدن في العالم، ويقال إن شانغ آن كانت تضم مائتي مليون نسمة عندما كانت عاصمة للتانغ، ولم يكن في أوروبا كلها مدينة بمثل هذا الحجم، أما كانتون وبكين المعاصرتان لها فكانتا أكبر حتى من هذا وكانت المجتمعات التي تعيش في هذه المدن الضخمة تزداد تعقيداً وتطوراً بصورة مستمرة، وقد أمن تطورها البيئة اللازمة لازدهار التجارة. والحقيقة أن أول عملة ورقية قد صدرت في الصين في عام 650 م، وولد هذا الازدهار في التجارة حاجات جديدة منها الحاجة للأدب، الذي تطور وخرج عن قيود النماذج الكلاسيكية وصار يكتب بأسلوب عامي أيسر بكثير من اللغة الكلاسيكية المعقدة. وهكذا انتجت حياة المدن رويداً رويداً ثقافة بديلة عن الثقافة الرسمية، ولما كانت مكتوبة فهي تتيح لك أن ترى للمرة الأولى شيئاً عن الحياة غير الرسمية في الصين. وقد مكن اختراع الورق من إشباع الحاجة الشعبية المتزايدة، وفي عام 700م جاء أيضاً اختراع الطباعة، التي تعود أصولها إلى صنع الأختام الحجرية في عهد سلالة الهان. وبعد ذلك صارت الطباعة تتم باستخدام كليشيهات خشبية، ثم ظهرت الحروف المتحركة في القرن الحادي عشر ميلادي، وسرعان ماراحت الكتب تطبع وتنشر في الصين بأعداد كبيرة، وذلك قبل أن تظهر في أي بلد آخر بزمن طويل.
عندما نشبت الثورة في عام 756 م تمزقت ثقافة شانغ آن، ولم تتعاف من بعدها قط، وقبل سنتين كانت قد تأسست أكاديمية إمبراطورية للآداب، ولن تظهر مؤسسة شبيهة بها في أوروبا إلا بعد حوالي تسعمائة سنة، أما في عصر السونغ فقد ظهر المزيد من الأعمال الخزفية البديعة، وتتميز أشكالها الأولية، أي في المرحلة الشمالية من تاريخ السونغ، بالأسلوب التقليدي المزخرف والملون، بينما صار حرفيو الجنوب يفضلون الأشكال البسيطة ذات اللون الواحد. واللافت أنهم ارتبطوا بتقليد قديم آخر هو الأشكال التي ابتكرها سباكو البرونز الكبار في العصور الأبكر، أما في التصوير فقد بلغ على عهد السونغ ذرى أعلى حتى من فن الخزف العظيم، وكان موضوعه الأسمى هو تصوير الطبيعة. إلا أن أكثر ما يبهرنا في حقبة السونغ إنما هو التبدل السريع والعجيب الذي جرى خلالها في مجال الاقتصاد.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:06 AM
لغز حقبة السونغ

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

لغز حقبة السونغ

يمكننا أن نعزو هذا التطور جزئياً إلى الابتكارات التقنية التي تمت في هذه المرحلة مثل البارود والحروف الطباعية المتحركة والقائم الخلفي للسفينة، والتي تعود كلها إلى حقبة السونغ، وقد كانت هذه الأشياء في الوقت نفسه نتيجة وسبباً للفورة الاقتصادية الكبيرة التي جرت بين القرنين العاشر والثالث عشر، والتي أدت إلى انتقال مركز ثقل الاقتصاد نحو الجنوب ونشوء موانئ جديدة مثل كانتون وفوتشو. ويبدو أن هذا النمو الاقتصادي قد أمن لأكثر الصينيين ارتفاعاً حقيقياً في دخولهم ولفترة طويلة بالرغم من استمرار زيادة أعدادهم، وهي حقيقة مذهلة لأنها أول مرة يتمكن فيها النمو الاقتصادي من تجاوز نمو عدد السكان قبل الأزمنة الحديثة. ولاريب بأن هذا التطور قد هيأ لظهوره اكتشاف واعتماد نوع جديد من الأرز يسمح بتنمية محصولين اثنين في السنة إذا كانت الأرض مروية بشكل جيد، ومحصول واحد من الأراضي المرتفعة التي لا تروى إلا في الربيع. ويبدو من ناحية أخرى أن إنتاج الحديد قد ارتفع ارتفاعاً مفاجئاً أيضاً، إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن الصين كانت بعد عام 1066 بسنوات قليلة تنتج كمية من الحديد تعادل تقريباً كل ما كانت تنتجه أوروبا برمتها بعد ذلك بستة قرون، كما أن إنتاج الأقمشة قد عرف هو الآخر تطوراً سريعاً خاصة بعد استخدام أجهزة الغزل التي تعمل بالطاقة المائية، والحقيقة أنه يجوز لنا أن نعتبر هذه الظاهرة التي جرت على عهد السونغ ظاهرة تصنيع واضحة ومتميزة. أما لماذا حدثت ولماذا لم تستمر بعد ذلك فهما سؤالان مازال النقاش حولهما محتدماً.
لقد كان هناك بلا شك دخل جديد في الاقتصاد على عهد السونغ بفضل استثمارات الحكومة في الأشغال العامة، وخاصة في قطاع المواصلات. ولاريب أيضاً أن فترات الراحة الطويلة من الغزوات الأجنبية ومن الفوضى الداخلية قد ساعدت هي الأخرى، ولو أن غياب الفوضى قد يكون نتيجة للنمو الاقتصادي مثلما هو سبب له. ويبدو أن تفسير هذه الظاهرة يكمن في توسع الأسواق ونهوض اقتصاد مالي يدين للعوامل المذكورة سابقاً، ولكنه يرتكز بالأساس على ارتفاع الإنتاجية الزراعية. فطالما كانت هذه الإنتاجية أكبر من زيادة عدد السكان كانت الأمور تسير على مايرام. وقد توفر رأس المال اللازم لتشغيل المزيد من الأيدي العاملة ولاستغلال التقنية عن طريق الاستثمار في الآلات، وارتفعت الدخول ارتفاعاً حقيقياً. إلا أن هذا التوسع الاقتصادي لم يستمر، ومن الصعب أن نعرف السبب، فيبدو أن الدخول الحقيقية المتوسطة في الصين ظلت ثابتة طوال خمسة قرون تقريباً وأن نمو الإنتاجية كان يجاري نمو السكان من دون أي يسبقه، ثم بدأت الدخول بالهبوط، وما برحت تهبط حتى صار الفلاح الصيني في بداية القرن العشرين أشبه ما يكون برجل تغمره المياه حتى عنقه وتكفي أضعف الموجات لإغراقه


http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp6-6.jpg

أراضي أسرة السونغ
ولم تتطور الصين بعد النجاحات التي أحرزتها على أيام السونغ لتعطي مجتمعاً دينامياً وتقدمياً، فبالرغم من اختراع الطباعة بقيت جماهيرها أمية حتى القرن العشرين، ولم تنتج المدن الكبيرة في الإمبراطورية رغم ضخامتها ونشاطها التجاري الواسع لا الحرية والحصانات التي حمت الناس والأفكار في أوروبا، ولا الحياة الثقافية والفكرية التي قلبت الحضارة الأوروبية في النهاية، والشيء الأهم هو أنها لم تحفز كما يبدو على الشك الفعال بالنتظام السائد. حتى في مجال التقنية الذي حققت فيه الصين إنجازات كثيرة وسريعة تجد فجوة كبيرة بين خصب أفكارها وضعف قدرتها على إحداث التغيرات الجذرية. لطالما أظهر الصينيون قدرة عظيمة على الابتكار، ولكن منذ أن انتهت أزمنة الدجو صار ارتفاع الإنتاج يعتمد على توسيع الأراضي الزراعية وإدخال المحاصيل الجديدة وليس على التطور التقني. لقد كانت التحف الفنية تسبك من البرونز منذ الألف الثانية ق.م. كما كان الصينيون يسبكون الحديد قبل الأوروبيين بألف وخمسمائة سنة، ولكنهم لم يكتشفوا الإمكانيات الهندسية لتقاليد التعدين القديمة هذه حتى عندما ارتفع إنتاج الحديد لديهم ارتفاعه المذهل. وكانوا يحرقون ما سماه ماركو بولو نوعاً من الحجر الأسود عندما رحل إلى هناك قرب نهاية القرن الثالث عشر، وما هو إلا الفحم، ولكنهم لم يخترعوا المحرك البخاري، وكان بحارتهم يعرفون البوصلة المغناطيسية منذ أزمنة السونغ وقد أرسلوا حملاتهم البحرية إلى أندونيسيا والخليج الفارسي وعدن وشرق أفريقيا في القرن الخامس عشر، إلا أن الهدف منها كان إبهار تلك البلاد بقوة الصين، وليس جمع المعلومات والخبرات من أجل القيام بالمزيد من الرحلات الاستكشافية الأبعد، وسرعان ما أحجموا عن حملاتهم تلك على كل حال.
ويمكننا أن نسرد حالات أخرى كثيرة مثل هذه تشير كلها إلى الفكرة ذاتها، ربما كان السبب هو نجاح الحضارة الصينية في سعيها نحو أهداف مختلفة، ألا وهي ضمان الاستمرارية ومنع التغير الجذري، فالإدارة والنظام الاجتماعي لم يكونا يشجعان المبتكر، وحتى عائلات التجار كانت تكتفي أثناء فترات الازدهار بالاندماج ضمن الطبقة الإدارية. وكان الصينيون فخورين بتقاليدهم الكونفوشية ومطمئنين إلى الموارد الغنية لبلادهم وبعيدين عن العالم الخارجي، لذلك كان من الصعب عليهم أن يتعلموا منه، ولكن هذا لا يعني أنهم لم يكونوا متسامحين، فلطالما مارس عندهم اليهود والمسيحيين النساطرة والفرس والزرادشتيون والعرب المسلمون دياناتهم بحرية، بل إن هؤلاء الأخيرين قد نجحوا في هداية بعض الصينيين فخلقوا في الصين أقلية مسلمة مازالت مستمرة حتى اليوم، وقد كثرت الاتصالات بالغرب أيضاً على عهد المغول، إلا أن هذا التسامح الرسمي لم يؤد قط إلى جعل ثقافة الصين واسعة التقبل للتأثيرات الأجنبية.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:08 AM
الصين المغولية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الصين المغولية

في نهاية القرن الثالث عشر كان المغول قد اكتسحوا الصين كلها، إلا أنها فتنتهم وأسرتهم مثلما أسرت جميع فاتحيها من قبلهم، ولو أن ضربتهم الأولى كانت ضربة قاسية جداً، إذ ربما قتل حوالي ثلاثين مليون إنسان خلال فتحهم لها، أي أكثر من ربع عدد سكانها في عام 1200م. وعلى عهد قبلاي وهو آخر الخانات الكبار، نقلت الإمبراطورية المغولية مركزها من السهوب إلى بكين، ويمكننا اعتبارها منذ ذلك الحين إمبراطورية صينية لا مغولية، كما اتخذ قبلاي لقباً سلالياً في عام 1271، وانقطع عن نمط حياة السهوب التي طالما تشبث بها قومه، وخفف من ريبته بالحضارة وإنجازاتها. وسوف يمضي حياته كلها في الصين تقريباً، ولو أن معرفته باللغة الصينية ظلت ضعيفة. وقد استسلم أتباعه لثقافة الصين رويداً رويداً، بالرغم من ارتيابهم بطبقة الإداريين العلماء في البداية، والحقيقة أن الصين قد غيرت المغول بأكثر مما غيروها هم، وهكذا نشأت الإمبراطورية الرائعة التي تحدث عنها ماركو بولو بإعجاب كبير.
إلا أن المغول قد سعوا للبقاء منفصلين عن أهل البلاد الأصليين، فمنعوهم من تعلم المغولية ومن التزاوج بهم ولم يسمحوا لهم بحمل السلاح، وكانوا يفضلون استخدام الأجانب بدلاً من الصينيين في الإدارة كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وهو أسلوب تجد نظيراً له في الخانيات الغربية للإمبراطورية المغولية، فقد عمل ماركو بولو ثلاث سنوات في إدارة الخان الكبير، وكان رئيس المكتب الإمبراطوري لعلم الفلك نسطورياً، وكان المسلمون من مقاطعة ما وراء النهر جيحون يديرون مقاطعة يونان. كما أن المغول علقوا نظام الامتحان الرسمي لبضع سنوات، وربما كان مسلكهم هذا بسبب استمرار عداوة الصينيين للمغول خاصة في الجنوب. إلا أن إنجازات المغول كانت باهرة حقاً، وإن توحيد الصين قد أبرز من جديد قوتها العسكرية والدبلوماسية الكبرى، ولم يكن فتح الجنوب التابع لسلالة السونغ بالأمر اليسير، ولكنه عندما اكتمل في عام 1279 ضاعف موارد قبلاي بأكثر من مثلين، فجمع هذا أسطولاً ضخماً وراح يعيد بناء دائرة نفوذ الصين في آسيا، فغزا فيتنام في الجنوب واستولى على هانوي ثلاث مرات، كما احتلت بورما لفترة من الزمن بعد موته. ولكن الحقيقة أن هذه الفتوحات لم تدم زمناً طويلاً، إذ لم تبق هذه البلاد تحت الاحتلال بل صارت تدفع الجزية بدلاً من ذلك.
وكان النجاح في جزيرة جاوه بإندونيسيا محدوداً أيضاً، فرغم أن سفن الصين قد رست فيها وأخذت العاصمة في عام 1292، فإنها عجزت عن الاحتفاظ بها، وكانت اليابان هي البلد الوحيدة التي فشلت محاولات المغول لغزوها فشلاً تاماً. أما التجارة البحرية مع الهند وشبه الجزيرة العربية والخليج الفارسي التي ابتدأت على عهد السونغ فقد ازدادت تطوراً وازدهاراً.
ولما كان نظام المغول قد عجز عن الاستمرار فلا يمكننا في المحصلة أن نعده نظاماً ناجحاً، ولكن لابد لنا من ذكر بعض مناقبه، والحقيقة أنه قد أتى بتطورات إيجابية كثيرة خلال قرن واحد أو أكثر بقليل. فقد ازدهرت التجارة الخارجية ازدهاراً لا سابق له، ويقول ماركو بولو أن الخان الكبير كان يطعم بهباته السخية فقراء بكين، ونحن نعلم أنها كانت مدينة كبيرة. وتروق لنظرة الإنسان الحديث أيضاً معالجة المغول لأمور الدين، فهم في الحقيقة لم يعرقلوا سبيل أحد في التبشير بدينه ماعدا المسلمين، فشجعوا الطاوية والبوذية، وأعفوا الأديرة البوذية مثلاً من الضرائب، واقتضى هذا بالطبع فرض ضرائب أشد على غيرهم كما هي الحال دوماً حين تؤيد الدولة ديناً ما، فكان الفلاحون يدفعون ثمن التبشير الديني. إلا أن القرن الرابع عشر قد شهد سلسلة من الكوارث الطبيعية التي حلت بالإمبراطورية، وأثقل عبؤها من عبء الضرائب التي كان الشعب يرزح تحتها، فما لبثت أن اندلعت مودة جديدة من الثورات في الأرياف، وإن هي إلا العلامة الدالة على تراجع السلالة. وعادت الجمعيات السرية للظهور، واجتذبت إحداها وهي جمعية العمامات الحمر تأييد النبلاء والإداريين معاً، فاستولى أحد قادتها وهو راهب يدعى تشو يان تشانغ على نانكينغ في عام 1356م، وطرد المغول من بكين بعد اثنتي عشر سنة فابتدأت عندئذٍ حقبة المنغ.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:09 AM
أراضي حكم المنغ

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

أراضي حكم المنغ

وتراجعت سلالة المنغ في هذه الأثناء، وكان الدليل على ذلك هو تتابع عدد من الأباطرة الذين كانوا في الحقيقة سجناء في قصورهم، بينما راح المحظيون والأمراء يتنازعون على الاستمتاع بأملاك الإمبراطور. وقد عجز المنغ عن الحفاظ على أطراف الإمبراطورية إلا في كوريا، حيث صدوا اليابانيين عند نهاية القرن السادس عشر، فخرجت الهند الصينية من دائرة نفوذ الصين، وأفلتت منطقة التيبت من قبضتها أيضاً، وفي عام 1544 عاد المغول فأحرقوا ضواحي بكين. وفي القرن التالي تعرض المنغ لخطر شعب آت من شمال السور العظيم هو شعب المنشو، الذي كان يعيش في مقاطعة سميت لاحقاً منشوريا على اسمهم، وعندما راح هؤلاء يتدخلون في مشاكل الصين الداخلية كانت تلك نهاية المنغ. وفي عام 1644 ارتقت سلالة منشورية هي التشنغ العرش وسوف يبقى أباطرتها على العرش حتى القرن العشرين.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:13 AM
اليابان

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

اليابان

ي نفس الوقت تقريباً نجح برتغاليون آخرون في دخول اليابان، وهي أهم البلاد ذات الثقافة المتميزة ضمن نطاق الحضارة الصينية، وأكثرها غموضاً في خيال الشعوب الآسيوية. ولما كانت اليابان بلداً مؤلفاً من عدد من الجزر فقد أمن لها البحر الحماية، والحقيقة أنها لم تغز بنجاح قط. كما ساهم البحر في إطعام شعبها، وقد بقي السمك يشكل القسم الأكبر من الغذاء البروتيني في اليابان حتى وقت قريب، وبفضل البحر استطاعت اليابان دوماً أن تأخذ من العالم الخارجي ما تريد وتترك ما لاتريد، وكان اليابانيون شعباً بحاراً برع في القرصنة وصيد السمك مثل الإنكليز في القسم الغربي في إنكلترا، ولكن ليس في المغامرات البعيدة.
إن أقرب أجزاء بر آسيا إلى اليابان هو كوريا، وقد كان لدى اليابانيين دوماً حساسية كبيرة نحو هذا البلد، كان اليابانيون يحتلون أراضي في كوريا في القرن الثامن الميلادي، كما سيطروا عليها طوال قسم كبير من القرن العشرين، إلا أن السيادة الإسمية عليها إنما كانت في أكثر الأحيان للصين. وكانت الصين أيضاً أكثر قوة أجنبية تهتم اليابان لها وتحسب حسابها، وكان تأثيرها في اليابان عميقاً جداً منذ الأزمنة السحيقة القدم، صحيح أن لغتيهما مختلفتان، إلا أن الشعبين الياباني والصيني كليهما مغولانيان، ولو أن هناك بعض أفراد من العرق القوقازي (الأبيض) في شمال جزر اليابان، وهو أحفاد الآينو الأصلي. كما أن تقنية البرونز قد انتقلت من الصين إلى اليابان منذ عصور ما قبل التاريخ، وعندما انهارت سلالة الهان في الصين صار اليابانيون أكثر اهتماماً بكوريا، فتزايدت اتصالاتهم بحضارة البر الكبرى تزايداً سريعاً. وانتقلت من الصين إلى اليابان أشياء كثيرة، مثل لقب إمبراطور الذي يطلق على حاكم اليابان، والعقيدة الكونفوشية، والبوذية ومعرفة شغل معدن الحديد، كما جاء الخزافون الصينيون إلى اليابان منذ زمن باكر، فبنوا فيها الأفران وتزاوجوا مع أهل البلاد، ومن هنا نشأ قسم كبير من إنجازات اليابان الفنية اللاحقة. وكيفت الكتابة الصينية لتدوين اللغة اليابانية، وبدأ الحكم في اليابان يظهر فيه بعض آثار الصين ففي القرنين السادس والسابع، أي عندما كان تأثير الصين في أوجه، قام رجال الدولة المصلحون في اليابان بجهود كبيرة لكي يقيموا فيها حكومة مركزية ذات طبقة إدارية على شاكلة إدارة الين، مبينة على الجدارة وليس على الوراثة، وإمبراطوراً يكون حاكماً حقيقياً وليس مجرد رئيس لأهم العشائر وأكثرها توقيراً.
قد يلوح من هذه الأمور كلها أن اليابان أخذت من الخارج جميع الأشياء التي جعلت منها أمة متحضرة، خاصة إذا تذكرنا روعة الصين وإشعاعها على أيام التانغ، والأدلة الكثيرة على التأثير البوذي في الفن الياباني، ولكن الحقيقة أن الأمر لم يكن على هذا الشكل، بل إن جذور حضارة اليابان ونظام حكمها إنما نشأت من صلب ذاتها.
وتروي أولى سجلات اليابان التاريخية التي جمعت في القرن الثامن كيف قامت الآلهة بصنع أرض اليابان وشعبها، ولكن أول تقسيم زمني موثوق يأتينا من مصادر صينية وكورية تعود إلى ما قبل ذلك بثلاثة قرون، وهو يبين أن حكومة اليابان كانت منذ بداية القرن الخامس متمحورة حول شخص الإمبراطور. كانوا يعتقدون أن الإمبراطور متحد من آلهة الشمس، وكان يتمتع بالسيادة العامة على عائلة اليابان الكبرى من أرض أجداده، الواقعة فيما سيصبح لاحقاً مقاطعة ياماتو. وكانت تلك العائلة الوطنية منظمة ضمن عشائر، وهي الوحدات الأساسية في المجتمع الياباني مثلما كان الأمر في المجتمع الصيني الأبكر. وكانت بعض العشائر تصعد أحياناً حتى تبلغ من القوة ما ليس للأخريات، وذلك عن طريق التأثير في الأباطرة أو حتى السيطرة عليهم، إلا أن السلالة الإمبراطورية قد استمرت بلا انقطاع ولو باللجوء إلى أسلوب التبني في بعض الحالات والحقيقة أن الإمبراطور الحالي إنما يرجع بأصل سلالته إلى الإمبراطور الأول، وهو ادعاء ذو دلالة كبيرة على ما للاستمرارية من أهمية في اليابان.
لقد مرت بين عامي 500 و 1500 مرحلتان هامتان سيطرت في كل منهما على اليابان عشيرة واحدة بمفردها، ففي القرن الثامن بلغت عشيرة فوجيوار القمة، وسيطرت طوال قرنين أو ثلاثة بعد ذلك على الأباطرة بصورة وثيقة عن طريق المصاهرة وما يترتب عليها من علاقات. وكانت عاصمة الإمبراطورية خلال حقبة فوجيوارا في هيان، أي كيوتو الحالية، وهناك كان الإمبراطور يعيش ويؤدي واجباته الشعائرية والدينية الشاقة، ولكن سلطة الفوجيوارا قد أفلت، فراحت العشائر المختلفة تتناحر فيما بينها إلى أن قبض على زمام الأمور في عام 1185 قائد عسكري كفؤ لا يعرف الرحمة هو ميناموتو يوريتومو. وكانت تلك بداية سيادة عشيرة ميناموتو التي تعرف عادة بحقبة الكاماكورا على أسم المقاطعة التي كانت تقع فيها أكثر أراضيها ولكن عشيرة ميناموتو انهارت هي الأخرى في القرن الرابع عشر، ومالبثت اليابان أن تفسخت وتدهورت في سلسلة من الحروب الأهلية العنيفة والدامية التي استمرت حتى القرن السادس عشر.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 01:14 AM
الشوغونية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السادس - عالم آخر، التقاليد الكبرى في آسيا

الشوغونية

قد لاتستدعي هذه التطورات اهتماماً كبيراً للوهلة الأولى، وهي تبدو أشبه بصراعات النبلاء والعائلات الكبرى في أوروبا خلال القرون الوسطى، ولكن الحقيقة أن هذا كان عصراً هاماً نحت فيه اليابان في تطورها مناحي خاصة جداً. فرغم بعض المحاولات التي جرت عند بداية عهد الفوجيوارا من أجل خلق إدارة مبنية على الجدارة، مابرحت سيادة الإمبراطورة تضمحل باستمرار، بينما ظل النبلاء متشبثين بما بلغوه من سلطة ونفوذ. وقد منع هذا الأمر الاهتمام بالمصالح الأخرى، فتجمد مجتمع اليابان وتوقف عن التطور، وصارت المناصب وراثية، كما منحت حقوق فرض الضرائب الإمبراطورية للذين يتمتعون برضا عشيرة الفيوجوارا. وإن كسف الأباطرة هذا قد اكتمل في مرحلة الكاماكورا (1185-1333)م، عندما انتقل الحكم الفعلي إلى القائد العام لسلالة ميناموتو كان يلقب بالشوغان ويحكم شكلياً باسم الإمبراطور، ولكن الحقيقة أن حكمه كان مستقلاً ولمصلحة عشيرته هو، التي لم تكن أراضيها في منطقة هيان حيث يعيش الإمبراطور بل في منطقة كاماكورا. وما برحت الأمور تتطور باطراد من تآكل سلطة الإمبراطور إلى تآكل فكرة السلطة المركزية أصلاً، وكان هذا التطور مختلفاً جداً عما حدث في الصين، ولطالما انتهى ذلك بالفوضى والحرب الأهلية بين الزعماء.
ولولا الحماية التي يؤمنها البحر لكانت هذه الاضطرابات خطيرة جداً على البلاد بل ربما لما كانت قد حصلت أصلاً لذلك لم تعان اليابان من مشاكل الغزو الخارجي، وكانت مشكلتها الوطنية الوحيدة هي السيطرة على البرابرة الآينو. ولم يكن المجتمع الياباني في ذلك الزمن على درجة من التطور تدفع الناس للمطالبة بحكومة أكثر مركزية، بل يبدو أن أكثر اليابانيين كانوا راضين بقبول سلطة العشيرة والعائلة وعبادتهم الوطنية، أي العبادة الشنتوية.
من الملامح الأخرى الهامة لذلك العصر النمو الكبير للروح العسكرية فيه، إذ بلغت فيه القيم العسكرية من ولاء وجلد على الشدائد وشجاعة أعلى مراتب التوقير والتمجيد. ومن أسباب هذا التطور أن النبلاء الأصغر ونبلاء الريف قد أصبحوا أكثر استقلالاً مع اقتراب حقبة الفيوجوارا من نهايتها، كما ساهمت في ترسيخه الحروب الأهلية التي كان المحاربون فيها يلتزمون بخدمة سادتهم كأتباع لهم. إن هذا الأمر شبيه بما كان يحدث في أوروبا في نفس الوقت تقريباً، أي طريقة تنظيم المجتمع التي سميت إقطاعية، ولكن على نطاق أوسع بكثير، وقد برزت اليابان رويداً رويداً طبقة جديدة ذات مكانة سامية لاتعلو عليها إلا مكانة النبلاء الكبار هي طبقة الساموراي، الذين كانت قيمهم ومثلهم الفروسية دوماً مصدر وحي وإلهام للقوميين اليابانيين، وكثيراً ما ساهمت أيضاً في طبع مجتمع اليابان بطابع عنيف جداً.
إن هذا الإجلال الكبير للمحارب كان يرافقه شعور متزايد لدى اليابانيين بأنهم شعب متفوق لا يقهر عسكرياً، وتدين هذه النظرة إلى نجاحهم في صد محاولتين قام بهما المغول لغزو بلادهم، كانت أولاهما في عام 1274 م والثانية في 1281م. وقد جرت في هاتين الغزوتين عمليات حربية هائلة واستخدمت فيهما أسلحة قوية ومتطورة، واستفاد المغول من التقنية الصينية واستعملوا المنجنيق لرمي قنابل تنفجر في الهواء. والحقيقة أن الغزوة الثانية قد قضت عليها عاصفة دمرت أسطول المغول هي عاصفة الكاميكاز أي الريح الإلهية التي رأى فيها اليابانيون يد عونٍ من السماء امتدت لنجدة بلادهم.
أما وضع الفلاح الياباني العادي خلال هذه التطورات فكان يسير من سيء إلى أسوأ، فلا الاقتصاد نما، ولا الزراعة تطورت من الناحية التقنية، ولا المدن اتسعت كما حدث في الصين. صحيح أن اليابان تمكنت ببطء من زراعة كمية أكثر من الغذاء، إلا أن السبب كان زيادة حجم الأملاك الزراعية وبالتالي حجم الأراضي المزروعة، وليس تطور التقنية. وكان الفلاح يدفع ضرائب باهظة، وهي تذهب في العادة لسيده الذي منحته الشوغونية حق فرضها، وكان يزرع الأرز وهو ما يشكل القسم الأكبر من غذاء اليابان. ثم تفاقمت الأحوال بسرعة في القرن الخامس عشر، فانتشرت الأوبئة والمجاعات، وراح الفلاحون يتكتلون في جماعات وتحالفات لحماية أنفسهم تحت زعامة المحاربين العاطلين عن العمل، ونجم عن هذا الأمر حركات الثورة والعصيان.
ولكن هذا الفقر كان هو الأساس الذي قامت به حضارة اليابان البديعة، لقد كان بهاء تلك الحضارة على عهد الفوجيوارا محصوراً بحلقة البلاط الإمبراطوري، ولكنه امتد بعد ذلك إلى كافة الطبقة الحاكمة. ونبذت اليابان رويداً رويداً الثقافة الصينية أو أعادت صياغتها حسب حاجاتها الخاصة، فظهر أول أدب ياباني وولدت دراما النو، وهي مزيج فريد من الشعر والتمثيل الإيمائي والموسيقى يؤدى بملابس وأقنعة مشغولة بعناية وإتقان. واللافت أن بعض أشهر الكتب اليابانية قد كتبتها سيدات من بلاط هيان، إذ يبدو أن الكتابة اليابانية كانت تعتبر أمراً يليق بالنساء لأنهن غير قادرات على الإتيان بالأعمال الجدية، بينما كان على الرجال أن يستمروا باستخدام اللغة الصينية في تناول أمور الفنون والمعرفة الراقية، مثلما ظل المثقفون في أوروبا يستخدمون اللاتينية لغة للعلم.
لقد أثمرت هذه الثقافة أعمالاً فنية هي من أروع ما صنعته يد الإنسان على الإطلاق، وكان الفنانون اليابانيون يشددون دوماً على التناسب والبساطة والكمال في إتقان الصنعة، وقد تجلى هذا في الخزف والتصوير شغل المينا والحرير، وفضلاً عن الفنون التي تميز اليابان من تنسيق الزهور وتصميم الحدائق الطبيعية وصنع السيوف الجميلة، وكان الفنانون الكبار يحظون بشهرة وتقدير عظيمين. كما أن هذه الفنون كلها قد بلغت في اليابان مرتبة عالية من الإتقان في أكثر مراحل تاريخها اضطراباً وفوضى، وبالرغم من الضرر الاجتماعي والاقتصادي الذي جرته على البلاد نزاعاتها الأهلية.
إن بعض تلك الأشياء الجميلة التي كان يصنعها اليابانيون قد بدأت تجد طريقها إلى الأسواق في الخارج، فكانت الصين في القرن الخامس عشر زبوناً هاماً، كما لعب الرهبان البوذيون دوراً كبيراً في تجارتها مع اليابان. وكان لابد لهذا الأمر من أن ينبه اهتمام الناس، فصاروا يرغبون بمعرفة المزيد عن إمبراطورية الجزر البعيدة التي تأتي منها تلك التحف الثمينة، وكان الأوروبيون من بين أولئك الفضوليين، وإن أول الذين وصلوا منهم هم البرتغاليون في عام 1543م على الأرجح، وسرعان ما تبعهم آخرون. ولم تكن ظروف اليابان الداخلية في ذلك الحين تشكل أي عقبة في طريقهم، ففي عام 1570 م فتح زعيم ياباني كان قد اعتنق المسيحية قرية ناغازاكي الصغيرة للبرتغاليين، لقد أتى هؤلاء الدخلاء بديانتهم إذاً كما أتوا بالأسلحة النارية التي ألهبت ولع اليابانيين بالاقتتال فيما بينهم وذكت أواره. وقد تبنى اليابانيون هذه الأسلحة بشغف كبير ينبئ بما سيأتون به في المستقبل، أي بعملية التحديث الرشيدة والمدروسة التي سوف ينهضون بما بعد قرنين ونصف القرن، وهي أعظم عملية تحديث من نوعها قام بها شعب خارج أوروبا.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 10:46 PM
مسيحية القرون الوسطى: الغرب

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا


مسيحية القرون الوسطى: الغرب
إن القرون الممتدة من نهاية العصور الكلاسيكية القديمة حتى حوالي عام 1000 م تبدو اليوم أنها كانت العصر الذي تم فيه وضع أسس أوروبا، وتجد فيها معالم هامة على هذا الطريق الذي رسمت ملامح المستقبل الآتي، ولو أن التغير فيها كان بطيئاً ومقلقلاً. ثم تلمس ابتداء من القرن الحادي عشر تبدلاً محسوساً في السرعة، إذ صارت التطورات الجديدة أكثر بروزاً وبدا من الواضح أنها تمهد الطريق لشيء جديد تماماً. لقد كانت تلك بداية عصر من المغامرة والثورة في أوروبا، وسوف يستمر إلى أن يندمج تاريخها بأول عصور التاريخ العالمي، ولهذا السبب كانت فكرة أوروبا موجودة في عام 1500م، بينما لم تكن موجودة قبل ذلك بألف عام. فبحلول ذلك العصر كانت هناك مدن موزعة في أنحاء القارة الأوروبية سوف تصبح التجمعات المدنية الكبرى للسكان في أيامنا، وكان الناس في أوروبا الغربية يحصلون معيشتهم من موارد غير الزراعة، ويمكنك رؤية أنماط معقدة من التجارة يمتد بعضها لمسافات بعيدة ويتم الكثير منها عن طريق البحر، وكانت المهارات التقنية تسبب تغيراً أسرع في أي مكان آخر في العالم. وكان أكثر الأوروبيين يعلمون أن العالم الخارجي مختلف جداً عن العالم الذي يعيشون فيه، مهما سموا ذلك العالم الخارجي وكيفما تخيلوه. لقد كان ذلك العالم عالماً غير مسيحي، أي أن أوروبا كانت متميزة لأنها مسيحية، وكانت في نهاية القرن الخامس عشر تحتضن حضارة مسيحية، وإذا ما فكر الناس وقتها بحضارتها ككيان واحد فإنهم إنما كانوا يعتبرونها العالم المسيحي، وهنا تبدأ قصتنا.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 10:50 PM
أصول الغرب المسيحي

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



أصول الغرب المسيحي
عندما انهار جهاز الحكم في الغرب، حل محله عدد من الممالك البربرية أسستها كلها الشعوب الجرمانية التي كانت تتدفق إلى الإمبراطورية الغربية ابتداءً من القرن الثالث فما بعد، وكانت في الحقيقة عبارة عن تنظيمات قبلية يسود فيها بعض الرجال الأقوياء. وقد ترومن البرابرة بعض الشيء وتنصروا رويداً رويداً، ولكنهم ظلوا قروناً طويلة في حالة من التخلف، فحتى أكبر ملوك أوروبا لم يكونوا أكثر من قادة عسكريين برابرة يتعلق الناس بهم بحثاً عن حمايتهم وخوفاً مما هو أسوأ. فلقد وضعت أسس هذه الحضارة الجديدة إذاً في بيئة من البربرية والتخلف.
ولم يكن هناك في أوروبا الغربية مدينة ولا حتى روما ذات الماضي العظيم تقارب في الفخامة والبهاء مدن القسطنطينية أو قرطبة أو بغداد أو تشانغ آن، ولا كانت عمارة أوروبا تقارن بعمارة الماضي الهلنستي أو بيزنطة أو إمبراطوريات آسيا، وعندما نشأت العمارة فيها فإنها استعارت أساليب تلك الحضارات. كما أن أوروبا الغربية لم تكن قادرة على إنتاج أي علم أو مدرسة تقارن بما كان في إسبانيا العربية أو آسيا، بل كانت بلاداً نائية متخلفة، وبات سكانها معتادين على الحرمان لا على الوفرة، وكانوا يلتمون معاً تحت حكم محاربيهم لأنهم يحتاجونهم لحمايتهم.
ومن الواضح أن التراث الروماني لم يختف بين ليلة وضحاها، فقد كانت الممالك البربرية تستخدم الكتبة والموظفين عندما تريد حفظ السجلات، وكانت تتعلم أساليب الرومان وتمنح الألقاب الرومانية لزعمائها، كما أنها كانت مضطرة للتعامل مع وجهاء وإداريي الأيام الإمبراطورية السابقة. وقد استمر بعض الماضي الروماني إلى الغرب من الراين والقسم الأعلى من الدانوب، ولو أن من الصعب معرفة مداه، واللغة هي إحدى الدلائل على ذلك، إذ مازالت اللغات اللاتينية التي تسمى أيضاً رومانسية متداولة في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وأماكن غيرها، لأن أعداد البرابرة الوافدين لم تكن كبيرة إلى حد يجرف الأشكال المنتشرة من اللاتينية فيها. وسرعان ما بدأ الكثيرون من أبرز رجال البرابرة يتحدثون اللاتينية، ويكتبون بها أيضاً إذا كانوا يعرفون الكتابة، أما في الجزر البريطانية فقد اختفت تلك اللغة وحلت اللغات الجرمانية للغزاة محل لغة الرومان البريطانيين، كما أن اللاتينية لم تثبت قدميها وراء حدود الإمبراطورية قط.
وكانت أهم مؤسسة خلفتها الإمبراطورية على الإطلاق هي الكنيسة، كان أساقفة الكنيسة في كافة أنحاء أوروبا الغربية شخصيات رئيسية في الشؤون المحلية، وراحوا يضطلعون بالمهام التي كانت تقوم بها الإدارة الإمبراطورية في السابق، وكانوا أحياناً أبناء أسر هامة ذات ثروة وارتباطات قوية تدعم مكانتهم ونفوذهم. وراحت الكنيسة تكتسب بالتدريج مكانة روما السابقة، أي أنها صارت تمثل الحضارة نفسها، والحقيقة أن الخط الفاصل بين المسيحية والوثنية كان هو نفسه الخط الفاصل بين الحضارة الرومانية والبربرية.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 10:51 PM
البابوية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



البابوية
كان أحد الأساقفة يحظى بمرتبة خاصة من الأهمية، ألا وهو بابا روما، وكانت هناك أسباب عديدة جعلت مكانته ونفوذه ينموان مع مرور القرون، وأهمها بلا جدال هو انفصال الغرب المتزايد عن الشرق. كان القديسان بطرس وبولس قد استشهدا في روما، وكانت فيها منذ عهد بعيد جالية مسيحية كبيرة، لذلك كانت هي الأسقفية الأهم في الغرب، فكان من الطبيعي أن تستلم قيادة الكنيسة فيه. وعندما اكتسح العرب في زمن لاحق شمال أفريقيا وزالت منه الجاليات المسيحية القديمة ازدادت زعامة روما ثباتاً وترسخاً. ثم كانت هناك أيضاً تجارة الحج المجزية التي تفد إليها، وكان الناس يعتقدون أن عظام القديس بطرس مدفونة فيها. وقد ساهم في تدعيم مكانتها عندما انهارت الحكومة إثر غزوات البرابرة لإيطاليا أنها كانت منذ زمن بعيد عاصمة الإمبراطورية، وأن البابا كان يألف التعامل مع السلطات الإمبراطورية العليا، ومع انهيار الإدارة الإمبراطورية كان رجال البابا في أماكن كثيرة مضطرين لاستلام زمام الحكم المحلي. وقد ذهب أحد الباباوات لرؤية أتيلا زعيم قبائل الهون، وقال الناس إن تدخله الشخصي هو الذي صد أولئك البرابرة، وهكذا كانت أهمية البابوية تعلو باستمرار من نواح عديدة.
إن جزءاً كبيراً من تاريخ الكنيسة هو بالضرورة تاريخ البابوية، وهي أفضل مؤسسات المسيحية توثيقاً، لقد اقتضى تقسيم الإمبراطورية القديمة أن تصبح روما هي البطلة الحامية للإيمان في الغرب، وكان ادعاؤها بالسيادة يرتكز على كونها القيمة على رفات القديس بطرس، فكانت هي الأسقفية الرسولية الوحيدة في الغرب بلا منازع. وبعد عهد البابا غريغوريوس الكبير 590-604م وهو مؤسس السيادة البابوية في الكنيسة الغربية، لم يعد بالإمكان الحفاظ على فكرة كنيسة مسيحية واحدة في إمبراطورية واحدة، ولو ظل ثمة ممثل لإمبراطور بيزنطة في مدينة رافينا بإيطاليا. وإن آخر زيارة قام بها إمبراطور بيزنطي إلى روما كانت في عام 663 م وآخر زيارة قام بها بابا إلى القسطنطينية كانت في عام 710م.
لقد ساهمت الدبلوماسية البابوية بالتدريج في نشوء نمط من الممالك المسيحية في أوروبا البربرية، وواجهتها صعوبات جمة في مسعاها هذا، لأن الكثير من الشعوب الجرمانية كانت وثنية، بل إن بعضها كانت تعتنق مذهباً مسيحياً هرطقياً هو المذهب الآريوسي الذي ينكر ألوهية المسيح، ولم يكن بالإمكان أن تقتلع بين ليلة وضحاها التربة التي نشأت فيها هذه المعتقدات وترعرعت. لذلك كانت المسيحية في العادة تتصرف بحذر كبير، فتنصر المقامات الوثنية القديمة مثلاً عن طريق ربطها بشهيد أو ناسك مسيحي، وتتبنى أيام الأعياد الوثنية وتحولها إلى أعياد مسيحية، وهكذا دخل الكثير من السحر والخرافة إلى المسيحية وبقي فيها لزمن طويل. أما في المسائل الجوهرية، مثل إدانة الثأر بالدم أو تأييد مبدأ الزواج المسيحي الأحادي، فقد وقفت الكنيسة موقفاً حازماً، وعلى هذه الصورة تشكلت رويداً رويداً الشعوب التي سوف ينشأ منها الأوروبيون الأوائل.
إن الجزء الوحيد من أوروبا الغربية الذي انقرضت فيها المسيحية هو مقاطعة بريطانيا الرومانية، بينما استمرت هذه الديانة في إيرلندا وعلى حواف اسكتلندا، حيث دفعتها غزوات البرابرة. ومن هذا المحيط عادت الحملات التبشيرية في القرن السادس إلى البلد الذي سوف يسمى إنكلترا خاصة بقيادة القديس كولومبان الذي أسس ديراً في أيونا في عام 563م. ولكن إنكلترا سوف تكون أيضاً هدف أولى البعثات التبشيرية الكبرى التي أرسلتها روما، فقد أعاد المبشرون الرومان الذين كانوا يعملون في كنتربري تأسيس المسيحية في إنكلترا في القرن السابع بمساعدة الكنيسة السلتية مع أنهم كانوا يتنافسون معها وتم لهم ذلك عن طريق تنصير ملوك الممالك الصغيرة التي أنشأتها شعوب السكسون والجوت والإنكليز التي كانت زوارقها تفد إلى الجزيرة منذ أن غادرتها الفيالق الرومانية في عام 407م.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 10:54 PM
حركة الرهبنة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



حركة الرهبنة
لم تكن البابوية المؤسسة الوحيدة التي لعبت دوراً حاسماً في جعل أوروبا الغربية مسيحية، بل قامت بجانبها مؤسسة أخرى هي الرهبنة، وقد ظهرت الرهبنة أول ما ظهرت في مصر والشرق الأدنى، ولكنها اتخذت في الغرب شكلاً جديداً في القرن السادس، خاصة بفضل عمل رجل بارز من رجالها هو القديس بنديكتس. أسس بنديكتس جماعة رهبانية في جبل كاسينو بجنوب إيطاليا في عام 529 م، فكتب له من خلالها تأثير هائل على طبيعة هذه الحركة في كافة أنحاء الكنيسة الغربية، ووضع لرهبانه مجموعة من القواعد الثابتة كانت هي البذرة التي نشأت منها حركة من الإصلاح الشامل. وكانت تلك القواعد توصي الرهبان بالعمل والدراسة فضلاً عن تأدية واجباتهم الدينية، وقد حلت رهبانيته محل رهبانية القديس كولومبان الايرلندية بعد أن كانت منافسة جدية لها. وكان الرهبان البنديكتيون يتبعون قواعد القديس بنديكتس بحذافيرها، ومن بعدهم نشأت رهبانيات جديدة اتخذت قواعده نموذجاً لها، فظهرت في كافة أنحاء أوروبا جماعات كان الرجال فيها يعملون ويصلون معاً مبشرين الناس المقيمين من حولهم وداعين إياهم لاعتناق المسيحية. وكانت تلك الجماعات مراكز للتعليم والفن وحتى إدارة المزارع، ومن تلك الأديرة صار المزيد والمزيد من الرهبان يخرجون ليصبحوا مستشارين لدى الملوك والأساقفة ويضعوا هيكلاً لرجال الدين العاديين، وقد أصبح أحد الرهبان البابا غريغوريوس الكبير.
وكانت هناك أيضاً جماعات رهبنة نسائية، وليست المسيحية بالطبع الديانة العالمية الوحيدة التي أعطت دوراً للنساء، بل وجدت في بلاد أخرى نساء قديسات وكاهنات ومن يمكننا أن نسميهن راهبات، إلا أن رهبنات النساء في المسيحية مبنية على نمط رهبنة الرجال، كانت جديدة تماماً من حيث حجمها والفرص التي أمنتها للنساء، وقد وجدت مئات الألوف منهن مكاناً لهن في تلك الجماعات الدينية المسيحية مع مرور القرون. لقد اتهمت المسيحية بأنها تركت النساء في مرتبة متدنية جداً، أما فيما قدمته للراهبات فليس عليها من مأخذ، إذ لم تكن هناك في الحقيقة مهن محترمة متاحة للنساء في أي مجتمع قبل الحقبة المسيحية، والمسيحية هي التي مهدت الطريق إلى مستقبل سوف تقوم فيه النساء بالتمريض والدراسة وإدارة الأملاك وتكريس أنفسهن للتأمل والصلاة، التي كن يعتبرنها أسمى واجباتهن. ولم يعط أي مجتمع آخر مثل هذه الفرص لنسائه، ولو أنهن كن يشترينها بنذور الطاعة والعفة وقبول الحياة المعزولة عن العالم.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 10:56 PM
بنية أوروبية جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



بنية أوروبية جديدة
إذا نظرت إلى خريطة أوروبا في عام 1000 م أمكنك أن تميز فيها عالماً مسيحياً غربياً مؤلفاً من نصف شبه جزيرة إيبريا تقريباً ومن فرنسا الحالية وألمانيا إلى الغرب من نهر الألب ومن بوهيميا والنمسا وبر إيطاليا وإنكلترا. وعلى حواف هذا العالم كانت تقع ايرلندا واسكتلندا المسيحيتان، كما كانت الممالك الاسكندينافية في طور الدخول ضمن نطاقه. أما خارج هذه المنطقة فكان العرب قد رسخوا أقدامهم في جزء كبير من إسبانيا فضلاً عن صقيلة وكورسيكة وسردينية وجزر البليار. وإلى الشرق كانت تقبع المسيحية السلافية والبيزنطية، وهما عالمان ثقافيان مختلفان جداً عن الغرب، ولو أنهما كانا بمثابة درع مسيحي يحميه من هجمات البدو الشرقيين والإسلام. وكانت أوروبا الغربية معزولة عن البحار تقريباً؛ فصحيح أن سواحل الأطلسي مفتوحة على مصراعيها إلا أنه لم يكن فيه ثمة مكان يمكن الذهاب إليه بعد أن استقر النرويجيون في إيسلندا؛ وأما غرب المتوسط وهو الطريق المؤدية إلى الحضارات الأخرى وتجارتها فقد كانت بحيرة عربية.
وإذا أمعنت النظر أكثر تبدو لك بصورة واضحة بعض التبدلات الهامة والكبرى التي جرت بعد عصور الظلام التالية لانهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية. لقد تحركت ثقافة أوروبا وروحها مبتعدة عن البحر المتوسط الذي كان محور الحضارة الكلاسيكية، وإذا كان للحياة في هذه القارة مركز فإنه قد انتقل إلى وادي الراين وروافده، حيث كانت ثروتها القليلة أكثر وفرة. والتغير الثاني هو التقدم التدريجي للديانة المسيحية وامتداد عملية الاستيطان نحو الشرق، ففي عام 1000 م كانت طلائع الحضارة المسيحية قد قطعت مسافة بعيدة وراء الحدود الرومانية القديمة. أما التغير الثالث فهو هدأة ضغط البرابرة بعد ثلاثة أو أربعة قرون من الخطر، صحيح أن العالم المسيحي قد تعرض لخطر المغول بعد ذلك بقرنين، ولكنه لم يعد في الحقيقة فريسة للغزاة الغرباء، ولا عالماً سلبياً تحدد شكله القوى الخارجية، ولو كان من الصعب على الناس أن يشعروا بهذا التغير. كانت الضغوط على أوروبا قد ارتخت إذاً، كما ظهرت فيها بعض ملامح عالم جديد على وشك التوسع. وفي مركز العالم المسيحي الغربي كانت فرنسا وألمانيا في طور التشكل، بينما ظهرت في الجنوب بدايات ثقافة ساحلية متوسطية غربية جديدة ضمت في البداية كتلونيا واللانغدوك وبروفانس، ومع مرور الزمن وتعافي إيطاليا من عصر البربرية كانت هذه الثقافة قد امتدت أكثر نحو الشرق والجنوب. ثم كانت هناك منطقة ثالثة متميزة ومؤلفة من محيط متنوع في الغرب والشمال الغربي والشمال، حيث كانت توجد دول مسيحية في إسبانيا، وفي إنكلترا وجاراتها السلتيات المستقلات وشبه البربريات أي ايرلندا وويلز واسكتلندا، وأخيراً الدول الاسكندينافية. وكانت ثمة أماكن واقعة بين تلك المناطق الكبرى الثلاث يمكنك أن تصنفها مع الواحدة أو الأخرى منها أكيتانيا وغسكونيا وأحياناً برغنديا إلا أن الفروق بين المناطق تبقى حقيقية ومفيدة لفهم الصورة العامة. وكانت تلك المناطق تتميز بعضها عن بعض بتجاربها التاريخية فضلاً عن اختلاف مناخاتها وعروقها البشرية، ولو أن أهلها كانوا يجهلون هذه الأمور كلها.

مسافر بلاحدود
10-17-2010, 11:00 PM
الإفرنج

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الإفرنج
لقد ساهمت الشعوب أيضاً في بلوغ هذا الحد من التمايز ضمن أوروبا بالإضافة إلى العوامل الجغرافية، ففي القرن الرابع كان قد استقر ضمن الحدود الرومانية شعب جرماني هو شعب الإفرنج كحلفاء للإمبراطورية. وكانوا يعيشون بين نهري إسكو والموز، أي في أراضي بلجيكا الحالية، بينما بقي فرع آخر من العرق نفسه إلى الشرق من نهر الراين. وكانت منهم مجموعة ترتبط فيما بينها بروابط القربى عرفت بالميروفيين أو الميروفنجيين، وفي عهدهم انقلب الإفرنج في القرن الخامس على مضيفيهم أي حكام غاليا الرومان، ففتحوا جزءاً كبيراً من البلاد إلى الغرب وحتى نهر اللوار جنوباً.
لقد حاز أحد الميروفيين وهو كلوفيس على القبول كحاكم للإفرنج الغربيين والشرقيين معاً، وتزوج أميرة برغندية كاثوليكة، في عام 496 م حسب التقاليد ثم اعتنق المسيحية إثر معركة تذكرنا بتنصر قسطنطين، فنال بذلك دعم الكنيسة الغالية والبابا، وهذا ما مكنه من فرض سيادته في كافة أنحاء غاليا على الفيزيغوط والبرغنديين. ونقل عاصمته إلى مدينة صغيرة تقع على جزيرة ضمن نهر السين كان الرومان يسمونها لوتيسيا، وكان سكانها مسيحيين وكان فيها أساقفة منذ عام 250 م على الأقل وكانوا يعرفون بالـ Parisii ، وهي اليوم باريس. وفيها دفن كلوفيس في النهاية على الطريقة المسيحية فكان أول ملك إفرنجي يدفن بهذه الصورة، وعندما مات تقسمت أراضيه على طريقة الإفرنج المعتادة.
لقد أعيد ضم أجزاء هذه التركة كما أضاف إليها أحفاد كلوفيس أراضي الأوستروغوط الواقعة إلى الشمال من جبال الألب، ولكنها عادت فتقسمت من جديد. إلا أن سيادة الإفرنج استمرت بصورة واضحة على قسم كبير من شمال غربي أوروبا. وكان هذا الشعب البربري حليفاً جديداً وهاماً للكنيسة، وقد نشأت منه قوة جديدة، فكانت هذه بداية نظام إفرنجي جديد في الغرب سوف يؤدي بدوره في النهاية إلى أوروبا جديدة، وسوف تشكل أراضي الإفرنج في العصور الوسطى قلب العالم الغربي. إلا أنها لم تكن بلاداً غنية ولا متطورة من الناحية الثقافية، فقد كانت مدنها أقل عدداً مما هي الحال في الجنوب، وكانت الحياة فيها تعتمد على الزراعة، وكان حكامها عبارة عن مقاتلين برعوا في فن الحرب فاكتسبوا أراضي واسعة. ولكن الإفرنج بعد أن وضعوا هذا الأساس بدؤوا باستيطان ألمانيا، كما صاروا حماة للكنيسة، وتبلورت على أيديهم ملكية مسيحية ذات تقاليد متميزة ورّثوها فيما بعد للمستقبل.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp7-1.jpg
تطور نمو دولة الفرنجة
لقد استمرت سلالة الميروفيين بعد كلوفيس، ولكن تعاقب على عرشها عدد من الملوك كانوا قد خسروا ثرواتهم فصاروا ضعفاء، واضطروا لإعطاء المزيد من الاستقلال للأرستقراطيين الإفرنج. وكان بين هؤلاء الأرستقراطيين أسرة من أوسترازيا، أي أراضي الإفرنج الواقعة إلى الشرق من الراين، مازالت تنمو ويشتد عودها حتى طغت على السلالة الميروفيية. ومنها جاء القائد شارل مارتل، الذي صد تقدم العرب عند تور في عام 732 م كما دعم وساند المبشر القديس بونيفاتيوس الذي نصّر ألمانيا. وكان لعمليه هذين أثر هام في تاريخ أوروبا، وقد ثبتا التحالف مع الكنيسة، وعندما اختار نبلاء الإفرنج الابن الثاني لمارتل ، أي بيبان القصير ملكاً عليهم جاء البابا إلى فرنسا ومسحه بالزيت مثلما كان صموئيل قد مسح شاول وداود، ومنحه لقب نبيل روماني. وكانت البابوية بحاجة لصديقها القوي هذا لأن اللمبرديين كانوا يرهبون روما، وما كانت الإمبراطورية الشرقية لتقدم لها أي مساعدة، كما أنها كانت حينئذٍ أقرب إلى الهرطقة في نظر الكاثوليك. وقد هزم بيبان اللمبرديين وأسس في عام 756م الدول البابوية عندما فتح مدينة رافينا للقديس بطرس، فكان هذا معلماً آخراً في تاريخ أوروبا، وبداية أحد عشر قرناً من السلطة الدنيوية للبابوية ، كان البابا خلالها يحكم أراضيه مثل أي ملك آخر. وأدى هذا أيضاً إلى إصلاح الكنيسة الإفرنجية وإلى مزيد من الاستيطان والتنصير في ألمانيا من خلال الحروب التي شنت ضد السكسون الوثنيين، وإلى دفع العرب إلى الطرف الآخر من جبال البيرينيه*، وهكذا كان هذا المحور الروماني الإفرنجي ذا منفعة كبيرة للكاثوليكية.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:40 AM
شارلمان

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



شارلمان
لقد تقسمت أراضي بيبان مرة ثانية عند موته، إلا أن التركة الإفرنجية بأكملها توحدت من جديد في عام 771م في ابنه الأكبر شارلمان، وهو أعظم رجال هذه السلالة التي صارت تعرف بسلالة الكاروليين، أو الكارولنجيين وسرعان ما أضحى شارلمان أسطورة. من الواضح أنه كان يجمع صفتي المحارب والملك جرياً على عادات الإفرنج، فكان يهوى الفتوحات وكانت الحرب نشاطه الأساسي، ولكن الشيء الجديد هو الجدية البالغة بل القداسة التي أظهرها في أداء دوره كملك مسيحي، فقد سعى لتعظيم بلاطه والسمو بمكانته بأن أغناه بالعلوم المسيحية، وبرعايته الكبيرة للمعرفة والفنون. وفي مجال الفتوحات تأمن له ضم أراضي كثيرة، وكان لهذا الأمر نواحي دينية أيضاً، لقد أطاح شارلمان باللمبرديين بعد أن أخضعوا إيطاليا وأرهبوا البابوات، واستولى على عرشهم وعلى أراضيهم في شبه الجزيرة، وظل يخوض الحملات في الشرق ثلاثين سنة تم له فيها تنصير شعب السكسون الوثني بالقوة، كما أن محاربة الأفار والوند والسلاف قد مكنته من ضم كرينثيا وبوهيميا وفتحت له طريقاً هاماً على طول نهر الدانوب إلى بيزنطة. وقد وضع حدوداً دفاعية عبر نهر الألب من أجل السيطرة على الدانمركيين، وفي بداية القرن التاسع اقتحم إسبانيا ووضع فيها حدوداً مماثلة عبر جبال البيرينه تمتد جنوباً حتى نهر الإبرو وساحل كتلونيا، وقد تجمعت لديه بذلك أراضٍ كثيرة.
في يوم عيد الميلاد من عام 800 م قام البابا بتتويج شارلمان ونودي به إمبراطوراً، ومازال المؤرخون منذ ذلك الحين يتجادلون حول معنى هذا التتويج. لقد كان هناك إمبراطور يعترف به الجميع ويعيش في القسطنطينية، فهل صار يوجد إمبراطوران اثنان في عالم مسيحي مقسم مثلما كان الحال في أواخر الأزمنة الرومانية؟ كان من الواضح أن لقب الإمبراطور هو ادعاء بالسلطة على شعوب كثيرة، وأن شارلمان باتخاذه هذا اللقب كان يريد أن يقول إنه ليس ملكاً على الإفرنج وحدهم. وربما كانت إيطاليا في البداية هي البلد الأهم بنظره، لأنها تمكنه من الارتباط بماضيها الإمبراطوري فيكون هذا عاملاً موطداً لسلطته لا يتيحه أي بلد آخر. وكان ثمة عامل آخر أيضاً، هو عرفان البابا بجميل شارلمان أو حاجته لدعمه، لأن جنوده كان قد أعادوا للتو البابا ليون الثالث إلى عاصمته، ولكن روي أيضاً عن شارلمان قوله إنه لو علم بما كان البابا ينوي أن يفعله لما دخل كنيسة القديس بطرس، فربما كان يكره عجرفة البابا وادعاءه السلطة.
مهما كان دوافع شارلمان فإن ختمه سرعان ما حمل كتابة تقول إحياء الإمبراطورية الرومانية، وكان هذا ارتباطاً مقصوداً وصريحاً بالماضي العظيم، وقد اعترفت القسطنطينية لاحقاً بصلاحية لقبه هذا في الغرب، ولكن علاقاته ببيزنطة لم تكن سهلة قط، وليس هذا بالأمر الغريب. وكانت اتصالاته بالخلافة العباسية رسمية ولكنها ودية، ولا ننس أن العرب كانوا يهددون بيزنطة، أما أمويو الأندلس فكانت علاقتهم بهم دون هذا لأنهم كانوا قريبين منه بحيث يشكلون خطراً عليه.
كانت حماية الدين من الكفار واجباً من واجبات الملوك المسيحيين، ولكن هذا لا يعني استقلال الكنيسة، بل لقد أخضعها شارلمان بحزم لسلطته، واستخدمها أداة للحكم من خلال أساقفتها. فكان يرأس المجامع الإفرنجية ويفصل في أمور العقيدة بسلطان مثلما كان يفعل يوستينيانس من قبله، ويبدو أنه كان يأمل بإصلاح الكنيستين الإفرنجية والرومانية وبفرض رهبنة القديس بنديكتس عليهما. والحقيقة أن أعمال شارلمان كانت بداية فكرة هامة، هي مسؤولية الملك عن رعاة الحياة الدينية في أراضيه فضلاً عن دوره في حماية الكنيسة.
ربما كان بلاط شارلمان في آخن (اكس لاشابل) بدائياً بالقياس إلى بلاط بيزنطة، أو حتى بالقياس إلى بلاط بعض الممالك البربرية الباكرة، ولكن الفن البيزنطي بدأ يخصب تقاليد أوروبا الشمالية عندما جلب رجاله المواد والأفكار من رافينا لتجميل مدينة آخن، كما أن النماذج الكلاسيكية قد أثرت أيضاً في فناني شارلمان. إلا أن أبرز الأشياء التي زها بها بلاطه إنما هي كونه مركزاً للفكر من خلال علمائه الكبار، وكان الكتبة ينسخون النصوص بخط جديد يسمى الخط الكارولي الصغير، وسوف يصبح هذا أداة من الأدوات العظيمة لنشر الثقافة في الغرب. وكان شارلمان يأمل باستخدامه في صنع نسخ أصلية صحيحة من قواعد القديس بنديكتس لكي يقدمها لكل دير في مملكته، ولكن الأهمية الكبرى لهذا الخط إنما تكمن في صنع نسخ من الكتاب المقدس. وكان الكتاب المقدس هو الكتاب الأساسي في مكتبات الأديرة التي صارت تجمع الآن في كافة الأراضي الإفرنجية، ولم يقتصر هذا الأمر على المغزى الديني، لأن تاريخ اليهود في العهد القديم حافل بالصور المثالية للملوك المحاربين الأتقياء والممسوحين بالزيت، وكان هؤلاء نماذج من المفيد أن يروج لها. وقد استمر نسخ النصوص وانتشارها قرناً كاملاً بعد أن أعطي دفعته الأولى في آخن، فكان هذا جوهر ما يسمى النهضة الكارولية. ولم تكن كلمة نهضة تحمل أياً من معانيها الدنيوية التي اكتسبتها في أزمنة لاحقة، بل كانت نهضة مسيحية جداً، وكان الغرض منها تدريب رجال الدين من أجل إحياء الكنيسة الإفرنجية وتنشيطها والاستمرار بدفع الإيمان شرقاً عن طريق البعثات التبشيرية. كان هناك عدد من الرجال الإيرلنديين والأنكلوسكسون في مدرسة القصر بآخن، ومنهم العالم المرموق ألكوين من مدينة يورك، التي كانت مركزاً كبيراً للمعارف الإنكليزية، وكان أشهر تلاميذ ألكوين هو شارلمان نفسه، ولكن كان لديه أيضاً عدد من التلامذة الآخرين، كما كان يدير مكتبة القصر. وقد أصبح رئيساً للدير في مدينة تور وكانت له فيها مدرسة يشرح فيها الكتاب الكلاسيكيين لرجال سوف يحكمون الكنيسة الإفرنجية في الجيل التالي.
إن ألكوين هذا دليل لافت على انتقال مركز الثقل الثقافي في أوروبا نحو الشمال وابتعاده عن العالم الكلاسيكي. وكان هناك عدداً من الإفرنج فيزيغوط ولمبرديون وإيطاليون ساهموا جميعاً في حركة التعليم والنسخ وتأسيس الأديرة الجديدة التي امتدت إلى شرق فرانسيا وغربها. وكان من هؤلاء العالم أينهارد، الذي كتب سيرة عن شارلمان نقرأ فيها أنه كان يميل إلى الثرثرة في بعض الأحيان، وأنه كان شغوفاً بالصيد ويحب السباحة والاستحمام في ينابيع المياه الحارة، وهذا سبب اختياره لآخن كمكان إقامة له، ويظهر شارلمان أيضاً في كتاب أينهارد بصورة رجل فكر يتحدث اللاتينية فضلاً عن الإفرنجية ويفهم اليونانية. ويدعم مصداقية الرواية أن كاتبها يتحدث عن محاولات شارلمان للكتابة وكيف كان يحتفظ بالدفاتر تحت وسادته لكي يكتب وهو في السرير، ثم يضيف أينهارد " ولكن رغم أنه حاول بمجهود كبير فإنه قد ابتدأ في عمر متأخر".
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp7-2.jpg
إمبراطورية شارلمان
ترتسم لك عن شارلمان صورة حية لرجل وقور وجليل، يسعى لكي يتحول من زعيم عسكري إلى حاكم إمبراطورية مسيحية كبيرة، وقد أصاب في مسعاه هذا نجاحاً كبيراً. ومن الواضح أن حضرته كانت مهيبة، إذ يبدو أنه كان أطول قامة بكثير من الرجال الذين من حوله، وكان الناس يرون فيه روح ملك بهيج وعادل وكريم فضلاً عن صورة البطل التي سيتغنى بها الشعراء والمنشدون طوال قرون عديدة. والحقيقة أن شارلمان قد أضفى على الملكية الجرمانية أبهة جديدة، عندما ابتدأ حكمه كان بلاطه متنقلاً بعد، فكان يمضى عامه في الترحال بين أراضيه المختلفة، ولكنه عندما مات خلف قصراً وخزينة مال في الموقع الذي دفن فيه. وقد تمكن من إصلاح الأوزان والمقاييس، وأعطى أوروبا تقسيم الجنيه الفضي إلى 240 بنس –ديناراً- وهو تقسيم سوف يستمر في الجزر البريطانية طوال أحد عشر قرناً. ولكن سلطته كانت في الوقت نفسه سلطة شخصية جداً، وكانت ترتكز في المحصلة على أراضيه ومنتجاتها الزراعية، وعلى الرجالات الكبار الذين أبقاهم قريبين منه لكي يستطيع مراقبتهم، وكان أتباعه هؤلاء مرتبطين به بأقسام مقدسة، ولكنهم بدؤوا يسببون له المتاعب مع تقدمه بالسن.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:42 AM
بدايات فرنسا وألمانيا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا


بدايات فرنسا وألمانيا
لم يتمتع خلفاء شارلمان بسلطته ولا بخبرته، وسرعان ما تقسمت أراضيه بعد موته وراح الرجال يلتمون حول بعض الأفراد مشكلين مجموعة من الولاءات المحلية، وفي النهاية تقاسم ثلاثة من أحفاده تركة الإفرنج في معاهدة فيردان في عام 843 م، وهي تسوية هامة جداً في تحديد خريطة أوروبا المستقبلية. لقد رسمت معاهدة فيردان مملكة في الوسط مؤلفة من أراضي الإفرنج التي مركزها الضفة الغربية لوادي الراين وتضم مدينة آخن فأعطتها إلى لوثير وهو الإمبراطور الحاكم ولهذا سميت لوثارينجيا فضلاً عن مملكة إيطاليا. وإلى الشرق منها أعطيت الأراضي ذات اللغة التوتونية الواقعة بين الراين والحدود الألمانية إلى لويس الألماني، وأخيراً أعطي الغرب شريط من الأرض يسمى غسكونيا وسبتمانيا وأكيتانيا إلى أخ غير شقيق لهذين الرجلين هو شارل الأصلع. وكان هذا التقسيم في الحقيقة أول مرة تتميز فيها فرنسا عن ألمانيا، أما لوثارينجيا فلم تكن تتمتع بوحدة لغوية وإثنية وجغرافية واقتصادية هامة قياساً إلى المملكتين الأخريين، لأنها إنما اصطنعت بسبب الحاجة لإرضاء الأبناء الثلاثة. وسوف يكون قسم كبير من تاريخ فرنسا وألمانيا عبارة عن محاولات لاقتسام هذه الأراضي فيما بينهما.
لقد ضعف الملوك الكارولييون بمرور الزمن، فلم يستمروا في فرانسيا الغربية إلا قرناً واحداً بعد شارل الأصلع، وفي نهاية حكمه كانت كل من بريتانيا وفلاندر وأكيتانيا مستقلة من الناحية الفعلية. لذلك استهلت الملكية الإفرنجية الغربية القرن العاشر وقد نال منها الضعف والوهن، وعجز شارل الثالث عن طرد النورمان، فتنازل لقائدهم رولو في عام 911 عن أراضٍ واقعة في نورمنديا الحالية. وتعمد رولو في العام التالي وراح يبني الدوقية التي أدى فيها الولاء للكاروليين، وظل مواطنوه الاسكندينافيين يفدون ويستقرون هناك حتى نهاية القرن العاشر، ولكنهم سرعان ما تفرنسوا من ناحيتي اللغة والقانون. وفي هذه الأثناء أدت الفوضى حول موضوع الخلافة في فرانسيا الغربية إلى بزوغ كونت من باريس راح يبني سلطة أسرته باطراد حول أراضيهم الواقعة في المنطقة المسماة جزيرة فرنسا-ايل دو فرانس- وسوف تكون هذه نواة فرنسا القادمة. وعندما مات آخر الحكام الكاروليين للإفرنج الغربيين في عام 987 انتخب هوغ كابه ابن كونت باريس ملكاً، وسوف تحكم عائلة طوال أربعمائة عام، وعدا عن هذا كان الإفرنجيون الغربيون عندئذٍ مقسمين إلى حوالي اثنتي عشر وحدة يحكمها زعماء على درجات متباينة من المكانة والاستقلال.


الإمبراطورية الرومانية المقدسة


800م
تتويج شارلمان
840-843 م
تقسيم الإمبراطورية الكارولية عند موت لويس الورع. لوثير الأول يتخذ لقب إمبراطور ( مع إيطاليا ولوثارينجيا)
955 م
معركة لشفلد: أوتو الكبير يقضي بهذا النصر أخيراً على خطر المجر
966-972 م
ثالث حملات أوتو الأول إلى إيطاليا: خلع أحد البابوات وإعادة آخر وترشيح ثالث
998 م
أوتو الثالث يخلع البابا
1046 م
هنري الثالث يخلع ثلاث بابوات متنافسين ويعيد تثبيت حقه بترشيح البابا
1075-1122 م
الصراع على تنصيب الأساقفة الذي انتهى بصورة رسمية في اتفاق ورمز
1125 م
تأسيس مبدأ الانتخاب كطريقة لاختيار الأباطرة مع ارتقاء لوثير الثاني العرش
1138 م
سلالة هوهنشتاوفن الإمبراطورية تبدأ بكنراد الثالث، يتلوها صراع طويل مع البابوية
1152-1190 م
فريدريك الأول (بربروس) يبدأ باستخدام لقب الإمبراطورية الرومانية المقدسة
1183 م
صلح كونستانس (بين الإمبراطور والبابا والمدن اللمبردية) يمهد الطريق لافتراق ألمانيا وإيطاليا تحت السيادة الاسمية للإمبراطور
1245 م
البابا إنوسنتس الرابع يخلع فريدريك الثاني في مجمع ليون
1268 م
اغتيال آخر أمراء هوهنتشتاوفن
1356 م
شارل الرابع يضع دستور الإمبراطورية الرومانية المقدسة حتى 1806م.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:43 AM
الأباطرة الألمان

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الأباطرة الألمان
أما على الطرف الآخر من الراين فقد تفككت البلاد بعد موت آخر ملك كارولي في عام 911م بصورة صاغت نمط السياسة في ألمانيا طوال ألف عام بعدها، وصار الزعماء المحليون يبدون المزيد من السلطة، وكانت الولاءات القبلية أقوى منها في الغرب، فنتجت عن هذا ست دوقيات قوية. واختار الدوقات حاك إحداها وهو كنراد الفرنكوني ملكاً عليهم لأنهم كانوا يريدون زعيماً قوياً يواجه خطر المجر، وقد مسحه الأساقفة عند تتويجه فكان بذلك أول حاكم للإفرنج الشرقيين يتوج بهذه الطريقة. ولكن كنراد لم ينجح في معالجة أمر المجر، كما أنه حاول بدعم من الكنيسة أن يعلي من شأن أسرته ومنصبه، فقام الدوقات عندئذٍ بلم شعوبهم من حولهم من أجل حماية استقلالهم، وكانت أهم تلك الشعوب أربعة هم السكسونيون والبافاريون والسوابيون والفرنكونيون، وهو الاسم الذي صار يطلق على الإفرنج الشرقيين، ثم لجأ كنراد إلى تعيين أحد الثوار خليفة له ووافق عليه الدوقات، وفي عام 919 م أصبح هنري وهو دوقاً سكسونياً ملكاً، وعرف بلقب هنري الصياد وقد حكم هو وأحفاده أي الأباطرة السكسونيين أو الأوتونيين الإفرنج الشرقيين حتى عام 1024م.
لقد تجنب هنري الصياد التتويج الكنسي، وكانت لديه أملاك عائلية كبيرة، وكان يحوز على ولاءات قبائل السكسون، وقد تمكن من ردع الزعماء الكبار بفضل كفاءته العسكرية العالية. ثم أنه استولى على لوثارينجيا من الإفرنج الغربيين، ووضع الحدود الدفاعية الجديدة على نهر الألب بعد حملاته الناجحة ضد الوند، وجعل من الدنمرك مملكة تابعة له وبدأ بتنصيرها، كما هزم المجريين، وبذلك توفرت لابنه أوتو تركة غنية عرف كيف يستفيد منها.
وتابع أوتو الأول عمل أبيه في تأديب الدوقات، وفي عام 955م ألحق بالمجريين هزيمة كسرت شوكتهم إلى الأبد، كما أنه أعاد استيطان النمسا أي حدود شارلمان الشرقية، ورغم أنه واجه بعض المعارضة فقد جعل من الكنيسة أداة موالية له، فكان رجال الكنيسة في ألمانيا يتطلعون إلى الملكية لكي تؤمن لهم الحماية من اعتداءات العلمانيين، ويقال أن أوتو قد أنهى مرحلة الفوضى في أوروبا الوسطى، وعلى عهده بدأ الشعور بما يمكن أن يسمى ألمانيا الواعية لذاتها.
لقد توج أوتو في آخن في عام 936 وقبل المسح بالزيت الذي تجنبه أبوه، وخدمه الدوقات الألمان كأتباع له على الطريقة الكارولية القديمة أثناء وليمة تتويجه. وبعد خمس عشرة سنة غزا إيطاليا واتخذ عرشها، وقد بقي البابا عشر سنوات رافضاً أن يتوجه إمبراطوراً إلى أن قبل أخيراً فتم التتويج عام 962م، فتوحد بذلك عرشا ألمانيا وإيطاليا من جديد، وكانت هذه بداية ما سيعرف بالإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي سوف تستمر ألف عام تقريباً، وهي لم تكن واسعة مثل إمبراطورية شارلمان ولم يسيطر أوتو على الكنيسة مثله، إلا أنها كانت على كل حال إنجازاً كبيراً. ومن بعده ظل خلفاؤه يمارسون ما ابتدأه من سلطة إلى الجنوب من جبال الألب، فقد نصب حفيده أوتو الثالث أحد أبناء عمومته بابا فكان هذا أول ألماني يرتقي كرسي القديس بطرس كما أنه عين بعد ذلك أول بابا فرنسي. ويبدو أن روما قد أسرت قلبه واستحوذت عليه فاستقر فيها، وقد سمى نفسه أوغسطس مثل سلفيه المباشرين، كما صارت أختامه تحمل من جديد شعار إحياء الإمبراطورية الرومانية، وهي تعني عنده الإمبراطورية المسيحية. وكانت أمه أميرة بيزنطية لذلك اعتبر نفسه قسطنطين جديد، وكان يحلم بأوروبا منظمة بصورة تسلسل هرمي من الملوك تحت السيادة العليا للإمبراطور، وهو مفهوم شرقي، وبعد موته عام 1002 أخذ جثمانه إلى آخن كما أمر ليدفن إلى جانب شارلمان.
ولم يخلف أوتو وريثاً له، أما خليفته المنتخب هنري الثاني فقد كان جوهره حاكماً ألمانياً لا إمبراطوراً على الغرب، وتقول الكتابة المحفورة على ختمه إحياء مملكة الإفرنج وكان اهتمامه منصباً على إحلال السلام في شرق ألمانيا وتنصيرها. صحيح أنه قام بثلاث حملات إلى إيطاليا إلا أن سلطته فيها كانت تعتمد على تأليب الأحزاب بعضها ضد بعض، ومعه بدأ الأسلوب البيزنطي للإمبراطورية الأوتونية بالأفول. ورغم أن فكرة الإمبراطورية الغربية طلت لها جاذبيتها وسحرها لدى الملوك في بداية القرن الحادي عشر، فإن تركة الكاروليين كانت في الحقيقة قد تفككت إلى أجزاء صغيرة منذ زمن طويل، فكانت ألمانيا حقيقة واقعة، ولو أنها غير متماسكة بعد وغير موجودة في أذهان الناس. كما كان الخط الأساسي لمستقبل فرنسا قد وضع أيضاً، ولو لم يكن بإمكان الناس أن يروه، ورغم أن سيادة الكابيتيين على أجزاء فرانسيا الغربية ظلت ضعيفة، فقد كانت بحوزتهم أراضٍ ملكية ذات موقع مركزي وتضم باريس نفسها، فضلاً عن أنهم كانوا يتمتعون بصداقة الكنيسة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:44 AM
أوروبا الجنوبية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



أوروبا الجنوبية
أما الجزء الآخر الكبير من تركة الكاروليين فهو إيطاليا، كانت إيطاليا منذ القرن السابع تتطور مبتعدة عن أوروبا الشمالية لكي تعود وتبزغ كجزء من أوروبا المتوسطية. وكثيراً ما ظل البابوات في خطر حتى بعد أن أطاح شارلمان باللمبرديين، إذ كان عليهم أن يواجهوا سلطة الزعماء الإيطاليين المتزايدة فضلاً عن أرستقراطيتهم الرومانية. وكانت الكنيسة الغربية حينئذٍ في أدنى حالاتها، وكان يعوزها التماسك والوحدة، وتبين معاملة الأوتونيين للبابوية مدى ضعف سلطتها، وقد أدى هذا الوضع إلى انتشار التمزق والفوضى في أراضي إيطاليا، فكان الشمال عبارة عن دويلات إقطاعية متناثرة، وكانت البندقية في ذلك الحين جمهورية مستقلة ناجحة تندفع إلى الأمام في بحر الأدرياتيك، وكان حاكمها قد اتخذ لتوه لقب الدوق، وربما كانت أقرب إلى أن تكون قوة شرقية أدرياتيكية منها قوة متوسطية. وكان هناك دول مدن جمهورية في الجنوب في غايتا وأمالفي ونابولي، وعبر منتصف شبه الجزيرة كانت تمتد الدول البابوية، وعليها كلها كان يخيم شبح الغارات الإسلامية حتى بيزا شمالاً، بينما ظهرت إمارات إسلامية في ترانتو وباري في القرن التاسع. ولن تدوم هذه الإمارات طويلاً، ولكن العرب أتموا فتح صقلية في عام 902م، وسوف يحكموها قرناً ونصف القرن ويتركون فيها آثاراً عميقة.
لقد صاغ العرب أيضاً مصير سواحل أوروبا المتوسطية الغربية الأخرى، ففضلاً عن استيطانهم إسبانيا كانت لهم قواعد ثابتة إلى حد ما في منطقة بروفانس إحداها في سان تروبيه، لذلك كانت علاقات سكان سواحل أوروبا المتوسطية بالعرب معقدة، وكان العرب بالنسبة لهم قطاع طرق وتجاراً في الوقت نفسه. وفي جنوب فرنسا وكتلونيا كان الفتح الإفرنجي قد حل محل الفتح القوطي، ولكن ظلت فيها آثار مادية تذكر بالماضي الروماني، كما كانت الزراعة المتوسطية واسعة الانتشار، ومن الملامح الأخرى المميزة لهذه المنطقة ظهور عائلات من اللغات اللاتينية الرومانسية في الجنوب، كانت اللغتان الكتلانية والبروفنسالية أطولها عمراً.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:45 AM
النورمان (أهل الشمال)

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



النورمان (أهل الشمال)
لطالما لعب النورمان الوثنيون دوراً أساسياً في تشكيل تاريخ الجزر البريطانية والحواف الشمالية للمسيحية. وقد بدأ هؤلاء الاسكندينافيون بالتحرك منذ القرن الثامن، وكان السبب الأرجح هو زيادة عدد السكان. وكانوا مجهزين بقوارب طويلة ذات مجاديف وأشرعة قادرة على احتواء عائلات كبيرة مع أغراضها وحيواناتها لستة أو سبعة أيام في البحر، وبها اندفعوا ليزرعوا حضارة جديدة سوف تمتد من غرينلند حتى كييف. فالنرويجيون كانوا يميلون للاستيطان، والسويديون الذين اقتحموا روسيا وعرفوا في سجلاتها باسم الفاريغ كانوا أكثر انشغالاً بالتجارة، بينما قام الدنمركيون بالقسم الأكبر من أعمال السلب والنهب والقرصنة. ولكن الحقيقة أن الشعوب الاسكندينافية المهاجرة قد ساهمت كلها في هذه الأنشطة بدرجات مختلفة، ويسمى الذين شاركوا فيها عادة الفايكنغ بلا تمييز بينهم، وهي كلمة تعني طواف البحر أو القرصان.
كان الاستيطان أبهر إنجازات أهل الشمال، فقد حلوا بشكل كامل محل شعب البكت في أرخبيلي الأوركناي والشتلند، ومنها مدوا حكمهم إلى أرخبيل الفارو، الذي لم يسكنه قبل ذلك إلا عدد قليل من الرهبان الايرلنديين مع خرافهم، وجزيرة مان أيضاً. وكانت هذه المستوطنات أطول عمراً وأعمق من مستوطناتهم في بر اسكتلندا وايرلندا، حيث بدأت في القرن التاسع، ولكن اللغة الايرلندية تشهد على أهميتها لأنها أخذت عنها كلمات نورمانية في مجال التجارة، كما أن الفايكنغ أسسوا مدينة دبلن كمحطة تجارية. إلا أن أنجح مستوطناتهم على الإطلاق إنما كانت جزيرة أيسلندا، وكان الرهبان الايرلنديون المقيمون فيها يتوقعون هم أيضاً قدوم النورمان، ولكنهم لم يفدوا بأعداد كبيرة حتى نهاية القرن التاسع، وربما بلغ عددهم فيها حوالي 100.000 كانوا يعيشون على الزراعة وصيد السمك من أجل تأمين طعامهن وصنع السمك المملح الذي كانوا يتاجرون به. وفي تلك السنة تأسست الدولة الأيسلندية، واجتمع مجلس althing للمرة الأولى، وهو مجلس مكون من وجهاء الجماعة، وليس بأول برلمان أوروبي كما رآه البعض لاحقاً.
وبعد أيسلندا نشأت مستوطنات أخرى في غرينلاند في القرن العاشر، وقد بقي النورمان فيها خمسمائة سنة قبل أن يزولوا، أما عن استكشافهم واستيطانهم إلى الغرب منها فلا نعرف الشيء الكثير، وتخبرنا قصائد الساغة، وهي قصائد بطولية تدور حول أيسلندا في العصور الوسطى، عن استكشاف بلاد فنلند، حيث وجد النورمان الكرمة البرية تنمو، وعن ولادة طفل هناك عادت أمه بعد ذلك إلى أيسلندا وسافرت من جديد حتى روما في رحلة حج قبل أن تستقر في معتزل مقدس ببلدها الأصلي. وقد وجدت في نيوفوندلند مستوطنة يرجح أن تكون نورمانية، ولكن لا يمكننا في الوقت الحالي أن نذهب إلى أبعد من هذا.
إلا أن نشاطات الفايكنغ الاستيطانية والتجارية هذه قد غابت عن أنظار الناس في أوروبا الغربية منذ البداية، وطغى عليها التأثير الفظيع لعمليات السلب والنهب التي اشتهروا بها، وكانت لديهم أيضاً بعض العادات المتوحشة، مثل التعذيب عن طريق تمديد الأطراف، ولكن الحقيقة أن هذه كانت حال أكثر البرابرة. وكان رجال الكنيسة أكثر من روعتهم هذه الغارات الوثنية، لأن كنائسهم وأديرتهم كانت غنية بالمعادن الثمينة والمؤن الغذائية، فكانت على الدوام هدفاً شهياً للفايكنغ. ولم يكن هؤلاء أول من أحرق الأديرة في ايرلندا، ولكن لاريب أن تأثيرهم على المسيحية الشمالية والغربية كان تأثيراً مروعاً. فقد هاجموا إنكلترا للمرة الأولى في عام 793 م، وايرلندا بعدها بسنتين، وفي النصف الأول من القرن التاسع بدأ الدنمركيون بمضايقة جزر فريزيا عاماً بعد عام، وراحوا ينهبون المدن نفسها المرة تلو الأخرى. ثم هاجموا ساحل فرنسا، وفي عام 842 نهبوا مدينة نانت وقاموا فيها بمذبحة كبيرة. وقد كتب مؤرخ إفرنجي ممتفجعاً: "إن مد الفايكنغ الذي لا ينتهي ما برح يتنامي". كما هوجمت مدن واقعة في داخل البلاد، مثل باريس وليموج وأورليان وتور وأنغوليم، وسرعان ما عانت منهم إسبانيا والعرب أيضاً، لأنهم اكتسحوا اشبيليا في عام 844م، بل أنهم أغاروا في عام 859م على مدينة نيم ونهبوا مدينة بيزا.
لقد سببت هذه الهجمات الرهيبة تغيرات كبيرة في الشعوب التي حلت بها، خاصة بين الإفرنج الغربيين، لأن الغارات على السواحل كانت مباغتة لا يمكن التنبؤ بها ولا مقاومتها بصورة فعالة، وقد ألقت عمليات التخريب مسؤوليات جديدة على عاتق الزعماء المحليين، فراحت السلطة المركزية والملكية تنهار وصار الناس يتطلعون إلى سادتهم المحليين من أجل حمايتهم. ولكن الحقيقة أن محاولات الحكام لمواجهة أخطار الفايكنغ لم تكن فاشلة على الدوام، بل كان بالإمكان هزمهم وقد هزموا فعلاً إذا ما استدرجوا للاشتباك في معارك واسعة، وكان الدفاع عن المراكز الأساسية في الغرب المسيحي ناجحاً بصورة عامة، ولو أن الحكام كثيراً ما اضطروا لدفع ما سماه الإنكليز ضريبة التاج الدنمركي وهي عبارة عن جزية كانوا يؤدوها للفايكنغ من أجل أن يدرؤوا شرهم.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:46 AM
انكلترا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



انكلترا
وسرعان ما أصبحت انكلترا أيضاً هدفاً أساسياً لغزوات الفايكنغ الدنمركية، كانت ممالك إنكلترا الوثنية قد تنصرت بشكل واسع بحلول القرن التاسع، وكانت البعثة التبشيرية الرومانية التي تأسست في كنتربري في عام 597م قد نافست الكنيسة السلتية الأقدم حتى عام 664م، وكان ذلك العام حاسماً إذ عقد فيه مجمع كنسي في وتبي وأعلن فيه ملك من نورثمبريا عن اتخاذ تاريخ الفصح التي حددته روما، فكان هذا خياراً رمزياً حدد أن مستقبل إنكلترا سوف يرتبط بالتقاليد الرومانية وليس بالتقاليد السلتية. وكانت بعض الممالك الإنكليزية تقوى بين حين وآخر فتصير لها بعض السطوة على الأخريات، ولكن أياً منها لم تكن قادرة على مواجهة موجة الهجمات الدنمركية المتصاعدة منذ عام 851 م وقد أدت هذه الغزوات إلى احتلال ثلثي البلاد وتأسيس مناطق واسعة من المستوطنات، وصار شعب الأنكلوسكسون في خطر الارتداد إلى الوثنية والاندماج في عالم الثقافة الاسكندينافية، إلا أنه قد أنقذ من هذا المصير على يد ألفريد الكبير ملك وسكس.
إن الملك ألفريد هو أول رجل إنكليزي يجب أن يظهر اسمه في هذا الكتاب، وهو أيضاً أول بطل قومي إنكليزي. عندما كان طفلاً في الرابعة أخذه أبوه إلى روما ومنحه البابا ألقاباً فخرية، وكانت ملكية وسكس مرتبطة بالمسيحية ارتباطاً وثيقاً لا تفصم عراه. وكان ألفريد يعتبر نفسه حامي المسيحية من الوثنية وحامي إنكلترا من الغزاة الأجانب في الوقت نفسه، وفي عام 871 م ألحق أول هزيمة حاسمة بجيش دنمركي في إنكلترا، واللافت أن الملك الدنمركي قَبِلَ بالانسحاب بعد سنوات قليلة من وسكس وباعتناق المسيحية أيضاً، فكانت هذه علامة على أن الدنمركيين سوف يبقون في إنكلترا، ولكن أيضاً على أن بالإمكان تفريق بعضهم عن بعض. وسرعان ما أصبح ألفريد زعيم الملوك الإنكليز الباقين جميعاً، ولم يبق في النهاية من ملك سواه، وقد استعاد لندن، وعندما مات في عام 899 م كانت أسوأ مراحل الغارات الدنمركية قد ولت، وسوف يحكم أحفاده البلاد موحدة، وقد قبل بحكمهم الجميع حتى المستوطنين في أراضي القانون الدنمركي، وهي الأرض التي حددها ألفريد والتي مازالت تتميز حتى يومنا هذا بأسماء اسكندنافية للأماكن وأساليب اسكندنافية في الكلام.
لقد أسس ألفريد سلسلة من القلاع كجزء من نظام جديد للدفاع عن البلاد عن طريق تجنيد السكان المحليين، ومكنت هذه القلاع من زيادة تقليص أراضي القانون الدنمركي، كما وضعت جزءاً كبيراً من نمط الحياة القادمة في إنكلترا، وبنيت من حولها مدن مازالت مواقعها مسكونة حتى اليوم. وأخيراً فإن ألفريد قد أقدم بموارده الضئيلة على عملية إحياء شعبه ثقافياً وفكرياً، فراح عملاء بلاطه ينسخون الأعمال ويترجمونها كما في بلاط شارلمان، وأتاح هذا لنبلاء الأنكلوسكسون ورجال دينهم أن يقرؤوا الكتاب المقدس بالأخص وغيره من الكتب بلغتهم. وكانت هذه التجديدات علامة على بداية عصر عظيم في إنكلترا، فقد حدثت نهضة في حركة الرهبنة بعثت الحياة في الكنيسة، وظهرت بنية حكومية محلية مكونة من مقاطعات استمرت بعض حدودها حتى عام 1974م ، كما أمكن ضبط الدنمركيين في مملكة متحدة خلال نصف قرن من الاضطرابات. ولم تهن الملكية الأنكلوسكسونية إلا عندما ضاعت الكفاءة من سلالة ألفريد، فقام الفايكنغ عندئذٍ بهجوم جديد ودفعت مبالغ طائلة من المال جزية للتاج الدنمركي. وأطاح أحد الملوك الدنمركيين (وهو مسيحي هذه المرة) بالملك الإنكليزي، ثم مات مخلفاً ابناً صغير السن لحكم الأراضي التي فتحها، وكان هذا هو الملك الشهير كنوت، الذي أصبحت إنكلترا على عهده لبرهة قصيرة جداً جزءاً من إمبراطورية دنمركية كبيرة (1006-1035)م ، ثم حل بإنكلترا غزو نرويجي كبير وأخير في عام 1066، ولكنه تحطم في معركة ستامفرد بريدج.
لقد خلفت الحضارة الاسكندنافية تراثاً هاماً في أوروبا، مثل دوقية نورمنديا وأدب الساغة، ولكنها لم تكن في المحصلة إلا مرحلة من مراحل تاريخها، واندمج النورمان رويداً رويداً بسكان الأراضي التي استوطنوها. وعلى عهد كنوت كان الدنمركيون المقيمون في أراضي القانون الدنمركي أنفسهم يتحدثون باللغة الإنكليزية ويقبلون القانون الإنكليزي قانوناً لهم. أما أحفاد زعيم النورمان رولو وأتباعه الذين تقدموا من نورمنديا لفتح إنكلترا في القرن الحادي عشر فكانوا قد أصبحوا فرنسيين، وإن أغنية الحرب التي كانوا يرددونها في معركة هيستنغز كانت تتغنى بالبطل الإفرنجي شارلمان، بينما كان سكان بلاد القانون الدنمركي المغزيين قد أصبحوا إنكليزاً. وبالمثل فقد الفايكنغ تميزهم العرقي في كييف روس في موسكوفيا وأسس النورمانديون أسرة ملكية وطبقة أرستقراطية جديدتين في إنكلترا في عام 1066، ولكن خلال قرون قليلة كانت السلالة وأرستقراطيتها قد أصبحتا كلتاهما إنكليزيتين أيضاً

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:48 AM
اشتداد كنيسة العصور الوسطى وتصلبها

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا







اشتداد كنيسة العصور الوسطى وتصلبها

كثيراً ما شعر قادة الكنيسة في القرون الممتدة من نهاية العالم القديم حتى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر العزلة والخطر. وكانت خلافات الكاثوليكية مع الأرثوذوكسية الشرقية في ازدياد متواصل، حتى انتهى الأمر إلى القطيعة الكاملة تقريباً، لذلك كان من الطبيعي أن تتصف الكاثوليكية بالتصلب والعدوانية، إذ إنها لم تكن تشعر بالأمان. صحيح أن شارل مارتل قد صد الإسلام في الغرب، إلا أن العرب ظلوا يشكلون خطراً كبيراً، أما الفايكنغ فلم يكونوا إلا همجاً وثنيين. وفي الداخل أيضاً شعر رجال الكنيسة أنهم محاصرون ومطوقون، لأنهم كانوا يعيشون في وسط شعوب مازالت شبه وثنية، فكان عليهم التعايش مع ثقافاتها وترويضها قدر المستطاع مع تقبل بعض عاداتها وتقاليدها المحلية ولكن بحذر شديد. كل هذا كان على الكنيسة أن تقوم به من خلال رجال دين أكثرهم غير معلمين وبلا انضباط كبير ولا روحانية حقيقية، وكان الملوك والزعماء يجوسون من حولهم مقدمين لهم العون أحياناً وطامعين في عونهم أحياناً أخرى، فكانوا بذلك مصدر قوة لهم وفي الوقت نفسه خطراً حقيقياً على استقلال الكنيسة عن المجتمع الذي يجب عليها أن تسعى لخلاصه.

كانت الكنيسة معتادة على البحث الدائم عمن يحميها، فعندما سقطت رافينا بيد اللمبرديين انطلق البابا اسطفانس إلى بلاط بيبان وليس إلى بلاط بيزنطة، لا لرغبة منه في قطع علاقاته بالإمبراطورية الشرقية، ولكن لأن جيوش الإفرنج كانت قادرة على تأمين حماية لا يمكن للشرق أن يقدمها. ثم أن البابوية كانت معرضة أيضاً لخطر العرب الذين راحوا يهددون إيطاليا منذ بداية القرن الثامن، ناهيك عن الزعماء الإيطاليين الذي اشتدوا وصاروا صعاب المراس مع أفول هيمنة اللمبرديين. وقد مرت أيام عصيبة جداً خلال القرنين ونصف القرن التي تلت تتويج بيبان، فلم تكن بيد روما إلا أوراق قليلة وبدا أنها إنما بدلت سيداً بآخر، وظل الباباوات زمناً طويلاً عاجزين عن الحكم الحقيقي حتى ضمن أراضيهم، إذ لم تكن لديهم قوات مسلحة كافية ولا إدارة مدنية، ولما كانوا أصحاب أراض فقد كانوا معرضين للسلب والنهب والابتزاز، كما أن بعض الأباطرة كانوا يتولون بأنفسهم تنصيبهم وإقالتهم.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:49 AM
مصادر السلطة الكنسية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



مصادر السلطة الكنسية
إلا أن للمعادلة طرفاً آخر، لأن الكنيسة كانت تملك أيضاً عدداً من نقاط القوة، كان بيبان قد منحها أراضي سوف تشكل نواة دولة بابوية قوية، وربما كان تتويج البابا للأباطرة يحمل في طياته ادعاءات خفية بأنه هو الذي يعين الإمبراطور الحق، بل رأى البعض أيضاً أن منح البابا التاج للإمبراطور ومهره بخاتم اعتراف الله كان مشروطاً وقابلاً للرد. فصحيح أن تتويج البابا لشارلمان كان بدافع الحاجة الملحة مثل تتويج بيبان، ولكنه كان يحتوي في الوقت نفسه على بذرة كامنة وقوية من السلطة.
أما على المستوى العملي فقد كانت البابوية بحاجة ماسة لسلطة الملوك الأقوياء من أجل ضبط الكنائس المحلية ودعم الحملات التبشيرية. ومن هذا التحالف بين البابوية والملكية الإفرنجية في القرن الثامن نشأت بالتدريج فكرة أن البابا هو الذي يحدد سياسة الكنيسة، وأنه لايجوز لأساقفة الكنائس المحلية أن يحرفوها. وقد استخدم بيبان سلطته كملك من أجل إصلاح كنيسة بلاده ودفعها بحيث تتوافق مع كنيسة روما وتزداد ابتعاداً عن التأثيرات السلتية، فكانت جهوده هذه هي الخطوة الأولى في عملية توحيد المعايير الكنسية.
وكانت سلطة البابا في مد وجزر دائمين على مر القرون، لقد ظهرت في القرن الثامن عملية تزوير شهيرة هي هبة قسطنطين، التي ادعت أن الإمبراطور قسطنطين الكبير قد منح أسقف روما السلطة التي كانت للإمبراطورية في إيطاليا، وبعد مائة عام كان أحد الباباوات يخاطب الملوك والأباطرة وكأنه سيد العالم، مذكراً إياهم أن بيده أن يعينهم ويخلعهم. والأنكى من هذا أنه استخدم مبدأ سيادة البابا ضد إمبراطور الشرق أيضاً، وفي دعم بطريرك القسطنطينية. وكانت تلك قمة في الإدعاء لايمكن الحفاظ عليها من الناحية العملية وعندما انهارت سلطة البابا في القرن العاشر أصبح الكرسي البابوي فريسة للأحزاب الإيطالية المتنازعة. أما المهام اليومية في حماية المصالح المسيحية في الأيام الصعبة فقد تركت بأيدي أساقفة الكنائس المحلية، وكان هؤلاء مضطرين لمحاباة القوى السائدة والبحث عن حماية الملوك والأمراء وعونهم، لذلك صاروا خاضعين للملوك ولحكامهم الدنيويين، مثلما كان كاهن الأبرشية خاضعاً لسيده المحلي، وكانت تلك تبعية مذلة ومهينة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:50 AM
الإصلاح الكلوني

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الإصلاح الكلوني
بدأت في القرن العاشر حركة إصلاح كبيرة وخلاقة، كان جوهرها إحياء المثل النموذجية للرهبنة، فقام عدد قليل من النبلاء بتأسيس أديرة جديدة الهدف منها إعادة الرهبنة المتدهورة إلى أصولها ومراعاة أصول القانون البنديكتي. وكانت أكثر تلك الأديرة في أراضي الكاروليين المركزية السابقة، وهي المنطقة التي امتد منها إشعاع الإصلاح، وكان أشهرها دير كلوني في منطقة برغنديا. لقد تأسس هذا الدير في عام 910م، وظل حافزاً نشيطاً لإصلاح الكنيسة طوال قرنين ونصف القرن تقريباً، وكان رهبانه يتبعون نسخة معدلة من القانون البنديكتي، وقد أتوا بشيء جديد كل الجدة، لأن الأديرة البنديكتية السابقة كانت مجتمعات مستقلة بينما صارت الأديرة الكلونية الجديدة خاضعة لرئيس دير كلوني نفسه. وأصبح هذا في النهاية القائد العام لجيش مكون من آلاف الرهبان الذي لا يدخلون أديرتهم إلا بعد خضوعهم لفترة من التدريب في الدير الأم. وقد بلغ دير كلوني ذروة سلطته في منتصف القرن الثاني عشر، عندما كان هناك أكثر من ثلاثمائة دير بعضها في بلاد بعيدة مثل فلسطين، تتطلع كلها إليه للإرشاد والتوجيه، وكان يضم أكبر كنيسة في المسيحية الغربية بعد كنيسة القديس بطرس في روما.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:51 AM
المعرفة والثقافة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



المعرفة والثقافة
إن الحديث عن المؤسسات والبنى والقانون أسهل من الحديث عن النواحي الأخرى للحياة الدينية في بداية العصور الوسطى، لأن التاريخ الديني يفقد في العادة جزءاً من بعده الروحي في السجلات الإدارية. كان الدين في العصور الوسطى يتمتع بمكانة فريدة لا ينازعها عليه منازع، ويتخلل نسيج المجتمع برمته، وكانت الكنيسة تتفرد بالثقافة أيضاً. صحيح أن التراث الكلاسيكي قد تخرب بصورة فظيعة وتقلص بسبب غزوات البرابرة من جهة وتصلب المسيحية الباكرة وتعلقها بالأمور الخارجة عن هذا العالم من جهة أخرى، إلا أن ما بقي منه إنما حفظه رجال الكنيسة. فبحلول القرن العاشر كانت جهود الرهبان البنديكتيين والنساخ الذين يعملون في مدارس القصور قد ضمنت أن يصل الكتاب المقدس والتصانيف اللاتينية لمعارف الإغريق إلى معاصريهم. وكانت نسخهم من أعمال بلينس وبيثيس مثل خيط رفيع يربط أوروبا في بداية العصور الوسطى بأرسطو وإقليدس. إلا أن معرفة الكتابة كانت مقتصرة على رجال الدين، وحتى الملوك ظلوا في العادة أميين حتى وقت متقدم من العصور الوسطى، وكان رجال الدين يسيطرون على جميع منافذ المعرفة المتاحة، ولم تكن هناك جامعات بعد، بل كانت توجد بعض المدارس التابعة للبلاط أو للكنيسة، وهي التي تتيح للمرء علماً أوسع مما قد يقدمه بعض رجال الدين بصورة فردية وفي حالات نادرة. وكان تأثير هذا كله على الفنون والنشاط الفكري تأثيراً عميقاً، لأن الثقافة العالية لم ترتبط بالدين فحسب بل إنها لم تكن تتشكل إلا ضمن بيئة دينية محضة، ولم يكن في بداية العصور الوسطى ثمة مكان يمكن للفن أن يتطور فيه من أجل ذاته. لعب كل من التاريخ والفلسفة واللاهوت والتنوير دوره في دعم تلك الثقافة الدينية وتغذيتها، وكان التراث الذي نقلته هو التراث الكلاسيكي مع تأثيراته اليهودية، ولو أنه كان أضيق من التراث الكلاسيكي القديم.
إن أعمال الكنيسة الأهم من الناحية اللاهوتية بل أهمها على الإطلاق والتي تمس جماهير المؤمنين الواسعة، إنما هي مهامها اليومية من وعظ وتعليم وتزويج وتعميد وغفران خطايا وصلاة، أي كل الحياة الدينية لرجال الدين والعلمانيين، ومحورها هو منح الأسرار المقدسة الأساسية. وقد ظلت الكنيسة قروناً طويلة تمارس سلطاتها هذه، واستخدمتها لترويض عالمها البربري وتعليمه الحضارة فنجحت في ذلك نجاحاً هائلاً، ولو أن معلوماتنا المباشرة عن طريقة أدائها لها هي في الحقيقة قليلة جداً.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:52 AM
تدبير المعيشة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



تدبير المعيشة
إن ما نعرفه عن الأمور الاجتماعية والاقتصادية في الكنيسة أكبر من ذلك بكثير، والحقيقة أن هاتين الناحيتين كان لهما وزن هائل. كانت الكنيسة تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي، فكانت تسيطر بالتالي على جزء كبير من ثروة المجتمع. وكانت أراضيها تلك تؤمن لها المصدر الأساسي للدخل، وقد يملك دير واحد أو مجموعة من الكهنة أراضي واسعة جداً. وقد خلّف لنا هذا وثائق يمكننا جمع المعلومات منها من أجل تشكيل صورة عن اقتصاد ذلك العصر، الذي كان في الحقيقة اقتصاداً بدائياً جداً. عند نهاية العصور القديمة كانت الحياة الاقتصادية في أوروبا الغربية قد تراجعت في كل مكان، بل انهارت بالكامل في بعض الحالات، ولو أن هذا التراجع لم يؤثر في الجميع بصورة متساوية. وإن أكثر القطاعات الاقتصادية تطوراً هي التي انهارت بصورة أكبر. فقد حلت المقايضة محل التعامل بالنقد، وعندما عادة الفضة إلى الرواج من جديد كانت كمية النقود المتداولة قليلة خاصة من الفئات الصغيرة. وكذلك اختفت التوابل من الطعام اليومي، وأصبح النبيذ سلعة كمالية غالية الثمن، وصار أكثر الناس يأكلون الخبز والعصيدة وهي طعام يصنع من الحبوب المسلوقة، ويشربون الجعة والماء. وصار الكتبة يستخدمون الرق الذي يمكن الحصول عليه محلياً بدلاً من ورق البردي الذي بات صعب المنال، وكانت هذه ميزة في الحقيقة لأن الكتابة بالخط الصغير ممكنة على الرق، بينما لايمكن الكتابة على ورق البردي إلا بضربات كبيرة تجعل استخدامه باهظ الثمن، وقد خرب الركود الاقتصادي المدن وتفكك عالم التجارة. صحيح أن الاتصال ببيزنطة والبلاد الأبعد في آسيا بقي قائماً، ولكن التجارة في غربي المتوسط تقلصت خلال القرن السابع والثامن مع استيلاء العرب على ساحل شمال أفريقيا، ثم أعيد إحياؤها قليلاً بفضل العرب أيضاً، ومن علامات ذلك التجارة النشيطة بالعبيد الذين كان أكثرهم من الشعوب السلافية، ومن هنا أتت تسمية العبيد باللغة الإنكليزية slave وفي الشمال أيضاً كان يجري بعض التبادل مع الاسكندينافيين الذين برعوا بالتجارة، إلا أن أكثر الأوروبيين إنما كانوا يحصلون معيشتهم من الزراعة.
كان الكفاف غاية طموح الأوروبيين، وكانت الطرق الوحيدة المتاحة لتحسين مردود الزراعة هي إما استخدام روث الحيوانات أو زراعة مساحات أكبر من الأرض. ولكنه كان على أي حال مردوداً زهيداً بالقياس إلى معاييرنا الحديثة، ولم يتغير هذا الوضع إلا بعد قرون طويلة من المجهود الزراعي الشاق. وكان الناس يعانون من نقص النمو ومن داء الإسقربوط*، وكانت حيواناتهم أيضاً ناقصة الغذاء والنمو، لأن البيئة نفسها كانت بيئة فقيرة. وكان الفلاحون الأوفر حظاً يحصلون على الدهن من الخنزير، أو من الزيت في المناطق الجنوبية، ولم يبدأ مردود التربة من الطاقة بالتحسن إلا في القرن العاشر مع بدء زراعة نباتات أغنى بالبروتين. ثم حصلت بعض التطورات التقنية، فازداد عدد الطواحين، وصار المحراث أثقل وزناً ومزوداً بعجلات وأقدر بالتالي على زراعة سهول الشمال، وهي سهول خصبة، ولكنها ذات تربة كثيفة ودبقة. ولما كانت المحاريث الجديدة بحاجة لأزواج عديدة من الثيران لجرها فقد أدى هذا إلى اعتماد طريقة الزراعة بالتناوب: كانت شرائط الأرض الصغيرة التي يزرعها الأفراد موزعة على حقلين أو ثلاثة هي ملك للجماعة المحلية، فصارت كل الشرائط الواقعة في حقل واحد تحرث أو تترك لترتاح في الوقت نفسه، من أجل الاستفادة القصوى من تلك المحاريث بثيرانها العديدة. وكان هذا الأسلوب أنجع من أية طريقة عرفتها أوروبا في الماضي، كما نتج عنه أيضاً توفر محاصيل أكثر تنوعاً، ومنها الشوفان الذي ازدادت كمياته، وهو طعام مناسب للأحصنة لذلك صار بالإمكان استخدامها بدلاً من الثيران، وسرعان ما أدى هذا إلى ابتكار عدة أفضل للحصان، وبالأخص إلى اختراع العمود الأفقي الذي تشد إليه العدة ويستخدم لجر المحراث، والحقيقة أن الزراعة كانت قد بدأت تتغير بصورة كبيرة بحلول عام 1000 للميلاد.
كان عدد سكان أوروبا الغربية في ذلك الزمن أقل منه في أيام الرومان على الأرجح، ولكن يكاد يكون من المستحيل أن تعطي أرقاماً ولو تقريبية ويبدو على كل حال أن نمو عدد السكان كان بطيئاً جداً حتى القرن الحادي عشر، وربما كان عدد سكان أوروبا الغربية يقترب عندئذٍ من الأربعين مليون أي أنه أقل من عدد سكان المملكة المتحدة وحدها اليوم. في ذلك العالم القليل السكان كانت ملكية الأرض هي العامل الأهم في تحديد المرتبة الاجتماعية، وقد صار محاربو المجتمعات البربرية بصورة تدريجية وبطيئة أصحاب أراضٍ أيضاً، وكان هذا تطوراً طبيعياً، فأصبحوا هم حكام البلاد إلى جانب وجهاء الكنيسة والملوك. وكانت ملكية الأرض تعين الكثير، إذ إنها تؤمن الإيرادات عن طريق تأجيرها وجبي الضرائب، فضلاً عن حق التشريع والقضاء وفرض عمل السخرة. لذلك كان أصحاب الأرض هم سادة المجتمع، وبالتدريج صارت الأهمية الأكبر لمكانتهم الوراثية، بينما ضعف التشديد على قوتهم القتالية ومهاراتهم العسكرية. وأحياناً كان الملك نفسه أو أمير كبير يمنح الأرض لبعضهم، ويتوقع منهم في هذه الحالة أن يردوا له الجميل عن طريق الخدمة، إن منح أراضي قابلة للاستثمار مقابل التزامات محددة كان في الحقيقة أمراً شائعاً جداً، وهذا المبدأ هو في جوهر ماسماه الناس في عصور لاحقة عندما نظروا إلى العصور الوسطى في أوروبا النظام الإقطاعيfeudalism أما أهل العصور الوسطى أنفسهم فلم يستخدموا هذه الكلمة قط إذ لم تكن قد اخترعت بعد.



* داء ينجم عن عوز غذائي ومن أعراضه تورم اللثة ونزفها

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:54 AM
التبعيات الإقطاعية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



التبعيات الإقطاعية
كانت كل من التقاليد الرومانية والجرمانية تحبذ مبدأ التبعية، وفي المراحل الأخيرة من الإمبراطورية والأيام المضطربة في غاليا الميروفية صار من الشائع أن يلتزم الناس بسيد كبير لحمايتهم، وأن يؤدوا له بالمقابل أشكالاً خاصة من الولاء والخدمة، وقد اندمجت هذه العادة في تقاليد المجتمع الجرماني بسهولة كبيرة. وعلى عهد الكاروليين بدأت عادة أن يؤدي أتباع الملك الولاء له، أي أن يعترفوا له في احتفالات خاصة كثيراً ما تجري أمام الملأ بما يترتب عليهم من مسؤوليات تجاهه، فيصبح هو سيدهم ويصبحون هم رجاله. كما أن للأتباع بدورهم أتباع آخرون، بحيث يكون الرجل التابع لأحد السادة سيداً على رجل آخر، وعلى هذه الصورة كانت هناك سلسلة من الالتزامات والخدمات الشخصية تمتد نظرياً من الملك عبر كبار رجالاته وأتباعهم حتى أدنى الرجال الأحرار. وقد يؤدي هذا الترتيب بالطبع إلى متطلبات معقدة ومتضاربة، فحتى الملك نفسه قد يكون تابعاً لملك آخر في بعض أراضيه، وفي أسفل الهرم الاجتماعي كان العبيد، وربما كان عددهم أكبر في جنوب أوروبا منها في شمالها، ولكن أعدادهم كانت تميل للانخفاض في كل مكان، بينما كانت مرتبتهم ترتفع قليلاً إلى مرتبة العبد المرتبط بالأرض، وهو رجل غير حر يولد مرتبطاً بأرض العزبة التي يعمل فيها، ولكن له مع ذلك بعض الحقوق القليلة. كان قسم كبير من أرض أوروبا مقسماً إلى إقطاعيات إذاً، وهي كما قلنا أراض يستثمرها صاحبها مقابل التزامات نحو سيده. ولكن مع ذلك بقيت هناك دوماً مناطق هامة في جنوب أوروبا، لم تكن إقطاعية بهذا المعنى، وكان هناك أيضاً بعض أصحاب الأراضي الأحرار الذين تختلف أعدادهم من بلد إلى آخر، وهم غير مدينين بأي خدمة مقابل أرضهم بل يملكونها بصورة مباشرة. ومع هذا فإن تلك الالتزامات المعقودة بين الناس على أساس الأرض كانت هي التي تحدد نمط حضارة العصور الوسطى. وقد تكون الجمعيات أيضاً مثل الأفراد سيدة أو تابعة، إذ قد يؤدي المستأجر الولاء لرئيس دير رهبان أو رئيسة دير راهبات، مقابل العزبة التي يديرها في أراضيهم، وقد تشكل جماعة من كهنة الكاتدرائية أو من الرهبان وحدة تابعة للملك.وكان هناك مجال كبير للتعقيد والالتباس في هذا الترتيب، إلا أن الحقيقة الأساسية المتمثلة بتبادل الالتزامات بين السيد وتابعه كانت تتخلل بنية المجتمع برمتها، وهي من مفاتيح فهم مجتمع العصور الوسطى.
لقد كان هذا الترتيب حجة لابتزاز الفلاح من أجل إعالة المحارب وبناء قلعته، وعلى هذا الأساس قامت الأرستقراطيات الأوروبية ونمت، وظلت الناحية العسكرية هي الناحية الأهم والأعلى في هذا النظام فحتى عندما زالت الحاجة للخدمة الزراعية بقي السيد بحاجة للمحاربين العاملين لدى أتباعه، ثم صار بحاجة لأموالهم من أجل استئجار المحاربين. وكانت أكثر المهارات العسكرية أهمية هي قتال الفارس المدرع من على ظهر الخيل، وعندما استخدم الركاب في القرن السابع أو الثامن صار الخيال المدرع هو المهيمن في ساحة المعركة، وقد ظل كذلك إلى أن ظهرت فيما بعد أسلحة أقوى منه. ومن هذا التفوق التقني نشأت طبقة الفرسان، وهي مكونة من خيالة محترفين يعيلهم سيدهم إما بصورة مباشرة أو عن طريق منحهم عزبة لإطعامهم وإطعام خيولهم، فكان هذا مصدراً آخراً من مصادر الأرستقراطية المحاربة في العصور الوسطى، ومن مصادر القيم الأوروبية أيضاً لقرون طويلة قادمة؛ ولم يكن الانضمام إلى طبقة الفرسان بالأمر العسير.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:56 AM
ملوك العصور الوسطى

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



ملوك العصور الوسطى
قد تكون سيطرة الملك على أتباعه أضعف من سيطرتهم على أتباعهم، ولا ريب أن ظل السيد المحلي سواء كان زعيماً علمانياً أو أسقفاً كان أوسع وأهم في حياة الرجل العادي من ظل ملك أو أمير بعيد قد لا يراه أبداً، وإنك ترى في القرنين العاشر والحادي عشر في كل البلاد ملوكاً خاضعين لنفوذ الزعماء الكبار. أما في إنكلترا الأنكلوسكسونية فلا يصح هذا الوصف إلا بأضعف درجاته، لأن تقاليدها الملكية كانت الأقوى بينها جميعاً. إلا أن الملوك كانوا على كل حال يتمتعون بنقاط من القوة لا تتاح لسواهم، فقد كان منصبهم فريداً وذا سلطة مقدسة وساحرة تثبتها الكنيسة إذ تمسحهم بزيتها المقدس. وكانوا يتميزون عن سواهم من الزعماء بالأبهة والمراسم التي تحيط بهم، والتي كانت أهميتها في حكومات العصور الوسطى مثل أهمية الوثائق الرسمية في أيامنا، فإذ كان بحوزة الملك فوق هذا كله أراض واسعة فإنه يكون قادراً على فرض إرادته أكثر من أي رجل آخر.
ولم يكن أحد غير الملوك وكبار الزعماء يتمتع بقدر كبير من الحرية في مجتمع العصور الوسطى الباكرة، لا بالمعنى القانوني للحرية فقط، ولكن بمعناها العام أيضاً، لأن حياة الناس اليومية كانت محدودة ومقيدة، ولم يعرفوا الأشياء الكثيرة التي اعتدنا عليها نحن اليوم. فلم يكن لدى الشخص العادي ما يفعله سوى أن يصلي ويقاتل ويصطاد ويزرع أو أن يدير عزبة يقوم فيها غيره بأعمال الزراعة بدلاً منه. ولم يكن أمام الناس من مهن فكرية يحترفونها عدا عن العمل في خدمة الكنيسة، وكان هامش التجديد في روتين الحياة اليومية هامشاً ضئيلاً، وكلما نزلت درجات السلم الاجتماعي كلما صارت الخيارات أضيق، كما أن خيارات المرأة كانت دوماً أضيق من خيارات الرجل. ولم يتغير الأمر إلا بصورة وئيدة ومتدرجة مع انتعاش التجارة وحياة المدن وتوسع الاقتصاد.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 06:57 AM
مفصل القرن الثاني عشر: حق التنصيب

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



مفصل القرن الثاني عشر: حق التنصيب
من مفارقات التاريخ أن سيادة الكنيسة في العصور الوسطى كانت هي نفسها خطراً عليها، لأن تدخل رجال الكنيسة المتزايد في شؤون الدولة قد يحرفها عن هدفها الحقيقي، ألا وهو عبادة الله وخلاص البشر، ويجعل منها مجرد سلاح لدعم الحكام الدنيويين وتأييد سلطتهم. وكان هذا الخطر يكمن وراء الصراع الكبير الذي يعرف بالصراع على حق التنصيب، أي تنصيب الأساقفة أو منحهم السلطة في أبرشياتهم. وقد بلغ ذروته بشكل صدام بين البابوات والحكام الدنيويين، الذي ادعى كل منهم هذا الحق لنفسه. والحقيقة أن هذا الصراع لم يحسم بشكل كامل قط، بل كان شوطاً واحداً في حرب طويلة بين الدولة والكنيسة في تاريخ أوروبا الغربية تمتد حتى القرن العشرين، وقد استفادت أوروبا من هذا الصراع فائدة جليلة، لأنه جعل الناس يفكرون أنه ربما كان من الأفضل ألا تكون الكلمة الأخيرة لا للدولة ولا للكنيسة، وأن بعض الأمور ذات الأهمية العظيمة لايجوز أن تكون إلا بيد الأفراد الذين تمسهم، وعندما ثبتت هذه الفكرة جذورها كان المفهوم الأساسي لليبرالية قد رأى النور، ألا وهو حرية الفرد واستقلاله.
ولم تستمر المراحل الأساسية من صراع التنصيب هذا أكثر من نصف قرن تقريباً، ولم تؤد إلى نتيجة حاسمة. لقد كان من المستحيل على الناس في العصور الوسطى أن يميزوا بين الكنيسة والدولة تمييزاً واضحاً بالمعنى الحديث، كما أن الطرفين اتفقا على أمور عملية كثيرة، وكان الكثير من رجال الدين يشعرون نحو حكامهم الدنيويين بولاء أكبر من ولائهم لبابا روما. ثم أن الصراع كانت له نواح مادية، هي اقتسام السلطة والثروة ضمن الطبقات الحاكمة التي كان أفرادها أعضاء في كلتا الحكومتين الملكية والكنسية في ألمانيا وإيطاليا، أي في أراضي الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
وقد جرت أشهر معارك الصراع على التنصيب مباشرة بعد انتخاب البابا غريغوريوس السابع في عام 1073 واسمه الأصلي هلدبراند. كان غريغوريوس على درجة عالية من الجرأة الشخصية والأخلاقية، ولو أنه ذو طبع منفر وبغيض. وقد كافح طوال حياته من أجل استقلال البابوية وسيادتها ضمن المسيحية الغربية، وعندما تحول الإصلاح إلى مجال السياسة والقانون بدلاً من مجال الأخلاق والسلوك كان ميالاً بحكم طبعه لتأجيج الصراع لا لتجنبه، وربما كان الصراع محتماً على كل حال.
كان الكثير من رجال الكنيسة منذ سنوات طويلة على ثقة بأن الكنيسة باتت بحاجة إلى إصلاح، فكانوا يعتقدون أن على رجال الدين أن يعيشوا حياة مختلفة عن حياة العلمانيين، وأن يشكلوا مجتمعاً متميزاً ضمن المسيحية. فهاجموا السيمونية أي شراء المناصب بالمال وزواج الكهنة، والتدخل في شؤونهم أيضاً. وربما كان من المحتم على الأباطرة أن يتورطوا في صراع مع البابوية عاجلاً أم آجلاً لأنه كان للإمبراطورية في إيطاليا حلفاء، وأتباع ومصالح لابد لها من حمايتها، ومنذ القرن العاشر كانت سيطرة الإمبراطور الفعلية والاسمية على البابوية قد تراجعت، وقد اتبعت طريقة جديدة في انتخاب البابوات لم تترك له إلا حق نقض نظري فحسب. كما أن علاقات العمل بين هاتين القوتين كانت قد تدهورت.
اعتلى غريغوريوس السابع كرسي البابوية من دون أن ينال موافقة الإمبراطور المعتادة، بل اكتفى بأن أخبره بذلك فحسب، وبعد سنتين أصدر مرسوماً يتعلق بتنصيب الأساقفة لم يصلنا نصه، ولكن من المعروف أنه منع فيه أي رجل علماني من تنصيب رجل دين في منصب أسقف أو أي منصب كنسي آخر، كما حرم من الكنيسة بعض أعضاء المجلس الكنسي الإمبراطوري بتهمة ارتكاب السيمونية في شراء مناصبهم. وفوق هذا كله قام باستدعاء الإمبراطور نفسه إلى روما لكي يمثل بين يديه.
ورد هنري على ذلك بأن جعل مجمعاً كنسياً ألمانياً يعلن خلع غريغوريوس فعاد هذا ورد عليه بأن حرمه من الكنيسة، وكان لهنري في ألمانيا أعداء أشداء قاموا الآن ضده بتأييد البابا، فاضطر للرضوخ في النهاية، وجاء إلى كنوسا بمهانة كبيرة ووقف ينتظر حافي القدمين تحت الثلج المنهمر إلى أن قبل غريغوريوس توبته؛ وكانت تلك واحدة من أكثر المواجهات حدة بين السلطتين الدنيوية والروحية. إلا أن غريغوريوس لم يكسب في حقيقة الأمر، لأن تشديده على أن للبابا الحق بأن يخلع الملوك إذا وجدهم غير جديرين أو غير أكفاء كان قلباً للمفاهيم لا يمكن أن يرضى به الرجال في عالم تسوده قدسية أيمان الولاء، ولا يمكن أن يرضى به أي ملك بالطبع. ولهذا استمر موضوع حق التنصيب خلال الخمسين سنة القادمة، بعد أن أوقع غريغوريوس بين رجال الدين والعلمانيين شقاقاً لا سابق له، وبلغ بادعاءات سلطة البابا ذروة لا سابق لها أيضاً، وسوف يعود بابوات آخرون للتشديد على ادعاءاتهم خلال القرنين التاليين، في الوقت نفسه، كانوا يبنون الجهاز الإداري للكنيسة، وهو عبارة عن طبقة إدارية مثل إدارات ملوك إنكلترا وفرنسا، ومن خلالها أحكموا قبضتهم على الكنيسة، بينما راحت سلطاتهم القضائية تمتد وتتسع وتسحب النزاعات القضائية من محاكم الكنائس المحلية إلى قضاة البابوية.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:05 AM
الملكية البابوية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الملكية البابوية
لقد تحسن موقف الأمراء من روما مع تراجع الصراع على موضوع حق التنصيب، ولم يظهر تحد هام لسلطة الكنيسة بالرغم من نشوب نزاع مدو في إنكلترا حول الامتيازات التي يتمتع بها رجال الدين وحصانتهم من القوانين المرعية في البلاد، وهو نزاع أدى إلى مقتل رئيس أساقفة كنتربري ثم تطويبه قديساً، إلا أن بعض رجال الدين كانوا يكرهون التشديد على سلطة البابا كرهاً شديداً، ويعتقدون أن المجالس التي تضم الكنيسة كلها هي أولى منه بوضع قوانينها، وسوف يؤدي هذا إلى إثارة حركة قوية وهامة هي الحركة المجلسية، التي ظهرت في القرن الخامس عشر. بينما راح غيرهم يقولون إن سلطة البابا يمكن تجاوزها في أمور كثيرة إذا كان في الكتاب المقدس أو مرجع آخر أسباب تدعو إلى ذلك، من هذه الأفكار ومن أفكار غيرها سوف تنشأ في النهاية حركة الإصلاح وأشكال عديدة من الهرطقة أيضاً.
من هذه الحركات الجديدة ظهور نوع من التنظيمات الدينية التي تسمى الأخويات، وهي جمعيات لكل منها نظام خاص بها مثل الرهبنات، ولكن أفرادها يعيشون بين الناس لكي يعظوهم ويعلموهم بدلاً من العيش في دير، وكانوا يسمون الأخوة المستجدين لأنهم يعتمدون في معيشتهم على صدقات الناس. وكانت أهم تلك الأخويات هي أول اثنتين منها، أي أخوية الفرنسيسكان على اسم مؤسسها القديس الإيطالي فرنسيس وأخوية الدومينيكان على اسم القديس الإسباني دومينيك، لقد كرس الفرنسيسكان رسالتهم للفقراء، بل إن بعضهم قارب الدعوة إلى الثورة الاجتماعية. أما الدومينيكان فقد ركزوا على محاربة الهرطقة عن طريق المعرفة وكانوا علماء كباراً في الوعظ ومازالوا يسمون الأخوة الواعظين، وملاحقة الهرطقة من خلال جهاز جديد هو محاكم التفتيش. وكان للدومينيكان وجهان متباينان محيران لم يعرف الناس أيهما وجههم الحقيقي، الأول يمثله القديس الصقلي توما الأكويني الذي كان أعظم الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى، وهو الذي صهر معارف عصره كلها ورتبها بهيئة نظام فكري مبني على مبادئ أرسطو، أما الوجه الآخر فهو الإسباني توركويمادا، وهو القاضي الذي اضطهد الهراطقة واليهود في إسبانيا في القرن الخامس عشر.
وفي الوقت نفسه تقريباً نشأت تحت جنح الكنيسة مؤسسة أخرى جديدة وهامة ألا وهو الجامعة، كانت أولاها جامعات بولونيا (مدينة في إيطاليا) وباريس وأكسفورد، وفي عام 1400م صار هناك أكثر من خمسين جامعة في أوروبا الغربية. لقد رفعت هذه المؤسسات مستوى التعليم العام بين رجال الدين بصورة سريعة، ومنها أتى رجال الإدارة أيضاً، ولهذا السبب كان الحكام أحياناً يمنحون الجامعات امتيازات ومنحاً خاصة. وحتى في زمن لاحق عندما صار العلمانيون أيضاً يطلبون العلم في الجامعات ظلت هذه خاضعة لسيطرة الكنيسة، واستمر الأمر على هذا الحال زمناً طويلاً، فكانت الكنيسة هي التي تحدد ما يدرس فيها. ولهذا كانت الجامعات قوة كبيرة أخرى ساهمت في تغلغل الدين ضمن مجتمع العصور الوسطى، وقد بقي الرجال المثقفون في أوروبا مئات السنين يفكرون بحسب المبادئ التي وضعتها الكنيسة، مثلما كان حال المثقفين في الصين مع الكونفوشية.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:07 AM
أولى اندفاعات أوروبا فيما وراء البحار: الحروب الصليبية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



أولى اندفاعات أوروبا فيما وراء البحار: الحروب الصليبية:
بادر الإفرنج بالاعتداء على الشرق الأدنى قبل زمن طويل من هجوم العثمانيين على أوروبا وتهديدهم لها. في القرن الحادي عشر استعاد النورمان صقلية وجنوب إيطاليا من العرب، وبعد ذلك بزمن قصير أي في عام 1095 أطلق البابا للمرة الأولى فكرة الحملات الكبرى التي تسمى الحملات الصليبية، وكان هدفه منها تحرير الأرض المقدسة أي فلسطين من سيطرة الإسلام. وقد حصلت في الحقيقة أربع حملات هامة، الحملة الأولى نجحت في الاستيلاء على القدس، ولم يتمكن العرب من استردادها إلا بعد حوالي سبعين سنة. وقد جرت في تلك الأثناء حملة صليبية ثانية 1147-1149 م اشترك فيها إمبراطور ألماني وملك فرنسي، فابتدأت بداية بشعة بتذبيح اليهود في بلاد الراين، ومالبثت أن انتهت بكارثة. أما الحملة الثالثة 1189-1192 م فقد سعت إلى استعادة القدس بعد أن استردها القائد المسلم الكبير صلاح الدين الأيوبي في عام 1187، ولكنها فشلت في ذلك بالرغم من انضمام ملك إنكلترا ريكاردوس قلب الأسد إلى الملك الفرنسي والإمبراطور الألماني الذي مات غرقاً بينما كان في طريقه إلى فلسطين. وغادرت أخيراً حملة رابعة لم يكن فيها ملوك في عام 1202 بتمويل من أهل البندقية، ولكنها تحولت من توها إلى العبث بسياسات بيزنطة الداخلية، وانتهت إلى نهب الصليبيين الفظيع لمدينة القسطنطينية في عام 1204، وتأسيسهم إمبراطورية لاتينية فيها استمرت لعقود قليلة قادمة. وكانت تلك عملية مشينة، لأن البيزنطيين مسيحيون وهدف الحركة صليبية إنما هو قبل كل شيء دعم الدين المسيحي، ثم حصلت من بعدها حملات أخرى عديدة، إلا أن عصر الحملات الكبرى كان قد ولى، ولم تعد بقادرة على أخذ فلسطين.
إن ما كشفت عنه الحملات الصليبية أهم بكثير مما حققته أو لم تحققه، فقد كانت تظاهراً جلياً لمزاج جديد ونظرة جديدة في المسيحية الغربية، كانت الحملات الصليبية تحظى بتأييد ودعم جماهير تتأجج في قلوبها حماسة دينية حقيقية، وقد شارك فيها الآلاف من الناس البسطاء، ثم هلكوا بصورة يرثى لها بسبب جهلهم وقلة استعدادهم لما كان ينتظرهم.
وكانت الحملات الصليبية جزءاً من حركة الإحياء الديني في القرن الحادي عشر، وهي تدل على افتراق المسيحيتين الشرقية والغربية وتباعدهما، ولم يكن الصراع مع الإسلام في الإمبراطورية الشرقية مقتصراً على موضوع الدين، بل كان أيضاً صراعاً على السلطة والسياسة والأراضي التي كانت في السابق لبيزنطة. لقد كانت الإمبراطورية والخلافة تعامل كل منهما الأخرى كقوة عظمى، مثلما كان الأمر بين روما وفارس، والحقيقة أن الخلافات الدينية بينهما كثيراً ما كانت أقل أهمية من الخلافات الأخرى.
ولم يكن الدافع الديني هو الدافع الوحيد في تجنيد الصليبيين، بل إن الكثيرين منهم كانت تحركهم أغراض دنيئة هي الحصول على السلب والغنائم، والأفضل منها الأرض. ومثلما انطلق فرسان النورمان إلى إنكلترا الأنكلوسكسونية وصقلية الإسلامية لكي يحصلوا على أملاك لهم، كان الكثير من الصليبيين يعتقدون أن الممالك اللاتينية الأربع التي تأسست بعد حملتهم والإمبراطورية اللاتينية التي نشأت عام 1204 م سوف تؤمن لهم المال والغنى طوال حياتهم. ومن هنا كانت الحملات الصليبية أول تظاهر لجشع الاستعمار الأوروبي ورغبته في التوسع خارج أراضيه، وكما هو الأمر في عصور لاحقة، امتزجت أهداف نبيلة وحقيرة في نفوس رجال حاولوا زرع مؤسسات غربية ودخيلة في بيئات بعيدة لاتمت لها بصلة. وكانوا يفعلون ذلك بضمير مرتاح لأنهم كانوا يعتبرون أعداءهم كفاراً استولوا على أقدس مقامات المسيحية. تقول قصيدة مشهورة من العصور الوسطى هي أغنية رولان: "المسيحيون على حق، والكفار على باطل" وإن هذه العبارة تلخص نمط تفكيرهم.


الحروب الصليبية
جرت العادة على إطلاق اسم الحملات الصليبية على سلسلة من الحملات التي قامت بها المسيحية الغربية نحو الأراضي المقدسة، وكان الهدف منها استعادة الأماكن المقدسة من حكامها المسلمين. وكانت السلطة البابوية تضمن لمن يشترك فيها أشكالاً معينة من الثواب الروحي والغفران، إلغاء أو تخفيف الزمن الذي يمضيه المرء في المطهر بعد الموت، وأن تكتب لهم الشهادة إذا ماتوا في الحملة. كانت الحملات الأربع الأولى هي الأهم، وهي تشكل ما يعتبر عادة حقبة الحملات الصليبية.
1095 م
البابا أوريانس الثاني ينادي بالحملة الصليبية الأولى في مجمع كليرمون
1099 م
الاستيلاء على القدس وتأسيس الممالك اللاتينية
1144 م
الأتراك السلاجقة يستولون على مدينة إديسا المسيحية (الرها – أورفه) التي ألهم سقوطها القديس برنار (برنردس) بالدعوة إلى حملة جديدة 1146م
1147-1149 م
الحملة الصليبية الثانية التي باءت بالفشل (ونتيجتها الوحيدة الهامة هي استيلاء أسطول إنكليزي على مدينة لشبونة وإعطاؤها لملك البرتغال
1187 م
صلاح الدين يستعيد القدس للإسلام
1189 م
إطلاق الحملة الصليبية الثالثة التي فشلت في استعادة القدس
1192 م
صلاح الدين يسمح للحجاج بدخول قبر المسيح
1202م
الحملة الصليبية الرابعة وهي آخر الحملات الكبيرة وقد بلغت ذروتها باستيلاء الصليبيين على القسطنيطينية ونهبها 1204 وتأسيس إمبراطورية لاتينية فيها
1212 م
مايسمى بحملة الأطفال
1216 م
الحملة الخامسة تستولي على دمياط في مصر وتخسرها من توها
1228-1229 م
الإمبراطور فريدريك الثاني المحروم من الكنيسة يقوم بحملة صليبية ويعيد الاستيلاء على القدس وتوج نفسه ملكاً
1239-1240 م
حملات صليبية قام بها ثيوبالد الشامباني وريتشارد الكورنوالي
1244 م
الإسلام يسترد القدس
1248-1254 م
لويس التاسع ملك فرنسا يقود حملة إلى مصر حيث يؤخذ سجيناً ثم يفتدى ويحج إلى القدس
1270م
الحملة الثانية للويس التاسع، وكانت ضد تونس حيث مات
1281 م
سقوط عكا بيد الإسلام، وهي آخر موطئ قدم للإفرنج في بلاد الشام
لقد حصلت حملات أخرى كثيرة سميت هي الأخرى صليبية، أحياناً بصورة رسمية، كان بعضها موجهاً ضد غير المسيحيين مثل مسلمي إسبانيا والشعوب السلافية وبعضها ضد الهراطقة مثل الألبيجيين، وبعضها ضد الملوك الذي أهانوا البابوية. كما حصلت بعدها حملات فاشلة إلى الشرق الأدنى في عام 1464 فشل البابا بيوس الثاني في الحصول على دعم لحملته، وكانت تلك آخر محاولة لإرسال حملات صليبية إلى الشرق الأدنى


ولكن الدول الصليبية سرعان ما تداعت عندما استعاد الإسلام عافيته، واشتدت العداوة بين المسلمين والمسيحيين، وقد تعلمت أوروبا أشياء كثيرة من الثقافة الإسلامية عن طريق إسبانيا وصقلية، وفقد تشربت علوم الإغريق من العلماء العرب العظام في قرطبة، كما أن الصليبيين جلبوا معهم عادات جديدة مثل استخدام الملابس الحريرية والعطور والأطعمة الجديدة وعادة الاستحمام المتكرر، وكان الأوروبيون بحاجة ماسة له، أما الإسلام فقد ازداد قسوة، وعندما استعاد حكمه في بلاد الشام عانى رعاياه المسيحيين الذي كانوا قد خانوا حكامهم المسلمين، وبدأت الجماعات المسيحية القديمة في المنطقة تنحسر، بل إن أكثرها اختفت تماماً.
لقد غيرت الحملات الصليبية نظرة المسيحيين أيضاً، لأن جهادهم وتصميمهم على الغزو باسم الصليب كان المهد الذي ولد فيه اندفاع الأوروبيين العنيد للاستيلاء على العالم في العصور اللاحقة. كان أولئك الأوروبيون واثقين في قلوبهم مثل الصليبيين بأن الحق إلى جانبهم، وبأن عليهم استخدام القوة لكي يسود هذا الحق. كما أن هذه الروح نفسها قد تبدت في إسبانيا أيضاً. كان كل من الجغرافية والمناخ وانقسام المسلمين قد ساعد المسيحية على البقاء والاستمرار في شبه الجزيرة بعد الفتح الإسلامي لها، وقد ظل الأمراء والزعماء المسيحيون متمسكين بمواقعهم في أستوريا ونافاز. ثم ساعدهم تأسيس شارلمان لحدوده الدفاعية في إسبانيا، وتوسعت تلك الحدود على عهد كونتات برشلونة الجدد، فراحوا عندئذٍ يقرضون من أراضي الإسلام في أسبانيا، وظهرت مملكة ليون في أستوريا واتخذت مكاناً لها إلى جانب مملكة نافاز. ولكن المسيحيين اختلفوا فيما بينهم في القرن العاشر، فعاد العرب وأحرزوا تقدماً عليهم، خاصة عند نهاية القرن عندما أخذ فاتح عربي كبير هو المنصور برشلونة وليون ثم مزار مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا نفسه في عام 998م. إلا أن إسبانيا المسيحية ما لبثت بعد قرون قليلة أن لمت شملها بينما وقعت إسبانيا المسلمة فريسة لتفرقها وتفككها، لقد كانت المسيحية في هذا البلد بالذات هي بوتقة القومية، وكانت المواجهة بين الحضارتين هي الوقود الذي يزكي نارها؛ والحقيقة أن استعادة إسبانيا التي تمت خلال القرون القادمة إنما كانت بالنسبة للأسبان عصراً من الحملات الصليبية.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:09 AM
شرق أوروبا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



شرق أوروبا
إن هذه الروح العدوانية المندفعة التي كانت تفعل فعلها في بلاد الشام وإسبانيا كانت منتشرة أيضاً على الحدود الشرقية لأوروبا، ولكن الفرق أنها كانت هنا موجهة ضد شعوب مسيحية ومترافقة بحركات هجرة كبيرة تدعمها وتساندها. وتعود هذه القصة إلى أيام فتوحات شارلمان، فقد أمضى هذا الإمبراطور الشطر الأكبر من سنوات حكمه في الحملات العسكرية، وإنما كانت مكانته العظيمة معتمدة على التوسع الدائم، وكانت الفتوحات ضرورية من أجل ملء خزانة ماله ومن أجل توزيع الأراضي على نبلاء الإفرنج استرضاء لهم. لقد أخضعت بعض حروب شارلمان لسيطرته عدداً من الشعوب المسيحية المجاورة له، ولكن بعضها الآخر كان موجهاً ضد شعوب وثنية في بلاد أبعد. فقد كان السكسون يعيشون بين نهري الألب والراين ويشكلون خطراً على سيطرة الإفرنج في بافاريا وفريزيا، لذلك تمت هزيمتهم ثم تنصيرهم، فوصل هذا بالحدود الشرقية لألمانيا حتى نهر الألب، ثم كان هناك شعب الأفار الوثني الذي يعيش في سهل هنغاريا، وكانوا غزاة أشد بأساً وخطراً من السكسون ولكن هؤلاء أيضاً قد تم تركيعهم.
وقد تحول اندفاع الإفرنج إلى الشرق بين عامي 1100-1400 م إلى حركة هجرة كبيرة، فراح الألمان يستوطنون البلاد ويبنون المدن على الحدود مع بروسيا وبولندا مبدلين بذلك الخريطة العرقية والاقتصادية والثقافية هناك. كما تغلغلوا في أراضي السلافيين بصورة مطردة فابتدؤوا بذلك صراعاً بين السلاف والتوتون في أوروبا الشرقية استمر حتى القرن العشرين، ولعله لم يحسم بعد، إذ كان أحدث معالم هذا الصراع هو طرد أعداد هائلة من الألمان من الأراضي البولندية عند نهاية الحرب العالمية الثانية (حوالي سبعة ملايين شخص بين عام 1944-1952 م)، فكان هذا انعكاساً لتيار العصور الوسطى، عندما كان الألمان هم الذي يتقدمون ويفرضون مشيئتهم. وكان فرسان التوتون قد لعبوا دوراً هاماً في تقدم الألمان هذا، وهم عبارة عن تنظيم ديني مكون من مقاتلين يرتبطون بنذور مقدسة ويؤدون واجبهم المسيحي من على ظهور الخيل بقتل الوثنيين الكفار في بروسيا والبلطيق والسلافيين المسيحيين.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:10 AM
صعود موسكوفيا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



صعود موسكوفيا
يعود تسلط الألمان الطويل هذا إلى ضعف الشعوب السلافية، وبعد أن تمزقت كييف روس، في القرن الحادي عشر، عاشت الدول التي حلت محلها أيضاً سلسلة من الأزمات العصبية. كان تراجع بيزنطة بالنسبة إلى الأمراء الروس خسارة لأكبر حلفائهم الأرثوذكس، فوجدوا أنفسهم مكرهين على مواجهة المغول بمفردهم، وبعد أن نهب هؤلاء مدينة كييف في عام 1240 م ظلت إمارة موسكوفيا الكبرى تدفع الجزية لهم ولخلفائهم التتار من القبيلة الذهبية طوال قرنين ونصف القرن، ولم تكن الأمور أرحم في الغرب؛ صحيح أن أمير موسكوفيا ألكسندر نفسكي قد تمكن في القرن الثالث عشر من صد فرسان التوتون بنجاح، إلا أن خطر الألمان قد ظل مصدراً للمرارة في قلوب الروس، وما كانوا كأرثوذكس ليقبلوا بكاثوليكية الألمان المتصلبة والتوسعية وتشديدهم على مبدأ سيادة البابا. لهذا ازداد انسحاب الحضارة الروسية مبتعدة عن الغرب، وانتقل مركز ثقلها إلى موسكو، التي كان أمراؤها أكثر طغياناً واستبداداً من أمراء الدول الروسية الأخرى، وربما كان هذا ما مكنهم من البقاء ومن مد سلطتهم على جيرانهم أيضاً. ومن التغيرات الأخرى التي جرت في الشرق ظهور دولة سلافية كاثوليكية جديدة هائلة المساحة ضمت بولندا وكييف، هي دوقية ليتوانيا ، ورغم أن الليتوانيين كاثوليك فقد حاربوا الألمان، وإن قواتهم هي التي ألحقت بفرسان التوتون هزيمتهم الساحقة في تاننبرغ في عام 1460م، وقد ضايق الليتوانيون موسكوفيا أيضاً، ولكنها نجحت في البقاء مستفيدة من الانقسامات السياسية بين جيرانها من تتار وكاثوليك معاً.
كان سقوط بيزنطة حدثاً هاماً في تاريخ روسيا، لأنه جعل من موسكو مركز المسيحية الأرثوذكسية بلا منازع، وراح رجال الكنيسة يقولون أن هذا الأمر كان مقدراً من الله وإن موسكو هي روما الثالثة. وكانت تلك لحظة تاريخية ملائمة لصعود موسكوفيا، لأن الصراعات الداخلية كانت تمزق جيرانها الليتوانيين والتتار، وعند هذا المنعطف التاريخي الهام ارتقى عرشها في عام 1462 أمير جديد هو إيفان الثالث. لقد طرد إيفان التجار الألمان الذين أغروا المدن الألمانية في البلطيق بالتدخل في شؤون موسكوفيا، كما أنه صد آخر هجمات التتار وضم نوفغورود، وهي دولة روسية ذات تقاليد أكثر جمهورية من موسكوفيا. ويعرف إيفان الثالث بجدارة بأنه أول ملك وطني في روسيا، والحقيقة أنه هو الذي أعطاها بعضاً من التماسك الذي كان ملوك فرنسا وإنكلترا قد حققوه لبلادهم. ولكن الملكية التي بناها كانت في الوقت نفسه مختلفة عن ملكيات الغرب، فقد اتخذ لنفسه لقب أوتوقراط بنعمة الله، وكان هذا اختياراً مقصوداً لذلك اللقب اليوناني القديم. وكان إيفان أول حاكم روسي يدعى قيصراً، وهذه علامة ثانية على تبنيه المقصود لتراث القياصرة، كما أنه تزوج ابنه أخ آخر الأباطرة اليونان، وهو الذي خلق الملكية الروسية التي استمرت حتى عام 1917، وقد استمر خلفاؤه باستخدام النسر البيزنطي ذي الرأسين الذي تبناه كجزء من شارته الإمبراطورية؛ ويحق له أن يخلد في التاريخ باسم إيفان الكبير.
كانت موسكوفيا تتمتع دوماً بميزة إستراتيجية هامة لأنها واقعة في مركز تتلاقى فيه شبكات أنهار روسيا وبالتالي اتصالاتها، وقد صارت منذ القرن الخامس عشر أكبر مركز للسكان في البلاد. وإلى الجنوب منها مباشرة تقع منطقة الأرض السوداء المشهورة بتربتها الزراعية الخصبة، كما أنها لم تعرف بين عامي 1389 و 1589م أي خلال أكثر من قرنين من الزمن إلا ستة حكام متتاليين، وقد أمنت فترات الحكم الطويلة هذه قدراً كبيراً من الاستقرار لحكومتها. وكانت هذه كلها مزايا كبيرة استغلها الحكام النشطاء والأكفاء الذي أتوا بعد إيفان، ولو أن بعضهم كانوا في الوقت نفسه مجانين، ومنهم إيفان الرهيب وهو ايفان الرابع الذي ارتقى العرش في عام 1533 م. في منتصف القرن السادس عشر كانت مساحة موسكوفيا قد توسعت من 400.000 كم مربع إلى حوالي ثلاثة ملايين، وفي عام 1600 كانت مساحة روسيا تساوي مساحة بقية أوروبا المسيحية كلها معاً. كما أن إيفان الرابع قد زاد من ترسيخ الملكية الروسية عن طريق فرض سيطرته على كافة أراضيه تقريباً ورغم أنها سوف تتداعى من جديد في الأزمنة المضطربة التي جاءت على عهد خلفائه فقد كانت دليلاً آخراً على النمط الخاص الذي جرى عليه أسلوب الحكم في موسكو.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:12 AM
صنع الأمم

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



صنع الأمم
يعتقد الكثيرون اليوم أن مبرر قيام دولة ما إنما هو وجود شعب يجمعه شعور مشترك بالانتماء إلى أمة واحدة، وهذه هي العقيدة التي نسميها القومية. وتدعي الكثير من الدول الحديثة أنها دول قومية.


حرب المئة عام
يطلق هذا الاسم عادة على مرحلة من الصراع المتقطع بين الإنكليز والفرنسيين سببه ادعاءات الإنكليز الحق بتاج فرنسا، فبعد أن أدى ملك إنكلترا إدوارد الثالث الولاء لملك فرنسا عن أراضيه في أكيتانيا، عاد فانقلب على سيده وأدى هذا إلى معارك صريحة
1339م
إدوارد الثالث يعلن نفسه ملكاً على فرنسا، مدعياً أنه ورث هذا الحق عن أمه
1340م
انتصارات الإنكليزفي سلويز معركة بحرية،1340وكريسي1346والاستيلاءعلى كاليه 1347
1355-1356م
الأمير الأسود يغير على فرنسا من الجنوب الغربي والفرنسيون يهزمون في بواتييه
1360م
معاهدة بريتيني تنهي المرحلة الأولى من الحرب، إدوارد يمنح دوقية أكيتانيا بعد أن توسعت وصارت ذات سيادة
1369م
الفرنسيون يعيدون إذكاء الصراع، هزيمة الأسطول الإنكليزي في لاروشيل 1372 وخسارة أكيتانيا ويتبع ذلك تراجع مستمر في وضع الإنكليز
1399م
خلع الملك ريتشارد الثاني الذي تزوج في عام 1396 من ابنة شارل السادس ملك فرنسا يجدد عداوة الفرنسيين
1405-1406م
الفرنسيون يرسون في ويلز ويهاجمون أراضي الإنكليز في غيين.
1407م
اندلاع الحرب الأهلية في فرنسا التي استغلها الإنكليز
1415م
هنري الخامس يعيد التأكيد على حق الإنكليز بعرش فرنسا التحالف مع برغنديا وهزيمة الفرنسيين في أجنكور ثم إعادة فتح نورمنديا 1417-1419م
1420م
معاهدة تروا تثبت فتح نورمنديا، زواج هنري الخامس من ابنة ملك فرنسا والاعتراف به ولياً على عرش فرنسا
1422م
موت ملك إنكلترا هنري الخامس وملك فرنسا شارل السادس ، هنري السادس يرتقي عرش إنكلترا ، الإنكليز يتابعون الحرب بنجاح
1429م
تدخل جان دارك الذي أنقذ أورليان، شارل السابع يتوج ملكاً في ريمس
1430م
هنري السادس يتوج ملكاً على فرنسا
1436م
خسارة باريس بعد انهيار التحالف الإنكليزي البرغندي
1444م
معاهدة تور إنكلترا تتنازل عن دوقية مين
1449م
الإنكليز يخلون بمعاهدة تور، فتنهار المقاومة الإنكليزية تحت الضغط الفرنسي المنظم
1453م
هزيمة الإنكليز في كاستيون تنهي جهودهم لاستعادة غسكونيا، فلايبقى لهم إلا كاليه وجزر القنال والمانش ويجرجر الصراع أذياله في حملات فاشلة قاموا بها في عام 1474و1492
1558م
الإنكليز يخسرون كاليه، ولكن ملوك إنكلترا احتفظوا بلقب ملك فرنسا حتى جورج الثالث بل ظلت شارة الملكية الفرنسية تظهر على شعار صحيفة التايمز حتى عام 1932


ولكن القليل منها على هذه الصورة فعلاً. والحقيقة أن هذه الفكرة لم تظهر حتى عهد قريب فقد وجدت الدول قبل أن يبدأ الناس بالتفكير بالقومية بزمن طويل، وكثيراً ما كان وجود الدولة هو أول ما يعطي الناس الشعور بأنهم ينتمون إلى أمة واحدة، أي أن الدول هي التي خلقت القوميات وليس العكس، ولو أن الناس يقولون اليوم إن القومية مبرر لقيام دولة، وتظهر هذه الحقيقة بجلاء كبير في أواخر العصور الوسطى، إذ ظهرت في تلك الحقبة بعض أهم الدول والقوميات في أوروبا الغربية، ففي عام 1500 كانت كل من إنكلترا واسكتلندا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال قد اتخذت أشكالاً لا تختلف كثيراً عن أشكالها اليوم، وكان الكثيرون من سكانها يشعرون أيضاً بالشعور القومي.
ولكن هذا الأمر لا ينطبق على الجميع، إذ كان هناك أناس يشعرون بأنهم ألمان أو إيطاليون لأنهم يتحدثون اللغة نفسها، من دون أن يكونوا تحت حكم واحد على الإطلاق، فإيطاليا مثلاً لم تكن أكثر من تعبير جغرافي كما قال رجل دولة نمساوي، فحتى القرن التاسع عشر، وكان البابا يتمتع بمكانة خاصة جداً في أوروبا كرأس للكنيسة، ولكنه لم يكن بين الأمراء الإيطاليين إلا واحداً من حكام كثيرين. وكانت له سلطته الدنيوية على أراضيه المتميزة عن سلطته الروحية كقائد للكنيسة، وكانت دولته مستقلة من حيث المبدأ، مثل جمهورية البندقية أو دوقية بارما الصغيرة.
أما وضع ألمانيا فكان أكثر تعقيداً حتى من هذا، إذ كان القسم الأكبر منها ضمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي كان أمراؤها ومدنها وفرسانها الإمبراطوريون أتباعاً إقطاعيين للإمبراطور، إلا أن قسماً كبيراً من هذه الإمبراطورية لم يكن ألمانياً، وقد جرت محاولات متكررة لتحويل الإمبراطورية إلى بنية أكثر مركزية يكون فيها الإمبراطور أقرب إلى الملك منه إلى السيد الإقطاعي، ولكن تلك المحاولات باءت كلها بالفشل. لذلك بقي الألمان شعباً يتحدث أشكالاً مختلفة من اللغة الألمانية ولكنهم رعايا لكيانات كثيرة ومتباينة مثل رئيس أساقفة ماينز أو مدن رابطة الهانزا التجارية في الشمال أو أمير بافاريا، أو واحدة من مئات الوحدات المستقلة الأخرى التي كان بعضها في الحقيقة صغيراً جداً.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:13 AM
إنكلترا وفرنسا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا

إنكلترا وفرنسا
كانت ملكيتا إنكلترا وفرنسا هما أول ملكيتين قوميتين رئيسيتين، وكان الملك ألفرد بداية قصة إنكلترا، والملك هوغ كابيه بداية قصة الثانية، وسوف يحكم أحفاد هذا الأخير فرنسا طوال أربعمائة سنة.
بمرور القرون راح ملوك فرنسا يوسعون أراضيهم وسلطتهم رويداً رويداً حول النواة المكونة من أملاك أسرة كابيه، ولكن فرنسا بقيت لزمن طويل أكثر إقطاعية من إنكلترا، أي أن ملكيتها لم تبلغ من السلطة ما يضمن لها ولاء جميع رعاياها بصرف النظر عن عهودهم والتزاماتهم نحو السادة الآخرين.
ومع ذلك نجح الكابيتيون نجاحاً كبيراً، ففي عام 1300 كانوا قد أخذوا نورمنديا وغيرها من الإقطاعيات من ملوك إنكلترا، إذ كان هؤلاء يحتفظون بأراضٍ وإقطاعيات في فرنسا منذ فتح النورمان، إلا أن ملوك إنكلترا قد تشبثوا بادعاءاتهم، فكانت النتيجة سلسلة من المعارك بين إنكلترا وفرنسا امتدت من عام 1337 إلى عام 1453 وسميت حرب المائة عام وهي لم تكن في الحقيقة معارك متصلة ولكنها كانت هامة جداً في تقوية الملوك في كل من البلدين، وبالأخص ملوك فرنسا، وفي غرس الشعور بالوطنية أو على الأقل بالعداوة نحو الأجنبي في قلوب الفرنسيين والإنكليز على السواء.
لقد كانت إنكلترا هي الخاسرة على المدى البعيد، بالرغم من انتصاراتها الكبيرة في معركتي أجنكور وكريسي، وفي عام 1500 لم يعد لملوكها أراض تذكر على القارة الأوروبية، ولكن فرنسا هي التي عانت المعاناة الأكبر، لأن الحملات إنما خيضت على أرضها.
وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر، لم تعد الجيوش الإنكليزية تؤرق ملوك فرنسا، فانصرف هؤلاء أخيراً إلى ترتيب أمور بيتهم، وإن زوال غزوات الأجانب ودعمهم للمتمردين قد مكنهم من معالجة أمر النبلاء الأقوياء بحزم أكبر، وكان هذا هو الموضوع الأهم في قصة الملكية الفرنسية طوال القرنين القادمين.
لقد ظهرت في القرن الخامس عشر بطلة قومية فرنسية مشهورة هي جان دارك ربما لم يسمع بها على أيامها إلا القليلون من الفرنسيين، ولكنها سوف تصبح على المدى البعيد قديسة وتدخل عالم الأساطير.
وعلى هذه الصورة كانت العصور الوسطى المتأخرة تذكي الشعور بالهوية القومية، ففي القرن الرابع عشر أصبح القديس جورج هو القديس الحامي لإنكلترا، وصار الجنود الإنكليز يضعون صليبه الأحمر على شاراتهم العسكرية مع أنه في الحقيقة شخصية غامضة لانعرف الكثير عنه ولا عن أسطورة قتله للتنين، التي لايمكن أن يكون لها أساس واقعي على كل حال.
وفي نفس المرحلة تقريباً راح الناس يدونون تواريخ قومية لبلادهم ويكتشفون أبطالاً قوميين في أيامها الماضية. من أولئك الأبطال الملك آرثر، وإذا كان له وجود حقيقي فقد كان على الأرجح أرستقراطياً رومانياً من بريطانيا القرن الخامس، وإن الذي اخترعه هو رجل من ويلز في القرن الثاني عشر.
وبدأت بالشيوع أيضاً أساطير وقصص كتب بعضها باللغات الدارجة بين الناس وليس باللاتينية التي كانت اللغة التقليدية للعلم. فكان هذا الأدب المكتوب باللغات المحلية دليلاً على انقسام شعوب أوروبا إلى القبائل البربرية القديمة وتطورها المضطرد نحو القومية.
ثم جاء اختراع الكتابة فأعطاه زخماً عظيماً وبدأت تظهر مكتوبة بلغات قريبة من اللغات الحالية بحيث يمكن قراءتها من دون عناء.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:14 AM
إسبانيا

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



إسبانيا
من أوائل الأعمال في الأدب الإسباني قصيدة طويلة عن بطل قومي يدعى السيد، والحقيقة أن قصة أمته، أي الأمة الإسبانية، قد أخذت منحى مختلفاً جداً عن بقية أمم أوروبا. ولم تتطور بنية الدولة في إسبانيا إلا ببطء شديد، فحتى في عام 1500 لم تكن بعد مملكة واحدة من الناحية القانونية، ولكنها تطورت بصورة سريعة وقوية على صعيد الشعور الشعبي، والسبب هو إسبانيا إنما صنعتها الحرب، أي حرب استعادتها للمسيحية.
وقد بقي ميزان القوى بين المسيحيين والمسلمين يتأرجح لردح من الزمن، ولكن التيار العام كان ضد العرب، لأنهم كانوا يواجهون في الوقت نفسه انقسامات داخلية، فيما بينهم في منتصف القرن الثاني عشر، كانت مدينة طليطلة، وهي مدينة عربية كبرى، قد صارت مسيحية من جديد، كما نشأت مملكة البرتغال المسيحية.
وفي منتصف القرن الثالث عشر سقطت اشبيلية بيد ملك قشتالة، بعد أن كانت مركزاً عظيماً للثقافة العربية، كما أخذت مملكة أراغون مدينة بلنسية العربية. وفي عام 1469 اقترن فرديناند ملك أراغون بإيزابيلا ملكة قشتالة، وعرفا في التاريخ الإسباني بالعاهلين الكاثوليكيين، وعلى عهدهما اكتملت استعادة إسبانيا وسقطت آخر معاقلها أي مدينة غرناطة الجميلة بيد الإسبان في عام 1492، وهكذا انتصر الصليب في إسبانيا.
وخلال سنوات قليلة تم طرد اليهود والموريسكو وهو الاسم الذي صار يطلق على العرب والبربر، فكان هذا دليلاً على ارتباط القومية الإسبانية بالديانة المسيحية وبالنقاوة الأيديولوجية بصورة أعمق وأوثق منها في أية أمة أخرى، وقد انتهى هذا الارتباط إلى نتائج مأساوية جمة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:17 AM
الحرب والسلطة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الحرب والسلطة
لقد لعبت الحروب دوراً كبيراً وجلياً في صنع الأمم في أوروبا الغربية، فمنذ أيام ألفرد وما بعد صارت الأمم الأوروبية تبنى على يد أفراد أقوياء قادرين على شد أواصرها، وكثيراً ما كانوا يجمعون كلمتها وشملها في مواجهة الغازي الأجنبي.
قبل عصر البارود كانت الحرب تعتمد بصورة أساسية على الخيالة المدرعين وعلى بناء القلاع من أجل تمتين انتصاراتهم وترسيخها على المدى البعيد، ولذلك راح النبلاء والملوك يشيدون قلاعاً لأنفسهم، فتمكن بعضهم من أن يبلغ درجة عالية من الاستقلال.
إلا أن تغيرين هامين قد حصلا في القرن الرابع عشر، أولهما استخدام الإنكليز والويلزيين للقوس الطويلة في رمي السهام في معركة كريسي ثم في معركة أجنكور في القرن التالي، فقد بين أن هذا أن الخيالة المدرعين ليسوا قوة لا تقهر بل إن بالإمكان صدهم. ولكن هذه السهام لاتكون كافية لهذا الغرض إلا إذا أطلقت بصورة أسراب مركزة وكثيفة، فلابد من استئجار الرماة بأعداد كبيرة، وكان هذا أمراً مكلفاً، وكان الملوك أقدر عليه من الزعماء لأنهم أوفر منهم ثروة. فظهر عندئذٍ الجنود المحترفون الذين يقاتلون مقابل أجر يقبضونه جزاء لخدمتهم، ولهذا كان السبب كنت تراهم ينتقلون دوماً من سيد إلى آخر في أرجاء أوروبا.
أما التغير الثاني فقد أتى مع ظهور الأسلحة النارية الأولى، وكانت هذه في البداية أدوات فظة وضعيفة، ولكن سرعان ما صارت تصنع منها أشكال يمكن لطلقاتها أن تخترق الدروع وتدك الأسوار المنيعة، ومالبثت الأسلحة النارية الأوروبية أن أضحت الأفضل في العالم، كما كان صانعوها والمشتغلون بالتعدين يكثرون بأعداد تدل على نمو هام في المهارات والخبرات التقنية، أما الأرستقراطية كطبقة عسكرية مستقلة فكانت في أيامها الأخيرة، وإذا أتيح لبعض الزعماء أن يمارسوا شيئاً من السلطة بعد ذلك يكون إما من خلال الملك أو بتفويض منه.
وكانت عملية تمركز السلطة هذه عملية بطيئة وطويلة، ولكن الحقيقة أن ثورات النبلاء التي طالما أرقت الملوك وروضتهم في الماضي قد أصبحت نادرة، ويدين الإنكليز بالوثيقة الدستورية الهامة والمسماة الوثيقة العظمى Magna Carta إلى إحدى تلك الثورات إلا أن هذه القصة تمتد إلى أزمنة لاحقة.
في عام 1500 م كانت بعض البلدان قد سارت شوطاً أكبر من بعضها الآخر نحو خلق دولة حقيقية، وإذا كان الحكم المركزي هو المقياس، فربما كانت أكثر مملكة متقدمة في أوروبا في ذلك التاريخ هي إنكلترا.
لقد ظل بعض النبلاء حتى القرن الخامس عشر يعتبرون الحرب استثماراً طيباً لجمع الثروات عن طريق أسر السجناء ثم إعتاقهم مقابل فدية، كما ظلت مبادئ الفروسية تدفعهم أحياناً إلى الصراع دفاعاً عن مصالحهم رغم فداحة الثمن، إلا أن تلك الأيام كانت تولي بسرعة، وكانت الحرب تتحول إلى شأن قومي، أي أنها تستدعي بالضرورة موارد دولة كبيرة لتمويلها.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:18 AM
مجتمع العصور الوسطى المتأخرة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



مجتمع العصور الوسطى المتأخرة
راحت المدن في أوروبا تنمو نمواً حثيثاً بعد عام 1100، فكان هذا تطوراً هاماً وصورة من صور التسارع العام الذي طرأ على الحياة الاقتصادية فيها. وكان الملوك يحبون المدن في البداية لأنها تنشط التجارة، والتجارة يمكن فرض الضرائب عليها، وكثيراً ماكانوا يمنحونها براءات تضمن لها حقوقها ومزاياها الاقتصادية بالسيطرة على الأسواق مثلاً، وتجعل من الصعب على الأرستقراطية أن تتدخل في شؤونها.
لهذا كانت المدن عناصر خارجة عن النظام الإقطاعي المألوف، وكانت تتمتع بالحرية، وقد ظهرت فيها أشكال جديدة من التنظيم، وصنف جديد من الناس الذي لا يعتمدون في معيشتهم على الأرض رأساً بل على المهن الحرة والتجارة والصناعة.
وكانت المدينة تسمى borough وبالألمانية Burg وكان الفرنسيون يسمون سكانها*bourgeois أما زعماؤها فكانت تستمدهم من النقابات الخاصة بممارسي حرفة أو مهنة معينة.
وهكذا صارت المدن الأوروبية متميزة عن بقية المجتمع من نواح هامة، ولايبدو أن هذا قد حدث في مدن الحضارات الأخرى، وكانت تجتذب إليها الأشخاص الذين يكرهون العيش في الريف حيث كانت الكلمة الأخيرة دوماً بيد صاحب الأرض، ويقول المثل الألماني "إن هواء المدينة يجعل المرء حراً".
ولكن ليس هناك من صيغة عامة تصح على جميع أنحاء أوروبا في العصور الوسطى، لأنها كانت على درجة كبيرة من التنوع، ورغم أوجه الشبه فيما بينها، فإن الفروق بين مكان وآخر كانت كبيرة.
ورغم أن المجتمع قد بدأ يزداد تعقيداً في القرن الثاني عشر، ورغم ازدياد أعداد الناس الذين يحصلون معيشتهم من ممارسة مهن مثل المحاماة والتجارة والحياكة، فإن الاقتصاد بصورة عامة ظل في المحصلة معتمداً على الأرض، وظلت الزراعة تطغى على كل شيء آخر، فكانت المواد المتوفرة لصناعة تلك الأيام هي الصوف، والجلد والحبوب لحرفة التخمير، والخشب لحرفة البناء.
وكانت كل مدينة تعيش على المنتجات الزراعية لمحيطها القريب، حتى السياسة كانت في جوهرها نزاعاً حول ملكية الأرض وحق المشاركة في فائض إنتاجها. وكانت غلة الأرض هي التي تحدد نجاة المجتمع من المجاعة أو وقوعه في براثنها، إذ لم يكن بالإمكان جلب الغذاء من مناطق بعيدة في حال عوزه، ولن يصبح هذا الأمر ممكناً إلا بعد مرور زمن طويل.



* من هنا أتت تسمية البرجوازي - المترجم

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:20 AM
الموت الأسود ومابعده

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الموت الأسود ومابعده
رأيت كيف كان الإنتاج الزراعي في شمال أوروبا يزداد بصورة وئيدة ولكنها مطردة، خاصة عن طريق قطع أشجار الغابات وتحويلها إلى أراضي زراعية، وكانت هذه التطورات قد سارت مسافة كبيرة بحلول عام 1100م.
وقد ظلت هناك مناطق شاسعة من الأراضي البور والغابات حتى بعد هذا التاريخ، وبقي نمو الزراعة يعتمد بصورة أساسية على توسيع أراضيها. ولكن هذا الوضع تغير في القرن الرابع عشر، فلم يعد ثمة الكثير من الأراضي الجديدة التي يمكن زراعتها بالأساليب المتاحة، وفي هذه المرحلة حلت بأوروبا موجة عاتية من الجائحات الرهيبة.
ويبدو أن الأمر ابتدأ بتفشي داء الطاعون الدملي في الصين في عام 1333م، ثم حملت الجرذان هذا المرض عبر الطرق التجارية إلى الشرق الأوسط وروسيا عن طريق القوافل أولاً ثم عن طريق السفن، لأن البراغيث التي يحتوي جسمها على جرثومة الطاعون تعيش على جلد الجرذان.
وفي عام 1348 ظهر الداء في أوروبا الغربية، وفي العام نفسه دخل إلى إنكلترا من خلال مرفأ بحري صغير في دورست، وقد نشر الطاعون نتائجه المروعة في كل مكان، بسبب الأعراض الفظيعة التي تتظاهر بها بعض أشكاله، وبسبب الأعداد الهائلة من الأرواح التي راح يحصدها بالجملة، وبقي هذا الطاعون في ذاكرة الأجيال باسم الموت الأسود.
لقد هلك ثلث عدد السكان في مدنية بريستل، وربما كانت هذه أيضاً نسبة الوفيات الإجمالية في إنكلترا، أما في القارة نفسها فكانت الأمور أبشع في بعض الأماكن لأن الموت الأسود عاد المرة تلو المرة، فكان الناجون من الطاعون يموتون بأمراض أخرى، وبعد كل هذا حلت بالناس المجاعة بسبب انهيار إنتاج الغذاء وتقلص التجارة.
وقد وصل الهلع بالناس إلى أن بعضهم كان يظن أن نظرة واحدة من شخص مريض تكفي لإهلاك من تصيبه، وجاءت آخر هجماته الشديدة في عام 1390م، وكان الموت الأسود عندئذٍ قد جلب الخراب والدمار إلى كافة أنحاء أوروبا، وبدل أوضاعها تبديلاً عظيماً.
لقد أدى هبوط عدد السكان إلى انهيار إنتاج الغذاء على نطاق القارة بأسرها بسبب النقص الكبير في الأيدي العاملة اللازمة لحراثة الحقول وزراعتها، وعلى إثر هذه الأزمة نشب الصراع الاجتماعي بصورة ثورات الفلاحين وانتفاضاتهم. واستفزتهم محاولات أصحاب الأراضي لجعلهم يقومون بنفس المقدار من العمل الذي كانوا يقومون به في السابق رغم تضاؤل أعدادهم.
إلا أن عبيد الأرض كانوا يعلمون تماماً أن نقص عدد الأيدي العاملة يمكنهم من طلب أجور أعلى تدفع لهم نقداً، وقد حاول أصحاب الأراضي فرض امتيازاتهم القانونية السابقة، ولكن الحقائق الاقتصادية راحت تكرههم على استئجار الأيدي العاملة بالمال بدلاً من تشغيلها كجزء من آجار الأرض. وكانت هذه واحدة من العلامات الأولى على بداية زوال نمط قديم من المجتمع، وحلول نمط جديد مبني على العمل مقابل أجر، وهكذا كان الموت الأسود عاملاً أساسياً في تسريع تغير هام وطويل الأمد.
وأدى هذا أيضاً إلى انتقال ملكية الأرض إلى أيد جديدة، لأن أصحاب الأرض عندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن زراعة أراضيهم صار بعضهم يقسم أملاكه الكبيرة ويبيع المزارع للمستأجرين، وهكذا انخفض عدد الأراضي الكبيرة في إنكلترا مثلاً بينما ارتفع عدد الأراضي المتوسطة الحجم بعد وباء الطاعون.
كما حدث بعض التضخم لأن كمية المال المتداولة ظلت على حالها ولكنها توزعت على أعداد أقل من الناس، وكانت خسائر الأرواح من وباء الطاعون أشد في بعض الطبقات منها في بعضها الآخر، وكانت فادحة بصورة خاصة بين سكان المدن، ولهذا عانت الجامعات أيضاً، لأنها إنما كانت قائمة في المدن، والحقيقة أن بعض جامعات أوروبا قد أغلقت أبوابها ولن تفتحها بعد ذلك أبداً.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:22 AM
الابتكارات التقنية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الابتكارات التقنية
ربما تحسن مردود الأرض بفضل التبدلات التي حصلت في ملكيتها، أي تقسيمها إلى وحدات أصغر وأحسن إنتاجاً، ولكنك لاتجد تقدماً في تقنية الزراعة مثل ما تم لها قبل عام 1100م. وكان التطور التقني أسرع قليلاً في بعض الحالات الأخرى، مثل تحسن مهارات الحرفيين وإتقانهم لاستخدام أدواتهم، ولكنه لم يتجاوز هذه الحدود الضيقة لكل مهنة.
والحقيقة أنه لم يحدث أي تطور سريع أو مفاجئ في أساليب المكننة أو فهمها، بل تراكمت المهارات والتقنيات بصورة بطيئة ومتدرجة. ويصح هذا بالأخص في مجال التعدين، إذ تعلم الأوروبيون أخيراً في القرن الثالث عشر تقنية سبك الحديد عن طريق صبه في قوالب وهو مصهور، فكانوا متأخرين عن الصينيين بأكثر من ألف سنة، وإن التقدم الذي أحرزوه لم يحدث على كل حال عن طريق اختراع أشياء جديدة مبتكرة بل عن طريق تبني أساليب كانت معروفة من قبل.
كانت مصادر الطاقة المتاحة لتحريك الآلات في عام 1500 وبعده بقرون عديدة أيضاً هي الريح والماء الجاري والعضلات، ولكن هذه المصادر صارت تستخدم الآن بصورة أكثر فاعلية بكثير مما كان عليه الحال في الماضي. فالطاحونة الهوائية قد سهلت كثيراً طحن الحبوب وغيره من الأعمال التي كانت تتم بواسطة اليد، خاصة في الأرياف. كما تيسر استخدام الطواحين المائية في الأشغال الصناعية، وسوف يظل الماء الجاري هو الطاقة الأساسية في تسيير الآلات في أوروبا والعالم كله لقرون عديدة بعد. وفي القرن الثالث عشر بدأت هذه الطاقة تستخدم لتحريك الأكيار التي تنفح الهواء في أفران الحدادين، وفي تغليظ القماش أي تنظيفه وتثخينه، وفي تشغيل المطارق وتقطيع الخشب في المناشر. ومع هذا ظلت أكثر الأعمال تعتمد على عضلات الحيوان والإنسان، ولم تحدث التغيرات إلا باكتشاف طرق أكثر فعالية في استخدام تلك الطاقة، مثل تحسين عدة الأحصنة والثيران، وإيجاد استخدامات جديدة للأدوات الحديدية، التي يحتاج العمل بها جهداً أقل من الأدوات الخشبية والعظمية.
إلا أن أكبر أشكال الصناعة وأعظمها أثراً في النفس إنما كانت حرفة البناء، التي بلغت درجة رفيعة في التخصص، صحيح أن معماريي العصور الوسطى لم يقوموا بأشغال عامة كبرى مثل التي قام بها الرومان، ولكنهم شيدوا سلسلة مذهلة من الأبنية كانت أجملها وأروعها هي الكاتدرائيات القوطية الكبرى. كانت هذه الكاتدرائيات تتطلب مهارات عالية في الهندسة وقطع الأحجار، وقد وسع هذا الأمر أعداد الحرفيين وزاد من أهميتهم، وصارت تنشأ مناطق تصنيع مختصة تتجمع فيها أعداد كبيرة من العمال الفرديين والورشات الصغيرة ولم تكن فيها معامل كبيرة، إنك تجد هذا النمط قائماً اليوم في بعض أنحاء آسيا.
وكان أبرز الحرفيين وأغناهم هم المختصون بصناعة الأقمشة، وقد ظهروا أولاً في إيطاليا، وبعد ذلك ظهرت المدن الغنية المختصة بهذه الصناعة في منطقة فلاندر التي تمتد في فرنسا وبلجيكا الحاليتين، وكان الصوف الإنكليزي بضاعة هامة تصدر إليها. وتشهد على غنى المختصين بصناعة القماش، كنائس الأبرشيات البديعة التي تراها في مناطق صناعة الصوف وحياكته في إنكلترا، حيث راح التجار يستثمرون أموالهم في تشييدها من أجل تمجيد الله وضمان الحياة الآخرة. وكانت العمارة والنحت المرافق لها من أعظم أشكال الفن في العصور الوسطى، ولكن ظهرت أشكال أخرى غيرها تدل هي أيضاً على تزايد الثروات المطرد. فقد أتقن فن تزويق المخطوطات وتخطيطها، وصارت صناعة المجوهرات فناً يقدره الناس تقديراً عظيماً وكانت لها دوماً سوقاً رائجة بين الأغنياء. كما ارتقى فن شغل الزجاج، وكانت أجمل أشكال الزجاج الملون توجد في الكنائس، بينما لم يستخدم لنوافذ البيوت في العادة لأنه كان باهظ الثمن. أما فن التصوير فقد ظل مقتصراً على المواضيع الدينية، ولكنه تحرر شيئاً فشيئاً من سلطان الكنيسة، ومن الفنون المتأخرة في صنع شعارات النبالة، وقد عمل به عدد كبير من الرسامين والنحاتين والخطاطين.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:23 AM
الحياة اليومية

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



الحياة اليومية
إلا أن نمو الثروة لا يعني أن حياة جماهير الأوروبيين قد أصبحت أريح بكثير أو أن تغذيتهم قد تحسنت، فقد كان طعامهم تفهاً لا تنويع فيه، مثل حال أكثر الناس في الشطر الأكبر من التاريخ، وكانوا يأكلون ما يتيسر الحصول عليه في أماكن عيشهم، وهو في العادة مكون من الحبوب، خاصة القمح والشعير، التي تسلق وتحضر بأشكال مختلفة من العصيدة أو الثريد، ولابأس بهذا الطعام من حيث أنه يملأ المعدة ويسد الرمق، إلا أن طعمه لم يكن بالمستساغ، ولم يكن بحوزتهم مواد لتحسين نكهته إلا بعض العسل أو خثارة الحليب أو الحليب الحامض. وقد يسهل ابتلاعه بما كانوا يشربون معه من أنواع الجعة التي تصنع من تخمير الحبوب، عدا عن الحليب والماء العادي.وكان بعض الأوروبيين القاطنين في مناطق معينة يستطيعون في حالات قليلة أكل السمك الطازج أو غيره من ثمار البحر، أو لحم الحيوانات التي يصطادوها. وكان الخضار وافرة في بعض المناطق، أما في شمال أوروبا فكان التنويع في الطعام مقتصراً على المكسرات وبعض أنواع التوت والفواكه البرية، وعلى شواطئ المتوسط كان النسا يزرعون الزيتون والعنب. وكان اللحم والزبدة والجبن أوفر في أوروبا منها في أماكن أخرى، ولكنها لم تكن متاحة عادة إلا للأغنياء، ولاريب أن هؤلاء كانوا أقوى بنية من الفقراء، ولكن حتى هم لم يكونوا يتمتعون بصحة جيدة . وكان أكثر الناس لايحصلون على القدر الكافي من الدهن والفيتامينات الضرورية لمقاومة الأمراض ومواجهة الحياة الشاقة التي يعيشونها. وكانوا يموتون في أعمار مبكرة ويقعون فريسة للأمراض بسهولة كبيرة، ويعانون من أمراض الجلد ونخر الأسنان بسبب الطعام الرديء أكثر بكثير مما هي عليه حال سكان العالم اليوم ماعدا أكثر بقاعه فقراً. وكانت النساء معرضات فوق هذا لأخطار إضافية لأن الحمل المتكرر والعمل الشاق في الحقول يضعفان أجسادهن، ولما كان الجهل بالأمور الطيبة تاماً فقد كانت علمية الولادة بحد ذاتها تشكل خطراً كبيراً.
ولم يعرف الناس شيئاً ذا بال عن أسباب انتشار الأمراض وطرق معالجتها، لذلك لم يكونوا يتخذون شيئاً من الاحتياطات التي نعتبرها اليوم بديهية. فلم تكن المجارير مثلاً في أي مدينة أوروبية في العصور الوسطى بجودة ما عرفته مدن رومانية كثيرة قبل ذلك بقرون عديدة، أو حتى مثل التي كانت في موهنجو دارو في حضارة الهند الباكرة، وكانت القمامة والقاذورات تترك لتتراكم في الطرقات، جالبة الذباب والروائح الكريهة والعدوى إلى أن ينزل المطر ويجرفها. ونادراً ما كان المصابون بالأمراض يبعدون عن الآخرين، ولو أن الموت الأسود قد أدى إلى محاولات الحجر الصحي على السفن القادمة من الشرق، ما أن الأمراض كانت تهاجم أحياناً الناس بشراسة عندما تنتقل من مكان لآخر، لأن المناعة ضدها كانت مقتصرة على مناطق محدودة.
لقد تحسنت فرص العيش حتى سن متقدمة في النهاية عن طريق اكتشاف طرق جديدة لزراعة كميات أبكر من الغذاء، أما الطب فما كانوا يلتفتون إليه إلا بعد الإصابة بالمرض، ولم يكن الطب في أوروبا على كل حال إلا مزيجاً من السحر والخرافة مع بعض الملاحظات العملية القليلة عن فوائد بعض الأعشاب والأدوية، ويبدو أن أكثر الممارسات السليمة التي عرفوها كانوا قد تعلموها من العرب. ولم يكن يخطر ببال أحد في ذلك الزمن أن وجود الطبيب إلى جانب المريض قد لايقل فائدة عن وجود الكاهن، وربما كان غياب الطبيب أرحم في الحقيقة بالنظر إلى قلة الدراية بالطب. إذ كان النجاح الأساسي في مجال الطب هو القضاء على داء البرص قضاء شبه مبرم، فقد بنيت مشافي للبرص خارج أسوار المدن كان المرضى التعساء يقضون حياتهم فيها بعيداً عن بقية البشر.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 07:25 AM
قلب حضارة

كتاب تاريخ العالم - الفصل السابع - صنع أوروبا



قلب حضارة
رغم أن هذا المجتمع كان قد سار خطوات كبيرة منذ نهاية العصور القديمة، فإنه يبقى بعيداً جداً عن مجتمعنا اليوم، وقد كانت بذور التغيير كامنة فيه بعد، ولم تصدر عنه إلا علامات ضعيفة ومتفرقة عن تطوره المقبل. وإن أكثر ما يميزه عن مجتمعنا إنما هو المكانة المحورية التي كان للدين فيه، فقد كانت أوروبا في نظر أكثر أهلها هي العالم المسيحي، وقد ازداد وعيها لهذا الأمر حدة بعد عام 1453م سقوط القسطنطينية، وكان الدين يرسم حياتها برمتها تقريباً، كما كانت الكنيسة عند أكثر الناس هي الوحيدة التي تسجل وتصدق كل اللحظات الكبرى في وجودهم من زواجهم، وولادة أطفالهم وتعميدهم وموتهم أيضاً.
وكان الكثيرون من الناس ينذرون حياتهم للكنيسة، وكانت نسبة الرجال والنساء الذين يدخلون في السلك الديني أكبر بكثير مما هي الحال عليه اليوم، وكان بعضهم يسعون للاعتزال في الأديرة بعيداً عن الحياة اليومية المنفرة، وحتى العالم العادي خارج الأديرة لم يكن في الحقيقة علمانياً مثل عالمنا. فقد كانت المعرفة وأعمال الخير والإدارة والعدالة وقطاعات واسعة من الحياة الاقتصادية واقعة كلها ضمن نطاق الدين وتحت سيطرته، وحتى عندما كان الناس يهاجمون رجال الكنيسة كانوا يفعلون ذلك باسم المعايير التي علمتهم إياها الكنيسة نفسها وبالاحتكام إلى معرفة إرادة الله حسبما أخذوها عنها. وهكذا كان الدين أعمق ينابيع حضارة أوروبا، وكان يشكل حياة الناس جميعاً ويحدد لهم الهدف والغاية من تلك الحياة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:17 PM
المبادرة الأوروبية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثامن - عصر الاكتشافات والمواجهة

المبادرة الأوروبية
لنتمهل قليلاً عند عام 1000 للميلاد، لأن هذا التاريخ ذا معنى خاص عند أهل القرون الوسطى، فضلاً عن أنه رقم مدور يسهل تذكره. مع اقتراب الألفية من نهايتها صار كثير من الناس في أوروبا المسيحية يعتقدون أنها سوف تجلب نهاية العالم ويوم الدينونة، وكان بعضهم في الحقيقة راغبين بقدوم نهاية العالم ومتأهبين لملاقاة خالقهم، إلا أن أكثرهم كانوا يعيشون في عالم ليس فيه ما يبعث على الأمل أو التفاؤل، فقد كانت أوروبا في ذلك الزمان بلاداً فقيرة، ومازالت تحرر نفسها من الشعور بأنها محاصرة من الهون الأفار والفايكنغ والعرب، ولم يكن للقانون والنظام وجود في أراضيها. أما في حوالي 1500 م فكانت الصورة قد بدأت بالتغير، صحيح أن أوروبا كانت فقيرة بالمقاييس الحديثة ولكنها كانت أوفر ثروة بكثير مما كانت عليه قبل خمسة قرون، فكانت مدنها أكبر وأوسع ازدهاراً، والتبادل والتجارة فيما بينها أكثر نشاطاً، والأعمال الفنية والأدبية فيها أكثر وفرة، كما كانت حكوماتها أحدث وأكثر فعالية، ونظرتها للعالم الخارجي نظرة جديدة، وإنه لتكثر فيها الدلائل على الاندفاع والمغامرة والشوق لبلوغ آفاق جديدة.
النهضة
تطلق تسمية النهضة Renaissance أحياناً على ازدهار الفنون والآداب بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، وهي بالأصل كلمة فرنسية معناها البعث أي الولادة من جديد. وقد شعرت جميع البلاد الأوروبية الواقعة إلى الغرب من روسيا بتأثير تلك النهضة بدرجات مختلفة، وساهمت أكثرها فيها بقسط ما، إلا أن مركزها وقلبها الحقيقي إنما كان في إيطاليا، فقد عاشت في مدنها بين عامي 1350 و 1450 أعداد من الأدباء والفنانين والعلماء والشعراء هي أكبر منها في أي بلد آخر، وكانت أوروبا كلها تقصد إيطاليا لكي تتعلم منها وتحاكي الأشياء الجميلة التي برع الإيطاليون في ابتكارها، وكان هؤلاء بدورهم يتطلعون إلى الماضي الكلاسيكي لليونان وروما.
تكمن جذور النهضة في إعادة اكتشاف جزء من ماضي أوروبا كانت قد حجبته الحضارة المسيحية أثناء العصور الوسطى، فقد مجد المصور رافايلو فلاسفة اليونان العظام في لوحاته، وراح الكتاب الإنسانيون يحاكون أسلوب الخطيب والكاتب الروماني شيشرون من أجل أن يضفوا الأناقة والجمال على لغتهم اللاتينية، والحقيقة أنه بعث الآداب الكلاسيكية هو الذي أعطى النهضة اسمها. ولكن يبقى الدليل الأبرز على إنجازات النهضة هو فنها، فقد خلفت لنا في التصوير والنحت والحفر والعمارة والموسيقى والشعر أعداداً هائلة من الإبداعات الجملية التي صاغت أفكار الناس عن معايير الجمال لقرون طويلة. وقد بلغ هذا الفن ذروته في القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وهو العصر الذي ظهر فيه عدد من الرجال العظام منهم مايكل أنجلو النحات والمصور المعماري والشاعر، ورافايلو المصور والمعماري، وليوناردو دافنشي المصور والمهندس والمعماري والنحات والعالم. وكان أهل عصر النهضة يعجبون بأمثال هؤلاء من ذوي البراعات العديدة، الذين أعطوا الناس فكرة جديدة عن قدرة الإنسان على الإتقان والتفوق، وبينوا عظمة مواهبه الدنيوية أعظم مما كانت تعلمه الكنيسة. وإن للفنان مايكل أنجلو لوحة تصور خلق آدم أبي البشر، وتراه فيها بصورة بطل عملاق يفوق في قوته وحدة تعبيره خالقه نفسه، الذي يمده بالحياة من خلال سبابته.
كان أدباء النهضة أول من بدأ باستخدام تعبير العصور الوسطى بل العصر الوسيط، لأنهم كانوا يتحدثون عنها في البداية بصيغة المفرد لوصف ما يقع بينهم وبين الماضي الكلاسيكي الذي كانوا واعين لأهميته وعياً كبيراً. إلا أن الحقيقة الأهم في حياة الأوروبيين لم تكن قد تغيرت كثيراً في عام 1500م، وهي أن الدين مازال قلب حضارتهم، بل إنها الآن قد كست نفسها بثوب الدين وتظاهرت للعالم بأشكال دينية أيضاً. إن أول كتاب طبع في أوروبا إنما هو الكتاب المقدس، فكان يطبع في عام 1500م بترجمات ألمانية وإيطالية وفرنسية أما النسخة الإنكليزية فلم تظهر حتى عام 1526م، وكان أعداد الناس الذين يقرؤونه في ذلك الزمان أكبر مما كانت عليه في أي عهد سابق. وبعد سقوط القسطنطينية شعر الكثير من الأوروبيين أنهم المسيحيون الوحيدون في العالم، إذ لم يكونوا يعرفون عن أهل موسكو إلا القليل القليل، فكانت هذه الفكرة تحرك مشاعرهم، وربما كانت تدفعهم إلى اعتبار أوروبا مركز العالم، مثلما كانت أورشليم ذات يوم.
الاكتشافات
يفسر هذا التغير في الأجواء مجيء العصر الذي سمي عصر الاكتشافات، وهي في الحقيقة اكتشافات اقتصرت على الأوروبيين تقريباً منذ القرن الخامس عشر فما بعد. كانت خريطة العالم لبطليموس قد وصلت إلى الغرب في عام 1400م، ثم طبعت ونشرت من جديد في عام 1477 فأعطت الأوروبيين أفكاراً جديدة، ولكن المعلومات التي توافرت في ذلك الحين قد سبقت بطليموس بأشواط بعيدة، خاصة من ناحيتين اثنتين: أولاُ: بسب اكتشاف أراضي في الغرب وراء المحيط الأطلسي لم يكن بطليموس على علم بها. ثانياً: بسبب إمكانية الوصول إلى آسيا عن طريق الدوران بحراً حول أفريقيا. وكان للتقدم التقني في مجالي بناء السفن والملاحة أهمية كبيرة في تلك الاكتشافات، ولكن التقنية وحدها لاتكفي لتفسير روح هذا العصر، فالصينيون كانوا يعرفون البوصلة المغناطيسية منذ زمن بعيد، وكانوا قد بنوا سفن الينك الشراعية العابرة للمحيطات، بينما كانت مراكب الدَّهْو العربية تجوب عرض المحيط الهندي، كما قام سكان جزر المحيط الهادي البعيد برحلات طويلة وغامضة في قوارب الكنو المفتوحة، وكانوا ذوي مهارة كبيرة في شؤون الملاحة. ويبقى السؤال الأساسي: لماذا كان الأوروبيون هم الذين وحدوا الكرة الأرضية من خلال مغامراتهم البرية والبحرية الطويلة، والتي امتدت حتى استكشاف القطبين الشمالي والجنوبي في القرن العشرين؟ لماذا لم يسبقهم العرب أو الصينيون إلى الأمريكيتين؟ في الحقيقة أننا لانستطيع أن نجيب على هذا السؤال بجواب واحد وبسيط، بل كانت هناك عوامل كثيرة تراكمت وتضافرت فيما بينها، ويفضل ألا نعطي أيا منها الدور الحاسم في إنجازاتهم تلك.
من الواضح أن تحسن تصميم السفن وبنائها كان عاملاً هاماً في تحضير أوروبا لدورها العالمي الجديد، كان الأوروبيون يستخدمون القائم الكوثلي (الدفة الخلفية) في عام 1300، كما تحسنت الأشرعة أيضاً فصارت السفن أسهل قيادة وآمن وأسرع. وفي عام 1500م كان المركب الثخين الذي استخدمه بحارة العصور الوسطى في شمال أوروبا قد زال وحل محله مركب صغير ذو ثلاث صواري وأشرعة مختلطة بعضها عرضاني وبعضها طولاني، وهذا هو التصميم الأساسي للسفينة الشراعية التي سوف تسود البحار طوال ثلاثمائة وخمسين سنة. وقد حصلت أيضاً تطورات هامة في الملاحة، فقبل قرون عديدة كان بحارة الفايكنغ البارعون يقومون برحلات طويلة في المحيط بعيداً عن مرأى اليابسة، لأنهم كانوا يعرفون الإبحار على خط عرض ثابت مهتدين بارتفاع الشمس عن الأفق عند منتصف النهار لكي يبقيهم على مسارهم. ثم وصلت البوصلة في القرن الثالث عشر إلى المتوسط وبدأ البحارة باستخدامها ولعلها أتت من الصين، ولكن ما من دليل مباشر على ذلك، وفي عام 1270م تجد أول إشارة لاستخدام الخريطة في سفينة، وقد سهلت الخرائط معرفة الأوروبيين بالجغرافية وانتشار تلك المعرفة بصورة متسارعة خلال القرنين القادمين.
إن لقصة الاكتشافات هذه ناحية أخرى شكلتها مجموعة من الدوافع الجديدة، منها دافع هام هو دافع الربح والأمل بالمكاسب التجارية، إذ كان من المعروف أن الذهب والتوابل تأتي من جنوب الصحراء الكبرى، فربما أمكن اكتشاف مصدرها إذن؟ ثم كان فشل الحملات الصليبية وعودة الإسلام للبزوغ والتقدم في شرق المتوسط والبلقان والهند أيضاً، ولو أنه كان ينسحب في إيبريا، وإن تزايد الخطر العثماني قد حفز أحلام الأوروبيين بإيجاد طريقة للالتفاف حوله أو حلفاء يمكن الاستفادة منهم ضده. ولاتنس أيضاً دافع الحماس الديني والرغبة بالتبشير بالمسيحية، لأن المستكشفين الأوائل كانوا رجالاً من العصور الوسطى يرون العالم بمنظار ديني، فكانوا يأملون بإيجاد الكاهن يوحنا* Prester John ملك إثيوبيا المسيحي، الذي تتحدث عنه الأساطير، فضلاً عن رغبتهم بهداية الناس وضمهم إلى كنيسة المسيح. وكان هناك أخيراً دافع الفضول. ولكن مهما كان الدافع الأقوى في كل حالة من الحالات، فإن النتيجة كانت في المحصلة تزايد اهتمام الأوروبيين الغربيين برحلات المغامرة واستكشاف المحيطات في القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
البرتغاليون
كان من أبرز المهتمين بتلك المغامرات الاستكشافية الأمير هنري شقيق ملك البرتغال، وقد سمي لاحقاً هنري الملاح ، ويبدو أن ماء البحر يجري في عروق البرتغاليين، كما هي الحال لدى رجال جنوب غرب إنكلترا. إن ساحل البرتغال بأكمله واقع على المحيط الأطلسي، ومن مرافئه الصغيرة كانوا يرسلون المئات من المراكب من أجل صيد السمك والمتاجرة، وعليها تدرب البحارة الذين نقلوا المستوطنين الأوروبيين الأوائل إلى الأطلسي، وكان أكثرهم من البرتغاليين، وعدد قليل من الإسبانيين الباحثين عن الأراضي في جزيرة ماديرا وأرخبيل الكناري. وحتى في مغامراتهم التجارية كان البرتغاليون مضطرين للتطلع إلى الأطلسي أيضاً، لأن إسبانيا تطوقهم على البر كما أن الجنوبيين والبنادقة كانوا يستأثرون بتجارة المتوسط لأنفسهم ويمنعونهم عنها بشراسة، وقد قاد البرتغاليون حملات صليبية لهم في المغرب ولكن من دون أن يحرزوا تقدماً هاماً فيها.
كانت رعاية الأمير هنري لعمليات الاستكشاف هذه أشبه برعاية الأبحاث العلمية في أيامنا، وقد نظم الحملات نحو الجنوب على امتداد ساحل أفريقيا، ففي عام 1434 م دار البرتغاليون للمرة الأولى حول رأس بوجدور، وبعد عشر سنوات ثبتوا أقدامهم في جزر الآزور، وكانوا قد بلغوا الرأس الأخضر على ساحل أفريقيا. وفي عام 1445م وصلوا إلى السنغال وسرعان مابنوا حصناً فيها، ثم عبروا خط الاستواء في عام 1473م وبلغوا طرف أفريقيا في عام 1487، أي رأس الرجاء الصالح، وكان بانتظارهم غنيمة عظيمة، هي تجارة التوابل عبر المحيط الهندي التي طالما احتكرتها مراكب الدهو العربية، إلا أن وجود تلك التجارة قد مكنهم من الاستفادة من البحارة العرب. وعند نهاية القرن تقريباً كلف ملك البرتغال مواطنه القبطان فاسكودوغاما بإيجاد طريق إلى الهند، فأخذ معه بحاراً عمانياً من شرق أفريقيا، وأبحر صوب الشرق إلى أن رسا بسفينته في كلكتا على الساحل الغربي لشبه القارة، وكان هذا في أيار (مايو) من عام 1498.

عصر الاكتشافات الكبرى
1445
البرتغاليون يرسون في جزر الرأس الأخضر
1455
المرسوم البابوي يعترف باحتكار البرتغاليين لاستكشاف أفريقيا
1460
وفاة الأمير هنري الملاح
1469
ألفونسو الخامس ملك البرتغال يبرم عقد إيجار باحتكار تجارة أفريقيا الغربية مقابل الاستمرار باستكشافها
1479
إسبانيا توافق على أن تتمتع البرتغال بحقوق احتكار التجارة مع غينيا
1481
تأسيس حصن في إلمينا في غانا الحالية كقاعدة لتجارة البرتغال مع أفريقيا
1482
البرتغاليون يصلون إلى الكونغو
1488
بارتولوميو دياز يدور حول رأس الرجاء الصالح
1492
كريستوف كولومبس يصل إلى جزر الهند الغربية
1494
معاهدة توردسيلاز تعطي إسبانيا الحقوق الحصرية بالاستكشاف إلى الغرب من خط شمالي جنوبي عبر الأطلسي، والبرتغال تأخذ حقوقاً مشابهة إلى الشرق من الخط نفسه
1496
أول رحلة استكشاف للإيطالي جون كابوت، بتفويض من هنري السابع ملك إنكلترا
1497
كابوت يصل على نيوفونلند في رحلته الثانية
1498
فاسكو دو غاما يصل إلى كلكتا بعد أن اكتشف الطريق البحرية إلى الهند
1499
الفلورنسي أمريغو فسبوتشي يكتشف أمريكا الجنوبية تحت علم إسبانيا
1500
البرتغالي بيدرو ألفاريز كابرال يكتشف البرازيل
1507
استخدام تسمية أمريكا للدلالة على العالم الجديد
1508
كابوت ينطلق بحثاً عن الممر الشمالي الغربي
1513
بالبوا يعبر مضيق دارين ويصل إلى المحيط الهادي
1519
البرتغاليان فرديناند ماجلان وخوان سيباستيان دل كانوا يبحران غرباً بحثاً عن جزر التوابل
1522
دل كان يعود إلى إسبانيا بعد أن أتم الدوران حول الكرة الأرضية

العالم الجديد
قبل ست سنوات من هذا التاريخ كان البحار الجنوبي كريستوف كولومبس قد خطا خطوة أخرى أعظم من سابقتها، لقد طلب في البداية من ملك البرتغال أن يدعمه في رحلة استكشاف كان يعتقد بناء على جغرافية بطليموس أنها سوف تسمح له ببلوغ قارة آسيا عن طريق الإبحار غرباً عبر المحيط الأطلسي، ولكن الملك لم يستجب لطلبه. ثم نجح في عام 1492 في إقناع الملكة الكاثوليكية إيزابيلا ملكة قشتالة بأن تمنحه دعمها، وهذا ما مكنه أخيراً من أن يستهل رحلته. وبعد 69 يوماً رست سفنه الصغيرة الثلاث في جزر البهاما، وبعد أسبوعين اثنين اكتشف كوبا وسماها هسبنيولا، ثم عاد في العام التالي بحملة أفضل تجهيزاً بكثير واستكشف الجزر التي تعرف منذ ذلك الحين بجزر الهند الغربية الأنتيل. لقد اكتشف كولومبس في الحقيقة العالم الجديد من دون أن يعلم، واستخدمت التسمية للمرة الأولى في عام 1494م، وإن قفزته في الظلام قد بدلت تاريخ العالم. كان البحارة البرتغاليون قد أبحروا بشجاعة ومهارة كبيرتين، ولكن بصورة منظمة حول قارة معروفة ونحو هدف معروف أيضاً، أما كولومبس فقد وقع على قارتين كاملتين لم يكن أحد يعلم بوجودهما من قبل ولا كان أحد ينتظر اكتشافهما، لهذا فقد كانتا جديدتين حقاً. وفي عام 1495 ظهرت أول خريطة تبين اكتشافاته، وكانت كوبا فيها بشكل جزيرة وليس كجزء من بر آسيا، وكان قد جعل رجال طاقمه يقسمون على ذلك، ولكن كولومبس رفض الاعتراف باحتمال وجود قارة جديدة، وظل حتى آخر يوم في حياته متشبثاً بفكرة أنه إنما اكتشف الجزر القريبة من قارة آسيا.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-1.jpg
رحلة كولومبوس الرابعة إلى أمريكا بين عام 1502 و 1504
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-2.jpg
إن لهذه القصة تتمة هامة لابد لنا من ذكرها هنا، ففي عام 1502م انطلق رجل إيطالي في مركب برتغالي من ساحل البرازيل الحالية وأبحر حتى نهر بلات جنوباً، وقد بينت رحلته هذه بصورة جازمة أن ثمة قارة كاملة إلى الجنوب من منطقة الكاريبي حيث تمت أولى الاكتشافات الكبرى. هذا الرجل الإيطالي كان اسمه أمريغو فسبوتشي، وتكريماً له قام عالم جغرافي ألماني بعد خمس سنوات بتسمية القارة الجديدة على اسمه، فصارت تدعى أمريكا. وقد استخدمت هذه التسمية نفسها بعد ذلك للدلالة على القارة الشمالية أيضاً.
وهكذا كان الاستكشاف آخر القوى العديدة والمعقدة التي أدت بالأوروبيين إلى رؤية علاقتهم ببقية العالم بطريقة جديدة، ثم أنهم بعد أن اكتشفوا العالم راحوا يعملون على تغييره وتبديله أيضاً، وكان تدفعهم ثقة عظيمة بأنفسهم تتزايد مع تزايد نجاحاتهم وتراكمها الواحد فوق الآخر.إن الاكتشافات الأخرى التي أحرزوها بحلول عام 1500م قد وضعتهم على عتبة عصر جديد سوف تزداد قوتهم فيه نمواً وتوسعاً حتى بدت وكأنها لاحدود لها. وإن العالم لم يأت إليهم بل إنهم خرجوا وأخذوه بأنفسهم، وقد بلغوا في ذلك نجاحاً أكبر بكثير من أجدادهم الصليبيين. ومن أجل أن نفهم أسباب نجاحهم هذا وطريقة حدوثه ينبغي علينا الآن، أن نلتفت إلى العالم الذي كانوا يكتشفونه ونعرف قصته، وقد كان ذلك العالم أيضاً ثمرة تواريخ طويلة، ولو أن قصتها مختلفة جداً عن قصة المكتشفين والفاتحين.



* زعم بعضهم أنه كان يحكم في الشرق الأقصى وسموه ملك الهند - المترجم

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:19 PM
أفريقيا قبل الأزمنة الحديثة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثامن - عصر الاكتشافات والمواجهة


أفريقيا قبل الأزمنة الحديثة
إن الأفارقة والعلماء المختصين بشؤون أفريقيا يسهبون دوماً في الحديث عن أهمية هذه القارة في مرحلة ماقبل التاريخ، والحقيقة أن أكثر الأدلة التي بين يدينا عن حياة البشريات الأولى إنما أتتنا من أفريقيا، وفيها تبدأ قصة الإنسان. فإذا كان أوائل البشر قد ظهروا هناك فعلاً، فإن نسبة كبيرة من الناس اليوم هم بالأصل أفارقة، وإذا لم تنشأ البشرية وتتطور في أي مكان آخر بصورة مستقلة بل انتشرت من تلك القارة، فإننا جميعاً أفارقة في المحصلة. ولكن أفريقيا لم تؤثر فينا بالرغم من ذلك من أية ناحية هامة، وإن ثقافات العالم الكبرى لاتدين لها إلا بالقليل فيما عدا بعض الحالات القليلة في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، وتبقى مساهمة هذه القارة في رأس المال الثقافي للحضارة دون مساهمات القارات الأخرى. وقد انتقل محور ما قبل التاريخ مع قدوم العصرين الباليوليتي الأعلى والنيوليتي مبتعداً عن مهده الأفريقي، ورغم حدوث الكثير من التطورات الهامة في تلك القارة بعد ذلك فإن الحقبة الكبرى التي أثرت فيها تأثيرها الخلاق على بقية العالم كانت قد ولت. لقد كان وادي النيل مهد الحضارة الأفريقية الوحيدة التي كتب لها شأن كبير خارج القارة، ولكن أهميته تظل دون سومر أو بحر ايجة، كما أن ثقافة مصر لم تمتد كثيراً خارج حدودها الجغرافية. فإذا استثنينا مصر وجدنا أن هذه القارة لم تقدم الكثير للعالم طوال الشطر الأعظم من العصور التاريخية وحتى الأزمنة الحديثة جداً فيما عدا مواردها الطبيعية. لقد حلت بشعوب أفريقيا أشياء كثيرة، ولكن القارة نفسها لم تكن مصدر أفكار أو تقنيات غيرت الحياة في بقاع أخرى، بل إن أهم التغيرات التي جرت في تاريخ أفريقيا نفسها قد تمت بفعل قوى أثرت عليها من الخارج.
ولانعلم تماماً لماذا كان دور أفريقيا في الحضارة ضعيفاً، حتى في الأزمنة الباكرة، ولكن يبدو أن تغير المناخ في فترة ماقبل التاريخ كان عاملاً أساسياً جعل الحياة في تلك القارة حياة صعبة وشاقة. لقد بقيت الصحراء الكبرى حتى حوالي 3000 ق.م تأوي حيوانات مثل الفيل وفرس النهر، ولو أنها اختفت فيها منذ زمن بعيد، كما كانت موطناً لشعوب تعيش على رعي البقر والخراف والماعز. وفي تلك الأيام كانت الصحراء والوديان القاحلة التي تراها اليوم سهوباً عشبية خصبة تقطعها وتصرفها أنهار تجري جنوباً حتى نهر النيجر، وشبكة أخرى يبلغ طولها 1200 كم تصب في بحيرة تشاد.
وفي الهضاب التي تنبع منها تلك الأنهار كانت تعيش شعوب تركت لنا سجلاً عن حياتها بشكل رسوم ونقوش في الصخر، وهي مختلفة جداً عن فن الكهوف الذي ظهر في أوروبا في زمن سابق، لأن الكهوف الأوروبية لم تصور إلا حياة الحيوان ونادراً ماصورت البشر. أما الآثار الأفريقية فتشير إلى أن الصحراء الكبرى كانت في ذلك الحين مكان التقاء لشعوب زنجانية، وشعوب أخرى يسميها البعض الشبيهة بالأوروبيةEuropoid وربما كان هؤلاء أجداد البربر فضلاً عن الطوارق وهم من الشعوب الحامية. ويبدو أن إحدى تلك الشعوب قد شقت طريقها من طرابلس الغرب مع خيولها وعرباتها وربما تغلبت على شعوب الرعاة، كما يبدو أنهم ليسوا من العائلة الهندية الأوروبية، إلا أن وجودهم مثل وجود الشعوب الزنجانية في الصحراء الكبرى يثبت أن نباتات أفريقيا كانت فيما مضى مختلفة جداً عنها في الأزمنة اللاحقة، لأن الخيل بحاجة للرعي. ولكن بحلول الأزمنة التاريخية كانت الصحراء الكبرى قد جفت، ومواقع الشعوب المزدهرة قد هجرت والحيوانات قد رحلت.
الشعوب الأفريقية
ثمة صعوبة أخرى في تقييم مكان أفريقيا الصحيح في التاريخ، هي أنها لم تترك إلا القليل من السجلات المدونة، باستثناء مصر. إننا نجد في سجلات الحكومة المصرية بعض الإشارات إلى أجزاء أخرى من القارة، كما تزودنا السجلات الرومانية والبيزنطية بمعلومات أوفر، ولكنها تكاد تكون مقتصرة على شمال أفريقيا والسودان، أما عدا عن هذا فليس لدينا إلا الأساطير وروايات المسافرين، وذلك حتى ظهور الإسلام. وعندما كتب المؤرخ الإغريقي هيرودوتس عن أفريقيا في القرن الخامس ق.م لم يكن لديه أشياء كثيرة يقولها عما يقع خارج مصر، ولم يكن على كل حال قادراً على قراءة سجلات هذا البلد. كانت أفريقيا عنده محددة بنهر النيل، وقد اعتبر أنه يجري جنوباً بصورة موازية للبحر الأحمر تقريباً، ثم ينحني غرباً على طول حدود ليبيا. أما في الجنوب من النيل فكان يعتقد أن هناك الأثيوبيين في الشرق، وفي الغرب صحارى لاسكان فيها، ولم تكن لديه أي معلومات عنها، ولو أنه سمع عن شعب من الأقزام الذين يمارسون السحر. إن وصفه الطبوغرافيا هذا منطقي بالنظر إلى مصادر المعلومات التي كانت متاحة في أيامه، ولكنه في الواقع لم يلم إلا بثلث الحقيقة الإثنية أو ربعها. كان الأثيوبيون مثل السكان القدامى في مصر العليا (الصعيد) ينتمون للشعوب الحامية، التي تشكل واحدة من ثلاثة مجموعات عرقية في أفريقيا، يقول علماء الأنتروبولوجيا الحديثين إنها كانت موجودة عند نهاية العصر الحجري. أما المجموعتان الأخريان فهما أجداد شعب البُشمان الحالي، الذي يقطن الأراضي الشاسعة الممتدة من الصحراء الكبرى حتى رأس الرجاء الصالح في أقصى الجنوب، والمجموعة الزنجانية التي صارت لها السيادة في النهاية على غابات وسط أفريقيا وغربها، ومازال العلماء مختلفين حول أصول مجموعة رابعة هي مجموعة الأقزام، وحول مدى تميزها عن المجموعات الأخرى.
وإذا حكمت على ثقافات الشعوب الحامية والحامية الأولى من خلال ما بقي من أدواتها الحجرية فإنك تجدها الأكثر تقدماً في أفريقيا قبل قدوم الزراعة. وقد بزغت الزراعة بصورة بطيئة إلا في مصر، وسوف تستمر أنماط حياة ماقبل التاريخية المعتمدة على الصيد وجمع الطعام إلى جانب الزراعة حتى الأزمنة الحديثة، ولكن زيادة إنتاج الغذاء أدت بمرور الزمن إلى نمو عدد السكان، وقد غير هذا الأمر أنماط السكان في أفريقيا، فمكنت الزراعة من ظهور المستوطنات الكثيفة في وادي النيل، وكانت هذه هي المقدمة الضرورية لحضارة مصر. كما أن الزراعة قد زادت خلال الألفين الثانية والأولى ق.م من أعداد السكان الزنجانيين إلى الجنوب من الصحراء الكبرى، أي في الأراضي العشبية التي تفصل بين الصحراء والغابات الاستوائية، ويبدو أن الزراعة انتشرت عن طريق امتدادها باتجاه الجنوب وليس عن طريق اكتشافها في أماكن عديدة. وقد وجدت في السهوب مع مرور الزمن محاصيل مغذية ومناسبة لظروفها الاستوائية وتربتها مثل أنواع الدخن –الجاورس- الأرز، بينما ازدهر القمح والشعير في وادي النيل، أما مناطق الغابات فلم يكن بالإمكان استغلالها إلى أن وصلت إليها نباتات أخرى مناسبة لها من جنوب شرقي آسيا ثم من أمريكا، إلا أن هذه التطورات كلها إنما حدثت في حقبة ما بعد الميلاد.
الحديد
لقد زاد قدوم التعدين من تباعد التيارات الثقافية ضمن القارة، يبدو أن النحاس كان يشغل في الصحراء الكبرى في أواخر الألف الثانية ق.م، ويحتمل أن تكون خاماته أخذت من المناجم الواقعة اليوم في موريتانيا والسنغال، وبحلول القرن السادس ق.م كان استخراجه جارياً في كاتانغا. أما الحديد فقد جاء إلى أفريقيا أول ماجاء من شعوب آسيا الغربية عبر مصر عند نهاية الألف الثانية، ولكن سوف يمضي وقت طويل قبل أن يبدأ شغل الحديد هناك، وعندما حدث هذا كان في بعض أنحاء القارة أول مهارة تظهر في التعدين، فالحقيقة أن بعض الأفارقة قد انتقلوا من العصر الحجري إلى عصر الحديد رأساً من دون المرور بعصر البرونز أو النحاس، وقد بدأ صهر الحديد في نيجيريا العليا في القرن الخامس ق.م، وربما أتت تلك التقنيات بالأصل من المدن الفنيقية الواقعة على ساحل شمال أفريقيا عابرة الصحراء الكبرى.
كان للحديد أثر عظيم جداً، ويبدو أن أحد تأثيراته الأولى كان في مجال السياسة، وقد تم أول استغلال للثروات المعدنية في أفريقيا على ما نعلم في مملكة كوش، الواقعة على القسم الأعلى من النيل عند التخوم التي بلغها نشاط المصريين، وهي أول وحدة سياسية مستقلة وصلتنا أخبارها بعد مصر. فبعد أن ضم المصريون منطقة النوبة إلى بلادهم وضعوا حاميات لهم في الإمارة السودانية الواقعة إلى الجنوب منها، إلا أنها أصبحت مملكة مستقلة بحلول عام 1000 ق.م تقريباً، وكانت متأثرة تأثراً عميقاً بالحضارة المصرية. وكان سكانها على الأرجح من العرق الحامي، وكانت عاصمتها في نبتة تحت الشلال الرابع مباشرة. وفي عام 730 ق.م كانت مملكة كوش هذه قد بلغت من القوة ما مكنها من فتح مصر نفسها، وقد حكم خمسة من ملوكها كفراعنة وعرفوا في التاريخ بالسلالة الخامسة والعشرين أو السلالة الحبشية (الأثيوبية)، ولكنهم عجزوا عن إيقاف التراجع في مصر، وعندما هاجمها الأشوريون زالت منها سلالة كوش. وقد استمر تأثير الحضارة المصرية في مملكة كوش، كما غزاها فرعون من السلالة التالية في بداية القرن السادس ق.م، وبعد هذا راح الكوشيون بدورهم يدفعون حدودهم نحو الجنوب، ومن خلال تلك العملية مرت مملكتهم بتغيرين هامين، فقد ازداد الطابع الزنجاني فيها وتظهر لغتها وأدبها ضعف النزعة المصرية، كما بدأ الحديد يلعب دوره في رسم مصائرها. امتدت أراضي كوش إلى مناطق جديدة تحتوي على خام الحديد وعلى الوقود اللازم لصهره أيضاً بكميات كبيرة قياساً إلى التقنيات المعروفة، وكان الكوشيون قد تعلموا فن الصهر من الآشوريين في القرن السابع ق.م، فصارت عاصمتهم مرو مركز التعدين في أفريقيا. وإن الأسلحة الحديدية قد أعطت الكوشيين ميزة على جيرانهم مثل التي كانت للشعوب الشمالية على مصر في الماضي، كما أن الأدوات الحديدية قد وسعت مساحة الأرض القابلة للزراعة، وعلى هذه الإنجازات سوف تبنى ثلاثة قرون من الازدهار والحضارة في السودان، ولو أنها مازالت بعيدة عن العصر التي تتناوله الآن.
قبل الحقبة المسيحية كان شغل الحديد قد انتشر إلى الجنوب من الصحراء الكبرى حتى وسط نيجيريا، وقد استغرق حوالي 1200 سنة لكي يصل إلى السواحل الجنوبية الشرقية، ولاريب أنه ساعد على انتشار الزراعة إلى أنحاء من أفريقيا كانت غير قابلة للزراعة أو لايمكن الوصول إليها، فساعد بالتالي على نمو عدد السكان ولو بصورة وئيدة وغير مباشرة، فحتى عند بداية الحقبة المسيحية كان عدد سكان أفريقيا كلها على الأرجح أقل من عشرين مليوناً، لأن الأفارقة كانوا يميلون للزراعة بصورة متنقلة، فيزيلون النباتات البرية في منطقة ما ويستنفذون تربتها ثم ينتقلون إلى أرض جديدة. كما أنهم لم يكتشفوا المحراث ولا استخدموه إلا بعد زمن طويل، وربما كانت الأمراض التي تصيب الحيوان من الأسباب التي منعتهم من تربية الحيوانات اللازمة لجره، وتكاد تكون مرتفعات أثيوبيا هي المكان الوحيد في أفريقيا الذي كانت تربى فيه الأحصنة.
كان شغل الحديد وتطور تقنيات الزراعة مثل قدوم محاصيل غذائية جديدة من آسيا عند بداية الأزمنة المسيحية، من أولى الأشياء الكثيرة التي استوردتها أفريقيا، والتي مكنت من نمو جماعات سكانية كبيرة بعيداً عن وادي النيل وساحل المتوسط. لقد بقي جنوب أفريقيا يعيش في العصر الحجري حتى وصول الأوروبيين، ولكن حتى هناك مكنت الابتكارات الجديدة للمرة الأولى من التغلب على العوائق والحواجز الهائلة التي طالما وضعها المناخ وطبيعة الأرض والأمراض في طريق الحضارة. وكانت هذه بداية قصة طويلة من استيراد التقنيات من الخارج، وهي قصة تمتد حتى الأزمنة الحديثة عندما جاءت إلى أفريقيا أشياء كثيرة مثل الطب والسدود المولدة للكهرباء ومكيفات الهواء وغيرها. إلا أن أفريقيا الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى قد بقيت لزمن طويل مرتبطة بأسلوب الزراعة المتنقلة، وظلت متأخرة في مجالات صنع الفخار وطحن الحبوب والنقل لأنها لم تعرف العجلة، كما أجزاء كبيرة من القارة لم تتعلم الكتابة حتى الأزمنة الحديثة.
الانقسامات الثقافية الباكرة
ليس بأيدينا مصادر مكتوبة عن أفريقيا ماعدا السجلات التي دونها العرب وأقباط أثيوبيا، ولكن يمكننا أن نميز التيارات الأساسية في تاريخ هذه القارة من دون عناء كبير، ويمكن اليوم تقسيم الخريطة الثقافية لأفريقيا بصورة تقريبية جداً إلى شمال إسلامي وجنوب غير إسلامي، ولاينطبق هذا التقسيم إطلاقاً على انقسام أفريقيا إلى شطر زنجاني وشطر غير زنجاني. وخارج هذا المخطط تقع مرتفعات أثيوبيا التي تسكنها شعوب غير زنجانية تتحدث اللغة الأمهرية. نحن نعلم أن الأثيوبيين أطاحوا بمملكة كوش في حوالي عام 300 ق.م، وفي القرن الرابع الميلادي سوف تصبح أثيوبيا واحدة من أولى الممالك المسيحية في العالم، عندما تنصر حكامها على يد أقباط مصر المسيحيين. ولكن اتصالهم المباشر ببقية العالم المسيحي لم يستمر إلا لبرهة قصيرة بعد ذلك، لأن غزو العرب لمصر قد وضع بينهما حاجزاً من الإسلام، وبقيت أثيوبيا بعد هذا لقرون طويلة الأمة المسيحية الوحيدة في أفريقيا، والمجتمع الوحيد غير المسلم الذي يعرف الكتابة، إلا أن علاقتها بالعالم الخارجي قد بقيت علاقة ضئيلة، حتى خمسة أو ستة قرون مضت.
في تلك الأثناء كانت الجماعات المسيحية المغاربة في شمال أفريقيا، والتي تأسست في الأزمنة الرومانية قد زالت أمام المد الإسلامي، ولم تبق منها أعداد كبيرة إلا في مصر. وانتشر العرب عن طريق الفتوحات العسكرية في كافة الساحل الشمالي، وأسلموا شعوب البربر والمغرب أثناء تقدمهم. أما في الغرب كانت اتصالات قبائل البربر بالشعوب الزنجانية اتصالات قديمة العهد، وهذا ما ربط غرب أفريقيا بعالم المتوسط بعلاقات اقتصادية منذ الألف الثانية ق.م ولو أن العلماء مازالوا مختلفين حول المعنى الحقيقي لهذه العلاقات. وبعد فتوحات العرب في الشمال انتقل الإسلام عبر الصحراء الكبرى عن طريق قوافل المستكشفين والتجار العرب الباحثين عن مصدر الذهب والعبيد، لأن هذه البضائع كان قد بدأت تعرف في الشمال، وبحلول نهاية القرن الحادي عشر كان الإسلام قد ترسخ في وادي النيجر وغرب أفريقيا، وفي الشرق كانت الصومال أيضاً قد أصبحت بلداً مسلماً.
غانا ومالي
كان وصول الإسلام ذا أهمية عظيمة لدى المؤرخين، لأن الرحالة العرب هم الذين تركوا لنا أولى الدلائل المكتوبة المباشرة والمبنية على معاينة حقيقية لأفريقيا السوداء. وقد صدمتهم بعض الأشياء التي شاهدوها، مثل الفتيات في أفريقيا، ولكنهم دونوا أيضاً الكثير من الأشياء المفيدة. ويحدثنا هؤلاء الرحالة عن وحدة سياسية في غرب أفريقيا كانت تحمل اسماً نألفه اليوم أيضاً هي غانا، ويبدو أن غانا كانت مملكة تحكمها سلالة من البربر منذ القرن الرابع، ومن الواضح أنها أصبحت بلداً هاماً منذ أن طردت منها هذه السلالة في القرن الثامن، وقد وصفها أحد الكتاب العرب أرض الذهب. كان الذهب يأتي من أشانتي والسنغال إلى تجار غانا، ثم يمرره هؤلاء بدورهم إلى القوافل العربية التي تشق طريقها نحو الشرق الأدنى، حاملة معها أيضاً الملح والعبيد. وكانت غانا في أوسع نطاق بلغته تمتد من المحيط الأطلسي حتى القسم العلوي من نهر النيجر، ويبدو أنها ازدهرت من القرن الثامن حتى منتصف القرن الحادي عشر الميلاديين، وأن حكومتها كانت تدين لحكامها البربر السابقين الآتين من الشمال، ولكن العلماء مازالوا مختلفين حول مدى هذا الدين. وقد عاد الحكم على كل حال إلى أيدي البربر في القرن الحادي عشر على عهد ملوك من المغرب الإسلامي.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-3.jpg
دول غانا ومالي والسونغهاي
وتحطمت غانا في النهاية على يد دولة أخرى هي مالي وهو اسم آخر أحيته دولة حديثة في أفريقيا فكانت هذه واحدة من الدول التي حلت محلها بعد تفككها. كانت مالي مملكة إسلامية وأكبر بكثير من غانا، وقد غطت كافة حوض السنغال، وكان ملكها على درجة كبيرة من الغنى، حتى قيل أنه كان يملك عشرة آلاف حصان في إسطبلاته، وقد سببت ثروته قدراً كبيراً من الإثارة في العالم العربي عندما قام برحلة حج إلى مكة عام 1307م. ولكن هذه الإمبراطورية تفككت بدورها في القرن الخامس عشر، عندما صارت التجارة عبر الصحراء الكبرى تحت سيطرة إمبراطورية أخرى هي إمبراطورية السونغهاي، الذين استمرت سيادتهم حتى نهاية القرن السادس عشر، وفي ذلك الحين كان غرب أفريقيا إلى الجنوب من الصحراء الكبرى بأكمله تقريباً تحت حكم زعماء وملوك مسلمين، ومازال قسم كبير منه كذلك اليوم أيضاً. وقد تم اعتناق أفريقيا السوداء للإسلام من قمة المجتمع نحو قاعدته، واستمرت ممارسات وثنية كثيرة بعد زمن طويل من تحول هذه البلاد الرسمي إلى الإسلام، أما إلى الجنوب من ذلك فلم يتغلغل الإسلام إلا حيث كان العرب على تماس بالمناطق الساحلية، وإن قصة جنوب أفريقيا أصعب منالاً حتى من قصة شمالها.
جنوب أفريقيا
كانت الحركة الأساسية في تاريخ الجنوب عبارة عن هجرات طويلة قامت بها عند بداية الأزمنة المسيحية تقريباً، شعوب تتحدث لغات البانتو. وقد أتى هؤلاء من شرق نيجيريا ثم انتشروا عبر حوض الكونغو وفي القسم الأكبر من أفريقيا الجنوبية، ووضع انتشارهم هذا نمطاً من الاستيطان مازال مستمراً، حتى اليوم، ولو أنه ازداد تعقيداً بالهجرات اللاحقة. وقد بلغ بعض أولئك المهاجرين في النهاية الساحل الشرقي، حيث عادت أفريقيا السوداء للاتصال بالعالم العربي من جديد. وكان التجار الوافدون إلى الساحل من البحر الأحمر والخليج الفارسي منذ القرن الثامن فما بعد يسمون شرق أفريقيا بلاد الزنج ومنها أتت تسمية زنجبار في زمن لاحق، وقد أسسوا المدن الساحلية التي ابتدأت بنشر حياة المدن في هذا الجزء من أفريقيا، وكانوا يشترون الذهب والنحاس والحديد من السكان. وربما وصل تلك البلاد زوار من اندونيسيا أيضاً، لأن بعضهم كان قد استقر في مدغشقر وجلبوا إليها أنواعاً جديدة من النباتات الغذائية من آسيا، أما الاتصالات غير المباشرة بالعالم الخارجي فقد امتدت إلى بلاد أبعد من هذه، إذ وجدت منتجات صينية في شرق أفريقيا، كما قيل أن أغنياء كانتون في القرن الثاني عشر كانوا يملكون أعداداً كبيرة من العبيد الأفارقة.
وليس من المسهل أن نعرف الكثير عن طريقة إدارة ممالك جنوب أفريقيا، فهي لم تكن تعرف الكتابة، لذلك لايمكن أن تكون لها إدارات بل كان ملوكها يحكمونها على الأرجح ضمن حدود التقاليد والعادات المتبعة؛ وكانت بعضها كبيرة ولكن لم تكن فيها ديانة بلغت درجة هامة من التطور. ويحدثنا البرتغاليون عند نهاية القرن الخامس عشر عن إحدى تلك الممالك التي كانت واقعة على القسم السفلي من نهر الكونغو، وتسمى مملكة الباكونغو وقد أرسل حكامها في طلب المبشرين الدينيين، كما أرسلوا سفارة إلى لشبونة ورحبوا بالأوروبيين. وعمد ملكهم باسم ألفونسو الأول في عام 1491، ولكن العلماء مازالوا مختلفين حول ما إذا كان ارتد إلى الوثنية من توه أو عاش ومات كملك مسيحي مثالي، إلا أن عصراً جديداً في ذلك الحين كان يقرع الأبواب، فقبل ثلاث سنوات كانت أنظار البرتغاليين قد وقعت على رأس الرجاء الصالح، وسوف يكون الأوروبيون هم المحرك النهائي لأكثر التطورات الحاسمة في تاريخ أفريقيا.
وسرعان ما ذكر البرتغاليون اكتشاف دولة جديدة كبيرة في شرق أفريقيا تحكم منطقة واسعة من وادي زمبابوه، كانت هذه الدولة تتبع أساليب ثقافة أبكر منها في البلد التي سميت لاحقاً روديسيا، أطلق عليها علماء الآثار اسم الثقافة الأزانية، وقد تركت آثاراً لأعمال متقنة قامت بها في مجال استغلال المناجم وحفر الأقنية وبناء الآبار. وقد ابتدأت هذه الأنشطة استغلال الثروة المعدنية في هذه المنطقة، وهي عملية مازالت مستمرة حتى اليوم، وبفضل توفر الذهب قامت مملكة لابد أن تكون استمرت أربعة قرون على الأقل وتركت آثاراً حتى القرن الخامس عشر على الأرجح، هي الأدلة الوحيدة على وجود أبينة كبير من الحجر في جنوب أفريقيا. وتقع أشهر تلك الآثار في زمبابوه الكبرى حيث كانت توجد عاصمة ملكية ومدفن تعود أبكر أبنيتها إلى القرن الثامن، ولو أن أعظمها قد بنيت على الأرجح في القرن السادس عشر أو السابع عشر.وهي مكونة بالإجمال من حوالي 80 هكتاراً من الحظائر المسيجة يحيط ببعضها أسوار ضخمة وأبراج مشيدة بأحجار مقصوصة ومرصوفة بدقة كبيرة من دون ملاط. وعندما اكتشف الأوروبيون زمبابوه لم يصدقوا أن بإمكان الأفارقة الإتيان بشيء على هذه الدرجة من الإتقان والعظمة مثلما ظن علماء الآثار ذات مرة أن الميقينيين هم الذين بنوا آثار ستونهنج في إنكلترا، ولكن بات من الواضح الآن أنها أعمال أفريقية. إن آثار زمبابوه الكبرى مثلها مثل الأشغال البرونزية الجميلة التي وجدت في بينان، تظهر القدرة الفنية التي تتمتع بها أفريقيا السوداء، ولكنها تظهر حدودها أيضاً.
في عام 1500م كان العرب والمسيحيون قد أتوا بالكتابة وغيرها من تقنيات الحضارة المتقدمة إلى بعض أكثر ثقافات أفريقيا تطوراً، ولكن القسم الأكبر من القارة كان بعد سليماً من أيديهم، ولن تؤثر اتصالاتهم بقسمها الداخلي الواقع إلى الجنوب من الصحراء الكبرى إلا بعد عام 1500 بزمن طويل. إلا أن الاتصالات القائمة كانت منذ ذلك الحين كشفت عن وجهها القبيح، فقد كان النخاسون العرب يعملون منذ قرون في جمع أرتال من الرجال والنساء والأطفال السود من حكامهم الطيعين لكي يسيروا بهم عبيداً إما شمالاً إلى وادي النيل والشرق الأدنى، أو إلى الساحل حيث تنتظرهم قوارب الدهو لتحملهم إلى عمان وفارس والهند بل حتى إلى كانتون. وعلى الساحل الغربي كان البرتغاليون في عام 1441 قد قبضوا على أناس سود وأخذوهم إلى بلادهم، وكانوا يسمونهم مسلمين وهي تسمية غير صحيحة، وبعد عام واحد أقيمت أول سوق للعبيد الأفارقة. وربما كان البرتغاليون قد أخذوا بحلول 1500 حوالي 150.000 عبد أسود من أفريقيا، وإن السجلات الأوروبية التي تسمح لنا بتخمين أعدادهم هي أفضل من السجلات العربية.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:21 PM
الأمريكتان قبل وصول الأوروبيين

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثامن - عصر الاكتشافات والمواجهة


الأمريكتان قبل وصول الأوروبيين
إن تاريخ الإنسان في الأمريكتين أقصر بكثير منه في أفريقيا، أو في أي قارة أخرى ماعدا أستراليا، فمنذ حوالي ثلاثين ألف سنة عبرت شعوب مغولانية إلى أمريكا الشمالية عن طريق البر آتية من آسيا، وهكذا كان سكان هذه القارة دوماً من المهاجرين، ثم تغلغل هؤلاء نحو الجنوب رويداًَ رويداً على مدى بضعة آلاف من السنين. وتضم الأمريكتان أشكالاً متنوعة وكثيرة من المناخات والبيئات، وتدل الحفريات الأثرية على أن أنماط الحياة التي نتجت عنها كانت أيضاً على درجة كبيرة من التنوع، وكانت مبنية على الفرص المختلفة المتاحة في مجالات الصيد وجمع الطعام وصيد الأسماك. وقد توصل بعض سكان أمريكا الأوائل إلى معرفة الزراعة بصورة مستقلة عن العالم القديم، ولكن العلماء مازالوا مختلفين حول زمان حدوث هذا التطور، ولو أنه قد حدث على كل حال بعد اكتشاف الزراعة في الهلال الخصيب. وقد بدأت زراعة الذرة في المكسيك في حوالي عام 5000 ق.م، ولكنها بحلول عام 2000ق,م كانت قد تطورت في أمريكا الوسطى إلى نبات شبيه بالذرة التي نعرفها اليوم، فصار بالإمكان عندئذٍ أن تنشأ جماعات مستقرة وكبيرة. وإلى الجنوب بدأت تظهر البطاطا والمنيهوت وهو أيضاً جذر نباتي غني بالنشاء في نفس الوقت تقريباً، وبعده بزمن قصير بدأ انتشار الذرة في المكسيك نحو الجنوب. ولكن التغير كان في كل مكان بطيئاً ومتدرجاً، وأبطأ منه في حالة الشرق الأدنى، ولم يتوصل إلى الزراعة في القارة الشمالية قبل وصول الأوروبيون إلا عدد قليل من الأمريكيين، ولو أنهم كانوا متأقلمين تماماً مع حياة الصيد وجمع الطعام. وكان الهنود يعيشون في السهول حياة سعيدة إلى أن جاء الأمريكيون البيض وخربوا مواطنهم، كما تمكن شعب الإسكيمو من البقاء والاستمرار في ظروف قاسية للغاية.
أما في الجنوب فقد أدت الزراعة بمرور الزمن إلى ظهور الحضارة، ولكن الحضارة الأمريكية كانت دوماً مختلفة عن الحضارات الأخرى بسبب انعزالها الطويل عنها. وربما زار بعض أهل بولينزيا وغيرها من جزر المحيط الهادي الساحل الغربي لأمريكا، ولكن لم يبد حتى الآن أي تأثير هام لهم على الثقافة في الأمريكيتين. والحقيقة أن بعد أمريكا من مراكز الحضارة الكبرى كان هو الأمر المميز لتطورها، لقد انتشرت معرفة شغل المعادن من بلاد الرافدين إلى مصر القديمة، كما انتقلت المسيحية من المتوسط إلى الصين عن طريق آسيا الصغرى، ولكن لم يكن ثمة اتصال مستمر بين الأمريكتين وأي من الحضارات الكبرى إلا بعد عام 1492. أما مستوطنات الفايكنغ في غرينلند ولابرادور في القرن التاسع قد اختفت قبل ذلك بزمن طويل، وربما قضى عليها الإسكيمو.
لذلك تتصف حضارات أمريكا بملامح خاصة ومحددة جداً، ولاريب أن أبرز تلك الملامح كاعتمادها على الذرة مثلاً كان سببها الإمكانيات المتوفرة في المناطق التي نشأت فيها وجغرافيتها ومناخها الذين دفعوها باتجاهات معينة دون غيرها. وقد كانت هناك ثلاثة مناطق رئيسية، هي جبال الآندس على الطرف الغربي من أمريكا الجنوبية، على الطرف الغربي من أمريكا الجنوبية، والغابات الاستوائية الكثيفة في أمريكا الوسطى أي في شبه جزيرة يوكاتان وغواتيمالا وهندوراس، ووادي المكسيك في الشمال. وقد كانت آخر حضاراتها حية بعد عندما وصل الأوروبيون الأوائل، لذلك وصلتنا أخبارها من خلال مارواه مكتشفوها عما وجدوه فيها، فضلاً عما تكشفه لنا آثارها الباقية، ومن خلال تلك الصورة يمكننا أيضاً أن نستشف بعض الأمور عن الحضارات السابقة لها.
ثقافة الأولميك
إن أول حضارة أمريكية يعترف بها هي حضارة الأولميك التي ظهرت على الساحل الشرقي للمكسيك، وكانت على درجة كبيرة من الأهمية، يبدو أنها كانت تتمحور حول عدد من المواقع الاحتفالية الهامة ذات الأهرام الكبيرة المبنية من التراب، وقد وجدت فيها تماثيل عملاقة وأغراض صغيرة من حجر اليشب المحفور تمثل أجساماً مختلفة. وكانت حضارة الأولميك ذات طابع فريد جداً، ويبدو أنها سادت قروناً عديدة بعد عام 800 ق.م عبر كافة أمريكا الوسطى حتى السلفادور الحالية جنوباً. ولكنها مازالت تحتفظ بأسرارها الغامضة، وقد ظهرت فجأة ومن دون طور سابق في منطقة المستنقعات والغابات، وهذا ما يعسر تفسيره من الناحية الاقتصادية. فنحن لانعلم كيف نشأت الحضارة من هذه الأرض الشحيحة، بينما احتاجت في البلاد الأخرى إلى وديان الأنهار الكبرى الخصيبة. ولكننا نعلم أن آلهة شعبة الآرتيك، الذي أتى لاحقاً وكان مسيطراً على المكسيك عندما وصل إليها الإسبان، كانت متحدرة من آلهة الأولميك، كما أن حضارة الأولميك قد ابتكرت أشياء كثيرة ظلت لها أهميتها الكبرى في حياة أمريكا الوسطى، مثل صنع التماثيل العملاقة وتخطيط المدن وحفر الأشياء الصغيرة من حجر اليشب. وربما كانت أشكال الكتابة التصويرية الأولى التي ظهرت في أمريكا الوسطى تعود في أصولها إلى أزمنة الأولميك أيضاً، ولو أن أبكر ما بقي منها يعود إلى مابعد زوال ثقافتهم بقرن واحد تقريباً، أي إلى حوالي القرن الرابع ق.م؛ وإن زوالها هذا لايقل غموضاً عن ظهورها. وإذا ابتعدنا أكثر إلى الجنوب أي إلى البيرو، وجدنا فيها ثقافة تسمى ثقافة شافين على اسم موقع احتفالي كبير لها، استمرت أكثر بقليل من حضارة الأولميك في الشمال، وبلغت هي الأخرى مستوىً عالياً في شغل الحجارة، كما انتشرت بقوة ونشاط قبل أن تزول وتتلاشى بصورة غامضة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-4.jpg
منطقة الأولميك
المايا
ورغم أهمية هذا القفزات نحو الحضارة بفضل ما حملته للمستقبل، فإنها في الحقيقة قد حدثت بعد ظهور الحضارة في بلاد أخرى بآلاف السنين، عندما رسا الإسبان في العالم الجديد بعد حوالي ألفي سنة من زوال ثقافة الأولميك وجدوا أكثر أهلها يعملون بالأدوات الحجرية، ولكنهم وجدوا أيضاً مجتمعات حية غنية، وبقايا مجتمعات أخرى سابقة لها، كانت قد أنجزت تحفاً عظيمة في مجال البناء والتنظيم تفوق بكثير ما أنتجته أفريقيا مثلاً بعد تراجع مصر القديمة وانحسارها. من تلك الحضارات كانت حضارة المايا، التي كانت قد تجاوزت ذروتها منذ زمن بعيد عندما وصل الأوروبيون. إن الجزء الأكبر من المنطقة التي ازدهرت فيها حضارة المايا أي شبه جزيرة يوكاتان وهندوراس وغواتيمالا غير ملائم لاستقرار البشر، ويبدو أنه كان دوماً على هذه الصورة، ورغم وجود بعض المناطق الجبلية والمعتدلة فيه فإنه بالإجمال منخفض ومغطى بالغابات الاستوائية التي تعج بالحشرات والحيوانات الشرسة وترتع فيها أشكال وألوان من الأمراض. في هذه البيئة الفظيعة بنى شعب المايا معابد وأهرامات تكاد تعادل في ضخامتها معابد مصر وأهراماتها، والأعجب من هذا أن مواردهم كانت تعتمد على زراعة بدائية تنتزع الأراضي للزراعة عن طريق اقتلاع النباتات البرية وحرقها، وربما كانت هذه في الحقيقة هي الطريقة الأنسب لظروف الغابات الاستوائية وتربتها الخاصة، وهي بالطبع ذات مردود ضعيف. ويبدو أن ثقافات كثيرة في أمريكا الوسطى كانت تشترك بالآلهة نفسها، وكانت هذه مأخوذة من عصور أقدم، كما يبدو أنها أعطت كلها أهمية كبيرة لوضع التقاويم الزمنية وصيانة مواقعها الاحتفالية الكبيرة والعناية بها، ولكن ثقافة المايا تظل أوقع تلك الثقافات أثراً في النفس.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-5.jpg
منطقة حضارة المايا
تعود بعض بقايا حضارة المايا إلى الألف الثانية ق.م، ولكن أولى آثارها الهامة تعود لحوالي عام 100 م، أما أبهى مراحل إبداعها فتقع بين عامي 600-900م، ولم تخلف حضارة المايا آثار مدن لأن أهلها كانوا يعيشون في قرى صغيرة، ولكنها تركت لنا معابد وأهرام ومدافن وبلاطات وبقايا من مراكز كبيرة للاحتفالات الدينية. وكانت ديانتهم تسعى لإبهار الناظر وإشعاره بمدى بعده عن الآلهة وبأهمية رجال الدين الذين يرتقون أدراج تلك الأهرام الشاهقة لكي يخاطبوها. ويبدو أن مجتمع المايا في هذه الحقبة الكلاسيكية كانت تحكمه طبقة من المحاربين النبلاء، ومن الكهنة الذين يتناقلون مناصبهم بالوراثة، وكانت الديانة عبارة عن أداء الطقوس والاحتفالات بما يتناسب مع التقويم الموضوع على أساس الأرصاد الفلكية. وقد لفتت هذه الحقيقة أنظار بعض العلماء حتى اعتبروها أفضل دليل على المستوى الرفيع الذي بلغته ثقافة المايا، لأنها كانت ترتكز على معرفة واسعة بالحساب. قد كان المايا يحسبون الأرقام بالعشرينات، وكان لديهم نظام للعد يشبه نظامنا لأن الرمز الواحد فيه قد يدل على قيم مختلفة بحسب موقعه، كما في الأرقام 10, 1 , 0.1, 0.01 وهكذا. وكان لدى زعمائهم الدينيين فكرة عن الزمان أوسع مما نجده عند أي حضارة أخرى على أيامهم، وكانوا يعتقدون أن الماضي يعد بمئات الآلاف من السنين، بل لعلهم توصلوا إلى فكرة أن الزمان ليس له بداية. وقد بقيت لنا ثلاثة من كتبهم، وهي مدونة على ورق مصنوع من لحاء الشجر ومطوي بعضه على بعض، وتتحدث هذه الكتب عن طقوسهم وهي تعطينا فكرة عن ماضيهم، أما بقية القصة فلابد لنا من لملمتها بما بين أيدينا من وسائل، مثل التأريخ بطريقة الكربون المشع، وعلم الآثار، والنقوش الحجرية المحفورة بكتابة تصويرية بدأ العلماء الآن بفك رموزها. وتشير الأدلة المجمعة إلى أن الكتابة كانت تستخدم لأغراض أخرى أيضاً، ولكن لم كتشف أي كتاب عن التأريخ أو عن التنبؤ بالغيب.
لقد أبدع شعب المايا في مجالات خاصة دون غيرها، فقد كان لديهم حرفيون مهرة وكانوا يصدرون مصنوعاتهم الجميلة المحفورة في حجر اليشب إلى أنحاء أمريكا الوسطى، إلا أنهم لم يكتشفوا العجلة قط، ولاعرفوا استخدام القوس في البناء، أما آلهتهم فقد بقيت في مرحلة من الفجاجة البدائية. ولكنهم مع ذلك تمكنوا من تشييد تلك المواقع الكبرى المخصصة للاحتفالات الدينية، وقد بذلوا في سبيلها موارد هائلة من دون أن تكون ثمة فائدة اقتصادية ترتجى منها أو أن تنتج عنها اكتشافات ثانوية في مجال التقنية. وقد بدأت حضارة المايا بالتراجع منذ القرن العاشر، ونحن لانعلم مدى الضغوط التي كانت خاضعة لها، ولكننا نعلم أنها أصيبت بزلزال أو انفجار بركاني كبير أدى إلى هجر الكثير من مواقعها المركزية، ثم غزتها شعوب من سهل المكسيك كانت تستخدم المعادن. وقد هجرت أعظم مراكزها، أي مدينة تشيتشين إبتزا، في القرن الثالث عشر، ويبدو أن مجتمع المايا تفسخ إلى عدد من الدويلات الصغيرة المبعثرة، ولو أن آخر معاقلهم في يوكاتان لم يسقط بيد الإسبان حتى نهاية القرن السابع عشر، إلا أن حضارة المايا قد آلت إلى نهايتها، ولم تخلف للمستقبل أي تقليد أو تقنية هامة، بل إن كل ما تركته هو سلسلة مذهلة من الآثار، ولغة مازال يتحدث بها اليوم مليونا نسمة.
بيرو الإنكا
كانت البيرو عشية وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين أكثر مواقع الحضارة تقدماً وتطوراً في نصف الكرة الغربي بلا منازع. وكان أهلها في ذلك الزمان قد تبنوا تقنيات أخذوها عن شعوب سابقة لهم وزادوها تطويراً، فكانوا يستخرجون الذهب والفضة من المناجم ويشتغلونها بمهارة فائقة، وكانوا يستخدمون في زراعتهم معازق ذات شفرات برونزية، ولو لم يكن لديهم محاريث أو حيوانات للجر، وكانوا يشيدون الأبنية بمهارة كبيرة باستخدام كتل صخرية ضخمة ومقصوصة بعناية تامة بحيث يتثبت بعضها ببعض من دون استخدام الملاط. كما أنهم برعوا في حياكة النسيج، ويعتبرهم بعض الدارسين أمهر الشعوب فيها في ذلك العصر، وكان لديهم أيضاً جراحون بارعون قادرون على القيام بعمليات جراحية صعبة وخطيرة على المرضى بعد تخديرهم أو تنويمهم. وكانوا يحتفظون بالسجلات ولكن ليس عن طريق الكتابة بل عن طريق استخدام شيفرة مكونة من عقد يصنعونها في حبال ملونة تسمى كويبو. إلا أن أبرز ملامح مجتمعهم إنما كان تنظيمه العجيب. كان هذا المجتمع قد بناه بالفتوحات شعب يسمى شعب الإنكا، وكان مركزهم في مدينة كوزكو منذ حوالي عام 1200، وترجع اللائحة التقليدية لأباطرة الإنكا إلى هذا التاريخ. ولكنهم صاروا بحلول نهاية القرن الخامس عشر يدعون حكم منطقة تبلغ مساحتها حوالي 720.000 كم2 تمتد من شمال الإكوادور حتى وسط التشيلي، وهو إنجاز هائل بالنظر إلى الصعوبات والعقبات الكثيرة الناجمة عن طبيعة الأرض، ولو أنهم في الحقيقة لم يبدؤوا بالتوسع بصورة سريعة إلا قبل ذلك بحوالي سبعين سنة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-6.jpg
الانكا
كانت هذه الإمبراطورية خاضعة لزعيم الإنكا الذي يحكمها بصورة طاغية مستبدة، ولشعب الإنكا الذي يشكل الطبقة المسيطرة فيها، وكانت أنحاء البلاد تتصل بعضها ببعض بواسطة شبكة من الطرق يبلغ طولها حوالي 16.000 كم وتقطعها سلاسل من السعاة النشاط الذين لاتعيقهم تقلبات الطقس مهما كانت، كما بنيت على امتدادها أماكن استراحة للمسافرين في مهمات رسمية، وجسور معلقة لعبور الممرات الضيقة حيث تقتضي الحاجة. وكان السكان مجمعين في وحدات مكونة من عشر أسر، ولم يكن يسمح لهم بالسفر أو الارتحال عن جماعتهم المحلية، ولكن الإنكا كانوا يهجرون الشعوب المغزوة حديثاً من أراضي أجدادها، ويضعون محلها شعوباً أطوع وأسهل انقياداً لهم من أجل ضمان ولاء الأجزاء الجديدة في إمبراطوريتهم. ولم تكن لديهم ملكية خاصة أو مال، ولم تتعد المتاجرة عندهم مقايضة المصنوعات الحرفية، وكانت الحيوانات البرية تعتبر ملكاً عاماً ويتم اصطيادها بشكل جماعات كبيرة، وقد يؤمن لهم هذا اللحم أحياناً. وكان جهاز الدولة يجمع المنتوجات الزراعية ثم يعيد توزيعها على الناس، ويوزع أيضاً البضائع المصنعة بالمقابل.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-7.jpg
من بقايا ماتشو بيتشو
ولاريب أن حياة أهل البيرو العاديين ضمن هذا النظام المهيمن الشديد كانت حياة مملة ورتيبة، بل ربما كانوا يسعدون بأعمال السخرة التي تفرض عليهم أحياناً في المناجم أو في الأشغال العامة لأنها تتيح لهم الخروج من الروتين الصارم لحياتهم اليومية. وحتى حرية الرجل في اختيار زوجته كانت محدودة لأن خياره كان محصوراً بجماعته بالنظر إلى القيود المفروضة على السفر، ولم يكن يقدر على القيام ببيع أو شراء إذا لم تكن ثمة نقود. وكان أولاد زعماء الشعوب المغزوة يؤخذون إلى كوزكو ويربون هناك بحيث يكتسبون النظرة اللازمة لتأييد حكم الإنكا ونصرته، وكان جيش الإنكا جاهزاً دوماً لمعالجة أمر الثورات والتمرد، ولكن حكمهم رغم فعاليته لم يقدر على القضاء على الاستياء بين رعاياهم، وهذا ما اكتشفه الأوروبيون عندما وصلوا، ويبقى مجتمع الإنكا مثالاً بارزاً عن الحكم الشمولي الاستبدادي الذي يخضع الأفراد ويضعهم دوماً في مرتبة دون مرتبة الجماعة. والحقيقة أن هذا الترتيب يصح على أكثر المجتمعات البشرية التي وجدت حتى الأزمنة الحديثة، إلا أن فعالية الإنكا في فرضه كانت عجيبة بالنظر إلى غياب الميزات التقنية التي تتمتع بها الحكومات الحديثة. وقد وجد دوماً أشخاص معجبون بنظام الإنكا، وكان الأوروبيون في القرن السادس عشر يروون لمواطنيهم حكايات فيها مغالاة كبيرة عن مظاهر العدالة والانضباط فيه.
المكسيك
في حوالي 1100 م كان وادي المكسيك وبعض أراضي المايا القديمة خاضعة لشعب يسمى شعب التولتيك، وكانت عاصمتهم تولا مدينة كبيرة ومجهزة بنظام لري مزارعها التي تمدها بالغذاء، وكانوا شعباً من المحاربين، ويبدو أنهم كانوا يعتمدون على استعباد جيرانهم وتسخيرهم من أجل القيام بأشغال البناء الكبرى وصيانتها. ولكن سيطرتهم زالت بعد زمن قصير، وحلت محلها فترة مضطربة انتهت ببزوغ سادة جدد في حوالي عام 1350م. إن هذه الطبقة الحاكمة الجديدة تسمى عادة الأزتيك، ولكن يفضل الآن أن نستخدم تسمية مكسيكا. لقد أسس هؤلاء عاصمتهم على موقع قرية عند طرف بحيرة تيزكوكو، ثم توسعت إمبراطوريتهم خلال القرن ونصف القرن التاليين، خاصة بعد أن ارتقى عرشها زعيم ذو عزم وهمة كبيرين في عام 1429م إلى أن شملت وسط المكسيك برمته. هذه المدينة الباهرة هي تينوكتيتلان، التي أذهلت الإسبان عندما رأوها للمرة الأولى، حتى قالوا أنها تفوق روما والقسطنطينية روعة وفخامة. وكان فيها قناة تجلب لها ماء الشرب من ينابيع في تشابولتيبيك التي تبعد عنها حوالي خمسة كيلو متر، كما أنها مليئة بالمعابد وكانت تشرف عليها أهرام ضخمة شاهقة.
ويبدو أن هذه الأهرام قد بنيت بأيدي الشعوب التي هزمها شعب الأزتيك أي المكسيكا، وبحسب أسالبيها أيضاً. كان الأزتيك يديرون إمبراطورية عسكرية تعتمد على الجزية التي يؤديها لهم رعاياهم، مثل الترتيب الذي فرضه شعب التولتيك من قبلهم؛ ويبدو أنهم كانوا يفتقرون إلى حس الخلق والإبداع، فلا تجد اختراعاً أو ابتكاراً واحداً في حضارة المكسيك أي يمكن أن ينسب بصورة موثوقة إلى ما بعد زمن التولتيك. وكان أعظم المراكز الدينية في المكسيك هو مدينة تيوتيهواكان التي تبعد حوالي ثلاثين كيلومتر عن عاصمة الأزتيك. يبلغ طول مدينة تيوتيهواكان حوالي ثلاثين كيلومتر ونصف وثلاثة كيلو متر عرضاً، وكانت مليئة بالأبنية التي تعود كلها إلى ماقبل عام 600م، كما أنها كانت مسكونة طوال ألف سنة قبل ذلك تقريباً، وربما بلغ عدد سكانها عندما كانت في ذروتها 200.000 نسمة، وقد كانت مركز طقوس دينية تدور حول الأهرام، كما هي الحال في أجزاء أخرى من أمريكا. والحقيقة أن أكثر الأشياء التي بهرت الأوروبيين الأوائل في مجتمع الأزتيك لم تكن من صنع شعب الازتيك على الإطلاق، بل كانت لها جذور عميقة يعود بعضها إلى أزمنة الأولميك، ويصح هذا الأمر على الأرجح على مدينة تيوتيهواكان .
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-8.jpg
الشارع الرئيسي في تيوتيهواكان
كانت إمبراطورية الأزتيك في طور التوسع بعد عندما وصل الأوروبيون، وقد سحرتهم بغرابتها وإنجازاتها كما أثارت الرعب في نفوسهم.وكانت الدولة مقسمة إلى عشرين عشيرة، وكانت كلها تحت حكم قائد وزعيم ديني منتخبين، وكانت حكومتها تستخدم سجلات مكتوبة بكتابة تصويرية، وتوزع على الناس قوتهم السنوي من الأراضي التي تديرها العشائر مقابل أدائهم لأعمال السخرة والخدمة العسكرية. وكانوا يزرعون القطن ويبدو أن مهارتهم في أمور الزراعة كانت كبيرة، ولم يكونوا يعرفون استخدام العجلة في النقل، ولكن كان لديهم حرفيون بارعون في صنع الفخار والمجوهرات والأقمشة وشغل الريش، كما كانوا ماهرين في شغل النحاس والذهب، ولو أنهم لم يعرفوا معدن الحديد، وكانت أفضل المواد المتوفرة لديهم لصنع الأدوات القاطعة هي حجر السبج البركاني. كانت المهارات الحربية هي الأعلى مقاماً في مجتمع الأزتيك ، وكان البارزون من محاربيهم ينضمون إلى تنظيمات تشبه تنظيمات الفروسية في أوروبا ويقومون بأداء أشكال خاصة من الرقص والطقوس.
لقد افتتن الأوروبيون بفخامة مجتمع الأزتيك ونهبوا ثرواته الطائلة، كما روعتهم قسوته ووحشيته، كانت ديانة الأزتيك تتطلب تقريب الأضاحي البشرية، وكان هذا الأمر يتم بصورة فظيعة تقطع فيها رؤوس الضحايا وتسلخ جلودهم وتنتزع قلوبهم من صدورهم وهم أحياء، ومن المصنوعات الفنية الهامة لدى الأزتيك علبة حجرية تستخدم لإحراق قلوب البشر وتخزينها، ويقال أن 20.000 شخص قد قدموا ضحايا عند تكريس الهرم الكبير في تينوكتيتلان في عام 1489، وكانت أساطير الأزتيك تقول إن الآلهة قد اضطرت للتضحية بنفسها لكي تمنح دماءها غذاء للشمس، فكانت هذه الطقوس المريعة إعادة تمثيل لتلك الأسطورة. ولما كانت الحاجة للأضاحي دائمة فقد كانت دولتهم في حالة من الحرب المستمرة، ولم يكن رعاياهم خاضعين لهم إلا بصورة واهية، وكانت الثورات كثيرة الحدوث، ولكنهم لم يجدوا ضيراً في هذا الأمر لأنه كان مسوغاً لجمع المزيد من السجناء والتضحية بهم. إلا أن هذا الوضع قد جعل تلك الشعوب مستعدة لمساعدة الأوروبيين عندما قدموا وجاهزة للتحالف معهم ضد الأزتيك.
إن جميع الحضارات الأمريكية الكبرى في عصر الفتوحات تشترك فيما بينها بملامح تجعلها تبدو لنا اليوم كئيبة جداً، ونشعر أنها قد بلغت نهايات مسدودة وأنها كانت محدودة بمستواها الضئيل من التقنية والأفكار الدينية والاجتماعية. ورغم أن بعض إنجازاتها الفنية البارزة مثل فن صنع الفخار لدى الأزتيك، فإنها لم تترك أي أثر هام في الحضارات الأخرى، ولاريب أن عزلتها كانت هي السبب الأساسي في ذلك. إن مساهمة الأمريكتين في حياة البشرية لم تتم من خلال ابتكارات ثقافاتها المتطورة، بل من خلال أشياء متواضعة قدمتها من دون أن تقصد، مثل نباتات الذرة والبطاطا والقرع التي اكتشف فلاحوها القدماء طريق زراعة أشكالها الأولى، فأضافوا إلى موارد البشرية أشياء سوف تنتشر انتشاراً واسعاً. لقد كانت حضارات الإنكا والمايا والأزتيك حضارات لامعة تركت لنا آثاراً مازالت تسحر الألباب، ولكنها ليست أكثر من تحف غريبة وجميلة في هامش تاريخ العالم. وإن الأشياء التي بقيت منها اليوم هي ملامح بسيطة ولكنها ثابتة في الحياة اليومية، خاصة في العالم الجديد، مثل الشكولاته، وكعكة الترتية التي تصنع من دقيق الذرة، ولغة المايا التي مازالت تتحدث بها بعض جماعات الفلاحين.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:23 PM
بدايات الاستعمار الأوروبي

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثامن - عصر الاكتشافات والمواجهة


بدايات الاستعمار الأوروبي
إن مانسميه اليوم الاستعمار الأوروبي قد ترك أولى آثاره الباقية على الشعوب الأخرى في القارتين أمريكا وأفريقيا. وقد اكتسبت كلمة استعمل أو إمبريالية Imperialism معاني عامة جداً، فهي تستخدم للدلالة على أي نوع من أنواع السيطرة المستمرة، سياسية كانت أو اقتصادية أو حتى ثقافية، التي تمارسها جماعة من البشر بصورة مقصودة أو غير مقصودة على جماعة أخرى. وينبغي على المؤرخين أن ينظروا إلى هذه المجموعة الغامضة من الأفكار بدقة أكبر إذا أرادوا أن يفهموا كيف حدثت الأمور وماهي العوامل التي كانت تؤثر في مراحلها المختلفة. إن أوضح نواحي الاستعمار وأسهلها تقصياً هي قصة الاستيلاء على أراضي الغير في بلاد أجنبية بصورة مباشرة واستملاكها استملاكاً مطلقاً. ويتم هذا الأمر بطرق عديدة، إما عن طريق حكومة قائمة في أوروبا نفسها، أو عن طريق مستوطنين يفدون ويستقرون في أراض يقيم فيها سكان أصليون، وكان الفايكنغ في القرنين التاسع والعاشر أول المستعمرين الأوروبيين من هذا النوع في الأمريكتين أو حتى عن طريق تأسيس وحدات سياسية جديدة يحكمها المستعمرون ويسيطرون عليها مثل الدول الصليبية التي تأسست في بلاد الشام ولم تعمر طويلاً.
لقد أتاح عصر الاكتشافات فرصاً جديدة للفتوحات فيما وراء البحار خاصة أمام الدول ذات المنافذ السهلة إلى المحيط الأطلسي، وكان التوسع على بر أوروبا يشرف في ذلك الحين على نهايته في الشرق الألماني، وكذلك استعادة شبه الجزيرة الإيبرية، أما إحياء الدول الصليبية القديمة فلم يكن إلا أضغاث أحلام بالنظر إلى قوة تقدم العثمانيين. وهكذا كان أهل البرتغال وإسبانيا، وأقل منهم أهل إنكلترا وفرنسا، هم الذين أطلقوا موجة كبيرة من توسيع حكم الأوروبيين ومستوطناتهم فيما وراء البحار، وفي عام 1600م كان الإيبيريون وحدهم قد حققوا إنجازات كبيرة، فكانت للبرتغاليين سلسلة مترامية الأطراف من المرافئ والحصون التي تحرس هيمنتهم التجارية الممتدة من الصين واليابان من جهة، إلى قارة أفريقيا حيث كانت لهم أراضي سوف يستوطنوها ويحولونها إلى مستعمرات زراعية، وحتى البرازيل من جهة أخرى. وكان الإسبان في هذه الأثناء قد ضموا في القارتين الأمريكيتين، نظرياً على الأقل، مساحات شاسعة جداً من الأراضي هي في الحقيقة أوسع أراضي استملكتها مملكة واحدة حتى ذلك الزمان، وهي مملكة قشتالة أما الفرنسيون والبريطانيون فلم يكونوا قد قاموا بعد إلا بمحاولات قليلة للاستكشاف والاستيطان في أمريكا الشمالية، صحيح أن الفرنسيين عينوا نائباً للملك عن كندا ونيوفوندلند ولابرادور في أربعينيات القرن السادس عشر، إلا أن هذا لم يكن في الواقع إلا ادعاء لا أساس له، وكانوا قد ابتدأوا تقليداً راسخاً وناجحاً من القرصنة والسلب والنهب على حساب الإسبان في نصف الكرة الغربي؛ وإن مستوطناتهم الكبرى في أمريكا سوف تأتي في مرحلة لاحقة، مثل مستوطنات الهولنديين.
الإمبراطورية الإسبانية
ابتدأت عملية الاستيطان في جزر المحيط الأطلسي في القرن الرابع عشر، لهذا كان الرجال الذين صنعوا أولى الإمبراطوريات الأوروبية رجالاً من العصور الوسطى، أي أن تفكيرهم قد صيغ في قالب التراث الكلاسيكي لليونان وروما، والأهم منها المسيحية. إن هذا التراث هو الذي صنع الرجال الذين سماهم الإسبان الفاتحينconquistadores والذين تراهم في تسعينيات القرن الخامس عشر مستوطنين جزر الكاريبي أولاً، ثم مستكشفين يقومون بغاراتهم على البر الرئيسي في البلد التي سوف تسمى فيما بعد فنزويلا. وفي عام 1513 عبر بعضهم برزخ بنما، ثم استقروا وراحوا يبنون لهم الأكواخ ويزرعون المحاصيل، فكانت هذه علامة على أنهم ينوون البقاء، وتأسست عندئذٍ في منطقة بنما أول أرض تابعة للقانون الإسباني على البر الرئيسي للقارة. كان المستوطنون قد كثروا في جزر الكاريبي في ذلك الحين، وكانوا قد أتوا بالعبيد من أفريقيا لتشغيلهم في الأعمال المختلفة، ومابرح صغار النبلاء والجنود الإسبان المتلهفون لاستملاك الأراضي والثروات يزدادون انجذاباً نحو الأمريكتين مع وصول المزيد والمزيد من المعلومات عنهما.
كان أشهر أولئك الفاتحين الإسبان ضابطاً تمتزج فيه البطولة بالقرصنة ويدعى هرنان كورتس، انطلق كورتس من كوبا إلى المكسيك في عام 1518، وما إن رسا فيها حتى أحرق قواربه وخرج عن سيطرة رؤسائه، ثم أسس مدينة فيرا كروز وقاد رجاله نحو الداخل حتى الهضبة العالية التي كانت قلب إمبراطورية الأزتيك، ومالبث أن فتحها خلال أشهر قليلة. وبعد بضع سنوات في عام 1531، سار رجل إسباني آخر هو بيزارو وهو مغامر أشد وحشية حتى من كورتس عبر جبال الآندس إلى عاصمة الإنكا حيث قوض نظامهم، وبذلك صارت كل من المكسيك والبيرو تابعة لعرش إسبانيا، وأضيفت إلى الأراضي التي استملكها سابقاً في فنزويلا وأمريكا الوسطى الحاليتين.
وتسربت إلى إسبانيا الأساطير عن الثروات الخيالية في الأمريكتين، وراحت تجتذب الإسبان إلى جزر الهند مثل قوة مغناطيسية لاتقاوم، وكانت تحركهم دوافع عديدة ومتضاربة، أقواها بلاريب هو الرغبة بالاستيلاء على ثروات تلك الحضارة التي أذهلتهم وحملها إلى بلادهم، وسوف يظل الناس زمناً طويلاً يستكشفون أمريكا الجنوبية بلا كلل بحثاً عن المدينة الأسطورية التي كان الإسبان يسموها إلدورادو أي أرض الذهب وعن ثرواتها الطائلة. وكانت لدى الفاتحين دوافع أخرى أيضاً، فقد كان الكثيرون منهم يبحثون عن الأراضي من أجل استملاكها، أو عن العبيد لتشغيلهم في المزارع التي كانوا قد بنوها في الجزر، ولهذا كانوا يعاملون الهنود بلا رحمة ولا شفقة. صحيح أنهم كانوا في بعض الأحيان راغبين في تبشيرهم بإنجيل المسيح، وأن رجال الدين الأسبان قد سعوا لردعهم عن وحشيتهم، إلا أن أولئك المستوطنين كانت تدفعهم موجة الجهاد المسيحي الذي استعاد إسبانيا من المسلمين، ولم تكن تلك بعقيدة تحترم الفروق الثقافية، كما أن الكثيرين منهم روعتهم عادات الأزتيك في التضحية بالبشر، مع أن الناس في أوروبا كانوا يألفون فكرة إحراق من يتبع مذهباً هرطقياً في الديانة المسيحية.
الأمريكيون قديماً وحديثاً
لقد سبب قدوم الإسبان كوارث عظيمة للسكان الأصليين في كل بقعة من بقاع البلاد، ولو أنهم لم يكونوا مسؤولين عنها كلها، إلا إذا قيل إنهم ماكان يجب عليهم أن يذهبوا إلى أمريكا أصلاً، فقد جلبوا معهم أمراضاً، كان أسوأها مرض الجدري، فتكت بالسكان فتكاً مريعاً في الجزر أولاً ثم على البر الرئيسي. وربما أحدثت قوة الإسبان الهائلة صدمة في نفوس الهنود ساهمت في تقويض معنوياتهم، فهم لم يكونوا قد رأوا في حياتهم خيولاً مثلاً، لهذا فقد ذهل الأزتيك عندما وقعت أنظارهم على الأحصنة الستة عشر التي جلبها معه كورتس، ولما شاهدوا الخيالة يترجلون عنها حسبوها وحوشاً عجيبة تشطر أجسادها إلى شطرين.
وسرعان ما نقصت الأيدي العاملة ولم تعد كافية للمستوطنين، فراحوا يستغلون مابقي منها بلا أدنى رحمة، وقد حارب رجال الدين وحشيتهم، ولكنهم لم ينجحوا في حماية الهنود منهم، وكانت الترتيب الشائع أن يمنح مستوطن إسباني خدمات السخرة من جماعة من السكان الأصليين مقابل أن يحكمها ويحميها. ومع ازدياد أعداد الناس الذين قضوا نحبهم ضحية للأمراض والإنهاك ازداد حرص المسؤولين الملكيين والمستوطنين معاً على منع العمال من مغادرة المزارع التي يعملون فيها، فضاق الخناق بذلك عليهم أكثر.ومازالت الكلمة المستخدمة للدلالة على الفلاح في مناطق واسعة من أمريكا الجنوبية حتى اليوم هي كلمة pe&oacute;n، وهي كلمة إسبانية معناها حجر البيدق في الشطرنج، أي أدنى الأحجار قيمة في اللعبة.
وراحت جماعات السكان الأمريكية في الأراضي الإسبانية تنمي أعدادها رويداً رويداً عن طريق التكاثر والهجرة من أوروبا على مدى القرنين التاليين، فكانت النتيجة ظهور عدد من المجتمعات الأمريكية من أصل إيبيري طبقاتها العليا والوسطى من أصل أوروبي ولكنها تحكم سكاناً سوادهم من الهنود. ورغم أن الإسبان والبرتغاليين لم يعارضوا التزاوج مع الهنود – ولاننس أن الإسبان طالما عاشوا في مجتمع متعدد العروق- فقد كان المقام الأعلى في مجتمع المستعمرات للدم الأوروبي، وكلما كان المرء أقرب عرقياً من الأصل الأوروبي كلما ازدادت ثروته وسلطته. وكان الأشخاص المولودين في الأمريكتين من أصل أوروبي يسمون بالإسبانية الكريول، وكانوا هم الحكام والسادة على من بقي من هنود الحضارات القديمة، التي زالت جميع إنجازاتها الباهرة تقريباً، فصار الكثيرون من الهنود يتحدثون شكلاً من أشكال اللغة الإسبانية، كما أصبحوا مسيحيين بالاسم على الأقل.
المؤسسات والحكم
لاتختلف القصة في البرازيل التي استوطنها البرتغاليون كثيراً عن قصة المكسيك والبيرو، عدا عن أن البرازيل لم يكن فيها شيء من الحضارة الأصلية، والفرق الآخر هو أن أعداداً كبيرة من العبيد قد جلبت من أفريقيا للعمل في مزارع السكر، بحيث صارت أهمية التراث الثقافي الأفريقي في البرازيل مساوية لأهمية تراثها الهندي. وكما كان الأمر في المستعمرات الإسبانية، كانت المسيحية في البرازيل واحداً من أبرز مظاهر الحضارة الأوروبية التي زرعت في بيئة غير أوروبية، فأكثر الأبنية القديمة في البرازيل اليوم إنما هي كنائس.
كما أن عناصر أخرى من القارة القديمة قد ضربت جذورها شيئاً فشيئاً في أمريكا الوسطى والجنوبية، فقد اعتبر المستوطنون والحكومات في إسبانيا والبرتغال أن من الطبيعي تطبيق أشكال الحكم التي يعرفونها، مع أنها مبنية على قوانين وتقاليد ومؤسسات تعود إلى الماضي الأوروبي البعيد، وليس لها علاقة منطقية بالمجتمع الأمريكي على الإطلاق، وقد فرضوها فرضاًَ، وبعد أن زالت الإمبراطوريات استمرت في أمريكا الجنوبية الدول المبنية على أسس أوروبية بإدارتها ومحاكمها، مثلما استمرت الهيمنة للغات الأوروبية.
كانت الإمبراطوريتان الإسبانية والبرتغالية في أمريكا تمتدان على مساحات هائلة، ولكن سكانهما كانوا قليلين جداً، فلم يكن هناك إلا عدد قليل من المهاجرين الأوروبيين الذين يستثمرون البلاد، كما أن أعداد الهنود قد هبطت، وربما لم يتجاوز عدد السكان من المجموعتين معاً 10 ملايين نسمة في عام 1600م. وفي عام 1700م كان الإسبان يحكمون، بصورة نظرية على الأقل، منطقة تمتد من نهر بلات في الجنوب حتى نهر كولورادو في الشمال، وتشمل كافة ساحل المحيط الهادي تقريباً من جنوب تشيلي حتى شمال كاليفورنيا، حيث يشهد اسم سان فرنسيسكو على السيادة الإسبانية، كما تضم أراضي أخرى كثيرة إلى الشمال من نهر ريو غرانده فضلاً عن فلوريدا. ولكن عدد السكان في هذه البلاد بقي قليلاً جداً حتى عام 1800م، وكان وجود الإسبان فيها مقتصراً على بعض محطات الإرساليات وبعض الحصون القليلة، ولو أن بعضها سوف يشكل مواقع مدن هامة جداً في أزمنة لاحقة. أما بقية أسبانيا الجديدة فكانت مكونة من المكسيك، وهي غنية بالمستوطنين، ومن الأراضي الواقعة في منطقة البرزخ، وكانت إسبانيا الجديدة هذه تابعة لنائب الملك. ثم كانت هناك تجمعات هامة للسكان ومدن كبيرة في البيرو وبعض الجزر الكاريبية الواسعة، أما جزر الهند فكانت نظرياً ممالك شقيقة لمملكتي قشتالة وأراغون، يحكمها نواب عن الملك، ولكنها كانت في الحقيقة تحكم بدرجة كبيرة من الاستقلال بالطبع، ومع هذا كانت في الوقت نفسه جزءاً من إمبراطورية عالمية ترتبط عن طريق أكابولكو وبنما بجزر الفيليبين وبإسبانيا.
أمريكا الشمالية
لقد بقي الاستيطان الأوروبي لأمريكا الشمالية لزمن طويل ضعيفاً جداً بالقياس إليه في الجنوب، ولكنك إذا نظرت إلى المنطقة الساحلية الشرقية للقارة في عام 1700 وجدتها مليئة بالمستوطنات الإنكليزية، وكانت إحداها مستوطنة فيرجينيا التي سميت على اسم ملكة إنكلترا إليزابيث الأولى، التي لم تتزوج لأن virgin معناها العذراء، وكان هذا أول مكان جرت فيه محاولات لتأسيس مستوطنة في ثمانينيات القرن السادس عشر، ولو أنها كانت محاولات فاشلة. ثم جرت محاولات أخرى في بداية القرن التالي، ولكن جاذبية أمريكا الشمالية من الناحية الاقتصادية ظلت لزمن طويل أضعف بكثير من جاذبية منطقة الكاريبي، والحقيقة أن المستوطنين الإنكليز كانوا في عشرينيات القرن السابع عشر قد بلغوا جزر الهند الغربية نجاحاً أكبر بكثير مما بلغه أبناء عمومتهم على البر الرئيسي.
وأخيراً بلغ استيطان أمريكا الشمالية في القرن السابع عشر مستوى عالياً من النجاح ضمن له أن يستمر ويتطور بصورة متسارعة، حتى صار هناك في عام 1700 حوالي 400.000 شخص من أصول أجنبية أكثرهم بريطانيين يعيشون في أمريكا الشمالية في اثنتي عشرة مستعمرة إنكليزية. وقد أسست أولى المستوطنات الناجحة في جيمستاون الواقعة في ولاية فرجينيا الحالية في عام 1607، وبعد عام واحد بنى المستكشف الفرنسي شامبلان حصناً صغيراً في كيبك، وبعد سنوات قليلة ظهر المستوطنون الهولنديون في موقع مدينة نيويورك الحالية، وكانت أمريكا الشمالية تضم أراضي كثيرة يمكن زراعتها بالأساليب الأوروبية، فراح الإنكليز ينقلون إليها جماعات بأكملها من رجال ونساء وأطفال، وراح هؤلاء يعملون في الزراعة فمنحهم هذا قدراً هاماً من الاستقلال عن بلدهم الأم، مثلما كانت الحال في مستوطنات المدن الإغريقية في العصور القديمة. ثم أتت زراعة التبغ التي ابتدأت في فرجينيا، فكانت هذه سلعة ملائمة للتصدير، وكان التبغ على أهمية عظيمة في التاريخ الباكر لفرجينيا ولمستوطنة ماريلاند التي أتت بعدها أيضاً، بل إنه كان يستخدم بدلاً من المال من أجل حساب الديون. ثم جاءت من بعده محاصيل هامة أخرى مثل القطن والأرز وصبغة النيلة، أمدت كلها المستوطنين بالإيرادات اللازمة لشراء ما يلزمهم من البلد الأم، كما كانت لهم أيضاً موارد أخرى من صيد السمك ومايرتبط به من نشاطات. أما كندا فلم يكن فيها يوماً منتج على هذه الأهمية، وكانت تجارة الفرو فيها ضئيلة، فكان هذا من أسباب البطء الشديد الذي كنت تراه في نمو المستوطنات الفرنسية، والحقيقة أن عدد الفرنسيين في كندا في عام 1661 لم يتجاوز الثلاثة آلاف تقريباً.
لقد سلكت المستعمرات الإنكليزية منذ البداية مناحي خاصة في تطورها بسبب مناخ منطقتها وجغرافيتها، كانت مجموعة المستوطنات الأبعد شمالاً تسمى نيوإنغلند أي إنكلترا الجديدة، وقد تميزت أيضاً من حيث أنها بدأت تجتذب إليها أناساً ذوي آراء دينية خاصة تعكس عادة الأشكال الأكثر تطرفاً من بين العقائد البروتستانتية الكالفينية، فكانت لديهم أفكار متشددة جداً حول السلوك، وكانوا يكرهون الطقوس والشعائر في عبادتهم، مع أنهم كانوا يغالون في فرض أساليبهم في الحديث والسلوك وكأنها طقوس مقدسة وكان هؤلاء يسمون في إنكلترا بيوريتانيين أي طهريين وكان الكثيرون منهم يعتبرون أنفسهم منتمين لكنيسة إنكلترا الرسمية عندما يرحلون إلى أمريكا، ولكنها ينشقون عنها في العادة متى حلوا في العالم الجديد، وصار يفصل بينهم وبين بلدانهم الأصلية حوالي خمسة آلاف كيلو متر من المحيط الأطلسي. كان البيوريتانيين متزمتين للغاية، بل قد يمتعضون إذا ما رأوا المهاجرين الآخرين يحتفلون بالأعياد والمناسبات السعيدة، وقد صارت منطقة نيوانغلند تعرف بالإجمال بأنها مكان الراغبين بالانقطاع عن الأساليب القديمة، بينما كان الأكثر تعلقاً بتقاليد بلدهم القديمة وعاداتها يذهبون إلى المستعمرات الجنوبية مثل فيرجينيا وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية.
وفي عام 1620 رست مجموعة من المستوطنين البيورتانيين في سفينتهم مايفلاور، وأسسوا لهم مستوطنة بليموث في ماساشوستش، وسرعان ما عرفوا بلقب الآباء المهاجرين، ودخلوا عالم الأساطير. وقد ارتبطت قصتهم أيضاً بتقاليد الحكم الذاتي، ولايعني بالضرورة الديمقراطية، وكان الحكم في ماساشوستس يقع عادة في أيدي حلقة ضيقة جداً من الأثرياء ورجال الدين الكالفينيين، بينما ظهرت أشكال من الحكم ديمقراطية في ولايات أخرى مثل كونكتيكت ورود آيلند. إلا أن قدرة الحكومة في إنكلترا على التحكم بمستوطناتها كانت ضئيلة في كل مكان تقريباً بسبب بعد المسافات في البر كما في البحر، وبفعل الظروف الخاصة في العالم الجديد؛ وسرعان ما أصبح الحكم الذاتي حقيقة قائمة في المستوطنات الأنكلوسكسونية بصرف النظر عن الترتيبات التي كانت قد بنيت على أساسها.
لم تكن أي من مستوطنات أمريكا الشمالية مضطرة للتعامل مع مجتمعات أصلية معقدة وغنية مثل التي كانت في المكسيك والبيرو، لأن هنود أمريكا الشمالية في القرن السابع عشر كانوا بعد على عتبة المرحلة الزراعية في تطورهم، وكانت تقنيتهم نيوليتية على أفضل تقدير. ولكنهم أعطوا نصائح قيمة للمستوطنين البيض، والحقيقة أنهم أنقذوا مستوطني ماساشوستس في أيامهم الأولى من المجاعة بأن قدموا لهم الطعام. والمؤسف أن كرمهم هذا لم يجعل الأوروبيين يحسنون معاملتهم على المدى البعيد، بل راحت مستوطنات البيض تمتد بالتدريج على حساب أراضي صيدهم التقليدية، فابتدأت بذلك مرحلة طويلة من الصراع سوف تنتهي بانقراض الكثير من الشعوب الأصلية انقراضاً تاماً تقريباً، وإن الذين تمكنوا من البقاء إنما أمكنهم ذلك بأن رحلوا نحو الغرب. ولكن بالمقابل قدمت الأمريكتان فرص العيش لآلاف الأوروبيين الفقراء، فقد اجتذبت الألمان والهوغنوت أي البروتستانت الفرنسيين والسويسريين، فصاروا يفدون إليها عند نهاية القرن السابع عشر بعد أن كان الهولنديون قد سبقوهم إليها، وهكذا كانت أمريكا الشمالية منذ عام 1700 بوتقة تنصهر فيها شعوب من أصول عديدة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:27 PM
العالم الآسيوي

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثامن - عصر الاكتشافات والمواجهة


العالم الآسيوي
لم يقتصر تأثير الأوروبيين في العالم على أفريقيا التي كانوا يستمدون منها العبيد، ولا على الأمريكتين اللتين فتحوهما واستوطنوهما، بل إنه امتد إلى بلاد آسيا أيضاً، ولكنه اتخذ فيها أشكالاً مختلفة عن الفتوحات والاستيطان، ولو أن دوافعهم كانت هي ذاتها، من رغبة بالإثراء وقناعة بتفوقهم الروحي ونزاهة قضيتهم فضلاً عن التسابق المسعور فيما بينهم، ولكن الوضع في آسيا كان مختلفاً من نواح عديدة، فقد كانت آسيا بالأصل مصدراً تقليدياً لبضائع يهتم بها الأوروبيون أيما اهتمام، وهي مما خف وزنه وغلا ثمنه وأبرزها التوابل. كانوا يحصلون على تلك البضائع إما عن طريق شرائها أو عن طريق مقايضتها ببضائع أخرى. ومن ناحية ثانية كانت كثير من البلاد الآسيوية التي يتصل بها الأوروبيون تحت حكم إمبراطوريات وقوى ذات موارد عسكرية كبيرة بينها أسلحة نارية ومدافع، وكانت لديها تقاليد طويلة من الحكم الراسخ، كما كانت لها في بعض الحالات ادعاءات أنها قوى عظمى لابد من احترامها. والناحية الثالثة هي أن بعضها كانت تمتلك إنجازات ثقافية وفنية على مستوى رفيع جعل الأوروبيين يشعرون أمامها شعوراً مزعجاً بالدونية، والحقيقة أن الصين قد ظلت موضع إعجاب مفرط من بعض المفكرين الأوروبيين حتى وقت متقدم من القرن الثامن عشر، وأخيراً كانت أعداد الآسيويين أكبر بكثير من أعداد الأوروبيين، وكان الأوروبيون في آسيا هم الذين يسقطون ضحايا لأمراض جديدة لم يألفوها، لهذا لم يكن استيطانهم لها بالأمر الممكن.
وكانت نتيجة هذا كله أن بعض الأوروبيين من برتغاليين وهولنديين وإنكليز وفرنسيين أسسوا ما يمكن أن نسميه إمبراطوريات تجارية وليست استيطانية. وكانت هذه تتكون من مراكز متفرقة أكثرها مرافئ هامة لتسيير التجارة وحمايتها، فضلاً عن سلسلة من المعاهدات والحقوق والبراءات التي مكنت تجارهم من القيام بأعمالهم، وهذا ما جعل شعوب أكثر الدول الآسيوية غير واعية لوجودهم.
الأوروبيون والصين
كانت الصين هي المثال الأبرز على هذا النمط من النفوذ، فقد قام البرتغاليون فيها بسلسلة من عمليات الاستغلال والقرصنة أثارت حنق الإمبراطورية وأدت إلى طردهم منها في عام 1522، ولكنهم عادوا فنجحوا في تثبيت أقدامهم في ماكاو، من دون أن يسمح لهم بصعود النهر إلى كانتون. وقد استمرت الحال هكذا في بقية عهد المنغ ثم المنشو، وظلت الصين تبدو منيعة وحصينة، وكان فتح شعب المنشو للصين باهظ الثمن من ناحية الأرواح فقد كلف حياة ما يقرب من 25 مليون إنسان، ولكن يبدو أنه أعاد للصين سلطتها الإمبراطورية واستهل مرحلة جديدة من ازدهار الفنون فيها. وكان أعظم أباطرة التشنغ أي المنشو هو الإمبراطور كانغ هسي، الذي حكم بين عامي 1662 و 1722، وقد استهل كانغ هسي مرحلة من الفتوحات سوف تستمر خلال القرن الثامن عشر، فاستولى على فورموزا – تايوان واحتل التيبت وسيطر على المغول، وكانت هذه نقطة تحول هامة، لأن الشعوب البدوية في آسيا الوسطى بدأت عندها بالتراجع أخيراً أمام المستوطنين. أما في الشمال، أي في وادي الآمور، فقد افتتح فصل جديد من فصول التاريخ عندما هدمت الصين موقعاً للروس في عام 1685 وعقدت أول معاهدة لها مع قوة أوروبية من أجل تضمن حدودها. والحقيقة أن علاقات الصين بالعالم الخارجي كانت تتطور بسرعة من دون أن يكون أكثر أهلها واعين لذلك، وفي القرن الثامن عشر عادت الصين فغزت التيبت ممن جديد، كما فرضت حالة التبعية على كل من كوريا والهند الصينية وبورما. أما في الداخل فكان السلام والازدهار قد أثمرا في هذه الأثناء عصراً فضياً من الحضارة الكلاسيكية الناضجة يعتقد بعض العلماء أنها بلغت ذروتها في أواخر عهد المنغ. إلا أن إنتاج التحف الفنية والأدبية قد استمر على عهد المنشو أيضاً، ومنذ عهد كانغ هسي كانت أفران الخزف الإمبراطورية قد بدأت قرناً كاملاً من التقدم التقني في طلاء الأعمال الخزفية نتجت عنه أشكال بديعة من المينا.
إلا أن حضارة المنشو ظلت مع ذلك حضارة نخبة صغيرة وحكراً على الطبقة الحاكمة مثلما كانت الحال في الصين دائماً. كما أنها كانت مزيجاً من النشاط الفني والأدبي والإداري المحافظ إلى أبعد الحدود، فكانت في سعي مستمر لتقليد ومحاكاة ماهو أحسن، ولكن الأحسن هو دوماً ما أنتجته الأجيال السابقة في الماضي. وكانت النتيجة العملية لتلك النزعة واضحة كل الوضوح بحلول القرن الثامن عشر، فرغم كل إنجازاتها التقنية الباكرة لم تصل الصين إلى السيطرة على الطبيعة بصورة تمكنها من مقاومة التدخل الغربي، وأشهر مثلا على ذلك هو البارود، لأن البارود كان معروفاً في الصين قبل أي بلد آخر، ولكن الصينيين لم يكونوا قادرين على صنع أسلحة نارية بجودة أسلحة أوروبا، ولا حتى استخدام الأسلحة التي كان يصنعها لهم الحرفيون الأوروبيون استخداماً فعالاً. كما أن البحارة الصينيين كانوا يعرفون استخدام البوصلة منذ زمن طويل، وكان لديهم تراث قديم في صنع الخرائط أوصلهم إلى وضع أول خريطة ذات شبكة خطوط متصالبة ولكنهم مع ذلك لم يقوموا برحلات الاستكشاف إلا بصورة قصيرة، فلا اندفعوا عبر المحيط مثل الميلانيزيين البدائيين، ولا رسموا له خارطة كما فعل الأوروبيون في زمن لاحق. وكان الصينيون أيضاً يصنعون ساعات ميكانيكية مزودة بالميزان أو الشاكوش الضروري لضبط الوقت قبل أوروبا بحوالي ستة قرون، إلا أن الأوروبيين قد أحضروا معهم إلى الصين تقنية في صنع الساعات وقياس الزمن هي أرقى بكثير مما كان لديهم، ويمكننا أن نسرد أمثلة أخرى لاتحصى عن انتصارات الصين الفكرية التي بقيت دون استثمار عملي فعال.
وهكذا كانت الصين مقيدة في استجابتها للعالم الخارجي، وكان ضعفها هذا نذير شؤم إذا كانت بانتظارها بعد المزيد من الأخطار الكبرى. كان الروس قد ثبتوا أقدامهم في كمتشتكا بحلول عام 1700، وكانوا يوسعون تجارتهم على طرق القوافل، وسرعان ماراحوا يخترقون منطقة ماوراء بحر قزوين. وحتى السلام والازدهار اللذان نعمت بهما الصين سرعان ما ترتب عليها أن تدفع ثمناً لهما، لأنهما سببا زيادة أسرع في عدد السكان، وقد تجاوزت أعداد الصينيين في عام 1800 الثلاثمائة مليون، بل ربما بلغت الأربعمئة مليون.
في ذلك الحين كان انبهار الأوروبيين بحجم الإمبراطورية وأبهتها قد بدأ بالأفول أيضاً، بعد أن بلغ ذروته في القرن السابع عشر على مايبدو. وكان الصينيون قد سمحوا عندئذٍ بتأسيس إرسالية كاثوليكية لليسوعيين في بكين، وقد عاملوا أفرادها معاملة حسنة وكانوا مهتمين بتعلم مهاراتهم في صنع الساعات والعمارة وعلم الفلك. أما اليسوعيون فقد بدؤوا يأملون بقرب تنصير الإمبراطورية، ربما عن طريق هداية الإمبراطور نفسه مثلما حدث لقسطنطين. وقد قدم أفراد البعثة عدداً من التنازلات للكونفوشية، إلا أن البابوية أدانت تصرفهم هذا فكانت تلك نهاية إرساليتهم. وكان هذا دليلاً على أن القيم الأوروبية أقل انفتاحاً لتأثير الصين من قيم الشعوب البربرية الأخرى التي كانت قد قدمت إليها. إلا أن إعجاب الأوروبيين بفنون الصين لم ينقطع، بل إنه تحول إلى مايشبه الهوس في القرن الثامن عشر، وقد استطاع الكثيرون من التجار الأوروبيين خاصة من البريطانيين، أن يستقروا في كانتون من أجل إشباع هذا الطلب على بضائع الصين ومصنوعاتها.
اليابان
لقد ظلت اليابان في هذه الأثناء أكثر حصانة ضد الأوروبيين، في عام 1603 أعيد إحياء لقب الشوغون القديم، وتعرف المرحلة التالية باسم السلام الكبير وقد أحكمت خلالها السياسة قبضتها على الإمبراطور طوال قرنين ونصف القرن كما تغير الشوغونات أيضاً، فبعد أن كانوا أبرز السادة الإقطاعيين أصبحوا بالدرجة الأولى أمراء بالوراثة وبالدرجة الثانية رؤساء نظام اجتماعي متسلسل يمارسون عليه سلطاتهم باسم الإمبراطور وبالنيابة عنه. وكان هذا النظام يسمى نظام باكوفو، أي حكم المعسكر، وكان عماده الأساسي هو سلطة عشيرة توكوغاوا وخاضعين لمراقبتها الدقيقة، وكانوا يعيشون أحياناً في البلاط وأحياناً أخرى في أراضيهم، وعندما يكونون في أراضيهم تظل عائلاتهم مقيمة لدى الشوغون في مدينة ايدو، أي طوكيو الحالية، حيث يمكنه أن يجعل منهم رهائن إذا ما اقتضت الحاجة.
كان المجتمع الياباني مقسماً تقسيماً شديداً إلى طبقات وراثية، فكانت طبقة الساموراي النبيلة مكونة من السادة وأتباعهم، وهم الحكام المحاربون المسيطرون على المجتمع والذين يعطون شكله وقوامه، مثل حال طبقة الإداريين النبلاء في الصين. ولكن العلاقات القديمة التي كانت تربط أولئك الأتباع بالأرض كانت قد زالت بحلول القرن السابع عشر، وصاروا يعيشون في مدن القلاع التابعة لسادتهم. أما الطبقات الأخرى فهي طبقات الفلاحين والحرفيين والتجار، وكانت الطبقة الأخيرة هي الأدنى في السلم الاجتماعي لأن مهنتهم ليست ذات طبيعة منتجة، بالرغم من نشاط تجارة اليابان وحيويتها. وكان الهدف من هذا النظام برمته هو تأمين الثبات كما كان التزام المرء بواجباته يفرض عليه فرضاً، وكان الشوغون الأول هيديوشي قد أشرف بنفسه على حملة كبيرة لجمع السيوف من الطبقات الدنيا إذ لم يكن يجوز لها أن تحمل سلاحاً. وهكذا صار مجتمع اليابان يشدد على كل ما يضمن له الثبات والاستقرار، أي أن يعرف كل امرئ مكانه ومرتبته، وأن ينضبط ويعمل بجد وانتظام ويمارس صنعته بمنتهى الدقة، ويتحمل الشدائد بكل صبر وجلد.
وقد حسب هذا النظام خطأً أن بإمكانه عزل اليابان عن عوامل التغير، ولكنها بقيت زمناً طويلاً معرضة لخطر الانحدار في فوضى داخلية، بسبب وجود أعداد كبيرة من النبلاء والمحاربين المستائين والمهتاجين في القرن السابع عشر. ثم كان هناك خطر خارجي واضح، ألا وهو خطر الأوروبيين، الذين كانوا قد جلبوا إلى اليابان أشياء عديدة سوف يكون لها تأثير عميق في اليابان، وأهمها الأسلحة النارية، كما أنهم جلبوا معهم الدين المسيحي، وقد عوملت المسيحية في البداية بتسامح بل إن اليابانيين رحبوا بها على اعتبار أنها تجتذب التجار من الخارج، والحقيقة أن نسبة اليابانيين المسيحيين بين السكان قد بلغت في بداية القرن السابع عشر أعلى حد لها حتى اليوم، حيث قدر عددهم سرعان ما تجاوز نصف المليون. إلا أن حكام اليابان سرعان ما أدركوا قيمة المسيحية الكبيرة على إحداث الانقلابات، فراحوا عندئذٍ يضطهدونها بوحشية شديدة، وقد قضى هذا الأمر على تجارة البلاد مع أوروبا، فغادرها الإنكليز والإسبان والبرتغاليون خلال عقود قليلة. ومالبثت أن اتخذت خطوات أخرى، فمنع على اليابانيين أن يسافروا إلى الخارج، وأن يعودوا إلى بلادهم إذا كانوا أصلاً خارجها، كما منع بناء السفن الكبيرة، ولم يبق إلا الهولنديين لأنهم وعدوا بعدم التبشير بديانتهم وكانوا مستعدين للتنكر لها، وهم الذي حافظوا على اتصال اليابان الضئيل بأوروبا من خلال محطة تجارية على جزيرة في مرفأ ناغازاكي.
بلد تتغير
لقد زال بذلك خطر أن يستغل الأجانب النزاعات الداخلية في اليابان، ولكن ظروف الاستقرار التي سادت خلال السلام الكبير أدت أيضاً إلى تراجع المهارة العسكرية وتخلف تقنياتها عن عصرها، وعندما عاد الأوروبيون لم تكن قوات اليابان العسكرية بقادرة على مجاراتهم من الناحية التقنية. ثم كان مصاعب أخرى بسبب السلام العام الذي ازدهرت خلاله التجارة الداخلية، فقد أصبح اقتصاد اليابان أكثر اعتماداً على المال، وقد أضعف هذه العلاقات القديمة، كما ظهرت ضغوط اجتماعية جديدة، بينما كان حال التجار في ازدهار مستمر وصار المحاربون بالتدريج معتمدين على أصحاب البنوك. وكانت المدن تنمو أيضاً، ففي عام 1700 كان في كل من أوساكا وكيوتو أكثر من 300.000 نسمة، ربما بلغ عدد السكان في ايدو- طوكيو 800.000، وكان من المحتم أن تترتب على هذا النمو نتائج أخرى كثيرة.
إن هذه التحديات الجديدة التي عجز حكام اليابان عن احتوائها كانت ناشئة من حقيقة أساسية، ألا وهو النمو الاقتصادي، ويبدو أن هذا النمو لنا اليوم بالمنظور التاريخي أهم مواضيع تلك الحقبة وأعمقها أثراً. فقد تضاعف الإنتاج الزراعي لليابان تقريباً بين عامي 1600 و 1850، بينما لم يرتفع عدد السكان إلا بأقل من النصف. ويبدو أنها كانت خطوة ناجحة نحو نمو اقتصادي ثابت، ولو أن أسبابه مازالت موضع أخذ ورد، ولاريب أن إحاطة البحار باليابان كانت عاملاً مساعداً في هذا التطور لأنها حمتها من الغزاة، مثل بدو السهوب الذين طالما ضايقوا الشعوب الأخرى على بر آسيا، كما أن السلام الكبير كان أيضاً ميزة ثانية. وقد حدثت تطورات كثيرة بفضل استخدام طريقة الزراعة المكثفة وتحسن الري واستغلال المحاصيل الجديدة التي أتى بها البرتغاليون بالأصل من الأمريكتين، وكانت حكومة باكوفو تطمح طموحاً كبيراً إلى تنظيم المجتمع وتطويره، ولكن يبدو أن ما سهل النمو الاقتصادي في النهاية إنما كان ضعف سلطتها، لأنها بدلاً من أن تكون ملكية مطلقة صارت أشبه بمجموعة من القوى المتوازنة فيما بينها والمكونة من كبار السادة، وكان هذا النظام قادراً على الاستمرار طالما هو بمنأى عن الغزاة الأجانب الذي قد يخلون بتوازنه. فلم يعرقل طريق النمو الاقتصادي، ولم يحرم المنتجين من الاستفادة من مواردهم واستثمارها، والحقيقة أن حصة طبقة الساموراي الطفيلية من الدخل القومي كانت في انخفاض، بينما كانت حصص العناصر المنتجة في ارتفاع، ويبدو أن دخل الفرد في اليابان ومتوسط العمر المتوقع له كان في عام 1800 قريبين جداً مما كان عليه لدى البريطانيين في ذلك الزمان.
تتميز حقبة توكوغاوا بملامح لافتة في مجال آخر، وكثيراً ماحجبت عن الأنظار تطورات المجتمع التي ذكرناها، فالازدهار الجديد في المدن قد خلق الزبائن للكتب المطبوعة واللوحات الملونة المطبوعة بالخشب والتي سوف تثير إعجاب الفنانين الأوروبيين في زمن لاحق. كما أنه أمن الجماهير لحضور شكل جديد من المسرح هو مسرح كابوكي. ولكن نظام توكوغاوا بالرغم من نجاحه وتألقه كان ضعيفاً على المستوى الاقتصادي العميق، ولعله كان عاجزاً عن الاستمرار طويلاً حتى لولم يتعرض في القرن التاسع عشر إلى الخطر الجديد الذي أتاه من الغرب، فالحقيقة أن علامات الاضطراب كانت بادية عليه في نهاية هذه المرحلة. إلا أن اليابان كانت مع ذلك قد صنعت لنفسها مصيراً تاريخياً فريداً، وسوف يمكنها من أن تواجه الغرب بصورة مختلفة جداً عن الصين الخاضعة لحكم المنشو والهند الخاضعة لحكم المغول.
تراجع الهند المغولية
لقد قدمت الهند للأوروبيين تنازلات أكثر بكثير مما قدمته الصين واليابان، كانت إمبراطورية أكبر واحدة من أقوى الإمبراطوريات في العالم، وكان بلاطه واحداً من أكثر البلاطات فخامة، ولقد ازدرى خليفته الهدايا التي أرسلها له جيمس الأول ملك إنكلترا بعد بضع سنوات. والحقيقة أن إنكلترا كانت في ذلك الزمان بلداً أنهكها الفقر، ولكن مستقبل الهند إنما كان بين أيدي رعاياها. وسوف يتعاقب أباطرة المغول متحدرين من السلالة نفسها مع انقطاعات قليلة حتى منتصف القرن التاسع العشر، إلا أن سلطتهم سوف تتراجع بصورة مستمرة على امتداد فترة طويلة، فقد بلغت الإمبراطورية أوسع امتداد لها على عهد الحكام الثلاثة الذين جاؤوا بعد أكبر من النصف الأول من القرن السابع عشر، ثم أخذت بالتراجع في النصف الثاني منه.
وراح الإمبراطور شاه جهان، وهو حفيد أكبر يضم إليه سلطنات الدكن الواحدة تلو الأخرى، كما حاول بلا جدوى أن يطرد الفرس من قندهار وقد ضعف على عهده مبدأ التسامح الديني، ولكن ليس إلى حد ينال من مكانة الهندوس في خدمة الحكومة، بل إن الإدارة قد بقيت متعددة الأديان. وكانت حياة البلاط في أغره حياة بذخ وترف عجيبين، وقد شيد الإمبراطور فيها أشهر الأبنية الإسلامية قاطبة ألا وهو تاج محل الذي كان مدفناً لأعز زوجاته، وكان تاج محل ذروة البناء بالبناء والأقواس والقباب، الذي يعتبر من أبرز ملامح التراث الإسلامي في فن الهند، كما أنه أعظم صروح الإسلام في هذا البلد.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets/chp8-9.jpg
تاج محل
أما تحت مستوى البلاط فكانت الحياة في الهند المغولية بعيدة جداً عن هذه الصورة، كان على الإداريين المحليين أن يجمعوا المزيد والمزيد من المال للإنفاق على مصاريف قصر شاه جهان وحملاته، وعلى النخب الاجتماعية والعسكرية التي تعيش بصورة طفيلية على القطاعات المنتجة اقتصادياً. وكانت آلة جبي الضرائب الجشعة تعمل دون اعتبار للحاجات المحلية أو الكوارث الطبيعية، وقد تأخذ من الفلاح نصف إنتاجه في بعض الأحيان، من دون أن يستثمر شيء من ذلك بصورة منتجة. وبعد عهد شاه جهان ومتطلباته الكثيرة أصيبت الإمبراطورية بمصيبة أدهى بسبب التعصب الديني لابنه الثالث أورنغ زيب، الذي نحى ثلاثة أخوة له وسجن أباه لكي يرتقي العرش في عام 1658. وقد اجتمعت في أورنغ زيب السلطة المطلقة والريبة بمرؤوسيه وضيق النظرة الدينية، فكان هذا وبالاً على البلاد، وما لبثت أن نشبت الثورات ضد حكم المغول بسبب محاولاته منع الديانة الهندوسية وتدمير معابدها، وبسبب إعادته ضريبة الأعناق على غير المسلمين، كما صار من العسير على الهندوسي أن يترقى في خدمة الإمبراطور، وبات اعتناق الإسلام شرطاً ضرورياً للنجاح، وكانت هذه الأشياء كلها قضاء على قرن كامل من التسامح الديني، وقد أوهنت ماألفته الهند من أخلاص وتعاون بين أهلها.
لقد منعه هذا أيضا من فتح مرتفعات الدكن، وهي القرح الذي قوض إمبراطورية الغول في النهاية، وهكذا بقي شمال الهند وجنوبها منفصلين مثلما كان الأمر على عهد آشوكا. كان قلب المعارضة الهندوسية مكوناً من سكان المرتفعات الذين يسمون المهراتا، وقد لم هؤلاء شملهم في ظل حاكم مستقل في عام 1674، وتحالفوا مع سلاطين الدكن من أجل مقاومة الجيوش المغولية. فنشب بين الطرفين صراع طويل برز من خلاله البطل شيفاغي، الذي أصبح أسطورة في نظر القوميين الهندوس الحديثين، وهو الذي بنى من الأنقاض هوية سياسية مهراتية سرعان ما مكنته من استغلال دافعي الضرائب بوحشية لاتقل عن وحشية المقول من قبله. أما أورنغ زيب فقد ظل يخوض الحملات ضد المهراتا بلا انقطاع حتى موته في عام 1707، فتنازع أولاده الثلاثة عندئذٍ على الخلافة وبدأت الإمبراطورية بالتفسخ من فورها، وكان بانتظارها ورثة أعتى بكثير من الهندوس والأمراء هم الأوروبيون.
قدوم الأوروبيون
كان قد سمح للأوروبيين بأن يؤسسوا لهم مواطئ أقدام ورؤوس جسور من أيام أكبر وكان أولهم البرتغاليين. بعد ذلك نال الإنكليز أول تنازل تجاري لهم على الساحل الغربي في بداية القرن السابع عشر، وفي عام 1639 أسسوا في خليج البنغال وبإذن من الحاكم المحلي مستوطنة في مدارس كانت أول أرض بريطانية في الهند، وهي فورت سان جورج. ومع أنهم استثاروا المتاعب مع أورنغ زيب فقد حصلوا على محطات أخرى في بومباي وكلكوتا قبل نهاية القرن، وقد حافظت سفنهم على السيادة التجارية التي أخذوها البرتغاليين. إلا أن منافساً أوروبياً جديداً كان قد ظهر في الحلبة في عام 1700، إذ أن الشركة الفرنسية للهند الشرقية التي تأسست عام 1664 سرعان ما بنت هي الأخرى مستوطنات لها في شبه القارة.
سوف يتصارع الفرنسيين والإنكليز فيما بينهم طوال قرن كامل، وقد بدأت المشاكل السياسية تعقد أمور التجارة في الأجواء الحرجة التي سببها انحسار سلطة المغول، فلم يعد هناك بد من افتتاح العلاقات مع الإمبراطور ومع خصومه أيضاً، وبحلول عام 1700 كان الإنكليز يعلمون تماماً أن مكاسبهم باتت في خطر. أما الهند فكانت قد انجرفت في تيار من الأحداث الخارجة عن إرادتها، وهذه هي في الحقيقة حقبة التاريخ العالمي. وإنك تجد هذا التأثير العالمي في الأمور الصغيرة كما تجده في الكبيرة، ففي القرن السادس عشر كان البرتغاليون قد جلبوا معهم من أمريكا الفلفل الحار والبطاطا والتبغ، وسرعان ما تبعتها الذرة والأناناس والبباية (نبات ذو ثمر أصفر) وهكذا ترى أن التغير في ثقافة الهند قد وصل حتى إلى غذائها وزراعتها.
يبدو أن قدوم الأوروبيين لم يكن سبب نهاية تلك المرحلة العظيمة للإمبراطورية المغولية، وأن ذلك لم يكن أكثر من صدفة، ولو أن الوافدين الجدد قد عرفوا أن يحصدوا نتائجها. والحقيقة أن أياً من إمبراطوريات الهند لم تستطع أن تحافظ على نفسها لزمن طويل، والسبب الأرجح هو التنوع الكبير في شبه القارة وعجز حكامها عن استقطاب ولاء رعاياهم. ولقد ظلت الهند منقسمة على الدوام إلى مستغلين ومستغَلين، إلى نخب حاكمة تعيش وتثرى على حساب الفلاحين المنتجين، وفي نهاية القرن السابع عشر كانت البلاد جاهزة لزمرة جديدة من الفاتحين.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:29 PM
العلامات الأولى على التاريخ العالمي

كتاب تاريخ العالم - الفصل التاسع - بدايات الأزمنة الحديثة


العلامات الأولى على التاريخ العالمي
يبدأ التاريخ الحديث في أوروبا، ففيها ظهرت للمرة الأولى تلك القوى التي سوف تضم تاريخ العالم بعضه إلى بعض، وتجعل منه كياناً واحداً عن طريق شبكة هائلة من الأحداث والحركات المتداخلة والمتفاعلة فيما بينها.
وربما كانت العلامة الأولى على هذه التطورات هي معرفة شكل هذا العالم وقاراته، فقد كان الناس عام 1500 يعلمون بوجود القارات كلها، ولو أن أشكالها لم تكن قد اتضحت لهم بعد، وكانت قارة أنتاركتيكا في القطب الجنوبي هي الوحيدة التي جاء اكتشافها متأخراً.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/antracitca.jpg

قارات العالم

وكانت قد بدأت تتشكل في أذهان الأوروبيين ملامح أولى قليلة من التنوع الهائل في هذا العالم الذي بدؤوا للتو باكتشافه، وعن شعوب وثقافات أغرب من أوروبا المسيحية حتى من الإسلام والعالم الأرثوذوكسي.
أما أعداد البشر وتنظيماتهم وتوزعهم في العالم فلم يكن بمقدور أحد أن يعرف عنها شيئاً. والحقيقة أننا مازلنا حتى اليوم غير قادرين على التحدث عن السكان في القرن السادس عشر إلا عن طريق التخمين الحذر. لم تكن الحكومات قد بدأت بجمع الإحصائيات بصورة منظمة بعد، بل كان هناك شعور عام قوي في البلاد الأوروبية ضد إحصاء عدد السكان استمر حتى القرن الثامن عشر إذ كان هذا النوع من الإحصاء دوماً نذيراً برفع الضرائب، كما كانت سوابق ضده في الكتاب المقدس.
إن بين أيدينا أرقاماً كثيرة من عدد السكان في إيطاليا في عام 1500، ومع هذا مازال العلماء يتوصلون عند تقدير مجموع سكانها إلى أعداد متباينة تتراوح بين الخمسة ملايين والعشرة ملايين.
إن الدراسة الشاملة لما بين أيدينا من معلومات تجعلنا نقدر عدد سكان العالم في عام 1500 بحوالي 425 مليون. وكانت آسيا أغنى قارات العالم بعدد السكان، كما كانت الصين تحوي العدد الأكبر منهم بين جميع دول العالم، ومازال كذلك منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية، إذ لا يمكن أن يكون عدد سكانها في ذلك الحين أقل من 100 مليون نسمة.
وكانت البلد التالية هي على الأرجح الهند، ولو أن تقديرات عدد سكانها تخمينية إلى حد بعيد، أما أوروبا بما فيها روسيا فربما كان عدد سكانها حوالي ثمانين مليوناً، وفي بعض أجزائها كان عدد السكان في عام 1500 أقل منه عند بداية القرن الرابع عشر، بسبب النكسات الهائلة التي سببها الموت الأسود.
وكانت فرنسا في ذلك الحين أكبر بلد أوروبي، وقد بلغ عدد سكانها حوالي 16 مليون نسمة، كما كانت تمر بطور من النمو السريع، أما أمريكا عندما اكتشفها الأوروبيون فيبدو أن عدد سكانها من هنود وأسكيمو في كل أراضي أمريكا الشمالية الشاسعة لم يتجاوز المليون، فكانت بذلك أوسع منطقة تؤوي نمط الحياة ما قبل الزراعي. ولكن بالمقابل ربما بلغ عدد السكان إلى الجنوب من نهر ريو غرانده حوالي 14 مليون نسمة في عام 1500، منهم حوالي خمسة ملايين في وسط المكسيك.
إلا أننا نستطيع أن نرى الآن أن عدد السكان في البلاد الأوروبية كان في عام 1500 قد بدأ ينمو بصورة جديدة ومتواصلة ومازالت مستمرة حتى اليوم. وكان هذا النمو أسرع بكثير منه في الأزمنة الأبكر، ولو أنه هناك فروقاً كبيرة بين بلد وآخر وبين زمن وآخر، وقد بدأ يغير التوازن بين القارات.
وعندما نصل إلى عام 1800 نجد أن عدد سكان العالم قد بلغ حوالي 900 مليون نسمة، أي مثلي ما كان عليه قبل ثلاثة قرون، وهو ازدياد كبير جداً ولو أنه حصل بصورة بطيئة. وليس من السهل أن نعرف أسباب هذا النمو، ولكن ربما كان السبب الأساسي هو تحسن المناخ والمحاصيل. لقد كان أكثر من خمس هذا العدد من الأوروبيين، أي حوالي 185 مليون نسمة، وهي نسبة أكبر من أي زمن سابق، وكانت هذه السرعة الجديدة في نمو السكان وتجاوزه للعوائق السابقة تياراً سوف يستمر ويصبح تياراً عالمياً في أيامنا هذه.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:31 PM
الثورة في مجال الزراعة

كتاب تاريخ العالم - الفصل التاسع - بدايات الأزمنة الحديثة

الثورة في مجال الزراعة
يعود هذا الارتفاع في عدد السكان إلى زيادة كمية الغذاء، ولكن هذه الزيادة ظلت لزمن طويل محصورة بقارة أوروبا ولم تكن واضحة للعيان، وكان طعام الناس متشابهاً بصورة عامة في كافة أنحاء العالم طوال هذه القرون الثلاثة، مثلما كان الأمر طوال تاريخ الحضارة. فكانوا يأكلون دوماً الخبز أو الحبوب المطبوخة، وهي تختلف من بلد لآخر، ومنه القمح والذرة والأرز والجاودار. إن زراعة الحبوب في مساحة معينة من الأرض تعطي مردوداً من الحريرات أفضل من تربية الحيوانات.
ففي العصور الوسطى كان أكل اللحم في بعض البلاد الأوروبية أكثر شيوعاً منه في المناطق الأخرى من العالم، ولكن أكثر الأوروبيين لم يكونوا يتذوقونه إلا نادراً، حتى في عام 1800م. وكانوا ينوعون طعامهم من الحبوب مثل سكان القارات الأخرى بإضافة الكستناء والفاصولياء وغيرها من الخضار، فضلاً عن البيض والسمك.
ولقد ظلت أوروبا تمر بأيام عصيبة حتى القرن الثامن عشر، وحدثت المجاعات في فرنسا في سبعينيات وثمانينيات هذا القرن. أما في الصين وروسيا والهند وبعض أجزاء أفريقيا فإن المجاعات مازالت تحدث حتى اليوم، ولو أنها لم تعد تستمر طويلاً كما في الماضي، إذ صار بالإمكان نقل الغذاء من أنحاء أخرى من العالم بصورة سريعة.
تطور الزراعة في أوروبا
ولكن بالرغم من أوجه الشبه هذه فإن أوروبا في عام 1800 كانت مختلفة اختلافاً جذرياً عن بقية أنحاء العالم، من ناحية أن كمية الغذاء التي تنتجها للفرد الواحد كانت أكبر بكثير منها قبل ثلاثمائة عام.
لو نظر المزارع الأوروبي اليوم إلى أفضل مزارع العصور الوسطى وأوفرها إنتاجاً لوجدها فقيرة بالقياس إلى ما اعتاد إليه، ولوجد مردودها زهيداً جداً بالقياس إلى كمية الجهد التي تبذل فيها، فلم تكن الغلة الناتجة من زراعة الحبوب تزيد عن خمسة أمثال وزنها الأصلي، وكان مردود الهكتار الواحد في عام 1500 ضئيلاً جداً بالقياس إلى مردوده اليوم.
أما أساليب الزراعة فلم تبتعد كثيراً عن أساليبها التقليدية، وباختصار كانت الزراعة في أوروبا العصور الوسطى شبيها بما هي الحال عليه اليوم في بعض أنحاء آسيا وأفريقيا، ولكن التغير كان قادماً وقد بلغ في عام 1800 وتيرة مطردة، وإن التطور الذي حصل في الزراعة في أوروبا خلال هذه القرون الثلاثة قد أحدث انقلاباً في تطور البشرية لامثيل له منذ اختراع الزراعة نفسها.
لطالما تمتعت أوروبا بميزات طبيعية هامة، فأمطارها وفيرة تمكنها من زراعة قسم كبير من أراضيها، والأسماك غزيرة في مياهها الساحلية وتؤمن لها الكثير من الغذاء سهل المنال، وتحت سطحها تكمن كميات كبيرة من الثروات المعدنية، منها أغنى حقول الحديد والفحم في العالم. وحتى قبل استثمار هذه الثروات كان فيها الكثير من الخشب للوقود والبناء.
ومع هذا كان أكثر الأوروبيين في عام 1500 يعيشون بعد على زراعة الكفاف، أي أنهم يزرعون مايكفي حاجاتهم فحسب، وقليل من كان يقدر على إنتاج فائض يبيعه لمن لايعيشون في الريف، وحتى في تلك الحالات القليلة تكون السوق عادة محلية، فرغم المتاجرة بالنبيذ والصوف والجلد وبعض الحبوب كان أكثر الغذاء ينتج في مكان قريب من مكان استهلاكه.
لقد حددت التضاريس الطبيعية الكبرى منذ قرون طويلة أنماط الزراعة في أوروبا، فإذا استثنينا شبه الجزيرة الاسكندينافية، يمكن تقسيم أوروبا تقسيماً بسيطاً إلى منطقتين، إحداهما عبارة عن سهل عريض وطويل، يقابله إلى الجنوب منه امتداد طويل أيضاً من المرتفعات التي تكثر فيها الجبال.
ويمتد هذا السهل الأوروبي الواسع من دون جبال أو مرتفعات عالية لمسافة تزيد عن 4000كم، وهو يبدأ بالسهول الشاسعة في روسيا، ثم يمتد نحو الغرب فيضيق قليلاً إلى الجنوب من بحر البلطيق وفي بولندا وغرب ألمانيا، ثم يعود ليتسع من جديد حول مرتفعات الأردين والمسيف الأوسط في فرنسا، ويستدق ثانية منتهياً عند جبال البيريه. وتشكل إنكلترا أيضاً قسما منه على الطرف الآخر من بحر الشمال، حيث يستدق عند سفوح جبال ويلز واسكتلندا.
إن هذا السهل الواسع هو أرض زراعة الحبوب في أوروبا في العصور الحديثة، ولطالما أمنت الحبوب للأوروبيين طعامهم وشرابهم، فالجعة تصنع من الشعير، والمشروبات التي تقطر من الحبوب مثل الويسكي والفودكا هي المشروبات الكحولية التقليدية في هذه المنطقة. وهي منطقة ذات حدود واضحة، ففي روسيا تحدها من الشمال الغابات الصنوبرية ثم البحر في الغرب، أما من الجنوب فتحدها جبال الكربات والألب والمسيف الأوسط والبيريه.
إلى الجنوب من هذه الجبال تكون الأرض عادة مرتفعة ماعدا بعض وديان الأنهار، وأهمها الدانوب والرون والبو والإبرو، وتزرع الحبوب أيضاً على نطاق واسع في بعض أجزاء هذه المنطقة، مثل وادي الدانوب وسهل قشتالة العالي، بينما تستخدم أراضيها المرتفعة عادة لتربية الحيوانات ورعيها. وهي تتميز بأنها أرض الكرمة، ومشروباتها الكحولية هي النبيذ وغيره مما يشتق من هذه النبتة. وأخيراً تقع أرض الزيتون والزيت حول سواحل المتوسط، وتضم قسماً كبيراً في إسبانيا.
ويمكننا أيضاً أن نقسم أوروبا إلى شطرين شرقي وغربي، باتخاذ نهر الألب في السهل الشمالي نقطة فاصلة بينهما، وبرسم خط من مصبه إلى رأس بحر الأدرياتيك، فالحقيقة أن التاريخ كثيراً ما سلك طرقاً مختلفة على طرفي هذا الخط. وهو ينطبق تقريباً على خط درجة الصفر المئوية، أي الخط الواصل بين المناطق التي تبلغ الحرارة فيها درجة الصفر في شهر كانون الثاني (يناير).
فالغرب تأتيه تيارات الهواء والماء التي تسمى تيار الخليج، لذلك يبقى أدفأ من الشرق، الذي تكتسحه جبهات الهواء البارد القادمة من القطب الشمالي ومن بر آسيا، إن بحر آزوف مثلاً يقع على نفس خط العرض الذي تقع عليه مدينة ليون الفرنسية، ولكنه كثيراً ما يتجمد في الشتاء بينما يتابع نهر الرون في مدينة ليون تدفقه. ولقد أدى هذا التباين بين الشطرين إلى اختلافات كبيرة في حياة الأوروبيين في كل منهما، وفي وسائل تحصيلهم لمعيشتهم.
من هذه الفروق اختلاف أنواع الحبوب التي كانت تزرع في كل شطر، ففي أوروبا الشرقية بقي نبات الجاودار شديد التحمل هو النوع المعتاد من الحبوب لاستهلاك الإنسان، بينما كان القمح والذرة التي أتت من أمريكا في القرن السادس عشر أكثر شيوعاً في الغرب.
ولكن هناك فرقاً هاماً آخر، هو أن أكثر الفلاحين إلى الغرب من نهر الألب كانوا في عام 1800 إما أحراراً يمتلكون قطعاً صغيرة من الأرض، أو مستأجرين يدفعون آجار الأرض نقداً أو عيناً، أما في الشرق فقد ظلوا عادة حتى في هذا التاريخ المتأخر عبيداً مرتبطين بأرض العزبة التي يعيشون فيها، وغير قادرين على مغادرتها إلا بإذن. وقد أصبح هذا الفرق أوضح بكثير بعد القرن السابع عشر، عندما ازداد ترسخ عبودية الأرض في الشرق بينما كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة في الغرب.
وكانت هناك أيضاً فروق محلية أكثر تحديداً بين المناطق المختلفة في شرق أوروبا وغربها، وسببها اختلاف الزراعة وتربية الحيوان باختلاف الظروف من تربة ومناخ وخبرة وأسواق محلية. وبالتدريج أدت هذه الأمور إلى التخصص، الذي كانت له آثار بعيدة المدى، فمنذ القرن السادس عشر مثلاً كانت الحبوب المزروعة في الأراضي الواقعة إلى الجنوب من بحر البلطيق تشحن إلى أوروبا الغربية، وقد أدى هذا إلى نمو صناعة الشحن ومكاسب جديدة لمدة رابطة الهانزا، وهي مدن ألمانية قديمة كانت تشكل سلسلة من الموانئ البحرية ، ومنذ القرن الخامس عشر كانت مقاطعة أنكليا الشرقية في إنكلترا متخصصة بزراعة الشعير وتربية الخراف، بينما كان وادي نهر التايمز ينتج القمح، وكانت المقاطعات الشمالية والغربية تربي البقر.
حتى أشكال الحيوانات وصفاتها كانت تختلف باختلاف المناطق، فقد كان خروف المرينوس، والذي انتشر فيما بعد في كافة أنحاء العالم، مناسباً للمراعي الجافة في إسبانيا، وكان يبدو أشبه بالماعز بالقياس إلى خراف إنكلترا، ولكنه كان يعطي في الحقيقة أفضل أنواع الصوف. أما الخراف التي تربى في مراعي إنكلترا الأكثر خضرة فكان صوفها أخشن ولكنها أغنى باللحم.
وكانت هذه الاختلافات سبب تباين مستويات الحياة بين بلد وآخر، وقد كان الأجانب يلاحظون أن الفلاحين والحرفيين الإنكليز في القرن السابع عشر يرتدون ملابس من الصوف، بينما ظل زملاءهم في القارة الأوروبية زمناً طويلاً يرتدون الملابس الخشنة المصنوعة من نبات الكتان.
يمكننا أن نسرد الكثير من أمثال هذه الفروق، وهي فروق هامة، ولكن هدفنا هو التأكيد على النقطة الأساسية المتمثلة بأن الزراعة في أوروبا كانت في عام 1500 قد بلغت درجة كبيرة من التنوع، ولو بدت لنا مختلفة بمعاييرنا الحديثة. وإن هذا التنوع ليدل في الوقت نفسه على البدايات الأولى لتحول كبير آت، هو ماكان يسمى بالثورة الزراعية، وكان هذا تحولاً ثورياً بحق، قد بدل أحوال العالم، ولو أنه حدث بصورة بطيئة ومتدرجة.
أما سبب حدوثه في أوروبا بالذات فمازال لغزاً كبيراً، وربما كان السبب الأساسي هو التراكم البطيء للثروة والموارد التي ظهرت في المدن خاصة، وهو تراكم كان جارياً منذ القرن الثاني عشر، ولكن الغريب أن شيئاً مثل هذا لم يحدث في الصين مثلاً، مع أن المدن فيها قد نمت نمواً كبيراً أيضاً، كما استخدم فيها المجهود البشري المكثف والضروري لزراعة الأرز، فضلاً عن الأسمدة الطبيعية، كانت الفضلات البشرية تسمى تربة الليل، وكانت تزال من المدن بموجب عقود معينة، فكانت ذات منفعة كبيرة في الصين وفي أوروبا العصور الوسطى.
أساليب جديدة
كان تحسن الزراعة ينطوي دوماً على درجة من التخصص، فلم يعد المزارع الواحد يحاول أن يزرع كل شيء، بل صار يركز على الأشياء التي يستطيع أداءها بأفضل صورة ويشتري حاجاته الأخرى من مصدر آخر.
وكان هذا دائماً مترافقاً بتحسن أساليب الزراعة، مثل المناوبة بين المحاصيل أي زرعها في حقول مختلفة من العام لآخر من أجل إراحة التربة وتحسينها بدلاً من استنفاذها، وزراعة المحاصيل الجديدة ومن أهمها البطاطا والذرة الآتية من أمريكا، ومعالجة التربة بطرق جديدة مثل الكلس، واستخدام أشكال جديدة من محاصيل مألوفة مثل أنواع الشعب الخاصة بالرعي، واللجوء إلى أساليب جديدة للعناية بالتربة مثل حفر الأقنية لتصريف المياه وبناء الأسيجة، وابتكار الآلات الجديدة ولو أن هذه كانت أبطأ من التطورات الأخرى، أو تبني أساليب بسيطة مثل تطويق أراضي كانت في السابق مشاعاً وجعلها ملكاً لرجل واحد وتخصيصها بالتالي لمصلحته، هذه الأشياء كلها أدت في النهاية إلى تأمين مردود أكبر من الأرض، وبالتالي إلى غذاء أوفر ولباس أرخص.
لقد ظهرت بعض هذه التغيرات أولاً في إيطاليا ومنطقة الفلاندر، منطقة واسعة تمتد بين فرنسا وبلجيكا الحاليتين، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ثم بلغت أقصى مداها في البلاد الواطئة هولندا، ومنها انتشرت إلى إنكلترا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وكان من نتائجها الأولى تطويق الأراضي من أجل تربية الغنم، وضم شرائط الأرض المتفرقة التابعة لمالك واحد بعضها إلى بعض في حقول متراصة، وتصريف الأراضي خاصة في منطقة الفنز بشرق إنكلترا، واستصلاح أراضي جديدة في المستنقعات أو من البحر كما فعل الهولنديون.
وقد وضع هذا أسس تقدم تقني هائل في زراعة إنكلترا، التي أضحت في القرن الثامن عشر أفضل زراعة في العالم كله، فقد كثرت عندئذٍ الأنواع الجديدة من الحيوانات والمحاصيل، وظهرت أولى الابتكارات الهامة في الآلات منذ اختراع المحراث ذي العجلات، مثل المثقاب الميكانيكي وآلات تسوية التربة التي تجرها الأحصنة وآلات درس الحبوب، وكان الزوار يأتون من كافة أنحاء أوروبا لرؤية الزراعة في إنكلترا، وقد انتشرت أساليبها الجديدة إلى القارة، خاصة إلى ألمانيا والشرق.
كانت التربة في الشرق أفقر، لذلك كان تحسينها أمراً أشد أهمية، ومع هذا فقد تشبث أصحاب الأراضي تشبثاً شديداً بأحد التقاليد القديمة، كان أهم ما يحتاجونه لتحسين الإنتاجية في أوروبا الشرقية هو المجهود البشري، لهذا كنت تراهم يقاومون كل محاولة لإزالة النظام القديم القائم على العزبة. وكانت العبودية المرتبطة بالأرض قد زالت في إنكلترا بحلول عام 1500، وحل محلها العمل مقابل أجر، أما في ألمانيا وبولندا وروسيا فقد صارت العبودية أكثر شيوعاً خلال القرنين التاليين، وكان النبلاء في شرق بروسيا يستغلون جهد عبيدهم بأقصى طريقة ممكنة، ويوثقون ربطهم بالعزبة عن طريق القوانين من أجل ضمان استمرار هذا الاستغلال.
وفي عام 1800 لم يكن الفلاح الذي يعيش في مزرعة بشرق ألمانيا قادراً على مغادرتها أو على الزواج إلا بإذن، ولم يكن يستطيع العناية بحديقته الصغيرة إلا بعد أن ينهي عمله لدى سيده.ولم يكن يقتصر العمل على الحقل، بل قد يضطر أولاده ونساؤه للعمل في البيت خدمة للسيد أيضاً.
وأما في روسيا فكانت الأوضاع أقسى حتى من هذا، وسوف تزداد مع الوقت سوءً على سوء، ولم يكن تحسن الزراعة بالطبع السبب الوحيد لاختفاء عبودية الأرض في الغرب واستمرارها في الشرق، بل كان واحداً من أسباب عديدة.
لقد كان من المناسب لصاحب العزبة أن يضيق الخناق على عبيد الأرض لديه بمطالبه من أجل تحسين مردود مزرعته، وكانت النتيجة في بعض المناطق خاصة في بولندا، أن وضع الفلاحين قد انحدر إلى مرتبة قريبة من مرتبة العبودية المحض.
صحيح أن التطور يجر البؤس عادة على أفراد كثيرين، ولكن من الصعب أن ننكر أن التأثيرات العامة والبعيدة الأمد لهذا التطور كانت بالمحصلة تأثيرات جيدة. ورغم أننا مازلنا نجد الكثير من الجياع في أوروبا في عام 1800، فإن أعدادهم في بعض البلاد كان أقل بكثير منها قبل قرون ثلاثة.
وتشكل هذه التطورات منعطفاً تاريخياً هاماً، لأن الزراعة كانت عماد الاقتصاد ومحركه، فإذا استثنينا الثروات المعدنية ومنتجات الأسماك وجدنا أن أكثر المصنوعات والتجارة إنما كانت تعتمد على ما تنتجه الأرض من نبات وحيوان، مثل الجلد لصناعة الأحذية، والصوف لصناعة القماش، والعنب والشعير لصناعة الخمر والجعة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:34 PM
الحكام والرعايا

كتاب تاريخ العالم - الفصل التاسع - بدايات الأزمنة الحديثة

الحكام والرعايا
في عام 1500 كانت أوروبا الواقعة خارج أراضي العثمانيين كلها مسيحية تقريباً، وكان في الشرق ثمة خط يقسم العالم المسيحي إلى شطرين، ينتهي عنده العالم الكاثوليكي التابع لروما وتبدأ المسيحية الأرثوذوكسية، وكانت هناك مناطق على الحدود بين هذين الشطرين في هنغاريا وأوكرانيا ويوغسلافيا السابقة تختلط فيها هاتان الطائفتان، وكنت تجد الأسقفيات الكاثوليكية حتى مدينة فلنيس في ليتوانيا ونهر الدنيستر شرقاً.
أما الأوروبيون الخاضعون لحكم الأتراك المسلمين فكانوا ينتمون عادة إلى إحدى الكنائس الأرثوذوكسية، وسوف يزداد تقدم الإسلام ضمن أوروبا تحت حكم العثمانيين عن طريق اعتناق شعوب البلقان له خلال القرون القليلة التالية، ولكن بالمقابل سوف يزول المسلمون الكثيرون الذين كانوا يعيشون تحت حكم الإسبان في عام 1500.
وكنت تجد اليهود في جميع البلاد الأوروبية تقريباً، وكانت أعدادهم قليلة في بعضها، بينما كان هناك الكثيرون منهم في المناطق الحدودية في بولندا وروسيا، حيث فروا من الاضطهاد على أوروبا الغربية خلال العصور الوسطى، ويسمح لنا هذا الوصف أن نقول أن أوروبا كانت في ذلك الحين هي نفسها العالم المسيحي، أي الجزء من العالم الذي لايسكنه إلا المسيحيون.
أما وصف أوروبا من الناحيتين السياسية والقانونية فهو أمر صعب بكثير، كانت كل من إسبانيا والبرتغال وإنكلترا وفرنسا في عام 1500 تشب الدول الحالية المقابلة لها، وقد ساعدها أن لكل منها حدوداً طبيعية واضحة، فقد كانت شبه الجزيرة الإيبرية منعزلة بفضل جبال البيريه والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ومنذ هزيمة المسلمين، لم يعد من السهل على الغرباء أن يتدخلوا فيها، ولكنها لم تكن تشكل كياناً سياسياً واحداً، لأن البرتغال كان لها ملكها الخاص، وإسبانيا كانت من الناحية القانونية منقسمة إلى مملكتي قشتالة وأراغون ولكل منهما قوانينها وأعرافها ولو أنهما متحدتان تحت حكم الملكين نفسيهما، كما كانت هناك في الشمال مملكة صغيرة مستقل هي مملكة نافار.
وإذا انتقلت إلى الجزر البريطانية، وجدت أن إنكلترا كانت تسيطر على جزيرة بريطانيا تقريباً، لأن ملوكها كانوا قد فتحوا منطقة ويلز الواقعة إلى الغرب منها منذ زمن طويل، ولكن بقيت لها جارة مستقلة في الشمال هي اسكتلندا، وقد اشتركت المملكتان بملك واحد منذ عام 1603، ولكنهما لم تنضما في دولة واحدة هي بريطانيا الكبرى حتى عام 1707، وحتى عندئذٍ بقيت الكثير من قوانينهما مختلفة.
أما جزيرة إيرلندا فقد كان الإنكليز قد فتحوها وضموها إليهم ووضعوها تحت حكم نائب للملك حتى القرن الثامن عشر، وقد ظل ملوك إنكلترا في ذلك الزمان يلقبون أنفسهم ملوكاً على فرنسا، ولو أن هذا اللقب صار بالياً ومن قبيل التبجح، صحيح أن إنكلترا كانت تحتفظ ببقعة صغيرة من الأرض حول مدينة كاليه في شمال فرنسا في عام 1500، ولكن ملوك فرناس كانوا هم السادة الفعليون على الجزء الأكبر من فرنسا الحالية.
ومع هذا لم تكن بعض المناطق الشرقية قد صارت تحت حكمهم بعد، خصوصاً برغنديا وسافوا والإلزاس واللورين، وحتى ضمن فرنسا نفسها كانت هناك بعض الجيوب الصغيرة الخاضعة لحكام أجانب، وأبرزها أفينون التي كان يحكمها البابا.
حكم السلالات
لم يكن الناس قد ابتكروا تعبير الشؤون الدولية بعد في عام 1500، ولكنهم لو استخدموه لكان مبنياً حتماً على مبدأ الأسرة الحاكمة ومصالحها، فقد كانت العلاقات بين الحكام الأوروبيين تتحدد بالدرجة الأولى بصراعات الأسر فيما بينها، من أجل توسيع ميراثها من الأراضي وتدعيمه وحمايته، مثلما كان الأمر منذ قرون عديدة، وكان لأكثر الحكام ادعاءات بأراض في بلاد أخرى عن طريق المصاهرة أو التحدر من عائلة ما.
وكان أكثر رجال الدولة يرون أوروبا بصورة فسيفساء مكونة من الأملاك الشخصية والعائلية، تنتمي قطع الأرض فيها لحكام مختلفين، وبالتالي لواحدة من السلالات الملكية الكبرى، تماماً كما تنتمي المزارع والبيوت في أجزاء مختلفة من البلد الواحد إلى المالك نفسه. وكان المبدأ السائد هو السعي نحو مصالح الأسر الحاكمة وليس مصالح السكان في منطقة معينة، فكان هذا هو المحور الذي تدور حوله السياسة في أوروبا.
وتبرز في هذه القصة اثنتان أو ثلاث من الأسر الكبرى، كانت إحداها تيودر الويلزية، وأول من ارتقى عرش إنكلترا منها هو هنري السابع في عام 1485، كما حاول ابنه هنري الثامن أن ينال عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة بعد سنوات قليلة، ولكن الحقيقة أن ملوك إنكلترا لم يكن لهم بالإجمال وزن كبير في القرن السادس عشر، إلا عندما يتخاصم حكام آخرون فيما بينهم ويطلبون مساعدتهم أو حيادهم.
كانت أسرة فالوا الفرنسية أكثر أهمية منهم، وهي التي كانت تحكم فرنسا منذ القرن الرابع عشر، وطردت الإنكليز تقريباً بعد صراع طويل، وكان أعظم بكثير من أسرة تيودور، وقد استمرت حتى عام 1589، عندما أخذ عرش فرنسا سلالة بوربون الناجحة، التي ترتبط بهم بروابط المصاهرة، إلا أن الأسرة التي كان بهاؤها يفوق كلاً من الفالوا والتيودور في عام 1500 إنما هي أسرة هابسبرغ النمساوية التي سوف تدوم أيضاً زمناً طويلاً بعد زوالهما.
تشكل تقلبات سلالة الهابسبرغ قصة السياسة في أوروبا، حتى عام 1918 بعد أن حكمت النمسا طوال ستة قرون، وقد أصبح أحد أفرادها في عام 1438 حاكماً على ما سمي في ذلك الحين الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية، ثم صارت تسمى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، أو باختصار الإمبراطورية، وكان هذه استمراراً بعيداً لإمبراطورية شارلمان، التي كانت بدورها إحياء لفكرة أقدم منها.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/holy-roman.jpg
الإمبراطورية الرومانية المقدسة
كان جزء كبير من الإمبراطورية واقعاً خارج ألمانيا، ولكن الإمبراطور كان ينتخبه عدد من الأمراء الألمان ومنذ القرن الرابع عشر فما بعد، صاروا يختارون أحياناً رجلاً من أسرة هابسبرغ. وقد استمر العمل بهذا الترتيب مع انقطاع واحد قصير منذ عام 1438-1806، عندما زالت الإمبراطورية الرومانية المقدسة وجاءت بدلاً منها الإمبراطورية النمساوية، ولهذا ظل الهابسبرغ يستخدمون لقب إمبراطور.
فإذا عدت إلى عام 1500 وجدت أن الإمبراطور مكسيميليان كان رأس عائلة الهابسبرغ، وأن زوجته الأولى كانت ابنة دوق برغنديا، وهو واحد من أثرى حكام العصور الوسطى ولم يكن له من ولد يخلفه. لقد سبب موت الدوق اضطرابات كبيرة وزاد خريطة أوروبا تعقيداً، لأن أجزاء تركته قد انتقلت إلى أيد كثيرة مختلفة، ولم يتم هذا إلا بعد نزاعات ومشاكل كثيرة.
والحقيقة أننا نستطيع أن نرى الكثير من أحداث القرن السادس عشر بصورة نزاع طويل بين أسرتي فالوا وهابسبرغ حول ميراث برغنديا، خاصة مقاطعاتها الغنية في الأراضي الواطئة أي التي تقابل تقريباً اليوم هولندا وبلجيكا الحاليتين.
في عام 1519 أصبح ملك إسبانيا وهو من أسرة هابسبرغ رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فضم إمبراطورية إسبانيا الهائلة إلى أراضي الهابسبرغ القديمة، وبدا أن أسرته باتت على طريقها نحو تشكيل ملكية عالمية، هذا الملك هو شارلكان أو شارل الخامس، وهو أول رجل قيل عنه بحق أنه كان يحكم إمبراطورية لاتغرب عنها الشمس.
لقد انضمت أسرتا هابسبرغ وفالوا إلى أسر أخرى في الصراع على إيطاليا، باحثة عن حلفاء وأتباع فيها بين عشرات الدول الأساسية التي كانت شبه الجزيرة مقسمة إليها. كانت بعض الدول جمهوريات أرستقراطية، وأشهرها البندقية التي كانت لها أملاك في قبرص وكريت وجزر بحر ايجه، بينما كان بعضها الآخر ممالك في الحقيقة سواء اعترفت بذلك أم لم تعترف مثل فلورنسا التي كانت جمهورية بالاسم ولكنها في يد أسرة من المصرفيين السابقين هي أسرة مديتشي.
ولم تكن تلك التعقيدات الوحيدة في إيطاليا، فقد كانت أكثر الدول الإيطالية ضمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولكن بعضها كانت خارجها، ومن هذه الأخيرة ثلاث دول على درجة كبيرة من الأهمية هي البندقية، ومملكة نابولي، والدول البابوية التي كان يحكمها البابا كحاكم دنيوي مثل أي أمير آخر في دولته.
الإمبراطورية وأوروبا الشرقية
ولكن خريطة إيطاليا على تعقيدها كانت بسيطة جداً بالقياس إلى خريطة ألمانيا وأوروبا الوسطى، كانت ألمانيا قلب الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وقد سعى الهابسبرغ جاهدين لتحويل الإمبراطورية إلى دولة ملكية مركزية، ولكنهم لم ينجحوا في هذا قط.
كان دستورها في فوضى عارمة، وكان يفترض فيه أن يقدم الجهاز اللازم لإدارة شؤون حوالي أربعمائة من الدول والدويلات والوجهاء بصورة سلسلة، فقد كان هناك مثلاً أمراء هم أتباع إقطاعيون للإمبراطور وأهمهم الأمراء السبعة الذين ينتخبوه، ولكنهم لم يكونوا خاضعين له من أي ناحية أخرى، كما كانت هناك عشرات المدن الإمبراطورية المستقلة، وأراضي أسرة هابسبرغ في النمسا وخمسون أميراً تابعاً للكنيسة يحكمون في أراضيهم مثل الحكام الدنيويين، ومئات من النبلاء الصغار هم الفرسان الإمبراطوريون، الذي لايخضعون للإمبراطور كأتباع إقطاعيين، وأراضي في بوهيميا في جمهورية التشيك الحالية وسيلزيا في بولندا الحالية، تتبع في الحقيقة لعرش هنغاريا وهو خارج الإمبراطورية، وغير ذلك الكثير.
لقد كانت هذه فوضى رهيبة، ولكن الناس كانون يقبلون بها كوضع طبيعي، ولما كان على شارلكان أن يحكم أيضاً إسبانيا وممتلكاتها الهائلة خارج أوروبا فلم يكن ثمة أمل في السيطرة الحقيقية على الأمور.
كان بعض الألمان يعيشون خارج حدود الإمبراطورية، في مملكة بروسيا مثلاً، أما على ساحل بحر البلطيق فكانوا مختلطين بالسويديين والبولنديين، وعلى الطرف الآخر من البحر كانت السويد مملكة مستقلة تضم فنلندا الحالية، وكانت الدنمرك والنرويج تحت حاكم واحد.
وإذا عدت إلى القارة نفسها وجدت أن مملكة ليتوانيا الكبيرة كانت تمتد في غير انتظام مغطية جزءً كبيراً من بولندا الحالية وأوكرانيا وغليسيا الواقعة بينهم، أما روسيا إلى الشرق منها فكانت في طور التوسع، ولكنها لم تكن تغطي بعد إلى النصف الشمالي من روسيا الحالية إلى الغرب من جبال الأورال، ولم يكن قيصرها يعتبر واحداً من حكام أوروبا.
وأخيراً تجد في أوروبا الوسطى مملكة مسيحية مستقلة وكبيرة أخرى هي هنغاريا، الواقعة بين الإمبراطورية والعثمانيين في وادي الدانوب، وكانت بعض أراضيها داخل حدود الإمبراطورية وبعضها خارجها.
اتجاهات جديدة في الحكم
إن الرجال والنساء الذين كانوا يحكمون الوحدات السياسية التي تشكل هذه الفسيفساء المتنوعة من الممالك والأملاك والأمم في القرن السادس عشر لم يعتبروا أنهم أتوا بشيء جديد، وكثيراً ماكانوا يتصرفون بطرق تبدو لنا من أساليب العصور الوسطى، أو أننا لانتوقعها في من الحكام الحديثين.
فقد ظل ملوك فرنسا ينطلقون لغزو إيطاليا تدفعهم روح الفروسية القديمة، بينما حضر ملك إنكلترا هنري الثامن في عام 1520 إلى لقاء دبلوماسي باهر في منطقة فلاندر كان أشبه باحتفالات العصور الوسطى بما يتخللها من مسابقات ومبارزات بالسيوف.
وكان الملوك يحاربون في أغلب الأحيان لمصلحة أسرتهم وليس لمصالح الشعب الذي يحكمونه، وإذا نزلت السلم الاجتماعي إلى مستوى النبلاء، وجدتهم يدافعون عن أنفسهم عندما يشعرون أن الملوك يعتدون على استقلالهم وكرامتهم اللذين طالما تمتعوا بها بحكم العرف والعادة. أما الهيئات التمثيلية التي تعود للعصور الوسطى، ومنها البرلمان الإنكليزي، فكان أمامها هي أيضاً حياة طويلة بعد في بعض دول أوروبا.
ولكن التغيرات السياسية الكبيرة كانت قادمة، فالترتيبات الإقطاعية القديمة التي كانت تحكم أوروبا كلها تقريباً لم تعد لها عندئذٍ أهمية كبيرة إلى الغرب من نهر الراين، وفي بعض البلاد إلى الشرق منه أيضاً.
وكانت هذه العملية قد ابتدأت منذ زمن بعيد في العصور الوسطى، إذ أن المدن لم تكن يوماً جزءً من المجتمع الإقطاعي، وقد نمت نمواً كبيراً في الحجم والأهمية منذ عام 1100، وازدادت أعداد التجار الذين يعيشون فيها، وكان هؤلاء متمتعين بالاستقلال كما كانت ثرواتهم أكبر من ثروات أكثر النبلاء.
إن هذه الضغوط التي كانت تفعل فعلها في المجتمع التقليدي لم تغيره إلى بصورة بطيئة جداً، كما أنها كانت عوامل معقدة جداً، ولكن منذ عام 1500 كانت الترتيبات الإقطاعية وحدها قاصرة عن وصف المجتمع، ولو أنها لم تكن قد زالت تماماً حتى في عام 1800 حيث كان الملوك من ناحية أخرى قد ضاقوا ذرعاً بالأساليب القديمة رغم نزعتهم المحافظة القوية، وكانوا يرغبون في أن يحكموا رعاياهم أن يفرضوا عليهم الضرائب دون أن يتدخل أحد.
فراحوا يستخدمون المحامين لابتكار طرق جديدة لتقويض الترتيبات القديمة، والجنود المحترفين لسحق أتباعهم إذا تمردوا، والموظفين المدنيين لضمان عمل الحكومة ولو عصاهم الوجهاء المحليون، وقد ضعف اهتمامهم بواجباتهم نحو الوجهاء الآخرين بمرور الزمن، فتراهم مثلاً يعاملون رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة رغم مكانته النظرية مثل أي أمير آخر يعمل على تعزيز مصالح سلالته، أي كما كانوا يفعلون هم أنفسهم تماماً.
إن تنافس الملوك فيما بينهم قد جعلهم يسعون لإحكام قبضتهم على أراضيهم، وزاد من توقهم لتحطيم العراقيل القديمة أمام سلطتهم، وقد ساعد هذا الأمر بالتدريج في نشوء مفهوم جديد احتاج الناس زمناً طويلاً كي يقبلوا به، هو مفهوم السيادة.
وجوهر مفهوم السيادة هذا كما هو الحال اليوم، هو ألا توجد ضمن أرض معينة إلا سلطة واحدة لوضع القوانين، وقد بدأت هذه الفكرة بالانتشار في القرن السادس عشر، فكان يقال أنه لايحق لأي إنسان ولو كان الإمبراطور أو البابا نفسه، أن يتدخل بين الحاكم ذي السيادة وبين رعاياه، سواء كان ذلك الحاكم أميراً بمفرده أن مجموعة من الأشخاص، مثل مجلس شيوخ البندقية، كما أنه لايجوز أن تكون هناك قوانين غير الذي يضعها الحاكم ذو السيادة.
سوف يمر وقت طويل قبل أن تصبح هذه الفكرة مقبولة بصورة كاملة وفي كل مكان، وكان من الصعب على الناس أن يقبلوا بصلاحية الحاكم في أن يفعل أي شيء ولو كان معارضاًَ لقوانين الله مثلاً، ولكن هذه الفكرة أضحت مقبولة في أكثر أنحاء أوروبا في عام 1800، ولو استمرت آثار قليلة من الأفكار الأقدم.
وهكذا كان الملوك والأمراء يزدادون قوة وسلطة، إلى أن نشأ أخيراً ما يسمى بالملكية المطلقة، وكان أول مثلا كبير عليها هو إسبانيا، كان شارلكان لقد خلف لابنه فيليب الثاني الجزء الإسباني من أراضي الهابسبرغ عندما تخلى عن العرض في عام 1556، وكان الحكم على عهد هذا الأخير نظرياً على الأقل حكماً مركزياً إلى درجة عجيبة، فكان كل قرار هام تقريباً يحسم من قبل الملك نفسه.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/philipII.jpg
فيليب الثاني
كان فيليب قد بنى لنفسه بناءً هائلاً هو عبارة عن قصر ودير يسمى قصر الإسكوريال بالقرب من مدريد، وقد تراكمت فيه الأوراق الرسمية إذ راح يحاول أن يدير إمبراطوريته العالمية بصورة شخصية، وأن يراقب بنفسه كل شاردة وواردة.
ولكن هذا الأمر كان حلماً بعيد المنال، لأن الحكومات في القرن السادس عشر لم تكن تمتلك وسائل الاتصال ولا القوات اللازمة بحيث يستطيع مركز واحد أن يحكم أراضي تمتد من البيرو إلى البلاد الواطئة،.
إلا أن إسبانيا في عهد الهابسبرغ على كل حال كانت مثالاً بارزاً عن طموحات الملكية المطلقة في القرن السادس عشر، ولو أنها لم تنجح في تطبيقها عملياً، ولقد كان من بين طموحاتها أيضاً هدف جديد، هو أن تضمن انتماء رعاياها إلى ديانة واحدة، وكان موضوع التماثل الديني هذا موضوعاً جديداً لم يشغل بال الملوك في العصور الوسطى، ولكنه بات في عام 1600 أمراً يهم الحكومات في كافة أنحاء أوروبا، والسبب وراء هذا التطور هو الثورة الدينية الهامة جداً التي حدثت في القرن السابق، وهي أبرز العلامات على ظهور أوروبا الحديثة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:37 PM
الكنائس

كتاب تاريخ العالم - الفصل التاسع - بدايات الأزمنة الحديثة

الكنائس
في عام 1500 كانت هناك كنيسة واحدة تضم شمل أوروبا وتعطيها هويتها المميزة لها، إلا أن هذه الحقيقة مالبثت أن تبدلت خلال خمسين عاماً بفعل الإنقلاب الكبير الذي سمي لاحقاً بالإصلاح البروتستانتي.
ويمكننا أن نعتبر هذا التبدل نهاية العصور الوسطى وبداية حقبة جديدة في الحضارة الأوروبية، كما سوف تكون له أيضاً أهمية بارزة في تاريخ العالم، لم يكن هذا الإصلاح متوقعاً، وهذه هي حال الكثير من التغيرات الكبرى، ولو علم الرجال الذين ابتدأوه بشيء من نتائجه الأخيرة لروعتهم.
لقد كان أولئك رجالاً ذو عقليات من العصور الوسطى، ولكنهم حطموا تقليداً قديماً من احترام السلطة الدينية يعود إلى ألف عام مضت، فقضوا بذلك على وحدة المسيحية التي كانوا يؤمنون بها إيماناً عميقاً، كما خلقوا صراعات سياسية جديدة، مع أنهم كانوا يظنون أنهم لايهتمون إلا للأمور الروحية.
ونستطيع اليوم أن نرى أيضاً أنهم كانوا يتخذون أولى الخطوات وأهمها نحو مزيد من حرية السلوك للفرد، ومزيد من التسامح مع الآراء المختلفة، ومزيد من الانفصال بين الناحيتين الدنيوية والدينية للحياة، ولو أنهم في الحقيقة لم يرغبوا بشيء من هذا أو حتى يتوقعوه، ولقد أطلقوا باختصار الشيء الكثير من التاريخ الحديث.
من الناحية النظرية، كانت أوروبا كلها مسيحية منذ أن تم تنصير البرابرة في عصور الظلام، ولاتجد لهذه القاعدة إلا استثناءات قليلة في إسبانيا، حيث كان الملوك المسيحيون في عام 1500 يحكمون عدداً هاماً من الرعايا غير المسيحيين، كما كن هناك في بعض البلاد أعداد قليلة من اليهود يعيشون منفصلين عن المسيحيين في أحيائهم الخاصة الغيتو وكانوا خاضعين للضرائب وغير متمتعين عادة بنفس الحماية التي يتمتع بها المسيحيون.
فعدا عن هذه الحالات الخاصة كان جميع الأوروبيين مسحيين، بل إن أوروبا والمسيحية كانتا كلمتين مترادفتين تقريباً في العصور الوسطى، كان الدين هو الرابطة الوحيدة التي تجمع أوروبا، وكان العالم المسيحي كياناً واحداً غير منقسم يجمعه معتقد واحد وأعمال الكنيسة، التي كانت المؤسسة القانونية الوحيدة الشاملة للقارة برمتها.
كانت قوانين الكنيسة سارية في جميع البلاد عن طريق محاكم قائمة إلى جانب النظام العلمانية وبصورة منفصلة عنه، وكانت كل الجامعات تحت إدارة رجال الكنيسة وإشرافهم. وأخيراً كان الناس في جميع البلاد يتلقون نفس الأسرار المقدسة، وكانت هذه تفرض عليهم نمطاً واحداً من الأحداث الكبرى التي يمرون بها خلال حياتهم من ولادة وزواج وموت.
المصلحون
بالرغم من مكانة الكنيسة التي لاينازعها عليها أحد فإنها كانت دوماً عرضة للكثير من الانتقاد، ولم يكن هذا بالأمر الجديد، فالشرور التي كان الناس يستنكرونها في بداية القرن السادس عشر كانت موضع شجب وانتقاد منذ العصور الوسطى، ومنها جهل رجال الدين وسوء استخدامهم لسلطتهم من أجل مكاسبهم الشخصية، وحياتهم المادية البعيدة عن الأمور الروحية.
ولطالما هاجم هذه العلل رجال الدين أنفسهم، ولطالما هزأ الكتاب وسخروا من الكهنة الذين يفضلون الشراب وملاحقة الفتيات على الاهتمام بواجباتهم الروحية، فكانوا يقارنون الكهنة الفقراء المخلصين لرعيتهم والمتفانين في خدمتها، وبين رؤسائهم الأثرياء المنغمسين في ملذات الحياة. إلا أن هذه الهجمات على رجال الدين لم تكن تعني أن الناس يرغبون بهجر الكنيسة نفسها، أو أنهم يشككون بجوهر الديانة المسيحية.
كان رجال الدين يحاولون منذ زمن بعيد أن يرتبوا أمور بيتهم، وبمرور القرن الخامس عشر صار بعض المنتقدين ومنهم الكثير من الكهنة، يقولون بضرورة العودة إلى الكتاب المقدس لكي يرشد الناس إلى الحياة المسيحية الصالحة، بما أن الكثيرين من رجال الدين قد انحرفوا عنها.
كان هؤلاء عادة يتهمون بالهرطقة، وكانت الكنيسة تمتلك أسلحة قوية لمعالجة أمرهم، ومنهم العالم ويكليف من جامعة أوكسفورد والتشيكي جون هوس الذي أعدم حرقاً، وكانوا يتمتعون بدعم شعبي قوي، ويعتمدون على الشعور القومي لدى مواطنيهم بأن البابوية مؤسسة أجنبية غاشمة.
كما أن بعض الهراطقة كانوا يعتمدون على استياء الناس من الظلم الاجتماعي، ولاننس أن الكتاب المقدس يتطرق كثيراً إلى هذا الموضوع. وقد طاردت السلطات منتقدي الكنيسة من أتباع ويكليف وهوس هذين وضايقتهم، ولكن لم يكونوا هم الذين قوضوا الكنيسة,
لم تكن الكنيسة قد خسرت بعد شيئاً من قوتها وسلطتها القديمتين في عام 1500، بالرغم من التزايد المفاجئ لانتقاداتها، بل استمرت بلعب دورها المحوري على كافة مستويات المجتمع، فكانت تشرف على الأحداث السياسية في حياة الفرد من المهد إلى اللحد وتقولبها في أنماط مألوفة وثابتة.
وكان الدين يتخلل الحياة اليومية إلى حد بعيد ويرتبط بها ارتباطاً لاتفصم عراه، ففي أكثر القرى والمدن الصغيرة مثلاً لم يكن ثمة بناء عام غير الكنيسة، فليس من الغريب إذاً أن يجتمع الناس فيها لإدارة شؤونهم الجماعية، ولكن أيضاً للتسلية والاحتفال والرقص في أيام الأعياد.
ولم يكن تدخل رجال الدين في الشؤون الدنيوية مفيداً دوماً للكنيسة، لأن الأساقفة الذين كانوا يلعبون دوراً بارزاً في شؤون حكامهم كانوا معرضين لخطر الانشغال عن العناية برعيتهم، فالكاردينال الكبير ولسي مثلاً الذين كان رئيس أساقفة يورك ومحظياً لدى ملك إنكلترا هنري الثامن، لم يزر أبرشيته إلا عندما أرسله إليها الملك مخزياً بعد أن خسر حظوته لديه وسلطته.
وكان البابوات أنفسهم شديدي الحرص على مكانتهم كحكام دنيويين، ولما كان العرش البابوي والإدارة البابوي أيضاً قد صارا بأيدي الإيطاليين فإن الأجانب قد شعروا بهذا الأمر بصورة أكثر حدة.
وكانت الكنيسة تعاني أيضاً منذ زمن طويل من مشكلة أخرى، هي استلام الفرد الواحد لمناصب عديدة وقبض ما تقدمه له من رواتب من دون أن يقوم بواجباته نحوها، ويبدو أن الكنيسة قد عجزت عن معالجة هذه المشكلة. ومن أسبابها أن المال لم يكن كافياً، بالرغم من الأبهة التي كان يعيش فيها الكثيرون من الأساقفة ورؤساء الأديرة، وبالرغم من الترف والبذخ في البلاط البابوي بروما. ويروى عن أحد البابوات أنه قال "بما أن الله قد أعطانا البابوية فلنستمتع بها"، فبسبب قلة المال كانت الوظائف توزع على رجال الدين مكافأة لهم على خدماتهم.
وسبب الفقر مصاعب أخرى أيضاً، لقد وصل البابا سيكستس الرابع إلى درجة رهن التاج البابوي، ولم يكن من المألوف أن يبلغ البابوات هذا الحد، ولكن الشكاوى من استخدام السلطتين القانونية والروحية من أجل زيادة مدخول البابوية كانت شكاوى قديمة، وكان سببها البعيد هو الحاجة لإيجاد مصادر جديدة للمال.
كان المال قليلاً في الأبرشيات أيضاً، فصار الكهنة أشد صرامة في جمع الضريبة التي تترتب على أبناء أبرشيتهم، وهي نسبة من منتجاتهم الزراعية تساوي عادة العشر أو 1/12. وقد أدى هذا إلى الاستياء والمقاومة بين الناس، فصار رجال الكنيسة يهددونهم بالحرمان من الأسرار المقدسة ما لم يدفعوا ما يترتب عليهم، وكان هذا تهديداً خطيراً في عصر يؤمن فيه الناس أنه قد يؤدي بهم إلى نار جهنم الأبدية.
وأخيراً كان الفقر من أسباب جهل رجال الدين، ولو أنه لم يكن السبب الوحيد، صحيح أن مستوى التعليم بينهم قد تحسن منذ القرن الثاني عشر خاصة بفضل الجامعات، إلا أن الكثيرين من الكهنة في عام 1500 لم يكونوا أقل جهلاً وإيماناً بالخرافات من أبناء أبرشيتهم.
وفي هذه الأجواء بدأت البابوية بتشييد كاتدرائية جديدة كبيرة في روما، هي كاتدرائية القديس بطرس التي مازالت قائمة هناك، فكان عليها أن تجد طرقاً جديدة لجمع المال، ومن هذه الطرق أنها أرسلت أعداداً أكبر من الباعة المتجولين الذين يبيعون صكوك الغفران. وكان هؤلاء وعاظاً يأخذون من الناس مساهمة مالية لبناء الكاتدرائية، ويعطونهم بالمقابل ضماناً من البابا باختصار المدة التي سوف يقضونها في المطهر، وهو المسكن الذي كان يعتقد أن النفس تتطهر فيه من أشرار العالم وخطاياهم قبل أن تنتقل إلى السماء.
لوثر
كانت تلك هي الشرارة غير المتوقعة التي أشعلت الثورة الدينية، في عام 1517 كان الراهب الألماني مارتن لوثر قد قرر أن يحتج على صكوك الغفران وعلى عدد من ممارسات البابوية الأخرى، ولما كان عالماً من الطراز القديم فقد سار على التقليد السائد بأن علق حججه المؤلفة من خمسة وتسعين بنداً على باب كنيسة القلعة في مدينة فيتنبرغ للنقاش العلني، حيث أنه كان أستاذاً في جامعة تلك المدينة.
وهنا بدأت حركة الإصلاح البروتستانتي، وسرعان ما ترجمت حججه من اللغة اللاتينية التي كتبها بها إلى اللغة الألمانية، فانتشرت في ألمانيا انتشار النار في الهشيم، وأمنت لها الطباعة جمهوراً أوسع مما حظيت به الانتقادات السابقة للبابوية.
كان لوثر يساهم في صنع تاريخ العالم من دون أن يعلم، وكان يتمتع بالمزاج الملائم لهذه المهمة الكبرى، كان سكسونياً ابن فلاح، كما كان رجلاً مندفعاً وانفعالياً، وقد أصبح راهباً في سن الحادية والعشرين بعد انقلاب نفسي عنيف سببته صاعقة من البرق أصابته وهو يسير على الطريق العام، لقد غلب عليه عندئذٍ شعور بالهلع وبأنه إنسان مذنب وأنه لو مات من الصاعقة لما كان جديراً إلا بالجحيم، وصار فجأة على يقين من أن الله يحبه وأنه سوف ينقذه.
ويشبه هذا التحول في سرعته وعنفه تحول القديس بولس عندما كان في طريقه إلى دمشق، وعندما قدم لوثر بأنه غير جدير بأن يكون كاهناً، وقد آمن فيما بعد بأن الشيطان قد ظهر له، بل إنه رماه بمحبرة كانت أمامه، ولكن طبيعة لوثر كانت في الوقت نفسه صلبة لاتلين إذا ما اقتنع أنه على حق، وهذا ما يفسر تأثيره الكبير، وربما كانت ألمانيا بالأصل ناضجة لتقبل أفكار مثل أفكاره، ولكن لولاه لما سلكت حركة الإصلاح الطريق التي سلكتها.
كان هناك في ألمانيا حقد وضغينة شديدان ضد البابوية الإيطالية ينتظران أن يأتي أحد ليحركهما ويستغلهما. وقد تحول لوثر إلى الكتابة والوعظ بإرادة صلبة عندما حاول رئيس أساقفة ألمانيا في ماينز أن يسكته، كما تخلى عنه زملاؤه الرهبان، إلا أن جامعته وقفت إلى جانبه، وكذلك حاكم سكسونيا أي الولاية التي كان يعيش فيها.
وفي النهاية قسمت كتاباته الألمان إلى فريقين، فريق صار يسمى باللوثريين مع أن لوثر سمي في البداية هوسيا، أي من أتباع هوس*، وفريق المؤيدين للبابا والإمبراطور. وقد جاءه الدعم من رجال الدين المستهجنين لتعاليم رجال دين روما وممارساتهم، ولكن أيضاً من أناس بسطاء يحملون المظالم ضد جباة الضرائب ومحاكم الكنيسة، ومن أمراء جشعين طامعين بثروة الكنيسة ومن أشخاص آخرين وقفوا إلى جانبه لسبب بسيط هو أن خصومهم التقليديين قد وقفوا ضده.
لقد وضع لوثر في النهاية آراءه بصورة مجموعة من العقائد اللاهوتية، أي بيانات حول الإيمان يجب على المسيحي أن يتمسك بها لكي يضمن أنه مسيحي حقاً وأنه سوف ينقذ من الجحيم بعد الموت. قال لوثر إن الكنيسة نفسها وحتى الأسرار المقدسة ليست حتمية من أجل الخلاص، وإن الإنسان يمكنه تحقيق الخلاص إذا هو آمن بيسوع المسيح.
وكانت هذه التعاليم على درجة كبيرة من الأهمية، لأنها تعلم أن الخلاص ممكن في المحصلة من دون الكنيسة، وبالاعتماد على علاقة الفرد الشخصية بالله. ولقد قيل أن لوثر أزاح البابا عن عرشه ونصب محله الكتاب المقدس، أي كلمة الله التي يمكن لكل مؤمن أن يسترشد بها من دون الحاجة لوساطة الكنيسة.
إن هذه النظرة التي تشدد تشديداً كبيراً على الضمير الفردي كانت نظرة ثورية، وليس من الغريب أن يكون لوثر قد حرم من الكنيسة، إلا أنه استمر بالتعليم والوعظ وراح يكسب المزيد والمزيد من الدعم.
البروتستانتية والإصلاح المضاد
إن الصراعات السياسية التي أثارتها تعاليم لوثر بين حكام ألمانيا قد اندلعت بشكل سلسلة من الحروب والثورات، وبعد مرحلة طويلة من الاضطراب كان لابد من الوصول إلى تسوية عامة، فعقد صلح أوغسبرغ عام 1555، أي بعد تسع سنوات من وفاة لوثر، واتفق فيه على أن تقسم ألمانيا بين الكاثوليك والبروتستانت، وكانت هذه الكلمة قد صارت مستخدمة بعد توقيع احتجاج Protestation ضد البابوية في عام 1529، فكان حاكم كل دولة يقرر الديانة التي تتبع لها ولايته.
وبهذا أضيفت زمرة جديدة من الانقسامات إلى بلد كانت بالأصل مقسمة، وكان الإمبراطور شارلكان مضطراً للقبول بهذا الترتيب لأنه الطريقة الوحيدة القادرة على تأمين السلام في ألمانيا، مع أنه كان قد كافح المصلحين، وللمرة الأولى اعترف الأمراء ورجال الكنيسة بوجود أكثر من مصدر واحد للسلطة الدينية، وبوجود أكثر من كنيسة رسمية واحدة ضمن المسيحية الغربية.
وكانت قد بدأت تطورات أخرى كان لوثر نفسه يستنكرها، هي تقسم البروتستانتية، إذ راح المزيد والمزيد من الناس يتخذون لأنفسهم آراء خاصة في المسائل الدينية، وسرعان ماظهر بروتستانتيون آخرون لايشاركون لوثر آراءه، وكان أهمهم الفرنسي جون كلفين الذي ظهر في سويسرا.
لقد انشق كلفين عن الكاثوليكية وراح يبشر في ثلاثينيات القرن السادس عشر، وقد نجح نجاحاً كبيراً في جنيف، كما أسس فيها دول ثيوقراطية أي أنها تحت حكم الأتقياء الورعين من أتباعه الكلفينيين.
كانت جنيف مكان شديد التزمت، وكان الهرطقة تعاقب فيها بالموت، ولم يكن هذا بالأمر الغريب في تلك الأيام، ولكن جنيف كانت تتميز بأنها تفرض عقوبة الموت، كما فعل كلفين على الرجل الذي يذهب مع امرأة متزوجة أو المرأة التي تذهب مع رجل متزوج.
إلا أن الكلفينية نجحت نجاحاً كبيراً أيضاً في فرنسا والبلاد الواطئة واسكتلندا، بينما لم تنتشر اللوثرية في البداية خارج ألمانيا التي ولدت فيها إلا في اسكندينافيا. وكانت النتيجة على كل حال مزيداً من الانقسام، بحيث صارت هناك الآن أوروبات ثلاث، اثنتان منها بروتستانتية وواحدة كاثوليكية، عدا عن عدد من الطوائف البروتستانتية الصغيرة.
وسوف تلعب البروتستانتية دوراً هاماً في مستقبل إنكلترا أيضاً، كانت إنكلترا تعيش الكثير من الظروف المناهضة للبابوية التي رأيناها في بلاد أخرى، وكان فيها فوق هذا عامل شخصي جداً، هو رغبة ملكها هنري الثامن بالتخلص من ملكته، لأنه لم تحمل له بابن يرث العرش من بعده. ولكن هنري كان في الحقيقة ابناً مخلصاً للكنيسة، بل إنه قد كتب كتاباً ضد لوثر أكسبه استحسان البابا الذي سماه حامي حمى الإيمان وهو لقب مازالت سليلته تحمله حتى اليوم.
ولقد كان من الممكن جداً أن يتم له ما أراد عن طريق أن يلغي البابا زواجه من هذه الملكة، لولا أنها كانت عمة للإمبراطور شارلكان، الذي تحتاج الكنيسة إلى دعمه ضد الهراطقة الألمان، لهذا ماكانت الكنيسة لتساعده، فتخاصم هنري مع البابا وانشقت إنكلترا عن ولائها لروما واستولى الملك على أراضي الأديرة في إنكلترا، وكان بعض الإنكليز يرجون أن تصبح إنكلترا لوثرية ولكن هذا لم يحصل.
إن هذه النجاحات الكبيرة التي أحرزتها البروتستانتية قد أجبرت كنيسة روما على أن تبدل نفسها من نواحٍ عديدة، وكان الكاثوليك يتمنون أن تعود الأمور إلى سابق عهدها، ولكنهم كانوا يدركون أنهم باتوا الآن مضطرين للعيش بين أشخاص مختلفين عنهم ويدعون أنهم هم أيضاً مسيحيون.
لذلك صارت كاثوليكية روما أكثر تصلباً، أو يمكننا أن نقول أنها صارت أكثر انضباطاً وتنظيماً، وهذا ما يسمى الإصلاح المضاد. وكانت هناك قوى عديدة ساهمت في هذه الحركة، ولكن أهمها كان المجمع المسكوني العام للكنيسة، الذي افتتح في مدينة ترانتو بشمال إيطاليا عام 1545، وظل يعقد جلساته حتى عام 1563.
لقد أعاد مجمع ترانتو تعريف جزء كبير من عقيدة الكنيسة، كما وضع تعاليم جديدة لتدريب الكهنة وثبت سلطة البابا، وقد وجدت حركة الإصلاح المضاد نصيراً بارزاً لها هو الإسباني أغناطيوس لويولا، الذي أسس جماعة جديدة لخدمة البابوية هي جمعية يسوع أو اليسوعيون.
فقد أقرت جمعية اليسوعيين في عام 1540، وكانت مرتبطة بالبابا شخصياً بيمين خاص من الطاعة، وكان اليسوعيون يدربون بعناية كبيرة بحيث يصبحون جيشاً مكوناً من نخبة المعلمين والمبشرين، وكان لويولا مهتماً اهتماماً خاصاً بتنصير البلاد الوثنية المكتشفة حديثاً. وكانوا أكثر الرجال تمثيلاً للروح المحاربة المتصلبة المميزة لحركة الإصلاح المضاد. وكانت هذه الروح موافقة لمزاج لويولا، إذ أنه كان جندياً وكان يعتبر جمعيته تنظيماً عسكرياً، والحقيقة أن اليسوعيين كانوا يسمون أحياناً ميليشيا الكنيسة.
ولم تكن جمعيتهم هذه هي السلاح الوحيد في الترسانة الجديدة للكنيسة، بل كانت هناك أيضاً محاكم التفتيش، وهي المؤسسة التي وضعت في العصور الوسطى لملاحقة الهرطقة ثم أصبحت محكمة الاستئناف الأخيرة في قضايا الهرطقة في عام 1542، فضلاً عن قائمة الكتب الممنوعة والتي وضعت للمرة الأولى في عام 1557.
الدين والحرب
لقد قسمت حركتا الإصلاح والإصلاح المضاد الأوروبيين بصورة مريرة، ولم يتأثر العالم الأرثوذوكسي في الشرق كثيراً، إلا أن جميع أنحاء أوروبا التي كانت كاثوليكية في السابق قد مرت بأكثر من قرن من الصراعات الدينية والصراعات السياسية التي سممها موضوع الدين. وقد نجحت بعض البلاد في اضطهاد أقلياتها حتى قضت على وجودها تماماً، مثل إسبانيا وإلى حد بعيد إيطاليا أيضاً، فبقيت بذلك قلاعاً منيعة للإصلاح المضاد.
وكان الحكام في العادة يتخذون القرارات بأنفسهم فيقبل رعاياهم بقراراتهم، وقد يحاول الأجانب التدخل أحياناً، ولكن إنكلترا البروتستانتية كانت محمية بفضل قنالها، فكان الخطر عليها أقل منه على ألمانيا وفرنسا.
إلا أن الدين لم يكن السبب الوحيد في الحروب التي عرفت بالحروب الدينية والتي خربت جزءً كبيراً من أوروبا بين عامي 1550 و 1648، فقد كان هناك أحياناً كما هي الحال في فرنسا مثلاً صراع على السلطة بين الأسر الأرستقراطية الكبيرة التي ارتبطت بهذا الحزب الديني أو ذاك.
وكان المنتصر الأخير في فرنسا رجلاً من أسرة بروتستانتية هو الملك هنري الرابع، الذي تمكن من الوصول إلى العرش عن طريق اعتناق الكاثوليكية، وهكذا ظلت الملكية الفرنسية كاثوليكية، ولو أن الكثيرين من الهغنوت أي الفرنسيين البروتستانت قد ظلوا يتمتعون بحقوق خاصة، كما سمح لهم بالاحتفاظ بمدن محصنة لحماية أنفسهم وحقوقهم.
كانت البلاد الواطئة تحت حكم إسبانيا، وقد نشبت فيها ثورة بدأها النبلاء المحليون الراغبون بمزيد من الحكم الذاتي، ثم تغيرت طبيعة تلك الثورة شيئاً فشيئاً بتأثير الدين، وفي النهاية شعر الزعماء الأرستقراطيون في المقاطعات الجنوبية، أي بلجيكا الحالية، أن من الأفضل لهم أن يظلوا كاثوليكاً وتحت حكم إسبانيا.
أما المقاطعات الشمالية، والتي تقابل تقريباً مملكة الأراضي الواطئة هولندا الحالية، فقد دخلت في حظيرة البروتستانتية، مع أنها كانت تحوي مجموعة سكانية كاثوليكية كبيرة، وبعد صراع طويل يسموه الهولنديون حرب الثمانين عاماً ظهرت في أوروبا دولة جديدة هي المقاطعات المتحدة، التي كانت اتحاداً فيدرالياً صغيراً من الجمهوريات الصغيرة بقيادة هولندا، وكان تطبق مبدأ التسامح الديني.
إن أبشع استغلال للدين من أجل الأهداف السياسية قد حدث في ألمانيا، فالصراعات الدينية التي سويت في أوغسبرغ عادت فاندلعت من جديد في القرن السابع عشر، عندما حاول إمبراطور من أسرة هابسبرغ مشبع بمبادئ الإصلاح المضاد أن يدفع الكاثوليكية على حساب البروتستانتية، فنتج عن ذلك حرب الثلاثين عاماً الفظيعة، التي استعرت نارها بصورة متقطعة بين عامي 1618 و1648، والتي ضاعت فيها المسائل الدينية في خضم السياسة والمجازر. وقد تحالف في إحدى مراحلها كاردينال فرنسي من كنيسة روما مع ملك السويد البروتستانتي من أجل أن يسحق مصالح أسرة هابسبرغ الكاثوليكية. وفي هذه الأثناء كانت الجيوش تذرع أنحاء ألمانيا مخلفة البؤس والدمار في كل مكان وناشرة الأمراض والمجاعة، وقد فقدت بعض المناطق سكانها، كما أن بعض المدن التي كانت مزدهرة قد اختفت تماماً.
ولم يكن هناك بد من تسوية جديدة في النهاية، فكان صلح فستفاليا الذي أنهى الحرب في عام 1648 وافتتح حقبة جديدة، لقد ظل موضوع الدين حتى في ذلك الحين سبباً مشروعاً للاقتتال بين الدول، وعذراً كافياً لكي يقتل الإنسان جاره أو يعذبه إذا ما انحرف عن جادة الصواب، إلا أن رجال الدولة قد صاروا بالإجمال أكثر اهتماماً بأمور أخرى في تعاملهم بعضهم مع بعض، وصار العالم أكثر تحضراًَ بقليل، عندما عادوا يهتمون بشؤون التجارة والأراضي وابتعدوا عن أمور الدين,
وكانت أوروبا في ذلك الحين أي في النصف الثاني من القرن السابع عشر، مقسمة إلى دول أكثر لاتقبل رسمياً إلا ديانة واحدة هي الديانة السائدة فيها، ولكن بعضها كانت فيها درجة لابأس بها من التسامح، خاصة في إنكلترا والمقاطعات المتحدة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/habsburg.jpg





* يان هوس 1370-1415 مصلح تشيكي دانه مجمع كونستانس وأعدم حرقاً، انتشر مذهبه في بوهيميا ومورافيا وتلاشى بعد 1433 . المنجد في الأعلام.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:39 PM
عالم جديد من القوى العظمى

كتاب تاريخ العالم - الفصل التاسع - بدايات الأزمنة الحديثة

عالم جديد من القوى العظمى
لقد تغيرت طبيعة الحكم في الدول الأوروبية رويداً رويداً في اتجاهات مختلفة، وسوف ننظر هنا في حالات ثلاث منها، هي فرنسا والمقاطعات المتحدة وإنكلترا، كان أنجح الحكام الأوروبيين وأبرزهم قاطبة في تمثيل الملكية المركزية المطلقة هو لويس الرابع عشر، الذي حكم فرنسا في عام 1660 حتى عام 1715 كان قد ورث العرش منذ عام 1643 وهو في الخامسة من عمره، فكان عليه أن ينتظر حتى يبلغ السن القانونية، وما أن استلم زمام الحكم حتى دفع ادعاءات الملكية إلى مراتب لم يبلغها أحد من معاصريه، فانتهت على عهده المتاعب التي كان يسببها النبلاء الفرنسيون، كما أنه صادر الميزات التي كسبها الهغنوت البروتستانت الفرنسيون وقد مكنته الضرائب العالية وكثرة الرجال النسبية في فرنسا من إكساب الجيش قوة لاسابق لها، ومن القيام بسلسلة ناجحة من الفتوحات، أقله خلال النصف الأول من حكمه.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/louis_14_debout_gd.jpg
لويس الرابع عشر
أما في المقاطعات المتحدة الهولندية وإنكلترا فقد سلكت التطورات مناحي خاصة ومتميزة جداً، لم يكن لدى الهولنديين قدر كبير من الحكم المركزي القوي، وكان هذا الأمر ضاراً بالبلاد، لأن المنافسات بين المقاطعات المختلفة كثيراً ما عرقلت تعاونها فيما بينها، من أجل مقاومة الضغوط الخارجية. وكان هذا الضعف ثمن الحرية الواسعة التي كانوا يتمتعون بها، والتي لم يكن لها من مثيل في أي بلد آخر.
كان جوهر هذه الحرية هو الدفاع عن استقلال مجموعات حاكمة صغيرة نسبياً من المواطنين الأغنياء المسيطرين على الحكم في كل دولة، وأهمها تجار أمستردام، عاصمة مقاطعة هولندا، ومركز الحياة التجارية في البلاد. ولكن حرص الأغنياء على حماية حرية المقاطعات قد أمن في الوقت نفسه حرية للمواطن العادي أيضاً، لأن نظرتهم إلى الأمور كانت في العادة مشابهة لنظرة أكثرية رعاياهم، ولأن مصالحهم الاقتصادية كانت موافقة لمصالح المواطنين الأفقر، فالجميع كانوا يعانون مثلاً إذا ساءت الأشغال في أمستردام، وليس الأغنياء وحدهم ولأنهم كانوا حريصين جداً على حريتهم في المتاجرة وكسب المال.
وقد نجحوا نجاحاً بارزاً خلال القرن السابع عشر، رغم اضطرارهم للصراع الشديد ضد لويس الرابع عشر الذي كان يبغض اتجاهاتهم الجمهورية ولكنه يحب أزهار التوليب التي يزرعوها ويشتريها منهم بالملايين كل عام، إلا أن الهولنديين أضحوا في القرن الثامن عشر على عتبة مرحلة من التراجع والانحسار، وكان من أسبابها تلك الضغوط التي فرضتها عليهم أوضاعهم المذكورة، ولن يكونوا بعدها أبداً قوة عالمية هامة كما كانوا في المائة سنة السابقة.
وأما قصة إنكلترا فهي قصة مختلفة كل الاختلاف، كان يلوح في البداية أن أسرة تيودور قد تبني لنفسها ملكية مركزية قوية مثل ملكيات أوروبا، فقد كانت تقاليدها الملكية الوطنية هي الأقدم في أوروبا، كما كان الشعور القومي في إنكلترا أكثر تطوراً منه في البلاد الأخرى.
والحقيقة أن هذا الأمر قد سهل على هنري الثامن أن يقوم بعملية تأميم الكنيسة في إنكلترا، بحيث اندمجت فيها البروتستانتية بالشعور القومي اندماجاً لاتجد مثيلاً له في ألمانيا. إلا أن هنري اعتمد أيضاً في وضع القوانين الجديدة اللازمة على مؤسسة قديمة في إنكلترا، ألا وهي البرلمان، وسوف يكون لهذا الخيار أهمية كبيرة في المستقبل. ولم يكن البرلمان الإنكليزي وحيداً من نوعه في أوروبا، بل كانت هناك هيئات شبيهة في دول أخرى، ولكنها انهارت جميعاً خلال القرون القليلة التالية أمام متطلبات الملكية المطلقة، بينما راح هو يزداد قوة على قوة.
ومن سخرية القدر أن هذه التطورات إنما تمت عن يد سلالة التيودور التي ما كانت لتتمنى شيئاً من هذا القبيل، فعندما طلب هنري من البرلمان أن يقر القوانين المتعلقة بمصير الكنيسة، كان يعترف ضمناً بأن للبرلمان حق التشريع في أمر على هذه الدرجة من الأهمية، ولهذا صار من الصعب جداً على الملوك من بعده أن ينصرفوا في أمور تمس المصلحة الوطنية من دون دعم البرلمان.
والعامل الآخر الذي لعب دوره في تدعيم سلطة البرلمان هو الشك والقلق المحيطان بموضوع الخلافة، إذ أن جميع أولاد هنري لم تكن لهم ذرية، إن حكم الملكة إليزابيث الأولى يعتبر عصراً عظيماً وكان عظيماً بالفعل، إلا أن الملكة كانت تعيش في قلق وخوف دائمين من أن تفقد عرشها ورأسها أيضاً، لذلك قطعت رأس منافستها ماري ملكة الاسكتلنديين لقد كانت الأوضاع ضدها في أوروبا، وكان ثمة أشخاص آخرون يدعون الحق بالعرش وقد ينالون الدعم من الخارج، لذلك كانت إليزابيث حريصة على ألا تعادي رعاياها، فمكنتهم من أن يعبروا أن يعبروا عن أنفسهم خلال البرلمان الذي كان يقر الضرائب، وشيئاً فشيئاً صار من الواضح أن الملكية لايمكنها أن تفرض الضرائب دون موافقة البرلمان على الأهداف التي تجبى تلك الضرائب من أجلها.
كان الملكة إليزابيث تتمتع بشعبية كبيرة، وكانت تسمى تحبباً Good Queen Bess، وكانت بارعة في التعامل مع الناس فاستطاعت أن تخفي الكثير من تلك المتاعب، أما خليفتاها، أي أول ملكين من سلالة ستيوارت، فلم يتمتعا بتلك المزايا، وكان جيمس الأول رجلاً اسكتلندياً لايحب الأساليب التي اعتاد عليها الإنكليز على عهد التيودور أو لايفهمها، وقد انهارت على عهديها علاقات التاج بالبرلمان.
ثم اندلعت في منتصف القرن السابع عشر حرب أهلية كبيرة بينت أخيراً بصورة حاسمة أن إنكلترا لن تتطور نحو الحكم المطلق السائد في القارة مع أنها مرت بفترة من الزمن أضحت فيها جمهورية تحت حكم رجل يتمتع بسلطات ديكتاتورية هو السيد الحامي أوليفر كرومويل، وقد تثبت انتصار الملكية الدستورية، أي المحدودة، في عام 1688 عندما حصلت ثورة بيضاء تقريباً هي الثورة المجيدة، فأزاحت عن العرش جيمس الثاني آخر ملوك الستيوارت، الذي كان يعتقد أنه يحاول عكس التيار السائد منذ قرن ونصف القرن من أجل أن يعيد توطيد الكاثوليكية في إنكلترا.
بعد ذلك صارت إنكلترا تحكم في الحقيقة من قبل ملاك الأراضي المهيمنين على البرلمان، وكما كانت مصالح الأغنياء الحاكمين في الجمهورية الهولندية موافقة لمصالح الكثيرين من الناس، كذلك كان حكام إنكلترا يرعون المصالح الوطنية بصورة جيدة.
كانت الزراعة هي القطاع الأهم في إنكلترا، لذلك فإن ما يناسب صاحب الأرض والمزارع كان في العادة مناسباً للبلاد أيضاً، كما أن مصالح الفئات الأخرى كالمصرفيين والتجار مثلاً لم تهمل؛ مع أنهم كانوا يتذمرون من سياسات الحكومة إلا أنها كانت عادة تأخذ آراءهم بعين الاعتبار.
وبالتدريج صار الإنكليز المتعلمون وغير المتعلمين على حد سواء يشعرون بوجود ارتباط طبيعي بين المزايا الجلية التي يتمتعون بها، من حرية شخصية ومساواة أمام القانون وبروتستانتية وحماية من الملكية المطلقة من جهة، وبين نمو ثروات البلاد من جهة أخرى، ورغم حصول الكثير من النكسات بعد عام 1660 فإن أكثر الإنكليز كانوا مرتاحين ومؤيدين للدستور ولفكرة الملكية المحدودة.
منذ القرن الثامن عشر كان الكثيرون من الأوروبيين معجبين بإنكلترا، أولاً لأنها ليست ملكية استبدادية، بل خاضعة لحكم ممثلين منتخبين وأرستقراطيين، ولو أن أصحاب الأراضي كانوا هم الذين يختارون أولئك الممثلين. وثانياً لأن الإنكليز كانوا يتمتعون بحريات أكبر بكثير في حياتهم الخاصة، فلم يكن من الشائع أن يسجن الأشخاص من دون محاكمة، ولا أن تدخل بيوتهم وتفتش من دون مذكرة قاضي.
صحيح أن الطبقات كانت هامة جداً في المجتمع الإنكليزي، ولكن النبلاء الكبار قد يمثلون للمحاكمة إذا ما ارتكبوا جرماً، مثلهم مثل أي إنسان آخر، هذه الأشياء التي كان الأوروبيون يستغربونها ويعجبون بها كان سببها هي أيضاً أن إنكلترا يحكمها أصحاب الأراضي الذين يعتقدون أن أفضل طريقة لحماية أنفسهم هي أن يدعموا امتيازاتهم بقوانين لايمكن أن يغيرها إلا البرلمان.
وهكذا صار الحكم الدستوري مرتبطاً بواحدة من القوى العظمى كحقيقة إيديولجية في الحياة الدولية.
مواضيع جديدة في العلاقات الدولية
منذ القرن السابع عشر كانت مواضيع النزاع بين الدول الأوروبية قد بدأت بالتغير قليلاً، لقد كان جوهر الصراعات الكبيرة بين سلالة الهابسبرغ من جهة، وسلالتي الفالوا ثم البوربون في فرنسا من جهة أخرى، هو الهيمنة على إيطاليا ثم على ألمانيا.
وقد زاد الدين الأمور تعقيداً في الحالة الثانية، حيث صار الأمراء البروتستانتيون يتطلعون إلى حماية فرنسا الكاثوليكية ضد أباطرة الهابسبرغ الكاثوليك. كما تداخلت هذه الصراعات كلها بالصراع بين الإنكليز والإسبان، الذي ازداد حدة بسبب الدين، والذي غذته المنافسة بين الاثنين في العالم الجديد والخوف من سيطرة إسبانيا على الأراضي الواطئة، فضلاً عن الثورة الهولندية.
كانت هذه الصراعات في البداية إذاً صراعات بين السلالات ومقتصرة على القارة الأوروبية، ولكنها اكتسبت قبل عام 1700 بعداً جغرافياً أوسع وبعداً إيديلوجياً جديداً أيضاً، ويبدو الآن أن البعد الجغرافي ذا أهمية خاصة، لأن الحروب التي خيضت بين عامي 1500 و 1800 قد امتدت إلى كافة أنحاء الكرة الأرضية، وبلغت بقاعاً تبعد آلاف الأميال عن البلاد التجارية، وإن أكبر الحروب العالمية التي جرت في الأزمنة القديمة لتبدو ضئيلة جداً بالقياس إلى نطاق هذه الحروب الجديدة.
وكان تلك أيضاً بداية عصر طويل، استمر على الأقل حتى عام 1917 صارت فيه الصراعات بين الأوروبيين ترسم مصائر الملايين من أبناء الشعوب السوداء والسمراء والصفراء التي لم تكن قد سمعت يوماً بباريس أو بلندن.
ولاريب أن بعض أسباب هذا التطور قد باتت الآن واضحة، مثل سيطرة الأوروبيين المتزايدة على البحار، ونشاطهم الاقتصادي في كافة أنحاء العالم، والمزايا التقنية التي صاروا يتمتعون بها على غير الأوروبيين. لقد مكنتهم هذه الأمور من اختراع كيانات جديدة، هي الإمبراطوريات الممتدة عبر المحيطات والمعتمدة على الاتصالات البحرية، وكان من المحتم أن يؤدي هذا إلى صراعات بين تلك الأمم الأوروبية الضارية في كل ركن من أركان الأرض.
تعود جذور هذه الصراعات بالدرجة الأولى إلى نمو التجارة، التي كانت كما قال وزير فرنسي للويس الرابع عشر " سبب نزاع دائم في الحرب وفي السلم بين أمم أوروبا" فطوال قرنين تقريباً راحت كل من إسبانيا والبرتغال والمقاطعات المتحدة وإنكلترا وفرنسا ترسل سفنها وتبني حصونها من أجل الحفاظ على تجارتها مع البلاد التي استملكتها، أو مع الشعوب التي كانت أول من تاجر معها من بين أهل أوروبا. وإن سواحل هذه البلاد الأوروبية قد منحتها مصائر مختلفة عن مصائر دول أوروبا الوسطى البعيدة عن البحر وعن دول البحر المتوسط، وكان العالم الجديد في الأمريكيتين هو المسرح الأساسي للمنافسات فيما بينها إلا أنه لم يكن بالمسرح الوحيد.
إمبراطوريات المحيطات
كان البرتغاليون والإسبان أول من بدأ ببناء الإمبراطوريات عبر المحيطات، وقد اتفقوا فيما بينهم على اقتسام كل أرض جديدة يكتشفوها في أي بقعة من بقاع العالم من دون أن يستشيروا أحداً، ولو أن البابا قد سمح لهم فيما بعد بضم أي أرض ليست ملكاً لأمير مسيحي.
وقد عقدوا في عام 1494 اتفاقية رسمت خطاً شمالياً جنوبياً على بعد 370 فرسخاً إلى الغرب من جزر الآزور الواقعة في المحيط الأطلسي، وكان الفرسخ يساوي عادة حوالي خمسة كيلومترات، ونص عل أن كل ما يقع على الغرب من هذا الخط سوف يكون لإسبانيا، وكل ما يقع إلى الشرق منه سوف يكون للبرتغال، وهكذا ضمت البرتغال إليها البرازيل لأنها واقعة في الطرف الشرقي، فكانت هي الجزء الوحيد الذي استملكته من العالم الجديد.
ثم عقدوا في عام 1529 اتفاقية ثانية رسمت خطاً جديداً يقع على بعد 297.5 فرسخاً إلى الشرق من جزر ملوك البرتغالية (إندونيسيا الحالية) وأعطت جميع الأراضي الواقعة على طرف المحيط الهادي من هذا الخط لإسبانيا، وجميع الأراضي الواقعة إلى الغرب منه للبرتغال ماعدا جزر الفيليبين التي احتفظت بها إسبانيا فكانت النتيجة الإجمالية لهاتين الاتفاقيتين أن العالم الجديد المؤلف من الأمريكتين قد صار لإسبانيا، بينما آلت الهند والمحيط الهندي وجزر التوابل إلى البرتغال.
ويعكس هذان العالمان إلى حد ما نوعين مختلفين من التوسع الإمبراطوري، فقد اتخذ الأوروبيون أمريكا منذ البداية أرضاً للاستيطان، مع اهتمامهم بالمتاجرة معها وبمنتوجاتها الفريدة، بينما كانت إمبراطورية البرتغال بالدرجة الأولى إمبراطورية تجارية وليست استيطانية باستثناء ساحل البرازيل.
واستمرت الأمور على هذه الصورة لزمن طويل، فكان الأوروبيون يذهبون إلى الأمريكتين بأعداد متزايدة طوال قرون ثلاثة، ولكن قليلون منهم من استقروا في آسيا وإندونيسيا، وحتى الذين استقروا كانوا في العادة مزارعين أو مقيمين إقامة طويلة ولكنهم راغبون بالعودة إلى بلادهم ذات يوم بعد أن يجمعوا ثرواتهم، لهذا لم يكن صراع الأوروبيين في الشرق الأقصى وفي الطرق الأفريقية المؤدية إليه صراعاً على الأراضي، بل على المرافئ والمحطات التي كانوا يتاجرون فيها مع أهل البلاد الأصليين، وكان لابد لهم من احترام الحكام المحليين الذين سمحوا لهم بتأسيس محطاتهم تلك، ولم يكن التوسع الأوروبي في آسيا في مراحله الأولى عادة عن طريق الغزو بل عن طريق الدبلوماسية والتفاوض.
كان الشرق في القرن السادس عشر خاضعاً لهيمنة البرتغاليين، وكان ملكهم قد منح نفسه لقباً فخماً هو "سيد الفتوحات والملاحة التجارية في الحبشة وبلاد العرب وفارس والهند" وإلى الجنوب من جزر الرأس الأخضر كابوفرده كانوا يحتكرون التجارة حتى المحيط الهندي ومنه إلى جزر التوابل.
فكانوا يحملون البضائع بين بلاد آسيا، مثل السجاد الفارسي إلى الهند، وكبش القرنفل من جزر ملوك إلى الصين، والقماش الهندي إلى سيام (تايلاند) وقد تغلبوا على منافسيهم العرب من قواعدهم عند مدخل البحر الأحمر والخليج الفارسي. وكان هذا كله يرتكز على قوتهم البحرية وعنايتهم الكبيرة بعلاقاتهم الدبلوماسية بالحكام المحليين، فوضعوا بذلك نمطاً سار عليه الأوروبيون في المحيط الهادي وآسيا طوال القرنين التاليين.
إلا أن البرتغاليين فقدوا هيمنتهم هذه عند نهاية القرن السادس عشر عندما أزاحهم الهولنديون وأسسوا شركة للهند الشرقية في عام 1602 بهدف الحلول محلهم في تجارة التوابل مع أوروبا وهي غنيمة ثمينة، وقد نجحوا في مسعاهم هذا بمهارة وقسوة كبيرتين، وما إن أزاحوا البرتغاليين حتى راحوا يقاتلون الإنكليز بشراسة لإبعادهم عن جزر التوابل، ونجحوا في هذا الأمر أيضاً نجاحاً كبيراً، وهكذا كانوا في عام 1700 قد بسطوا هيمنتهم على كافة إندونيسيا الحالية.
وفي هذه الأثناء كان قد ظهر عدد من المحطات الإنكليزية المتفرقة حول سواحل الهند، تمتد من غجرات حتى كلكوتا، بينما احتفظ البرتغاليون ببعض محطاتهم الأقدم في شبه القارة، وكان للفرنسيين والدنمركيين أيضاً مواطئ أقدام فيها.
ويمكنك ملاحظة الاهتمام المتزايد للأوروبيين بشؤون الأراضي الواقعة خارج قارتهم من خلال محطات زمنية ثلاث. فإذا بدأت بمعاهدات السلام التي عقدت كما رأيت في فستفاليا في عام 1648 لم تجد فيها كلمة واحدة عن الشؤون غير الأوروبية. ولكن بعد أقل من ثلاثين سنة أي في عام 1667 كانت معاهدة بريدا بين الإنكليز والهولنديين الفرنسيين مهتمة بالشؤون الخارجية (خارج أوروبا) مثل اهتمامها الشؤون الداخلية (داخل أوروبا)، وكانت تلك نهاية الحرب الثانية من حروب بحرية ثلاث بين إنكلترا والمقاطعات المتحدة حول التجارة.
وبعد سبعين سنة من ذلك أي في عام 1739، خاضت المملكة المتحدة وإسبانيا حرباً حول مسألة لاعلاقة لها بأوروبا، هي حرب أذن جنكيز، فكانت تلك أول حرب تنشب بين دولتين أوروبيتين بسبب مسألة خارجية، ويمكننا اعتبارها خاتمة مرحلة مابرحت أهمية الشؤون البعيدة تنمو فيها حتى أصبحت مساوية في نظر الدبلوماسيين لأهمية الشؤون الأوروبية المألوفة.
لقد حدثت حرب أذن جنكيز لأن البحارة الإنكليز كانوا يحاولون منذ عقود عديدة أن يخترقوا التجارة مع المستوطنات الإسبانية، وأن ينالوا منها أكثر مما يحق لهم بحسب المعاهدات المعقودة، فكانت الأساطيل الإسبانية تحاول القبض عليهم، وعندما تنجح في ذلك كان تعاملهم معاملة قاسية وهكذا فقد القبطان جنكيز أذنه على زعمه، وكان النزاع يدور حول غنيمة ثمينة، هي الحق ببيع البضائع لسكان الإمبراطورية الإسبانية.
كان الإسبان يرغبون بالاحتفاظ باحتكارهم لتلك التجارة، ولكن حاجتهم لدعم مصالح الهابسبرغ في أوروبا كانت دوماً تعيقهم عن إحراز هذه الغاية وتضطرهم لإبقاء قواهم مقسمة، فلم تكن إسبانيا قادرة على التخلي عن إمبراطوريتها عن المستوطنات لأنها معتمدة على مواردها، وفي الوقت نفسه، لم تكن قادرة على الحد من ثرواتها في المشاكل المكلفة التي كانت سلالة الهابسبرغ متورطة بها في أوروبا.

التنافس بين الإمبراطوريتين الإنكليزية والفرنسية
لقد كانت أوضاع الإنكليز أفضل من الإسبان، صحيح أنهم كانوا متورطين في أوروبا ولكن تورطهم لم يبلغ تلك الدرجة من العمق، ثم إن إنكلترا قد اتحدت باسكتلندا في عام 1707، فأصبحت بذلك الجزيرة كلها دولة واحدة، ولم تعد تخشى أن تغزى عبر حدودها البرية.
وكان مرسوم الوحدة في ذلك العام معلماً هاماً لا من الناحية الدستورية فقط، بل أيضاً لأنه مرحلة هامة في النزاع الطويل بين إنكلترا وفرنسا، الذي صار الآن متداخلاً بالمشاكل بين إنكلترا وإسبانيا.
عندما حدثت الثورة المجيدة كما ذكرنا في عام 1688، وأزاحت الملك جيمس الثاني عن العرش، وكان آخر ملوك الستيوارت في إنكلترا، حل محله ويليام الهولندي (ويليام أوف أورانج) وزوجته الملكة ماري ستيوارت ابنة الملك السابق، فصارت إنكلترا عندئذٍ تساند الهولنديين ضد لويس الرابع عشر بعد أن كان هؤلاء أعداءها اللدودين منذ سنوات قليلة فحسب.
ثم اندلعت بعد ذلك حروب عديدة كانت أهمها هي حرب الخلافة الإسبانية فقد مات ملك إسبانيا، وهو من سلالة هابسبرغ في عام 1701 من دون أن يخلف وريثاً للعرش، وكان لكل من فرنسا والنمسا ادعاءات بتاج إسبانيا، وهو بلاريب غنيمة كبيرة، وكانت فرنسا مثل إسبانيا مضطرة للقتال في أوروبا كما في البحر، حيث كان لويس الرابع عشر في حالة حرب ضد تحالف ترأسه ملكية هابسبرغ.
لقد انتهت حرب الخلافة الإسبانية في عام 1713 بصلح أوترخت الذي قسم الخلافة الإسبانية، فأخذت أسرة هابسبرغ النمساوية الأراضي الواطئة، بينما سمح لأمير فرنسي بأن يصبح ملكاً على إسبانيا وإمبراطوريتها بشرط ألا يتحد تاج إسبانيا بتاج فرنسا أبداً.
وفي نفس الصلح كسبت المملكة المتحدة الكثير من الجزر الكاريبية الفرنسية، وكانت قد بدأت بأخذها من منافسيها منذ خمسينيات القرن السابع عشر، عندما استولى كرومويل على جمايكا من الإسبان بالإضافة إلى جزء جديد من أمريكا الشمالية كئيب ولكنه هام استراتيجياً هو أكاديا، التي سميت الآن نوفا سكوتيا أي اسكتلندا الجديدة، كما كسب البريطانيون الحق بالمتاجرة مع المستوطنات الإسبانية عن طريق إرسال سفينة واحدة في العام إلى بورتوبلو، فكان هذا تنازلاً سوف يستخدمونه مثل إسفين لفتح التجارة بصورة أوسع.
وقد أدى هذا في عام 1739 إلى حرب أذن جنكيز التي سرعان ماتورطت فيها فرنسا وبروسيا من طرف والنمسا وبريطانيا من الطرف الآخر، وقد تحارب البريطانيون والفرنسيون في الهند، حيث كانت شركة الهند الشرقية الفرنسية في أربعينيات القرن الثامن عشر تتدخل في السياسة المحلية تدخلاً حثيثاً من أجل أن تحاول التغلب على منافسيها والتفوق عليهم.
وكان الفرنسيون قد وسعوا نشاطاتهم كثيراً في أمريكا الشمالية أيضاً، حيث أسسوا مرافئ قرب مصب نهر الميسيسيبي، وهو مدخل شبكة الأنهار الهائلة المسيطرة في وسط القارة، وكانت إحدى حملاتهم في بداية القرن الثامن عشر قد اندفعت ضمن هذه المنطقة من الجنوب، بينما نزلت إليها حملات أخرى آتية من منطقة البحيرات الكبرى في الشمال.
شعر المستوطنون البريطانيون المقيمون على الساحل الشرقي حينذاك أنهم باتوا بين فكي كماشة هائلة، وأن الفرنسيين يبغون أن يعزلوهم ويمنعوهم من الامتداد نحو الداخل، ولكن الفرنسيين لم يستقروا في الحقيقة في وادي الميسيسيبي، ولم تكن لهم أراضي ثابتة في الداخل. إلا أنهم كانوا قد بنوا عدداً من الحصون في نقاط إستراتيجية هامة، فكانت هذه بدايات مدن سوف تظهر في المستقبل، مثل سانت لويس في عام 1862، وممفيس في نفس العام، ودوترويت في عام 1701، ونيوأورليانز في عام 1718، كما أنهم سلحوا الهنود وشجعوهم على محاربة البريطانيين، وكان من الواضح أنهم لن يتخلوا عن المناطق الداخلية من دون صراع.
ولم يتوقف القتال في الهند وأمريكا قط رغم عقد صلح صوري جديد في أوروبا في عام 1748، وكانت إسبانيا قد أضحت الآن قوة ثانوية، وقد اندلعت عام 1756 حرب جديدة بين فرنسا وإنكلترا وكان النزاع فيها يدور حول كل من الهند وكندا. وتسمى هذه الحرب حرب السبع سنوات لأن الصلح عقد من جديد في عام 1763، وقد حسم فيها مصير الهند وكندا، كما حسم في الوقت نفسه مصير الأراضي التي كانت بروسيا حليفة البريطانيين والنمسا حليفة الفرنسيين تتنازعان عليها في ألمانيا.
وبلغت الحرب ذروتها بالنسبة لبريطانيا على عهد حكومة كان يرأسها ويسيطر عليها ويليام بت ، الذي يحق له أن يقول أنه أول رجل دولة بريطاني ألم إلماماً تاماً بإمكانيات السلطة الإمبراطورية.
لقد قال بت في ألمانيا أنه يريد كسب كندا عن طريق حمل حلفائه على تطويق الفرنسيين فيها ومنعهم من التوسع، وقد نجح ذلك بالفعل، وكان بعض الإنكليز يرجون أن يأتي الصلح أشد قسوة، ولكنه على كل حال قد ضم كندا إلى بريطانيا، كما جعل الهند آمنة لعمل شركة الهند الشرقية البريطانية. وصارت هناك سلسلة من الجزر البريطانية أضيفت إليها الآن جزر جديدة تطوق البحر الكاريبي بالكامل تقريباً، الذي تكاثرت فيها المستوطنات البريطانية في جمايكا وهندوراس وساحل بليزه.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:41 PM
أوروبتان

كتاب تاريخ العالم - الفصل التاسع - بدايات الأزمنة الحديثة

أوروبتان
بينما كانت الخصومة في الغرب بين أوروبا الكاثوليكية وأوروبا البروتستانتية قد توسعت بسرعة إلى صراعات عالمية تعدت مجال السلالات ومصالحها، كانت مجموعة مختلفة وجديدة من العوامل قد دخلت في حسابات الدبلوماسيين في أوروبا الشرقية.
كانت أوروبا الشرقية منطقة شاسعة ليس لها شكل أو قوام واضح، وكانت منذ قرون طويلة ساحة اقتتال بين الشعوب التوتونية والسلافية، كما كانت في الوقت نفسه منطقة مجابهة بين ثقافات أجنبية عديدة، فكان العثمانيون يضغطون عليها من الجنوب، وكان ملوك السويد الراغبون بتوسيع أراضيهم إلى الجنوب من بحر البلطيق يتدخلون في شؤونها خلال القرن السابع عشر.
ولكنها مرت بتطورات ثلاث أعطتها بالتدريج طابعاً خاصاً ومميزاً لها، أول تلك التطورات هو زيادة امتداد عبودية الأرض فيها، وترسخها في السهول الشمالية لشرق ألمانيا وبولندا وروسيا وفي وادي نهر الدانوب، وثانيها القضاء على المعالم السياسية القديمة التي تعود للعصور الوسطى، مثل جمعية فرسان التوتون ومملكتي بولندا وهنغاريا، أما ثالثها فهو بزوغ ثلاث من القوى العظمى المعتمدة على السلالات الملكية وهيمنتها في المنطقة ألا وهي بروسيا الهوهنزولرن، ونمسا الهابسبرغ، وروسيا الرومانوف.
لم تكن بروسيا في عام 1500 إلا دوقية صغيرة على بحر البلطيق خاضعة لملوك بولندا، وقد استولى عليها في القرن السادس عشر سلسلة من الحكام العسكريين من براندنبرغ، وهي إحدى الدول التي كان حكامها ينتخبون رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ثم راحوا يوسعون أراضيهم بصورة مطردة.
وصارت هذه الدولة تعرف بأنها تحوي أفضل جيش في أوروبا وأفضل خدمة مدنية فيها، لقد صد حكامها السويديين في القرن السابع عشر، وعرف أحدهم في القرن الثامن عشر بفريدريك الكبير، الذي كان أول من تحدى هيمنة الهابسبرغ من بين الأمراء الألمان، وقد ابتدأ صراعاً مع النمسا استمر حتى وقت متقدم من القرن التالي، ولو أنه كان صراعاً متقطعاً.
أما النمسا أو بالأصح ملكية هابسبرغ، فقد واجهت تحدي الفرنسيين في إيطاليا أولاً، ثم تحدي الفرنسيين والبروسيين على التوالي في ألمانيا، وأخيراً أبعدتها معاهدة أوترشت عن إسبانيا وإمبراطوريتها. لذلك حصرت طموحاتها بالتدريج بأوروبا الوسطى والشرقية، وقد حازت على مكاسب كبيرة مع تفسخ بولندا وتراجع الإمبراطورية العثمانية.
وأما روسيا فقد نالت هي الأخرى مكاسب كبيرة، وكان بزوغها هو التغير الأهم من بين التغيرات التي طرأت على الشرق إطلاقاً، ولسوف تصبح في عام 1800 أكبر قوة عسكرية في أوروبا، وهو تطور ماكان ليخطر ببال إنسان في عام 1500.
لقد بقي قلب الإمبراطورية الروسية الجديدة هي إمارة موسكوفيا القديمة، وكان أمراء موسكوفيا حكاماً أوتوقراطيين مطلقين، ولقد سار الحكم في روسيا على تقاليدهم هذه وعلى تقاليد التتار، وليس على التقاليد الأكثر جمهورية في نوفغورود مثلاً؛ وكان الأمر على درجة كبيرة من الأهمية.
كما انتقلت إلى موسكو بطريركية الكنيسة الأرثوذوكسية، أي رئاستها، من موقعها القديم في فلاديمير وألقت الكنيسة بوزنها في كفة أمراء موسكوفيا.
يذكر القارئ أن إيفان الثالث وخلفاءه قد ضموا أراضي شاسعة، وقد أضيفت إليها أراضي جديدة في النصف الأول من القرن السابع عشر، خاصة سيبيريا، ولقد بدلت هذه التوسعات الخريطة تبديلاً هائلاً، ولكنها لم تؤثر كثيراً في أوروبا، لأن موسكوفيا كانت بعيدة جداً وكان الاتصال بها ضئيلاً للغاية.
ورغم تقاليد الحكم المطلق فيها فقد كانت في القرن السابع عشر في حالة من الفوضى، لأن الحكم المطلق بحاجة إلى حاكم قوي، لقد استلمت العرش في عام 1613 سلالة جديدة من سلالة الرومانوف، إلا أن التحسينات التي أتت بها كانت بطيئة جداً.
ولكن في عام 1682 ارتقى العرش حاكم فذ مصمم على توسيع إمبراطوريته فوق اتساعها، وعلى تبني أساليب أوروبا الغربية ألا وهو بطرس الكبير، مازالت أعظم الصروح التي خلفه هي مدينة سانت بطرسبرغ، التي أسسها في خليج فنلندا، والتي ظلت عاصمة روسيا منذ عام 1715 حتى عام 1918، وكانت هذه المدينة رمزاً لعملية التغريب التي قام بها بطرس، أي تحديث بلاده عن طريق استعارة أفكار الغرب، إذ أنه كان أول المصلحين الاستبداديين الكثيرين الذين تطلعوا إلى الغرب بحثاً عن طرق للتغلب على تخلف بلادهم.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/Saint_Petersburg_In_Europe.jpg
موقع مدينة سانت بطرسبرغ أوروبا
كما أنه أحكم قبضة روسيا على ساحل البلطيق، وقضى على خطر السويديين، الذين ظلوا يهددون البلاد طوال القرن السابع عشر، وانتزع منهم كلاً من لاتفيا وإستونيا وكاريليا. إلا أن نجاحه كان أقل بكثير مما كان يأمل، وقد عجز عن الاحتفاظ بآزوف، وهي أول منفذ لروسيا على البحر في الجنوب، إذ استردها العثمانيون بعد سنوات قليلة.
كانت روسيا في الداخل بلداً محافظاً جداً، وقد بقيت كذلك لزمن طويل، ورغم أهمية التجارة في الأيام العظيمة لكييف روس ونوفغورود فقد ظلت طبقة التجار فيها صغيرة وظلت مدنها قليلة. وكانت أكثر الحرف تمارس فيها على مستوى بسيط من قبل الفلاحين، وليس من قبل أشخاص مختصين كما في الغرب، وكان السواد الأعظم من سكانها فلاحين.
وكانت التجارة المحلية كثيرة، ولكنها تعتمد على المقايضة، وقد جرت بعض المحاولات المقصودة لتشجيع التصنيع، كما في عهد بطرس الكبير، إلا أنها لم تغير المجتمع مثلما غيره قدوم الصناعة في أوروبا الغربية، ولم تعط طبقة وسطى جديدة بين طبقتي النبلاء والفلاحين مكونة من التجار والمصنعين الأغنياء الساعين لتأمين مصالحهم الخاصة، بل بقيت الصناعة مرتبطة بالنظام الحاكم، فكانت الدولة هي التي تقرر أن تفتتح منجماً أو تؤسس مصنعاً، وليس رجال الأعمال المستقلون؛ وقد جعل هذا الأمر روسيا مختلفة جداً عن أوروبا الغربية.
وربما كان الأمر الأكثر لفتاً للأنظار هو اعتماد روسيا الكبير على عبودية الأرض، حتى بالقياس إلى بقية أوروبا الشرقية، فمع اقتراب عام 1800 كان العدد المطلق أي الكلي لعبيد الأرض في ازدياد مضطرد، وكذلك نسبتهم إلى بقية أفراد المجتمع الروسي، وقد بلغت هذه النسبة في ذلك الحين حوالي الثلثين، وكانت السلطات القانونية التي بأيدي ملاك عبيد الأرض هؤلاء في ازدياد أيضاً.
لقد بلغ التباين بين أوروبا الشرقية أوروبا الغربية أشد درجاته حدة في روسيا، بالرغم من الحياة المتغربة السطحية التي كنت تراها في البلاط وبين الطبقة الأرستقراطية في العاصمة الجديدة بطرسبرغ، التي ابتناها بطرس على بحر البلطيق ومنحها لبلاده نافذة على الغرب، والتي لم تكن في الحقيقة بأكثر من ذلك.
وبالرغم من قوة روسيا الكبيرة ومن محاولات بعض خلفاء بطرس لتحديثها في القرن الثامن عشر، فقد بقيت قلب منطقة هائلة تضم أيضاً جزءً كبيراً من ألمانيا الشرقية وأوروبا الوسطى وبولندا، تراكمت فيها قرون متطاولة من التجارب التاريخية التي أنتجت اقتصاديات وحكومات وثقافات بعيدة كل البعد عن مقابلاتها في الغرب.
وكانت روسيا نفسها بتقاليدها البيزنطية والتترية هي المثال الأقصى على ذلك، فهي لم تمر لا بحركة النهضة ولا بحركة الإصلاح البروتستانتي، وسوف تفوتها بعد تجارب تاريخية كبيرة جعلت الغرب يتباعد عنها أكثر فأكثر مع تسارع وتيرة التحديث بعد عام 1700، وكانت عبودية الأرض هي العلامة الدالة على هذا التباعد.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:48 PM
نظريات وقيم جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

نظريات وقيم جديدة
لقد مهدت القرون الممتدة بين عامي 1500 و 1800 الطريق لحدوث تغيرات شاملة وعنيفة ومتسارعة، فكانت بالتالي تمهيداً لظهور العالم الحديث، وتعود تلك التغيرات جزئياً لأفكار أوروبا الحديثة، وكانت تلك الأفكار بالطبع مقتصرة على عدد قليل من الرجال والنساء كانوا رواد الكتابة والأدب والعلم في عصرهم، وربما انحصر تأثيرهم في أيامهم بأعداد قليلة من الناس، بل ربما لم يسمع بهم إلا القليل منهم، لهذا لايجوز أن نعتبر أفكارهم صورة لأفكار الناس عامة.
إننا نعيش اليوم في عصر بلغ فيه العلم مكانة عالية جداً، ونراه يأتي كل يوم بمعجزات جديدة تشهد على قدرته على تغيير العالم، ومع هذا مازال الكثيرون منا يؤمنون بالخرافات، أو يتصرفون وكأنهم يؤمنون بها، فيصالبون أصابعهم مثلاً استجلاباً للحظ السعيد، أو يتجنبون السير تحت السلم بدافع التشاؤم، أو يقرؤون ما يكتبه المنجمون في الصحف من أجل التنبؤ بالمستقبل، أو يختارون يوماً ميموناً لعقد زواج أو للقيام برحلة.
لقد تغيرت أفكار الأوربيين إذاً تغيرات هامة، ثم تبعتها أفكار الشعوب الأخرى من بعدهم، فطرحوا زمرة قديمة من المعتقدات وتبنوا زمرة جديدة منها، ولكن لايجوز أن ننسى أن لهذا التغير حدوداً أيضاً، كما نرى من هذه الخرافات.
في عام 1800 كانت نظرة الأوروبيين المتعلمين إلى الماضي قد تغيرت، وكان من تأثيرات النهضة أنها جعلتهم يهتمون بعقد المقارنات. فبدأ في القرن السابع عشر الجدال حول ما إذا كانت البشرية قد أتت بإنجازات أرقى في الأزمنة القديمة، وبمرور الزمن صار الجدال يدور حول ما إذا كانت حضارات أخرى قد بلغت ذرى أعلى من الحضارة الأوروبية، خاصة الحضارة الصينية.
وفي بداية القرن التاسع عشر بدأ الناس يشعرون أن العصور الوسطى كانت أغنى مما يصفها منتقدوها، وأنها لاتخلو من نواح جديرة بالإعجاب، وكان هذا تطوراً إيجابياً من وجهة نظر المؤرخ، لأن الناس صاروا ينظرون إلى الماضي بعناية أكبر، ولو أنهم مازالوا بعيدين عن رؤية طبيعته الحقيقية.
ثم كان هناك أيضاً تغير آخر جديد يجري في الوقت نفسه وهو من أهم التغيرات التي حدثت في نظر الأوروبيين، فحوى هذا التغير هي انتشار القناعة بينهم بأن البشرية تتقدم إلى الأمام، وأن التاريخ يدل على نمط من التطور المستمر، فصاروا يعتقدون أنهم أكثر تطوراً في الحضارة والذوق والمعرفة والعلم والفن من أي عصر قبلهم، بل صار بعضهم يعتقدون أيضاً أن أحفادهم سوف يكونون بدورهم أكثر منهم تقدماً، أي أن العالم باختصار كان يتحسن بصورة مستمرة.
وكان هذا تحولاً هائلاً بالقياس إلى النظرات التي كانت سائدة في العصور الوسطى، والتي كانت تشدد على أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، وأنه مامن سبيل لتغييرها.
تكمن بعض جذور هذه النظرة الجديدة في عملية إحياء الآداب الكلاسيكية التي ابتدأت قبل عام 1400 وبلغت ذروتها في القرن السادس عشر، عندما راح المعجبون بالآداب والفنون الكلاسيكية ينهلون من معين اليونان وروما ويرفعونها إلى أعلى المراتب.
كان هؤلاء يسمون إنسانيين، وقد بدأوا يشددون على قيم مأخوذة من العصور الكلاسيكية القديمة لاعلاقة لها بالمسيحية، بل قد تعارضها أحياناً. ولنأخذ مثالاً بسيطاً على ذلك تشديد المسيحية الكبير على إظهار الوداعة والتواضع، فهي تقول أنه إذا ضربك إنسان على خدك الأيمن فلتدر له خدك الأيسر، أما الإغريق والرومان فلم يكونوا يمتدحون هذا النوع من السلوك.
فكان من تأثيرات إحياء الثقافة الكلاسيكية أنها أوحت لبعض الناس أن المعايير والقيم غير المسيحية قد تقدم لهم أفكاراً جديدة، فساهمت بذلك في عملية الابتعاد عن الماضي، وفي إضعاف الأفكار التي ظلت تضم الثقافة الأوروبية لقرون عديدة، وأدت مثل حركة الإصلاح البروتستانتية إلى حضارة أكثر تنوعاً وأكثر علمانية.
ولكن لايجوز كما قلنا أن نبالغ بتأثير هذه الأفكار في أيامنا، فالإنسانيون الذين أعجبوا بالقيم الوثنية وقدموها على القيم المسيحية كانوا أقلية، بل أقلية صغيرة جداً، ضمن عالم الناس المعلمين، وكانوا هؤلاء بدورهم أقلية صغيرة جداً في أوروبا.
وكان أكثر الإنسانيين يجدون حبهم للثقافة الكلاسيكية منسجماً كل الانسجام مع معتقداتهم المسيحية، وربما كان أشهرهم الهولندي إراسموس من مدينة روتردام، الذي كانت غايته الأساسية في إتقان معارفه هي أن يستخدمها لتقديم نصوص دقيقة من كتاب العهد الجديد وأعمال آباء الكنيسة.
قدوم الطباعة
لقد توفرت للكتاب الإنسانيين والدينيين على السواء منذ القرن الخامس عشر أداة جديدة لنشر أفكارهم، ألا وهي الطباعة. فقد اجتمعت في أوروبا للمرة الأولى الحروف المعدنية المتحركة والأحبار الزيتية والمطابع المحسنة، وكان البطل الحقيقي لهذا الإنجاز الكبير هو الألماني غوتنبرغ، الذي أدت به هذه المغامرة إلى الإفلاس، إلا أن إنجازه كانت له تأثيرات هائلة، فقد مكن مثلاً من انتشار ترجمات إراسموس اليونانية للعهد الجديد إلى أعداد أكبر من الناس، وبسرعة أكبر أيضاً من أعمال الكتاب الذين سبقوه.
لقد قدم إراسموس نصاً أدق من أي نص قبله، وبالتالي أساساً أفضل بكثير لمناقشة المعاني الحقيقية للعهد الجديد، ولم تكن أولى الكتب المطبوعة من الكتب الجديدة أو الجريئة، بل إن أكثر كتاب طبع في الأيام الأولى لهذا الاختراع هو الكتاب المقدس.
وكان الناس يطلبون أيضاً غيره من الأعمال المعروفة لكبار علماء اللاهوت والمحامين، والنصوص المشهورة للكتاب القدامى، ولكن ليس الكتب الحديثة. ومع هذا كانت المطبعة ذات أهمية عظيمة في بث الأفكار الجديدة، خاصة الأفكار العلمية منها، بين الأعداد القليلة من الأفراد المهتمين بها.
لقد ساعدت الطباعة كثيراً على انتشار المعرفة في أوروبا، صحيح أن أكثر الأوروبيين كانوا أميين حتى في عام 1800 إلا أن معرفة القراءة والكتابة كانت أكثر شيوعاً بكثير بين الأغنياء مما كانت عليه قبل ثلاثمائة عام، وحتى غير القادرين على القراءة كانوا يأتون بمن يقرأ لهم الكتب بصوت عال.
كانت تلك الكتب مكتوبة باللغة المحلية، وقد ظل المثقفون يكتبون باللاتينية لزمن طويل، لأنها كانت لغة العلوم في كل مكان، ولكن ظهرت في الوقت نفسه أعداد متزايدة من الكتب المنشورة باللغة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية وغيرها من اللغات الأوروبية.
وكما ساعد اختراع الكتابة في غابر الزمن في تثبيت اللغة ضمن أنماط معينة، كذلك وحدت الطباعة التهجئة والمفردات على امتداد مناطق واسعة كانت تتميز فيما بينها سابقاً بلهجات وتعابير محلية. واكتسبت هذه التغيرات زخماً كبيراً عندما صارت الطباعة تستخدم لأشياء غير الكتب، فظهرت النشرات والمطبوعات المصورة والرسائل الإخبارية والكراسات، وأخيراً الصحف والمجلات الدورية، كل هذا كان قبل عام 1800.
وكانت أشكالها تختلف كثيراً من مكان لآخر، فالإنكليز نشروا أعداداً غزيرة من الكراسات السياسية في القرن السابع عشر من أشهرهاAreopagitica التي كان يصدرها ملتن، والتي كانت التماساً كبيراً لحرية الصحافة، بينما ظلت أعدادها أقل بكثير في فرنسا طوال مئة عام أخرى تقريباً بسبب الرقابة.
وكانت الصحف تصدر في ألمانيا منذ القرن السابع عشر فما بعد، وبالإجمال صارت المواد المطبوعة في عام 1800 أوفر بكثير مما كانت عليه قبل قرون ثلاثة، ويبدو أن المناقشات العلنية للأفكار والأحداث كانت تجري على وتيرة لاسابق لها، بصرف النظر عن مدة جودة تلك المناقشات.
مع اقتراب القرن الثامن عشر حتى نهايته، تعالت المطالبة بحرية أكبر للطباعة والنشر في بلاد غير إنكلترا والجمهورية الهولندية والمستوطنات الإنكليزية في أمريكا، وقد قال كاتب فرنسي مشهور أنه يدعم بكل قوة حق الناس في أن يعبروا عن آرائهم ولو اختلفت عن أرائه أشد الاختلاف.
وكان هذا الكلام بمثابة المطالبة بوجود قانون يدعم حق الإنسان في طباعة أفكاره ونشرها، وسوف يناضل ذوو الأفكار المتحررة من أجل هذا الهدف في بلاد كثيرة في القرن التاسع عشر، ثم في القرن العشرين من جديد بعد أن حسب بعضهم أنهم قد كسبوا المعركة.

مسافر بلاحدود
10-18-2010, 10:56 PM
الثورات العلمية

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

الثورات العلمية
كانت الطباعة قد ساهمت في خلق مجتمع عالمي من الناس المثقفين في عام 1700، وكانت الاكتشافات والملاحظات العلمية تنشر في محاضر الجمعية الملكية في إنكلترا وغيرها من الأكاديميات الملكية في البلدان الأخرى. وهذا واحد من الأسباب التي تسمح لنا بالحديث عن حصول ثورة علمية بعد عام 1500، ولو كان من الأفضل التأكيد على حدوث العديد من التغيرات الكبيرة المتميزة وغير المترابطة.
كانت بعضها قد ابتدأت عن طريق الملاحظة، مثل اكتشاف فناني النهضة لقوانين المنظور، ووصف الأطباء لتشريح جسم الإنسان بالتفصيل، ومحاولات صانعي الخرائط لترتيب وتصنيف المعارف الجغرافية الجديدة التي أتت بفضل رحلات كبار المستكشفين، إلا أن البعض ذهبوا إلى أبعد من هذا.
من أهم الخطوات التي خطاها العلم مبتعداً عن منهج العصور الوسطى تجري الحقائق عن طريق إجراء التجارب بصورة منظمة ومنهجية. وكان من كبار دعاة هذا الأسلوب اللورد بيكن، رئيس مجلس اللوردات في إنكلترا، ولو أن الناس في أيامه لم يعبأوا كثيراً بما كان يقوله.
كان بيكن رجلاً ذا اهتمامات واسعة، ويعتقد بعضهم أنه هو الذي كتب مسرحيات شكسبير، وهذا الحقيقة أمر بعيد الاحتمال ولكنه يدل على مدى سمعته ومكانته. كان واثقاً من أن البحث العلمي قادر على منح الإنسان سيطرة هائلة على الطبيعة إذا تم بصورة منهجية، وكان على حق في هذا. ويروى عنه أنه مات ضحية لمبادئه، إثر إصابته بالرشح في يوم من أيام آذار القارصة البرودة بينما كان يحشو طيراً بالثلج لكي يكتشف تأثير التجمد على اللحم.
لقد قوي الشعور بقدرة التجارب على إعطاء المزيد من النتائج المثمرة مع تحسن أدوات الرصد العلمي، مثل التلسكوب والميكروسكوب (المجهر) وأدوات قياس الزمن الدقيقة، التي افتتحت كلها مجالات جديدة للتحري العلمي.
إن تطور بعض الأدوات قبل بعضها الآخر قد دفع تطور العلم في مناح معينة بالطبع، فالكيمياء مثلاً لم تتطور بقوة حتى وقت متأخر من القرن الثامن عشر، وعلوم البيولوجيا لم تتخذ خطواتها الكبيرة الأولى إلا قرب نهاية القرن السابع عشر، بينما كانت الفيزياء وعلم الفلك والرياضيات قد بلغت مراحل هامة من التطور وإن الإنجازات الكبيرة التي حققتها هذه العلوم الثلاثة قد غيرت نظرة الناس إلى العالم أكثر من أي شيء آخر قبل القرن التاسع عشر.
إن أول اسم يجب أن نتذكره هنا هو اسم الكاهن البولندي نيكولاس كوبرنيكس، الذي أنهى في عام 1534 كتاباً أهداه إلى البابا وقدم فيه وصفاً نظرياً لدوران الكواكب حول الشمس، بما فيها الأرض نفسها. كانت نظريات بطليموس والنظرة السائدة أيضاً تشير إلى أن هذا الكلام هراء، لأن كل إنسان يعلم أن الشمس تشرق كل صباح وتغرب كل مساء، فمن الواضح إذاً أنها هي التي تدور حول الأرض.
والحقيقة أن أحداً لم يأبه في البداية لما قاله كوبرنيكس، إذ لم يكن من الممكن التحقق من صحة هذه الفكرة الأساسية في كتابه، عدا عن أنه كان يحوي أيضاً الكثير من الأفكار الخاطئة، واللافت أن رجال الكنيسة البروتستانت كانوا أسرع من الكاثوليك إلى إدانته، بينما لم يحظر الكاثوليك أفكاره رسمياً، حتى عام 1616، ولكن عندما ظهر التلسكوب في القرن السابع عشر صار بالإمكان التحقق من نظريات كوبرنيكس بصوابها وخطئها.
وقد استخدم التلسكوب لهذه الغاية أستاذ إيطالي في الفيزياء والهندسة العسكرية هو غاليليو غاليلي، ولم يكتف غاليليو بتحري الحقائق بواسطة التلسكوب، بل إنه وضع شرحاً لطريقة عمل هذا الكون، فأتى برياضيات جديدة لوصف حركة الأجسام وعلم السكون والديناميكا (الحركة)، معتمداً على أعمال علماء أكسفورد في القرن الرابع عشر، الذين كانوا قد صاغوا أول قانون مرضي في التسارع.
ونشر غاليليو في عام 1632 كتابه حوار حول النظامين الكبيرين للكون أي نظريات كوبرنيكس وبطليموس فأحدث هذا الكتاب ضجة كبيرة، وقد أدى في النهاية إلى محاكمة غاليليو أمام محكمة التفتيش في روما، حيث تراجع عن أفكاره علناً. وتقول الأسطورة أنه بينما كان يوافق على أن الشمس تدور حول الأرض كان يدمدم ولكنها تتحرك، إلا أن هذا القمع الرسمي لكتابه لم يكن ذا أهمية، لأن آراءه كانت قد انتشرت وصارت معروفة.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/galileo_sustermans.jpg
غاليليو
ويعتبر كتابه هذا منذ ذلك الحين أول بيان صريح عن ثورة علمية، بصرف النظر عما قاله عندما كان تحت الضغط، لأن أفكار هذا الكتاب كانت نهاية النظرة إلى الكون التي تؤيدها الكنيسة والتي تعود بالأصل إلى أرسطو.
لقد أثارت هذه الأفكار أسئلة واضحة حتى للشخص العادي: فمالذي حل بالسماء؟ وأين مكان الله في هذا المخطط الجديد؟ وفضلاً عن هذا كانت قضية غاليليو بمثابة إعلان عن حقيقة هامة، هي أن السلطة التي كانت تفرض آراءها على غيرها قد هزمتها حجج مبنية على الملاحظة والاستنتاج المنطقي.
لقد قدم غاليليو صورة للكون لم تكن الأرض وبالتالي الإنسان في مركزها، بل كانت مجرد واحد من أجرام مشابهة عديدة، كما أنه أشار إلى إمكانية وصف طريقة عملها من دون تفاسير غيبية أو دينية.
تأثير نيوتن
في نفس العام الذي مات فيه غاليليو أي عام 1642، ولد في لنكولنشر اسحق نيوتن، أعظم علماء القرن، إن أكثر إنجاز اشتهر به نيوتن هو تبيانه أن قوة واحدة هي قوة الجاذبية هي التي تحكم عالم المادة. كانت نظرية الجاذبية هي جوهر كتابه الشهير الأسس الرياضية الذي نشر عام 1687، والذي يقال إن عدد الذين فهموه فهماً تاماً في أيامه كان ثلاثة أو أربعة أشخاص.
لقد ضم هذا الكتاب شرح عالمي السماء والأرض، أي علم الفلك وعلم الفيزياء، ورسم صورة للكون ظلت كافية لأكثر أغراض الإنسان طوال القرنين التاليين، وقد قام نيوتن بأعمال أخرى كثيرة، لأنه كان رجل ذا اهتمامات علمية واسعة جداً ومتنوعة وذا ملكات فكرية بارزة، وكانت عبقريته جلية إلى درجة جعلت أستاذه في كامبردج يتقاعد عن كرسيه عندما كان تلميذه في السابعة والعشرين لكي يناله نيوتن.
ومثلما كان الحال مع غاليليو، غير نيوتن نظرة الإنسان العادي إلى العالم بما قاله وبما أوحت به أقواله أيضاً، وبدأ يلوح للناس أخيراً أن العلم قد يكشف جميع أسرار العالم تقريباً، وبدأت حفنة قليلة من الأفراد الجريئين تقول أنه إذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى رجال الكنيسة لتفسير الأمور؟ بل ما الحاجة للحديث عن الله كجزء من هذا التفسير، لما كان العلم قادراً على شرحها كلها عن طريق اكتشاف المزيد من القوانين الكبرى الناظمة لها؟ أما نيوتن فهو لم يكن يفكر بهذه الطريقة، إذ أنه كان رجلُ شديد التدين.
لقد كثر الحديث عن أمثال هذه الأفكار في القرن الثامن عشر، بل إن بعض الناس صاروا يقولون أن العالم عبارة عن نظام مكتفي بذاته تماماً ومحتم بصورة آلية، وإنه يكفي أن نفسر ونفهم عالم المادة لكي نحيا حياة سعيدة.
وللمرة الأولى أصبح الإلحاد عقيدة محترمة، ولو في نظر عدد قليل جداً من الناس، ولايجوز أن ننسى أبداً أن هؤلاء كانوا أقلية ضئيلة بين الأوروبيين، الذين كانوا بدورهم أقلية في العالم. كانت الأغلبية الساحقة حتى في ذلك الوقت مازالت تؤمن بوجود عالم مرئي ما وإله ما، وشكل ما من الحياة بعد الموت.
إن جزءً كبيراً من وحشية الحروب الدينية وشراستها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يرجع إلى أن الناس كانوا يؤمنون بأنهم يدافعون عن أمور خطيرة جداً، وأن الله قد ينزل عقابه بالبلد التي تسمح للهراطقة بإعاقة إرادة الله ومشيئته. وكانوا الناس يضايقون السحرة ويطاردونهم لأنهم يعتبرونهم سبب المآسي التي كانت تحل بهم، وقد استمرت هذه النظرة إلى العالم بين عامة الناس.
ولكن الأشخاص المعلمين على الأقل كانوا يدركون أن بعض المفكرين قد قطعوا مسافة طويلة على الطريق التي يشير إليها العلم، لهذا يحق أن نقول إن التطورات العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت ثورة في التفكير، ولم يعد المثقفون بعدها يكتفون بالتحديق في عجائب الطبيعة بذهول ورهبة، ولابفكرة أن الله خلقها لأسباب خاصة به وعصية على فهم البشر، بل راحوا يسعون لإيجاد طرق للتحكم بالطبيعة واستغلالها؛ ولسوف ينتشر هذا الموقف انتشاراً أوسع بكثير خلال القرن التالي.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/isaac_newton_1702.jpg
اسحق نيوتن

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 09:50 AM
التنوير

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

التنوير
بمرور القرن الثامن عشر ازداد استخدام الكتاب الأوروبيين للكلمات التي تعني الأنوار والتنوير، فكان الفرنسيون يستعملون كلمة Lumiéres والألمان Aufkl&auml;rung والإيطاليون Illuminismo، وقد تحولت هذه التعابير كلها في اللغة الإنكليزية إلى كلمة Enlightenment (التنوير).
وكانت هذه الفكرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالماضي، خاصة بحركة الإصلاح البروتستانتي التي حطمت المفهوم القديم لعالم مسيحي واحد غير منقسم، وكان بعض المسيحيين يرون أن البشر يستطيعون بجهودهم نصرة قضية الحقيقة والتطور الروحي.
ومن المعالم الأخرى للتنوير إعادة اكتشاف الإنسانيين للماضي الكلاسيكي ومانتج عن ذلك من فورة في الفنون، ثم كانت هناك رحلات الاستكشاف ومابينته من خطأ الأفكار القديمة السائدة ومن الإنجازات الباهرة لبعض الشعوب خارج أوروبا.
لقد راح الكثير من المثقفين في عصر التنوير في القرن الثامن عشر ينبذون بصورة واعية وصريحة قدراً كبيراً من الأفكار التي قبلها أجدادهم، وتم هذا الأمر في عالم تنتشر فيه معرفة القراءة والكتابة وتزداد الأعمال المطبوعة الرخيصة الثمن. وقد حدث واحد من أهم التغيرات الثقافية في التاريخ كله عندما بدأ الناس يقتنعون بأن انتشار المعرفة ليس أمراً ضاراً، وهنا يكمن النجاح الأكبر للتنوير، إذ صار الناس يقبلون عند نهاية القرن الثامن عشر أن المزيد من المعرفة هو أمر مفيد للمجتمع، وكان هذا دليلاً على انتصار مفكري عصر التنوير لأن انتشار المعرفة قد أصبح حينذاك موضع ثقة.
عقائد جديدة
ربما كان التنوير هو المرحلة الحاسمة في بزوغ مفهوم أساسي جديد في الثقافة الأوروبية الحديثة، هو مفهوم التقدم. تعود الجذور البعيدة لهذه الفكرة إلى التقاليد اليهودية المسيحية التي ترى أن للتاريخ اتجاهاً وغاية معينين، ولكنها صارت في القرن الثامن عشر مرتبطة ارتباطاَ وثيقاً بمبدأ قدرة الإنسان على التحكم بالعالم عن طريق إرادته وعقله. ويستدل على هذا التطور من بعض الأمور التي كانت تجري في بعض البلاد الأوروبية.
ولنأخذ مثالاً من الطب، مع أنه كان بدائياً بل دون البدائي، ولم يكن الأطباء بقادرين على فعل شيء تقريباً لشفاء الأمراض، إلا أن الإدارة والسياسة كانتا قد بدأتا بتحسين الصحة العامة ولو بشكل هامشي وفي حالات قليلة ومتفرقة. فكان الحجر الصحي على المهاجرين من منطقة مصابة بالطاعون قد ابتدأ منذ القرن الرابع عشر في إيطاليا، ثم تعمم في القرن الثامن عشر إلى حد إغلاق الحدود بوسائل عسكرية. وكانت أطولها هي حدود الهابسبرغ، التي كانت مزروعة بحراس يبعد الواحد منهم عن الآخر بمقدار المسافة التي تغطيها طلقة بندقياتهم، وممتدة على مدى أكثر من ألف وأربعمائة كيلو متر، وتنتشر على طولها محطات للحجر الصحي تتم فيها عمليات الفحص والتطهير بواسطة الأبخرة.
صحيح أن هذه الترتيبات كانت ضعيفة وأن أوروبا الغربية أصيبت بجائحة جديدة وكبيرة من الطاعون في عام 1720 وهي آخر جائحة هامة إلا أن الأهمية العملية لهذه النجاحات عشية عصر النمو الهائل للمدن الأوروبية كانت أهمية واضحة. وكان من الجلي أيضاً أنها حدثت بفضل حلول إدارية مقصودة لشيء كان يعتبر في السابق عقاباً من الله لامرد له.
ربما كان المصدر الأهم لهذه الثقة الجديدة بطاقة البشر يكمن في العلم، لقد كان الإيمان بسلطة العلم إيماناً دينياً وإيديولوجياً، وكان في البداية محصوراً بأشخاص قلائل، ولكنه صار الآن عقيدة تشترك بها الملايين. ويمكننا هنا أن نضيف أن العلم قد منح الأوروبيين ميزة هائلة في استغلال موارد العالم، فكان بالتالي من أسباب تزاد هيمنتهم على العالم غير الغربي.
لقد كانت العلوم الإسلامية والصينية والرياضيات الهندية في الماضي متطورة جداً، بينما كان العالم المسيحي يجهل العلم جهلاً تاماً ماعدا بعض النبذات القليلة الباقية من العصور القديمة، كما أن الإغريق قد خلفوا أفكاراً كثيرة أتت أكلها في أزمنة لاحقة وسجلوا الكثير من المعلومات القيمة، ولكنهم سجلوا أيضاً الكثير من الأفكار الخاطئة تماماً ولم يتوصلوا إلى الأسلوب التجريبي.
أما العلم كما نعرفه اليوم فإنما من صنع أوروبا الحديثة، ولأسباب تاريخية وثقافية معقدة لم يظهر العلم الحديث إلا بعد أن استردت أوروبا من المصادر الإسلامية والبيزنطية كل ما يلزمها من تراث العالم القديم.
كان العلم يعزز النظرة الإيجابية للعالم، وكان الكثيرون من العلماء يوفقون بين اكتشافاتهم ومعتقداتهم المسيحية بسهولة، لذلك شعر الناس شعوراً أكيداً، ولو أنه مبهم بأن طبيعة الكون هي طبيعة خيرة وبأن الله خالق لايمكن له أن ينوي الشر أو المعاناة لمخلوقاته، بل إن أعمال آلته الرائعة كانت تعتبر دليلاً على بصيرته وبعد نظره في تأمين خير تلك المخلوقات.
وقد بقيت مشكلة الشر قائمة، ولكن لابد أن يكون لها هي أيضاً حل ما، وبدأ البعض يفكرون بأن الأفراد أيضاً يمكن تطويرهم إذا ما تأمن لهم حكم صالح ورشيد.

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 09:52 AM
الثروة والرفاه

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

الثروة والرفاه
بدأ الإنكليز خلال القرن الثامن عشر باستخدام كلمة تحسن أو تطور Improvement في الحديث عن نواح عديدة في المجتمع. وقد استخدمت هذه الكلمة في البداية للحديث عن الزراعة، ولكن سرعان ما صارت لها استخدامات أوسع بكثير، ومن أسباب ذلك أن الناس كانوا يرون علامات تشير إلى أن الحياة في بعض البلاد الأوروبية كانت تتحسن، وأيضاً لأن أفكار التنوير أوحت للناس بأن النواحي الأخرى من الحياة، مثل معاملة الفقراء ومعاقبة المجرمين، سوف تتحسن بدورها.
وكان هذا التحسن يرتكز على حقيقة أساسية كثيراً ما غابت عن أنظار الناس، هي أن ثروة المجتمع كانت تنمو بصورة مديدة ووئيدة، لقد كانت أوروبا في عام 1500 تعج بالتجار، ولكن تجارتهم كانت بالإجمال تجارة محلية، أما في عام 1800 فقد أصبحوا يديرون أشغالاً واسعة تمتد على نطاق العالم بأسره.
التجارة الدولية
كانت أولى المدن التجارية الكبرى في الغرب مدناً إيطالية، فالبندقية وجنوى احتكرتا التجارة في الشرق الأدنى، بينما امتدت تجارة مدن أخرى مثل بيزا وفلورنسا حتى صقلية والأسواق الزراعية الموسمية في شمال أوروبا منذ القرن الثاني عشر، وفي الشمال كانت مدن رابطة الهانزا الألمانية على بحر البلطيق تتاجر في القرون الوسطى مع روسيا واسكندنافيا.
ولكن في القرن السادس عشر تفوقت مدينة أنتورب في بلجيكا على المراكز الأولى من حيث ازدهارها، وكانت أنتورب مركزاً كبيراً للشحن والتصنيع يأتي إليها الصوف من إنكلترا والحبوب والأسماك والخشب من البلطيق لتنقلها إلى الأعداد المتزايدة من السكان في البلاد الواطئة وفلاندر وبيكارديا، وكانت هاتان المنطقتان الأخيرتان مركزين هامين لصناعة النسيج وبحاجة للصوف المستورد.
وعندما تراجعت أنتورب بدورها بسبب المنافسة الأجنبية وحكم إسبانيا حلت محلها أمستردام في الهيمنة على عالم التجارة والمال في القرن السابع عشر، إلى أن جاء أخيراً دور المركز التجاري بلندن بعد عام 1688.
لقد ربطت هذه المدن وغيرها خيوط شبكة تجارية ما برحت تزداد تعقيداً وكثافة، فقبل عام 1500 بزمن طويل كانت البندقية وجنوى ومدن كتلونيا قد ربطت أوروبا عن طريق تجارة البحر والقوافل بآسيا والمحيط الهندي والخليج الفارسي، وأكثرها كانت تمر أولاً عبر القسطنطينية وقد انهار بعض هذه التجارة بعد زوال الإمبراطورية البيزنطية، ولكن سرعان ما راح ساحل شمال أفريقيا يقدم منتجات وحاجات وأسواقاً جديدة.
إلا أن التوسع الأساسي في التجارة بقي لزمن طويل ضمن أوروبا، وبقيت الأسواق الموسمية التقليدية توجه التجارة في طرقها القديمة المألوفة، وكان النقل البحري أرخص من النقل البري، وإن أول من استغله استغلالاً حقيقياً هم الهولنديون، ولهذا الأمر أسباب عديدة، فبلدهم واقعة على البحر، كما أنهم كانوا مضطرين لكسب المال عن طريق التجارة لكي يعيشوا، وكانت لديهم أعداد كبيرة من البحارة الذين تدربوا على صيد السمك في بحر الشمال، وقد اخترعوا مركباً ممتازاً وسريعاً للشحن يتسع لحمولة كبيرة ويمكن لطاقم صغيرة أن يتحكم به.
لقد بلغ ازدهار الهولنديين التجاري ذروته في القرن السابع عشر، وكان مبنياً بالدرجة الأولى على جلب منتجات البلطيق إلى أوروبا الغربية، وعلى بيع سمك الرنكة المملح والمخلل، وهو سمك رائع من جنس السردين مازال واحداً من ألذ ما تنتجه البلاد الواطئة.
كانت التطورات الأولى في أداء الأعمال التجارية محصورة بالتبادل ضمن أوروبا، ومنها المصارف والبورصات، وابتكارات جديدة مثل كتاب الاعتماد والكمبيالة التي مكنت من دفع الأموال من مكان لآخر من دون حمل أكياس من الذهب والفضة.
وبرزت بعض الأسر من مقرضي الأموال الذي تحولوا فيما بعد إلى أول المصرفين الدوليين، لأن الملوك ناسبهم أن يستخدموهم لدفع مصاريف جيوشهم العاملة في الخارج، أو لنقل القروض المجموعة من بلد ما من أجل استخدامها في بلد آخر. إذ كانت الجيوش الإسبانية في القرن السادس عشر تعمل في مناطق واسعة من إيطاليا واللورين والأراضي الواطئة، وكانت بحاجة للمال من أجل دفع رواتب الجنود وتزويدهم بالإمدادات وتأمين حركتهم، فخلق هذا كله مجالاً واسعاً لعمل الممولين والتجار، وكان بحاجة لشبكات معقدة من الوكلاء والمكاتب.
في القرن السادس عشر صعدت إلى خشبة المسرح أمريكا الإسبانية، إذ اكتشف منجم هائل للفضة في بوتوسي بالبيرو، وأتت منه كميات غزيرة من هذا المعدن جعلت من أمريكا المصدر الأساسي للنقود في أوروبا حتى القرن التاسع عشر، وقد نشطت التجارة بسبب ازدياد كمية المال المتداولة.
ولكن حدثت في الوقت نفسه ظاهرة كان الناس قد نسوها منذ القرون الأخيرة للإمبراطورية الرومانية، هي ظاهرة التضخم، التي رأى الناس تفسيراً سهلاً فها في تلك الكميات الكبيرة من الفضة التي وفدت إليهم.
لقد ارتفعت الأسعار في أوروبا حوالي 400 بالمئة خلال القرن السادس عشر، ولكن العلماء حذرون في تعليل هذا الارتفاع، وإذا كان لايصدمنا بالقياس إلى بعض معدلات التضخم الحديثة فقد كان في ذلك الزمان أمراً مؤرقاً.
كانت أسعار الغذاء أكثر الأسعار تأثراً، ويبدو أن الأجور الحقيقية للإنسان العامل العادي قد هبطت، أي أن مستوى المعيشة قد انخفض، وكان لهذا التضخم تأثيرات أخرى هامة أيضاً منها تشجيع التجارة، وقد كان الجو التجاري في القرن السادس عشر جواً نشيطاً ولو أنه عرف أيضاً بعض الأزمنة العصيبة، وكان المستثمرون الحاذقون قادرين على جني مكاسب كبيرة.
تجارة الرق
إن من أكبر الأرباح التي تمت بين عامي 1500 و 1800 الأرباح الناتجة عن بيع الإنسان لأفراد جنسه إلى أناس آخرين، أي تجارة الرق أو النخاسة. لقد كانت العبودية أساس الحياة الاقتصادية في العالم القديم، ورغم أن استرقاق المسيحيين قد زال في أوروبا تقريباً خلال العصور الوسطى فإن العالم الإسلامي كان يرتكز عليه.
إلا أن الأوروبيين عادوا بعد عام 1500 إلى تجارة الرق على نطاق واسع ولكن بشعوب غير مسيحية، وقد بنوا تجارة هائلة عن طريق استغلال مصدر جديد هو الساحل الغربي لأفريقيا. كان البرتغاليون قد بدأوا هذه التجارة الأوروبية الجديدة هناك في القرن السابق، وبنوا حصوناً لاستخدامها كمراكز تجميع للعبيد الذين كان يلمهم الحكام المحليون، فبدأ العبيد يصلون إلى أوروبا بأعداد ضئيلة سوف تتحول فيما بعد إلى فيضان هائل.
ولم يخطط أحد لهذا الأمر، لقد وصل أول عبد أسود إلى أمريكا في عام 1502 عندما سمح لحاكم هاييتي الإسباني بأن يأخذ مع العبيد المولودين في إسبانيا، وبعد سنوات قليلة روعت معاملة الإسبان للهنود الكاهن الإسباني بارتولومه دو لاس كاسس ترويعاً شديداً، فاقترح أن يسمح لكل مستوطن إسباني باستيراد اثني عشر عبداً أسود، إذ كان عدد الإسبان قليلاً وغير كاف لأداء الأعمال واعتقد لاس كاسس أن الأفارقة أقدر على تحمل هذا المجهود الشاق من الهنود.
فسمح بالتالي لأحد محظيي ملك إسبانيا الذي أصبح فيما بعد الإمبراطور شارلكان بأن يستورد 4000 أفريقي في العام إلى جزر الكاريبي ثم بيع هذا الامتياز إلى التجار الجنوبيين، وهكذا أصبحت تجارة العبيد تجارة دولية نتيجة لمحاولة حماية هنود أمريكا.
لقد توسعت تجارة الرق توسعاً هائلاً عندما تبينت إمكانية زراعة قصب السكر في كثير من جزر الكاريبي، وإن أفضل طريقة لزراعته هي على نطاق واسع في مزارع كبيرة تحتاج قدراً هائلاً من المجهود البشري. ولما كانت اليد العاملة اللازمة لاستثمار العالم الجديد غير متوفرة في أوروبا فقد عوضت أفريقيا عن هذا النقص.
ومع ازدياد مكاسب تجارة العبيد هذه راح الآخرون ينضمون إلى البرتغاليين في جمع العبيد على ساحل أفريقيا، وسرعان مابدأ الاقتتال على هذه التجارة، فراح الملاحون الإنكليز البارعون في عهد الملكة إليزابيث يسعون لكسر هذا الاحتكار، أما الإسبان فلم تكن لهم قواعد خاصة بهم في غرب أفريقيا لذلك كانوا مضطرين للاعتماد على الموردين الأجانب.
وسرعان ماتجمعت في العديد من الجزر الكاريبي أعداد كبيرة من العبيد السود، كما استورد البرتغاليون العبيد إلى مستوطنتهم في البرازيل، أما الأراضي الإسبانية على البر الرئيسي فلم تستورد الكثير منهم، لقد باعت سفينة هولندية عبيداً سوداً للمرة الأولى لمستوطنين بريطانيين منذ عام 1619 في فيرجينيا، وهي منطقة يزرع فيه التبغ لذلك كانت تستفيد من عمل العبيد.
ثم بدأت مزارع القطن والأرز في كارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية باستخدام العبيد الأفارقة أيضاً، ومنذ ذلك الحين بنى أمريكيو البر الرئيسي للقارة الشمالية سوقاً للعبيد، وتجارة لتزويدها بهم أيضاً، ظلتا تنموان باطراد حتى أواخر القرن الثامن عشر، كان عدد المحطات التجارية العاملة في النخاسة على الساحل الغربي لأفريقيا حينذاك قد بلغ حوالي أربعين محطة، من هولندية وبريطانية وبرتغالية وفرنسية ودانمركية.
وكانت تلك تجارة هائلة، ولقد بلغ عدد السود المنقولين عبر المحيط الأطلسي 100.000 شخص، في بعض سنوات القرن الثامن عشر، وكانت أعداد الذين غادروا أفريقيا أكبر بكثير من الذين وصلوا إلى الأمريكتين، لأن الأمراض واليأس والوحشية قد تقتل نصف حمولة السفينة قبل أن تصل إلى العالم الجديد، ولو كان من المستحيل أن نعرف أعدادهم بدقة.
التجارة عبر المحيطات
كانت تجارة العبيد إذاً مأساة كئيبة تشمئز لها النفس، ولكنها لم تكن نمطاً واحداً من بين أنماط تجارية جديدة وكثيرة تمتد عبر المحيطات. لقد بني رويداً رويداً نظام تجاري دولي جديد لم يعرف العالم مثل اتساعه من قبل، وقد بلغ زخمه في عام 1700، فاستمر التوسع الإجمالي فيه بسرعة عجيبة، ولو أنه تعرض لنكسات قليلة في بعض الأماكن، وراحت التجارة مع العالم غير الأوروبي تلعب دوراً أكبر فأكبر في صنع ثروة أوروبا.
كانت التجارة عبر المحيط الأطلسي مع مستوطنات الأوروبيين وأراضيهم في أمريكا هي الجزء الأهم في هذه التجارة العالمية، وكانت السفن تنطلق من المرافئ الأوروبية عبر الأطلسي محملة ببضائع تبيعها لشراء العبيد على ساحل أفريقيا، ثم تأخذ السود من هناك إلى جزر الكاريبي، حيث تبيع من نجا منهم أثناء هذه الرحلة، ثم تحمل السكر أو القهوة وتشحنها عائدة إلى أوروبا أو إلى المستوطنات البريطانية في أمريكا الشمالية.
وكانت هذه المستوطنات تصدر بضائع أخرى، مثل شراب الرم وصبغة النيلة والأرز والذرة إلى أوروبا وإلى مستوطنات الكاريبي، وقد حاول الإسبان مثل الإنكليز والفرنسيين أن يستأثروا بتجارتهم مع مستوطناتهم لأنفسهم، ولكنهم لم ينجحوا في هذا، لأن تلك التجارة كانت تدر أرباحاً هائلة لابد من أن تجتذب إليها المهربين والمتطفلين.
كان المنتصرون الأخيرون في هذا الصراع على مكاسب التجارة العالمية هم البريطانيون، ومن أسباب ذلك أن الحكومة في لندن كانت أكثر إخلاصاً وعزماً على دعم مصالح التجار والبحارة الإنكليز والاسكتلنديين أيضاً بعد عام 1707، من ملوك فرنسا في دعم مصالح رعاياهم.
كان البلاط الفرنسي في فرساي دوماً أكثر اهتماماً بأوروبا منه بالبحار وماوراءها، وكان ملوك فرنسا حريصين على الغزو أو الاحتفاظ بأراضيهم في أوروبا، ولم يهتموا كثيراً بصيد السمك في نيوفوندلند أو بيع العبيد إلى جزر الهند الغربية، أو استيراد السكر والقهوة.
أما البريطانيون فكانوا أكثر وعياً لأهمية هذه الأعمال وأرباحها الوافرة، فكان هذا واحداً من العوامل التي جعلت البحرية الملكية تلعب هذا الدور الهام في السياسة العالمية خلال القرن الثامن عشر.
كانت السياسة والتجارة تزدادان تداخلاً بصورة مستمرة، فكانت القوة البحرية ضمانة للوصول إلى مناطق أخرى من العالم وتأسيس المستوطنات فيها، وكانت تستخدم أيضاً لفتح أسواق المستوطنات الإسبانية عنوة، وكان القراصنة قد اقتحموا تلك الأسواق بصورة غير شرعية منذ القرن السابق الذي كان أكبر عصور القرصنة، وكانت قوة البحرية أساسية أيضاً خاصة في زمن الحرب من أجل حماية تجار بلادها.
فكانت تستخدم لدعم الجهود الدبلوماسية عند التفاوض من أجل التوصل إلى شروط أفضل، كما في حالة الرسوم الجمركية التي تفرضها بلد ما على البضائع المستوردة مثلاً، وكان لهذه الأمور وزنها الكبير في بريطانيا أكثر من أي قوة أخرى، لأنها باتت بالتدريج أكثر الدول اعتماداً على التجارة الخارجية في كسب المال، خاصة عن طريق استيراد بضائع المستوطنات ثم بيعها في أوروبا أو في المستوطنات الأخرى.
ولم تكن التجارة مع آسيا هامة جداً من حيث الحجم، أو القيمة ضمن هذه الصورة العالمية، ولكن كان لها سحرها الخاص، كما أنها كانت تؤمن مكاسب كبيرة للعاملين بها، وقد أسس كل من الهولنديين والإنكليز شركة خاصة بهم للهند الشرقية في بداية القرن السابع عشر، وكانت هاتان الشركتان تتمتعان بحقوق احتكارية للمتاجرة في الشرق الأقصى، ثم حذا الفرنسيون حذوهم فيما بعد، وأصبحت هذه الشركات هي الوسائل الأساسية للتنافس على التجارة في آسيا، ولكن نقطة ضعفها كانت أن الآسيويين ليسوا بحاجة لمصنوعات الأوروبيين فيما عدا بعض الابتكارات الميكانيكية القليلة، لهذا لم يكن لها ميزان تجارة الدول الأوروبية لصالحها عادة في تعاملها مع الهند والصين وإندونيسيا، لأنهم لم يقدروا أن يبيعوهم بضائع أوروبية كافية لتسديد ثمن ما كانوا يشترونه منهم، فكانوا مضطرين لدفع هذا الثمن فضة.
ولقد كان هذا مثالاً آخراً على ترابط أطراف العالم فيما بينها من دون تخطيط مسبق، إذ كان الإسبان يجلبون الفضة من العالم الجديد إلى أوروبا حيث تستخدم لتسديد ديون الملكية الإسبانية للمصرفيين، الذين يدفعونها بدورهم للتجار لشراء البضائع من آسيا.
وبذلك كان تمويل التجارة في كانتون بالصين معتمداً على مناجم الفضة في البيرو، وليس هذا بالطبع إلا جزءً صغيراً من القصة، إلا أن الخطوط الأساسية لما كان يجري خلال هذه القرون الثلاثة واضحة، فقد كانت التجارة العالمية في نمو متواصل، وإن أول جزء منها نما بسرعة هو تجارة الأطلسي، التي مابرحت تزداد ارتباطاً بالسياسة وبالقوة البحرية وتخضع خصوصاً لهمينة الأوروبيين.
ولم ترس أي سفينة ينك صينية أو دهو عربية في أي مرفأ أوروبي، أو أمريكي طوال هذه القرون، مع أن آلاف السفن الأوروبية والأمريكية كانت تذهب إلى جزر ملوك في إندونيسيا وإلى الهند والخليج الفارسي والصين.
تنامي المعرفة
لقد ساعدت التجارة على امتداد الاكتشافات وتنامي المعرفة بجغرافية العالم، وفي عام 1700، كانت أشكال القارات كلها قد عرفت ورسمت لها الخرائط، ما عدا أطراف شرق أستراليا وشمال سيبيريا وأقصى شمال أمريكا ومنطقة مضيق بيرنغ. وكانت هناك خرائط للعالم على درجة عالية من الدقة ولوبقيت فيها مناطق شاسعة مجهولة في أفريقيا وأستراليا.
وكان تطور فن الملاحة يسمح بنقل المسافر إلى أي ساحل من سواحل العالم وأي مرفأ من مرافئه خلال ثلاثة أو أربع أشهر إذا هو قبل بأخطار الغرق والعواصف والقرصنة والأمراض. وكان هذا تطوراً كبيراً بالقياس إلى ماكانت عليه الأوضاع قبل حوالي مئتي سنة، كما أنه كان يسير بوتيرة متسارعة لأن المعرفة بالجغرافية والتقنية كانت ذات طبيعة تراكمية، أي أنها كلما خطت خطوة إلى الأمام كلما سهلت عليها الخطوة التالية، مع أن تقنية الإبحار لم تتغير تغيراً كبيراً.
إن الرحلات الكبرى التي رسمت خريطة العالم للمرة الأولى وأتت بالقصص والروايات عن الأراضي المكتشفة حديثاً كانت هي المفتاح لكل ما أتى بعدها.
في عام 1498 أبحر سباستيان كابوت من بريستول في رحلته الثانية ليرسو على ساحل أمريكا الشمال، وفي العام نفسه وصل فاسكو دي غاما إلى الهند، وفي العام التالي 1499 بدأ أمريغو فسبوتشي باستكشاف ساحل أمريكا الجنوبية حتى وصل أخيراً إلى جزر الفوكلاند جنوباً. وفي عام 1508 أبحر ملاح برتغالي ضمن الخليج الفارسي، وفي عام 1513 بدأ الأوروبيون يتطلعون للمرة الأولى نحو المحيط الهادي.
ثم ابتدأت في عام 1519 أعظم رحلات المستكشفين الأوائل عندما انطلق البحارة البرتغالي ماجلان من إشبيلية، ثم دار في العام التالي حول طرف أمريكا الجنوبية عبر المضيق الذي مازال يحمل اسمه ليلج بذلك مجاهل المحيط الهادئ الشاسعة، وقد قتل ماجلان في جزر لادرن في عام 1521، ولكن إحدى سفنه تابعت مسيرتها في جزر الفيليبين وتيمور وعبرت المحيط الهندي، ثم دارت حول أفريقيا لتعود إلى إشبيلية.
وهكذا كان قائدها الإسباني دل كانو أول قبطان يبحر حول العالم، وقد بينت رحلته هذه بصورة عملية أن جميع المحيطات مرتبطة فيما بينها فأثبت بذلك حقيقة كان الناس يعلمون أنها ممكنة نظرياً.
وبعد هذا راحت المعلومات تتراكم عن المحيط الهادي ومنطقته الواسعة، وفي بداية القرن السابع عشر كانت الكثير من جزره حتى جزر نيوهبريد جنوباً قد اكتشفت. وفي عام 1616 بدأ الهولنديون باستكشاف سواحل أستراليا، وفي عام 1642 أبحر منهم الملاح تسمان قرب الجزيرة التي سوف تحمل اسمه فيما بعد (تسمانيا) في طريقه إلى نيوزيلندا، فبين بذلك أن أستراليا ليست جزءً من قارة أنتاركتيكا.
وفي نهاية القرن التالي كانت رحلات بوغانفيل وكوك خصوصاً قد عرفت الناس بجنوب المحيط الهادي وجزر جنوب شرقي آسيا، وكانت العلامة على ذلك هي إلقاء أول شحنة من المحكومين في أستراليا في عام 1788، ووصول المبشرين الأوائل إلى تاهيتي في عام 1797.
أما المياه الشمالية فقد ظلت مجهولة لزمن طويل، في عام 1553 وصلت سفينة إنكليزية إلى الموقع الذي أصبح فيما بعد مرفأ أركانجل الروسي، وعادت حاملة رسالة من القيصر إلى ماري تيودر. ثم قام الإنكليز بسلسلة من الرحلات ابتدأ فروبيشر في عام 1567 باحثين بلا جدوى عن ممر شمالي غربي حول الأمريكتين إلى آسيا.
وفي عام 1594 انطلق البحار الهولندي العظيم بارنتس في الاتجاه المعاكس أي الاتجاه الشمالي الشرقي، مثلما فعل البحارة الإنكليز من قبله. وبينما كان في محاولته الثالثة لإيجاد طريق شرقي عبر القطب الشمالي بعد ثلاث سنوات مات بارنتس في أقاصي مجاهل نوفازمليا، والحقيقة أن أحداً لم يتمكن من العبور بالاتجاه الشمالي الغربي بالسفينة حتى عام 1905، بينما تمت أول رحلة شمالية شرقية كاملة إلى آسيا في عام 1879.

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 09:54 AM
الإسلام والعالم الغربي

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

الإسلام والعالم الغربي
بعد زمن طويل من سقوط القسطنطينية في عام 1453 كان الملايين من الأوروبيين يعيشون تحت حكم الإسلام، وملايين أكثر يعيشون في خطره والمفارقة أنه بينما كانت عملية استعادة إسبانيا قد اكتملت كان الإسلام يعاود تقدمه في الشرق. ولكنه كان الوقت نفسه مقسماً فكانت فارس في بعض الأحيان في حالة حرب مع الأتراك والأباطرة المغول في الهند معاً، كما كانت الدول العربية تنازع الأتراك على السلطة في الغرب. إلا أن مخاوف الأوروبيين كانت مخاوف طبيعية، إذ أنهم كانوا يواجهون الإسلام في أشد أطرافه حدة ومضاء أي في تركيا العثمانية.
لقد انتزع العثمانيون من البندقية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الكثير مما بقي لها من ممتلكات، أي جزر إيونيا عند مدخل بحر الأدرياتيك في عام 1479، وجزر بحر إيجة في خمسينيات وستينيات القرن السادس عشر وقبرص في عام 1571.
كما أن ملكة إسبانيا وجدت نفسها مضطرة لقتالهم قتالاً شديداً من أجل أن تحافظ على اتصالاتها مع إيطاليا، بل إن الأتراك حازوا على مواطئ أقدام لهم في إيطاليا نفسها لزمن قصير، بينما كانوا ينتزعون من الإسبان ممتلكاتهم على ساحل شمال أفريقيا، أي قيرينا وطرابلس وتونس والجزائر، وكانوا أيضاً قد اكتسحوا أيضاً صربيا والبوسنة والهرسك في أوروبا نفسها.
وفي عام 1526 سحقوا الجيش الهنغاري في هزيمة مروعة في معركة حقل موهاكس مازالت ذكراها يوماً اسود في تاريخ هذه الأمة، وبعد ثلاث سنوات حاصروا فيينا للمرة الأولى ولكن بلا جدوى، ثم توقف تقدمهم ليعود فيتابع مسيرته، فاكتسحوا هنغاريا للمرة الثانية، وكانت هذه آخر مرة يطيحون فيها بمملكة مسيحية، وأخذوا بودوليا أي أوكرانيا السفلى من بولندا وكريت من البنادقة. وأخيراً حاصروا فيينا من جديد في عام 1683، فكان ذلك أقصى حد بلغته قوتهم.
ولم تبن الإمبراطورية العثمانية على حساب المسيحيين وحدهم، بل إن الأتراك قد بسطوا على غيرهم من المسلمين أيضاً في شمال أفريقيا، وبحلول عام 1520 كان جزء كبير من الحجاز وسوريا وبلاد الرافدين العليا وكردستان قد صار بيدهم. ثم أضاف إليها السلطان سليمان القانوني الذي لقبه الأوروبيون بالعظيم، فتوحاته في بلاد الرافدين السفلى وجزء كبير من جورجيا وأرمينيا، كما وسع امتداد أراضيه ضمن شبه الجزيرة العربية أيضاً.
وهكذا صارت الإمبراطورية العثمانية في عام 1683 ممتدة من مضيق جبل طارق حتى الخليج الفارسي وبحر قزوين، وسوف تضم فوق هذا المزيد من الأراضي حتى بعد هذا التاريخ.
ولكن هذا التيار قد انعكس الآن فحتى أواخر القرن السابع عشر لم يهدد الأتراك خطر كبير في أوروبا، إلا أن أوروبا الغربية قد سوت الآن نزاعاتها على الأراضي بصورة عامة في معاهدة أوترخت، كما ظهرت ملكيتان شرقيتان جديدتان وكبيرتان هما بروسيا وروسيا، اللتان قلبتا موازين القوى ضد الأتراك قلباً خطيراً، ولو أن سلالة الهابسبرغ ظلت مشغولة بمشاكلها في ألمانيا.
والحقيقة أن سلطة العثمانيين كانت قد بدأت بالانحسار أمام النمساويين والروس، حتى قبل عام 1700 فقد استردت منهم هنغاريا، وسوف تتلوها ضربات أقسى، خاصة في عام 1774 عندما انسحب الأتراك أمام الروس الذين سيطروا على التتار في شبه جزيرة القرم، وقد كان لهذا التنازل أهمية رمزية، إذ كانت هذه أول مرة يتنازل فيها الأتراك عن سلطتهم على شعب مسلم.
وبحلول عام 1800 كان الروس قد احتلوا جزءً كبيراً من الساحل الشمالي للبحر الأسود، وصارت حدودهم ممتدة على طول نهر الدنيستر، بينما كان النمساويون قد تقدموا إلى الدانوب، إلا أن انهيار الأخير لسلطة العثمانيين سوف يستغرق بعد زمناً طويلاً، وسوف يمتد حتى عام 1918 ومازالت مشكلة تقسيم أراضي الإمبراطورية السابقة في الشرق الأوسط بانتظار التسوية، ومازالت الحروب على اقتسام التركة العثمانية جارية حتى يومنا هذا.
تعود بعض أسباب تراجع الإمبراطورية العثمانية هذا إلى ضعفها الداخلي، فبالرغم من امتدادها الهائل على الخريطة كانت سلطة العثمانيين تتفاوت كثيراً من مكان إلى آخر، لقد كانت في حالة من النزاع المستمر على بلاد الرافدين مع فارس، ولم تتمكن قط من السيطرة الحقيقية على بدو بلاد الرافدين وسوريا.
ولم تكن فيها إدارة مركزية جديرة بهذا الاسم، بل كانت الإمبراطورية العثمانية في أكثر المناطق عبارة عن ترتيبات بين الباشا أي عامل السلطان وبين الوجهاء المحليين حول طريقة جبي الضرائب. وقد منح هذا الأمر الباشوات سلطة واسعة، وصار بعضهم مع مرور الزمن أشبه بأمراء يتناقلون السلطة بالوراثة.
ولهذا لم تكن الإمبراطورية قادرة قط على تعبئة مواردها، ولاكان بإمكانها الاعتماد على ولاء رعاياها من أجل التغلب على الانقسامات الكثيرة بين ولاياتها وشعوبها ودياناتها.
كانت الدولة العثمانية قد لملمت كيفما اتفق من أجل محاربة الكفار، وكان تنظيمها بالأساس تنظيماً عسكرياً، الغرض منه تأمين المجندين والضرائب لدفع مرتبات الجنود، وكان هذا الأمر يتم بواسطة ترتيبات شبيهة بالترتيبات الإقطاعية في أوروبا الغربية.
وكان الفساد يدب في هذه البنية في القرن السابع عشر، فكان عمال السلطان يضخمون سجلات الجنود لكي يحصلوا على مرتبات تفوق عدد الرجال الذين يمكنهم تقديمهم، وكانت ولاياتهم يسيئون استخدام سلطتهم في التجنيد وجبي الضرائب، ولم يكن هناك من إدارة مدنية لضبطهم.
أما السلطان فكان مركز المكائد والمؤامرات، وكان المحظيون ونساء الحريم والقادة العسكريون والدينيون يسعون جميعاً للتأثير عليه، وكان على الوزير الأكبر الذي يشغل المنصب الأساسي في الدولة أن يكافح المحاولات الدائمة لتقويض سلطته ومكانته.
كانت خيرة الأفواج العسكرية لدى الأتراك هي الإنكشارية، إلا أنها كانت بحلول عام 1700 قد فسدت فساداً مزرياً وصارت خطراً على السلطان أكثر مما هي دعم له، وكثيراً ماكانت تقوم بالعصيان والإضراب من أجل زيادة رواتبها.
وأخيراً كانت السلطة الحقيقية في كافة أنحاء المجتمع الإسلامي بيد الزعماء الدينيين، أي العلماء الذين تحدد مواقفهم تأييد الشعب للسلطة أو استياءه منها. وقد حصلت حوادث شغب كثيرة في القسطنطينية، منها ثورة عنيفة جداً نشبت في عام 1730 قيل أن البوسفور بقي من بعدها أياماً عديدة مغطى بالجثث العائمة على وجه الماء.
كان التحديث ضئيلاً جداً، ربما كان الإنجاز الوحيد هو ماجرى في البحرية في تسعينيات القرن السابع عشر من استخدام السفن الأوروبية بدلاً من سفن القادس القديمة ذات المجاديف، ولكن الحصول على البحارة المدربين كان أصعب من الحصول على العبيد المجدفين، فاضطر العثمانيون عندئذٍ إلى توظيف الأوروبيين في البحرية والجيش، وكان هذا من علامات انحلالهم في هذه المرحلة.
وكانت سلطة العثمانيين تتقوض ببطء على جبهة أخرى أيضاً فعند بداية القرن السادس عشر قامت سلالة جديدة بتثبيت أقدامها في فارس هي السلالة الصفوية، وكان الصفويون من طائفة الشيعة، وهي شكل من الإسلام يعود إلى القرن السابع ومازال مستمراً منذ ذلك الحين ومعارضاً للإسلام السني.
وقد كانت عقائد الشيعة دوماً أوسع انتشاراً في العراق وفارس منها في سوريا، وكانت لها تفرعات وملل كثيرة، ولكنها جميعاً ترفض سلطة الخلفاء الذين كانوا حكامهم، فعندما تأسست السلالة الصفوية في فارس كان من المحتم أن تتصارع مع جارها الخليفة العثماني، الذي يدعي رئاسة المسلمين السنة.
في عام 1514 تحاربت فارس مع العثمانيين، وكان العثمانيون طوال القرنين التاليين مضطرين إلى القتال على جبهتين، بينما كان الحكام الصفويون خاصة الشاه البارز عباس الكبير، يبنون إمبراطورية فارسية جديدة ذات حضارة رفيعة وثروة وافرة.
إلا أن الدولة الصفوية كانت قاسية وغير متسامحة، وهي أيضاً كانت مضطرة للقتال على جبهتين أحياناً أي ضد الأباطرة المغول في الهند فضلاً عن السلاطنة العثمانيين. وأحياناً كان دعاة التزمت الشيعي القديم يحرزون بعض النجاح في شكاواهم ضد الانحلال الأخلاقي، فقد ابتهج الزعماء الدينيون مثلاً على عهد شاه مغرم بالشراب عند نهاية القرن السابع عشر عندما حطمت في العلن 60.000 زجاجة خمر مأخوذة من أقبية القصر.
ولكن هذا التقشف وهذه الحمية لم يكونا بقادرين على منع تراجع الصفويين، ففي عام 1722 أطاح قائد أفغاني بآخر في فرد من سلالتهم، ثم مرت بعد ذلك بضع سنوات من الاضطراب تلاها في عام 1736 بروز رجل قوي جديد هو نادر شاه، الذي طرد الأفغان واسترد المقاطعات التي استولى عليها العثمانيون والروس، إلا أن هذه النهضة لم تكن في الحقيقة إلا نهضة عابرة.

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 09:56 AM
أوروبا شرقية جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

أوروبا شرقية جديدة
لقد تبدلت خريطة أوروبا الشرقية بين عامي 1600-1800 بصورة كبيرة، وتم بعض هذا التبدل على حساب العثمانيين، وقد كانت إحدى الملكيات الثلاث المستفيدة من هذا قوى عظمى قبل أن تبدأ هذه التبدلات، ألا وهي ملكية هابسبرغ، أما الملكيتان الأخريان، أي روسيا وبروسيا، فلم تبزغا كقوتين عظميين إلا خلال هذين القرنين.
وكان تبدل روسيا هو التبدل الأبرز، إذ أنها وسعت أراضيها بصورة واسعة جداً نحو الغرب والجنوب، وأصبحت قوة عسكرية عظمى ذات أهمية كبيرة في حسابات أوروبا الدبلوماسية، وطورت قوة صناعية بارزة بالنسبة إلى تلك الأيام، كما انقطعت انقطاعاً كاملاً. وكان هذا كله بالأساس نتيجة للأعمال السياسية، وكان الملكية هي مصدره ومحركه.
وهكذا وضعت الملكية نمطاً مازال مستمراً حتى اليوم، هو تحديث روسيا ابتداء من الحكومة نحو الأسفل، أو من المركز نحو المحيط، فكان التحديث يفرض فرضاً بدلاً من أن ينمو بصورة عفوية.
وكان أو من طبع روسيا بطابع التحديث هو بطرس الأكبر، الذي ارتقى العرش في عام 1682 وله من العمر عشر سنوات، ثم راح يستخدم السلطة التقليدية للأوتوقراطية القيصرية بقسوة لكي يجر الروس إلى الحداثة جراً، وكانت الحداثة تعني عنده ثقافة أوروبا الغربية.
كان هدفه الأول هو تقوية روسيا في منافستها الدولية، وبالأخص ضمان ساحلها على بحر البلطيق، صحيح أنه كان مهتماً أيضاً بالتوسع في آسيا الوسطى وسيبيريا، إلا أن حربه الكبرى مع السويد كانت هي قلب سياسته الخارجية، وقد انتهت في عام 1721 بأن ترسخت سلطة روسيا في ليفونيا وإستونيا وبرزخ كاريليا، كما كانت عاصمتها الجديدة على بحر البلطيق في طور البناء. وكان انتقال الحكم من موسكوفيا القديمة المنعزلة إلى حوار الغرب ذا قيمة كبيرة كرمز لطموحات بطرس وتطلعاته.
لقد وجه بطرس طموحاته نحو الجنوب أيضاً، فقد ضم آزوف ذات مرة وكان له أسطول على البحر الأسود. إلا أنه لم يتمكن من الحفاظ على اندفاعه نحو الإمبراطورية العثمانية، بل ترك هذا الأمر لخلفائه، والحقيقة أنهم كانوا في عام 1800 يسيطرون على الساحل الشمالي للبحر الأسود من نهر الدنيستر حتى نهر كوبان.
أما عملية التصنيع التي شجعها فكانت مبنية على استخراج المعادن وتصنيع الخشب، وقد جعلت ميزان التجارة يميل لصالح روسيا، كما جعلت إنتاجها من الحديد الخام أكبر من إنتاج أي بلد آخر في العالم. ولكن هذه الإنجازات تمت من ناحية أخرى عن طريق استخدام مجهود عبيد الأرض وعن طريق تحالف الملكية مع النبلاء بحيث صارت روسيا مقيدة شيئاً فشيئاً بنظام اجتماعي وسياسي أعاقها عن إحراز المزيد من التقدم.
كان أبرز خلفاء بطرس هي كاترينا الكبيرة، ورغم أن البلاط على عهدها قد تمتع ببهاء عظيم فإن حركة التجديد قد ذوت، ورغم قوة روسيا الكبيرة في عصر كانت الأعداد فيه هامة جداً من الناحية العسكرية، فإن الأوتوقراطية وعبودية الأرض ظلت عقبات واضحة أمام التحديث الحقيقي، وقد ظهر منتقدوها الأوائل قبل وفاة كاترينا في عام 1796.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/europe-east.jpg
أوروبا الشرقية بالألوان
بروسيا والنمسا
كانت كاترينا الكبيرة موضع إعجاب واسع كحاكمة أوتوقراطية مستنيرة بالنظر إلى رعايتها للأدباء والفلاسفة الغربيين الذين كانوا يعتبرون حاملي ألوية الأفكار التقدمية بل حتى الثورية. وقد قيل الشيء نفسه عن بعض الحكام في دول أخرى، ومنها القوتان الجديدتان في أوروبا الشرقية، أي بروسيا والنمسا، ولكن يبدو في الحالتين أن سياسة الملكية في التغيير كانت بدافع الحاجة لتقوية البلاد من أجل المنافسة الدولية ولم تكن حباً بالأفكار التقدمية.
لقد أصبحت بروسيا مملكة في عام 1701، وكانت حينذاك عبارة عن أرض مشتتة تابعة لأمراء براندنبرغ السابقين، الذين كانوا ينتخبون رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت قصتها في القرن الثامن عشر عبارة عن تمتين هذه الأراضي وتوسيعها بالأساليب الدبلوماسية وبالفتوحات العسكرية، وكانت تؤمن الموارد اللازمة لذلك عن طريق حكم رعاياها واستغلالهم بصورة شديدة على يد طبقة إدارية اشتهرت بفعاليتها العجيبة.
وقد تظاهرت هذه الصفات خصوصاً على عهد فريدريك الكبير، الذي شدد كثيراً على مصالح بروسيا في ألمانيا ضد مصالح النمسا، ثم ابتدأ صراعاً بين سلالته أي الهوهنزولرن وبين سلالة الهابسبرغ كثيراً ما كان صراعاً دامياً، وحسم أخيراً في عام 1866 عندما اعترف الهابسبرغ بهيمنة بروسيا على بقية الدول الألمانية.
إن هذا الصراع مع بروسيا قد حرك في القرن الثامن عشر الجهود الساعية لإصلاح أراضي الهابسبرغ المتداعية والمنتشرة في غير انتظام من أجل تمكينها من مواجهة المنافسة الدولية. وكانت تلك الجهود كافية لتأمين مكاسب كبيرة على حساب الإمبراطورية العثمانية، فقد وصلت حدود الهابسبرغ الجنوبية في عام 1795 حتى نهر سافا، ولكنها بقيت عاجزة عن مواجهة خطر بروسيا، وقدمت لها تنازلات كبيرة من الأراضي في سيليزيا* إلا أن طموحات الهابسبرغ قد أبلت بلاءً حسناً في اتجاه آخر.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/austria.jpg
النمسا
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/bielorrusia.jpg
بروسيا
بولندا
في عام 1795 زالت من خريطة أوروبا دولة بولندا، التي كانت ذات يوم دولة كبرى، لقد ظلت بولندا قوة عسكرية كبيرة حتى القرن السابع عشر، وكانت تحارب الإمبراطورية العثمانية بصورة فعالة حاسمة. إلا أنها أصيبت في القرن الثامن عشر بمشاكل في دستورها وفي أمور الخلافة أضعفت تماسكها إضعافاً شديداً وأعطت الفرصة لتدخل الأجانب في شؤونها وتآمرهم عليها.
وكان هذا من فعل القوى الكبرى الثلاث المتنافسة على الأراضي وعلى الهيمنة في أوروبا الشرقية، أي روسيا وبروسيا ونمسا الهابسبرغ. وقد جرت محاولات لإصلاح الدولة ولكنه لم تأت بنتائج.
وفي عام 1772 حدث توتر خطير بين روسيا والنمسا بسبب نجاح الروس ضد الأتراك، وقد حل التوتر باتفاقية تم فيها تقسيم بولندا للمرة الأولى، فاستولى جيرانها الثلاث على ثلث أراضيها ونصف عدد سكانها، ثم جرت معاهدة ثانية في عام 1793، وكان التقسيم الأخير في عام 1795.
كانت هذه العملية الوحشية ذات نتائج هامة جداً، فقد أصبحت هذه القوى العظمى الثلاث الآن وجهاً لوجه، ولم يعد بالإمكان التعويض لأي منها على حساب طرف رابع، ماعدا تنافس روسيا والنمسا على البلقان التي كانت للعثمانيين. ومن ناحية ثانية صار في تجمع هذه القوى الثلاث فيما بينها مصلحة واحدة، إذ صار في كل منها عدد كبير من البولنديين ذو المشاعر القومية الحادة والتي لابد من ضبطها والسيطرة عليها.



* منطقة في جنوب غربي بولندا

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:00 AM
أمريكا جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

أمريكا جديدة
لقد ابتدأت في سبعينيات القرن الثامن عشر تبدلات كبيرة وعميقة في المستوطنات البريطانية في أمريكا الشمالية، كان عدد المستوطنين هناك في عام 1760 حوالي المليونين، وكانت أعدادهم تتزايد بمعدل يضاعف عدد السكان في كل جيل، وكان هناك بالإضافة إلى الإنكليز والإيرلنديين والاسكتلنديين هولنديون وألمان أيضاً. ثم كان هناك الرعايا الهنود للملك والعبيد السود خاصة في المستوطنات الجنوبية والبالغ عددهم حوالي سدس عدد السكان الإجمالي، الذي كان بدوره يساوي حوالي ثلث سكان البلد الأم على أبعد تقدير.
كانت مساحة المستوطنات قد توسعت توسعاً كبيراً منذ عام 1700، وكان المستوطنون ميالين للتقدم من الساحل نحو الداخل إلى أن يبلغوا سلسلة الجبال التي تجري موازية للساحل الشرقي بأكمله تقريباً، وكان هذا التقدم يتم على حساب الهنود. وقد أدى ذلك إلى الاقتتال وسفك الدماء على حدود بعض المستوطنات، خاصة في نيويورك وبنسلفانيا، لأن مستوطنيها كانوا تواقين لعبور وديان الأنهار التي تصل بهم إلى حوض الميسيسيبي الهائل على الطرف الآخر من الجبال، وعندما خسر الفرنسيون كندا في عام 1763 زال الخوف من إعاقتهم لهذا التقدم.
لقد صارت هناك في النهاية ثلاث عشرة مستوطنة، وكان الناس أحياناً يسمون سكانها أمريكيين، أما هم فكان انتماؤهم محلياً، وكانوا يعتبرون أنفسهم أهل نيويورك أو كارولاينا أو نيوانغلند، وكانوا عادة في حالة خلاف فيما بينهم، وقد يتنازعون أو حتى يقتتلون على الحدود بين مستوطناتهم.
وكانت المستوطنات الأكبر واعية للفروق الواسعة بين سكان البراري الغربية من جهة، وبين أهل المدن والمزارعين القاطنين في السهول الساحلية من جهة أخرى، والحقيقة أنه لم يكن هناك ما يجمع شمل الأمريكيين سوى أنهم جميعاً رعايا لتاج إنكلترا.
كان الأمريكيون في عام 1763 يعتبرون أنفسهم رعايا موالين لإنكلترا، وكانوا ممتنين للحماية التي قدمتها لهم ضد الفرنسيين والهنود أثناء الحروب، ولم تكن متطلبات الحكومة في لندن كثيرة إلى حد يسبب مضايقتهم.
إلا أن الأمريكيين كانوا مختلفين عن الإنكليز في موقفهم من السلطة، وكانوا أكثر تساهلاً من البريطانيين في الأمور الاجتماعية، ورغم وجود أغنياء وفقراء في المستوطنات فقد كان عدد حاملي الألقاب فيها قليلاً، ولم يكن فيها التقليد الإنكليزي القائم على احترام الأرستقراطية. كما أن الفروق بين الطوائف الدينية كانت أكثر تقبلاً في المستوطنات منها في الوطن الأم، وكان الكثيرون من مستوطني نيوانغلند الأوائل قد رحلوا إليها أصلاً هرباً من كنيسة إنكلترا، وإن ولاية ماريلاند قد أسست لكي تكون ملاذاً للكاثوليك.
لقد انهارت الإمبراطورية البريطانية في أمريكا بعد عشرين سنة من صلح عام 1763، وكان هذا الانهيار مفاجأة لأكثر الناس، كان من أسبابه الأساسية شعور المستوطنين أنهم لم يعودوا بحاجة لحماية البريطانيين، كما أن البريطانيين منعوا امتداد الاستيطان إلى الغرب من أجل حماية حقوق الهنود من المستوطنين، وقد اشتكى هؤلاء من هذا الأمر. وكانت هذه الحماية بحاجة للجنود وبالتالي للمال، وقد بدا للإنكليز أن من العدل أن يدفع الأمريكيون تكاليفها لأن هؤلاء الجنود سوف يحمون حدود المستوطنين البيض من غارات الهنود.
وراحت الحكومة تلو الأخرى طوال سنوات عديدة، تحاول إيجاد طرق مقبولة وعملية لفرض الضرائب على المستوطنين من أجل هذه الغاية. ولكن أحد ساسة المستوطنات ابتكر عبارة لاضرائب من دون تمثيل، والمقصود بها أن الأمريكيين ليس لهم ممثلون في البرلمان البريطاني بوستمنستر، فلماذا يتوجب عليهم إذاً أن يدفعوا الضرائب التي يفرضها؟ وازداد الاستياء بالتدريج.
كان الناس يشعرون بالرغبة في البقاء رعايا للملك جورج الثالث، ولكنهم كانوا يشعرون أيضاً أن أحوالهم سوف تكون أفضل إذا لم تحكمهم قوانين من وضع البرلمان بل من وضعهم هم أنفسهم، ولكن الحقيقة أنهم كانوا يمارسون الحكم بهذه الصورة عملياً منذ سنوات، عن طريق مجالسهم دون تدخل هام من قبل البرلمان، أما هذه الرغبة بالاستقلال الكامل فلم تنم إلا ببطء شديد.
وقد أطلقت الرصاصات الأولى للثورة الأمريكية في عام 1775 على طابور من الجنود البريطانيين الذاهبين للقبض على أسلحة غير مشروعة في مدينة صغيرة غير بعيدة عن بوسطن، ولكن الكثيرين من الأمريكيين ظلوا حتى في ذلك الحين موالين لبريطانيا.
الثورة
في عام 1776 كان عدد الراغبين بالانفصال عن بريطانيا قد ازداد، وعقد في ذلك العام مؤتمر لممثلي جميع المستوطنات في فيلادلفيا حيث وافقوا على إعلان الاستقلال، الذي يمكن اعتباره آخر افتراق بين الطريقين. وصارت الطريقة الوحيدة التي يستطيع البريطانيون بواسطتها الاحتفاظ بمستوطناتهم هي سحق الثورة عن طريق القوة، ولقد لزمهم سبع سنوات لكي يعترفوا بأنهم ليسوا قادرين على ذلك فوقع الصلح في عام 1783، وسار دعاة الانفصال عن التاج البريطاني ودعاة البقاء معه كل في سبيلهن وحسم الأمر عن طريق الاقتتال والدبلوماسية.
ولم تكن موازين القوى لصالح بريطانيا ولو أن هذا الأمر لم يكن واضحاً في البداية، صحيح أنها كانت تملك جيشاً وبحرية قويين بينما لم يكن لدى الثوار شيء من هذا، وصحيح أن أعداداً كبيرة من الأمريكيتين كانت موالية لهم ، والحقيقة أن الآلاف قد تركوا موطنهم وذهبوا ليعيشوا في كندا عند نهاية الحرب، وأن الوطن الأم كان غنياً بينما كانت مستوطناته فقيرة، ولكن من الناحية الأخرى كانت هناك مسافات هائلة تفصل المستوطنات حيث حدت القتال عن قاعدة الجيش البريطاني في وطنه، وقد أدى هذا إلى مشاكل ضخمة في النقل والتموين.
وكانت الأرض صعبة وخرائطها سيئة، ويصعب العيش فيها على الجنود الأوروبيين المعتادين على الاتصالات والمؤن الحسنة، كما أن البريطانيين لم يكن بإمكانهم خوض حملات وحشية تقضي على الأساس الذي يعتمد عليها جيش الثوار، مثل حرق المزارع وما إلى ذلك، لأنهم لايستطيعون أن يعادوا أصدقاءهم من الأمريكيين.
وأخيراً كان الأجانب متلهفين للاستفادة من متاعب إنكلترا، لهذا وجد البريطانيون أنفسهم عند نهاية الحرب، يقاتلون الفرنسيين والإسبان والهولنديين فضلاُ عن الأمريكيين، وقد قلب هذا الأمر ميزان القوة البحرية ضد البريطانيين في لحظة حاسمة، فأجبر جيشهم على الاستسلام في يوركتاون في عام 1781، وبعد تلك الكارثة أصبح موضوع الاستقلال أمراً حتمياً.
الولايات المتحدة الأمريكية
وهكذا بزغت أمة جديدة وأول بلد متحررة من الاستعمار، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ظلت الروابط بين ولاياتها الثلاث عشرة فضفاضة حتى بعد أن قبلت الدستور الذي ضمها في جمهورية فيدرالية (اتحادية) في عام 1789.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/usa1789.jpg
الولايات المتحدة 1789
ولكن بعض الأمريكيين كانوا يعلمون أن هذه الولايات الجديدة لن يكتب لها البقاء ما لم تكون لها حكومة وطنية، وكان من بين هؤلاء جورج واشنطن، القائد السابق للجيش الأمريكي، والذي أصبح أول رئيس للاتحاد.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/george-washington.jpg
جورج واشنطن
كان هذان التغيران الكبيران، أي الانفصال عن بريطانيا وخلق حكومة مركزية ولو ضعيفة، على أهمية عظيمة للبشرية كلها في النهاية، ويمكننا الآن أن نرى أن الثورة الأمريكية كانت الموجة الأولى في تيار من ثورات المستوطنات سوف يمتد طوال خمسين عاماً تقريباً في الأمريكتين، وسوف تمتد تأثيراته زماناً أطول من هذا بعد.
ثم كانت هناك نتيجة أخرى، هي أن الذين استوطنوا أمريكا الشمالية وسيطروا عليها كانوا يتحدثون اللغة الإنكليزية ويشتركون بقسط كبير من الثقافة الإنكليزية، فساروا بالطبع على التقاليد الدينية والقضائية والدستورية الموضوعة في إنكلترا ونشروها في أنحاء القارة كلها، ولو نشر المستوطنون مثلاً الأفكار الفرنسية أو الإسبانية عن الملكية المطلقة لاتخذ تاريخ العالم شكلاً مختلفاً جداً.
والحقيقة أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة قد شددوا على بعض الأفكار الإنكليزية وساروا بها شوطاً أبعد مما حدث في البلد الأم، وقد وصل التسامح الديني في أمريكا إلى حد أن الدستور منع الحكومة من دعم أي ديانة على الإطلاق.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً أول أمة كبرى تصبح جمهورية، لقد كانت النظرة السائدة في القرن الثامن عشر هي أن الجمهوريات كيانات ضعيفة لاتصلح إلا للدول الصغيرة، إلا أن الولايات المتحدة أثبتت خطأ هذه النظرة، فكان هذا إنجازاً كبيراً للبشرية، ولو أنها تدين في نجاحها هذا بالكثير لحظها السعيد وبعدها الكبير عن ثرواتها الطبيعية.
وأخيراً كان هذه الجمهورية الجديدة ديمقراطية أيضاً، ربما لم تكن ديمقراطية كاملة ولكنها كانت على كل حال أكمل الديمقراطيات. تقول الكلمات الأولى في الدستور نحن الشعب وسوف يزداد انتشار الديمقراطية عمقاً واتساعاً في الحياة الأمريكية خلال القرنين التاليين وسوف يترافق هذا بالريبة بالحكومة المركزية، وبالانتشار التدريجي لمساواة أكبر في الحريات السياسية والعملية لجميع الأمريكيين في حياتهم اليومية. ولايصح هذا الأمر على أي دولة كبرى حتى اليوم كما يصح على الولايات المتحدة.
إن هذه الدولة الجديدة لم تغير أوضاع العالم كثيراً في البداية، لأنها كانت بعيدة جداً، لقد ازدادت تجارة البريطانيين مع الأمريكيين عما كانت عليه قبل الحرب، إذ يبدو أن الانفصال السياسي لم يؤثر فيها كثيراً، أما الفرنسيون فلم يستعيدوا مستوطناتهم بالرغم من انتصارهم، وكان قد اضطروا لبذل الكثير من أجل دعم الأمريكيين.
ولكن الحرب غيرت نظرة الحكومات البريطانية إلى مستوطناتها، فصارت ترتاب بها منذ ذلك الحين وقد أمضت الجزء الأكبر من القرن التالي في محاولات لمنحها أكبر قدر من الاستقلال وفي أسرع وقت ممكن لكي لاتشكل عبئاً على دافعي الضرائب البريطانيين ولا تهددهم بكارثة جديدة مثل الكارثة التي حدثت في أمريكا. وأما الأمريكان فقد راحوا يوطدون بلدهم الجديدة ويرسخونها ويوسعون حدودها.

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:02 AM
الثورة الفرنسية ونتائجها

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

الثورة الفرنسية ونتائجها
منذ أيام لويس الرابع عشر وحتى وقت متقدم من النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت فرنسا مهيمنة في أوروبا، ولكن علامات التوتر كانت بادية عليها بمرور النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فقد خسرت كندا ولم تستردها، ولو أن البريطانيين بالمقابل أصيبوا بالذل، كما ارتفعت ديون الملكية الفرنسية ارتفاعاً هائلاً، وراح وزراؤها الواحد تلو الآخر يحاولون إيجاد طريقة لتخفيض ديونها ومنحها ترتيبات مالية جديدة ومعقولة.
ولكن محاولاتهم كلها باءت بالفشل لأنهم عجزوا عن جعل الأغنياء يدفعون حصتهم الواجبة من الضرائب، وقد بين هذا أن الملكية الفرنسية المذهلة كانت ضعيفة من الداخل، فهي لم تكن ناجحة في جبي الموارد مثل نظام البرلمان البريطاني مثلاً. وألقي اللوم في هذا الوضع على كاهل النبلاء الفرنسيين.
ثم أعلن الملك أخيراً في عام 1789 أنه يعتزم استدعاء مجلس الطبقات، وهو مؤسسة من القرون الوسطى كانت أقرب ما عرفته فرنسا على البرلمان، وابتهج الناس لهذا الإعلان أيما ابتهاج لأن الأيام كانت عصيبة، ويبدو أن الجميع كانوا يعتقدون حينذاك أن الحكم في فرنسا سوف يكون حكماً أفضل إذا راعى إرادة الأغلبية.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/French-Revolution.jpg
الثورة الفرنسية الكبرى
عملية التغيير
لقد روعيت إرادة الأغلبية في النهاية فعلاً، ولكن بعد صراعات سياسية طويلة ومريرة، وعندما التأم مجلس الطبقات في أيار/مايو من عام 1789 راحت المظالم والمطالب تتعالى حول أمور كثيرة عدا عن العدالة في فرض الضرائب، وراحت أعداد متزايدة من الناس تتحول إلى السياسة من أجل إصلاح الأحوال وتقويمها.
وابتدأت عندئذٍ سلسلة متواصلة من التبدلات والتحولات الكبيرة، فأطيح بالدستور التاريخي لفرنسا، وتحولت الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية أولاً ثم إلى جمهورية، وقطع رأسا الملك والملكة، ومات الآلاف من الناس في الحرب الأهلية، وتخلت الدولة عن ديانتها الكاثوليكية الوطنية القديمة، وبيعت أوقاف الكنيسة لصالح الدولة، عدا عن ألف تغيير وتغيير، وكانت تلك هي الثورة الفرنسية.
لقد تجادل الناس كثيراً حول تاريخ بداية الثورة الفرنسية وتاريخ انتهائها، ولكن يمكننا أن نقول أنها ابتدأت في عام 1789 وانتهت في عام 1799 عندما استولى نابليون بونابرت على السلطة من السياسيين وأعاد فرنسا إلى الطريق نحو الملكية، ولم يعرف الناس قط عقداً مثل ذلك العقد.
إن أكثر التغيرات تمت بحلول عام 1791، وكانت السنوات التالية حتى عام 1795 أكثر سنوات الثورة اضطراباً وهياجاً، ثم استقرت الأمور بعد ذلك إلى حد ما، وكانت فرنسا في ذلك الحين قد انقطعت عن جزء كبير من ماضيها، وأعادت بناء دستورها على أساس المساواة أمام القانون، إذ تم إلغاء طبقة النبلاء والتسامح الديني والحكم عن طريق جمعية وطنية مؤلفة من نواب منتخبين يحق لهم التشريع في أي أمر من الأمور بصرف النظر عن الحقوق والتقاليد.
إلا أن أشياء كثيرة من الماضي قد استمرت، ولاريب أن الحياة في الريف لم تتغير كثيراً، بالنظر إلى التقاليد القديمة المتأصلة، فلم تنتشر مثلاً العملة العشرية الجديدة المكونة من الفرنك والسنتيم والتي مازالت مستخدمة حتى اليوم، أسواق الريف إلا بعد عقود عديدة، وحتى بعد خمسين سنة من عام 1789 ظل بعض الفلاحين يحسبون باستخدام العملة القديمة من كورون وسو، وكانوا يستخدمون المقاييس القديمة بدلاً من المقاييس الحديثة من كيلومتر وهكتار.
ولكن الثورة مع هذا قلبت فرنسا رأساً على عقب، إن الكثيرين من الناس لم ينسوا ما حصل ولم يقبلوا به قط، وقد ظلت الثورة طوال القرن التالية محك الآراء السياسية، فإذا كنت مع الثورة فأنت تريد حق الانتخاب لأعداد أكبر من الناس، وتريد جمهورية، وتريد أن ينخفض نفوذ الكنيسة عما كان عليه قبل عام 1789، وأنت تؤمن بحرية التعبير والكلام وبأن الرقابة على الصحافة عمل فاسد.
أما إذا كنت ضد الثورة، فأنت تتطلع إلى حكومة قوية، وتسعى لإعادة نفوذ الكنيسة إلى حياة البلاد، وتعتقد أن الفساد هو السماح بانتشار الأفكار الضارة، وتعتبر الانضباط والنظام أهم من الحرية الفردية.
وهذا هو بصورة تقريبية الفرق بين اليسار واليمين الذي انتشر في سياسات الكثير من الدول الأوروبية الأخرى خلال القرنين التاليين، وقد اخترعت هاتان الكلمتان وبدئ باستخدامهما في عام 1789، عندما بدأ المحافظون يجلسون معاً عن يمين الرئيس في الجمعية الوطنية بينما بدأ الليبراليون (التحرريون) يجلسون معاً عن يساره.
إن انتشار مثل هذا التقسيم إلى يسار ويمين إلى دول أخرى فيما بعد لدليل على التأثير الهائل للثورة خارج فرنسا، ومنذ البداية كان بعض الثوار قد قالوا أن مايبغون فعله في فرنسا عن طريق الإصلاحات يمكن أن يتم بل يجب أن يتم في البلاد الأخرى أيضاً، وراحوا يدعون بقية الناس إلى اتباع السبيل نفسه.
وعندما وجدت فرنسا الجديدة في حالة حرب كما كانت الحال منذ عام 192 حتى آخر العقد، راحوا يصدرون ثورتهم إلى البلاد الأخرى بالقوة والدعاية، وراح القادة العسكريون الفرنسيون ينظمون الثورات ويؤسسون الجمهوريات الجديدة في الأراضي التي كانوا يغزونها.
وكان هذا من أسباب الحروب الكثيرة التي حدثت بعد عام 1792، لقد بدا أن فرنسا عادت على عهد نابوليون بونابرت الذي توج إمبراطوراً في عام 1804 إلى سيرتها الأولى من الفتوحات كما كان الأمر على عهد لويس الرابع عشر، ولكن هذه الفتوحات صارت الآن تحمل معها رياح الثورة.
كانت بريطانيا عدوة فرنسا الدائمة، فهي لم تعقد الصلح معها بين عامي 1763 و 1814 إلا مرة واحدة ولفترة وجيزة، وقد ربحت لعبة المنافسة الاستعمارية القديمة في النهاية بعد أن انكسرت القوة البحرية الفرنسية في عام 1805 في الانتصار البحري الكبير بمعركة الطرف الأغر. أما القتال على البر كان أمراً مختلفاً، صحيح أن البريطانيين كانت لديهم منذ زمن طويل قوات في إسبانيا، إلا أن الأعداد الهائلة التي هزمت فرنسا أخيراً في عام 1799 ثم في عامي 1812 و 1813 إنما أتت من جماهير فلاحي النمسا وبروسيا وخصوصاً روسيا.
كثيراً ما جلبت الجيوش الفرنسية معها التحرر بالرغم من ضراوة الثورة، وكانت الاحتلال الفرنسي يؤدي عادة إلى إلغاء النظام الإقطاعي وتحطيم الحكومات الطاغية المستبدة ويعزز مساواة البشر أماما القانون.
وهكذا كانت الثورة الفرنسية منذ البداية حتى الآن مثلاً عظيماً ومصدراً كبيراً للإلهام، وسوف ينهض الناس طوال القرن التالي في كافة أنحاء العالم ضد طغاة حقيقيين أو وهميين باسم المبادئ المثالية التي يلخصها أحد شعاراتها: حرية ، مساواة، أخوة. وهذا ما جعل الطغاة يخشونها.
وحتى عندما كان الناس لايتطلعون إلى الثورة للحصول على مطالبهم كانوا يستلهمون المبدأ الذي نادى به الثوار بأن للناس حقوقاً بحكم كونهم بشراً، لا لأنهم ورثوها من نظام أو قانون ما أو لأن لديهم تقاليد تاريخية تساندهم، وكان هذا سبباً آخر جعل الثورة الفرنسية حدثاً كبيراً في تاريخ العالم فضلاً عن أهميته في تاريخ فرنسا.
ولادة السياسة الحديثة
بعد عام 1815 سوف تأخذ السياسة في العالم بالتدريج لغتها ومبادئها من أوروبا، ومن أهم التيارات التي سادت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية ازدياد أعداد الناس المشاركين في الحياة العامة، ولو بصورة شكلية جداً. وكانت العلامة الأساسية على هذا التطور في أكثر الدول هي اكتساب أعداد متزايدة من الناس لحقوق سياسية حقيقية وعملية.
وكانت بعض الحقوق من النوع السلبي، مثل حقك بأن لاتمنع الكلام مثلاً من دون قضية قانونية سليمة، وحقك بألا تسجن من دون محاكمة، وكانت هذه الأمر مكفولة تماماً للإنكليز بفضلة الوثيقة القانونية المسماة habeas corpus وهما الكلمتان اللاتينيتان اللتان يبدأ بهما نص الوثيقة، أما بعض الحقوق الأخرى فكانت من النوع الإيجابي، أي أنها تسمح لك بالقيام بشيء ما، وأهمها بلا شك هو حق التصويت الذي يتيح لك أن تشارك في اختيار حكامك.
من بين الدول الكبرى، كانت المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في عام 1815 هما الدولتان الوحيدتان المتمتعتان بحقوق سياسية جيدة وواسعة الانتشار، ولكن قيوداً هامة ظلت قائمة حتى في هذين البلدين مثل القيود المفروضة على حق التصويت في إنكلترا مثلاً.
إلا أن المطالبة بالحقوق قد تعالت كثيراً في كل مكان عما كانت عليه قبل سنوات قليلة بفضل الثورة الفرنسية، فإذا لم تقم الثورة بالكثير لحماية تلك الحقوق فإنها قامت بالكثير للترويج لها. لقد بينت الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ عام 1789 أنها غير راغبة في منح مواطنيها حقوقاً سياسية، وعندما كانت تغزو البلاد الأخرى كانت تسلك سلوكاً طاغياً ومستبداً.
ولكنها بالرغم من ذلك قد مهدت الطريق كثيراً بأن أزالت الملكيات المطلقة القديمة مع القوانين المرتبطة بها، وكثيراً ما كانت جيوشها تفعل الشيء نفسه في الخارج، فبين عامي 1796 و 1814 صار جزء كبير من إيطاليا وألمانيا والبلاد الواطئة وسويسرا تحت حكم جمهوريات ذوات قوانين مبينة على صورة قوانين فرنسا الثورية.
والأهم من هذا هو إعلان حقوق الإنسان والمواطن العظيم الذي وافقت عليه الجمعية الوطنية في عام 1789 قد افتتح جدالاً انتشر في كافة أنحاء أوروبا، وسوف يتلوه إعلانان آخران خلال السنوات القليلة القادمة.
لقد أطلقت الثورة فكرة خصبة أخرى في مفهوم السيادة الوطنية في أوروبا، كان الثوار الفرنسيون يصرون على أن ممثلي الأمة كيفما تم اختيارهم هم الذين لهم الكلمة الأخيرة في التشريع، أي في وضع القوانين.
وماكانت هذه الفكرة لتسبب اضطراباً كبيراً في المملكة المتحدة في عام 1801، إذ كان فيها برلمان بعض أفراده بالوراثة، وبعضهم منتخبون من ضمن حلقة ضيقة، وكان يتمتع سلطات واسعة جداً؛ ولكنها كانت فكرة مؤرقة في البلاد الأخرى التي كان الناس فيها يعتبرون أنه لايجوز لأي كان ولا حتى للبرلمان أن يتدخل في المؤسسات والتقاليد القديمة.
وكانت تلك فكرة ثورية بالأخص في روسيا، حيث كان القيصر يدعي أن لسلالته حقاً من الله بأن تحكم بالشكل الذي تراه أصلح لروسيا، وسوف يظل آخر سليل له يسلك هذا المسلك حتى القرن العشرين، كما أنها كانت فكرة ثورية لدى الشعوب الخاضعة لحكم الأجانب كالبولنديين مثلاً.
وأخيراً فإن الثورة قد شككت بمكان الدين في الحياة السياسية، كان بعض مفكري التنوير قد شجبوا تأثيرات العقيدة الدينية على القانون والحكم، وفي النهاية صار بعض الثوار الفرنسيين يعتبرون الكنيسة عدوة للدولة، ولم يكونوا يقبلون ادعاء الكنيسة بأنها تحتكم إلى سلطة أعلى من سلطة الأمة نفسها، وقد أصبحت العلاقات بين الكنيسة والدولة بعد ذلك موضوعاً هاماً في جميع البلاد التي تحوي عدداً كبيراً من الكاثوليك.
عدا عن طرحهم للمواضيع الجديدة غير الثوار الفرنسيون أيضاً أساليب الكلام والتفكير في السياسة، فقد جعلوا محك الآراء السياسية هو درجة تأييد المرء للثورة أو مناوئته لها، فنشروا بذلك مفهوماً جديداً هو أن كل إنسان يمكن تحديد مكانه على طيف يمتد من أقصى الديمقراطية الجمهورية حتى أقصى التأييد المطلق، واعتبروا أن موقف الإنسان من الثورة أو النظام القديم بالإجمال يحدد موقفه من مصادرة أوقاف الكنيسة، أو حتى إيمانه بالتطور نفسه، وكان هذا التقسيم الثنائي البسيط للسياسة إلى يمين ويسار مناسباً لجزء كبير من أوروبا خلال القرن التالي ولكنه لم يكن مناسباً للسياسة في بريطانيا وأمريكا، بل إنه في الحقيقة لم يناسب هذين البلدين قط منذ مرحلة الثورة الفرنسية.
عودة الملكية بعد عام 1815
لقد أعادت الهزيمة النهائية لفرنسا في عام 1815 الشيء الكثير من البنية القديمة، وغابت الحياة السياسية الحقيقية عن أوروبا ماعدا البلاد الواقعة إلى الغرب من الراين وفي بعض الدول الألمانية والإيطالية الصغيرة.
فقد حدث بعض التقدم هناك نحو اكتساب حكومات دستورية، أي أن تتم إدارة الشؤون العامة ضمن حدود قوانين دستورية تمنع الاستخدام التعسفي للسلطة، وكثيراً ماكانت هناك أيضاً درجة ما من الحكم التمثيلي، وقد تمت بعض التغيرات بمساعدة الثورة، كما في إسبانيا وأجزاء من إيطاليا وفرنسا مثلاً، بينما تمت في بعضها الآخر بصورة سلمية كما في بريطانيا، حيث كانت توجد بالأصل حكومة دستورية فأصبح لها الآن قاعدة أوسع عن طريق توسيع جمهور الناخبين في عام 1833 ورفع القيود الباقية على بعض الطوائف الدينية، وكنت تجد في هذه الدول جميعاً شعوراً متزايداً بأن على الحكومة أن تسير مع الرأي العام.
أما في ألمانيا وإمبراطورية الهابسبرغ وبعض الدول الإيطالية أيضاً فلم يحدث شيء من هذا ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منه الرغبة الشخصية لحكام هذه الدول، ومنها سيطرة الحلف المقدس المكون من بروسيا والنمسا وروسيا على هذه المنطقة عام 1815، وثلاثتها تخشى عودة الثورة، لذلك كانت السيطرة على الحريات السياسية فيها أشد بكثير، وكانت الحكومات الدستورية نادرة، وحتى الحريات الأساسية مثل حرية التعبير والحركة والنشاط السياسي كانت قليلة جداً.
لم تحرز الحركة الجمهورية تقدماً في أي مكان قبل عام 1848، ولم تكن أي من الدول الأوروبية الكبرى جمهورية في بداية ذلك العام، وقد ظلت الطبقات الحاكمة القديمة تدير البلاد كما في السابق، أي بزعامة الأسر الأرستقراطية الكبرى التي طالما هيمنت على أوروبا، ولكنها كانت أحياناً خاصة في بريطانيا، تقدم بعض التنازلات عن طريق السماح لأفراد من طبقة النبلاء والطبقات الوسطى بمشاركتها في السلطة.
وكانت منظمات الطبقة العاملة قد ظهرت أيضاً، ولكن إذا كانت لها فعالية فإنها كانت مقتصرة على كسب تنازلات محددة لأفرادها، ولم تكن بقادرة على تبديل الترتيبات السياسية القائمة، ويبدو أن الخطر الأكبر على النظام القائم في ثلاثينيات أو أربعينيات القرن التاسع عشر كان متمثلاً بالحركة الوثيقية في إنكلترا التي سميت بهذا الاسم لأنها لخصت أهدافها في وثيقة الشعب التي أعدت لكي تقدم إلى البرلمان، وقد تحولت جميع أهدافها السياسية في النهاية إلى قوانين ماعدا واحداً منها، ولكن بعد أن ذوت الحركة نفسها بزمن طويل.
ولم يكن هناك في عام 1848 أي بلد يحق فيه لأغلبية السكان قانونياً أن يشتركوا بالسياسة، حتى الولايات المتحدة لم تكن تمنح حق التصويت إلى للذكور البالغين الأحرار، أما في المملكة المتحدة، فكان هناك أكثر من 400.000 ناخب، وكان هذا العدد أكبر من عدد الناخبين الموسع في فرنسا بعد الثورة التي جرت فيها في عام 1830 والتي وضعت نظاماً أكثر تحرراً. وسوف يزداد عدد الناخبين البريطانيين أيضاً بمقدار 50% تقريباً بعد قانون الإصلاح الكبير في عام 1832.
ولكن بالرغم من جميع التحفظات، يصح أن نقول بصورة عامة إن تقدماً حقيقياً قد تم في أوروبا نحو حكومات أكثر تحرراً ودستورية بعد الإطاحة النهائية بنابليون في عام 1815، ولو أن هذا التقدم كان مقتصراً على بلاد قليلة وأنه قد حصل أحياناً بصورة متقطعة وترافق بالثورات والمؤامرات.
ثم جاء عام 1848 وجاءت معه موجة عارمة من الثورات التي اكتسحت أنحاء القارة الأوروبية كلها، فابتهج لها دعاة التقدم في كل مكان ابتهاجاً عظيماً وبلغت آمالهم ذروة لم تبلغها من قبل قط، ولم تسلم حكومة من تأثيرات تلك الثورات من جبال البيريه إلى بحر البلطيق.
1848
مازال الجدل دائراً حول أسباب هذه الموجة من الثورات، إلا أن هناك بعض الحقائق الواضحة. لقد كانت أربعينيات القرن التاسع عشر بالإجمال سنوات سيئة في اقتصاد أوروبا، فقد حصل كساد في الأشغال ترك الكثيرين من أهل المدن بلا عمل، وأدى فساد المحاصيل وسوء الطقس في بعض الدول إلى حالة قريبة من المجاعة منذ عام 1846 فما بعد وما إن ابتدأت الثورات في عام 1848 حتى كل نجاح تحرزه الواحدة منها يمهد الطريق للثورة التالية، وكأن الأمر أشبه بالتفاعل التسلسلي في الانفجارات الذرية.
لقد حدثت أولى ثورات ذلك العام في صقلية بسبب تشكي السكان من حكم نابولي لجزيرتهم، وسرعان ما ترددت أصداؤها بصورة واسعة خارج إيطاليا. إلا أن الثورة الهامة التي أتت في الشهر التالي، أي في شهر شباط/فبراير في مدينة باريس.
لقد رأينا كيف جرت ثورة عام 1789 في فرنسا القارة كلها إلى الحرب، كما أن ثورة تموز/يوليو من عام 1830 قد سببت ثورات غيرها في دول أخرى، فمن الصحيح إذاً كما قال أحدهم أنه عندما تعطس باريس تصاب أوروبا بالرشح.
وهكذا كانت الثورة الفرنسية صدمة للناس وإلهاماً لهم في كافة الأراضي الواقعة إلى الشرق من نهر الراين والجنوب في جبال الألب، فامتدت الثورات في أنحاء ألمانيا وسقطت الوزارات والدساتير، وقد حدثت الانقلابات الكبرى في آذار/مارس عندما هزت الثورات كلا من فيينا وبرلين، وهما عاصمتا أكبر دول ألمانيا.
فدفعت الثورة الأولى بالكونت مترنيخ مستشار الهابسبرغ إلى المنفى، بعد أن كان يعتبر الدعامة الأساسية للنظام المحافظ المتمثل بالحلف المقدس.وسرعان ما حدثت ثورات أخرى في أجزاء أخرى من إمبراطورية الهابسبرغ في إيطاليا وهنغاريا وكرواتيا وبوهيميا، والأفظع من هذا هو حصول ثورة شعبية كبرى ثانية في باريس في حزيران/يونيو سحقت بوحشية كبيرة خلال أسبوع واحد من الاقتتال في الشوارع، لا على يد ملك بل على يد الجمهورية الفرنسية الجديدة.
وقد كانت تلك بداية انقلاب التيار، وعند نهاية عام 1849 كان يبدو أن الثورات لم تحرز شيئاً هاماً إلى في فرنسا حيث استمرت الجمهورية الجديدة، وفي بعض الدول الإيطالية التي احتفظت بالدساتير التي منحها لها حكامها خلال تلك الاضطرابات بينما عادة القوى المحافظة لتستعيد سيطرتها شيئاً فشيئاً، وقد تم تركيع الثوار حتى في إمبراطورية الهايسبرع بمساعدة الجيش الروسي، إذ أن روسيا قد سلمت من أي اضطراب خلال عام الثورات هذا كما عاد البابا إلى روما.
نتائج 1848 -1849
ولكن نتائج هذه الأحداث لم تقتصر على انتصار الرجعية المذكور، يمكننا أن نقول بصورة إجمالية إن مطالب الثورات المختلفة التي حدثت في عام 1848 كانت على ثلاثة أنواع، لقد ثار الفلاحون في أوروبا الشرقية للمطالبة بإلغاء أشغال السخرة والحقوق الإقطاعية التي كانت بيد أصحاب الأراضي، أي أنهم كانوا يسعون للحصول على ماحصل عليه الفرنسيون في عام 1789 وماجلبوه إلى بعض أنحاء ألمانيا عقب الثورة الفرنسية. وقد جلب عام 1848 إلى إمبراطورية الهابسبرغ وألمانيا وجزء كبير من بولندا نهاية الإقطاعية وعبودية الأرض، وكان هذا تقدماً عظيماً، وهكذا لم يعد للعبودية وجود فيما كان الأوروبيون المتعلمون يعتبرونه العالم المتحضر إلا في روسيا والأمريكتين.
أما النوع الثاني من المطالب التي قدمت عام 1848 فكانت بالإجمال مطالب المتحررين والمفكرين وأصحاب المهن العلمية من أبناء الطبقة الوسطى، والراغبين بحكومات أكثر دستورية وتمثيلية وبعدد أكبر من الوظائف في المناصب العامة على حساب الأرستقراطيات القديمة. ولهذا الأمر أسباب معقدة ومختلفة من مكان لآخر، منها أنها عندما ابتدأت الثورة حقاً راحت تهدد أسس المجتمع والأملاك مثل الثورة الاشتراكية التي حدثت في أيام حزيران في باريس، شعر الثوار أنهم قد تجاوزوا الحد، فتحالفوا مع سلطات النظام القديم، أي مع الملوك والأمراء الذين استردوا جرأتهم وراحوا يستخدمون جيوشهم لإعادة تثبيت سلطتهم. إلا أن بعض التحسينات الدستورية استمرت في ألمانيا بعد عام 1848، ولم تعد الأمور إلى القمع الشديد الذي كان على عهد مترنيخ.
من الأسباب الأخرى لفشل الثوريين أنهم كانوا منقسمين حول موضوع آخر، هو المطلب الثالث لعام 1848، لقد سمي ذلك العام ربيع الأمم لأن الكثير من الثورات كانت تسعى باسم الشعوب لأن تحكم أنفسها بدلاً من أن يحكمها الآخرون، ويصح هذا الأمر بالأخص على الهنغاريين والإيطاليين الذين كانوا يناضلون لكسر نير حكم النمسا.
والمؤسف أن الكثير من الوطنيين الذين حاربوا من أجل شعوبهم في عام 1848، كانوا لهذا السبب بالذات مستعدين لمحاربة شعوب أخرى عندما يشعرون أنها قد تشكل خطراً عليهم، وقد استمر بعض أحفادهم على هذا المنوال، منذ ذلك الحين حتى اليوم.

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:04 AM
الأمم ودعاة القومية

كتاب تاريخ العالم - الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

الأمم ودعاة القومية
منذ القرن التاسع عشر تعامل فكرة الأمة والقومية بقدر كبير من التبجيل والتوقير، ولم تكن هذه بالفكرة الجديدة، فأنت تجد في مسرحيات شكسبير إشارات كثيرة إلى شعور الإنكليز بقوميتهم وافتخارهم بها، كما تجد علامات كثيرة على أن الناس منذ زمن بعيد كانوا يحبون أن يعتبروا أنفسهم فرنسيين أو إسباناً.
ولكن هذه المشاعر صارت أكثر اتساعاً بكثير خلال القرنين الماضيين، والأهم من ذلك أن الناس بدؤوا يشعرون أن انتماءهم إلى قومية معينة يقتضي أن يحكمهم أشخاص من هذه الأمة نفسها، أي أن الدولة والأمة يجب أن تكونا شيئاً واحداً، أو وجهين مختلفين لعملة واحدة.
وهذه هي الفكرة السياسية التي تسمى القومية، وهي تقول أن الأمة هي الأساس الشرعي الوحيد لقيام الحكم، وقد سببت هذه الفكرة قدراً كبيراً من المعاناة والعنف، مثل أكثر المفاهيم العامة حول كيفية تنظيم الحكومات. فما الذي يبرر أن تكون حكومة ظالمة أو فاسدة من أهل أمتك أفضل أخلاقياً من حكومة أجنبية عادلة وخيرة؟ إلا أن نجاحات فكرة القومية وتأثيراتها الثورية كانت ومازالت أكبر من أي فكرة سياسية أخرى، وقد بدلت خلال القرنين الماضيين خريطة العالم وحياة مئات الملايين من الناس.
ونعود إلى الثورة الفرنسية من جديد لأنها كانت معلماً هاماً في تطور هذه الفكرة، لقد كان الثوار الفرنسيون يضربون دائماً على وتر القومية وحقوق القومية، وكانت الأمة في نظرهم ذات سيادة مطلقة لاتعلو عليها أي سيادة. ولم يتراجع أي نظام فرنسي فيما بعد عن هذا المبدأ، بل كان دعاة الثورة يبشرون به للمتعاطفين معهم في البلاد الأخرى.
ومن ناحية أخرى أدت الثورة الفرنسية إلى حوالي ربع قرن من الحروب شبه المستمرة، فنتجت عن ذلك انقلابات كبيرة وتبدلات في الحدود وإطاحة بالقادة القدماء وتنصيب لقادة جدد واجتثاث المؤسسات القديمة، فكانت هذه كلها فرصاً كبيرة جعلت الناس يفكرون بوضع ترتيبات جديدة على أساس مبدأ القومية.
وهكذا فإن البولنديين مثلاً، بعد أن زالت دولتهم المستقلة في تقسيمات القرن الثامن عشر، بدؤوا يأملون في أن يعيد لهم نابليون حريتهم، ولكنه لم يعدها لهم، ولو أنه أسس صورة هزيلة عن الدولة البولندية القديمة سماها غرندوقية وارسو، إلا أن استحواذ هذا الأمل عليهم كان ذا أهمية كبيرة في إبقاء الشعور القومي البولندي حياً ومتقداً.
وفي إيطاليا راحت الجيوش الفرنسية منذ عام 1796 فما بعد تقلب الحكومات الواحدة تلو الأخرى، فكان البعض يرونهم مخلصين محررين والبعض الآخر يرونهم في أحيان أخرى مضطهدين ظالمين، إلا أن بعض أهل شبه الجزيرة بدؤوا يعتبرون أنفسهم للمرة الأولى إيطاليين، بدلاً من شعورهم السابق بأنهم أبناء روما أو ميلانو أو البندقية أو غيرها، وهكذا راحوا يسعون لإيجاد طرق لتوحيد فسيفساء الدول الإيطالية القديمة تحت حكومة وطنية، كما حدثت تطورات مشابهة في بلاد أخرى أيضاً.
لقد أرقت هذه التطورات حكام أوروبا كثيراً بعد زوال نابوليون من مسرح الأحداث بنفيه وموته وحيداً في جزيرة سانت هيلينا، ولم تعد للظهور جميع الحكومات التي أطيح بها خلال العشرين سنة الماضية. فجمهورية البندقية القديمة، التي كانت على أهمية كبيرة في تاريخ أوروبا طوال مئات السنين استمرت حتى عام 1796 ولم تعد للحياة في عام 1815، بل انتقلت أراضيها السابقة عندئذٍ إلى حكم النمسا. وكذلك زال عدد من الأمراء الحاكمين في ألمانيا وانتقلت أراضيهم إلى أيدي أمراء آخرين أكبر منهم وأوفر حظاً.
إلا أن معظم الملوك قد عادوا، وقد أظهر بعضهم بوضوح بأنهم راغبون بإرجاع الساعة إلى الوراء وإعادة الأمور إلى سابق عهدها، بينما كان بعضهم الآخر أكثر حكمة فقدموا التنازلات للأفكار الجديدة، مثل ملك فرنسا من سلالة بوربون الذي لم يحاول العودة إلى النظام القديم بل قبل بالدستور.
وقد حاول مؤتمر فيينا الذي انعقد للاتفاق على شروط الصلح في عام 1815، أن يخفف من خطر الثورة، فأعطى أجزاء من الدول التي كانت مستقلة في إيطاليا للنمساويين، وكان يفترض بحكام الهابسبرغ أن يضبطوا الأمن في شبه الجزيرة الإيطالية ويحافظوا على الهدوء فيها. وكان هذا تعارضاً صارخاً مع المبدأ القومي لأنه إذا كان من الواجب أن تحكم الأمة نفسها بنفسها، فليس هناك من مبرر لأن يحكم النمساويون الإيطاليين أو البولنديين أو الهنغاريين أو البوهيميين أو السلوفاك أو الروثينيين* أو غيرهم من الشعوب الكثيرة التي كانت خاضعة لفيينا. وليس هناك مبرر لأن يحكم الروس البولنديين والدنمركيين أيضاً.
أي أن مفهوم القومية كان خطيراً بشكل خاص على الدول الثلاث في أوروبا الشرقية التي كانت أساس النظام المحافظ بعد عام 1815، أما فرنسا فلم تكن فيها مشكلة قومية، وكانت إنكلترا تدعي منذ زمن طويل أن ليس فيها شيء من هذا أيضاً، مع أن ايرلندا كانت في الحقيقة قضية قومية.
لقد اعتنت الدول الأوروبية عناية كبيرة بأمور الأمن والتعاون الدبلوماسي فيما بينها، وكانت مستعدة للضرب بلا رحمة إذا اقتضى الأمر، فساهمت هذه الأمور في الحفاظ على السلام في أوروبا بين عامي 1815 و 1848، وكانت تلك أطول مرحلة خالية من الحروب بين القوى العظمى عرفتها القارة منذ قرون عديدة ولم تنجح الحركة القومية في هذه المرحلة إلا مرتين أولاً في عشرينيات القرن التاسع عشر عندما أدت الثورة في الشطر الأوروبي من الإمبراطورية العثمانية إلى ظهور دولة اليونان المستقلة، ثم في عام 1830 عندما أطاح البلجيكيون بحكم الهولنديين الذي كان مفروضاً عليهم منذ عام 1815.
ثم أتت ثورات عام 1848، وكانت القومية فيها متداخلة تداخلاً عميقاً بقضايا أخرى، ففي إيطاليا كان الراغبون بحكومة دستورية يعلمون أنهم لن يحصلوا عليها إلا إذا توقف النمساويون عن التدخل في شؤونهم، وأنهم لن يتوقفوا عن ذلك إلا عن طريق القوة. لهذا كان الليبراليون في مدن إيطاليا المختلفة ينضمون بعضهم إلى بعض في محاولاتهم لتنظيم المقاومة الوطنية سواء تعاطفوا مع الراديكاليين أم لم يتعاطفوا. وكان هذا تأكيداً على أفكار من يعتبرون أن الهدف من الثورة هو صنع أمة ولا يعبأون لا بالليبرالية ولا بالدستورية، مثل المتآمر الحماس ماتزيني.
أما الألمان فيبدو أنهم كانوا أكثر من الإيطاليين حماسة لوحدة تجمعهم وتسمو على التقسيمات السياسية التي مازالت تفرق بينهم تحت حكومات مختلفة. ولكن قضية الوحدة الألمانية جعلت الليبراليين الألمان بالضرورة معارضين لمطالب الوطنيين والتشيك والبولنديين القاطنين ضمن الأراضي الخاضعة لحكم الألمان، وإن الخوف من الحكم الذاتي في بوهيميا وبوزنان* قد دفع الليبراليين الألمان في النهاية للاعتماد على جيوش الملوك خاصة ملوك بروسيا، ولما كان الملوك يكرهون الدساتير والمبادئ التحررية فقد أدى هذا في النهاية إلى التضحية بالليبرالية من أجل القومية.
كانت أكثر الملكيات عرضة للخطر في عام 1848 هي بلا ريب ملكية النمسا، لأنها كانت حكم أكبر خليط متشابك من الشعوب في أوروبا، وكان الإمبراطور الشاب فرانتز جوزف قد ارتقى العرش في ذلك العام ولكن الثوار مالبثوا أن انتزعوا منه عاصمته فيينا، عدا عن أنه واجه الثورات المسلحة في هنغاريا وبوهيميا وسلوفاكيا وطردت جيوشه طرداً كاملاً تقريباً من إيطاليا، وقد بدا أن لامفر للملكية القديمة من الانهيار الكامل، ولم تنج من هذا المصر إلا لأن القوميين الثوريين قد اقتتلوا فيما بينهم ولأن روسيا هبت لنجدة الإمبراطور.
وكانت روسيا هي الدولة الوحيدة بين القوى المحافظة الكبرى التي لم تزعزعها الثورة، فلم تعرف بطرسبرغ أي ثورة في عام 1848، مثلها مثل العواصم الأخرى على أطراف أوروبا، كلندن ومدريد واستانبول، لهذا تمكن الجيش الروسي من إعادة النظام القديم إلى أوروبا الوسطى مع انحسار التيار الثوري، وقد تم هذا الأمر في عام 1849، فقبل أن ينقضي هذا العام كانت جميع الأنظمة قبل الثورية قد عادت إلى مواقعها، وكان الاستثناء الأساسي هو فرنسا، حيث حلت الجمهورية الثانية الجديدة محل الملكية الدستورية، وكان رئيسها يحمل اسماً مثقلاً بالشؤم هو لويس نابوليون بونابرت.



* روثينيا منطقة في أوكرانيا
* مدينة بولندية

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:12 AM
عصر متفائل

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

عصر متفائل
كان الأشخاص المحافظون في أوروبا وأمريكا الشمالية في القرن التاسع عشر ينظرون عادة نظرة متشائمة للمستقبل، أما آراء الأشخاص المشبعين بأفكار التنوير فكانت ميالة إلى قدر كبير من التفاؤل، ولم يبدأ الناس باستخدام كلمة تفاؤل في اللغة الإنكليزية Optimism إلا في القرن الثامن عشر.
ويبدو أن أكثر الأوروبيين والأمريكيين المثقفين كانوا في عام 1900 يرون أن حضارتهم تسير منذ ثلاثة قرون على طريق التقدم والتنوير المتزايدين، وكانوا يعتبرون حركة النهضة والإصلاح الديني أول خطوتين كبيرتين في كسر قيود الماضي.
ومنذ ذلك الحين صاروا يرون التاريخ يسير باتجاه واحد، هو اتجاه السيطرة المتزايدة على الطبيعة عن طريق العلم، ونشوء المؤسسات السياسية التي أخذت السلطة من الملوك والنبلاء وأعطتها لمواطنين مسؤولين وعقلاء من أجل التحكم بحياتهم، وانتشار التعليم، والتحسن الواضح في حياة الملايين من الناس وفي صحتهم، وغيرها من التغيرات الكثيرة، هذه كلها أقنعتهم ولو بصورة غير واضحة أن ثقافتهم تشير إلى مستقبل أفضل للبشرية كلها، بل إنهم كانوا يظنون أن الأمور سوف تستمر على هذا المنوال.
ففي عالم السياسة مثلاً كانوا يرون حدوث نمو في الحكم الذاتي وكانوا يعتبرون هذا أمراً حسناً، وكانوا يرون هذه التطورات جارية على طرفي المحيط الأطلسي، إذ راحت الشعوب تخلع عن أنفسها نير الحكم الأجنبي الواحد تلو الآخر.
فقد تخلص الأمريكيون في ثورة عام 1776 من حكم البريطانيين، وسار الإيطاليون والألمان خطوات كبيرة في منتصف القرن التاسع عشر نحو توحيد أنفسهم، كما كانت أمم البلقان تقوض حكم الأتراك الغاشم وتستبدل به حكمها الذاتي عند منقلب القرن.
وكان بعض الناس يعتقدون أيضاً أن الصراع من أجل حرية الرأي الشخصي الذي ابتدأ بالإصلاح البروتستانتي فقد مهد الطريق للشك بالأفكار الخرافية عامة، وإلى انتصار العلم وطرح العقائد القديمة البالية، ولو أن الكاثوليك كانوا معارضين لهذا الرأي.
لهذا يحق لنا أن نصف المناخ العام في القرن التاسع عشر بأنه كان مناخاً من الآراء وهو تعبير مستعار من المفكر الإنكليزي جيريمي بنتم الذي عاش في القرن الثامن عشر، وهذه طريقة سهلة لوصف الاتجاه العام للأفكار والبيئة التي تطورت فيها من دون الخوض في تفاصيل نظرياتها ومبادئها واكتشافاتها. وهي تلفت انتباهنا إلى أمر كان يعتبر بديهياً في القرن التاسع عشر، أي مناخ التفاؤل المتنامي والترحيب الدائم بالتجديد.
إلا أن بعض الناس كانوا يدركون أن التاريخ لايدل دوماً على نهايات سعيدة، وأن الأمور قد تتطور باتجاهات أخرى، ونحن نعلم اليوم أنهم كانوا على حق في حذرهم هذا عندما نمعن النظر في الماضي، كما يتوجب على المؤرخ أن يفعل.
فالقومية مثلاً التي هللت لها الجماهير كانت لها نواح أخرى، إذ لم تكن القضية تقتصر على وجود كيانات مهيمنة لاتريد التخلي عن سلطتها، بل إن الدول القومية الجديدة كانت تتنافس هي الأخرى فيما بينها تنافساً حاداً ومع خصومها القدامى، وقد يكون هذا التنافس خطر على السلام.
ثم أنه كلما حققت إحدى القوميات أحلامها ظهرت قوميات غيرها، لقد نال الهنغاريون مآربهم من الهابسبرغ في عام 1867 عندما حولت الملكية القديمة نفسها إلى ملكية مزدوجة، ولكن سرعان ماراح رعاياهم من السلاف والرومانيين يتهمونهم هم أيضاً بالقمع والاستبداد.
وإذا من حق الأمم الخاضعة لقيصر روسيا أن تتحرر من نيره، فهل يجب أيضاً دعم جهود الأيرلنديين الكاثوليك في التحرر من الحكم البريطاني مع أنه حكم دستوري وبرلماني؟ وإذا كنت تؤمن بالقومية الأيرلندية، فهل تؤيد الأيرلنديين الكاثوليك أم هل تؤيد البروتستانت فيها؟
هذا عدا عن أن غيوم القومية كانت قد بدأت بالتجمع خارج أوروبا أيضاً، فماذا يجب أن يكون موقف الليبراليين الأوروبيين من المطالب القومية للآسيويين والأفارقة الذين قد يستخدمون استقلالهم لمساندة التقاليد الاجتماعية القديمة والمتخلفة؟
ألا يعتمد رفاه الأمم الأوروبية في النهاية على إمبراطورياتها الاستعمارية إلى حد ما؟ وربما كانت هذه الناحية بالذات من التقدم والليبرالية بحاجة لقدر أكبر من التمحيص قبل أن يجزم المرء بأنها تشير إلى مستقبل أفضل وأسعد للبشرية.
لقد كان بعض الناس يفكرون بهذه الطريقة، وسوف تفرض هذه الأسئلة نفسها بصورة مرعبة في القرن العشرين.

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:13 AM
الحياة والموت

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

الحياة والموت
من مصادر التشاؤم عند بداية القرن التاسع عشر كتاب لرجل الدين الإنكليزي توماس مالتوس نشر في عام 1798 وكان يحمل عنواناً طويلاً هو: دراسة حول مبدأ عدد السكان وطريقة تأثيره في التحسين المستقبلي للمجتمع. وكان هذا الكتاب يحاول أن يبين أن العالم من الناحية الديموغرافية عبارة عن آلية ذات توازن ذاتي، أي أن عدد السكان يميل دوماً للنمو ما لم يمنع عن ذلك بصورة مقصودة، ولما كانت موارد الغذاء في العالم محدودة في النهاية، فهو يسير دوماً نحو الكارثة لأن الغذاء لايعود كافياً في مرحلة ما، فتحصل عندئذٍ المجاعة والأمراض وربما الحروب على موارد الغذاء أيضاً ويموت الملايين من الناس، فينخفض عدد السكان إلى أن يعود الغذاء فيصبح كافياً، وحين ذلك تعود هذه الدورة نفسها لتبدأ من جديد.

http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/malthus.jpg

توماس مالتوس
أعداد السكان
إلا أن هذا الأمر لم يحدث، بل إن القرن التاسع عشر كان في الحقيقة استمراراً لتيار قديم من تزيد عدد السكان يعود إلى آلاف السنين، وقد تسارع هذا التيار في الأزمنة الحديثة، إذ أن عدد سكان العالم تضاعف بمقدار مثلين في القرن التاسع عشر، بينما استغرق قبله حوالي أربعة قرون لكي يتضاعف بالمقدار نفسه.
ويبدو أن عدد سكان العالم يتزايد منذ عام 1800 من دون أن يمر بنكسات مثل التي كان يمر بها في الأزمنة الماضية، وكان هذا الازدياد بالطبع أسرع في بعض البلاد منه في بلاد أخرى، وكذل في بعض القارات.
ففي عام 1800 كانت فرنسا تضم أكبر عدد من السكان تحت علم واحد في أوروبا إلى الغرب من روسيا، ولكنها في عام 1914 صارت في المركز الرابع بعد ألمانيا والدولة النمساوية والهنغارية وبريطانيا. وكانت الولايات المتحدة أسرع نمواً خلال المرحلة نفسها إذ صار عدد سكانها مساوياً في أربعينيات القرن التاسع عشر لعدد سكان بريطانيا، وكان الأمريكان في عا نعام 1900 قد انتشروا في كافة أنحاء القارة، بعد أن كان قسم كبير منها مجهولاً في عام 1800 وبلغ عددهم في تلك الأثناء 76 مليوناً، أي بارتفاع قدره ألف بالمائة منذ بداية القرن.
إن المعلومات المتوفرة عن بلدان أوروبا وأمريكا أفضل من تلك التي نعرفها عن آسيا وأفريقيا، ولكن أعداد السكان كانت ترتفع في كل مكان، يبدو مثلاً أن الارتفاع في الصين قد بلغ 40% حتى صار عدد سكانها حوالي 475 مليوناً، بينما ارتفع عدد السكان في اليابان من 28 إلى 45 مليوناً، وعدد سكان الهند من 175 إلى 300 مليون في القرن التاسع عشر، وكانت هذه كلها ارتفاعات كبيرة جداً.
ولم يرتفع عدد سكان العالم قبل ذلك مثل هذا الارتفاع السريع والمستمر قط، ولما كانت أوروبا تنمو بصورة أسرع بكثير من بقية أنحاء العالم، فقد ارتفعت أيضاً حصتها من سكان العالم حتى بلغت 24% في عام 1900، وكانت هذه النسبة عالية جداً بل إنها في الحقيقة أعلى منها في أي زمن قبلها أو بعدها، وهي من أسباب تأثير أوروبا الكبير على تاريخ العالم.
ويمكننا من هذه الناحية أن نضم إلى أعداد الأوروبيين أولئك الذين غادروا قارة أوروبا للاستقرار خارجها وأحفادهم أيضاً. فلولا الهجرة لكان عدد السكان في أوروبا أعلى بخمسين مليوناً في عام 1914، وكانت الأغلبية الساحقة من سكان الولايات المتحدة في ذلك الحين من أصول أوروبية، كما كانت هناك مجموعات كبيرة من الأوروبيين في كندا وأمريكا الجنوبية وأستراليا في جنوب أفريقيا وشمالها، وكان هؤلاء جميعاً يتحدثون لغات أوروبية ويعيشون بأساليب أوروبية بعد تأقلمهم مع المناخات الجديدة، وكثيراً ما كانوا يفكرون بطرق أوروبية أيضاً.
وقد بلغت الهجرة ذروتها في أواخر القرن التاسع عشر إذ كان حوالي مليون مهاجر يغادرون أوروبا في كل عام في الفترة الواقعة بين 1900 و 1914، وتسمى هذه الحقبة أحياناً بالاستيطان الكبير، وكانت الهجرات التي شهدتها أوسع بكثير من الهجرات الكبرى للشعوب في التاريخ القديم، كما أنها مختلفة من ناحية أخرى هامة عن جميع الهجرات الأخرى تقريباً لأن أكثرها لم تكن إلى مناطق مسكونة ومتحضرة بل إلى مناطق شبه خالية من السكان، مثل الغرب الأمريكي والمناطق الداخلية النائية في أستراليا وسيبيريا.
فرص الحياة
من مظاهر زيادة عدد السكان ازدياد أعداد متوسطي العمر والمتقدمين بالسن في عام 1919، أي أن الناس كانوا يعيشون حياة أطول، ويمكننا تمثيل السكان في أكثر البلاد في عام 1800 بشكل أهرام عريضة القاعدة تستدق نحو الأعلى.
كان الكثيرون من الأطفال في تلك الأيام يموتون في أعمار مبكرة جداً، وكانت مرحلة الطفولة الأولى مرحلة خطيرة جداً وكان الكثيرون من الرضع يموتون في العام الأول من حياتهم، وهو أكثر سنوات العمر خطورة. وكانت مرحلة الطفولة عموماً محفوفة بالأمراض، ولكن إذا نجا منها المرء ووصل إلى عمر المراهقة فإن فرص الحياة أمامه تتحسن، ولو أنها تبقى ضعيفة بالقياس إلى ماهي عليه اليوم، ويستمر الوضع كذلك إلى أن يواجه الإنسان سن الشيخوخة بما يحمله من أخطار.
أما إذا رسمنا مخططات للسكان في عام 1914 فإننا سوف نجدها مختلفة جداً، وسوف نجد أن أضلاع الأهرام قد ارتفعت نحو الخارج وصارت أكثر عمودية في أكثر البلاد الأوروبية، أي أن جميع الفئات العمرية باتت تعيش حياة أطول. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد لنمو السكان، ولكنه كان سبباً هاماً، ولما كان الناس يعيشون فترة أطول فقد ازدادت أعداد الأمهات والآباء وازداد بالتالي عدد الأطفال في الجيل التالي، وهكذا راح عدد السكان يتابع ارتفاعه.
في عام 1914 كان هذا التغير أوضح ما يكون في الدول الأوروبية المتقدمة، أما الولايات المتحدة فكانت حالة خاصة بسبب الأعداد الكبيرة من المهاجرين الشباب الوافدين إليها، وكان هذا النمو ينتشر أيضاً في شمال غربي أوروبا حيث ظهر للمرة الأولى إلى جنوبها وشرقها، ولو أن الفروق كانت كبيرة بين البلدان المختلفة من حيث العمر المتوقع للطفل عند ولادته.
كان الطفل المولود في إنكلترا في عام 1914 يتمتع بفرصة لبلوغ السن المتقدمة أكبر بكثير من الطفل المولود في رومانيا مثلاً، فما بالك بالطفل المولود في الهند أو أفريقيا، ولم تكن الفروق بهذه الحدة قبل مائة عام من ذلك، وقد كان هذا واحداً من فروق كثيرة في حياة الناس كانت تتسع باستمرار بين أنحاء العالم المختلفة، إذ أنهم كانوا في الأزمنة الأبكر يتوقعون نفس الدرجة من الشقاء والجوع في كل مكان من العالم، فما الذي حدث لتوقعات ملتس؟

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:16 AM
القتل وصون الحياة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

القتل وصون الحياة
المفارقة أن الناس في أوروبا وأمريكا الشمالية كانوا في ذلك الوقت قد بدؤوا بابتكار أساليب جديدة وأكثر فعالية في قتل بعضهم بعضاً. وقد شهد القرن التاسع عشر تقدماً كبيراً في التقنية العسكرية والبحرية، إذ ظهرت أنواع جديدة وقوية من المتفجرات حلت محل البارود، مثل القطن المتفجر واللديت والكورديت والـ ت.ن.ت، كما حلت البنادق التي تحشى من المؤخرة محل البنادق التي تحشى من الفوهة الأمامية، والمدافع ذات الماسورة المحلزنة محل المدافع ذات الماسورة الملساء، فأعطى هذا سرعات أكبر في إطلاق النار ومدى أبعد.
وعندما جاءت البنادق التكرارية أي التي يمكن إطلاق النار منها عدة مرات من غير أن يعاد تعميرها، رفعت قوة المشاة بصورة هائلة، ثم حل محلها الرشاش. وكبرت السفن الحربية والمدافع حتى بلغت أحجاماً هائلة، كما ظهرت الغواصات والألغام والطوربيدات كلها قبل عام 1914.
ولكن يبدو مع هذا أن الحرب لم يكن لها أي أثر على تاريخ السكان في أوروبا، وربما اختلف الأمر في آسيا، ففي كل خرب خاضها الأوروبيون قبل عام 1914 وتتوفر عنها معلومات موثوقة كانت أعداد الجنود الذين قتلوا في العمليات الحربية على يد أعدائهم أقل من أعداد الذين قتلتهم الأمراض.
تقدم الطب والصحة العامة
لقد أعاقت الأمراض زيادة عدد السكان خلال القرن التاسع عشر، ولكن العلم والتقنية سوف يغيران هذا الأمر عن طريق إيجاد طرق لصون الحياة بأسرع من طرق القضاء عليها، وقد بدأت في القرن التاسع عشر مرحلة طويلة من الانتصارات على الأمراض عن طريق التطبيق المقصود للمعرفة العلمية، ولو أن تلك البدايات كانت ضعيفة.
وكانت هذه العملية قد ابتدأت في زمان أبكر بكثير، عندما أدرك الأوروبيون أن السفن والبحارة تحمل معها الأمراض بطريقة ما يجهلونها، وكانوا قد بدؤوا بتحسين ترتيبات الحجر الصحي في المرافئ. وأدى هذا إلى القضاء على الطاعون في أوروبا الغربية.
لقد حدثت جائحات في مرسيليا ومسينا في القرن الثامن عشر ولكنها لم تنتشر مثل جائحات ستينيات القرن السابع عشر، عندما أصيبت إنكلترا بآخر الجائحات الشديدة، وفي بدايات القرن التاسع عشر عادة الحبوب المستوردة من البحر الأسود والشرق الأدنى وحملت الطاعون معها من جديد، فاكتسحت مرة ثانية أجزاء من شمال أفريقيا والبلقان التي كانت تحت حكم الأتراك، ولكنها لم تنتشر إلى أوروبا، وحصلت في عام 1910 جائحة في غلاسغو نتجت عنها 34 إصابة فقط مات منها 15.
من ناحية أخرى كانت أمراض أخرى تسبب مآسي كبيرة في هذه المرحلة، فقد كانت جائحات التيفوس والجدري والزحار والكوليرا تحدث بصورة متكررة وعلى مدى عقود عديدة، بل ربما اشتدت لمرحلة ما في المدن الجديدة التي كانت تنمو بسرعة. ويبدو أيضاً أن أعداد الناس الذين ماتوا من الأمراض كانت مساوية لأعداد الذين ماتوا من الجوع في المجاعات المحلية، مثل المجاعة الفظيعة التي حلت بإيرلندا في عام 1846.
إلا أن السيطرة على هذه الأمراض كانت تزداد في عام 1900 في أكثر بلاد أوروبا الغربية، ومع هذا بقيت الأمراض القاتلة في مرحلة الطفولة الباكرة واسعة الانتشار، مثل الحمى القرمزية والتيفوئيد والدفتريا.
ولم يكن بإمكان الأطباء أن يقدموا الشيء الكثير ماعدا التوصية بالعناية الجديدة في حال الإصابة بالأمراض المعدية، ولكن الطب الوقائي كان قد خطا خطوة كبيرة إلى الأمام في القرن الثامن عشر باكتشاف أن التلقيح يمكنه أن يؤمن المناعة ضد بعض الأمراض.
كما توجهت الوقاية إلى الأماكن والظروف التي تساعد على ظهور الأمراض، من خلال مجهود هائل على مستوى القارة الأوروبية كلها في القرن التاسع عشر بفعل الحياة في المدن أكثر صحية، فقد بذلت جهود ضخمة لتأمين المياه النظيفة وإزالة الفضلات من المجارير وتنظيف الشوارع عندما بدأ الناس يدركون أهمية هذه الأمور وتأثيرها على معدلات الوفاة.
وفي عام 1914 كانت مدن كثيرة تسعى جاهدة لإدخال الهواء والضوء إلى الأحياء المزدحمة والفقيرة الواقعة في وسطها، وبدأت تنظيم البناء بحيث تضمن للمساكن حداً أدنى من الضوء والنظافة وعدم الازدحام.
وكانت مدن أوروبا وأمريكا الشمالية في عام 1914 أكثر صحية من القرى القذرة في أوروبا الشرقية والبلقان، إذا حكمنا عليها من خلال طول الحياة وتراجع بعض الأمراض التي كانت شائعة في التجمعات الكبيرة من السكان في الماضي، أما الأوصاف الفظيعة للقذارة والازدحام في مدن إنكلترا الصناعية مثلاً في بداية القرن التاسع عشر فقد كتبت قبل أن تبدأ هذه التغيرات بإعطاء نتائجها.
لقد تم الكثير من هذه التغيرات عن طريق القانون، ولكن بعضها حدث من تلقاء نفسه فكانت من النتائج الثانوية للازدهار وتقدم التقنية. فقد توفرت مواد بناء أفضل وأرخص من السابق خاصة مادة الآجر، فتحسنت عندئذٍ بيوت الناس واستغنوا عن المواد القديمة من خشب وجص وقش التي كانت مرتعاً للجرذان والبراغيث والقمل.
كما مكنت الأنابيب المصنوعة من الحديد المسبوك من تزويد المنازل بالماء الجاري والمصارف اللائقة، ووجدت وسائل نقل رخيصة كالقطار والترام سمحت للناس بالعيش بعيداً عن مكان عملهم فخففت من الازدحام في مراكز المدن، وانعكس الكثير من هذه التغيرات بصورة غير مباشرة ولكن هامة على الصحة العامة.
وتغيرت المستشفيات أيضاً، فلم تعد عبارة عن مستودعات رهيبة لإيواء المحتضرين والمنبوذين كما كان أكثرها في القرن الثامن عشر، وظهرت مهنة جديدة تماماً هي مهنة التمريض، خاصة بفضل جهود الإنكليزية فلورنس نايتنغل، ولولا هذا التخصص الجديد لما أمكن تزويد المشافي بالعاملين فيها.
ولكن العلوم الطبية لم تحسن شفاء الأمراض والإصابات إلا بصورة متدرجة، ومن المساهمات البارزة في هذا المجال أعمال الفرنسي لويس باستور ، فقد اكتشف باستور لقاحاً لداء الكلب، وأجرى تحريات هامة في أمراض النبيذ والجعة، وأنقذ صناعة الحرير الفرنسية من الدمار بأن أوجد طريقة لمهاجمة العصيات التي تصيب دودة القز، وابتكر أساليب للقاح ضد أمراض الماشية والدجاج، والأهم من هذا كله أنه وضع نظرية الجراثيم في انتقال الأمراض، وقد أحدث أكبر أثر في الطب عن طريق دراسة العدوى.
ومهدت أعمال باستور الطريق لأعمال الإنكليزي ليستر، الذي أدخل استعمال المواد المطهرة في الجراحة بعد أن تبين له أن العدوى التي تصيب الجروح المفتوحة أثناء العمليات الجراحية يمكن منعها باستخدام بخاخ من حمض الكاربوليك،وقد خفض هذا الاكتشاف معدل الموت أثناء العمليات الجراحية تخفيضاً كبيراً ومهد الطريق لاستخدامات أخرى للمواد المطهرة من أجل تخفيف العدوى.
ثم كانت المواد المخدرة خطوة ثانية كبيرة في علم الجراحة، لأنها كسبت معركة البشرية ضد عدوها القديم أي الألم، كما مكنت من القيام بعمليات طويلة ومعقدة كانت مستحيلة قبل سنوات قليلة.
وفي حوالي عام 1900 كانت الكيمياء أيضاً قد بدأت بتقديم أسلحة جديدة للطب، فمكنت الأدوية الجديدة من علاج الأمراض بصورة انتقائية، أي أنه أصبح بالإمكان توجيهها نحو أهداف معينة، كما اخترعت أدوية أخرى للسيطرة على الأعراض، ومن الصعب جداً أن نتخيل اليوم كيف كان العالم قبل اختراع الأسبرين، فالحقيقة أنك لاتجد اختراعات كثيرة خففت معاناة البشر مثل هذا الدواء.
كانت هذه التطورات قد بدلت احتمالات الحياة والموت في الدول المتقدمة تبديلاً كبيراً بحلول عام 1914، فقد انخفض احتمال وفاة الذكور والإناث كثيراً من العمل الجراحي أو من العدوى بأحد أمراض الطفولة عما كان عليه الأمر قبل مائة عام، كما انخفض الخطر على المرأة أثناء الولادة. وارتفعت فرص الإنسان بالعيش حياة أطول وبالنجاة من الألم.
صحيح أنهم واجهوا في الوقت نفسه مشاكل جديدة لأن الحياة الطويلة تقتضي مجابهة أخطار الشيخوخة وعجزها، ولكن من الصعب جداً أن نقول أن ماحدث لم يكن تقدماً حقيقياً، ورغم أنه كان تقدماً محصوراً بمجتمعات قليلة وغنية نسبياً وقادرة على التمتع بهذه التطورات، فإن هذه الأساليب الجديدة قد انتشرت في كافة أنحاء العالم، ولا يمكن للمعرفة الطبية إلا أن تنتشر.
لقد حمل الأوروبيون تقنياتهم إلى الخارج، فصارت تستخدم بحلول عام 1914 في أفريقيا وآسيا، ولو لم تكن قد أظهرت بعد تأثيرها الكبير على السكان كما فعلت في وطنها الأصلي.
منع الحمل
المفارقة أن العلم قد أضعف زيادة السكان أيضاً قبل عام 1914، وذلك عن طريق وسائل منع الحمل الحديثة التي أتى بها، وقد ظهرت تأثيراته أولاً في ميل الطبقات الغنية لأن يكون لها عدد أقل من الأولاد، فكان هذا واحداً من أسباب تضيق قاعدة الهرم الديموغرافي الذي كنت تراه في الدول الأكثر تقدناً وغنىً.
إن وجود أعداد أقل من صغار السن بالنسبة إلى أعداد الأعمار المتوسطة والمتقدمة قد ساهم مع استطالة الحياة في جعل بنية السكان أقرب إلى العواميد العريضة منها إلى الأهرام، ولم تنخفض الأعداد الإجمالية مع انخفاض معدلات الولادة، لأن الناس صاروا يعيشون حياة أطول، إلا أن متوسط عمر السكان قد ارتفع.
ويبدو أن الفرنسيين قد شعروا بهذا التغير وأنه أقلقهم لأنه اعتبروه دليلاً على أن أمتهم في تراجع، وأنها لن يعود لديها ما يكفي من الجنود للدفاع عنها، ولكن معدلات الولادة انخفضت في غيرها من البلاد الغنية أيضاً خاصةً في تلك التي شهدت أول ارتفاعات سريعة في عدد السكان قبل عقود قليلة.
وربما كان من قوانين علم السكان أن ازدياد الثروة يتبعه أولاً ارتفاع في عدد السكان ثم تباطؤ في سرعة الارتفاع مع هبوط معدلات الولادة. ولكن لايمكننا في الحقيقة أن نجزم في هذا الأمر، لأن هناك عوامل كثيرة هامة مثل الدين والتقاليد الاجتماعية والحاجة الاقتصادية، تساهم كلها في تشكيل أنماط نمو السكان وتاريخه، فلايجوز لنا إذاً أن نعمم.
إن الشيء الواضح هو أن الناس الأوفر غنى وتعلماً كانوا في عام 1914 يؤسسون عائلات أصغر من عائلات الفقراء عموماً، إما لأنهم كانوا يؤجلون الزواج بصورة مقصودة فيقصر بذلك عدد سنوات الزواج التي تكون فيها المرأة مخصبة، أو لأنهم كانوا يحدون من عدد الأولاد بإحدى وسائل منع الحمل بدافع الحذر

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:20 AM
تأمين الغذاء للبشر

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

تأمين الغذاء للبشر
لم يكن العلم إلا واحداً من أسباب عديدة أدت إلى ارتفاع أعداد البشر، ولم يكن هو السبب الأساسي، إن السبب الأساسي هو أن العالم كان يزداد غنى، وكان لابد من وجود كميات أكبر من الغذاء من أجل القيام بهذه القفزة الكبيرة، والحقيقة أن الغذاء كان في عام 1914 متوفراً بصورة لاسابق لها.
كان إنتاج الزراعة في العالم قد ارتفع ارتفاعاً هائلاً خلال القرن السابق وبمعدل تجاوز النمو المتدرج الذي كان يجري في الأزمنة الأبكر، وكان يشبه من هذه الناحية نمو عدد السكان، ولكن كما أن أعداد السكان لم تنم بنفس المعدل في كافة أنحاء العالم، ولا بصورة سلسة منتظمة، كذلك لم يكن إنتاج الغذاء واستهلاكه منتظماً أو متساوياً.
لقد ازدادت بالتأكيد كمية الغذاء المنتج في أفريقيا وآسيا، ولكن لم تزدد حصة الجميع منه، ولايمكن أن يكون طعام الفلاح الهندي أو الصيني قد تغير كثيراً خلال قرون عديدة، رغم الزيادة القليلة في كمية الغذاء، لأن أعداد الأفواه قد ارتفعت بصورة كبيرة.
ومع هذا يبقى ارتفاع كمية الغذاء هو التقدم الأساسي في ثروة البشرية خلال القرن السابق لعام 1914، وإن الإحصائيات المتوفرة لقياس هذه التغيرات هي أفضل منها في أي زمن قبله، لقد ازداد الإنتاج الزراعي زيادة هائلاً وغير مسبوق، وحصل القسم الأكبر من هذه الزيادة في الأراضي المزروعة حديثاً، مثل الأرجنتين وكندا والولايات المتحدة، حيث كانت الكميات المنتجة المحلية بقدر هائل وتزرع من أجل التصدير.
ولكن المردود أيضاً قد ارتفع، وتقول إحدى الدراسات أن إنتاج 100 بوشل* من القمح في الولايات المتحدة في عام 1800 كان يستغرق 373 ساعة عمل، أما بعد مائة عام فكانت 108 ساعة كافية لذلك، وتشير حسابات أخرى إلى أن إنتاجية الأراضي ارتفعت بين عامي 1840و1900 بمقدار 190% في ألمانيا، و90% في سويسرا، و50% في إيطاليا، وهذه كلها أمثلة من أوروبا.
إن المصدر الأساسي لغذاء البشر كان دوماً الحبوب، التي تزرع منها أنواع مختلفة باختلاف المناطق، وإنتاج الحبوب وسيلة أساسية لتأمين الغذاء ، وقد تضاعف إنتاج الحبوب في ألمانيا مثلاً بين عامي 1851 و 1913 بمقدار ثلاثة أمثال تقريباً بينما ارتفع في هنغاريا بمقدار خمسة أمثال.
لقد كان هذا ازدياداً هائلاً في كمية الحريرات الغذائية، وساهم فيه تحسن إنتاج اللحم أيضاً، قفد ارتفعت أعداد البقر بصورة مطردة خلال القرن التاسع من اجل تأمين حاجات الاستهلاك المتزايدة، ومثلها أعداد الغنم والخنازير، ولكن النمو الأسرع في تربية الحيوانات حدث في الأمريكتين وفي أستراليا ونيوزيلندا. كان اللحم منذ قرون طعاماً غالي الثمن، ولكنه أصبح أكثر شيوعاً بكثير في القرن التاسع عشر سواء عند القصاب أو بأشكاله المعلبة والمعالجة بالطرق المختلفة.
وانتشرت أيضاً أغذية جديدة في البلاد، كما أصبحت بعض الأطعمة الغالية أطعمة عادية شائعة منذ القرن الثامن عشر، كان الأغنياء في أوروبا يستخدمون السكر للتحلية بدلاً من العسل، ولكنه كان في ذلك الوقت بضاعة تأتي من المستوطنات وغالي الثمن نسبياً. وفي القرن التاسع عشر ارتفعت كميات السكر المستوردة من أوروبا ارتفاعاً كبيراً وبدأت تصنع فيها كميات هائلة منه من الشمندر السكري أيضاً.
وقد أدى هذا إلى ارتفاع هائل في استهلاكه، فانخفضت أسعاره انخفاضاً كبيراً وصار غذاءً يومياً عادياً، وكان هذا تغيراً هاماً في طعام الأوروبيين، وقد شاع أيضاً استهلاك الشاي والقهوة، عدا عن الفواكه الأجنبية غير المألوفة التي صارت تتوافر بكميات أكبر بفضل التطورات التقنية.
التغير الزراعي
إن هذا التحسن في كمية الغذاء ونوعيته أيضاً، لم يكن له سبب واحد بسيط، بل كان نتيجة لعمليات عديدة، من هذه العمليات تحسن الزراعة، الذي تعود جذوره إلى ماقبل عام 1800 ولافائدة من محاولة تحديد زمان دقيق له، بل يمكننا أن نقول أن الثورة الزراعية قد بدأت في إنكلترا في حوالي 1690-1700، وفي الولايات المتحدة بعد حوالي تسعين سنة أخرى، وفي ألمانيا بعد سنوات قليلة، بينما لم تبدأ في روسيا إلا بعد عام 1860 وقد انتشرت هذه الثورة شرقاً عبر أوروبا خلال القرن التاسع عشر بينما كان أصحاب الأراضي الأوروبيون قبل قرن واحد من ذلك يأتون إلى إنكلترا بحثاً عن المعلومات المفيدة ومن أجل شراء الحيوانات والآلات وطلب النصيحة، وعندما يعودون إلى أراضيهم كانوا يحاولون تطبيق مارأوه ولكنهم قد لايحرزون دوماً نجاحاً فورياً في ذلك.
ففي منتصف القرن التاسع عشر لم تكن ألمانيا وفرنسا مثلاً قد تبدلتا كثيراً عما كانتا عليه قبل قرون عديدة، ولو أن إنتاجية بعض المزارع الجيدة قد بدأت ترتفع حتى قبل عام 1800 ونرى من هذا أنه يفضل ألا نجزم بصورة عامة فيما يتعلق بالتواريخ، وأن ندرك أن هذا التغير الكبير قد تم بصورة متفرقة وغير منتظمة، ولو أنه كان في النهاية تغيراً كاسحاً.
إلا أن بعض عوامل هذا التغير كانت واضحة لأنها حدثت بسرعة، من هذه العوامل إلغاء النظام الإقطاعي الذي تم في فرنسا في عام 1789، ويعرف هذا النظام أيضاً بأنه مجموعة من العادات والحقوق التقليدية التي كانت تعيق استغلال الأرض بصورة حرة.
وقد انتشرت تغيرات مشابهة لهذا خلال نصف القرن التالي في بقية قارة أوروبا إلى الغرب من روسيا، وعندما قررت الحكومة الروسية أخيراً إلغاء عبودية الأرض في عام 1861 انتهت حقبة تاريخ أوروبا الزراعي الذي ابتدأ بظهور العزبة في العصور الوسطى.
ومنذ ذلك الحين صار العاملون بالزراعة في كافة أنحاء أوروبا يعملون مقابل أجر أو في أرض هي ملك لهم، فصار حافز المصلحة الشخصية يلعب دوره بالكامل في تحسين الزراعة، وقد شجع هذا على الاستثمار وتبني الأساليب الجديدة وضم بقع الأراضي الصغيرة التقليدية ضمن وحدات أكبر وأكثر فعالية.
من الأسباب الأخرى لهذا الارتفاع الفوري في إنتاج الغذاء في هذا العالم تطور التقنية، الذي مكن من استثمار أراض جديدة خارج أوروبا، لقد ازدادت مساحة الأراضي القابلة للزراعة في العالم بصورة سريعة وحادة، فأصبح بالإمكان استغلال سهول أمريكا الشمالية والجنوبية والمناطق المعتدلة من استراليا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بصورة لاسابق لها.
وكان الفلاحون يأتون إليها لأن الاستيطان وكسب المعيشة أصبحا ممكنين بفضل الثورة الجارية في مجال النقل، فمع بدء استعمال القطار البخاري والسفن البخارية منذ ستينيات القرن التاسع عشر انخفضت تكاليف السفر أيضاً، وأصبح الغذاء الآتي من هذه المناطق أرخص. ومع تزايد الطلب عليه ازداد عدد الناس الذين يحاولون استغلال الأراضي العذارى.
وحصل نفس الشيء بصورة أقل حدة في أوروبا الشرقية، فمع بناء السكك الحديدية في روسيا وبولندا التي تحمل الحبوب إلى مدن أوروبا الوسطى، ومع بدء مرافئ البحر الأسود بتصدير المزيد من حبوب روسيا في السفن البخارية، كانت التأثيرات على مناطق زراعة الحبوب تأثيرات حادة. أما في الأراضي البعيدة فكانت التأثيرات أشد من هذا، لأن تطور عمليات معالجة الغذاء مثل التعليب واختراع السفينة المبردة قد جعل تربية الحيوانات أوفر ربحاً من أي وقت مضى.
وكانت هذه التغيرات وبالاً على بعض المزارعين الأوروبيين لأنهم باتوا عاجزين عن منافسة الأسعار الرخيصة للمستوردات، وكان هذا الأمر ظاهراً في كافة أنحاء القارة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، فقد انخفضت مساحة الأراضي المزروعة في بعض البلاد انخفاضاً حاداً ، بينما تحول المزارعون في بلاد غيرها إلى الزراعة التخصصية.
ومرت صناعة الحليب ومشتقاته بتغيرات هائلة خاصة في الدنمرك التي طورت أيضاً تربية الخنازير واستغلاله بصورة كبيرة جداً، وصار الفلاحون يلجأون إلى زراعة الخضار والفواكه من أجل الهرب من كارثة زراعة الحبوب. وقد اقتضى عبور سنوات الكساد في أواخر القرن التاسع عشر مجهوداً رهيباً للتأقلم في كافة أنحاء أوروبا الغربية، وبدأت أعداد الأشخاص المعتمدين على الزراعة في معيشتهم بالتقلص.
التغير البيئي
لقد كانت للثورة الزراعية نتائج بيولوجية تجاوزت كثيراً نطاق حياة البشر، كانت النباتات تنقل من بلد إلى آخر لكي تتأقلم مع ظروف جديدة في بقاع أخرى من العالم، وعاد الإنسان ليتدخل في عملية الاصطفاء الطبيعي، ولم يكن هذا بالأمر الجديد، فقد سبق له أن أدخل الحرير إلى أوروبا والبطاطا الحلوة إلى أفريقيا، ولكن هذه التغيرات صارت تتم الآن على مستوى أوسع بكثير بسبب ازدياد عدد السكان والتقنيات الصناعية الجديدة.
فقد ظهرت مزارع المطاط في ملقا بجنوب شرقي آسيا في السنوات الأولى من القرن العشرين، بعد أن جلبت أشجاره من أمريكا الجنوبية، وبدأ الشاي يزرع على نطاق واسع في سيلان وشرق أفريقيا، ونقلت الكرمة من أوروبا إلى كاليفورنيا وأمريكا الجنوبية.
كما أن الحيوانات كانت تهاجر أيضاً فقد جلب الإسبان الحصان إلى العالم الجديد منذ زمن بعيد، وازدادت في القرن التاسع عشر العناية بالاستيلاد الانتقائي للأبقار المناسبة للمناخات غير المعتدلة، فساهم هذا الأمر في تزويد الأمريكتين وجنوب أفريقيا بقطعانها الهائلة، بينما ازدهر خروف المرينوس في أستراليا.
ولكن نتائج عمليات النقل هذا لم تكن إيجابية، فقد أحضرت إلى أستراليا في خمسينيات القرن التاسع عشر أربعة أزواج من الأرانب مالبثت أن تكاثرت مثل وباء خلال سنوات قليلة، كما عانت الحيوانات الأصلية من اعتداءات الذين استغلوها للحصول على اللحم وغيره من منتجاتها. وكان الناس بطيئين في وعيهم لتأثير قتل الحيوانات الواسع وخطره على البيئة، ونتجت عن ذلك بعض النتائج المريعة، مثل انقراض ثور البيسون الأمريكي على أيدي الصيادين من أجل إطعام عمال بناء السكك الحديدية مثلاً، كما لحقت بحيواني الفقمة والحوت في قارة أنتاركتيكا والمحيطات الجنوبية أضرار جسيمة في بداية القرن التاسع عشر.
كانت الزراعة إذاً أهم نواحي الثورة الكبيرة الجارية في مجال استغلال الموارد الطبيعية، ولكنها لم تكن الناحية الوحيدة، لقد ظل أكثر البشر في بداية القرن العشرين يحصلون معيشتهم من الأرض مباشرة، ولكن الأعداد القليلة منهم التي كانت تعيش في دول العالم الأوروبي كانت تنتقل إلى حياة اقتصادية جديدة مبنية على الإنتاج الصناعي، وربما كان هذا التغير أهم تغير في تاريخ البشرية منذ اختراع الزراعة، أو حتى منذ اكتشاف النار ولم يكن بإمكان هذا التغير الصناعي أن يحدث إلا بتوافر كميات كبيرة من الغذاء.
كانت الزراعة حينذاك مختلفة جداً عن الزراعة القديمة الهزيلة التي كانت أشبه بعائق أمام تطور البشر، أما الآن فلم تعد الزراعة عائقاً، بل إنها صارت واحداً من عوامل دفع التطور نحو الأمام.



* البوشل = 8 غالونات

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:24 AM
الوجه الجديد للصناعة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

الوجه الجديد للصناعة
هناك تعبير قديم آخر يعود هذه المرة إلى القرن التاسع عشر ومازال مألوفاً اليوم، هو تعبير الثورة الصناعية، وقد أوجده رجل فرنسي ليصف به واحداً من التغيرات الاجتماعية الكبرى التي كان يراها تجري حوله، وهو يقصد بها تبدل المجتمع وإنتاج البضائع المصنعة بكميات أكبر وعلى مستوى أوسع من أي زمن مضى.
وكان هذا التطور يعتمد على جمع أعداد كبيرة من العمال للقيام بذلك، وعلى استخدام الآلات العاملة على الطاقة بأعداد متزايدة ومنذ ذلك الحين تستخدم كلمة صناعة Industry بشكل دائم تقريباً للدلالة على التصنيع الواسع المدى.
مع هذا لم يكن هناك في عام 1914 إلا بلاد قليلة يمكننا أن نسميها حقاً دولاً صناعية Industrialized وهي كلمة أخرى تعود إلى القرن التاسع عشر، وكانت أبرز تلك الدول هي بريطانيا، إذ لم يكن يعمل فيها بالزراعة في عام 1901 إلا أقل من 10% من مجموع القوى العاملة، والولايات المتحدة وهي ذات أكبر إنتاج إجمالي، وألمانيا، وبين الدول الأصغر تبرز بلجيكا أيضاً كما كانت هناك دول أوروبية عديدة فيها قطاعات صناعية كبيرة، مثل فرنسا وإيطاليا وروسيا التي كانت تنمو بسرعة والسويد.
ولكن الصناعة في هذه الدول كانت صناعة محلية أو متخصصة، فقد كان لإسبانيا مثلاً مصانع أقمشة في كتلونيا، وبعض المدن المختصة بالتعدين وصنع الفولاذ في أستوريا وبسكايا، بينما كانت المصانع قليلة في أنحائها الأخرى.
لقد لاحظ الناس بسرعة أن قدوم الصناعة قد يغير نمط حياتهم بأكمله، وكان هذا التغيير في المراحل الأولى تغييراً قاسياً جداًَ في بعض الأحيان، فالحرفيون الذين كانوا يعملون في بيوتهم لخدمة الأسواق الصغيرة كثيراً ماكانوا يجدون أنفسهم بلا عمل. وعندما أعيد تنظيم صناعة النسيج على أساس المصنع لم يعد بإمكان الحرفيين العاملين في الحياكة والنسج في بيوتهم أن ينافسوا البضائع الأرخص التي أمنتها الآلات والأسواق الكبيرة، فوجدوا أنفسهم مضطرين للقبول بهذا الواقع الجديد والبحث عن عمل في مصنع ما، إذا أمكنهم ذلك.
وكان هذا تغيراً آخر، هو البزوغ التدريجي لمجتمع يحصل فيه أكثر الناس العاملين دخلهم من التصنيع أو من الأعمال الأخرى التي نشأت حوله، ولم يكن هذا الأمر ممكناً دوماً إذ كان هناك الكثير من الأيدي العاملة الرخيصة، وكانت الأجور منخفضة والأرباح عالية بسبب وجود تلك الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل.
التمدين
من التغيرات الأخرى الهامة التبدل الكبير الذي طرأ على حياة المدن، فقد ازدادت أعداد الناس المقيمين في المدن وازدادت معها نسبة سكانها إلى مجموع السكان في دول كثيرة، ومن الصعب أن نقارن الدول بشكل مباشر لأن التعاريف تختلف من مكان لآخر، ولكن من المفيد لفهم تلك التطورات أن نذكر نسبة سكان المدن في إنكلترا في عام 1801 كانت حوالي 16% بينما ارتفعت بعد تسعين سنة إلى أكثر من 53%.
وقد ازداد عدد المدن وحجمها في كافة المناطق الصناعية، فبين عامي 1800 و 1910 كبرت برلين حوالي عشرة أمثلا فتجاوز عدد سكانها المليونين، وفيينا حوالي ثمانية أمثال فبلغت نفس حجم برلين تقريباً ولندن حوالي سبعة أمثال، وبلغت 7.2 مليون نسمة، وكان هذا التوسع أحياناً ينتهي بغياب الحدود السابقة بين الأحياء بحيث يعجز المرء عن معرفة أين ينتهي أحدها ويبدأ الأخر.
وقد سببت هذه التبدلات تغير شكل بعض المناطق تغيراً كاملاً خلال نصف قرن مثل منطقة بلاك كنتري في إنكلترا ووست رايدنغ في يوركشاير، ومنطقة الرور في ألمانيا، كما أن المرافئ القديمة مثل هامبرغ ومرسيليا وليفربول أبدت نمواً سريعاً مع نمو التجارة الدولية وازدهارها.
في النصف الأول من القرن التاسع عشر كانت الحكومات تعتبر أنها لايجب أن تتدخل في هذه العملية، بل أن تتركها تجري وحدها دون تخطيط مسبق كنتيجة لآلاف القرارات الفردية التي يتخذها الآلاف من المخترعين والمصنعين والبنائين ورجال الأعمال.
ولكن نتائج ذلك كانت مأساوية، لأن بعض المناطق التي كانت منذ عقود قليلة مدناً ريفية صغيرة مثل مانشستر قد نمت نمواً هائلاً من دون أن تكون لها موارد عامة، وحتى في خمسينيات القرن التاسع عشر، كان العمر المتوقع للطفل الذكر المولود هناك حوالي 25 سنة.
لقد راح البناءون يشيدون الأكواخ بشكل صفوف يستند فيها كل كوخ إلى ظهر الآخر، وتطل على شوارع ليس فيها من وسائل التصريف إلا مسال راكد في منتصفها، وكانت الشوارع غير مرصوفة ولا مضاءة ولم تكن تنظف، وكنت تجد في مدن القارة الأوروبية مباني كبيرة مكونة من شقق يعيش فيها عشرة أشخاص أو اثني عشر شخصاً في غرفة واحدة.
ولم يظهر الوعي لأهمية النواحي الصحية إلا ببطء، أولاً بسبب قلة المعرفة والموارد، وثانياً لأن أصحاب القرار والرأي كانوا مثقفين، على أن أفضل طريقة لضمان نمو الثروة للجميع هي عدم التدخل في الحياة الاقتصادية وترك السوق تنظم بنفسها أسلوب حياة الناس. وهذه هي المرحلة التي بلغت فيها أفكار سياسة عدم التدخل laissez-faire في القرن الثامن عشر أوسع تأثيراتها.
ولن تظهر أفكار الإصلاح إلا في النصف الثاني من القرن، عندما راح بعض محافظي المدن يلحون على وجوب أن تقوم السلطات أو الحكومات المحلية بامتلاك وإدارة الخدمات العامة مثل تأمين المياه والنقل، ونذكر من هؤلاء جوزيف تشيمبرلن محافظ مدينة برمنغهام الذي صار فيما بعد من الدعاة البارزين للتوسع الاستعماري، وكارل لوغر محافظ مدينة فيينا الذي يدين بالكثير من دعمه للعداء للسامية.
لقد سببت سياسة عدم التدخل شقاء في حياة العمال لامثيل له، كانت ساعات العمل في المصانع طويلة والانضباط شديداً والأجور منخفضة، وكانوا يشغلون النساء والأطفال إذا أمكن لأن أجورهم أخفض من أجور الرجال. وكان أرباب العمل يطالبون القانون بأن يساعدهم في الحفاظ على هذا الوضع، عن طريق منع العمال من تشكيل نقابات للدفاع عن أنفسهم مثلاً، أو عن طريق إقناع السلطات بأن الإضرابات أعمال مخربة ومهددة للنظام الاجتماعي.
إن هذه النواحي الفظيعة التي كنت تراها في بداية الحركة الصناعية، والتي سوف تتكرر في بلاد العالم الواحدة تلو الأخرى مع تحولها إلى بلاد صناعية، قد جعلت بعض الناس يعتبرون أن الصناعة لاتفيد إلا الأفراد القلائل الذين يجنون الأرباح منها.ولكن الحقيقة أن الكثيرين من عمال المصانع في المدن كانوا في الأجيال الأولى آتين بالأصل من قرى فقيرة، وإذا وجدوا عملاً فإنه كان يؤمن لهم دخلاً أفضل مما يمكن أن يحصلوه كعمال في الزراعة.
كما أن تشغيل الأطفال والنساء كان شائعاً في الريف أيضاً، وهو مازال شائعاً حتى اليوم في الكثير من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن الواضح أيضاً أن ثروة الدول الصناعية قد انعكست إلى درجة ما على مواطنيها على المدى البعيد، لأنهم صاروا يعيشون حياة أطول وصارت أعدادهم تزداد، ولكن كما يقول أحدهم في موضع آخر كلنا سنموت على المدى البعيد.
الاشتراكية
كان بعض الأشخاص بعيدي النظر يدركون أن عملية التصنيع هذه عملية لاسابق لها، وأنها بحاجة إلى أفكار جديدة تماماً لفهمها، وإلى برامج عمل جديدة لإصلاح بعض عواقبها، وكان الكثيرون يعتقدون أن من طرق تحقيق هذا الإصلاح أن ينتظم العمال بصورة مباشرة في نقابات مهنية تعتمد قوتها الجماعية في النهاية على الإضرابات من أجل إجبار أرباب العمل على تحسين الأجور وظروف العمل.
وقد قاوم أرباب العمل الأغنياء هذا الشكل من التنظيمات مقاومة طويلة في جميع البلاد الأوروبية في الولايات المتحدة، وكان القانون والشرطة يقفان إلى جانبهم ويساعدانهم، ولكن من ناحية أخرى كانت مئات الآلاف وأحياناً الملايين من العمال قد شكلوا نقابات مهنية لهم في جميع البلاد الصناعية بحلول عام 1900، وكانت هذه النقابات قد أحرزت نجاحاً كبيراً في تحسين أوضاع أفرادها.
في هذه الأثناء كان الانتقاد الفكري والسياسي للمجتمع المبني على مبادئ عدم التدخل قد أدى إلى ظهور عقائد متنوعة جمعت كلها تحت اسم فضفاض هو الاشتراكية socialism. وكان دعاة هذه العقائد يشتركون فيما بينهم بكراهية هذا الوضع، الذي اعتبره بعضهم استغلالاً مقصوداً واعتبره بعضهم الآخر نتيجة حتمية للنظام الرأسمالي الذي تهيمن عليه السوق.
وكان البعض يتطلعون إلى الصراع لكسير نير الظلم والتفاوت الاجتماعي، بينما كان بعضهم يرون أن مسيرة التاريخ الحتمية كانت إلى جانبهم، وأنها سوف تشهد في النهاية زوال النظام الرأسمالي وحلول نظام أكثر عقلانية وعدالة في توزيع الثروة الهائلة في العالم الصناعي. وإن أكثر أولئك المفكرين تأثيراً وشهرة هو الفيلسوف الألماني كارل ماركس.
http://www.reefnet.gov.sy/reef/images/stories/assets2/karl-marx.jpg
كارل ماركس
إن العقيدة التي سميت الماركسية والتي كانت تزعم أنها مبنية على كتاباته مع أنه صار يستنكرها على مايبدو، باتت هي المهيمنة على الاشتراكية الأوروبية بحلول عام 1900. والفكرة التي شدد عليها ماركس بالتأكيد، والتي أعطت تلاميذه تلك الثقة الهائلة، هي أن استغلال أرباب العمل للبروليتاريا الصناعية سوف يؤدي حتماً إلى الثورة الاجتماعية والإطاحة بالقمع الرأسمالي، وإلى تأسيس مجتمع منظم بصورة عقلانية يكون البشر فيه أخيراً أحراراً بحق.
لقد صارت الماركسية لدى الكثيرين أشبه بعقيدة دينية تحثهم على الانضباط والعمل مثل العقائد الدينية السابقة لها، كما أنها بدت ملائمة للتيار الإيديولوجي المادي العلمي الذي برز في عصر انحسر فيه الإيمان بالدين. وتبنى الماركسيون أيضاً تلك الفكرة الفرنسية الملهمة التي تعتبر الثورة الشعبية تجسيداً للصراع من اجل الحقوق السياسية والديمقراطية.
بل كان هناك بحلول عام 1900 منظمة دولية للأحزاب السياسية الماركسية وجماعات الطبقة العاملة هي المنظمة الدولية الثانية، التي كانت تتطلع بثقة إلى تبدل قريب في المجتمع، ولكن الأمر الغريب هو أن العلامات كانت منذ ذلك الحين تشير إلى غير ذلك، فبحلول نهاية القرن لم تكن قد حدثت أية ثورة شعبية بأي قدر من النجاح في أي دولة كبرى منذ عقود عديدة، بل كان تنظيم الحكومة وتأمينها لخدمات الإنعاش قد بدأ بتحسين حال العمال في بعض الدول، ولو بدت لنا هزيلة بالقياس إلى معاييرنا الحالية.
كانت هذه واحدة من النتائج البعيدة للتصنيع التي يمكن رؤيتها عند نهاية القرن العشرين، لقد كانت الخريطة الاقتصادية للعالم في عام 1914 خريطة موحدة أكثر من أي وقت مضى، ولو أن التطور الصناعي كان في ذلك الحين محصوراً بأوروبا وأمريكا الشمالية، مع حالات استثنائية قليلة خاصة في الهند والصين واليابان.
وهكذا كتب لهذه الأجزاء من العالم من جديد مصير تاريخي مختلف عن أنحائه الأخرى، مثلما كان الحال منذ زمن بعيد فصارت تشترك الآن أيضاً بغناها المادي الكبير، وكان هذا من أبرز التغيرات التي طرأت على أوروبا منذ غزوات البرابرة، وقد أثر هذا أيضاً في مظهر البلاد وهيئتها تأثيراً أكبر من تلك الغزوات القديمة.
المجتمع في العصر الصناعي
كان هذا التغير نقطة تحول هامة في تاريخ البشرية، فخلال 150 سنة تقريباً، تحولت المجتمعات من فلاحين وحرفيين يعملون بأيديهم إلى عمال آلات ومحاسبين. وقضى هذا لدى ملايين الناس على الشعور الذي كان يجمع بينهم، مثل أجدادهم من قبلهم، بأن الحياة تسيطر عليها الزراعة وأن إيقاعها يحدده التقويم الزراعي وشروق الشمس وغروبها.
وحتى خارج أوروبا تبدلت حياة الملايين من الناس بسبب الارتفاع الهائل والمتزايد في الطلب على المواد الأولية من أجل تلبية حاجات الدول الصناعية، ولم يكن هذا ضاراً تماماً بسكان البلاد التي كانت تؤمن تلك المواد الأولية، ولكن استفادتها كانت عادة أقل بالكثير الكثير من استفادة سكان الدول المتطورة اقتصادياً.
وراحت الثروة تزداد في تلك الدول جاعلة إياها متميزة ومختلفة عن بقية أنحاء العالم، كان النقل العام مثلاً قد تحسن في كافة أنحاء أوروبا في عام 1914 عما كان عليه قبل مائة عام، فأصبح التنقل أسهل، وازداد توفر العناية الطبية والتعليم، وكثرت المحلات التي تقدم للناس البضائع المختلفة.
وكانت هذه الحقائق جزءً أساسياً من زيادة الثروة التي أمنت للأوروبيين وللشعوب المتحدرة من أصول أوروبية في قارات أخرى طعاماً أوفر من سكان الأنحاء الأخرى من العالم، وقد ارتفعت مستويات معيشتهم من نواح كثيرة، وكان الأوروبيون وأبناء عمومتهم في القارات الأخرى أكثر الشعوب استفادة من هذه الثروة المتزايدة. ولهذا فقد عمق هذا التوسع الكبير في الثروة من اللامساواة بين الأجزاء المختلفة من العالم، وربما لم يخطر هذا التغير ببال أخد، فكان مثل غيره من الانقلابات التاريخية الكبرى، من حيث أن تأثيراته تجاوزت إلى حد بعيد ماكان يحلم به من ابتدأوه أصلاً.
إن أوضح التغيرات وأسهلها على القياس هو زيادة الإنتاج الصناعي، وهناك عدد قليل من المواد الأساسية ذات الأهمية الخاصة والتي تعطينا فكرة جيدة عما كان يجري، ومن هذه المواد الفحم، الذي كان المصدر الأساسي للطاقة غير العضلية في مجال التصنيع والنقل في هذه الحقبة، إما بصورة مباشرة لتأمين الحرارة كما في صناعة صهر المعادن، أو بصورة غير مباشرة عن طريق إنتاج البخار ثم الكهرباء فيما بعد، وقد ارتفع إنتاج الفحم السنوي في المملكة المتحدة من 11.2 إلى 275.4 مليون طن بين عامي 1800-1910، بل إن الولايات المتحدة رفعت إنتاجها السنوي من 30 إلى 474 مليون طن بين عامي 1850 و 1910 .
أما المادة الثانية فهي الحديد، وهو المادة الأساسية لصناعة الآلات وبالتالي لجميع أنواع التصنيع فضلاً عن البناء، وهذه هي الأرقام التقريبية لإنتاجه:

إنتاج الحديد الخام بملايين الأطنان

العام
المملكة المتحدة
ألمانيا
فرنسا
الولايات المتحدة
1890
2.72
0.25
0.56
0.56
1900
8.78
0.80
2.66
1.38
1914
9.8
14.84
4.66
30.98

ثم أصبح الفولاذ بعد ذلك هو المادة الأساسية في الصناعة لأن قساوته العالية جعلته أفضل من الحديد، ولم يكن إنتاجه في البداية يتم إلا بكميات صغيرة جداً، ولكن تحسن وسائل تصنيعه جعله ينتج بأسعار أرخص بكثير في أواخر القرن التاسع عشر، وهذه هي الارتفاعات التي طرأت على إنتاجه:
إنتاج الفولاذ بملايين الأطنان
العام
المملكة المتحدة
ألمانيا
فرنسا
الولايات المتحدة
1890
3.60
2.89
0.77
4.30
1900
5.04
7.71
1.70
10.40
1910
6.93
16.24
4.09
26.50

يؤكد هذا الارتفاع على المستوى الكبير لهذه الثروات الجديدة في بعض الدول، ويدل بالتالي على اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، كما أنه يبين كيف كانت علاقات الدول بعضها ببعض تتغير بصورة حادة.
كانت بريطانيا أول بلد عرفت حركة التصنيع، وقد ظلت في الطليعة زمناً طويلاً وكانت في منتصف القرن التاسع عشر ورشة العالم، كما كان مواطنوها يحبون أن يقولوا، إلا أنها في عام 1900 لم تعد في المقدمة، بل كانت ألمانيا قد سبقتها من نواح كثيرة ومنذ ذلك الحين، كانت التفوق الصناعي الإجمالي للولايات المتحدة على المستوى العالمي قد أصبح واضحاً أيضاً.
تدل هذه الأرقام المتعلقة بالمواد الأساسية أيضاً على التعقيد المتزايد في بنية الصناعة، لقد مكن الفحم من اختراع القطار البخاري، وكانت سككه الحديدية بحاجة للحديد فساعدت بذلك على بناء المزيد من مصانع هذا المعدن. وزاد هذا من الطلب على خاماته الأولية كما صار بالإمكان نقلها مسافات أبعد ويكلف أرخص إلى المعامل بواسطة السكك الحديدية بدلاً من الحصان والعربة وازدادت الحاجة لعمال المناجم، كما مكنتهم أجورهم من شراء المزيد من الملابس، فازداد الطلب على الأقمشة في أوروبا وارتفع بالتالي إنتاج القطن والصوف في القارات الأخرى. وجعل هذا رجال الأعمال يضعون آلات أحدث في مصانعهم، وكان هذا بحاجة للمزيد من الحديد وهلم جراً...

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:26 AM
التجارة العالمية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

التجارة العالمية
لقد شملت هذه العملية في النهاية العالم كله، كانت مصانع أوروبا تستهلك المواد الأولية من الخارج بكميات هائلة، مثل القطن ونبات الجوته والخشب والمعادن، ففي عام 1850 كان أكثر من نصف الصوف المستخدم في مصانع إنكلترا يأتي من أستراليا، كما كانت فرنسا تستورد أكثر من نصف حاجتها من خارج أوروبا أيضاً في عام 1914.
وقد تكتشف أحياناً استخدامات جديدة لمواد أولية قديمة، ومن الأمثلة البارزة على ذلك المطاط قرب نهاية القرن التاسع عشر الذي بدل الحياة الاقتصادية على بعد آلاف الأميال من مكان استخدامه. وكانت هذه المواد الأولية، فضلاً عن الأطعمة والبضائع المصنعة، تنقل بين أطراف العالم مؤدية إلى ارتفاع حاد في التجارة العالمية.
وكانت أكبر الدول التجارية قاطبة هي بريطانيا، قد ارتفعت القيمة الإجمالية لصادراتها ووارداتها معاً من حوالي 55 مليون جنيه في عام 1800 إلى أكثر من 1.400 مليون جينه في عام 1913.
وهكذا ظهرت للمرة الأولى سوق عالمية حقيقية، فصار بإمكان الناس أن يبيعوا ويشتروا في كافة أنحاء العالم مثلما كانوا يبيعون ويشترون ضمن البلد الواحدة، وفي عام 1914 باتت البشرية كلها تشكل بصورة مباشرة أو غير مباشرة جزءً من هذا المجتمع التجاري الواحد الكبير، سواء أعلمت بذلك أم لم تعلم.
فكانت أسعار الحبوب في شيكاغو أو اللحم في بيونس آيريس أو الفولاذ في إسن بألمانيا تسبب تغير أسعار مواد أخرى في كافة أنحاء العالم، وكانت هذه السوق العالمية الأولى ذات الأسعار العالمية دليلاً على وجود عالم واحد على الأقل من الناحية الاقتصادية، وقد اكتملت أخيراً عندما انفتحت الصين واليابان وأفريقيا انفتاحاً كاملاً على التجارة مع أوروبا وأمريكا في القرن التاسع عشر.
كانت هذه التجارة تعتمد على ترتيبات قديمة على إقراض الأموال وتبادلها، وكان أهمها نظام الأوروبيين، أي أن عليهم تسديدها، وكان هذا النظام وليد عمليات التبادل القديمة التي ابتدأت في العصور الوسطى أولاً بين عدد قليل من المراكز التجارية الأوروبية الكبرى.
وقد صارت هذه العمليات مركزة في أكمل أشكالها في لندن، التي أضحت في عام 1914 مركز شبكة عالمية من التجارة، وكان فيها تجمع كبير من المؤسسات المالية لامثيل له في أي مدينة أخرى. وكان هذا النظام برمته يقوم التداول بالأوراق بشكل كمبيالات قابلة للتسديد أو أوراق بنكنوت أو شيكات، وكانت هذه الأوراق دوماً قابلة للاستخدام لشراء بضائع أخرى أو لتحصيل ثمنها في النهاية بشكل ذهب.
وكانت جميع الدول المتحضرة تبني عملتها على الذهب، ولهذا لم تكن أسعار العملات تتأرجح كثيراً، فكان بإمكان المرء أن يسافر إلى أي ركن من أركان العالم وبجعبته عملات ذهبية بشكل جنيهات إنكليزية أو دولارات أمريكية أو ماركات ألمانية وأن يسدد بها مصاريفه. وقد جعل هذا الأمر التجارة العالمية أمراً سهلاً جداً، وكانت التجارة مبنية على قاعدة الذهب هذه، فلم يكن التجار بحاجة لتخمين ما سوف تكون عليه قيمة عمله ما بعد أسابيع من أو أشهر قليلة.
ولكن الدول المختلفة كانت أحياناً تتدخل في التجارة عبر حدودها عندما تجد سبباً يدعوها إلى ذلك، فقد حدث في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر ركود اقتصادي واسع الانتشار، جعل بعض الحكومات تحاول أن تحمي منتجيها ومزارعيها عن طريق فرض ضرائب خاصة على البضائع المستوردة.
وكانت بريطانيا هي الدولة الكبرى الوحيدة التي رفضت القيام بهذا الإجراء، وظلت متمسكة بتقاليد التجارة الحرة التي كانت تعتبرها مسؤولة عن جعلها دولة تجارية كبيرة وعن تأمين الغذاء الرخيص لها، ولكن حتى ضرائب سنوات التسعينيات هذه تركت مجالاً واسعاً لحركة التجارة الدولية.
كانت المناطق المختلفة من العالم ضمن هذه السوق الدولية تلعب عادة أدواراً اقتصادية مختلفة، فكانت أوروبا بالإجمال مستورداً أساسياً للمواد الأولية من طعام ومستلزمات للصناعة من القارات الأخرى، وكانت بالمقابل تصدر البضائع المصنعة، فأصبحت بذلك محرك التجارة العالمية.
وبسبب نمو عدد سكانها وازدياد ثروتها ومصانعها النهمة التي لاتشبع كانت أوروبا تنقل كميات هائلة من الطعام والمعادن والخشب والبضائع المصنعة بين أطراف العالم المختلفة، كانت بريطانيا حتى ستينيات القرن التاسع عشر تنتج القسم الأعظم من الحنطة واللحوم التي تستهلكها، أما في عام 1900 فقد صار 80% من حنطتها و 40% من لحومها مستوردة.
ولكن مع هذا كانت الحركة التجارية الأساسية هي بين الدول الصناعية نفسها، فكانت البضائع تنقل بكميات كبيرة بين الدول الأوروبية وبين أوروبا والولايات المتحدة، وكانت الأخيرة بالطبع تزودها بالكثير من المنتجات الزراعية، وفي عام 1914 كانت أوروبا تأخذ أكثر من 60% من واردات العالم وتقدم حوالي 55% من صادراته.
وراحت أوروبا تصدر رأس المال أيضاً إلى الأنحاء الأخرى من العالم، وكان هذا عادة بشكل قروض أو سلع تستخدم لشراء المواد اللازمة ودفع أجور العاملين في المشاريع الزراعية والصناعية التي تقوم بتطوير البلد المستوردة لرأس المال.
وبهذه الطريقة بني الكثير من السكك الحديدية في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية، وتوسع استخدام المعادن في أفريقيا، وأنشئت مزارع الشاي والمطاط في آسيا، وكانت فوائد رأس المال المقترض هذا تسدد عادة من أرباح تلك النشاطات.
وقد أدى هذا الوضع بمرور الزمن إلى قدر كبير من التوتر، إذ بدا أن المصارف والتجار الأوروبيين يمتلكون قسماً كبيراًَ جداً من الأعمال القائمة في دول غير أوروبية، لأنها كانت معتمدة على رأس المال الأوروبيين، وكان رجال الأعمال في تلك الدول أكثر الناس امتعاضاً من انتقال أرباح هذه الشركات القائمة في بلادهم إلى جيوب الأوروبيين.
وكان الدخل الآتي من هذه الاستثمارات الخارجية يشكل جزءً كبيراً من مدخول بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، التي كانت تحصل على مبالغ هائلة من أقساط هذه الاستثمارات وغيرها من النشاطات، مثل أجور الشحن والتأمين والعمولات المالية بأنواعها.
وكانت بحاجة لهذه الأموال من أجل موازنة حسابات وارداتها وصادراتها، أي أن هذه الأرباح كانت هي التي تمكن الشعب البريطاني من تسديد ثمن وارداته الكثيرة التي سمحت له بأن يتمتع بمستوى عالٍ من المعيشة، وكان هذا واحداً من الأسباب التي جعلت حكومات بريطانيا حريصة دوماً على الحفاظ على السلام الدولي والشروط الطبيعية الملائمة للتجارة، إذ أنها أكثر دولة تعتمد على بيع الكميات الكبيرة من السلع بالوكالة، وعلى إعادة تصدير جزء كبير من وارداتها، وعلى حرية سفنها التجارية في مخر عباب البحار، وعلى حرية مصرفييها ووكلاء التأمين فيها في أخذ الأخطار المحسوبة في الخارج. ولقد ترتبت على هذا النظام المعقد نتائج كثيرة تجاوزت نطاق النتائج الاقتصادية.
إن تخفيض الأسعار وتحفيز الابتكار والاستثمار قد نشرت الحضارة التي خلقها الأوروبيون، وقد حسنت هذه الحضارة العالم من نواح كثيرة، ولكنها من ناحية أخرى خلقت مشاكل جديدة بسبب هذا التداخل الكبير في الشؤون والمصالح، فإذا أغرقت أمريكا بالحبوب مثلاً فقد تؤدي إلى خراب المزارعين الأوروبيين وإذا انهار مصرف أو مؤسسة تجارية في لندن فقد يفقد الناس عملهم في فالبارايسو* أو في رانغون*.
إن تحسن التجارة وتراجعها المتعاقبين، أي دورتها المؤلفة من ازدهار وركود متتاليين، قد أشير إليها للمرة الأولى في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر، ثم صار لها بمرور الزمن تأثير عالمي، وقد بدأ في سبعينيات القرن التاسع عشر ركود طويل يسمى أحياناً الكساد الكبير، كان له تأثيره على أكثر الدول الغنية، فراحت الدول تسعى لحماية أنفسها عن طريق رسوم الاستيراد، وكان هذا الإجراء ضاراً بالنظام التجاري العالمي، ولكنه ظل قادراً على عبور هذه العاصفة إلى أن جاءت الحرب بضربتها القاضية.
ولكن حتى ذلك الحين ظل الكثيرون من الناس يعتبرون أن عالم التجارة الدولية القديم، كان هو الوضع الطبيعي الذي سوف يعودون إليه ذات يوم، إذ أنه كان قد بلغ من النجاح ماجعل الناس يرونه أمراً عادياً، ولم يعلموا أنه كان في الحقيقة إنجازاً غير عادي.


* مدينة في التشيلي
* عاصمة بورما

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 10:27 AM
عصر آلات جديد

كتاب تاريخ العالم - الفصل الحادي عشر - التسارع الكبير

عصر آلات جديد
في القرن التاسع عشر بدأت الآلات الجديدة بالظهور في كل مكان بأعداد كبيرة، ورغم أنها كانت تزداد تعقيداً فإن استخدامها كان يزداد سهولة، فكنت تراها في كل مكان في أوروبا وأمريكا الشمالية، مثل السيارات وعربات الترام والدراجات في شوارع المدن الكبرى، والأنوال والمخارط والمثاقب في المصانع، وآلات تسجيل النقد والآلات الكاتبة في المكاتب والمحلات، وقد بدلت هذه كلها الحياة من نواح كثيرة.
كانت أولى النتائج وأكثرها جلاء أن الآلات قد رفعت قيمة مجهود الإنسان بقدر كبير جداً، فصار بإمكان العامل أن ينتج بسرعة أكبر بكثير، وكانت هذه مساهمة أساسية في النمو الهائل للثروة في ذلك العصر.
وكنت ترى النتائج حتى في الريف، فبعد بداية القرن التاسع عشر بقليل كانت الآلات الزراعية الإنكليزية تعرض في المعارض الأوروبية، وفي منتصف القرن كان البخار يستخدم لإدارة الآلات وجر المحاريث، كما ارتفع عدد الحصادات الميكانيكية في المزارع الألمانية من 20.000 عام 1880 إلى أكثر من 300.000 في عام 1907، ويمكننا أن نذكر أرقاماً كثيرة مثل هذه، وفي عام 1910 وكان قد ظهر أيضاً الجرار الذي يعمل على البنزين.
وكانت الصناعة أكثر من الزراعة اعتماداً على وجود الآلات المبتكرة الجديدة والرخيصة، فظهرت المخارط وغيرها من مكنات صنع الآلات، والمطارق الساقطة والأفران العالية (الأتونات) لصهر المعادن، وآلات صنع جسم السيارة، وألف مثال ومثال غيرها.
كما وفرت الآلات مجهود الإنسان بطرق أخرى غير الصناعة أيضاً، فعربات الترام الكهربائية وقطارات الأنفاق المترو مثلاً كانت في عام 1914 تنقل ملايين الناس إلى أعمالهم في مدن كثيرة، وكان هذا توفيراً كبيراً للطاقة التي كانت تستهلك قبل خمسين سنة، في قطع المسافات الطويلة على الأقدام، فضلاً عن اختصار الوقت اللازم لكسب المعيشة.
وحتى في البيت كانت تأثيرات الآلات كبيرة جداً، فتزويد البيوت بالغاز للطبخ من مصانع الغاز المحلية قد خفف كثيراً من متاعب وتكاليف إدخال الوقود وتوزيعه في البيت، وضخ المياه من محطاتها المركزية كان متوفراً في ملايين البيوت في عام 1914، وإذا شئت أن تعرف مدى تأثير هذا التطور فما عليك إلا أن تنظر إلى مواكب نساء القرى في بعض أنحاء أوروبا الجنوبية وهن يذهبن إلى الساقية أو النبع القريب لأخذ حاجاتهم من الماء لمهام البيت، وإن هذا المشهد بالطبع أكثر شيوعاً في آسيا وأفريقيا.
وقد غيرت آلة الخياطة أيضاً عملية صنع السلع في المنزل، أما في بيوت الأغنياء في أوروبا وأمريكا فكنت تجد آلات أخرى غير هذه، مثل المكانس الكهربائية والمصاعد وآلات الغسيل، وفي بيوت جميع الطبقات كنت تجد تلك المكواة المكونة من أسطوانتين تمرر بينهما الألبسة، وهي جهاز وفر الكثير من الجهد المبذول في تجفيف الملابس وكيها.
من الصعب أن نرتب أهم الابتكارات الميكانيكية في هذا القرن ترتيباً زمنياً لأن العلاقات المتبادلة فيما بينها كانت معقدة وسريعة جداً، ومن الصعب أيضاً أن نحدد التأثيرات العامة لقدوم الآلات على تنظيم العمل وشكل المهن ولو كن من الممكن وصف ذلك إلى حد ما في أي مهنة معينة.
وقد ظهرت مجموعة من الوظائف الجديدة، كانت كلمة مهندس engineer كلمة قديمة، ولكن معناها اتسع كثيراً في القرن التاسع عشر، فظهر التخصص ضمن الهندسة في مجالات البناء والأشغال الكهربائية والسفن والكيمياء، وكانت قد ظهرت مؤسسات للتعليم التقني في بلاد كثيرة تقدم تعليماً متقدماً في مجال الهندسة وتمنح مؤهلات معترف بها بصورة واسعة كمعادلات للشهادات الجامعية، كما بدأت بعض الجامعات بتدريس هذه المواد، فصار المهندسون يعتبرون الهندسة مهنة قائمة بذاتها، وكانوا عادة منظمين في هيئات مهنية ترعى مصالحهم.
وكانت كلمة ميكانيكي Mechanic كلمة أخرى صار لها معنى جديد، هو الحرفي المختص بالتعامل مع الآلات، وقد ازداد عدد هذا النوع من العمال المهرة بسرعة هائلة في الدول الصناعية، وصاروا يميلون أيضاً للتخصص في نهاية هذه المرحلة،وصارت مؤهلاتهم تحدد بمعايير المهنة وبالشهادات. وكان معنى كلمة ميكانيكي يتسع باستمرار، فظهر صانعوا المراجل والمخترعون وصانعوا الآلات والمختصون بضبطها ومعايرتها وتصميمها، وكانت الحاجة تزداد لهم بأعداد كبيرة، كما كانت أعمالهم تزداد تخصصاً بمرور الزمن.
فليس من الصحيح إذاً أن التصنيع والمكننة قد أضعفا من تنوع المهن وتفردها، ورغم أنهما قضيا على الكثير من الحرف فقد رفعا أعداد المهارات الخاصة المطلوبة من نواح عديدة، ولكن الآلات كانت من ناحية أخرى بحاجة لأعداد كبيرة من العمال غير المدربين الذين لاتتجاوز مهمتهم صيانتها والعناية بها، فكان عملهم مملاً جداً وخالياً من عوامل التحفيز.
التأثيرات النفسية والفكرية للمكننة
كان من المحتم أن تؤثر هذه التغيرات العريضة على أفكار الناس ونظرتهم للحياة، لقد بدأ الكثيرون منهم يعتقدون أن الآلات قد تقوم بأي شيء إذا أتيح لها الزمن والمجهود اللازمان، وبهذا صار العالم يبدو أقل غموضاً وأكثر قابلية للسيطرة، كما رأى الكثيرون في هذا التقدم التقني دليلاً على أن الحضارة الأوروبية تسير في الاتجاه الصحيح.
وقد كان هناك عدد قليل من الأشخاص الذين يعتقدون غير هذا وكانوا يعبرون عن آرائهم كثيراً وبصوت عال، إلا أن أكثر الناس قبل عام 1914 كانوا مقتنعين من الأدلة التي يرونها من حولهم، فالمهام الشاقة والصعبة قد أصبحت تؤدى بسهولة ويسر، والسلع التي كانت في الماضي سلعاً باهظة الثمن باتت اليوم شائعة.
كما أن الفوائد الاجتماعية للتقنية قد ظهرت خارج العالم الغني أيضاً فامتدت السكك الحديدية ضمن أفريقيا وآسيا، وحملت معها منافع أخرى مثل تحسن المضخات والآبار والاتصالات والطب، لقد أصبحت الحضارة الرائدة في العالم تعتبر الآلات أشياء عادية وتعاملها كجزء أساسي من حركة التطور، وكان هذا تغيراً هائلاً في نظر البشرية.
الطاقة
كانت تلك الآلات الجديدة بحاجة لطاقة جديدة أيضاً، وقد ارتفع استهلاك الطاقة بعد عام 1801 بمعدلات لاسابق لها، إن التحسينات التي جرت على المحرك البخاري في القرن الثامن عشر قد جعلت البخار هو المصدر الأساسي للطاقة في القرن التاسع عشر، ومع أن السكك الحديدية في بعض أنحاء العالم كانت تعمل على الخشب فقد رفعت الطلب على الفحم أيضاً.
وكان الإنتاج العالمي للحم 800 مليون طن في عام 1900، ثم ارتفع في عام 1913 إلى أكثر من 1.300 مليون طن، وكانت تسعة أعشار هذه الكمية تأتي من أوروبا والولايات المتحدة، وكانت قد ظهرت مصادر أخرى للطاقة، فبعد أن اكتشف فارادي في عام 1831 مبدأ عمل المولد الكهربائي وتبين أن الكهرباء يمكن توليدها، ارتفع الطلب على الفحم من جديد لأنه صار يستخدم لإدارة المولدات الكهربائية، كما وجدت أيضاً طريقة جديدة لاستغلال الموارد المائية في توليد الطاقة الهدروكهربائية، فكان هذا توسعاً آخراً في موارد الطاقة.
كانت الزيوت النباتية والحيوانية تستخدم للإضاءة منذ زمن بعيد عندما اكتشف الناس تكرير النفط، وقد أنتج النفط بصورة تجارية للمرة الأولى في بنسلفانيا في عام 1859، فمهد بذلك الطريق لاستخدام الزيوت المعدنية للإضاءة أولاً بشكل مصابيح البارافين، ثم للوقود.
وقد مكن النفط ثم البنزين من اختراع المحرك الداخلي الاحتراق، وهو محرك يعتمد على انفجار الوقود ضمن غرفة الاحتراق لدفع المكبس، بينما يستخدم الوقود في المحرك البخاري لتحويل الماء إلى بخار هو الذي يدفع المكبس. ونشأت من هذا المحرك الجديد اختراعات جديدة مثل السيارة والمحركات المحمولة لجميع أنواع الأعمال، والعنفات العاملة على البترول في السفن وفي توليد الطاقة الكهربائية، وأخيراً في المحركات القوية والخفيفة إلى حد يسمح باستخدامها في الطائرات.
ومع هذا الارتفاع قفز إنتاج البترول العالمي وأكثره في الولايات المتحدة من 5.75 مليون برميل في عام 1871 إلى 407.5 مليون في عام 1914، واقتضى هذا التطور بناء آبار جديدة وصناعة تكرير هائلة مع وسائل النقل الضرورية لشحن البترول إلى أماكن استخدامه.
كانت هذه الآلات الجديدة بحاجة إلى كميات كبيرة من المواد الأولية، وكان بناء السكك الحديدية والسفن يستهلك كميات هائلة من الحديد، وقد تمت خطوة هامة جداً إلى الأمام عندما اكتشف طريقة جديدة في صنع الفولاذ في خمسينيات القرن التاسع عشر، وقد كان هذا المعدن شائع الاستعمال قبل ذلك ولكنه كان غالي الثمن، فصار الآن رخيصاً وبات يستخدم بدلاً من الحديد المطاوع.
ثم حصلت تحسينات أخرى خفضت سعره فزادت الطلب عليه، وخلال العقد التالي حصلت اختراعات مكنت من صنع الألمنيوم من خام البوكسيت، فتحول من معدن ثمين إلى مادة شائعة الاستعمال. أما فيما يتعقل بالمواد غير المعدنية، فقد حصل تطور هائل في الصناعة الكيميائية أدى إلى إنتاج مادة السليوليد في عام 1879 ثم إلى الألياف الصنعية بعد حوالي عشرين عاماً وإلى مادة الباكليت في عام 1909، وهي من أولى المواد التي نسميها اليوم مواد بلاستيكية.
في عام 1914 كانت كل ناحية من نواحي الحياة في الدول الصناعية قد تأثرت بالآلات الجديدة والمواد الجديدة، فحتى ياقات الملابس كانت تصنع أحياناً من السليوليد. ولم تقتصر هذه التبدلات على فنون السلم بل تخطتها إلى فنون الحرب أيضاً.
لقد كان أول استخدام عسكري للسكة الحديدية في عام 1854 في حملة خاضها البريطانيون والفرنسيون ضد الروس في شبه جزيرة القرم، وسرعان ما أخذ القادة العسكريون يخططون لاستخدام السكك الحديدية من أجل نشر مئات الألوف من الرجال.
وكانت الآلات تزداد في عتاد الجيش أيضاً، فتحسنت الأسلحة وصارت أقوى، كما ظهرت آلات عسكرية كثيرة قبل عام 1914، مثل الدراجة النارية والشاحنة والجرار والطيارة وأجهزة الإشارة، أما البحرية فقد شهدت ثورة حقيقية بظهور البخار، وقد ظهرت أول سفينة بخارية في البحرية الملكية في عام 1821، ثم كبرت المدافع والدروع الواقية للسفن وتحسنت.
ولو رأى نلسون السفن العملاقة التي كانت تشكل أساطيل الدول العظمى في عام 1914 لما عرف أنها سفن إلا من كونها طافية على سطح الماء، ولكنه لو وجد نفسه على ظهر سفينة حربية قبل عصره بمائة عام لوجدها مكاناً مألوفاً لديه. وكانت هناك أيضاً غواصات في جميع القوى البحرية الكبرى في عام 1914، ولقد كانت آلات الحرب هذه أبشع العلامات وأبلغها على امتداد عصر الآلات إلى كافة أنحاء الأرض.

محمد أبوبكر
10-20-2010, 11:21 AM
http://im1.gulfup.com/2010-10/12875504851.gif (http://www.gulfup.com/)


جزاك الله جنات نعيم أخي الكريم مسافر بلاحدود

جعل الله جل عملك في موازين حسناتك

http://im1.gulfup.com/2010-10/12875504863.gif (http://www.gulfup.com/)

مسافر بلاحدود
10-20-2010, 11:28 AM
أخي الفاضل محمد
أشكرك علي مرورك الكريم العطر
بارك الله فيك
دمت في أمان الله

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:17 PM
أشكال السيطرة الأوروبية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

أشكال السيطرة الأوروبية
كان الأوروبيون في القرن التاسع عشر يتسابقون على بناء إمبراطوريتهم باندفاع أكبر من السابق، ولم تكن سلطتهم العالمية في تلك الحقبة مقتصرة على رفع أعلامهم فوق أراضي جديدة، بل كانت تشكل أخطاراً مختلفة كثيرة على العالم غير الأوروبي، وكانت بعض تلك الأخطار أعمق لأنها ليست مباشرة مثل الاحتلال العسكري أو السياسي.
لقد أدى وصول التجار والمنقبين والممولين الأوروبيين والأمريكيين إلى تنازلات اقتصادية من جانب الحكام المحليين بعد أن كانوا في السابق مستقلين، وربط هذا الأمر رعاياهم بعجلات العربة الغربية سواء بصورة مقصودة أم غير مقصودة.
فقد تبدلت الحياة تماماً، في ماليزيا مثلاً عندما أتى إليها الأوروبيون بنبات المطاط من أمريكا الجنوبية، مبتكرين بذلك صناعة جديدة سرعان ما صار الكثيرون من السكان معتمدين عليها في معيشتهم.
وقد تعطي عمليات استخراج المعادن بلداً ما أهمية سياسية جديدة، فقد وجد حكام المغرب أن الأوروبيين راحوا يتدخلون في شؤون بلدهم ويتنازعون عليها حالما ظهر احتمال أن تحتوي على معادن قابلة للاستثمار.
وقد يمتد التدخل في شؤون الحكم الذاتي لتلك الدول المستقلة شوطاً بعيداً من دون أن يصل إلى الضم المباشر، لقد جرت أولى المفاوضات حول هذا الشكل من التنازلات مع الأتراك العثمانيين في القرن السادس عشر، ومنذ ذلك الحين صارت تعقد مع قوى غير مسيحية من أجل ضمان الأمن والامتيازات للأوروبيين المقيمين فيها.
وكانت تسمح لهم بالإعفاء من المحاكم المحلية وبالمثول بدلاً منها أمام مسؤولين أو محاكم خاصة يديرها قضاة أوروبيون، فيتجاوزون بذلك قانون البلاد. فقد كان الأوروبيون والأمريكيون يعيشون في الصين في أواخر القرن التاسع عشر في مناطق خاصة ممنوحة لهم ضمن المدن التي يديرون منها أعمالهم، ولم تكن حكومات هذه المناطق مسؤولة أمام السلطات الصينية بل أمام السلطات الأجنبية، وكانت لها أحياناً حاميات وقوات شرطة غربية أيضاً.
وقد أضعفت هذه الترتيبات مكانة الحكام المحليين في نظر شعوبهم، كما أن الأوروبيين كانوا أحياناً يتفاوضون مع بعض الحكام على معاهدات تعطيهم سيطرة على سياستهم الخارجية، وكان هناك بالإجمال مجال واسع من التدخل الفعلي في شؤون الدول غير الأوروبية يمتد بعيداً خارج الحدود الرسمية للإمبراطوريات.
وكان هناك أخيراً شكل آخر غير مباشر من الهيمنة بدأت الحضارة الأوروبية تمارسه بصورة متزايدة في القرن التاسع عشر، وسوف يستمر بعد انتهاء حكمها الصريح في دول كثيرة، هذه السيطرة هي سيطرة الأفكار والأساليب الغربية، أي الحضارة الأوروبية بأعمق معانيها، ومن الصعب أن نحدد هذا التأثير إلا في حالات منفردة.
لقد بقي ملايين الناس في مساحات شاسعة من العالم يعيشون ضمن أنماط تقليدية من السلوك والمعتقدات لم تمسها الحضارة الغربية أو الأوروبية بشيء، وهذه حقيقة هامة لايجوز أن تغيب عن بالنا.
ولكن الأفكار القومية كانت أفكاراً غربية سوف تتبناها شعوب آسيا وأفريقيا بحماس كبير، وسوف تحرز فيها انتصارات واسعة، ومثلها أفكار العلم والتقنية ومفاهيم التقدم المرتبطة بها، فضلاً عن المفاهيم الغربية في مجالات القانون والاقتصاد والدين والسياسة والحكم وغيرها الكثير الكثير.
صحيح أن الأفكار لم تؤثر في البداية إلا في أعداد قليلة من الناس هي النخب المتعلمة في المجتمعات غير الأوروبية، ولكنها في النهاية تغلغلت عميقاً ضمن أساليب الحياة وامتدت آثارها بعيداً خارج تلك الحلقات الضيقة.
لقد لعبت هذه التيارات المختلفة في عصر توسع الإمبراطوريات أدواراً مختلفة من بلد إلى أخرى، وبالإجمال كان الاستملاك المباشر للأراضي يظهر في أبرز أشكاله في أفريقيا وجزر المحيط الهادي، بينما انتشرت الأشكال غير المباشرة من النفوذ الغربي في الإمبراطوريات الآسيوية القديمة، وإن هذا الوصف تقريبي جداً ولكنه يبقى مع ذلك وصفاً مفيداً.
دوافع وفرص
لقد كانت دوافع الأوروبيين في سيطرتهم على العالم عديدة ومتنوعة، من الواضح أن الرغبة بالمكاسب الاقتصادية كانت واحداً من تلك الدوافع منذ القرن الخامس عشر، فقد كان الناس دوماً يسعون لإيجاد مناطق جديدة يتاجرون معها ويكسبون الأموال، أو موارد جديدة بشكل أراضٍ أو ثروات معدنية أو مجهود بشري، أو فرص للسلب والنهب الصريحين.
وازدادت جاذبية هذه الموارد في القرن التاسع عشر بسبب ارتفاع الطلب في أوروبا على المواد الأولية من أنحاء العالم المختلفة بقيام الحركة الصناعية، إلا أنك لست مضطراً لحكم بلد ما من أجل أن تتاجر معها، والحقيقة أن الكثيرين من رجال الأعمال كانوا يفضلون العمل بعيداً عن متناول القوانين والأنظمة الأوروبية، وحتى عندما بلغت المنافسة بين الدول الاستعمارية أشدها للاستحواذ على أراضٍ جديدة، كان مسؤولوها وسياسيوها عادة غير راغبين باتخاذ مستوطنات جديدة، لأنهم يعلمون أن حكمها وحمايتها يكلفان الكثير من المال، وأن لاضمانة لأن تسدد نفقاتها في النهاية.
كما أن سعي الناس نحو استثمارات ذات مردود مجز لايفسر رغبتهم في الحصول على أراضٍ جديدة، فقد كانت بريطانيا تستثمر في الخارج مبالغ أكبر من أي دولة أخرى في عام 1900، وكانت لها أيضاً أوسع إمبراطورية في العالم، ولكن الأموال التي أودعها فيها المستثمرون البريطانيون كانت ضئيلة جداً بالقياس إلى استثماراتهم الواسعة في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية، لأن عوائد الأمريكتين كان أوفر بكثير من عوائد الاستثمار في أفريقيا.
صحيح أن توسع الاقتصاد الحر في أوروبا وأمريكا الشمالية قد تزامن تقريباً مع بناء الإمبراطوريات الجديدة، وأن بعض رجال الأعمال كانوا أحياناً يحاولون جذب حكوماتهم إلى ضم مستوطنات جديدة لأن لهم فيها مصلحة خاصة، ولكن الرأسمالية بحد ذاتها لاتكفي لتفسير هذه الموجة من التوسع الاستعماري.
الحقيقة هي أن الدوافع والأهداف كانت تتباين كثيراً بين أنحاء العالم المختلفة، لأن الحكومات المختلفة كانت تستمع بدرجات مختلفة إلى مصالح كثيرة ومختلفة أيضاً، مثل مصالح الجنود، وأصحاب المشاريع الإنسانية، والمبشرين الدينيين، وبعض الأشخاص المعتوهين، والمستوطنين، عدا عن رجال الأعمال.
كما أنها كانت تستمع بدرجات مختلفة إلى الرأي العام، وقد تميز هذا العصر الأخير من الاستعمار في بلاد كثيرة ببداية الاهتمام برغبات جماهير الناخبين للمرة الأولى، وكان أولئك الناخبون يقرؤون الجرائد أكثر مما مضى، وكان الصحفيون ومازالوا يختارون المواضيع التي تسهل المبالغة العاطفية فيها وتحويلها إلى مقال صحفي يجتذب القراء ويرفع المبيعات، وقد كانت هذه المواضيع وافرة في عصر الاستعمار.
ولهذا كان رجال الدولة أحياناً يسيرون مع التيار الشعبي أو ما يبدو أنه التيار الشعبي ولو أنهم غير مؤمنين بالتوسع الاستعماري، وحتى في روسيا، التي كانت أقل الدول الاستعمارية ديمقراطية، يبدو أن الحكومة كانت تشعر أن سيرها على طريق الاستعمار سوف يساهم في حشد الدعم والتأييد لنظامها.
والناحية الأخيرة المهمة والتي تزيد قصة الاستعمار تعقيداً هي اختلاف درجات وسعة امتداده بسبب تباين درجات المقاومة نحوه، كان الاستعمار عبارة عن محاولات لفتح أبواب جديدة، ولكن الباب قد يكون مغلقاً أحياناً أو قد يكون هناك من يدفعه من الجانب الآخر لكي يبقيه مغلقاً، بينما لم تكن هناك أي مقاومة وراء أبواب أخرى.
أي أن الإمبراطوريات الجديدة كانت تواجه في توسعها فرصاً متباينة جداً، وهذا ما اكتشفه المستوطنون الأوروبيون في الخارج، لقد ذهب بعضهم إلى أجزاء من العالم لا يألفها الأوروبيون، مثل أستراليا ونيوزلندا وجزر المحيط الهادي وشرق أفريقيا، فكان لهم دورهم في عملية الامتداد الاستعماري، ولكن أعدادهم كانت تختلف كثيراً بين البلاد الأوروبية، فكنت تجد أكثر جماعات المستوطنين في مستعمرات بريطانيا، بينما كان المهاجرون من الدول الأوروبية الأخرى يذهبون عادة إلى الولايات المتحدة أو أمريكا الجنوبية.
ثم أنه لم يكن هناك في تلك الأراضي الجديدة حضارات متطورة أو إمبراطوريات ذات ماض عظيم أو ديانات كبرى مثل التي في الهند أو في الصين، أي أنهم لم يجدوا ما يستدعي إعجابهم واحترامهم.
كما أن عدد السكان الأصليين كانت قليلة، لذلك كان المستوطنون البيض يبنون حياتهم بحرية أكبر بكثير من حكام البلاد الأخرى التي استعمرتها بريطانيا، والذين كانوا يواجهون ظروفاً محلية أكثر تعقيداً، أما في المستعمرات التي لم يأت إليها مستوطنون فكانت الدول الأوروبية تميل للتوسع بسبب صعوبة حدود ثابتة ونظامية من دون المشاركة في شؤون الشعوب التي تعيش فيها، وكان الروس في آسيا الوسطى والبريطانيون في الهند يرون أنفسهم في هذا الوضع، سواء كانوا على صواب أم على خطأ.
وإذا نحن استعرضنا القوى الكبرى القديمة في العالم غير الأوروبي، وجدنا أن الإمبراطورية العثمانية في غرب آسيا وفي أوروبا أيضاً كانت تعاني من مصاعب كبيرة في عام 1800، وقد ازدادت المصاعب بمرور القرن سوءً على سوء، فلم يعد الأتراك قادرين على حكم الشعوب التابعة لهم بصورة ملائمة، وراحت بعضها تطلب المساعدة من الدول الأوروبية.
وإلى الشرق منها كانت إمبراطورية فارس ذات الماضي العظيم ترزح تحت ضغوط خارجية كبيرة خاصة في روسيا، كما كانت في الداخل مقسمة وضعيفة. وإذا ابتعدنا أكثر نحو الشرق رأينا أن إمبراطورية المغول لم تعد إلا صورة باهتة عن إمبراطورية القرن السابع عشر، وأن الدول الهندية المتعاقبة كانت عاجزة عن تأمين الحكم الثابت لنفسها، وحتى إمبراطورية الصين التي كانت في الماضي قوة عظمى كانت تبدو ضعيفة في بداية القرن التاسع عشر، وكانت إندونيسيا خاضعة للهولنديين، وكان جنوب شرقي آسيا يخرج عن سيطرة سادته الصينيين، فلم يكن في هاتين المنطقتين مقاومة قوية لحضارة أوروبا المهيمنة والعدوانية.
أما في بقية أنحاء العالم، أي في أفريقيا وجزر المحيط الهادي، فقد وجد المستعمرون البيض شعوباً أكثر تخلفاً، إن الذي حمى هذه الأماكن من السيطرة الأجنبية لزمن طويل إنما هو العوائق الطبيعية كالمناخ وبعد المسافات والأمراض، ولكن القرن التاسع عشر قد أتى بأساليب جديدة للتغلب على تلك العوائق.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:19 PM
المعرفة والتقنية

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

المعرفة والتقنية
لقد لعب تقدم المعرفة دوراً كبيراً في بناء نظام جديد، وكانت معرفة الأوروبيين بالجغرافية ميزة كبيرة بيدهم على حكومة الصين مثلاً، حتى في بداية القرن التاسع عشر كانت سواحل العالم وأشكال قاراته الأساسية معروفة عندئذٍ بصورة جيدة، ماعدا مناطق القطب الجنوبي.
وكان قسم كبير من أمريكا الشمالية قد استكشف، كما كان المستكشفون الإسبان والفرنسيون قد فتحوا منطقة الجنوب الغربي ورسموا الخرائط للبحيرات الكبرى ووادي الميسيسيبي قبل نهاية القرن السابع عشر، أما السهول الواقعة وراء الميسيسيبي ومنطقة الشمال الغربي فقد تركي لمستكشفي القرن التاسع عشر، وأعظم اسمين في هذه القصة هما لويس وكلارك اللذان تعقبا نهر ميسوري حتى منابعه بين عامي 1804-1806 ثم عبرا مرتفعات جبال روكي ونزلا نهري سنيك وكولومبيا حتى ساحل المحيط الهادي فيما كان يسمى أرض أوريغن.
كان الناس قد رأوا ذلك الساحل بما فيه لسان فانكوفر البحري من ناحية المحيط، ولكن هذا كان أول عبور بري إليه، وسرعان ما تبعهم التجار والمستوطنون إلى الشمال الغربي، ومع هذا بقيت مساحات كبيرة من سطح العالم مجهولة، فكانت هناك جزر كثيرة في امتدادات المحيط الهادي تنتظر من يكتشفها، كما بقي جزء كبير من داخل أفريقيا وأمريكا الجنوبية بل بعض أنحاء آسيا أيضاً غير مستكشفة، أما في عام 1914 فكانت الصورة قد تبدلت، وكانت الأراضي غير المستكشفة في العالم قليلة جداً.
أفريقيا
عند نهاية القرن الثامن عشر، كانت قد ابتدأت الجهود المتواصلة والمنظمة للوصول إلى أعماق أفريقيا، فقد وصل البريطانيون إلى جنوبي الصحراء الكبراء وإلى مناطق نهر النيجر، ويبدو أن رجلاً ألمانياً كان أول أوروبي يعبر الصحراء الكبرى- منذ الأزمنة الرومانية، وقد انطلق من القاهرة ومات قبل أن يصل إلى النيجر بقليل.
في هذه الأثناء انطلقت حملات أخرى من الساحل الغربي، كانت آخرها الحملة التي قام بها المستكشف الاسكتلندي العظيم مونغو بارك في عام 1805، والتي بينت الأخطار التي تترصد من يقوم بمحاولات كهذه، فقد شارك فيها أربعون أوروبياً انطلقوا من الساحل، لم يبق منهم أحياء عندما وصلوا على أعالي نهر النيجر إلا أحد عشر شخصاً، وعندما صارت البعثة جاهزة للعودة لم يبق إلا خمسة، وكان أحدهم قد أصيب بالجنون. ثم انطلقت هذه الحفنة الصغيرة من جديد، ولكنهم جميعاً قتلوا أو غرقوا في الطريق.
وبالرغم من هذا ظل المستكشفون يرحلون إلى أفريقيا، ففي عام 1828 وصل رجل فرنسي إلى طنجة من الجنوب، وكان بذلك أول أوروبي يزور تمبكتو ويعود سالماً وبعد سنوات قليلة وصل الناس إل مصب نهر النيجر لأول مرة من الداخل. وشيئاً فشيئاً صارت تتراكم المعرفة بالصحراء الكبرى وبالسهول الواقعة إلى الجنوب منها، وفي هذه الأثناء كانت تجري سلسلة من الحملات من الساحل الشرقي بحثاً عن منبع نهر النيل.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/nile.jpg
نهر النيل
ليفينغستن
لقد ألهمت الحماسة الجغرافية والعلمية أكثر المستكشفين، ولكن أشهرهم كان المبشر الديني الاسكتلندي ديفيد ليفنغستن، كان هناك بعثات مسيحية كثيرة تعمل في أفريقيا عندما رسا ليفنغستن في جنوب القارة في عام 1841، ولكنه استحوذ على خيال مواطنيه وربط أفكار الحضارة الأوروبية بالتنصير في أفريقيا بصورة لامثيل لها، وقد أصبح بطلاً شعبياً حقيقياً.
لقد ذهب أولاً نحو الشمال باحثاً عن مواقع لمحطات تبشير جديدة، وبعد أن عبر صحراء كالاهاري مع زوجته وطفله ووصل إلى نهر الزامبير قرر أن يسير مسافة 1.500 ميل (2.400 كم) غرباً عبر أراضي مجهولة إلى المحيط الأطلسي، فبلغه عند لواندا في عام 1854، وقرر عندئذٍ أن يستدير ويقفل راجعاً، وقد عاد بالفعل.
وتلت ذلك رحلات كثيرة، في عام 1866 انضم ليفنغستن إلى عمليات البحث عن منابع النيل، وقد روعه ما رآه من مآسي سببها النخاسون العرب، كانت النخاسة قد منعت على الساحل الغربي منذ زمن بعيد باتفاق دولي وعبر القارة مرة ثانية سيراً على الأقدام متبعاً هذه المرة مجرى نهر الكونغو الأعلى نزولاً من المنطقة الواقعة إلى الغرب من بحيرة طنجنيقة.
وبينما كان يقوم بهذا المسير حصلت واحدة من أشهر الحوادث في تاريخ الاستكشاف قاطبة، هي لقاؤه في عام 1871، بالمراسل الصحفي الأمريكي هنري ستانلي ، الذي أرسل بحثاً عن هذا المستكشف الشهير، وإن أبلغ رواية لهذه القصة الشهيرة هي كلمات ستانلي نفسها إذ يقول: ”كنت أود أن أجري نحوه، ولكنني كنت جباناً في حضرة هذا الرجل، كنت أود أن أعانقه، ولكنني ما كنت أعلم كيف سيستقبلني. ففعلت عندئذٍ ما أملاه علي جبني وكبريائي الزائف، وسرت إليه بتؤدة، ونزعت قبعتي وقلت : الدكتور ليفيغستن، على ما أظن؟"
لقد توفي ليفنغستن في عام 1873 وهو ساجد يصلي في آخر رحلاته الرهيبة، وقام خدامه الأوفياء بدفن قلبه ثم حملوا جسده المحنط طوال أحد عشر شهراً في مسيرة ألف ميل حتى الساحل في ذلك الحين كان عصر استكشاف أفريقيا قد شارف على نهايته، وخلال سنوات قليلة رسمت خرائط دقيقة لأنهار النيجر والزامبيز والنيل والكونغو.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/david_livingstone.jpg
ليفنغستن
صحيح أن تفاصيل كثيرة لم تكن معروفة بعد، إلا أن عصر السكك الحديدية والطرق والتلغراف كان قد بزغ، وأخيراً راحت عتمة الجهل المكتنفة لأرض أفريقيا تنقشع بصورة متزايدة ومتسارعة عاماً بعد عام.
لقد استحوذ استكشاف أفريقيا على خيال الناس في أوروبا، والأمريكتين في القرن التاسع عشر لأسباب كثيرة ومتنوعة، وكان هناك الاندفاع لتنصير شعوب القارة الأصلية، وهذا ما جعل ليفنغستن يتمتع بجاذبية تشه جاذبية لاعبي كرة القدم أول المغنيين الشعبيين في أيامنا. وكانت هناك أيضاً مصلحة الأفراد والحكومات الذين يدعمون الحملات بحثاً عن الثروات الطبيعية التي تحتويها أفريقيا.
ثم كان هناك تأثير الحركة المناهضة للاسترقاق، وشعور الأوروبيين بالذنب تجاه أفريقيا بسبب الأضرار التي سببها النخاسون الأوروبيون في الماضي، حتى النافسات بين الدول كان لها دورها، إذ راحت الحكومات تسعى للحصول على معلومات يمكنها أن تبني عليها مطالبها بالأراضي أو بالنفوذ على الحكام الأفارقة. وكانت هذه العوامل تفعل فعلها أحياناً بصورة متسارعة، إذ كثيراً ما كانت الحكومات الأوروبية تسعى لبسط نفوذها في أفريقيا خوفاً من أن تسبقها إليها بلد أخرى.
استكشاف أستراليا
إن الدوافع المذكورة لاتنطبق على هذه الأرض الكبيرة التي كانت تنتظر استكشافها في عام 1801 أي قارة أستراليا، لقد كان عدد السكان الأصليين في أستراليا قليلاً نسبياً، كما أنهم كانوا أكثر تخلفاً في حضارتهم من شعوب أفريقيا، وحتى زمن متقدم من القرن التاسع عشر، لم يكتشف فيها الكثير من الموارد الطبيعية.
كانت أستراليا بعيدة عن أوروبا وعن أمريكا، ولم يدخلها أحد حتى نهاية القرن الثامن عشر، بينما كان الأوروبيون يعرفون جزءً كبيراً من سواحل أفريقيا قبل ذلك بزمن طويل، ولم يكن ثمة تنافس بين الدول فيها يدفع استكشافها إلى الأمام.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/aus-hadi.jpg
كان الأستراليون أنفسهم أهم مستكشفي قارتهم، وراحت حملاتهم تشق طريقها نحو الداخل ضمن صعوبات هائلة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وكان الأمر شبيهاً باختراق غرب أمريكا الشمالية.
ولم تبدأ الهجمات الكبرى الأولى على الصحارى إلا بعد استيطان أستراليا الجنوبية وفكتوريا، ففي عامي 1840-1841 قام رجل إنكليز بمسير رهيب على طول الساحل الجنوبي الصحراوي للقارة، حتى ألباني في الغرب، ولكن القارة لم تعبر بصورة كاملة حتى عام 1860 عندما قطعت حملة مزودة بالجمال المستوردة للنقل المسافة من ملبورن حتى خليج كاربنتاريا في الشمال، ثم تم عبور آخر من آدليد إلى بورت داروين في عام 1862.
وبعد ذلك راحت خريطة أستراليا تكتمل رويداً رويداً، وقد ساهم الأستراليون الحقيقيون أي السكان الأصليين للبلاد في هذه العملية مساهمة كبيرة ولكنها منسية، فهم الذين كانوا يزودون المستكشفين بالمعرفة والمهارات الضرورية، مثل أماكن وجود الماء وطريقة استخراجه وأنواع اليرقانات التي تؤكل، وهذا ما مكنهم من البقاء على قيد الحياة.
القطب الشمالي والقطب الجنوبي
كانت منطقتا القطبين الشمالي والجنوبي مسرحين لجهود كبرى غيرها في مجال الاستكشاف في هذه المرحلة التي استحوذت على الاهتمام الشعبي. ولم يتوقف الناس عن الحلم بإمكانية العبور إلى آسيا عن طريق الالتفاف حول أمريكا الشمالية أو سيبيريا، وعادت الحكومة البريطانية فعرضت من جديد في عام 1818 جائزة مقدارها 20.00 جنيه لأول شخص يقوم بهذه الرحلة، فراحت محاولات المستكشفين تشد انتباه الناس إلى مسافات أبعد نحو الشمال.
وقد حاول ضابط بحري بريطاني أن يبلغ القطب الشمالي فوصل حتى خط 82ْ.45َ في عام 1827 منطلقاً من سبيتزبرغن، وظل هذا الإنجاز رقماً قياسياً طوال خمسين سنة مع أن رجلاً آخر وصل إلى القطب الشمالي المغناطيسي بعد أربع سنوات من ذلك، واستمرت في هذه الأثناء المحاولات للبحث عن ممر شمالي غربي، إلى أن دخل النرويجي أمندسن في عام 1906 مضيق بيرنغ للمرة الأولى بعد أن أبحر بسفينة عبر شمالي كندا وألاسكا.
ويبدو أن الأمريكي بيري قد سبقه إلى القطب الشمالي بعد بضع سنوات، ولكن هذا الأمر ليس مؤكداً تماماً، إلا أن أمندسن صار فيما بعد من أول الذين حلقوا فوق القطب الشمالي في طائرة، وذلك في عام 1926. وكان قد أحرز قبل هذا انتصار أعظم في قارة أنتاركتيكا.
كان كوك أول إنسان عبر بالسفينة دائرة أنتاركتيكا، وكانت حملة روسية هي أول من رأى اليابسة فيها في عام 1921، وقد وصل البحار البريطاني الكابتن روس إلى مسافة 710 أميال (1136)كم عن القطب الجنوبي ورسم الخريطة لألف ميل 1600 كم من ساحل أنتاركتيكا في عام 1842، وكان هذا أيضاً رقماً قياسياً استمر حتى نهاية القرن عندما استطاعت جماعة من المستكشفين أن تمضي أول شتاء في هذه القارة وقطعت مسافة أبعد نحو الجنوب على المزالج.
وصارت المعلومات تتراكم بصورة أسرع، واضطرت حملة سويدية أن تمضي شتاءين متتاليين في أنتاركتيكا قبل أن ينفذوها في عام 1903، وقد تم لها هذا الإنجاز بفضل سوء حظها، إذ أن الثلج قد حطم سفينتها وأغرقها.
وكانت الحملات عندئذٍ قد تسارعت، فوصل فريق بريطاني إلى مسافة 97 ميلا (155كم) عن القطب الجنوبي في عام 1909 قبل أن يرتد عائداً، وأخيراً بلغه أمندسن في عام 1911 في يوم 16 كانون الأول/ديسمبر ويمكننا اعتبار هذا التاريخ رمزاً لنهاية هذا العصر الكبير من الاستكشاف الذي ابتدأ في القرن الخامس عشر.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:21 PM
استيطان الرجل الأبيض

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي
http://arabegyfriends.com/reef/images/M_images/emailButton.png http://arabegyfriends.com/reef/images/M_images/printButton.png
استيطان الرجل الأبيض
من الطرق التي غير بها الأوروبيون مجرى تاريخ العالم زرعهم لمستوطناتهم في القارات الأخرى، ففي عام 1800 كانت هناك الولايات المتحدة، ومجموعات سكانية كبيرة من أصول إسبانية وبرتغالية في أمريكا الوسطى والجنوبية.
وكان هناك أيضاً مستوطنون بريطانيون وفرنسيون في كندا، وهولنديون في رأس الرجاء الصالح، وعدد قليل من البريطانيين أكثرهم من المحكومين في نيوساوث ويلز بأستراليا، وفي عام 1914 كانت هذه المجموعات السكانية قد نمت نمواً واسعاً وأصبحت دولاً جديدة وناضجة.
إذا استثنينا أمريكا الوسطى والجنوبية، وجدنا أن بريطانيا كانت المصدر الأساسي لأولئك المستوطنين، وهناك سببان أساسيان لذلك: أولهما كثرة المهاجرين منها، وثانيهما النفور العميق لدى حكامها من حكم مستوطناتهم، إذ أنهم كانوا يريدونها أن تبلغ بسرعة طور النضج والاستقلال، وكانت ذكريات حرب الاستقلال الأمريكية وجراحها عميقة، فكان الإنكليز يعتبرون أن المستوطنات سوف تنقلب عليهم في النهاية، وأنها على كل حال تكلف مبالغ باهظة.
وعندما بدأت هذه الأفكار بالانقشاع والزوال لم يعد من الممكن وقف تيار الاستقلال في المستوطنات البريطانية، لقد ظل العلم البريطاني طوال القرن يرفرف على إمبراطورية لاتغرب عنها الشمس حقاً، ولكن الإنكليز كانوا ينظرون إلى تلك المساحات الوردية الكبيرة على الخريطة بمشاعر متضاربة، ومن دون حماس كبير.
كندا
كانت كندا البريطانية تعيش إلى جوار جمهورية ولدت من الثورة ضد التاج البريطاني، وكان الكثيرون من مواطني أمريكا يعتقدون أن الولايات المتحدة سوف تمتصها في النهاية. وقد جرت حرب بين الولايات المتحدة بريطانيا من 1812 إلى نهاية 1814 فكانت هي المحاولة الوحيدة التي قامت بها أمريكا لغزو كندا، إلا أنها لم تفلح.
ولكن مشاكل الحدود ظلت مستمرة طوال نصف قرن تقريباً في داخل كندا كانت هناك مشكلة حكم مجموعتين من المستوطنين، هما الفرنسيين الذي وصلوا إلى هناك أولاً واستوطنوا بشكل أساسي في كيبك، والبريطانيون الذين وصلوا بعدهم، وكان بعضهم في المستوطنات الأمريكية السابقة ولكن الكثيرين منهم اسكتلنديين، وقد استقروا بشكل أساسي في المقاطعات البحرية وفي الغرب.
وفي عام 1837 اشترك أفراد من الشعبين معاً في ثورة ساعدهم فيها الأمريكان، وقد قمعت تلك الثورة ولكن الحكومة البريطانية بدأت تتخذ خطوات أعطت فيها للكنديين أولاً السيطرة على شؤونهم الداخلية ثم استقلالهم الكامل تحت رئاسة تاج بريطانيا. وتأسس دومينيون كندا كدولة اتحادية في عام 1867 وصارت لها حكومتها الوطنية، فكانت تلك خاتمة مرحلة من تاريخها ومنذ ذلك الحين يمكننا اعتبار كندا دولة مستقلة، ولو أنها ظلت مرتبطة ببريطانيا بكثير من الروابط العملية والعاطفية.
كانت كندا في عام 1867 بلداً فقيراً وقليل السكان، وقد افتتحت فيها أول سكة حديدية عبر القارة بعد عشرين سنة فكانت ذات أهمية عظيمة لأنها ضمنت البلاد كلها كوحدة اقتصادية وحكومية واحدة، وقد استخدمت في عام 1885 لنقل الجنود من أجل إخماد ثورة في الشمال الغربي، وكما حدث في الولايات المتحدة، كانت السكك تكملة لعمل السفن البخارية في ربط العالم الجديد بالمراكز الكبرى للسكان في أوروبا.
لقد وصل إلى كندا 500.000 أوروبي بين عامي 1815 و 1860، فساهموا مع التكاثر الطبيعي في رفع عدد سكانها إلى 3 ملايين في ذلك العام، ولكن بسبب تسرب الكثيرين منهم إلى الولايات المتحدة لن يتضاعف هذا العدد حتى عام 1900، عندما بدأت فورة جديدة من الاستيطان والنمو السريع.
أستراليا ونيوزيلندا
كان نمو عدد سكان أستراليا في البداية أكبر منه في كندا، لقد كانت الدفعة الأولى من المستوطنين التي وصلت إلى أستراليا في عام 1788 مكونة من 376 شخصاً، وكان هؤلاء مجموعة من المحكومين والنساء والحراس، وقد تكاثروا حتى بلغ عددهم 100.000 مستوطن تقريباً في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ومليوناً في حوالي عام 1860.
وكانت مشاكل الحكم في أستراليا أقل منها في كندا ولم يكن لها جيران أقوياء، ولكن اقتصادها المتقلقل والنقل المستمر للمحكومين، وقد رسا آخرهم في عام 1867 قد سببا الكثير من المتاعب لحكامها البريطانيين. وكان خروف المرينوس هو الأول للمشكلة الاقتصادية، ثم جاءت السفن ذات البرادات القادرة على نقل اللحوم.
في عام 1850 منحت كل واحدة من المستوطنات التي تتألف منها أستراليا حكماً ذاتياً داخلياً، ثم سحبت القوات البريطانية في عام 1870، وولدت أستراليا بعد ذلك وكانت دولة اتحادية مثل كندا، في الأول من كانون الثاني/يناير من عام 1901، أي في أول يوم من القرن العشرين.
لقد ساعد تحسن المواصلات أستراليا مثلما ساعد كندا من قبلها، وبدأ أول خط منتظم من السفن البخارية في إنكلترا إلى سيدني في عام 1856. وقد سهل هذا الأمر عملية الهجرة، وكذلك السكك الحديدية ولو أن كل مستوطنة قد اتخذت عرضاً مختلفاً لسككها مسببة بذلك قدراً كبيراً من الفوضى، وفي عام 1872 مد خط تلغرافي من أدليد إلى داروين في الشمال، وسرعان ما أمكن الاتصال من هناك بأندونيسيا والهند، وبالتالي بأوروبا عبر خط مباشر.
لقد كان أغلب المستوطنين من المملكة المتحدة، ومع ازدياد أعدادهم تزايدت أيضاً المقاومة لاستيطان الصينيين واليابانيين، واتخذت المستوطنات كل على حدة سياسات أستراليا البيضاء. كما حصلت أمور مشابهة على الساحل الغربي لكندا وفي الولايات المتحدة حدت من هجرة الشرقيين إليها؛ فربما كانت هجرات الأوروبيين هذه إلى أنحاء العالم أكثر نجاحاً من هجرات الشعوب السابقة في صد منافسيها وإبعادهم.
وبموافقة جميع الأطراف تم ضم القيود على الهجرة إلى اتفاقيات عام 1901 التي أسست عليها دولة أستراليا، وعندما هزمت اليابان روسيا في الحرب تجددت المخاوف من الخطر الأصفر الكامن في الشمال، ولهذا السبب قامت أستراليا بالاستيلاء على نيوغينيا البريطانية لأسباب إستراتيجية وسمتها بابوا.
وهكذا أصبحت أستراليا بدورها قوة استعمارية، وابتدأ بناء البحرية الأسترالية بعد سنوات قليلة، وتم تبني التدريب العسكري الإلزامي في عام 1910، وفي هذه الأثناء كان يتشكل مجتمع أستراليا، وهو بالأساس مجتمع بريطاني ولكنه أكثر ديمقراطية بكثير وأكثر تسامحاً في مواقفه الاجتماعية. وقد ذهل بعض الأوروبيين من بعض نواحي ديمقراطيته، مثل حق التصويت الذي كانت النساء يتمتعن به في أستراليا في تسعينيات القرن التاسع عشر، ومن تشريعاته السخية في مجال العمل والخدمات الاجتماعية.
وظهرت في نيوزيلندا أيضاً دولة جديدة ذات ثقافة بريطانية راجحة، ولكنها أكثر ديمقراطية وتشبه أستراليا من ناحية أنها أسخى من الوطن الأم في نظامها الاجتماعي وخدمات الرفاهية، لقد كن مستوطنوها الأوائل من صيادي الحيتان والمحكومين الفارين من أستراليا والتجار الباحثين من مكاسب هزيلة من بيع الأسلحة النارية لشعوب الماوري الأصلية، وقد بلغت سمعتهم من السوء ماجعل الحكومة البريطانية تمتنع عن اتخاذ المسؤولية نحو هذه الجزر أصلاً.
وكان المبشرون الأوائل يعملون بكد ونشاط، وكان ثمة أسقف أنغليكاني في نيوزيلندا منذ عام 1827 ولكن المستوطنين المحترمين لم يحظوا بالتشجيع والمساندة إلى أن لاح خطر استيلاء الفرنسيين على الجزر، فعقدت عندئذٍ معاهدات مع زعماء الماوري في عام 1840 قبلوا فيها بالسيادة البريطانية، وبدأ بذلك التاريخ الاستعماري القصير لنيوزيلندا.
لقد كان المستوطنون جشعون، فاستولى على أراضي شعب الماوري ودفعوهم إلى الثورة مرتين، ولكن الماوري لم يكونوا ضعفاء مثل السكان الأصليين في كندا وأستراليا، بل كانوا كثيري العدد وذوي قوة عسكرية كبيرة.
ومع هذا نمت المستوطنة بسرعة، خاصة في الجزيرة الجنوبية التي كانت أعداد الماوري فيها قليلة حتى بلغ عدد المستوطنين 300.000 في عام 1875. وربما كان الأهم من هذا أن عدد الخراف قد بلغ عندئذٍ عشرة ملايين في الجزيرة الجنوبية وحدها. ووجدت نيوزيلندا في الصوف بضاعة مناسبة تعتمد عليها من أجل التصدير، ثم جاءت سفن الشحن المبردة في عام 1882 فصار بإمكان المزارع أن يربي الخراف للحم فضلاً عن الصوف، كما مهدت هذه الوسيلة من النقل الطريق لتصدير مشتقات الحليب.
كانت الجزيرتان تحت حكم حاكم محلي واحد منذ عام 1875 ولم تحتفظ لندن بمسؤوليتها إلا على شؤون السكان الأصليين، واتخذ النيوزيلنديون مثل الأستراليين خطوات نحو صد المهاجرين الآسيويين، ووضعوا قانوناً ينص على 8 ساعات من العمل في اليوم، وعلى نظام تعويضات للشيخوخة في تسعينيات القرن التاسع عشر، كما أنهم منحوا النساء حق التصويت، وأخيراً اعترف في عام 1907 بنيوزلندة كدولة مستقلة ضمن الإمبراطورية البريطانية (دمينيون).
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/aus-hadi.jpg
جنوب أفريقيا
كانت أستراليا ونيوزلندا تتمتعان في عام 1899 بدرجات مختلفة قليلاً من السيادة القانونية، ولكنهما كانتا من الناحية العملية حرتين من السيطرة البريطانية مثل كندا، ولهذا كان من الغريب أن ترسل هذه الدول الثلاث كلها قوات للقتال إلى جانب البلد الأم عندما نشبت الحرب في جنوب في أفريقيا في ذلك العام.
كانت خلفية هذه الحرب قصة طويلة وأليمة في الصراع بين الإنكليز والهولنديين، كان الهولنديون قد وصلوا إلى جنوب أفريقيا في القرن السابع عشر، وكان عددهم حوالي 25.000 في عام 1800. وبعكس الحال في أمريكا الشمالية أو أستراليا لاحقاً.
كان في جنوب أفريقيا بالأصل مجموعة كبيرة من السكان المحليين لم يرحلوا ولم يفنوا، بل ازدادت أعدادهم بمرور الزمن وحتى في عام 1900 بعد أن كانت أعداداً كبيرة جداً من البيض أكثرهم بريطانيون وقد رحلت إلى جنوب أفريقيا، لم يكن سكانها البيض يشكلون إلا حوالي ربع عدد السكان السود.
وكان الحكام البريطانيون والمزارعون الهولنديون يحملون آراء متضاربة حول معاملة الأفارقة الأصليين، وقد منعهم هذا الخلاف من التفاهم فيما بينهم. ولكن كانت هناك صعوبات أخرى، إذ أن الهولنديون كانوا يشكلون مجتمعاً مغلقاً بتقاليده ولغته وديانته، ولم يكونوا راغبين في أن يفسد الغرباء أساليب حياتهم.
وبدأت المتاعب بعد عام 1815 بقليل عندما ضم البريطانيون هذه المنطقة، وكانوا قد احتلوا رأس الرجاء الصالح بسبب أهميته الإستراتيجية أثناء الحرب مع نابليون، وسرعان مابدأ المستوطنون البريطانيون بالوصول، وكان برفقتهم مبشرون تبنوا من توهم قضية الدفاع عن حقوق السكان الأصليين وراحوا يسعون لتنصيرهم، فأغاظ هذا الأمر الهولنديين، كما أصبحت الإنكليزية هي اللغة الرسمية بدلاً من الهولندية وحلت الترتيبات القضائية محل الترتيبات القديمة، وعندما ألغي الرق في كافة أنحاء الإمبراطورية البريطانية في عام 1834 تذمر الهولنديون كثيراً من شروط التعويض.
وبالنظر إلى هذه الأسباب كلها لم يكن من الغريب أن تبدأ في عام 1835 الهجرة الكبيرة، التي سار فيها حوالي 10.000 من البور وهو الاسم الذي كان يطلق على الهولنديين مع عائلاتهم وقطعانهم وممتلكاتهم نحو الشمال عابرين نهر الفال، وكانت هذه الهجرة أساس جمهورية البور التي ظهرت لاحقاً في الترانسفال[1] ، وبعد سنوات قليلة تأسست سلطة بريطانية أخرى في ناتال بهدف حماية أهل البلاد الأصليين من البور هناك، فأدت إلى رحيل المزيد من المستوطنين ذوي الأصول الهولندية شمالاً للانضمام إلى أبناء جلدتهم.
وتلت ذلك خمسون سنة من المرارة والاقتتال أحياناً والمحاولات لإيجاد حلول لمشكلة حكم جنوب أفريقيا، وكانت الغنيمة المتنازع عليها تنمو باستمرار. لقد وصل المزيد منن المستوطنين البريطانيين، واكتشف الألماس في نهر الأورانج ثم الذهب في منطقة الراند بالترانسفال التابعة للبور.
ونشبت حروب مع أهل البلاد الأصليين، خاصة في الزولو، رفعت تكاليف الحكم كثيراً، وفي تسعينيات القرن التاسع عشر بات زعماء البور مقتنعين بأن البريطانيين مزمعون على تدمير جمهورياتهم، بينما كان البريطانيون يعتقدون أن البور قد ينالون مرفأ بحرياً على المحيط الهندي، فيشكلوا خطراً على اتصالاتهم بالهند، وكانت النتيجة حدوث حرب جنوب أفريقيا أو حرب البور الثانية بين عامي 1899 و 1902.
لقد أحرز البور عدداً من النجاحات الباهرة في البداية، وتمكنوا من الاستمرار بحرب العصابات لزمن طويل بعد هزيمة جيوشهم الأساسية، ولكنهم في النهاية اضطروا للاستسلام، فاستولى البريطانيون على الجمهوريات السابقة ووعدوا بوضع مؤسسات تمثيلية خلال وقت قريب، وسرعان ما تم هذا بالفعل.
وفي عام 1907 كانت الانتخابات قد منحت البور حكماً ذاتياً داخلياً في الترانسفال من جديد، وما لبثوا أن أقروا قوانين ضد هجرة الآسيويين خاصة الهنود، وبعد سنتين وضعت مسودة دستور لاتحاد جنوب أفريقيا سمحت لكل مقاطعة بأن تنظم بنفسها ترتيبات التصويت فيها، وقد حصرت أراضي البور السابقة حق التصويت بالبيض على الفور، بعكس المستوطنات البريطانية السابق، وبدا أن صراعات الهولنديين والإنكليز قد سويت أخيراً.
وفي يوم 31 أيار/مايو من عام 1910 أقر البرلمان البريطاني قانون جنوب أفريقيا، فظهرت بذلك دولة جديدة ضمن الإمبراطورية البريطانية سوف يكون لها مستقبل حافل بالأحداث.
كانت المستعمرات البريطانية السابقة هي أهم أراضي الاستيطان الأوروبي التي تحولت إلى دول، ولم يحدث هذا في غيرها من المستوطنات الأوروبية الأساسية، مع أن الفرنسيين والإيطاليين استقروا بأعداد كبيرة في شمال أفريقيا خلال القرن التاسع عشر، فإذا استثنينا الجزائر، التي لم تعد تعامل قانونياً كجزء من فرنسا، وجدنا أن مناطق الاستيطان هذه إما بقيت اسمياً تحت حكم السلطات الأصلية للبلاد كما في تونس، أو أنها كانت مستعمرات مباشرة لا أمل لها بالاستقلال، كما كانت الحال في ليبيا وطرابلس الغرب اللتين استولى عليهما الإيطاليون من العثمانيين قبل عام 1014 ولم يحدث فيهما أي استيطان يذكر.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/Africa-south.jpg
أمريكا اللاتينية
المكان الآخر الوحيد الذي ظهرت فيه دول قومية من مستوطنات أوروبية هو أمريكا الجنوبية، وكان الاحتلال الفرنسي لإسبانيا والبرتغال قد سبب انقطاعاً في الروابط بين هذين البلدين ومستوطناتهما في الأمريكتين أثناء الحروب مع نابليون.
وكان الأشخاص المولودون في أمريكا من أصول أوروبية يسمون الكريول، وكانوا قد رأوا كيف قام أهل أمريكا الشمالية بكسر نير الحكم البريطاني، فبدا لهم أن هذا هو الوقت الملائم لفعل الشيء نفسه مع إسبانيا. وهكذا نشبت في عام 1810 سلسلة من الانتفاضات في أماكن متباعدة وابتدأت بذلك حروب الاستقلال.
ثم دخل القصة طرفان خارجيان، أولهما هو الولايات المتحدة، التي أعلنت في عام 1823 أنه لايجوز لأي قوة أوروبية أن تعتبر الأمريكتين مكاناً للمزيد من الفتوحات والاستيطان، وقد سمي هذا مبدأ مونرو على اسم الرئيس الذي أعلنه، وكان يعتمد على قوة خارجية أخرى هي بريطانيا، التي أسعدها أن ترى أمريكا الجنوبية والوسطى مستقلتين عن إسبانيا والبرتغال لأسباب تجارية. ولما كانت البحرية الملكية هي القوة الوحيدة القادرة على سحق أي محاولة لاستعادة تلك الجمهوريات الجديدة، فقد ضمن لها هذا الوضع البقاء والاستمرار.
ونشأت من حروب الاستقلال هذه مجموعة من الدول الجديدة كانت أكثرها تحت حكم ديكتاتوريين عسكريين، بينما حكم البرازيل لفترة من الزمن إمبراطور من العائلة المالكة البرتغالية، وكان من المستحيل قيام اتحاد فيما بينها مثل الذي تم في القارة الشمالية ؛ بالنظر إلى جغرافية البلاد وتاريخها.
ولكن هذه الدول الجديدة لم تكن معرضة لخطر خارجي، كما أن اندماجها في دولة واحدة ما كان ليزيل نقاط ضعفها الداخلية الكثيرة، وقد أدت النزاعات والحروب أخيراً إلى ظهور أربع جمهوريات في البر الرئيسي لأمريكا الوسطى بحلول عام 1900 كانت أكبرها المكسيك ودولتين في جزر الكاريبي سرعان ما أضيفت إليهما دولة ثالثة هي كوبا وعشر جمهوريات في أمريكا الجنوبية, وقد بدا سياسيوها على درجة كبيرة من الشبه بالسياسيين الأوروبيين، أقله من ناحية مواقفهم وخطاباتهم العلنية، وإن الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث هو الذي ابتكر تسمية أمريكا اللاتينية، لوصف هذه القارة في منتصف القرن التاسع عشر.
لقد اجتذبت أمريكا الجنوبية المهاجرين الأوروبيين بصورة أقوى بكثير من أمريكا الوسطى، ولكنها ظلت دون جاذبية أمريكا الشمالية، فمن بين الـ41 مليون أوروبي الذين عبروا الأطلسي بين عامي 1845 و 1914 لم يذهب إلا 6 ملايين إلى الجنوب من نهر ريو غرانده. ومع ذلك فقد ثبتت هذه الهجرات الطابع الأوروبي لهذه المجتمعات، التي كان الكثيرون من سكانها هنوداً أمريكيين أو من أصل أفريقي كما هي الحال في البرازيل وبعض جزر الكاريبي.
ولكن زيادة عدد السكان في أمريكا الوسطى والجنوبية لم تكن مثل سرعتها في الولايات المتحدة بالإجمال، إذ كانت أعدادهم في هذه المنطقة كلها بحدود الـ80 مليون في عام 1914.



[1] أي ماوراء نهر الفال

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:23 PM
الإمبراطوريات تبلغ ذروتها

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي
http://arabegyfriends.com/reef/images/M_images/emailButton.png http://arabegyfriends.com/reef/images/M_images/printButton.png
الإمبراطوريات تبلغ ذروتها
كان وجود هذه الدول الجديدة ذات الأصول الأوروبية عاملاً حاسماً في التطور المستقبلي للعالم، ولكن التعبير الأوضح عن هيمنة الأوروبيين إنما كان إمبراطورياتهم الاستعمارية وحكمهم المباشر للشعوب غير الأوروبية. فقد كانت بريطانيا وروسيا تحكمان حوالي ثلث مساحة الكرة الأرضية في عام 1914، وكانت الإمبراطورية البريطانية تضم حوالي 400 مليون نسمة، أي خمس البشرية في ذلك الوقت تقريباً وكان حوالي 35 مليون منهم يعيشون في المملكة المتحدة.
أما الفرنسيون فقد بلغ عددهم رعاياهم في مستعمراتهم 50 مليون، وهو أيضاً أكبر من عدد سكان فرنسا نفسها؛ ثم كانت هناك ملايين غيرها من البشر، ومساحات شاسعة من الأراضي أيضاً خاضعة لقوى أوروبية أخرى. وكانت هذه السيطرة المباشرة على الأرض وسكانها واحدة من أبرز العلامات على أن الأوروبيين كانوا حقاً سادة العالم عند بداية القرن العشرين.
كانت هذه الصورة مختلفة كل الاختلاف عما كانت عليه في عام 1800، ففي عام 1900 كانت البلاد والوحيدة غير الخاضعة لحكم البيض المباشر خارج الأمريكتين هي الصين والإمبراطوريتان العثمانية والفارسية اللتان تقلصتا كثيراً واليابان وحفنة من البلدان الأصغر.
وقد تم الانتقال إلى هذه الحال بسرعة كبيرة، خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة في القرن التاسع عشر، فازداد الحديث كثيراً في عام 1900 عن الإمبراطوريات والإمبريالية أو الاستعمار Imperialism ، ويبدو أن هذه الكلمة بدأت تستخدم في اللغة الإنكليزية في خمسينيات القرن التاسع عشر. وكان الجميع متفقين على أن الإمبراطوريات حقيقة بارزة من حقائق العصر، ولو أنهم لم يؤيدوها جميعاً. والحقيقة أن العالم لم يعرف قط قرناً بلغ فيه الاستعمار هذا الحد ولا إمبراطوريات بلغت في المظهر مثل هذا النجاح.
إن الإمبراطوريات موجودة منذ بدايات الحضارة تقريباً، ولكنها كانت تختلف كثيراً فيما بينها باختلاف الزمان والمكان. فيبدو أن المسؤولين في إمبراطورية الصين مثلاً كانوا قانعين بأن تعترف الشعوب الخاضعة لهم بسيادة إمبراطورهم عن طريق أداء الجزية بصورة دورية وإبداء الاحترام والتوقير فحسب، ولو ظل المبدأ الرئيسي هو أن البشري كلها خاضعة له، وليس من الغريب أن تكون للإمبراطوريات الأوروبية في القرن التاسع عشر هي الأخرى ملامحها الخاصة بها.
إن أبرز ملامح تلك الإمبراطوريات هو امتدادها الجغرافي العجيب، وقد صارت بعضها في النهاية تدعي لنفسها الحق في مساحات الجليد الشاسعة في قارة أنتاركتيكا، بينما راحت بعضها الأخرى تتنازع على الأراضي الجافة في الصحراء الكبرى وكلتاهما تبدوان منطقتين منفرتين للوهلة الأولى، ولم يعد هناك مكان في العالم لايهتم به بناة الإمبراطوريات ولايسعون للامتداد فيه.
وتعود بعض أسباب هذا التوسع إلى سهولة الوصول إلى تلك الأنحاء من العالم بفضل جهود الاستكشاف والتقنية والعلم، وبفضل القوة العسكرية العاتية لهذه الإمبراطوريات.
ولم يكن هناك من بين الدول غير الأوروبية إلا دولتان صدتا تلك الموجة الاستعمارية قبل عام 1914 فحافظتا بذلك على استقلالهما، وهما الأثيوبيون الذين تمكنوا من تدمير جيش إيطالي غزا بلدهم في عام 1896، واليابانيون الذين بلغوا درجة عالية في تبني الأساليب الأوروبية من أجل أن يتمكنوا من البقاء.
تبين هاتان الحقيقتان أن الاستعمار في القرن التاسع عشر، كان بالأصل استعماراً أوروبياً، ولم تشارك فيه إلا دولة آسيوية واحدة هي اليابان، أما الإمبراطوريات الصينية والعثمانية والفارسية التي كانت كلها قد قامت بفتوحات عظيمة في الماضي فقد أصبحت في القرن التاسع عشر دولاً خاسرة وكانت تتقلص بدلاً من أن تتسع.
وقد ازداد عدد الدول التي تستحوذ على أراضٍ جديدة، وكانت كلها أوروبية باستثناء الولايات المتحدة واليابان، وكانت بعضها تشيد إمبراطورياتها منذ زمن بعيد، مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا، كانت إسبانيا واحدة من الدول الاستعمارية القديمة في أوروبا، ولكن خسارتها تجاوزت مكاسبها خلال القرن حتى خرجت من السباق في نهايته، ولو أنها ضمت بعض الأراضي الجديدة.
ثم كان هناك الشعبان الهولندي والبرتغالي، اللذان برزا في مرحلة أبكر من بناء الإمبراطوريات، وأصبحا الآن في وضع يشبه وضع إسبانيا، أما ألمانيا وإيطاليا اللتان لم يكن لهما وجود بعد عام 1850 فكانتا تكسبان أيضاً أراضي جديدة في الخارج، ومثلهما بلجيكا، التي لم تظهر إلا في عام 1830.
كان هذا العصر إذاً عصر الاستعمار الأوروبي بالدرجة الأولى، ولو أن الولايات المتحدة التحقت به في النهاية، ولكن حالتها كانت حالة خاصة، فقد لايبدو توسع أراضي الولايات المتحدة في القارة الأمريكية عادة كواحدة من حالات امتداد الإمبراطوريات مثل توسع روسيا في آسيا، ولكنه في الحقيقة قد استمر طوال القرن التاسع عشر، كما أنه في الوقت نفسه ينسجم مع النمط العام، أي نمط الاستعمار الذي قامت به شعوب بيضاء أي في أصول وثقافات أوروبية ماعدا اليابان. وكانت هذه أيضاً جزءً من عملية أساسية أخرى كانت تجري في القرن التاسع عشر، هي نمو قوة عالمية جديدة.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:28 PM
قوة عالمية جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

قوة عالمية جديدة
لقد سيطر الأمريكيون بين الاستقلال وعام 1850 على نصف القارة، فارتفع عددهم من 6 ملايين في عام 1800 إلى 23.5 مليون بعد خمسين عاماً، وكانوا منذ ذلك الحين منصهرين في بوتقة واحدة، كما وصفها أحد كتاب القرن التاسع عشر، أي أن تجربة القارة الجديدة وبيئتها ومؤسسات الجمهورية قد قولبتهم وصنعت منهم أمة جديدة.
كان الكثيرون من الأمريكيين قد اختاروا طوعاً عبور الأطلسي إلى بلدهم الجديدة، أو رافقوا والديهم وأقرباءهم الذين اختاروا ذلك، وحتى الذين ولدوا في أمريكا نشأوا في أسر قام بعض أفرادها بهذا الخيار، وقد ساهمت هذه الأمور في تعزيز شعور وطني قوي، أي أن الولايات المتحدة كانت تتميز عن جميع القوى الكبرى بأن الناس اختاروا الانتماء إليها طوعاً.
كانت حدودها غنية بعد بالأراضي والموارد الجاهزة للاستثمار، وكان اقتصادها التجاري والصناعي في الشرق يتسع ويقدم فرصاً من نوع آخر، لذلك كان الأمريكيون يعلمون تماماً أن أحوالهم أفضل من أحوال الشعوب الأوروبية الأخرى.
لقد ضمن الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر أعداداً من المهاجرين مساوية لأعدادهم في بقية بلاد العالم مجتمعة، وكان الكثيرون منهم يصلون إليها غير قادرين على التحدث بالإنكليزية، ومع ذلك بقيت اللغة الإنكليزية لغة البلاد، وظل الرواد الأمريكيون يتطلعون زمناً طويلاً إلى إنكلترا في تراثهم الثقافي وفي الكثير من أفكارهم.
ولم ينتخب رئيس جمهورية أمريكي لايحمل اسماً إنكليزياً أو اسكتلندياً أو ايرلنديا حتى عام 1837، ولن يظهر غيره حتى عام 1901، وكانت الكثير من المؤسسات الأساسية أيضاً إنكليزية، مثل الأفكار القانونية والتشديد على المسيحية البروتستنتية والإيمان بقدسية الأملاك الشخصية، وكانت هذه كلها دعامات الجمهورية نفسها.
كانت هاتان الدولتان حرتين بالمعايير الأوروبية، ولكن معنى هذه الحرية كان مختلفاً في كل منهما، إذ لم تكن إنكلترا ديمقراطية، أما الولايات المتحدة فكانت كذلك، ولم يشكل هذا الأمر في بداية القرن التاسع عشر تهديداً للطبقات القائدة القديمة في السياسة الأمريكية، إلى أن استلم الرئاسة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الرئيس آندرو جاكسون، الذي يعتبر أول رئيس يحظى تأييد ديمقراطي حقيقي ويتحدث باسم جماهير واسعة من الأمريكيين على أساس برنامج وطني، ومنذ أيامه راح يبزر موضوع هام في السياسة الأمريكية، هو أن إرادة الأمة ككل كما يعبر عنها في التصويت الديمقراطي أعلى من مصالح الأقليات التي يعبر عنها الدستور، خاصة مصالح الولايات منفردة.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/usa1837.jpg
الولايات المتحدة الأمريكية 1837
التوسعات الأولى
لم يكن العالم الخارجي مهتماً بما كان يجري داخل الولايات المتحدة، ماعدا الملكيات التي بقيت لها في عام 1783 أراضي في أمريكا الشمالية، أي بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وروسيا. وعندما ألقى جورج واشنطن خطابه الوداعي لمواطنيه بمناسبة تركه منصبه في عام 1796 أوصاهم بتجنب التورط السياسي مع أوروبا، ولم يكن في كلامه ما يشير إلى الدور العالمي الذي سوف تلعبه بلاده ذات يوم.
صحيح أن الولايات المتحدة تحاربت لفترة وجيزة مع بريطانيا في عام 1812، إلا أنها لم تلعب دوراً هاماً في العلاقات الدولية أثناء الثورة الفرنسية والحقبة النابوليونية، ولم يكن الأجانب ماعدا البريطانيين يهتمون بالولايات المتحدة، لأن الأمريكيين لم يكونوا يهتموا بهم. ومن السهل أن نفهم هذا الانعزال إذا تذكرنا أن المستوطنات القديمة على المحيط الأطلسي لم تتجاوز في عام 1800 وادي أوهايو غرباً.
لقد كان عدد السكان في الولايات المتحدة قليلاً حوالي 6 أمثال عدد سكان لندن في ذلك الحين، وكان الكثيرون منهم قد أداروا ظهورهم للعالم القديم عمداً، وكان لديهم ما يكفيهم من المشاغل في هذا البلد الجديد ومنذ البداية كانت نظرة الأمريكيين تتصف بميل عميق لما سمي فيما بعد النزعة الانعزالية، وقد شدد على هذه النزعة حدث هام هو أهم أعمال الدولة الأمريكية في النصف الأول من القرن التاسع عش، أي صفقة شراء لويزيانا، إذ اشترت الولايات المتحدة في عام 1803 بمبلغ 11.25.000 من فرنسا أرضاً أوسع من مساحة الجمهورية كلها في ذلك الحين وقد منحت هذه الأرض الجديدة للدولة الفتية ولايات مستقبلية هي لويزيانا وآركنسو (آركنساس) وأيوا ونبراسكا وداكوتا الشمالية وداكوتا الجنوبية وجزء كبير من كولورادو، فضلاً عن أنها أمنت لها منفذاً إلى النصف الغربي من القارة الواقع وراء نهر الميسيسيبي، والذي كانت تفصلها عنه في السابق أراضي الإسبان ثم الفرنسيين، وقد بدأ التوازن الكلي للولايات المتحدة بالتغير عندما راح المهاجرون يدخلون هذه الأراضي الجديدة.
كانت حرب عام 1812 حرباً لامبرر لها وفاشلة تماماً، ولكنها كانت معلماً آخر في قصة التوسع هذه، وفي تطور السياسة الأمريكية والشعور الوطني الأمريكي أيضاً، ففي تلك المرحلة اخترع رسام كاريكاتوري صورة العم سام Uncle Sam (US) رمزاً للدولة، وفيها لحن نشيد الراية المرصعة بالنجوم الذي صار اليوم النشيد الوطني للولايات المتحدة.
وجعلت الحرب الطرفين حريصين على تسوية الخلافات بينهما، ولم يعد من بعدها ثمة خطر كبير في نشوب حرب جديدة بين إنكلترا وأمريكا على كندا، بل سوف تحل النزاعات حول الحدود في المستقبل عن طريق التفاوض السلمي.
وقد حلت أبرز مسائل الحدود قبل منتصف القرن ولم يعد أي رجل إنكليزي يحلم بأخذ المزيد من الأراضي إلى الجنوب من خط عرض 49 ، وبعد معاهدة جنت التي أنهت الحرب بات من الواضح أن الولايات المتحدة سوف تكون الدولة الأهم في ذلك الشطر من العالم.
صارت بحوزة الولايات المتحدة الآن أراضي واسعة تنتظر من يسكنها، وسوف تمتد حدودها بصورة أوسع من هذا بعد، ومع امتداد منطقة الاستيطان إلى الغرب من جبال الأليغني ثم إلى الغرب من نهر الميسيسيبي صار الكثيرون من الأمريكيين يشعرون أن لهم مصيراً خاصاً، وبالتالي الحق في الهيمنة على القارة من أقصاها إلى أقصاها، فبدأت تسمع عبارة المصير الجلي، وكان هذا نذير شؤم لغيرهم من شعوب أمريكا، فإذا كانت كندا آمنة لأنها مستوطنة تابعة لقوة كبرى، فإن هنود أمريكا لم يكونوا بأمان، بل إنهم قد جرفوا من أراضيهم وانتزعت منهم مناطق صيدهم وسكنهم، وكانوا يقتلون إذا هم قاوموا، وكانوا يعتبرونها همجاً لا يحق لهم أن يقاوموا اندفاع حضارة أسمى من حضارتهم، فكان هذا واحداً من الجوانب المظلمة لقصة التوسع في أمريكا.
ومن الجوانب المظلمة الأخرى قصة المكسيك، فبعد حروب الاستقلال في أمريكا الجنوبية حلت جمهورية المكسيك محل الجيران الإسبان للولايات المتحدة في الجنوب، وسوف تكون هذه الجمهورية هي الضحية الأساسية لذاك المصير الجلي.
لقد ثار المستوطنون الأمريكان في المكسيك ضد حكمها وأسسوا جمهورية تكساس، وسرعان ما ضمتها الولايات المتحدة إلى أراضيها، فنشبت عندها الحرب بينها وبين المكسيك، وهزمت المكسيك فيها واضطرت في عام 1848 لعقد صلح تخلت بموجبه عن تكساس وعن الأراضي التي سوف تشكل ذات يوم ولايات يوتا ونيفادات وكاليفورنيا والقسم الأكبر من أريزونا.
ثم اشترت الولايات المتحدة في عام 1853 بعض الأراضي الأخرى من المكسيك فاكتملت بذلك الصورة العامة لأراضيها وبقيت على حالها حتى اليوم، وفي عام 1867 اشترت ألاسكا من الروس، وكان هؤلاء أيضاً قد تنازلوا منذ زمن بعيد عن مطالبهم السابقة بالمحطات التي أسسوها ذات يوم في كاليفورنيا.
الرق والانفصال
لم يكن الأمريكان ينظرون إلى توسعهم المظفر في القارة الأمريكية بالمعايير الأخلاقية التي كانوا يطبقونها على الاستعمار الأوروبي، ولكنه كان يسبب لديهم مشكلة أخلاقية من نوع آخر. وسبب ذلك أن هذا التوسع أثار مواضيع دستورية وسياسية في مجال الصدام القديم بين الأغلبية الديمقراطية ومصالح الولايات المنفردة ضمن الاتحاد.
كما اختلط هذا الموضوع بموضوع آخر، هو مصائر السود الأمريكيين، الذين كانوا أكبر مجموعة من الأشخاص الخاضعين للقانون الأمريكي لم تستفد من الحمايات الديمقراطية التي يؤمنها ذلك القانون، وهكذا بات مسرح الأحداث مهيئاً لصراع مأساوي كبير.
عندما أصبح جورج واشنطن رئيساً للجمهورية كان عدد السود في الولايات المتحدة حوالي 700.000، وكانت الأكثرية العظمى منهم أرقاء، وكانوا ملكاً مطلقاً لسادتهم، الذين يمكنهم أن يطلبوا منهم القيام بأي قدر من العمل يرغبون به، وأن يؤدبوهم إذا رفضوا إلى حد الجلد وغيره من العقوبات الجسدية، كما يمكنهم بيعهم أو التخلي عنهم بوصية لسادة جدد.
وكان أكثرهم يعيشون في الولايات الجنوبية، حيث كانوا يستخدمون للعمل في الحقول أو الخدمة في البيوت وكان بعضهم يعاملون معاملة حسنة وبعضهم معاملة سيئة، فكان بعض السادة متوحشين عمداً، وبعضهم عطوفين مثل الأب على أبنائه، ولكن سواء أكان الأرقاء سعداء أم تعساء فإنهم لم يكونوا أحراراً مثل الأمريكان البيض، بل كانوا ملكاً لهم.
قلائل هم الأشخاص الذين طرحوا الشكوك حول هذا الترتيب للأمور، لقد كان واشنطن نفسه يملك عبيداً، مثله مثل جميع الآباء المؤسسين تقريباً، ولكن في عام 1850 كان السود في أمريكا قد أصبحوا مشكلة سياسية فظيعة، فقد ازدادت أعدادهم كثيراً 4 ملايين في عام 1860 وكانوا منتشرين في ولايات أكثر مما كان الوضع عليه في أيام واشنطن.
ولما كان استيراد الأرقاء في أفريقيا قد أصبح غير شرعي فقد كان أكثرهم مولودين في أمريكا، وازدادت أعدادهم بسبب ارتفاع الحاجة للعبيد مع انتشار زراعة القطن إلى مناطق جديدة.
لقد كان للذهب الأبيض King Cotton سوق مضمونة في مصانع النسيج بإنكلترا التي كانت أمريكا المورد الأساسي لها، وقد تضاعف المحصول الإجمالي بين بداية القرن وعشرينياته ثم تضاعف مرة ثانية خلال السنوات العشر التالية وفي عام 1860 كان ثلثا قيمة الصادرات الإجمالية للولايات المتحدة يأتيان من القطن.
لقد بدل هذا التغير الهائل الشطر الجنوبي من الولايات المتحدة، فانتشرت زراعة القطن ومعها العبودية عبر الجنوب مبتعدتين عن ولايات ساحل الأطلسي القديمة حيث نشأت العبودية في البداية إلى ألاباما وميسيسيبي وتنييسي وآركنسو. فصارت هذه الولايات أكثر فأكثر اعتماداً على الرق، وصار أكثر أهل الجنوب يعتبرونه أساس كل ما يجعلهم مختلفين عن أهل الشمال، وفي منتصف القرن كان بعضهم قد بدؤوا يعتبرون أنفسهم أشبه بأمة منفصلة ضمن الولايات المتحدة، وأن الأشياء التي تميزهم كانت مهددة من الخارج من قبل الحكومة في واشنطن.
وسبب هذا الفرق هو أن موضوع الرق قد اختلط بموضوع توسع أراضي الولايات المتحدة، فمع افتتاح الغرب بعد صفقة لويزيانا وظهور ولايات جديدة فيه صارت الأسئلة الكبرى تهيمن على أجوائها: هل يجب السماح بالرق في الولايات الجديدة بما أنه موجود في الولايات الأقدم؟ أم أنه يمكن حظره بقوانين من وضع الكونغرس؟ كان أهل الجنوب يقولون أنه لايمكن حظر الرق، وإذا كان ذلك ممكناً فإنه لايجوز أن يحدث إلا بقرار سكان هذه الولايات الجديدة أنفسهم، لأن الدستور ترك أمر الرق بيد السلطات في كل ولاية.
ولكن معارض الرق كانوا ينكرون هذا، وكانوا يقولون أنه يمكن لمرسوم من الكونغرس أن يحظره في أي أراضي جديدة تنضم للولايات المتحدة، وهكذا صار الخلاف يدور حول معنى الدستور، فهل أسس الدستور هيئة تشريعية وطنية تسمو قراراتها على الولايات المنفردة في النهاية، أم أن للولايات حقوقاً معينة لايجوز أن ينتزعها منها شيء ولو كان قانوناً من وضع الكونغرس؟..
كانت معالجة هذه المسائل بصورة سلمية تزداد صعوبة باستمرار، خاصة بسبب نشاطات ابتدأت منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر ضد الرق، وصار أصحابها يسمون الإلغائيين. لقد كان بعض المناهضين للرق يريدون فقط أن يمنعوا امتداده إلى الولايات الجديدة، أما الإلغائيون فكانوا يريدون إلغاءه حتى في الولايات التي لم يشكك أحد بحقه في الوجود فيها.
وكان هؤلاء يتمتعون بميزة هي أن الرأي العام كان منذ القرن الثامن عشر يتحول ضد العبودية في جميع البلاد المتحضرة وأكثرها لم تكن فيها أعداد كبيرة من العبيد ولا حتى في الخارج، وكان الرق قد منع بصورة مؤقتة في المستوطنات الفرنسية في عام 1794، وفي البريطانية بصورة دائمة في عام 1834. أما في الولايات المتحدة فكان في حالة من الازدياد السريع بينما كان يتراجع في البلاد الأخرى.
وقد أشعر هذه الأمر الكثيرين من الأمريكان بالارتباك والقلق، ولكن الشيء الأهم هو أن الديمقراطية كانت إلى جانب الإلغائيين، إذ أنهم كانوا يقولون إن القرار يجب أن يتم بأغلبية شعب الولايات المتحدة، وأن عليهم إذا اقتضى الأمر أن يغيروا ما قاله الدستور قبل خمسة أو ستة عقود حول حقوق الولايات المنفردة.
وراح الإلغائيون يرفعون حرارة هذا الجدال بأعمالهم الاستفزازية، فكانوا يساعدون العبيد على الهرب من الجنوب، ويقاومون إعادتهم عن طريق المحاكم في الشمال، وينشرون الدعاية لقضيتهم.
أما السياسيون فكانوا يفعلون ما بوسعهم لترتيب حلو وسط، وقد ظلت هذه الترتيبات كافية لزمن طويل، فلم يشعر الجنوب أنه مهدد، ولم تنهار روح التسوية هذه إلا في خمسينيات القرن التاسع عشر، كان لابد عندئذٍ من تنظيم أرض جديدة هي أرض كنساس وتحويلها إلى ولاية، فراح الإلغائيون وخصومهم يتحاربون فيما بينهم لتحديد ما إذا كان سيسمح بالعبودية في هذه الولاية الجديدة، فوقع قتلى وبدأ الناس يتحدثون عن كنساس النازفة.
وبزغ من هذا الموضوع حزب جديد هو الحزب الجمهوري، الذي قال إن الكونغرس هو الذي يحب أن يقرر مصير كنساس، وبالتالي فقد اعتبره الجنوب على الفور عدواً له. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 1860 قال الجمهوريون أن العبودية يجب حظرها في أي أرض جديدة سوف تضم إلى الاتحاد، أي أنهم لم يكونوا إلغائيين، ولكن الكثيرين من السياسيين في الجنوب كانوا رافضين حتى لهذا المطلب.
وعندما انتصر في تلك الانتخابات مرشح الحزب الجمهوري أعلنت ولاية كارولاينا الجنوبية في كانون الأول/ ديسمبر 1860 أنها سوف تنفصل عن الاتحاد احتجاجاً، وخلال شهر واحد تقريباً كانت ست ولايات أخرى قد انضمت إليها، وقد أسست هذه الولايات اتحاداً جديدة هي الولايات الاتحادية الأمريكية، التي كان لها دستورها وحكومتها ورئيسها.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/usa1858.jpg
الولايات المتحدة الأمريكية 1858
الحرب الأهلية
وهكذا ابتدأت أكبر المآسي في التاريخ الأمريكي، لأن كلا من الطرفين كانت لديه حجج قوية لايمكن دحضها، فكنت تجد في الشمال أكثر الولايات الباقية ضمن الاتحاد والشعور الأقوى بضرورة إلغاء العبودية، وهناك قالت الحكومة أن للكونغرس السلطة في وضع قوانين ملزمة للاتحاد برمته، لأن يمثل الأغلبية.
ولم يطالب الجمهوريون بإبطال العبودية في الجنوب، بل بعدم السماح بها في الولايات الجديدة. فرد أهل الجنوب على هذا بأن من حق من لايوافقون على ذلك أن ينسحبوا من اتحاد أنشئ على أساس تفاهم مختلف. وكانوا يسألون لماذا لايكون سكان كارولاينا الجنوبية وبقية الولايات الجنوبية أحراراً في إدارة شؤونهم الداخلية مثل الهنغاريين أو الإيطاليين المطالبين بحرية بلادهم في أوروبا؟ وفوق هذا كان الجنوبيون يخشون أنهم إذا تنازلوا للكونغرس عن حق التشريع حول موضوع الرق في جميع أنحاء الاتحاد فإنه سرعان ما سيبدأ بوضع القوانين حول الشؤون الداخلية في الولايات الجنوبية.
ولقد قسمت هذه الحجج الأصدقاء والجيران بل حتى الأسر نفسها، كما هي الحال دوماً في القضايا الكبرى والمأساوية، وجلبت على الولايات المتحدة صراعاً هائلاً ودموياً كان الناس يسمونه الثورة أو الحرب بين الولايات حسب موقفهم منه، ولكن أكثر المؤرخين مازالوا يسمونه الحرب الأهلية.
كان رئيس الجمهورية الجديد للولايات المتحدة محامياً من ولاية إيلينوي، هو ابراهام لنكولن وهو أعظم رجل شغل هذا المنصب حتى اليوم، كان لنكولن مزمعاً على بذل كل ما باستطاعته من جهد لكي يمكن من عودة الولايات الجنوبية إلى الاتحاد، ولكنه كان أكثر عزماً على الحفاظ على الاتحاد.
لقد عبأ أولاً القوات الفدرالية لكي يعيد الحكم في الولايات الجنوبية إلى وضعه الطبيعي، ولكن الإلغائيين لم يرضوا بهذا لأنهم كانوا يريدون المزيد، وقد قال لنكولن ذات مرة : "إذا أمكنني أن أنقذه بتحرير العبيد جميعاً فسوف افعل". ولكنه بعد ذلك أعلن تحرير جميع العبيد في الولايات المتحدة في يوم رأس السنة من عام 1863، لأنه شعر أن لابد من ذلك من أجل كسب الحرب.
إلا أن هذا الإعلان قد زاد من عزم الجنوب على المقاومة، وقد لزم عامان ونصف العام بعد ذلك لهزم الاتحاد الجنوبي، وفي عام 1865، بعد تلك الهزيمة وبعد اغتيال لنكولن، اتخذت الخطوة الأخيرة وغير الدستور بحظر العبودية في الولايات المتحدة.
لقد كانت تلك الحرب حرباً فظيعة، قتل فيها أكثر من 600.000 أمريكي من أصل 30 مليون عند بدايتها، أي أكثر من الذين قتلوا في أي حرب خاضتها الولايات المتحدة ضد بلد أخرى منذ ذلك الحين، وقد مات أكثر هؤلاء من الأمراض، ولكن البنادق والمدافع الجديدة التي تحشى من الخلف، فضلاً عن السكك الحديدية التي مكنت من حشد أعداد ومواد كثيرة، قد حولت ساحات القتال إلى مجازر مروعة.
وكان الجنوب يعاني من نقاط ضعف عديدة منذ البداية، فقد كانت أعداده أقل، كانت النسبة حوالي 2 إلى 1 وكان هيكله الصناعي ضعيفاً، ولم يكن لديه سوى محصول القطن يبيعه لشراء المواد من الخارج. ولكنه كان يضم في الوقت نفسه جنوداً أكفاء، وكان شعبه مؤمناً بأنه يقاتل من أجل بقائه، كما أن العبيد فيه لم ينقلبوا عليه.
وهكذا لزم في النهاية أربع سنوات من القتال الوحشي، فحصر الجنوب بالولايات القديمة الواقعة على البحر شيئاً فشيئاً، وعاش معاناة رهيبة في تخريب أراضيه وفي خسارة الأرواح.
ولكن الحرب الأهلية كانت حرباً حاسمة، بعكس الكثير من الحروب الأخرى، لأنها سوت بعض المسائل العامة إلى الأبد، لا من أجل أمريكا وحدها، بل من أجل البشرية جمعاء، لقد ضمنت أولاً أن الأمريكيتين سوف تظلان تحت سيطرة قوة عظمى واحدة، وزال خطر انقسام الولايات المتحدة، وإن استغلال قوة واحدة عظمى لثروات هذه الرقعة الكبيرة من الأرض سوف يحدد خلال القرن التالي نتيجة حربين عالميتين.
وحددت الحرب أيضاً أن هذه الأرض الواسعة سوف تكون تحت حكم ديمقراطي، فكان هذا انتصاراً للديمقراطية. لقد أعطى لنكولن ذات مرة تعريفاً شهيراً للديموقراطية هو أنها حكم الشعب من قبل الشعب ومن أجل الشعب. ولم يتحقق هذا المثال بمعناه الكامل بعد في أي ركن من أركان العالم، ولكن الحرب الأهلية حددت أن الكلمة الأخيرة في المستقبل سوف تكون للأكثرية من خلال حكومة وطنية للولايات المتحدة وليس للولايات المنفردة.
أما بالنسبة إلى أولئك الذين صارت الحرب تخاض من أجلهم في النهاية، أي السود فقد كانت النتيجة واضحة من الناحية القانونية والدستورية، ألا وهي نهاية العبودية، وتحولهم إلى مواطنين أمريكيين لهم نفس الحقوق الدستورية والقانونية التي لسواهم من الأمريكان.
ولكن ليست هذه القصة كلها، فرغم أن الملايين من العبيد في الجنوب وجدوا أنفسهم فجأة أحراراً وظلوا يعيشون في الجنوب إلا أنهم كانوا في الوقت نفسه غير متعلمين ولايعرفون غير العمل في الحقول، ولم يكن بينهم إلا القليل من الزعماء لقيادتهم.
لقد احتلت جيوش الشمال أجزاء من الجنوب لبضع سنوات، وعندما كانوا هناك كانوا يحمونهم في استخدامهم حقوقهم الجديدة، ولكن عندما رحلت الجيوش وجد السود أنفسهم بين البيض الذين يبغضون أشد البغض تلك التغييرات التي جلبها القوانين الجديدة على أساليب حياتهم، ويكرهونهم لأنه يرون فيهم رمز هزيمة الجنوب. فراحوا يضايقونهم ويضغطون عليهم اقتصادياً لقمعهم، وقد ساءت العلاقات بين العرقين في الجنوب كثيراً بعد عشرين عاماً من الحرب عما كانت عليه من قبل، كما تراجعت أوضاع السود ولم تتحسن، والحقيقة أن مسألة العلاقات بين العرقين قد ولدت عندما ماتت العبودية.
وأدت الحرب أيضاً إلى اتخاذ السياسة في أمريكا شكل نظام مؤلف من حزبين مازال مستمراً حتى اليوم فمازال الحزبان الجمهوري والديمقراطي اللذان كانا المتنازعين الأساسيين في انتخابات عام 1860 يتشاطران الرئاسة بينهما منذ ذلك الحين، وسوف ترتبط قضية الديمقراطيين طوال عقود عديدة بالجنوب ويرتبط المذهب الجمهوري بالشمال، بينما كان الاتحاد يخرج من كابوس الحرب لكي يتابع مسيرة التوسع التي انقطعت في عام 1961.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/usa1861.jpg
الولايات المتحدة الأمريكية 1861
الفورة الاقتصادية الأمريكية
سرعان ما أصبح تيار المد الاقتصادي إلى جانب الجمهوريين مع عودة التوسع الكبير بعد انقطاعه القصير أثناء الحرب، كان أبرز مظاهر هذا التوسع قبل ذلك هو توسع الأراضي، أما الآن فسوف يصبح توسعاً اقتصادياً.
ففي سبعينيات القرن التاسع عشر كانت أمريكا على عتبة عصر سوف يبلغ مواطنوها فيه أعلى دخل للفرد في العالم كله، وقد بدا في خضم هذه النشوة والثقة والآمال الكبيرة أن جميع المشاكل السياسية قد حلت، وتحولت أمريكا على عهد إدارتها الجمهورية إلى الانشغال بالتقدم الاقتصادي وليس بالجدالات السياسية، وهو وضع سوف يتكرر في المستقبل.
صحيح أن الجنوب ظل بعيداً عن هذا الازدهار الجديد وأنه ازداد تخلفاً عن الشمال، إلا أن الأمريكان في الشمال والغرب كانوا يتطلعون بثقة إلى قدوم أيام أفضل بعد، وقد شعر الأجانب أيضاً بذلك، لهذا كانت تراهم يفدون إلى الولايات المتحدة بأعداد متزايدة، وقد بلغ عددهم مليونين ونصف المليون في خمسينيات القرن التاسع عشر وحدها، وأضيفت هذه الأعداد الوافدة إلى السكان الذين ارتفعوا من حوالي خمسة ملايين وربع المليون في عام 1800 إلى ما يقرب من أربعين مليوناً في عام 1870، وكان نصف هؤلاء تقريباً يعيشون عندئذٍ إلى الغرب من جبال اللغيبي كما كانت الأغلبية العظمى منهم في المناطق الريفية.
كان بناء السكك الحديدية يفتح السهول الكبرى للاستيطان والاستثمار اللذين لم يكونا قد بدآ بعد، وفي عام 1869 تم دق المسمار الذهبي أي الأخير في أول امتداد للسكك الحديدية يصل أقصى القارة بأقصاها. وسوف تجد الولايات المتحدة في الغرب الجديد أعظم توسع زراعي لها، فبفضل نقص اليد العاملة أثناء سنوات الحرب كانت الآلات تستخدم بأعداد كبيرة تدل على أن الزراعة قد بلغت مستوى جديداً تماماً، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة في الثورة الزراعية في العالم سوف تجعل من أمريكا الشمالية واحداً من أهراء أوروبا، وقد بلغ عدد الحصادات الميكانيكية العاملة وحدها ربع مليون عند نهاية الحرب.
ومن الناحية الصناعية أيضاً كانت تنتظر الولايات المتحدة سنوات عظيمة، فمع أنها لم تكن بعد قوة صناعية تقارن ببريطانيا، كان عدد الأمريكان العاملين في الصناعة أقل من مليونين في عام 1870 إلا أن الأساس كان قد وضع، وكانت السوق المحلية الواسعة والغنية تبشر الصناعة الأمريكية بغد مشرق.
لقد نسي الأمريكان وهم على عتبة أكثر حقب تاريخهم ثقة، ونجاحاً أن هناك خاسرين في هذه العملية، وكان هذا الإغفال سهلاً لأن النظام الأمريكي كان بالإجمال يعمل بصورة حسنة، لقد انضم الآن السود والفقراء من البيض أيضاً إلى الهنود الذين كانوا يخسرون باطراد طوال قرنين ونصف القرن، فصار هؤلاء جميعاً هم الخاسرون المنسيون.
أما الفقراء الجدد في المدن الشمالية التي كانت تزداد نمواً فلا يمكن اعتبارهم من بين الخاسرين نسبياً، لأن أوضاعهم كانت مثل أوضاع الفقراء في مانشستر أو نابولي مثلاً، بل أفضل منها. وإن رغبتهم بالقدوم إلى الولايات المتحدة دليل على أنها كانت منذ ذلك الحين قوة جاذبة كبرى.
ولم تكن قوتها مادية فحسب بل معنوية، أيضاً إلى جانب البؤساء المنبوذين كنت تجد أيضاً الجماهير المحتشدة التواقة إلى استنشاق الحرية، ومازالت الولايات المتحدة في عام 1870 مصدر وحي وإلهام سياسي للراديكاليين الأوروبيين.
الإمبريالية الأمريكية فيما وراء البحار
لم يعلن عن زوال حدود الاستيطان حتى تسعينيات القرن التاسع عشر، فاكتملت بذلك عملية إعمار الغرب بالسكان، ولكن منذ نهاية الحرب الأهلية وربط ساحلي الولايات المتحدة بالسكك الحديدية والتلغراف كثر الحديث عن مصالح الولايات المتحدة في الخارجة وعن الحاجة لرعايتها. وأدى هذا عند نهاية القرن إلى قرار أمريكي بالانضمام إلى حركة الاستعمار مثل جميع الدول الأخرى.
وكان لهذا الاستعمار ملامحه الخاصة مثل جميع أشكال الاستعمار المختلفة، من تلك الملامح شعور الكثيرين من الأمريكان بعدم الراحة نحوه، فكانوا يقولون أن جمهوريتهم نفسها قد ولدت من ثورة ضد قوة مستعمرة فلا يجوز لها أن تقوم باستعمار غيرها بدورها.
ولم يكن في الدستور بنود تتعلق بحكم مستعمرات، بل فقط بالأراضي التي قد تصبح في النهاية ولايات كاملة ضمن الاتحاد، فكيف يمكن إذاً استعمار أراضي تبعد مئات أو حتى آلاف الأميال؟ والحقيقة أن هذه الحجة كانت غافلة عن أن أراضي الولايات المتحدة قد ضمت ضمن ظروف مشكوك فيها أصلاً، وحتى شراء ألاسكا من روسيا عن طريق الاتفاق كان توسيعاً لحكم الولايات المتحدة على أرض أجنبية ليست امتداداً لأراضيها، إلا أن الاستعمار الأمريكي قد تابع تقدمه بالرغم من ذلك.
لقد دفعت الجغرافية الأمريكيين وراء سواحلهم باتجاهين، أحدهما نحو الغرب عبر المحيط الهادي، والآخر نحو الجنوب في الكاريبي وأمريكا الجنوبية، كانوا قد بنوا لأنفسهم تجارة وصيد حيتان هامين في الشرق الأقصى منذ زمن بعيد، ومنذ عشرينيات القرن التاسع عشر، كان للبحرية الأمريكية أسطول هناك. وقد وصل الأمريكيون الأوائل إلى هاواي في الوقت نفسه تقريباً وما إن رأت الحكومة الأمريكية القوى الأخرى تنال الامتيازات من الإمبراطورية الصينية حتى راحت تعقد معها اتفاقيات مشابهة، ثم أرسل القبطان بيري لإكراه اليابانيين على فتح موانئهم للتجارة الخارجية.
في النصف الثاني من القرن صار الأمريكيون يشاركون في إدارة جزيرة ساموا، كما حصلوا على جزيرة هاواي ثم أخذوا من إسبانيا جزر الفيليبين وغوام. وكانت دوافعهم في ذلك معقدة، فبعضهم كانوا حريصين على رعاية مصالح بلادهم وحصولها على بعض الأراضي مثل الدول الأخرى، وكان بعضهم يتحدث عن الاقتصاد الوطني وعن الحاجة للأسواق من أجل التصدير، ولكن هذه الحجة لا أساس لها لأن الولايات المتحدة كانت تتمتع بسوق داخلية هائلة من أجل مصنوعاتها.
أما بعضهم الآخر فقد فهموا أفكار داروين، أو ماحسبوا أنها أفكاره، على أن الصراع بين الشعوب مثل الصراع بين الأجناس في الطبيعة من أجل البقاء، وأن الشعوب الأقوى هي التي تنتصر في النهاية، وأن انتصارها هذا يكون بحكمها للشعوب الأخرى.
ولكن الحقيقة أن الاستعمار الأمريكي لم يستمر طويلاً من ناحية الاستيلاء على أراض جديدة، وقد جاء الضم الأخير لهاواي في تموز/يوليو 1898 في فورة من العدوانية والتوسع كانت ضحيتهما الأساسية هي القوة الاستعمارية القديمة إسبانيا.
ففي شهر شباط/فبراير 1898 انفجرت طرادة أمريكية اسمها السفينة مين بصورة غامضة بينما كانت في المرفأ في هافانا بجزيرة كوبا، وكانت كوبا في ذلك ملكاً لإسبانيا، وكانت المصالح الاقتصادية الأمريكية الهامة في هذه الجزيرة منذ زمن بعيد، ولطالما تعاطف الأمريكان مع الثورة في كوبا التي عجز الإسبان عن السيطرة عليها رغم جهودهم الكبيرة ووحشيتهم.
وأعلنت الولايات المتحدة الحرب على إسبانيا من دون سبب وجيه، إذ لايعلم أحد حتى الآن لماذا انفجرت السفينة مين، وقد قال أحد الرؤساء الأمريكيين اللاحقين عن تلك الحرب أنها كانت حرباً صغيرة رائعة. لقد هزم البحارة والجنود الأمريكان الإسبان في كوبا، وأغرق أسطول إسبانيا الأطلسي برمته في معركة لم يصب فيها الأمريكان إلا بخدوش بسيطة.
أما على الطرف الآخر من المحيط الهادي فقد دمر أسطول إسبانيا في تلك المنطقة في خليج مانيلا كما دعم الأمريكان حركة ثورية للإطاحة بالحكم الإسباني في الفيليبين. وأثناء السلم الذي عقد بعد ذلك صارت كل من غوام والفيليبين وبورتوريكو للولايات المتحدة، واستعادت كوبا استقلالها ولكن بشروط سمحت للولايات المتحدة بإعادة احتلالها في ظروف معينة، كما حدث بين عامي 1906 و 1908 مثلاً.
منطقة الكاريبي
لقد خمد الحماس للفتح الاستعماري بعد الحرب الإسبانية بسرعة، ولكن الجبهة الجنوبية ظلت تشغل بال الولايات المتحدة بطريقة خاصة. كان التفسير القديم لمبدأ مونرو هو أن ذلك الشطر من العالم ذو أهمية خاصة للولايات المتحدة، وأنه يحق لها بالتالي أن تتصرف فيه دفاعاً عن مصالحها.
وظهرت حينئذٍ ناحية جديدة لهذه المصالح، لأن التقنية الحديثة باتت قادرة على حفر قناة عبر البرزخ الواقع بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية يصل المحيط الهادي بالمحيط الأطلسي عبر منطقة الكاريبي.
وكان الاستراتيجيون الأمريكان ذوي اهتمام خاص بالإمكانيات التي سوف تفتحها هذه القناة، وإن صعود القوة البحرية اليابانية قد جعل الحفاظ على أسطول قوي في المحيط الهادي أمراً أهم من أي وقت مضى وسوف يصبح إمداده أسهل وأسرع بكثير إذا تم عن طريق بناما، بدلاً من أن يتم من حول رأس هورن (كيب هورن) في الطرف الأقصى من أمريكا الجنوبية.
في عام 19.3 رفضت الحكومة الكولومبية معاهدة ترمي للحصول على جزء من أراضيها من اجل أن تمر عبرها القناة، ولهذا دبرت بدعم أمريكي ثورة في بناما، التي كان مخططاً أن تمر القناة فيها، ومنعت الولايات المتحدة من قمع الثورة، فظهرت جمهورية جديدة في بناما، سلمت للأمريكيين السلطة القضائية وسمحت لهم باحتلال شريط من الأرض سوف يصبح منطقة قناة بناما، كما أنها تنازلت للولايات المتحدة عن حق التدخل في شؤونها إذا اقتضت الحاجة من أجل الحفاظ على الأمن.
فابتدأ بعدها العمل بالقناة، وكانت ذات هندسة متميزة كما كانت مزدوة بأهواس، تجهيزات لرفع السفن أو خفضها من مستوى إلى آخر بعكس قناة السويس، وقد أمكن افتتاحها في عام 1914.
لقد غيرت قناة بناما استراتيجية أمريكا، وسببت منعطفاً جديداً في سياستها في منطقة الكاريبي بأسرها، ولما كانت القناة مفتاح دفاعات أمريكا البحرية فقد كان لابد من حمايتها حماية خاصة، فراحت الولايات المتحدة تزيد من تدخلها في شؤون جمهوريات أمريكا الوسطى والكاريبي وبقوات مسلحة أحياناً، لأن الأميركيين كانوا يعتقدون بأن اختلال الأمن فيها قد يخلق وضعاً يمكن لقوة معادية للولايات المتحدة أن تستغله. أما الأمريكيين الذين لم ترق لهم هذه الحجة فسرعان ما هاجموها على أنها استعمار تحت زي جديد.
وسرعان مابدأت مخاوف أولئك الأمريكيين المناهضين للاستعمار بالتحقق في الشرق الأقصى، فبعد الاستيلاء على جزر الفيليبين بوقت قصير تحولت الثورة المعادية للإسبان فيها ضد الأمريكان، وبدأت حرب عصابات طويلة ومكلفة.
وعندما تمت السيطرة عليها في عام 1902 كان الرأي الأمريكي متلهفاً لتسليم الحكم للفيليبيين إذا كان ذلك ممكناً بطريقة آمنة، ولكن هذا الأمر كان صعباً، ويم يتم حتى ثلاثينيات القرن العشرين، كما كان هناك خطر أن تتقدم قوة استعمارية أخرى فتأخذ الجزر إذا تركتها الولايات المتحدة، مثل اليابان. وقد يهدد هذا الأمر المصالح الأمريكية في المنطقة، خاصة مصالحها التجارية مع الصين. إن خوف الأمريكان مما قد يحدث إذا انهارت الصين جعلهم يدعمون ما سموه سياسة الباب المفتوح هناك، فقالوا أن على القوى الأجنبية أن ترفع أيديها عن الصين، وأن تحافظ على المعاهدات التي تمنحها حقوق التجارة، وأن تتنافس فيما بينها بسلام عن طريق الوسائل الاقتصادية، ولما كانت هذه سياسة بريطانيا بالأصل فلن يكون للولايات المتحدة من معارض إذا سارت على هذا الخط.
إن الرئيس ثيودور روزفلت مدبر ثورة بناما التي مكنت من بناء القناة، كان أيضاً أول رئيس يؤكد على حق التدخل في دول الكاريبي، وقد اعتبر هذا نتيجة طبيعية لمبدأ مونرو، لقد أرسل روزفلت قوات بحرية إلى سانتو دومينغو لضمان تسديدها ديونها للمستثمرين الأجانب، فحرم بالتالي القوى الأجنبية من أي عذر للتدخل فيها.وقد سمى جيرانها هذا التدخل على عهد خلفائه دبلوماسية الدولار.
ثم أرسل الرئيس تافت قوات بحرية إلى نيكاراغوا، أما الرئيس ودرو ولسن الذي استلم الرئاسة في عام 1912، فقد قال الكثير في شجب الأساليب الاستعمارية واستنكارها، ولكنه عملياً سار على طريق من سبقوه. فاحتلت القوات البحرية الأمريكية سانتو دومينغو من عام 1914-1916، وتم مع الحكومة أخيراً من أجل فرض دستور جديد من قبل الأمريكان. واحتلت هاييتي لفترة من الزمن في عام 1915.
إلا أن أكثر مثال صارخ عن تدخل ولسن إنما كان في المكسيك، فعندما استلم دكتاتور عسكري الحكم هناك امتنع ولسن عن الاعتراف به بحجة أن نظامه ليس بمستوى المعايير الأخلاقية للولايات المتحدة. ورست القوات البحرية في فيرا كروز في عام 1914، ولم تنسحب إلا بعد خلع الدكتاتور من منصبه بالقوة، ثم عادت الحملات التأديبية الأمريكية إلى المكسيك بعد سنوات قليلة ولكن الحقيقة أنها كانت في هذه المرة استجابة لغارة قام بها قائد مكسيكي على ولاية نيومكسيكو.
كان الكثيرون من الأمريكان في ذلك الحين ينفرون نفوراً عميقاً من المغارات الخارجية، لأنها كلفتهم الكثير من المال ولم تأت بمكسب ما، كما أنه لم يمكن ثمة فرصة لمزيد من التوسع في أي مكان إلا في منطقة الكاريبي، لأن بقية العالم كانت قد اقتسمتها القوى الأخرى اقتساماً كاملاً تقريباً. وعندما اندلعت حرب كبرى في أوروبا في عام 1914 ظل الأمريكيون يكرهون التورط في المشاكل الخارجية.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:29 PM
آسيا في العصر الأوروبي

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

آسيا في العصر الأوروبي
الصين
كانت هناك في عام 1800 إمبراطوريتان كبيرتان في مرحلتين مختلفتين من الانحلال، وكانتا تواجهان من دون أنت علما قرناً كاملاً من الذل والمهانة على أيدي الشعوب البيضاء، إحدى هاتين الإمبراطوريتين هي الصين، التي تقول الرواية الشهيرة أن نابوليون وصفها بأنها عملاق نائم فلا توقظوه. ولكن بعد سنوات طويلة من موت نابليون راح الأوروبيون يوقظون هذا العملاق من دون أن يروا خطراً في تجاهل نصيحته تلك.
كانت قوة المنشو قد تقوضت في الداخل وضعفت في الخارج عن أيامها العظيمة في بداية القرن الثامن عشر ومع هذا فقد صرف مسؤولوها في عام 1793 مبعوثاً بريطانياً وحملوه رسالة متعالية إلى حاكمه الملك جورج الثالث فيما سموه "جزيرتكم النائية الموحشة، المعزولة عن العالم ببحار ممتدة تحول دونها". وكان هذا الموقف متفقاً تماماً مع نظرتهم الأزلية إلى العالم الخارجي، إذ كانت الصين مركز الحضارة والمملكة الوسطى المحاطة بشعوب تابعة لها وخاضعة لنفوذ حضارتها كأهل التبت وفيتنام وكوريا مثلاً أما وراء هؤلاء فبرابرة دونيون لا شأن لهم.
إلا أن المنشو كانوا في ذلك الحين قد تجاوزوا ذروة قوتهم، كانت الثورات الكبيرة قد بدأت تمزق السلام الداخلي الطويل، وهذه هي العلامة التقليدية الدالة على انحلال السلطة الإمبراطورية.
إن الارتفاع الكبير في عدد السكان منذ منتصف القرن السابع عشر فقد وصل به إلى أكثر بكثير من مثلين خلال القرن ونصف القرن التاليين حتى بلغ في عام 1800 ثلاثمائة وثلاثين مليوناً. وكانت هذه الزيادة أكبر من قدرة الزراعة في الصين، فكانت كل الأراضي القابلة للزراعة مستخدمة تقريباً، وحتى أشق الجهود لم تكن بقادرة على زرع محاصيل أكبر بالمعرفة والتقنية المتوفرتين.
وإن الاضطرابات الكبيرة التي سببتها الثورات كنت تعبر عن معاناة رعايا الإمبراطورية، وكانت الجمعيات السرية والفرق الدينية تستغلها لإذكاء الحق القديم ضد السلالة، ولاننس أن المنشو كانوا أجانب وكانت المظالم الشعبية تزداد قسوة وشراسة بعد عام 1800 لأن التضخم كان قد بدأ برفع الأسعار.
كانت السلالات السابقة تستمر أحياناً قروناً طويلة، رغم الأزمنة العصيبة التي تمر بها، وقد استمرت سلالة التشنغ المنشو في النهاية حتى عام 1911، ولكنها واجهت في الخارج خطراً جديداً لاسابق له. لم تكن المشاكل التي يسببها البرابرة الآتون عادة من آسيا الوسطى بالجديدة، بل إنهم قد أطاحوا في بعض الأحيان بسلالات قبل التشنغ. ولكن الأمر كان ينتهي دوماً بالاندماج الثقافي لأولئك البرابرة، فبعد كل غزو جديد كانت الإدارة الإمبراطورية تظل في أيدي طبقة النبلاء الأدباء المتدربين على التقاليد الكونفوشية، ولم يكن الشعب يتأثر بتبدل الحكام. ثم كان البرابرة يتصينون بتأثير تلك الحضارة الأعلى التي سيطروا عليها.
أما في القرن التاسع عشر فقد واجهت الصين للمرة الأولى برابرة لن تبهرهم حضارتها بل سوف ينظرون إليها بازدراء، ولم يكن الصينيون يميزون بين البيض بل كانوا يسمونهم كلهم feringhi وهو الشكل الذي تحولت إليه عندهم كلمة franks*. بل إن الأوروبيون هم الذين سوف يحاولون بث أفكارهم في حياة الصينيين وفي حكامهم، وكثيراً ماكانوا يفعلون ذلك بأساليب عسكرية وسياسية.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/tchu.jpg
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/tchang.jpg
فتح الصين على الغرب
لقد أتى هذا الخطر الجديد على الصين بأسرع مما كان متوقعاً منذ القرن السادس عشر، لم يكن ميزان التجارة بين الصين وأوروبا لمصلحة الأوروبيين، إذ لم يكن لدى أوروبا بضائع كثيرة يرغب بها الصينيون. لهذا كان التجار الأوروبيون في الصين مضطرين لتسديد أثمار مشترياتهم بشكل فضة، لأنها كانت أساس العملة في الصين. ولم يكن لديهم بضائع يبيعونها بالمقابل.
فكانت الشركة البريطانية للهند الشرقية مثلاً مضطرة لشحن سبائك الفضة إلى الشرق من أجل دفع ثمن الشاي وغيره من البضائع التي كانت تحملها سفنها في كانتون في القرن الثامن عشر، إلا أن هذا الوضع تغير في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، بل إنه تغير بسرعة كبيرة.
إن الأفيون دواء مخدر يصنع من نبات الخشخاش وله تاريخ طويل في تسكين الألم، ولكنه مرغوب جداً لأسباب أخرى أيضاً، إذ يبدو أنه يجعل الحياة ألطف بأن يزيل منها المتاعب والهموم، ولهذا الغرض كان يستخدمه بعض الناس كما يستخدم غيرهم الكحول، وهو دواء آخر مرغوب له بعض الاستخدامات المشابهة. ولكن التشابه بين الاثنين ليس كاملاً، لأن الكحول قد يجعل المرء يبدي المزيد من الإثارة والصخب، بينما يعطي الأفيون شعوراً بالاطمئنان المترافق بتبلد الحس والنعاس الذي ينتهي بالنوم والأحلام السعيدة.
ويمكن تناول الأفيون ومشتقاته بأشكال كثيرة، من أكثرها شيوعاً استنشاق دخانه من غليون مثل غليون التبغ، وهكذا كان الصينيون في الجنوب يتناولونه، وسرعان ما صار لديهم هوس به، فوجد البريطانيون في الأفيون أخيراً بضاعة يرغب بها الصينيون ويمكن زراعتها في الهند.
إن الأفيون يسبب الإدمان مثل الكثير من الأدوية المخدرة، أي أن المرء يصبح معتمداً عليه فيخرج عن القواعد المألوفة للحياة الاجتماعية من أجل أن يشبع توقه إليه، والأنكى من ذلك أن التأثيرات الخاصة بهذا الدواء، أي تسببه بالبلادة واللامبالاة بالمستقبل واللامسؤولية كانت كلها صفات يكرهها المسؤولون الصينيون كرهاً شديداً. لذلك حظر مسؤولوا المنشو استيراد هذا المخدر، وكانت له في نظرهم سيئة أخرى هي أنه قد يجعل الصين معتمدة على الأجانب لأنه يأتيها من الخارج، وعندما فرض الحظر صودرت شحنات من الأفيون وأتلفت، وهكذا بدأ استيقاظ الصين.
لقد احتج التجار البريطانيون احتجاجاً عنيفاً إثر إحراق كمية كبيرة من الأفيون في عام 1839 في كانتون، وأخبرهم اللورد بالمرستن المسؤول عن الشؤون الخارجية في لندن جواباً منطقياً، هو أن حكومته لاتستطيع التدخل لمساعدة رعاياها في خرق قوانين البلد التي يطلبون المتاجرة فيها. ولكن المسؤولين البريطانيين في الصين كان لهم موقف مختلف من هذا الأمر، وسرعان ما ابتدؤوا عملياتهم العدوانية، وفشلت محاولات تسوية النزاع محلياً، فحدثت عمليات بحرية أكبر بكثير ونشب ماعرف باسم حرب الأفيون التي رست فيها قوات بريطانية لاحتلال عدد من الموانئ الجنوبية وغيرها من المواقع.
وضايقت بريطانيا الصين وفرضت عليها في عام 1842 معاهدة سلام تفتح بموجبها خمسة من موانئها للتجارة الخارجية، وتضع نسبة واحدة ثابتة من الضرائب على المستوردات، وتتنازل لها فيها عن هونغ كونغ، وكانت هذه كلها عمليات تدخل في سياستها الداخلية.
إن الإنكليز لايشعرون اليوم بالفخر من هذه الحادثة، ولكن الحضارة في ذلك الحين لم تكن تعين ملء الجيوب بالمال فقط، بل كان الغرض منها أيضاً التغلب على التخلف.وكان يراد من التجارة الحرة عدا عن خلق الازدهار الاقتصادي للطرفين أن تمكن المسيحية والحملات الإنسانية من تحسين ماكانوا يعتبرونه وحشية ذلك المجتمع الوثني، مثل إخضاعه للنساء واستمرار أساليب التعذيب فيه بتأييد القانون.
وخلال عشر سنوات كان الأمريكان والفرنسيون قد وقعوا هم أيضاً مع الإمبراطوريات معاهدات غير متكافئة كما سميت فيما بعد أكسبتهم حقوقاً في التجارة والتمثيل الدبلوماسي، ومنحتهم حماية قانونية خاصة لمواطنيهم، وسمحت في النهاية للمبشرين وقبلت بالتسامح نحو المسيحية. وهكذا بدأ في أربعينيات القرن التاسع عشر التقويض الواضح لسلطة الإمبراطورية ومكانتها، مع أن هذا الأمر لم يكن هدف الحكومات الأوروبية.
لقد أكرهت المعاهدات سلالة المنشو على الاعتراف بنهاية ذلك المبدأ الأزلي في علاقات الصين الخارجية الذي يعتبر جميع الشعوب الأجنبية شعوباً تابعة لها، وصارت الدبلوماسية الصينية الآن مضطرة لقبول الأفكار الغريبة عن سيادة الدول المنفردة. والأسوأ من هذا أن وصول التجار الأجانب والمبشرين المسيحيين بأعداد متزايدة وعدم إمكانية مثولهم أمام المحاكم الصينية كان دليلاً على أن الحكومة الإمبراطورية غير قادرة على مقاومة إرادة أولئك البرابرة الذين كانت تزدريهم من الناحية الرسمية.
كان المبشرون يعظون ويعلمون بأساليب تقوض التقاليد الكونفوشية والنظام الاجتماعي، ففكرة أن جميع البشر متساوون في نظر الله مثلاً كانت فكرة ثورية في الصين، كما أن المتنصرين على أيديهم راحوا يطلبون حماية القناصل والمحاكم الأوروبية، وكانوا يحاولون العيش في مناطق أوروبية لايستطيع المسؤولون الصينيون أن يضايقوهم فيها.
وعندما كان المبشرون يواجهون عداء شعبياً وكان هذا الأمر شائعاً، كان المسؤولون يتعرضون للضرر، لأنهم إذا حموهم فسوف يصبحون مكروهين من الشعب، وإذا لم يحموهم فقد يقتل بعضهم، ويرسل القنصل الأوروبي في طلب سفينة حربية أو جنود من أجل القبض على القتلة فتظهر الإدارة الإمبراطورية عندئذٍ بمظهر العاجزة عن حماية أهل البلاد من الأجانب.
لقد حدثت هذه الضغوط على خلقية من الضيق الاجتماعي المتفاقم والخطر المتزايد من الثورة، ولكن المنشو ومسؤوليهم لزمهم وقت طويل لكي يعترفوا بأن إمبراطوريتهم تقترب من أزمة قد تنتهي بالقضاء عليها. وكان بعضهم يرون تقديم بعض التنازلات للأجانب، ولكن جميع المسؤولين تقريباً كانوا يشعرون أن هذه ليست أول مرة تتعرض فيها الصين للمصاعب، وأنها قد تجاوزتها في كل مرة واجهتها في الماضي.
كان آخر غزو للأفكار الأجنبية قد أتى من البوذية، وقد تم استيعابه بنجاح في النهاية، وكانوا واثقين من أن تفوق ثقافتهم سوف يعيد للصين مكانتها التي تستحقها في العالم، مهما بدت الأمور سيئة.
وكان البعض يرغبون بأن يتعلموا من البرابرة بعض أسرار سفنهم البخارية ومدافعهم لكي تستطيع الإمبراطورية استخدامها، ولكن حتى الصينيون المتعلمون لم يكونوا يعتقدون بضرورة تبديل الأساليب التقليدية أو التخلي عنها، ولم يدركوا أنهم كانوا بحاجة إلى أفكار جديدة تماماً إذا شاءت إمبراطوريتهم أن تنجو وتستمر.
التنازلات والتراجع
إن هذه المواقف قد جعلت من الصعب جداً على الصين أن ترد بفعالية على تأثير الحضارة الأوروبية، كان من استجاباتها أنها استعارت الآلات واستخدمت القادة العسكريين الأوروبيين ولكن بفتور، مثلما استخدمت السلالات السابقة قادة برابرة من صحارى آسيا الوسطى وفي ستينيات القرن التاسع عشر، استخدم الأوروبيون للمساعدة العسكرية في السيطرة على واحدة من أكبر ثورات القرن، أي ثورة تاينغ، التي استعرت من عام 1850-1864.
لقد بدأت هذه الثورة بصورة محلية تحت زعامة قائد بين أنه قادر على كسب نفوذ واسع، وكان يدين في بعض أفكاره إلى المبشرين الأمريكان، فكان ينادي بنوع من الشيوعية المسيحية، وقد سحقت هذه الثورة في النهاية، ولكن بعد أن أكره التشنغ على تقديم المزيد من التنازلات الدبلوماسية والتجارية للأجانب من أجل كسب الوقت وكسب دعمهم أيضاً في مواجهة الثورة، ولم يكن قمعها سهلاً حتى مع المساعدات الأجنبية،إذ يبدو أنها كلفت ما يقرب من عشرين مليون نسمة.
في خضم اضطرابات ثورة تاينغ حصل غزو إنكليزي فرنسي بين عامي 1857-1860 وأدى إلى احتلال بكين وسلب القصر الصيفي وإحراقه قبل أن تنتزع معاهدات جديدة المزيد من التنازلات المذلة من الصين، ففي عام 1858 أعطيت أراضيها الواقعة إلى الشمال من نهر أمور إلى روسيا، ثم سلمت لها شبه جزيرة أوسوري بعد سنتين وعليها سوف يبنى الروس مدينة فلاديفوستوك، كما تنازلت الصين أيضاً عن أراضي واسعة لروسيا في آسيا الوسطى وراء مقاطعة سين كيانغ.
ولم يكن جشع روسيا هذا بالأمر الغريب، إذ كانت لها أطول حدود برية مع الصين وكانت تندفع في آسيا الوسطى منذ عقود عديدة قبل ذلك وعلى نهر الأمور أيضاً منذ أيام بطرس الأكبر، ولكن دولاً أوروبية أخرى كانت تنهش أراضي تدعي الصين السيادة عليها ولو أنها لم تحكمها بصورة مباشرة، فقد أخذ البريطانيون بورما، كما أخذ الفرنسيون جزءً كبيراً من الهند الصينية.
وقبل نهاية القرن كان الأوروبيون يعاودون الاستيلاء على الأراضي في الصين نفسها، وربما دفعهم ذلك إلى استيلاء اليابان على فورموزا (تايوان) وخوفهم من أن يسبقهم منافسوهم في هذا السباق إذا ما انهارت الصين انهياراً كاملاً.
فثبت الروس أقدامهم في بورت آثر، بينما أخذت إنكلترا وفرنسا وألمانيا مرافئ جديدة بشكل عقود إيجار طويلة الأمد، وحتى البرتغاليون، الذين كانوا في ماكاو منذ زمن أطول من أي دولة أوروبية في الصين، حولوا عقد إيجارهم القديم إلى ملكية مباشرة على زعمهم وفي خلفية هذه الصورة كانت هناك سلسلة متواصلة من التنازلات والقروض والتدخلات في الإدارة الصينية جعلت كلها الصين تبدو في الواقع بلداً تحت السيطرة الأجنبية، ولو أنها ظلت مستقلة من الناحية القانونية.
في عام 1900 كان الأوروبيون يتوقعون للصين أن تتمزق أو تنهار مثل الإمبراطورية العثمانية، ولم تبد في ذلك الحين عملاقاً يستيقظ بل خاضعة للقتل بطريقة الألف جرح، وهي طريقة مشهورة للتعذيب في الصين، إذ راحت القوى الضاربة الآتية من الغرب تنهش جسدها القطعة تلو الأخرى.
إلا أن بعض الصينيين كانوا مزمعين على عدم السماح لهذا الأمر بالحدوث ومنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، تأسست جمعية التقوية الذاتية للنظر في الأفكار والاختراعات الغربية التي قد تكون فيها فائدة للبلاد وراح أفرادها يلفتون الانتباه إلى جهود بطرس الأكبر وإلى الجهود المعاصرة في تحديث مجتمع كونفوشي آخر، هو مجتمع اليابان. وأرسل الطلاب للمرة الأولى إلى الخارج بصورة رسمية للدراسة في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن حتى أولئك الساعون للإصلاح كان من الصعب عليهم أن يتخيلوا جذوره في شيء غير التقاليد الكونفوشية.
الإصلاح والثورة
لقد ساءت الأمور عندما أصبح موضوع الإصلاح متداخلاً في سياسات البلاط، كان الإمبراطور قد ارتقى العرش طفلاً في عام 1875، وسرعان ما صار على خلاف مع الإمبراطورة الأرملة عند بداية حكمه الفعلي في عام 1889. وفي عام 1898 بدا أخيراً أن حزب الإصلاح قد بدأ يحرز بعض التقدم، وأصدر سيل من المراسيم والقوانين الإصلاحية فيما عرف بالمئة يوم من الإصلاح، ولكن الإمبراطورة حشدت دعم مسؤولي المنشو وجنودهم الذين باتت مناصبهم وامتيازاتهم في خطر، فقبضت على الإمبراطور وحبسته وأطاحت بالمصلحين.
وفي نفس الوقت تقريباً ظهرت في بعض المقاطعات علامات التأييد الشعبي للأساليب القديمة، بشكل اضطرابات أحدثتها وحدات ميليشيا خاضعة لنفوذ جمعية سرية واسعة تسمى جمعية القبضات المتناغمة، وكان أفرادها يسمون باختصار الملاكمين. وكان هؤلاء معادين للأجانب عداءً شديداً وعنيفاً، وراحوا يهاجمون الصينيين الذين اعتنقوا الديانة المسيحية وسرعان مابدؤوا يهاجمون المبشرين الأجانب أيضاً.
كان الملاكمون يحوزون سراً على تأييد مسؤولي المنشو والبلاط، الذين كانوا يأملون باستخدامهم ضد الأجانب، وعندما علت احتجاجات الدبلوماسيين ومطالبتهم بقمع الحكومة للملاكمين اندلعت ثورة شاملة حرضتها الإمبراطورة وعملاؤها. فاستولت القوات الأوروبية على حصون صينية من أجل أن تضمن الطريق إلى بكين، حيث كانت توجد جالية أجنبية كبيرة لابد من حمايتها.
وأعلنت الإمبراطورة الحرب على جميع القوى الأجنبية، فقتل الوزير الألماني في بكين ثم حوصرت المفوضيات فيها لأسابيع عديدة، وقتل في أماكن أخرى أكثر من مئتي شخص أجنبي أكثرهم من المبشرين.
ولكن العقاب كان سريعاً ومدمراً، فقد أرسلت بعثة دولية قاتلت حتى وصلت إلى بكين وفكت الحصار عن المفوضيات، واحتل الروس جنوب منشوريا وهرب أفراد البلاط إلى العاصمة، ولكنهم اضطروا بعد أشهر قليلة إلى القبول بشروط الأوروبيين، وهي:
معاقبة الموظفين المسؤولين عن هذه الأحداث، ودفع تعويض هائل، وتدمير الحصون تدميراً كاملاً، والقبول بوضع حاميات أجنبية على السكك الحديدية المؤدية إلى بكين، وتوسيع حي المفوضيات وتحصينه.
وهكذا فشلت انتفاضة الملاكمين، كما أنها ألحقت المزيد من الضرر بنظام المنشو المتقلقل أصلاً وأصبحت النظرة الداخلية الآن أكثر تزعزعاً من أي وقت مضى، وبدأ بعض الصينيين يفكرون بالثورة.





* أي الفرنج أو الإفرنج

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:31 PM
الحكم البريطاني في الهند

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

الحكم البريطاني في الهند
ازدادت في ذلك الحين المعارضة للحكم الاستعماري في شبه القارة الهندية أيضاً، ولو أن السلطة الاستعمارية فيها لم تعد بيد المغول من أهل البلاد بل صارت في أيد أوروبية. كانت الهند قد أصبحت ذات أهمية عظيمة لدى البريطانيين، والحقيقة أن تاريخهم الاستعماري لامعنى له بدونها، وحتى شكل هذا التاريخ حددته الهند، لأن أجزاء كثيرة من الإمبراطورية إنما ضمت إليها لأهميتها في الدفاع عن شبه القارة أو عن الطريق البحرية المؤدية إليها من إنكلترا.
ومنذ عام 1800 كان عدد السكان الخاضعين للحكم البريطاني في الهند أكبر منه في أي من المستعمرات الأخرى، بل إنهم كانوا في عام 1900 أكثر من جميع سكان الإمبراطورية معاً. وبمرور الزمن هاجرت أعداد كبيرة من الهنود إلى أنحاء أخرى من الإمبراطورية، فظهرت الجاليات الهندية حتى في فيجي وشرق أفريقيا وجزر الهند الغربية.
وكانت التجارة مع الهند هامة دائماً، لأن شبه القارة كانت تستهلك كميات كبيرة من المصنوعات البريطانية.
وقد ساهم الجنود من أبناء الهند في الدفاع عن أجزاء أخرى كثيرة من الإمبراطورية، وحاربوا في أزمنة مختلفة من أجل بريطانيا في جميع القارات ماعدا الأمريكتين، وأخيراً كان التأثير المتبادل هاماً ومستمراً بين ثقافتي شبه القارة وبريطانيا، ومازالت نتائج هذا التأثير جلية حتى اليوم.
لقد صار بعض الناس يطلقون على الحكم البريطاني اسم الراج the Raj لأنهم اعتبروه خلفاً لحكم المغول. ولم تكن هذه النتيجة لتخطر بالبال عندما كان هذا الحكم في طور التشكل، وقد ظلت شركة الهند الشرقية تحكم الهند البريطانية بالاسم في عام 1800، ولكن حاكمها العام أصبح منذ عام 1784 يعين من قبل الحكومة البريطانية.
كانت هذه الشركة قد أنشأت بهدف المتاجرة، وقد ظل عملاؤها زمناً طويلاُ يرون الهند من هذا المنظور، أي أنهم لم يطلبوا من الحكومة أكثر من أن تضمن لهم الاستمرار بأعمالهم. ولكن الشركة كانت منذ القرن الثامن عشر قد حصلت من حاكم البنغال المحلي على حقوق فرض الضرائب في أراضيه، وقد ورطها هذا الأمر في سياسات الهند وإنكلترا، وراحت حصة الحكومة البريطانية في إدارة الهند تنمو باطراد.
في هذه الأثناء كانت امتيازات الشركة تتراجع باطراد أيضاً، ففقدت احتكارها للتجارة في الهند في عام 1813، وفي الصين أيضاً بعد عشرين عاماً، وهكذا صارت تعتمد على الضرائب في مدخولها وتسلك شيئاً فشيئاً سلوك أي حكومة استعمارية عادية.
كان هذا النظام يسمى الحكم الثنائي وقد استمر الاسم حتى عام 1857، وكانت مشاركة الحكومة البريطانية فيه تزداد باستمرار مع مرور الزمن، في هذه الأثناء كان المزيد من الدول الهندية تضم إلى الإمبراطورية أو تخضع للسيطرة البريطانية عن طريق المعاهدات. وكان الإمبراطور المغولي عاجز عن مقاومة هذا التيار، مع أنه ظل الحاكم الاسمي لجزء كبير من شبه القارة.
ولم تعد اللغة الفارسية لغة القانون والإدارة بل حلت محلها اللغة الإنكليزية، وسمح للمبشرين بالعمل في الهند بعد عام 1813، فبدؤوا يجتذبون المزيد من الهنود إلى اعتناق المسيحية، وقد كان هناك دوماً بعض المسيحيين الهنود في المستوطنات البرتغالية والفرنسية. وأسست المعاهد والمدارس، كما بني أول خط حديدي في الهند في عام 1853.
وكان الحكام البريطانيون يشجعون هذه التغيرات تشجيعاً كبيراً، ويعتبرونها إنجازات متنورة، مثلما أدخلوا الشرائع القانونية الجديدة التي اعتبروها بديلاً أفضل من التقاليد الهندوسية والإسلامية، وقد ازداد عدد السكان فبلغ 200 مليون نسمة تقريباً في عام 1850 وكان حوالي 70% منهم هندوساً و 20% مسلمين.
التمرد ونتائجه
راح المزيد من الرجال الإنكليز والنساء الإنكليزيات أيضاً بعد افتتاح خطوط السفن البخاري إلى أوروبا، يفدون إلى الهند سعياً وراء الأعمال، ولكنهم ظلوا نقطاً صغيرة في ذلك المحيط المؤلف من جماهير الهنود الهائلة.
أما الهنود فقد ظل سوادهم بمنأى في حياتهم اليومية عن تأثير الحكم البريطاني، وكانوا يعيشون في قراهم حيث كان تقاليدهم هي التي تحدد نمط تلك الحياة، وكان يبدو أن الحكم سوف يظل دوماً على حاله، أي حكماً استبدادياً متنوراً، ولم يكن يخطر ببال أحد أن الهنود يقد يحكمون أنفسهم في يوم من الأيام.
ثم حدثت فجأة في عام 1857 صدمة رهيبة زعزعت ثقة البريطانيين هذه، فقد اندلعت سلسلة من الانتفاضات بعد تمرد قام جنود محليون في البنغال اعتقدوا أن النوع الجديد من الخراطيش الذي قدم لهم كان مزيتاً بدهن حيواني تعتبره ديانتهم نجساً وتحرم عليه تداوله.
ثم تبعتها ثورات أخرى، وسرعان ما صار الحكم في شمال الهند في خطر، واجتذب المتمردون دعم هنود آخرين من مسلمين وهندوس على السواء، من الذين كانوا يخشون التحديث الذي جلبه البريطانيون وخطره على عاداتهم وتقاليدهم. كما انتهز بعض الحكام المحليين الهندوس والمسلمين هذه الفرصة من أجل محاولة استرداد استقلالهم، ولكن أكثر الهنود في القسم الأكبر من البلاد لم يشاركوا في هذه الحركة التي سميت تمرد الهند.
ورغم أن البريطانيين كانوا قلائل فقد ردوا على هذا التمرد بلا رحمة وبمساعدة الجنود الموالين لهم، ولقد زال الخطر خلال أشهر قليلة ومالبثت أن جاءت بعد ذلك العقوبات العنيفة، فخلع الإمبراطور المغولي الذي نادى به المتمردون قائداً لهم، وانتهى حكم شركة الهند الشرقية، وأصبح الحاكم العام نائباً للملك يرفع التقارير مباشرة إلى الحكومة في لندن. وسوف يظل الحكم البريطاني في الهند منذ ذلك الحين حتى نهايته بعد تسعين عاماً، وهو حكم التاج نفسه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لقد سبب هذا التمرد تطورات أخرى ربما ماكانت لتحدث من تلقاء نفسها، فرغم أن المتمردين لم يحرزوا أياً من أهدافهم المحافظة والرجعية، فإن تمردهم كان حاسماً من ناحية أنه سبب لدى البريطانيين خاصة المقيمين منهم في الهند صدمة لن ينسوها أبداً. ومنذ ذلك الوقت صار البريطانيون والهنود يعيشون حياتهم بشكل منفصل ولايشتركون إلا في شؤون العمل.
وصار البريطانيون يشعرون أن الهند بلد غريبة لايمكن فهمها، وأن شعبها ذو عقلية مثل عقلية الأطفال لايمكن الوثوق بها بل لابد من ضبطهم ولو بالقوة إذا اقتضى الأمر.
إلا أن هذا الأمر لايجوز أن ينسينا جود المئات من الإنكليز في الهند، ووجود الكثيرين منهم في حكومتها، وأنهم كانوا يدرسون لغاتها وثقافتها وحضارتها بشغف كبير، فالحقيقة أن العلماء البريطانيين هم الذين استهلوا الدراسة الجدية للهند الكلاسيكية.
كما أن التأثير المتبادل بين الهنود والبريطانيين سوف يستمر سواء شاء الطرفان أم أبيا، وكان لابد للعلاقات التجارية مع بريطانيا وبقية الإمبراطورية من أن تغير الحياة الاقتصادية في الهند رويداً رويداً. وإن الأفكار والمبادئ التي كانت تعلم في المدارس والمعاهد الهندية تمارس من قبل الإدارة قد ساهمت في تشكيل أفكار الكثيرين من شباب الهند حول المستقبل الذي يجب أن يكون لبلادهم، وكثيراً ماكانوا يتصورون هذا المستقبل بحسب المبادئ الأوروبية، بمؤسساتها السياسية الديمقراطية والتمثيلية، وكدولة مبنية على مفهوم القومية، وهو مفهوم غربي.
من الناحية الأخرى كان دور بريطانيا كدولة عظمى يتشكل بفعل القوة التي تقدمها لها الهند وبالضرورات الجديدة التي تفرضها، وقد قال أحد نواب الملك:" طالما أننا نحكم الهند فسوف نظل أكبر قوة في العالم، أما إذا خسرناها فسوف نهبط فوراً إلى قوة من الدرجة الثالثة".
ومن أجل الحفاظ على الهند آمنة سوف يتورط البريطانيون في اقتتال متواصل مع قبائل الحدود الشمالية الغربية، وفي فتح بلوشستان وكشمير، وفي صراعات دبلوماسية مع روسيا حول مسألة النفوذ في أفغانستان وهي مسألة كادت في إحدى مراحلها أن تسبب اندلاع حرب.
وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر ضمت بورما من أجل حماية الهند من تقدم فرنسي محتمل من الهند الصينية، وبعد سنوات قليلة، أخذت دول ملقا للغرض نفسه، كما أرسلت حملة إلى لاسا في التبت في عام 1907 لضمان سلامتها من النفوذ الأجنبي.
وقد أثرت الهند بالطبع في تفكير البريطانيين الاستراتيجي نحو أفريقيا، إذ أنها واقعة على طريق البواخر عبر قناة السويس ورأس الرجاء الصالح.
كان حكم الهند يعني حكم 300 مليون نسمة في شبه القارة كلها ماعدا بعض الجيوب البرتغالية والفرنسية الصغيرة، وفي عام 1892 لم يكن هناك إلا 918 موظفاً أبيض للقيام بهذا العمل، وكان هناك في العادة جندي بريطاني واحد لكل 400 هندي. من الواضح إذاً أن حكم بريطانيا للهند لم يكن يعتمد على العدد، بل على أساسين آخرين: أولهما مشاركة الهنود ومساعدتهم ورضاهم من الناحيتين المدنية والعسكرية، وثانيهما عدم التدخل الزائد.
إذ أن البريطانيين صاروا بعد التمرد المذكور يخشون احتلال الأمن العام ويحرصون على ألا يتدخلوا كثيراً في تقاليد الهنود كيي لايعاودهم, لقد منعوا قتل الطفلات الصغيرات اللواتي كن يقتلن من قبل آبائهن من أجل التخلص من الحاجة إلى دفع البائنة (الدوطة) في المستقبل، ولكنهم لم يتدخلوا لمنع تزويج الأطفال، وقد نظموا حقوق الأمراء الهنود ودعموا حكمهم.
إلا أن العواقب الاقتصادية والثقافية للسلطة البريطانية كانت تغير الهند باستمرار بطرق سوف تجعل الحفاظ على الحكم البريطاني فيها أمراً صعباً في النهاية، قد قام الصناعيون والنقابيون العماليون البريطانيون من على بعد آلاف الأميال باستخدام البرلمان لإعاقة رجال الأعمال الهنود المتلهفين للاستفادة من أطول فترة حكم مستقر عرفتها الهند، وأزعج هذا الأمر التجار والمصنعين في الهند.
وكان الشباب الهنود من النخبة الهندوسية يدرسون في الجامعات البريطانية أو يدرسون المحاماة حسب المناهج الإنكليزية، وعندما يعودون إلى بلادهم كان يؤرقهم أن ينظر إليهم الإنكليز نفس النظرة المتعالية التي ينظرون بها إلى الهنود الآخرين، وكانوا يتساءلون لماذا لاتطبق مبادئ تساوي الفرص والديمقراطية في الهند أيضاً، وكان هذا الحقيقة دليلاً على نفوذ الحضارة البريطانية.
وهكذا راحت القومية الهندية تتبلور وتأخذ أشكالاً سياسية بتأثير هذه العوامل وغيرها، وكانت بعض القرى قد شجعت على هذا التطور بتأييدها للمزيد من الحكم الذاتي المحلي، ولكن هذا الوعي القومي حالت دونه الانقسامات بين الهندوس والمسلمين، فكان هذا من الأسباب التي أبقت قبضة الحكم البريطاني قوية في عام 1914؛ إلا أن القوى العاملة على تقويض ذلك الحكم مابرحت تتراكم.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:32 PM
قوة آسيوية جديدة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

قوة آسيوية جديدة
كان اليابانيون في القرن التاسع عشر يراقبون الأحداث في الصين والهند باهتمام بالغ، وكانت اليابان في عام 1800 مجهولة لدى الأوروبيين ماعدا العدد القليل من الهولنديين، ولكن العلامات كانت تدل على أن الأمور لايمكن أن تستمر طويلاً على هذا الحال. لقد كان الأوروبيون أقوى بكثير مما كانوا عليه قبل مائتي عام، بينما كان اليابانيون أضعف بكثير، وسوف يصعب عليهم صد الأجانب إذا أراد هؤلاء حقاً اختراق عزلة اليابان، وإذا تم لهم ذلك فليتأمل اليابانيون ما حل بالصين والهند.
وقد سبب السلام الطويل ونمو المصالح الاقتصادية الجديدة في اليابان ضغوطاً اجتماعية كبيرة، وكانت قوتها العسكرية عتيقة بالية، لذلك كانت ستواجه الضغوط الأوروبية والأمريكية المحتملة من موقع ضعف. وكان بعض اليابانيون يعلمون ذلك وقد بدؤوا بالالتفاف حول القوانين التي كانت تمنع دخول الأفكار الأجنبية عن طريق استيراد الكتب المتعلقة بما كان يسمى العلوم الهولندية. وحتى نظام الشوجونية كان قد سمح بترجمة بعض الكتب الأوروبية التي تعالج مواضيع تقنية.
لقد كان اليابانيون شعباً حاذقاً أبدى قدرة كبيرة على النسخ والاستعارة، وكان هذا الموقف مختلفاً كل الاختلاف عن الموقف المتعالي الذي واجه الصينيون به التأثيرات الغربية، فقد استطاعت مثلاً مجموعة من الأطباء اليابانيين في عام 1771 أن تقوم بأول تشريح لجسم الإنسان على جثة مجرم، من دون أن يكون بين أيديها إلا صور من كتاب هولندي، وكانت قدرة اليابانيين على التعلم وعلى تبني الأساليب الجديدة الفعالية ميزة كبيرة في مواجهة التحدث الأجنبي، ولكنهم لم يكونوا متفقين على الطريق الذي ينبغي عليهم سلوكه، فكان بعضهم يتحدث عن طرد البرابرة، وبعضها الآخر عن فتح البلاد وكان لكل من هذين الطريقين مخاطره.
إن المعاملة الفظة التي لقيتها الصين على يد الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا، والتي أكرهت هذه الإمبراطورية ذات الماضي العظيم على القبول بمعاهدات مذلة، كانت في النهاية ذات تأثير حاسم.
في عام 1842 سمحت اليابان للسفن الأجنبية بالتزود بالمؤن حين الحاجة، ولكن لم يسمح بعد للأفراد بدخول البلاد، وبعد ذلك استلم رئيس الولايات المتحدة في عام 1851 مسألة معاملة البحارة الأمريكان الذين تتعرض سفنهم للغرق على سواحل اليابان، ومسألة إيواء صيادي الحيتان والسفن الأمريكية العاملة في تجارة الشرق الأقصى وتزويدها بالمؤن، فتقرر إرسال أسطول بحري إلى اليابان لضمان فتح مرافئها للأجانب، وأبحر القبطان بيري في عام 1853 ضمن خليج ييدو، وكانت ييدو تعتمد على المؤن الآتية من البحر.
أما اليابانيون فقد أذهلتهم الأسلحة النارية المتفوقة لدى الأمريكان وسفنهم البخارية، وقبلوا بوجود قنصل أمريكي وفتحوا مرفأين من مرافئهم للتجارة مع أمريكا، ثم جرت معاهدات مع قوى أوروبية سمحت لغيرهم من التجار الأجانب بدخول اليابان ووافقت على إقامة البعثات الدبلوماسية.
إصلاح الميجي
لقد بدا لليابانيين أن بلدهم قد تصير بيد الأجانب مثل الصين إذا هم لم يهتموا للأمر، وكان من الواضح أن نظام التوكوغاوا غير قادر على معالجة الأزمة، وراح زعماء العشيرتين الكبريين يتعلمون الأساليب العسكرية الأوروبية ويرسلون البعثات إلى الخارج للتعلم من البرابرة. وقد أذهلهم بيري وربما أذهلهم أيضاً القطار البخاري الصغير الذي جلبه معه وعرضه متباهياً على سكة بنيت خصيصاً له في الحفل الكبير الذي أقيم بمناسبة توقيع المعاهدة الأولى، كما أذهلتهم الكميات العجيبة التي استهلكت فيه من الويسكي والشمبانيا.
وبعد وصوله بزمن قصير نشأت في بعض أراضي العشائر أولى المؤسسات الصناعية على الطريقة الغربية، ومواقع بناء السفن ومعامل الأسلحة والقطن، ثم كانت الخطوة الثانية هي تنظيم المعارضة العسكرية للتوكوغاوا.
لقد لاح في البداية أن البلاد قد تنهار من جديد في حال من الانقسام والفوضى، ولكن النبلاء المعارضين للشوغونية التجأوا إلى قوة مركزية جديدة، بل هي في الحقيقة قوة قديمة أعيد إحياؤها، فقاموا بانقلاب في كيوتو في الثالث من كانون الثاني يناير 1868 استولوا فيه على البلاط الإمبراطوري.
ثم ألغي منصب الشوغون الوراثي وأعيد الإمبراطور من كواليس الحكم إلى مركز الساحة، وثبتت مسؤوليته المباشرة في حكم البلاد. وكان رمز هذا التغير هو نقل البلاط إلى ييدو، فكانت تلك بداية حركة الإصلاح على عهد ميجي، والتي كانت عبارة عن ثورة حقيقية، وهي التي استهلت عملية التحديث المدروسة في اليابان.
وراح زعماء اليابان الجدد يسعون لدفع المبادرات الأولى للعشائر نحو الامام، وكان هدفهم أن يتعملوا ما أمكنهم من الدول الغربية، وأن يستخدموا ذلك العلم في تحديث بلادهم من دون أن يتغربوا أو يفقدوا تراثهم، وقد نجحوا في هذا الأمر نجاحاً كبيراً.
وبعد سنوات قليلة في كانون الثاني (يناير) من عام 1860،قاموا بإنجاز يدل أبلغ دلالة على ما يستطيعون الإتيان به بمواردهم المحلية البسيطة، فقد أبحرت السفينة كاترين – مارو، وهي سفينة شراعية ذات محرك بخاري لاتزيد قوته عن المائة حصان ولايمكن استخدامها إلا للمناورة في المرفأ، من ييدو إلى سان فرانسيسكو حيث رست بعد خمسة أسابيع فقط، وقد أبحر بها طاقمها بأشرعتها عبر المحيط الهادي، فكان بذلك أول طاقم ياباني يقطع هذه المسافة، وقد تم له ذلك بعد سبع سنوات فقط من إدخال بيري للسفن البخارية إلى خليج ييدو.
وبعد ذلك بدأ اليابانيون يذهبون لتعلم الملاحة للمرة الأولى في هولندا، وقد كتب أحد أفراد الطاقم الشباب فيما بعد مقارنة رائعة وبليغة يقول فيها حتى بطرس الأكبر قيصر روسيا الذي ذهب إلى هولندا لدراسة الملاحة ماكان باستطاعته رغم كل ما قام به أن يأتي بمثل هذا الإنجاز الذي أتى به اليابانيون".
التحديث وحدوده
لقد واجه اليابانيون مهمة التحديث بشعور عال من الكبرياء الوطنية، وترافق هذا الشعور بحرصهم الشديد على النجاة من مصير الصينيين والهنود، وهذا ما دعم إرادتهم في التعلم وفي استعارة المعارف والتقنيات، وسوف تغير هذه الأمور اليابان بصورة سريعة.
كان إلغاء النظام شبه الإقطاعي القديم المتمثل بحكم العشائر باسم الإمبراطور هو الخطوة الأولى نحو خلق دولة قومية، وقد لعبت المنافسات بين العشائر دوراً كبيراً في القضاء على سلطة التوكوغاوا، ثم قدمت العشائر الكبرى المثال والقدوة بأن سلمت أراضيها للإمبراطور "لكي يسود حكم واحد متسق في كافة أنحاء الإمبراطورية" كما قالت.
وتم تبني الكثير من مؤسسات الحكم الأوروبية، فقسمت البلاد إدارياً إلى مقاطعات، وفي عام 1889 تم تأسيس برلمان ذي مجلسين تشريعين، وكانت اليابان قد تبنت نظام التجنيد العسكري لكي يكون لديها جيش على النمط الأوروبي، كما أسست أول نظام بريد فيها وأول خط حديدي وأول صحيفة يومية، وتبنت أيضاً التقويم الأوروبي.
ولكن أشياء كثيرة من الماضي ظلت مستمرة، خاصة في العبادات الوطنية وفي التبجيل الذي كانوا يؤدونه للسلطة الإمبراطورية، وفي عام 1980 وضع بيان في مجال التعليم ظل يقرأ على أجيال طلاب المدارس في اليابان في أيام الاحتفالات طوال الخمسين سنة القادمة، وكان يحثهم على الحفاظ على القيم التقليدية، من احترام للوالدين وطاعة وتضحية بالنفس إذا الأمر من أجل قضية الأمة.
كما ظلت تقاليد الساموراي حية أيضاً، فقد ظل بعضهم يناصرون سادتهم المستائين من الثورة خلال السنوات العشر التالية لعملية الإصلاح، إلى أن هزمهم الجيش المجند الجديد، فصار أكثرهم عندئذٍ راغبين بالالتحاق بالخدمة المدنية للنظام الجديد أو بجيشه أو بحريته، أما سادتهم فقد عوض لها عن فقدان أراضيهم بمداخيل ضمنتها الحكومة، وظلوا يتمتعون بمقدار كبير من النفوذ، وسرعان ماصار بعضهم أعضاء في مجلس النبلاء الجديد. وهكذا ظلت أشياء كثيرة في اليابان على حالها رغم تحديث البلاد السريع الذي قد يلفت أنظار المراقب الخارجي.
إلا أن بعض التغيرات كانت واضحة جداً، فقد بدأ استخدام الآلات التي تعمل بالطاقة في صناعة غزل الحرير في سبعينيات القرن التاسع عشر، وسرعان ما صار واسع الانتشار، ولو أن أكثر من نصف الحرير المغزول في اليابان ظل يصنع باليد بعد عشرين سنة.
وفي أوائل تسعينيات القرن صارت لليابان صناعة قطنية جديدة ولو أن عدد المغازل فيها كان يعادل واحداً بالمئة من عددها في بريطانيا ولكن النمو الصناعي السريع لم يبدأ إلا في النصف الثاني من التسعينيات، فارتفع الإنتاج السنوي للفحم فيها من 5 ملايين طن في عام 1895 إلى أربعة أمثاله تقريباً في عام 1914، كما ارتفع إنتاج الحرير الخام في المرحلة نفسها بمقدار ثلاثة أمثال بينما ارتفع إنتاج القطن المغزول بمقدار ستة أمثال، وأضحت اليابان في عام 1914 أكثر الدول صناعية في آسيا.
لقد كان دور الزراعة في هذا الاندفاع الاقتصادي الكبير أقل وضوحاً من دور الصناعة ولكنه كان في الحقيقة أكثر منه أهمية، فقد ارتفع الإنتاج الزراعي للفرد الواحد أكثر بكثير من مثلين بين عامي 1868 و1914. ولكن هذا الارتفاع لم يؤثر كثيراً في حياة الغالبية العظمى من اليابانيين الذين ظلوا فلاحين.
وكان على الزراعة أن تزمن الضرائب لتمويل الاستثمار الرأسمالي اللازم للصناعة والخدمات والإدارة الجديدة والتعليم، وظل الفلاحون فقراء يرزحون تحت عبئها الثقيل، ولم يطرأ تغير يذكر على أساليب الحياة في القرى، وبقيت النساء مسحوقات ومضطهدات ومقيدات بالتقاليد القديمة البالية؛ إلا أن اليابان كانت قد لحقت بالعالم الحديث.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:33 PM
السماء تتلبد بالغيوم

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثاني عشر - النظام العالمي الأوروبي

السماء تتلبد بالغيوم
إنها لمفارقة غريبة أن اقتراب سلطة الأوروبيين من ذروتها في الأنحاء الأخرى من العالم قد ترافق بازدياد علامات التقلقل وعدم الاستقرار في أوروبا نفسها، حيث ظهرت علامات النظام الدولي الجديد بوضوح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مثلما ظهرت في أنحاء أخرى.
وإن أفضل نقطة انطلاق هي عام 1848، لابسبب أهميته كمرحلة من مراحل الثورة الاجتماعية، بل لأنه معلم هام في قصة القومية الأوروبية يكشف عن مدى قوتها، كما أنه يفصل بين مرحلة أولى من السلام الدولي الطويل ومرحلة ثانية من الحرب، ولو كان من الصعب على الناس أن يروا ذلك في حيته.
لقد نشبت خلال ربع القرن التالي حرب بين بريطانيا وفرنسا وتركيا وسردينيا من جانب، وروسيا من الجانب الآخر حرب القرم 1854-1856 ثم بين فرنسا المتحالفة مع سردينيا ضد النمسا 1859، ثم ثلاث حروب أخرى خاضتها بروسيا ضد الدانمرك 1864، والنمسا 1866، وانضمت إليها إيطاليا إلى جانب بروسيا وفرنسا 1870.
وكانت أولى هذه الحروب أي حرب القرم تدور في الحقيقة حول مسألة قديمة، هي هل يجوز السماح لروسيا بأن تهيمن على تركيا وربما بأن تطيح بها ، أما الحروب الأخرى فكانت كلها تدور حول بناء دول قومية.
أمم جديدة
لقد هزمت النمسا في ألمانيا، حيث اضطر الهابسبرغ للاعتراف بسيادة بروسيا، كما هزمت في إيطاليا ولم تبق لها فيها أراض كثيرة بعد عام 1866، لذلك وجدت نفسها مضطرة لتقديم التنازلات لقوميات أخرى ضمن حدودها، إذ لم تعد الملكية النمساوية بقادرة على مقاومة مطالبها.
وهكذا تم ترتيب حل وسط في عام 1867 مع أحد شعوب الإمبراطورية، وهو الشعب المجري، فمنحوا قدراً كبيرا من الاستقلال فيما سمي منذ ذلك الحين الملكية الثنائية، لأنها كانت في الحقيقة عبارة عن وحدتين مستقلتين ومنضمتين تحت حاكم واحد في الدولة النمساوية الهنغارية.
وأصبح فرانتز جوزيف إمبراطوراً في إحدى شطري بلاده وملكاً في الشطر الآخر، أما بقية الشعوب الإمبراطورية فقد ظل أملها خائباً، والحقيقة أن الملكية الثنائية كانت بمثابة رشوة لهنغاريا سمحت للمجريين الذين يحكمونها بالانضمام إلى النمساويين في قمع الصرب والسلوفينيين والرومانيين والسلوفاك وغيرهم.
كما نشأت خلال تلك السنوات دول قومية أخرى، وكانت من النتائج المتأخرة لحرب القرم نشوء دولة قومية مستقلة هي دولة رومانيا، ولو أن هذا الاسم لم يستخدم حتى ستينيات القرن التاسع عشر، ثم أن توحيد كل من إيطاليا وألمانيا والتنازلات التي قدمت للمجريين قد زادت من اندفاع الشعوب الأخرى في وسط أوروبا وفي البلقان خاصة التي كانت تحت حكم الأتراك، في مطالبتها باستقلالها السياسي هي الأخرى.
وهكذا كانت نتائج هذه السنوات معقدة جداً ولكنها على درجة كبيرة من الأهمية، وإذا نظرت إلى الخارطة قبلها وبعدها رأيت مدى تأثيرها الواسع. إن أوسع رجال الدولة أثراً في إحداث هذه التبدلات هما الوزير البروسي بسمارك والإيطالي كافور، وقد غيرا خريطة الدبلوماسية الأوروبية وظروفها حسب الصورة التي كان الناس يتمنونها في عام 1848، ولكن لمصلحة النزعة المحافظة ومن أجل قمع النزعات القومية الثورية التي كانا يخشيانها.
http://arabegyfriends.com/reef/images/stories/assets2/besmark1.jpg
بسمارك
وهكذا باتت أوروبا في عام 1871 مكونة بشكل أساسي من دول قومية، إلا أن هذه البنية كانت تعاني من عيبين اثنين: أولهما وجود أماكن مازالت تخبئ المتاعب للمستقبل، ومنها إيرلندا، إذ يبدو أن بريطانيا قد شارفت على منحها حكماً ذاتياً تحت رئاسة التاج في أواخر القرن التاسع عشر، ولكن السياسات الحزبية أحبطت تلك المساعي. وظلت النرويج والسويد في دولة واحدة إلى أن انفصلتا بصورة سلمية في عام 1905.
أما روسيا فقد ظلت مثل بروسيا والنمسا تحكم جزءً كبيراً من بولندا، وكانت فيها شعوب مستاءة هي شعوب البلطيق والشعب الفنلندي، وفي الشطر الهنغاري من الملكية الثنائية شعر كل من الكروات والرومانيين والسلوفاك والسلوفينيين والصرب بالقمع، والأهم من هذا كله أن الأتراك ظلوا يحكمون البلغار والمقدونيين والألبان والبوسنيين حتى عام 1878، عندما انتقل الحكم الحقيقي للبوسنة على يد النمساويين، مع أن السلطان العثماني احتفظ بسلطته الاسمية عليها والحقيقة أن البلقان كانت كابوساً مرعباً من وجهة نظر القوميين بالنظر إلى التداخل العجيب بين شعوبها ولغاتها ودياناتها.
في تلك الأثناء كان توازن القوى في أوروبا قد تغير تماماً، فقد انتهى التحالف المقدس القديم بين الدول المحافظة في القرم، وظهرت إمبراطورية ألمانيا جديدة تأسست رسمياً في عام 1871 لتحل محل فرنسا كقوة مسيطرة في أوروبا، وكان هذا هو الجانب السياسي لتغير هام في السكان وفي الاتجاهات الاقتصادية، وسوف تظل الهيمنة الألمانية مشكلة أساسية تواجه رجال الدول الأوروبية حتى عام 1945.
السيطرة الألمانية
مع هذا تمكنت القوى العظمى من التعايش جنباً إلى جنب بسلام طوال أكثر من أربعين عاماً بعد 1871 وكان هذا إنجازاً عظيماً بالنظر إلى الأخطار الكثيرة والمتزايدة الكامنة تحت سطح الحياة الدولية خلال هذه الفترة كانت ألمانيا قد أكرهت فرنسا على عقد الصلح بشروط مهينة في عام 1871، وعلى التخلي عن اثنين من مقاطعاتها، أي الإلزاس واللورين، وعلى دفع تعويض هائل، ومنذ تلك اللحظة بات من الواضح أن ألمانيا الجديدة قد حلت محل فرنسا في سيطرتها الطويلة في أوروبا.
لقد كان عدد سكانها في ازدياد، وكانت تمر بطور من النمو السريع، وكان اقتصادها يزداد قوة على قوة، بل إنه كان ينمو بسرعة تضاهي بريطانيا لهذا أصبحت ألمانيا في عام 1900 أكبر قوة عسكرية في قارة أوروبا، إلا أن فرنسا لم ترض قط بفقدان مقاطعتيها.
كانت إيطاليا دولة أحدث بقليل من ألمانيا، وكانت قد أخذت مدينة روما من البابا لتمنح نفسها في عام 1870 العاصمة التاريخية التي طالما تاق إليها الإيطاليون.
إن الدول الحديثة كثيراً ما تكون حساسة وصعبة في شؤونها الخارجية، ويكون حكامها واعين جداً للانقسامات والضعف في الداخل وللرغبة بالتغلب عليها عن طريق اتباع سياسات صاخبة في الخارج من أجل اجتذاب المشاعر الوطنية واسترضائها.فراح زعماء إيطاليا يقومون بالمغامرات الاستعمارية، التي بلغت ذروتها في الحرب مع تركيا في عام 1911 من أجل الاستيلاء على أجزاء من شمال أفريقيا، بينما ظل غيرهم من الإيطاليين يذكرون مواطنيهم بالجاليات الإيطالية التي تعيش تحت حكم النمسا، والتي كانوا يقولون أنها غير معتقة وإن أراضيها يجب أن تحرر وكان هذا سبباً آخر من أسباب الاضطراب.
أما المانيا فلم يبد أنها قد تكون مصدراً لأخطار جديدة، ولم يكن فيها أحد ذو شأن يريد أن يوحد الألمان جميعاً تحت حكم واحد، وقد بقيت شؤونها الخارجية طوال عشرين عاماً تقريباً بيد رجل واحد عالي الذكاء وذي مزاج حاد وعنيد هو النبيل البروسي الكونت أوتو فون بسمارك، الذي كان هدفه الأساسي هو أن تستمر الحياة في ألمانيا في ستينيات القرن التاسع عشر، وعندما اكتملت تلك الحروب بنجاح صار يخشى الاضطراب الاجتماعي بل حتى الثورة في الداخل إذا ما حدثت حرب أخرى، فبذل أقصى جهده لتجنب ذلك.
وكانت إدارته لشؤون أقوى الدول الأوروبية عاملاً حاسماً في الحفاظ على السلام، إلا أن ألمانيا كانت تتغير رغماً عن إرادة بسمارك، وقد أدى نمو عدد سكانها وقوتها الصناعية إلى نشوء أفكار ومواقف ومطالب جديدة، وصارت هذه القوى تلعب دوراً متزايداً في تشكيل السياسة الخارجية لألمانيا بعد أن صرف بسمارك من الخدمة في عام 1890.
وكان بعض الألمان ذوي النفوذ يسعون لكي تحظى بلادهم باحترام ومكانة أكبر على المستوى الدولي، وكانوا يسمون ذلك مكاناً تحت الشمس، كما أنهم في الوقت نفسه صاروا يشعرون بمزيد من الغيرة والخوف على الدول الأخرى.
منذ أيام بسمارك كان قد ظهر احتمال انهيار التوازن الأوروبي على مستوى الدبلوماسية، فكانت الأقليات القومية مثلاً تزداد صخباً في الإمبراطورية العثمانية وفي إمبراطورية الهابسبرغ. والأهم من هذا أن الحكام والشعب معاً فقد فقدوا بالتدريج الشعور بأن السلام أنسب لهم من الحرب من أجل الوصول إلى الأهداف التي يسعون إليها، بل كان يبدو أحياناً أن الناس يرحبون بالحرب، إذ كانت ذكريات آخر الحروب الأوروبية قد بهتت في أذهانهم.
كان بسمارك قد حاول أن يضمن سلام وأمن ألمانيا عن طريق عقد التحالفات مع روسيا والدولة النمساوية الهنغارية وإيطاليا. فمنع فرنسا بذلك من محاولة الانتقام بعد عام 1871، إذ لم يعد باستطاعتها أن تجد حليفاً يساعدها ولا كان بإمكانها أن تهزم ألمانيا بمفردها.
وقد عمل بسمارك بكد ونشاط لكي يضمن الصداقات مع حلفائه، ويضمن أيضاً أن تبقى بريطانيا ملتزمة بانعزالها عن الشؤون الأوروبية التي لاتخصها مباشرة، ولكن التنافس القديم بين روسيا وإمبراطورية الهابسبرغ في جنوب شرقي أوروبا ظل خطراً مستمراً على سياسته. ويعود هذا التنافس إلى مسألة القرن الثامن عشر، التي طرحت منذ بداية التراجع الطويل للإمبراطورية العثمانية ألا وهي: من الذي سوف يحل محلها؟ إذ لم يكن النمساويون يرغبون بأن يحل الروس محلها، لأنهم عندئذٍ سوف يسدون أمامهم الطريق نحو الجنوب على طول نهر الدانوب. كما لم يكن الروس يرغبون بأن يحل محلها، لأنهم عندئذٍ سوف يسدون أمامهم طريق الاستيلاء على مدخل البحر الأسود.
وعندما حارب الروس الأتراك بين عامي 1876-1878 بدا أن النمساويين والبريطانيين قد ينضمون لمساعدة الإمبراطورية العثمانية مثلما فعلوا في عام 1856، ولكن بسمارك نجح في تجنب الخطر في مؤتمر كبير عقد في برلين استطاع فيه أن يكافئ الجميع أو يسكتهم، فأعاد بذلك العلاقات الروسية النمساوية إلى مسار سلس؛ حتى السنوات الأولى من القرن العشرين.
كان بسمارك قد شعر أنه إذا وصلت الأمور إلى مواجهة صريحة بين ملكية هايسبورغ وروسيا فسوف يتوجب عليه أن يقف إلى جانب الأولى، وقد أدى هذا بخلفائه إلى إهمال تحالفهم مع روسيا. وفي عام 1892 عقدت روسيا تحالفاً مع فرنسا، وكان أمراً طبيعياً أن يتحالف هذان المنافسان الاستعماريان لبريطانيا، وقد سبب تحالفهما ضغطاً عليهما بالفعل. كما أنه أخرج فرنسا من عزلتها، وقد تقدر ذات يوم على مواجهة ألمانيا. وهكذا بدأت أوروبا بالانقسام إلى معسكرين من دون أن يلاحظ أحد هذا الأمر.
روسيا القيصرية
كانت روسيا مصدراً واضحاً للقلق وعدم الاستقرار، لم يكن ثمة شك في أنها كانت تعد بين القوى العظمى في عام 1900، ولكن من الصعب أن نقول أكثر من هذا. كانت طاقتها البشرية الواسعة ومواردها الطبيعية الهائلة توحي بأن من المحتم أن تهيمن على شؤون أوروبا الشرقية، بل ربما على شؤون قسم كبير من آسيا أيضاً.
ولكنك كنت ترى فيها أيضاً نقاط ضعف عديدة وواضحة، فقد كانت متأخرة عن أوروبا الغربية من نواح عديدة، وكانت نسبياً أضعف مما كانت عليه في عام 1800، عندما كانت تشبه أوروبا من ناحية أنها غير صناعية أو أكثر سكانها من أهل الريف والمدن الصغيرة، رغم أنها كانت عندئذٍ فريدة من حيث حجمها وتاريخها وموقعها الجغرافي، بيد أن الأمور قد تغيرت بعد مئة عام.
كانت الطريق نحو تحديث المجتمع الروسي مزروعة بالعقبات، فقد كان هناك أولاً تقليد الحكم الأوتوقراطي، إذ لم تضبط سلطة القيصر مثلما ضبط الحكم المطلق من قبل المصالح الراسخة التي فرضت نفسها في البلاد الأخرى. فإذا كان للإصلاح أن يصل إلى روسيا فعليه أن يأتي من فوق، إذ لم يكن ثمة طرق يأتي فيها من خلال مطالب الشعب، ولهذا تأخر الإصلاح فيها كثيراً.
وربما كان القيصر اسكندر الأول يرجو إدخال إصلاحات مثلما ظن البعض، ولكنه في النهاية خيب آمال الذين تطلعوا إليه في ذلك، أما خليفته نيقولا الأول فكان رجلاً بارداً ومتوحشاً ومشبعاً بنظرة عسكرية ضيقة، ولم يفكر في السماح بأية درجة من التحرر قط، لذلك صارت الأوتوقراطية الروسية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر أكثر جموداً من ذي قبل، وصارت البلاد أكثر عزلة عما يجري خارجها من أي وقت مضى.
وأدى هذا إلى العجز عن حل مشاكل روسيا وبالتالي إلى إضعافها وإعاقة النمو الاقتصادي فيها، لقد كانت لدى روسيا في القرن الثامن عشر صناعات هامة في مجال استخراج المعادن وتصنيعها، ولكن الدول الأخرى سرعان ما سبقتها في هذا المجال بمرور القرن التاسع عشر.
كما أن الزراعة فيها عجزت عن تحقيق الارتفاعات في الإنتاج التي كنت تراها في الدول الأخرى، بينما كان عدد سكانها يتابع نموه، فازداد حال أكثر الروس سوءاً على سوء، ويبدو أن ارتفاع انتاج الحبوب خلال القرن التاسع عشر، لم يقدر قط على اللحاق بارتفاع عدد السكان، وكان من الأسباب الهامة لذلك استمرار مؤسسة عتيقة بالية في روسيا هي عبودية الأرض.
فبينما كانت عبودية الأرض تنحسر وتختفي في البلدان الأخرى، كانت في روسيا تزداد انتشاراً وقسوة، وشاع تمرد العبيد وهجماتهم على المشرفين عليهم، بل إن إحدى تلك الهجمات كادت أن تؤدي إلى ثورة واسعة النطاق. وفوق هذا حرمت العبودية الفلاح من حوافز تحسين الزراعة، ومنعت الحركة الحرة للقوى العاملة المطلوبة في المصانع الجديدة. كما أن الفقر قد حد من حاجة الفلاح للبضائع المصنعة.
ولكن من ناحية أخرى يجب أن نعترف بأن هذه العبودية كانت متأصلة في المجتمع الروسي تأصلاً عميقاً إلى حد أن إلغاءها المفاجئ قد يسبب انهيار الحكومة نفسها، لأن الأوتوقراطية كانت تعتمد على أصحاب الأراضي والعزب للقيام بالأعباء التي كانت تقوم بها الحكومة المحلية في البلاد الأخرى.
لقد دفعت الهزيمة في حرب القرم الحكومة إلى الإصلاح، ومات نيقولا الأول في آخر سنوات الحرب، وكان الإجراء الحاسم والأساسي لجميع الإجراءات الأخرى هو تحرير عبيد الأرض في عام 1861 أي قبل أربع سنوات من إلغاء الرق في الولايات المتحدة، ويعود الفضل في هذا الإنجاز العظيم إلى النظام نفسه، وقد حصل بعد قدر كبير من التفكير.
كان جوهر الإصلاح هو أن أولئك العبيد لم يعودوا ملكاً خاصاً لأصحاب العزب بل أصبحوا أفراداً أحراراً قانونياً، ولم يعن هذا عملياً الحرية الكاملة لهم، لأن ترتيبات عديدة جعلت من الصعب على الفلاحين أن يأخذوا إذناً بمغادرة قراهم الأصلية، وقد أبطأت هذه القيود عملية التغيير، ولكنها في النهاية مهدت الطريق لتحديث الزراعة والصناعة في روسيا.
لقد تمت هذه الإصلاحات على عهد الاسكندر الثاني، الذي يعرف بالقيصر المحرر لأنه قضى على عبودية الأرض، وقد أتى حكمه بإصلاحات أخرى أيضاً، إلا أنها لم تمس قط المبدأ المركزي للأوتوقراطية، إذ أنها قد منحت كلها من القيصر نفسه مثل عطايا، ولم يعترف بها كحقوق للشعب الروسي بل كان بإمكانه أن يسحبها. وكان هذا من الأسباب التي جعلت بعض أعداء النظام يرفضون القبول به وبإصلاحاته، واستمر هؤلاء في مؤامراتهم وصراعهم للإحاطة بالدولة، وكثيراً ماكانوا يغتالون المسؤولين، وقد اغتالوا قيصراً ذات مرة.
وشدد هذا بالطبع مخاوف المحافظين الذين كانوا يعتبرون أنه لايجوز تقديم أية تنازلات، وأن التنازلات التي قدمت لابد م سحبها.
لقد ظل معظم الفلاحين يعيشون في ضيق شديد، وكانوا يعانون من أعباء الضرائب الفادحة التي كانت تمول بناء السكك الحديدية وغيرها من أشكال الاستثمار، كما أن اتسع التطور الاقتصادي أدى إلى نشوء أعداد متزايدة من رجال الأعمال والمزارعين ذوي الأفكار التحررية الذين كانوا في حال من الغضب والسخط، فليس من الغريب إذاً أن تندلع الثورة على عهد نيقولا الثاني، وهو آخر القياصرة وأقلهم خيالاً وسعة أفق من نواح عديدة.
لقد عانت روسيا في عام 1904 من هزائم فادحة في حربها مع اليابان، ثم اندلعت الثورة من جديد في العام التالي، وبدأ النظام يترنح، فقدم المزيد من التنازلات، وتأسس نوع من البرلمان أو المجلس الاستشاري يدعى الدوما، ولم يكن ذا شأن كبير ولكنه كان دليلاً على أن عملية تدريب الروس البطيئة على الحكم الذاتي سوف تبدأ أخيراً. والمؤسف أن مجلس الدوما لم يعس إلا سنوات قليلة إلى أن تورطت البلاد في حرب أخرى فأدت إلى الحد من سلطاته.
ولكن مكانة روسيا كقوة عظمى بدت راسخة من جديد في عام 1914، إذ أضحت على طريق التحول إلى قوة صناعية، ومع أنها كانت متأخرة في هذا المجال عن ألمانيا وإنكلترا فإن إنتاجها كان ينمو بسرعة أكبر منهما، وبات من الواضح أن بانتظارها مستقبلاً صناعياً عظيماً.
وبدأت المشكلة الزراعية تستقيم أخيراً، وقد سرعت التشريعات الجديدة نشوء طبقة جديدة من المزارعين الفلاحين الأغنياء الذين يسمون الكولاك، وهم أشبه بمزارعي اليومن في إنكلترا المهتمين بالفعالية وبتحقيق الأرباح؛ فبدأت جهود هؤلاء أخيراً برفع الإنتاجية.
ومع ازدياد ثقة روسيا بنفسها بات حكامها واثقين بقدرتها على الدفاع عن مصالحها، وبأن جيشها يمتلك الوسائل اللازمة لذلك، بفضل شبكة السكك الحديدية والقاعدة الصناعية اللتين مابرحتا تنموان وتتسعان. ولكن مع أنها كانت بالاسم بلداً أوروبية، فقد كانت من ناحية أخرى تجد فيها أحياناً فقر رهيب مثل الذي تجده في آسيا.
وظلت الكنيسة تتدخل في شؤون الحكم والمجتمع مع أن هذه الأمور كانت قد زالت منذ حوالي قرن كامل في أكثر أنحاء أوروبا، وكان فيها عدد قليل من الجامعات والمدارس الجيدة وبعض العلماء والأدباء المتميزين، ولكن السواد الأعظم من شعبها كان من الفلاحين الأميين، والأنكى من ذلك أن الحكم ظل مرتكزاً في النهاية على سلطة الأوتوقراط التي تعتبر مستمدة من الله نفسه، ونتيجة لهذه الأشياء كلها كانت روسيا البلد الوحيدة التي توجد فيها حركة ثورية خطيرة ومتلهفة للإطاحة بالنظام عن طريق القوة.
كان خلفاء بسمارك في قيادة شؤون ألمانيا أقل كفاءة وحكمة منه، كما كانت لديهم أوضاع سياسية داخلية أكثر تعقيداً، وكانت هناك مصالح جديدة تصرخ مطالبة بالاهتمام، وكان بعضها يقتضي تغييرات في السياسة الخارجية. لقد سعوا أحياناً لدعم وتأييد الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني، وهو شاب سريع الانفعال والتهيج، وكان عاملاً حاسماً لأن سلطاته كانت واسعة، وسوف تصبح ألمانيا على عهده عنصراً لايمكن التنبؤ به في الكيمياء الدبلوماسية خلال القرن التالي، بل حتى في تسعينيات القرن التاسع عشر.
لقد حققت الدبلوماسية الأوروبية إنجازاً آخر قبل أن ينهار ذلك السلام الطويل، وهذا الإنجاز هو تسوية مجموعة كبيرة من مسائل المستعمرات من دون حرب، فالحقيقة أن الحرب عندما نشبت في النهاية كانت حول مواضيع أوروبية وليس حول الإمبراطوريات الأوروبية في الخارج كما كان متوقعاً، ولو لاح في بعض الأحيان أن بريطانيا قد تدخل حرباً ضد روسيا أو فرنسا.
وكان جوهر هذا الإنجاز هو اقتسام أفريقيا كلها تقريباً، بصورة سلمية بين الأوروبيين بحلول نهاية القرن، خصوصاً بعد عام 1881 وقد تم هذا الأمر من خلال سلسلة طويلة من الاتفاقيات بين القوى منفردة، وهكذا نالت بريطانيا بحلول عام 1914 حماية على مصر، وصارت ليبيا العثمانية بيد الإيطاليين، وسيطر الفرنسيون على الجزائر، كما تشاركوا مع الإسبان في السيطرة الفعلية على المغرب، بينما كان الساحل الغربي لأفريقيا مقسماً بين القوى الأوروبية ماعدا دولة ليبيريا الصغيرة والمتخلفة.
وكانت الصحراء الكبرى وحوض السنغال وجزء كبير من الكونغو للفرنسيين والبقية للبلجيكيين، أما أراضي البريطانيين فكانت تمتد من رأس الرجاء الصلاح إلى حدود الكونغو، ولكن كان يفصلها عن الساحل وجود الألمان في طنجنيقة والبرتغاليين في موزمبيق. إلا أن أراضي بريطانيا كانت تمتد من كينيا نحو الداخل حتى حدود السودان، وهكذا بقيت إثيوبيا وليبيريا هما الدولتان الوحيدتان المستقلتان في أفريقيا.
وحصلت في بقاع أخرى من العالم تسويات كبيرة أيضاً، فقد تم اقتسام المحيط الهادي، ووسع كل من البريطانيين والفرنسيين والروس أراضيهم في آسيا، وفي نهاية القرن صرت تسمع عن الاقتسام السلمي للصين نفسها، ولم يعد ثمة شك في أن الأوروبيين مازالوا يحددون تنظيم العالم خارج الأمريكتين.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:36 PM
التاريخ القريب

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل

التاريخ القريب
يبدو أن التغير التاريخي يجري بشكل منحني تصاعدي، أي أنه يزداد حدة وتسارعاً بمرور الزمن، وليس النمو السريع في السيطرة على الطبيعة إلا علامة واحدة من علامات كثيرة، فإن السياسة أيضاً قد تغيرت بالسرعة نفسها، والقوى العظمى الأوروبية التي كانت قائمة في عام 1900 لم تعد أي منها اليوم قوة عظمى، ولم تبق منها إلا اثنتان مازالتا تحكمان ولو شكلياً كما كانت تحكمان في بداية القرن، وهما بريطانيا وفرنسا، والأولى ملكية دستورية والثانية جمهورية.
أما خارج أوروبا فإن الإمبراطوريات الاستعمارية التي كانت تبدو متينة وراسخة منذ مائة عام قبل ذلك، قد اختفت بين ليلة وضحاها في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومن الصعب أن يميز المرء طريقه في هذه الصورة التاريخية الدائمة التغير، أو حتى أن يميز الحقائق الأساسية التي سببت تلك الانقلابات الكبيرة، ولاتبرز منها بوضوح إلا حقائق قليلة.
إحدى تلك الحقائق هي اكتمال عملية كانت قد بدأت قبل بضع مئات من السنين أي عملية تحول العالم كله أخيراً إلى عالم واحد حقاً، فقد جعلت التقنية السياسية والاقتصاد، ثم الثقافة أيضاً، من العالم عالماً واحداً، ولو أن الذين يدركون ذلك هم قلائل. ويدين هذا التحول بالكثير إلى سيطرة الشعوب ذات الأصول الأوروبية على الأرض كلها، ولكن هذه السيطرة قد انتهت من الناحيتين السياسية والعسكرية، إذ انهارت إمبراطوريات الأمس وصارت مثلها مثل نينوى وصور، بحسب تعبير رجل إنكليزي من أواخر العصر الفيكتوري إلا أن هذا الانهيار قد ترافق بنجاح فريد على الصعيد الثقافي، لأن العالم تبنى الكثير من الحضارة الأوروبية، وأن تأثيرها اليوم أوسع وأوضح من أي وقت مضى سواء أعلم غير الأوروبيين من أين أتت أم لم يعلموا، وهي سبب أساسي من أسباب هذا العالم الواحد الذي ذكرناه.
أما الحقيقة الثالثة الواضحة فهي العلم، فقد أصبح العلم تقريباً ديانة العصر، ويتوقع الجميع منه أن يأتي دوماً بالمعجزات، بل يستغربون إذا لم تحدث. لقد بدل العلم حياتنا، وكان له الدور الأكبر في جعل تاريخ هذا القرن تاريخاً دينامياً ومتسارعاً. وإن بعض الناس لاتبهجهم هذه الحقيقة بل ترعبهم، وهم يخشون أن يكون هذا التغير أسرع من قدرة البشرية بتقاليدها ومعايير سلوكها على التعامل معه من دون حصول كوارث.
ومن حسن حظ المؤرخين أن ليس عليهم أن يتنبؤوا بالمستقبل، بل لايجوز لهم أن يفعلوا ذلك، إذ أنهم لايعلمون إلا عن الماضي، والماضي مليء بالأمثلة عن التنبؤات الفاشلة، فالأحرى بهم إذاً أن يتحدثوا عن الأشياء التي حدثت. وأفضل مكان للبداية هو تلك التطورات والتيارات الممتدة خلال القرن الماضي والتي لم تتخللها إلا انقطاعات قليلة.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:37 PM
السكان

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل

السكان
كان عدد سكان العالم في عام 1900 حوالي 1.600 مليون نسمة، ثم أصبح حوالي 2.500 مليون في عام 1950. وبينما يكتب الكاتب هذه الكلمات عام 1993 تجاوز عددهم 5.000 مليون. لقد ازداد هذا العدد بمقدار 1.000 مليون، خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، وقد يبلغ العدد الكلي مايقرب من 6.000 مليون أو أقل بقليل قبل نهاية القرن العشرين، وهذا واحد من أفضل الأمثلة عن التغير المتسارع.
لقد أصبح نمو السكان اليوم أسرع بكثير جداً مما كان عليه في الماضي، وسبب هذا الأمر مخاوف واسعة، فصار البعض يخشون حدوث كوارث من النوع الذي تنبأ به مالتوس، مثلما كان الأمر عند بداية القرن. وإن سوء استخدام البيئة والازدحام والتنافس على الموارد تدل كلا على نمو غير متساو أبداً بين الدول والشعوب المختلفة، ويبدو أنه سوف يستمر على هذا النحو.
تحاول بعض المجتمعات اليوم أن تتحكم بشكلها وحجمها، ولكن هذا الأمر غير مضمون، كما أن الكثير من البلاد الفقيرة لن تقدر لزمن طويل أن تبطئ نمو سكانها بشكل كبير، ولم يبدأ معدل الولادات بالهبوط في القرن الماضي إلا في بلاد قليلة، وقد حدث هذا بعد أن ارتفع مستوى المعيشة فيها فمال الناس للعائلات الأصغر.
وإن تقدم الطب والتغذية والصحة سوف يجعل الأمور أسوأ لفترة ما، لأنه سوف يبقي على الرضع والمرضى والمسنين الذين كانوا يموتون في الأزمنة الماضية بينما صاروا ينجون، فتزداد أعدادهم وتزداد مشاركتهم في موارد تنمو بصورة أبطأ من نمو عدد السكان. وسوف يظهر فوق هذا تأثير انخفاض معدل الوفيات في العالم، كما ظهر في أوروبا بين عامي 1800-1900 وعندما يحدث ذلك سوف يرتفع عدد السكان بسرعة أكبر أيضاً.
إن بعض نتائج هذه التغيرات باتت واضحة منذ الآن، إذ لم تعد المجتمعات المتطورة بشكل أهرام، بل صارت أشبه بعواميد تستدق نحو الأعلى، لأن نسبة الأشخاص الأكبر سناً هي أكبر بكثير مما كانت عليه قبل قرن مضى. أما في البلاد الأفقر فالعكس هو الصحيح، لأنه فيها عادة نسبة غالبة من الأشخاص الأصغر سناً.
إن ثلثي سكان الصين تحت سن الثالثة والثلاثين، وتبلغ معدلات النمو أرقاماً مخيفة في دول كثيرة، فقد ارتفع عدد سكان المكسيك أربعة أمثال بين عامي 1900 و 1975، بينما ارتفع عدد سكان البرازيل ستة أمثال. وقليلة هي الدول النامية التي نجحت إلى حد ما في إبطاء معدل نمو السكان فيها أو كبحه. إن طرح تقاليد الماضي أمر صعب جداً، خاصة عندما يتعلق الأمر بشيء يهم الفرد إلى حد كبير مثل النشاط الجنسي.
لطالما كانت قوة الدول مرتبطة بعدد سكانها ولو مع بعض التحفظات، ومن المفيد أن نقارن الدول المستقلة العشر الأكثر سكاناً في عامي 1900 و 1990، وإن كانت الأرقام تقريبية:
مقارنة لأعداد السكان بين عامي 1900-1990 بالملايين

1900
1990
الصين
475
الصين
1.200
روسيا
133
الهند
800
الولايات المتحدة
76
الاتحاد السوفييتي
290
الدولة النمساوية الهنغارية
46
الولايات المتحدة
248
اليابان
45
إندونيسيا
180
ألمانيا
43
البرازيل
150
المملكة المتحدة
42
اليابان
125
فرنسا
41
الباكستان
108
إيطاليا
34
نيجيريا
105
الإمبراطورية العثمانية
25
بنغلاديش
105



يبين هذا الجدول بعض التغيرات النسبية المدهشة. وتحتوي كل من هاتين القائمتين على أقوى ثلاث دول في العالم في أيامها، مهما كانت معايير القوة التي نختارها. إلا أن عدد السكان وحده لم تعد له اليوم الأهمية التي كانت له في عام 1900.
إن الصين هي بالتأكيد قوة عظمى، ويبدو أنها سوف تظل كذلك بفضل عدد سكانها وحده لأنه يجعلها لاتقهر عسكرياً، كما أن ثورتها الاجتماعية قد بدأت بزيادة ثروتها أيضاً. أما في غيرها من الدول المزدحمة بالسكان فمازال الفقر يبدو عقبة لاسبيل لتجاوزها، سواء أكان فقراً مطلقاً أي أن الموارد الطبيعية ضئيلة كما في بنغلاديش أو نسبياً أي أن زيادة عدد السكان تبتلعها لأنها أسرع منها كما كان الحال في إندونيسيا حتى وقت قريب.
في أوائل السبعينيات كان يعتقد أن الهند باتت على أبواب الاكتفاء الذاتي في الغذاء، لأن إنتاجها الزراعي تضاعف بمقدار مثلين بين عامي 1948 و 1973، إلا أن هذه الزيادة بالكاد استطاعت أن تجاري نمو عدد السكان، الذي بلغ مليون نسمة في الشهر الواحد.

مسافر بلاحدود
11-02-2010, 05:40 PM
نمو الثروة

كتاب تاريخ العالم - الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل



نمو الثروة

صحيح أن أعداداً كبيرة من البشر عانت من المجاعة، إلا أن أعداداً أكبر منهم قد تمكنت من الحياة، ويعني هذا أن إنتاج العالم قد ازداد، أي أنه قد صار عالماً أغنى، فهل يمكن لهذا التيار أن يستمر؟ ليس هذا السؤال من شأن المؤرخ، بل إن كل ما يستطيع المؤرخ قوله هو أن تيار الاقتصاد العالمي على المدى الطويل، وإذا نظرنا إليه نظرة عامة جداً، هو نحو الصعود.

فقد كان هناك صعود طويل ومستمر من النشاط والثروة انقطع في عام 1914 بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، ثم عاد نمو الثروة جزئياً في العشرينيات ليتبعه كساد عالمي وتمزق في الاقتصاد العالمي في الثلاثينيات، ثم الحرب بين عامي 1939-1945 التي أتت بالمزيد من التشوهات ولكنها سببت أيضاً تعافياً هائلاً في الإنتاج، وعاد النمو ليتابع مسيرته عالمياً بعد عام 1950 ويصبح أكثر اعتماداً بعضه على بعض بالرغم من الانقسامات السياسية الجديدة. ومازال هذا التيار مستمراً حتى اليوم رغم حدوث بعض النكسات في السبعينيات ثم في الثمانينيات.

في عام 1900 كانت بعض الدول تؤمن إيماناً راسخاً بأن النمو الاقتصادي سوف يستمر، وفي الثمانينيات كانت هذه الفكرة قد انتشرت على نطاق أوسع بكثير، بل إن الكثيرين الآن يشعرون بالأسى إذا لم تثبت الحقائق اليومية هذه الفكرة، وإن هذا لتغير هائل في تفكير البشر.

ولكن رغم هذا النمو يصح على جميع دول العالم تقريباً، فإن توزعه ليس متساوياً. لقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي GDP في كافة أنحاء العالم تقريباً منذ عام 1900 وأدى أحد الحسابات إلى التقديرات التالي لدخل الفرد محسوباً بقيمة الدولار في عام 1988:




الناتج المحلي الإجمالي للفرد في عامي 1900 و 1988



البلد
1900
1988
البرازيل
436
2.451
إيطاليا
1.343
14.432
السويد
1.482
21.155
فرنسا
1.600
17.004
اليابان
677
23.323
المملكة المتحدة
2.798
14.477
الولايات المتحدة
2.911
19.815






إن هذه الأرقام انتقائية وقابلة للشك، وهي بحاجة لتفسير حذر، ولكنها تشير إلى حقيقة أن العالم أصبح أكثر غنى، بينما بقيت بعض الدول فقيرة إلى حد فظيع، ففي عام 1988 كان الناتج المحلي الإجمالي الرسمي للفرد في كل من أفغانستان ومدغشقر ولاوس وتنزانيا وإثيوبيا وكمبوديا وموزمبيق أقل من 150 دولاراً.

لقد نزعت الثروة للنمو بصورة أسرع مع تقدم القرن، مثلها مثل عدد السكان، وإن السلام يسود بين القوى العظمى منذ عام 1945 ورغم جميع العمليات التي تشبه العمليات الحربية الجارية فنادراً ما تحاربت هذه القوى فيما بينها بصورة صريحة؛ بل إن التنافس فيما بينها كثيراً ما شجع على انتقال الموارد والمعرفة فزاد من ارتفاع الثروة الحقيقية.

وقد حصلت أولى تلك الانتقالات في أواخر الأربعينات، عندما مكنت المساعدات الأمريكية من تعافي أوروبا كمركز عالمي أساسي للإنتاج الصناعي. إن التوسع الاقتصادي الهائل في الاقتصاد الأمريكي أثناء الحرب والذي أخرجها من الكساد السابق فضلاً عن مناعة أمريكا من الأذى المادي الذي سببته تلك الحرب قد مكن من إحراز انتصار كبير، وأعاد بناء القوة الاقتصادية الأمريكية، كما عزز التوسع الهائل في التجارة العالمية طوال ثلاثين سنة تقريباً. وقد ساعدت الظروف الدولية في ذلك، إذ لم يكن ثمة مصدر بديل لرأس المال بذلك الحجم.

كانت الدول أشد رغبة من أي وقت مضى في وضع مؤسسات من أجل التعاون فيما بينها على تنظيم الاقتصاد الدولي، وكانت مصممة على تجنب العودة إلى الفوضى الاقتصادية المدمرة التي حدثت في الثلاثينات، فدفعها هذا إلى إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاقية العامة على التعرفات والتجارة GATTA وإن هذا الاستقرار الاقتصادي في العالم غير الشيوعي قد عزز بعد عام 1950 عقدين من النمو في التجارة العالمية بمقدار 7% تقريباً في العام بالقيم الحقيقية.

لقد ساهم العلماء والمهندسون أيضاً من ناحية أقل وضوحاً في النمو الاقتصادي على المدى البعيد، وذلك عن طريق التقنية وتحسين العمليات والأنظمة وعقلنتها، فكان هذا منحنى تصاعدياً آخر أصبح واضحاً، خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد أدت هذه التطورات إلى حدوث نمو عظيم في مجال إنتاج الغذاء.

إن مبيدات الأعشاب الضارة والحشرات لم تتوفر بصورة تجارية إلا في الأربعينيات والخمسينيات، ولكن مكننة الزراعة كانت عندئذٍ شائعة في البلاد المتطورة، وكان رمزها الواضح هو استخدام الجرارات. أما الآن فلم تعد المكننة مقتصرة على الحقول، إذ مكنت الكهرباء من استخدام الآلات في عمليات الحلب وتجفيف الحبوب ودرسها وتدفئة حظائر الحيوانات في الشتاء، ثم جاء أخيراً الكومبيوتر والأتمتة.

وانخفضت بذلك أهمية المجهود البشري، ففي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مازالت القوة العاملة في مجال الزراعة تتقلص والإنتاجية لمساحة معينة ترتفع. ولكن يبدو أن أعداد المزارعين الذين يعملون لكفافهم في العالم هي اليوم أكبر مما كانت في عام 1900، وذلك بسبب زيادة أعداد البشر أصلاً . كما أن حصة هؤلاء المزارعين النسبية من مساحة الأراضي المزروعة في العالم ومن قيمة المنتوجات الزراعية فقد انخفضت.

الأغنياء والفقراء

إن الوفرة الزراعية ليست موزعة بصورة متساوية وكثيراً ما تعرضت للنكسات، فقد كانت مزارع روسيا تزود ذات يوم مدن أوروبا الوسطى والغربية بالحبوب، ولكن الاتحاد السوفييتي عانى في عام 1947 من مجاعة شديدة أدت من جديد إلى سماع روايات عن أكل لحوم البشر.

وإن تحسن الإنتاجية الذي تم على مدى مائة عام سابقة قد توقف في بعض دول أوروبا الشرقية بعد عام 1945، بل إن بعضها مرت بحال من التراجع خلال العقود الثلاث التالية. ومازالت زراعة الكفاف شائعة والإنتاجية منخفضة في الدول ذات أعداد السكان الكبيرة والمتزايدة بسرعة.

فقبل الحرب العالمية الأولى مباشرة كان إنتاج الحنطة في بريطانيا للأكر الواحد أكثر بمثلي ونصف من إنتاج الهند، وفي عام 1968 أصبح أكبر بخمسة أمثال تقريباً وفي الفترة نفسه رفع الأمريكان إنتاجهم من الأرز من 4.25 إلى حوالي 12 طن للأكر، بينما لم يرتفع في بورما وهي التي تعتبر أهراء الأرز في آسيا إلا من 3.8 إلى 4.2.

إن الزراعة المتطورة توجد عادة في الدول المتطورة من نواح أخرى أما الدول الأمس حاجة لزراعة الغذاء فيصعب عليها أن تنتجه بصورة أرخص من العالم المتطور، إلا إذا كان لديها اختصاص زراعي معين. وهكذا تجد الروس والهنود والصينيين، وهم منتجون كبار للأرز، يشترون اليوم الحنطة من أمريكا وكندا.

إن هناك مقياساً بسيطاً لتفاوت توزيع الثروة، هو مقياس الاستهلاك، ويستهلك نصف البشرية تقريباً حوالي ستة أسباع إنتاج العالم ، بينما يتقاسم النصف الآخر البقية، والكهرباء مثال جيد لأن أكثرها يستخدم في نفس البلد التي تنتجها ولايتاجر بها بين الدول إلا بمقدار ضئيل نسبياً.

فعند نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تنتج من الكهرباء للفرد مقداراً أكبر مما تنجه الهند بأربعين مرة، وأكبر من الصين بـ23 مرة، وأكبر من سويسرا بمقدار 1.3 مرة فقط.

إن الفقراء لم يزدادوا فقراً عادة إلا في بعض الحالات، ولكن الأغنياء هم الذين ازدادوا غنى بصورة كبيرة، وحتى التحسينات المذهلة في الإنتاج عجزت عن تغيير وضع الدول الفقيرة بالقياس إلى الغنية بسبب ارتفاع أعداد السكان، كما أن الدول الغنية ابتدأت بالأساس من مستوى أعلى، وإن أكثر الدول التي كانت تتمتع بأعلى مستويات للمعيشة في عام 1900 مازالت تتمتع بها اليوم، وهي الدول الصناعية الكبرى في العالم المتطور.

العالم الصناعي

لقد مرت صورة الصناعة في العالم بتغيرات واسعة في توزيعها وفي طبيعتها منذ بداية القرن العشرين، في عام 1970 ظلت ثلاثة من التجمعات الصناعية الكبرى في العالم هي نفسها التي كانت في عام 1939، أي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والاتحاد السوفييتي.

أما في عام 1990 فقد أصبحت اليابان في المركز الثالث بينما ترجع الاتحاد السوفييتي وراء ألمانيا، وإن الصناعات الثقفيلة التي طالما ظلت عماد القوة الاقتصادية لم تعد اليوم عاملاً حاسماً، فمن بين أكبر ثلاث دول مصنعة للفولاذ في عام 1900، ظلت أول اثنتين منها أي الولايات المتحدة وألمانيا بين الدول الخمس الأولى بعد ثمانين سنة مع أن ألمانيا تقلص حجمها عما كانت عليه في عام 1900، ولكنهما أصبحتا في المركزين الثالث والخامس بالترتيب، بينما أتت المملكة المتحدة التي كانت الثالثة في عام 1900 في المركز العاشر في التجارة العالمية، وأصبحت كل من إسبانيا ورومانيا والبرازيل قريبة جداً منها.

وكثيراً ما وجدت الصناعات الجديدة بيئة أفضل في بعض الدول النامية منها في الدول ذوات الاقتصاد الناضج، ففي عام 1988 كانت الإنتاج المحلي الإجمالي للفرد في تايوان أكبر بحوالي 18 مرة منه في الهند، وفي كوريا الجنوبية أكبر بحوالي 15 مرة.

لقد ظهرت صناعات جديدة لم يكن لها وجود حتى في عام 1945، مثل الإلكترونيات والبلاستيك، كن الفحم قد حل محل الماء الجاري والخشب في القرن التاسع عشر كمصدر أساسي للطاقة في الصناعة، ولكن الطاقات الهيدروكهربائية والنفط والغاز الطبيعي انضمت إليه قبل عام 1939 بزمن طويل، وأضيفت إلى هذه كلها مؤخراً الطاقة الناجمة عن الانشطار النووي.

ولكننا نستطيع أن نميز ضمن هذه التبدلات السريعة خطاً مستمراً منذ زمن بعيد، هو النمو الهائل في إنتاج البضائع المصنوعة لاستخدام المستهلك الفرد ومتعته بصورة مباشرة. ولهذه البضائع أشكال لاتعد ولاتحصى.

نكتفي بمثال منها: في تسعينيات القرن التاسع عشر اخترع الفرنسي بانار آلة غريبة ذات أربع عجلات يمكننا اعتبارها اليوم جد السيارة الحديثة، وعندما جرى أول معرض للسيارات في لندن في عام 1896 كانت أعدادها قليلة بعد، وكانت لعباً غالية الثمن للأغنياء، إلى أن أنشأ هنري فورد في عام 1907 خط إنتاج مصمماً خصيصاً للسوق الواسعة بسعر منخفض. وفي عام 1915 كانت تصنع مليون سيارة فورد في العام الواحد، وبعد أحد عشر عاماً كان الطراز Model T يباع بأقل من 300 دولار.

لقد أمن فورد بهذا للجماهير سلعة كانت تعتبر سلعة كمالية غالية، فغير العالم بقد ما غيره قدوم السكك الحديدية قبل قرن واحد، لأن الآخرين راحوا يقلدون اختراعه ويسيرون على أسلوبه، فساهم بذلك في نشر وسيلة من وسائل الراحة والمتعة، وفي نشر شكل جديد من أشكال التلوث أيضاً في كافة أنحاء العالم.

وفي ثمانينيات القرن العشرين كانت قد ظهرت صناعة سيارات عالمية ومتكاملة دولياً، إن ثلاثة أربعا السيارات التي في العالم تصنعها اليوم ثماني شركات كبرى، ويدين النمو الاقتصادي لليابان بعد عام 1960 بالكثير لصناعة السيارات فيها، ولكنها أصبحت في عام 1990 تخفف هذه الصناعة بشكل مقصود استباقاً للمنافسة الخارجية.

وقد نتجت عن السيارة تغيرات أخرى، فإن نصف الرجال الآليين المستخدمين في الصناعة العالمية اليوم يعملون في عملية اللحام في مصانع السيارات، والربع الآخر يقوم بعملية الدهان فيها، وأدى هذا الاختراع أيضاً على المدى الطويل إلى خلق طلب كبير على البترول، ولو أن هذا الأمر كان يلوح قبل عام 1914، كما أصبح الكثير من الناس يعملون في مهن معتمدة على السيارة.

وقد ساهم فورد في تبديل طبيعة العملية الإنتاجية عن طريق الاستفادة من ابتكارات غيره في تنفيذ أفكاره، مثل الكثيرين من ذوي الأفكار الثورية. فهو لم يخترع خط التجميع التي تتصف به الطريقة الحديثة ي الصناعة بانتقال السلعة من عامل إلى آخر أو من رجل آلي إلى آخر ولكنه وسع استخداماته بشكل كبير.

وكثيراً ما استهجن الناس التأثير النفسي لهذه الطريقة على العامل، ولكنها كانت ضرورية من أجل توسيع المشاركة في الثروة. وقد رأى فورد أن هذا النوع من العمل ممل، فصار يدفع رواتب أعلى للتعويض عن ذلك، وساهم بهذا في تغذية الازدهار الاقتصادي عن طريق رفع القدرة الشرائية وبالتالي زيادة الطلب على البضائع.

الاتصالات

لقد تطورت الصناعة تطوراً ثورياً منذ عام 1945 بفضل تقنية المعلومات، أي اختراع وإدارة الآلات الإلكترونية الخاصة بمعالجتها، ونادراً ما جاءت موجات التجديد بمثل هذه السرعة، وقد تم قسم كبير من الاختراع والتطوير في هذا المجال أثناء الحرب العالمية الثانية، وسرعان ما انتشر خلال عقود قليلة إلى مجالات واسعة من الخدمات والعمليات الصناعية.

لقد ارتفعت طاقة الكومبيوترات وسرعتها ارتفاعاً سريعاً، كما انخفض حجمها وتحسنت طرق الإظهار فيها، فأمكن بذلك ترتيب ومعالجة كميات أكبر بكثير من المعلومات بسرعة لاسابق لها. وجلبت هذه التغيرات الكمية تبدلات نوعية، فعمليات الحساب التي كانت تحتاج حتى زمن قريب، حياة الكثير من علماء الرياضيات ل