التسجيل   اجعل كافة الأقسام مقروءة





إضافة رد
 
 رقم المشاركة : ( 11 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:35 AM ]


البيابانكي أحمد بن محمد

ابن البياعة: شمس الدين محمد بن عثمان.

وجلال الدين محمد بن سليمان.
بيبرس



الملك المظفر ركن الدين البرجي الجاشنكير المنصوري، وكان يعرف بالعثماني.
كان أبيض أشقر مستدير اللحية أزهر، فيه عقل موفر الأقسام، ودين لا يدعه يقع في محظور ولا حرام. يتجنب الفواحش ويحاذيها، ويقول:
إنّ السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمرّ بوادٍ من بواديها
شاع عنه ترك المحرمات وذاع، وملأ الأقطار والأسماع، خلا أنه لم يرزق في ملكه سعداً ولا أنجز الله له من طول المدة وعدا، وخانه سفرآؤه وخبث عليه أمراؤه وأسلموه وقفزوا، وتركوه فرداً وتميزوا، فولى مدبراً ولم يعقب، وخرج من مصر نحو الصعيد خائفاً وهو مترقب، إلى أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، واصفرت شمس سعوده وشحبت، فعاد وقد استسلم للطاعه، وبذل في رضى الله جهد الاستطاعه، وكانت أمواله لا تحصى، وأوامره لا تعصى، وله قبل السلطنة إقطاع كبيرة فيه عدة طبلخانات.
وكان أستاذ الدار للملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان سلار النائب، فحكما في البلاد وتصرفا في العباد، والسلطان له الاسم لا غير، وكانوا نواب الشام خوشداشيته، وحزبه من البرجية.
ولما توجه السلطان الملك الناصر محمد إلى الحجاز ورد من الطريق إلى الكرك وأقام بها وأظهر لهم أنه ترك الملك، لعب الأمير سيف الدين سلار بالجاشنكير وسلطنه، وتسمى بالمظفر وفوض الخليفة إليه ذلك، وأفتاه جماعة من الفقهاء بذلك منهم الشيخ صدر الدين بن الوكيل، والشيخ شمس الدين بن عدلان، حتى قيل في ذلك:
ومن يكن ابن عدلانٍ مدبّرة ... وابن المرّحل قل لي كيف ينتصر
وكتب عهده عن الخليفة، وركب بخلعة الخلافة السوداء والعمامة المدورة، والتقليد على رأس الوزير ضياء الدين النشائي، وناب له سلار، واستوسق له الأمر، وأطاعه أهل الشام ومصر، وحلفوا له في شوال سنة ثمان وسبع مئة، ولم يزل إلى وسط سنة تسع، حصل للأمير سيف الدين نغاي وجماعة من الخواص نحو المئة، وخامروا عليه إلى الكرك، فخرج الناصر من الكرك وحضر إلى دمشق وسار في عسكر الشام إلى غزة فجهز المظفر يزكا قدم عليهم الأمير سيف الدين بلرغي فخامر إلى الناصر، فذل المظفر، وهرب في مماليكه نحو الغرب، ثم إنه رجع بعد ما استقر الملك الناصر في قلعة الجبل، فذكر أن قراسنقر ضرب حلقة بالقرب من غزة لما خرج من مصر نائباً في دمشق، فوقع في الحلقة الجاشنكير المذكور ومعه نحو ثلاث مئة فارس، فتفرق الجماعة عنه في ثامن ذي القعدة سنة تسع وسبع مئة، رجع بنفسه معه على الهجن إلى مصر والأمير بهادرآص، فوصلا به إلى الخطارة، وتسلمه منهما الأمير سيف الدين أسندمر، وردهما لأن السلطان كان قد جهز يقول للجاشنكير: تروح إلى صهيون فهي لك، فتوجه في البرية، فوقع به قراسنقر، وكتب إليه فيما بلغني ممن له اطلاع: الذي أعرفك به أنني قد رجعت إليك لأقلدك بغيك، فإن حبستني عددت ذلك خلوة، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة، وإن قتلني كان ذلك شهادة.
ومات رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة، وقيل: سقاه سما فهلك من وقته.
وعلى كل حال فما جاشت نفس الجاشنكير ولا جشأت ولا عبأت بوارد الموت ولا خسأت.
عمر الجامع الحاكمي بعد الزلزلة، ووقف عليه الأوقاف والكتب النفسية الكبيرة، وكتب له ابن الوحيد ختمة في سبع أجزاء بقلم الأشعار ذهباً، أخذ لها ليقةً ألف وست مئة دينار، وزمكها وذهبها صندل المشهور، وغرم عليها جملةً من الأجر، وما أظن أنه بقي يتهيأ لأحد أن ينشىء مثلها، ولا من تسمو همته إلى أن يغرم عليها مثل ذلك.


وكانت سلطنته عصر يوم السبت ثالث عشري شوال سنة ثمان وسبع مئة بالقاهرة، وجعل الأمير سيف الدين بلرغي مكان الجاشنكير ومكان بلرغي الأمير سيف الدين بتخاص، ومكان بتخاص الأمير جمال الدين بن آقوش نائب الكرك.
وعمر الخانقاه الركنية التي في رحيبة العيد مجاورة لخانقاه سعيد السعداء، ورتب لها فيما قيل أربع مئة صوفي، وصنع داخلها للفقراء بيمارستانا. ولما حضر السلطان الملك الناصر من الكرك لم يستمر لها إلا بمئة صوفي لا غير، وكان في كل قليل يؤخذ من حاصلها السبعون ألفاً والخمسون ألفاً والأقل والأكثر.
وكنت قد قلت فيه رحمه الله تعالى:
تثنّى عطف مصرٍ من قدوم ال ... مليك النّاصر الندب الخبير
فذلّ الجاشنكير بلا لقاءٍ ... وأمسى وهو ذو جاشٍ نكيرٍ
إذا لم تعضد الأقدار شخصاً ... فأوّل ما يراع من النصير
بيبرس


الشيخ المسند الكبير الجليل علاء الدين أبو سعيد بن عبد الله التركي العديمي مولى الصاحب مجد الدين بن العديم.
ارتحل مع أستاذه، وسمع ببغداد جزء البانياسي من الكاشغري، وجزء العيسوي من ابن الخازن وأسباب النزول من ابن أبي السهل، وتفرد بأشياء، وسمع من ابن قميره.
وحدث بدمشق وحلب. وسمع منه علم الدين البرزالي، وابن حبيب، وأولاده، والواني، وابن خلف، وابن خليل المكي، وغده.
وكان مليح الشكل أمياً، غير فصيح، أعجميا، لم يزل يسمع إلى أن عدم العديمي وفقد، وزيف الموت صرفه وما انتقد.
ووفاته بحلب سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده في حدود العشرين وست مئة.
بيبرس



الأمير ركن الدين الشرفي المنصوري المعروف بالمجنون.
توجه بالناس إلى الحج في سنة ست وسبع مئة، ولما أمسك الأمير سيف الدين كراي المنصوري نائب دمشق توجه بالأمير ركن الدين والأمير سيف الدين أغرلو العادلي إلى الكرك في شهر ربيعة الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري شهر ربيعة الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان سكنه بالزلاقة داخل الباب الصغير، وكانت وفاته بحمص.
بيبرس



الأمير ركن الدين التلاوي، بكسر التاء ثالثة الحروف وبعدها لام ألف وواو بعدها ياء النسب.
كان أميراً لا مهابه، وشدة بأس تروع أعداءه وتروق صحابه، ولي شد دمشق بصرامة وحرمة أوقدت ضرامه، فخافه المباشرون وغيرهم، وطار من خوفه طيرهم.
ولم يزل على حاله إلى أن بردت أنفاسه، ونفضت من الحياة أحلاسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة.
وكان فيه ظلم وعسف، وفرح الناس بموته، وباشر السد بعده الأمير شرف الدين قيران عقيب وصوله من طرابلس.
بيبرس



الأمير ركن الدين الموفقي المنصوري، كان من عتقاء الملك الأشرف.
كان قد ولي النيابة بغزه، وجعل لها بإمرته فيها طرباً في عطفها وهزه، وكان كبير القدر معظما، ومعاليه ترى على جيد الزمان عقداً منظما، ثم عزل من غزة وأقام بدمشق إلى أن بانت حياته، وقطف ثم عمره جناته.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة، وحضر الأمراء جنازته وتولى غزة بعده أقجبا المنصوري.
بيبرس



الأمير ركن الدين العلائي.
كان من جملة أمراء دمشق، توجه منها يوم السبت سابع عشري شوال إلى غزة نائباً عوضاً عن الأمير سيف الدين أقجبا المنصوري، وذلك في سنة سبع وسبع مئة، فأقام بها إلى أن عزل منها في صفر سنة تسع وسبع مئة بالأمير سيف الدين بلبان البدري، فأقام بدمشق على إمرته مدةً، ثم وصل إليه تقليده بنيابة حمص في سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فتوجه إليها وأقام بها إلى أن قبض السلطان عليه بحمص في بكرة الأحد تاسع شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
وورد إلى دمشق فأمسكه الأمير سيف الدين قجليس، وأمسك الأمير بدر الدين القرماني والأمير سيف الدين طوغان والأمير ركن الدين بيبرس المجنون، والأمير علم الدين سنجر البرواني والأمير ركن الدين بيبرس التاجي والأمير سيف الدين كشلي، وتوجهوا بهم إلى الكرك، وكان قد باشر الحجوبية في سنة أربع وسبع مئة.
بيبرس



الأمير ركن الدين الجالق الصالحي المعروف بالعجمي.

كان أميراً كبيراً من الجمدارية في أيام الصالح، وأمره الظاهر، وكان كثير الأموال، ودفن بظاهر القدس.
وكان قد توفي رحمه الله تعالى بظاهر الرملة في نصف جمادى الأولى سنة سبع وسبع مئة.
بيبرس


الأمير ركن الدين الحاجب.
كان أولاً أمير آخور، فلما حضر السلطان من الكرك عزله بالأمير أيدغمش المذكور في حرف الهمزة، ثم إنه ولاه الحجبة، فكان حاجباً إلى أن جرد إلى اليمن هو وجماعة من العسكر المصري، فغاب مدة باليمن، ولما حضر نقم السلطان عليه أموراً نقلت عنه، فاعتقله في حادي عشر ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وكان قبل تجريده إلى اليمن قد حضر إلى دمشق نائباً مدة غيبة الأمير سيف الدين تنكز بالحجاز، ولما حضر الأمير سيف الدين تنكز عاد إلى مصر قبل وروده بيوم أو يومين ولم يعلم أحد بخروجه، ثم إن السلطان أفرح عنه. وكان الإفراج عنه في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة من الإسكندرية، وجهزه إلى حلب أميراً، فبقي هناك مدة.
ولما توجه الأمير سيف الدين تنكز إلى مصر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة طلبه من السلطان، فرسم له بالحضور إلى دمشق، فحضر إليها ونزل بدار أيدغدي شقير وملكها، ولم يزل بدمشق مقيماً إلى أن توجه الفخري هو وطشتمر إلى مصر، فأقره على نيابة الغيبة بدمشق هو والأمير سيف الدين اللمش الحاجب، وكان الملك الناصر أحمد يكتب إليه وكان قد أسن، وحصل له في وجهه ماشرى، فما علم بعدها ما باع من الحياة ولا ماشرى.
وتوفي بعدها بجمعة في شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وله دار مليحة بالقاهرة داخل باب الزهومة في رأس حارة زويلة مشهورة، وهو والد الأمير علاء الدين أمير على الحاجب الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
بيبرس



الأمير ركن الدين الدوادار المنصوري الخطائي.
كان رأس الميسرة، وكبير الدولة. عمل نيابة السلطنة، ثم إنه سجن مدة، وأفرج عنه وأعيد إلى منزلته.
وكان فاضلاً في أبناء جنسه، عاقلاً لا يستشير في أمره غير نفسه، وافر الهيبة، واضح الشيبة له منزلته مكنية عند السلطان، ومحلة لا يشركه فيها غيره في النزوح والاستيطان، يقوم له إذا أقبل، ويقول له: اجلس فإنك أكبر من هؤلاء وأنبل.
ولم يزل على حاله إلى أن أمسكه الحين فما أفلته، وسل عليه حسامه وأصلته.
ومات وهو في عشر الثمانين بمصر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وعمل تاريخاً كبيراً بإعانة كاتبه ابن كبر النصراني وغيره، خمسةً وعشرين مجلداً.
وتولى نيابة مصر في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بعد بكتمر الجوكندار، ودفن بمدرسته التي أنشأها تحت قلعة الجبل، وحضر جنازته نائب السلطان والأمراء وأعتق مماليكه وجواريه، وفرق خيله.
وكان يجلس رأس الميسرة وكان قد أمسك هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين سنقر الكمالي، وحبسوا في برج بالقلعة ومعهم خمسة أمراء غيرهم.
بيبرس



الأمير ركن الدين حاجب صفد، كان منسوباً إلى سلار.
أخرجه السلطان الملك الناصر محمد إلى صفد بعد سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فأقام بها أميراً إلى أن توفي حاجبها الأمي علاء الدين أقطوان الكمالي، فرسم له بالحجبة مكانة.
ولما رسم السلطان الملك الناصر للأمير بهاء الدين أصلم بنيابة صفد رسم لبيبرس أن يكون في دمشق أميراً حتى لا يجتمعا، لأن أصلم كان سلاريا.
ثم إنه بعد موت الناصر محمد طلب العود إلى صفد، وعاد إليها حاجباً، وكان عاقلاً خبيرا، يصلح أن يكون مدبراً ومشيرا، عديم الشر وادعا، قائلاً بالحق صادعا، له نعمة وسعاده، وفيه الحسنى وزياده.
ولم يزل بصفد إلى أن هيل عليه ترابه، وفقده ذووه وأصحابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
بيبرس



الأمير ركن الدين الأحمدي أمير جاندار.
كان من أعيان الدولة في أيام السلطان الملك الناصر، وهو أمير جاندار مقدم ألف، وكان أحد الأبطال، يعجز من مقاومته أبو محمد البطال عنده قوة نفس وعزم، وسوء ظن بالدهر وحزم، قد حلب الدهل أشطره، وقرأ من ريبه أسطره، مع ما فيه من محبة الفقراء، وإيثار الصلحاء.


وعنده من مماليكه رجال يملأ بهم في الحروب سجال، ويقدمون على الأسود في غابها ويجيلون بين نفوس الأعادي وبين رغابها، قد كثر منهم العدد، وقواهم بالخيل والسلاح والعدد، فإذا ركبوا زلزلوا الأرض، وجابوا طول البسيطة والعرض، لو صد بهم جبلاً صدعه أو رد بهم على سيل حافر كفه عن شأوه وردعه، لا جرم أنه بهم نجا، ووجد له من ضيق الناصر أحمد مخرجا.
وهو أحد من يشار إليه في الحل والعقد، بعد الملك الناصر محمد، وهو الذي قوى عزم قوصون على إقامة المنصور أبي بكر، وخالف بشتاك، وقال: هذا الذي ولاه أستاذكم وهو أبوه، وما اختار الذي تختاره أنت، وأبوهما أخبر بهما.
ولما نسب إلى المنصور ما نسب من اللهو واللعب، واستعمال الشراب حضر إلى باب القصر وبيده دمرتاش، وقال: أيش هذا اللعب ؟ فانفل الجماعة الذين كانوا عند السلطان أبي بكر.
ولما توفي الناصر محمد فرغ عن الوظيفة وولى مكانه أروم بغا، ثم إن الناصر أحمد لما جلس على كرسي الملك ولاه نيابة صفد، فخرج إليها وأقام بها مديدة، ولما انهزم الفخري من رمل مصر، ووصل إلى جينين قاصداً الأحمدي هذا، وأشار مماليكه عليه بذلك، ونزل هو من صفد، ولو اجتمعا ما نال أحمد منهما غرضاً، ثم إن الفخري قال: لا، هذا أيدغمش على عين جالوت هنا وهو أقرب، فجاء إليه فأمسكه، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة الفخري، ثم إن الناصر أحمد حقد على الأحمدي ذلك وهم بإمساكه، فأحسن بذلك، فخرج من صفد هو ومماليكه ملبسين عدة السلاح، واتبعهم عسكر صفد فخرج منهم واحد وقتل ركن الدين عمر البتخاصي الحاجب الصغير.
ثم إن الأحمدي قصد دمشق وليس لها يومئذ نائب، فخرج الأمراء ليلاً لإمساكه فقال: أنا قد جئت إليكم غير محارب، فإن جاء أمر السلطان بإمسكاي أمسكوني وأنا ضيف عندكم، فأخرجوا له الإقامة، تلك الليلة، وأصبح والأمراء معه، وجاء البريد من الكرك بإمساكه فكتب الأمراء إلى السلطان يسألونه فيه وأن هذا مملوكك ومملوك والدك، وهو ركن من أركان الدولة، وماله ذنب، واليوم يعيش وغداً يموت، ونسأل صدقات السلطان العفو عنه، وأن يكون أميراً بدمشق. فرد الجواب بإمساكه، فردوا الجواب بالسؤال فيه، فأبى ذلك وقال: أمسكوه وانهبوه، وخذوا أمواله لكم وابعثوا إلي برأسه، فأبوا ذلك، وخلعوا طاعته وشقوا العصا عليه.
وبعد أيام قليلة ورد الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي من مصر مخبراً بأن المصريين خلعوا أحمد وولوا الملك الصالح إسماعيل.
وبقي الأحمدي مقيماً بقصر تنكز بالمزة إلى أن ورد المرسوم له بنيابة طرابلس، فتوجه إليها، وأقام بها قريباً من شهرين، ثم طلب إلى مصر، فتوجه إليها وحضر عوضه الأمير سيف الدين أروم بغا نائباً، ثم إن الأحمدي جهز إلى الكرك يحاصر الناصر أحمد فحصره مدة، وبالغ، فلم ينل منه غرضاً، وتوجه إلى مصر، وأقام بها إلى أن أتاه الأمر الذي لا يرده بواب، ولا يحول دونه حجاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة ست وأربعين وسبع مئة، ومات وهو في عشر الثمانين.
ولما كان في تلك المدة مقيماً بدمشق جاء حريم طشتمر من الكرك بعد ما نهبن بالكرك وسلبن موجودهن، فدفع الأحمدي إليهن مبلغ خمسة آلاف درهم.
بيبرس


الأمير الصالح الخير ركن الدين أبو أحمد بن عبد الله التركي القيمري ثم الظاهري السلاح دار.
روى عن ابن المقير، والمكرم بن عثمان، وغيرهما. ولما كان بمصر لازم الشيخ شرف الدين الدمياطي، واستنسخ بعض مصنفاته وسمع الغيلانيات على غازي الحلاوي، وحصل بها نسخة. وكان يحفظ كثيراً من الأحاديث والآثار والأدعية المأثورة.
وحدث بالقاهرة وبدمشق والحجاز.
قرأ عليه الشيخ علم الدين البرزالي بعرفة الأربعين لابن المقير، ثم إنه ورد دمشق، ثم إنه حبس وقطع خبره، ثم أفرج عنه وانقطع في بيته، وأقبل على شانه، وعمل على ما يرجح كفة ميزانه، وأقام على ذلك مدة سنين لا يجتمع بالدولة، ولا بأحد من أرباب الصولة، ولا يتردد إلى أحمد من نواب السلطنة، ولا يدانيه ولا يتوجه إليه ولا يراه ولا يرائيه، إلى أن أتاه الأمر الذي يرد فلا يرد، ويصد فلا يصد.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة.
بيبرس



الأمير ركن الدين الفارقاني نائب قلعة دمشق.

كان شيخاً طويلا، قديم الهجرة جليلا، فيه خير وديانه، وبر وصيانه، أحسن نيابة القلعه، وخبر ما وجد فيها من سلعه، ولم يزل بها على حاله إلى أن أنزله الموت من حصنه، وما أمكنه الفرار ولو علا على ظهور حصنه.
ووفاته في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ولما كان بالديار المصرية جهزه السلطان إلى القاضي كريم الدين الكبير، فتولى ما أمره به، وكان يحكى عنه ما عامله به من المكارم وكيف تلقى ذلك برضىً وتسليم لأمر الله تعالى.
بيبغا


الأمير سيف الدين الأشرفي.
كان في وقت نائب الكرك فيما بعد العشرين وسبع مئة فيما أظن، ثم إنه عزل منها، وحضر إلى دمشق وجهز إلى قلعة صرخد، فيما أظن أيضاً، وكان قد أضر بأخرة فعدم قمريه المنيرين، وفقد نقديه البصيرين.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه باريه فلباه، وقال نادبه. وارباه.
ووفاته رحمه الله تعالى في...
بيبغا



الأمير سيف الدين مملوك الملك المؤيد صاحب حماه رحمه الله تعالى.
كان من جملة أمراء الطبلخاناه بحماة.
ولم يزل بها على إمرته، وصحبة من ارتضاه وعشرته، إلى أن فقده ودوده وعاث في لحمه حشرات الأرض ودوده.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وأربعين وسبع مئة.
بيبغاروس



الأمير سيف الدين نائب السلطنة بالديار المصرية.
أول ما ظهر وشاع ذكره في الأيام الصالحية إسماعيل، وهو الذي جاء في أول دولة الكامل يطلب طقزتمر نائب الشام إلى مصر، ثم لما قتل المظفر حاجبي ظهر واشتهر، وباشر النيابة بمصر على أحسن ما يكون وأجمل ما باشره غيره لأنه أحسن إلى الناس وبسط لهم إلإيناس، ولم يظلم أحداً ولم يتخذ على من تهتك رصدا، وكان إذا مات أحد أعطى ولده إقطاعه، وكل من طلب منه شيئاً قال: سمعاً وطاعه، فأحبه الناس ودعوا، وحفظوا عهده ورعوا، ومشوا في ركابه وسعوا، وتباركوا بطلعته، وتقرب كل أحد إليه بنفاق سلعته، وكان الطاعون في أيامه، وذلك الوباء داخلاً في أقسامه، فيقال: إنه كفن مئة ألف أو يزيدون، وأعطى الإقطاعات للأولاد، أراد الأمراء ذلك أو لا يريدون.
قيل: إنه جاءت إليه امرأة وقالت: مات زوجي وليس له إلا إقطاعه وترك لي هاتين الابنتين، فرق لها، فقال لناظر الجيش: اكشف عبرته. فقال: خمسة عشر ألف، فقال: من يعطي في هذا عشرين ألف درهم فقال واحد: أنا أعطي اثني عشر ألف درهم فقال: هاتها، فوزنها، فقال للمرأة: خذي هذه الدراهم وجهزي بنتيك، وأعطى الإقطاع لذلك الذي سلم الدراهم.
وكان في النيابة فيه خير كثير، وإحسان إلى الناس غزير إلا أنه كان يعكف على حسو السلافه، ويرى أنه بتعاطي كؤوسها قد نال الخلافه، ماله رغبة في غير اجتلاء شوسها وتناول كؤوسها، واجتلاء أنوارها من يدي سقاتها الأقمار وتذهيب أشعتها لما عليهم من الأطمار، لا يقابل من قابله بها برده، فهي تغرب في فمه وتطلع في خده، ومع ذلك فما يخل بالجلوس في الخدمة أوقات الخدم، وثبات مالها في الدول المعروفة من قدم القدم.
وكان قد ولى أخاه الأمير سيف الدين منجك الوزارة، فاختلف في أمره فيما بين الخاصكية، فأرضاهم بعزله أياماً قلائل، ثم إنه أخرج أمير أحمد الساقي إلى صفد نائباً، ثم أخرج بعده الأمير سيف الدين الجيبغا إلى دمشق، ثم أخرج حسام الدين لاجين العلائي زوج أم المظفر إلى حماه، وأقام على حاله إلى أن عزم على الحج، فقال له أخوه منجك: لا تحج، والله يتم لنا ما تم للفخري وطشتمر، فلم يسمع منه، وتوجه إلى الحجاز في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، ومعه فاضل ومامور، وحج معه الأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين بزلار وغيرهم من الأمراء، فأمسك بعد توجهه الأمير سيف الدين منجك بأيام قلائل، وقبض عليه الأمير سيف الدين طاز في الينبع في سادس عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. فقال لطاز: أنا ميت لا محاله، فبالله دعني أحج، فقيده وأخذه معه وحج وطاف وسعى، وهو مقيد على إكديش، ولم يسمع بمثل ذلك، ولما عاد من الحجاز تلقاه الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، وأخذه وحضر به إلى الكرك، وسلمه إلى نائبها، وتوجهوا بأخيه فاضل إلى القاهرة مقيداً، فدخلها، أعني النائب بيبغا إلى الكرك في سابع المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة. وقلت أنا فيه رحمة له:


تعجّب لصرف الدّهر في أمر بيبغا ... ولا عجبٌ فالشمس في الأفق تكسف
لقد ساس أمر الملك خير سياسةٍ ... ولم يك في بذل الندى يتوقّف
وأمسك في درب الحجاز ولم يكن ... له عن رضى السلطان في ذاك مصرف
وسلّم للأقدار طوعاً وما عتا ... ولو شاء خلّى السيف بالدم يرعف
وسار إلى البيت العتيق مقيّداً ... وريح الصبا تعتلّ والورق تهتف
فيا عجباً ما كان في الدهر مثله ... يطوف ويسعى وهو في القيد يرسف
وعاجوا به من بعد للكرك التي ... على ملكها في نفس الملوك تأسّف
وأودع في حصن بها شامخ الذرّى ... تراه بأقراط النجوم يشنّف
سيؤويه من آوى المسيح ابن مريم ... وينجو كما نجّي من الجبّ يوسف
ولم يزل في الكرك معتقلاً إلى أن ولي الملك السلطان الملك الصالح صالح، فأفرج عنه وعن الأمير سيف الدين شيخو وبقية الأمراء المعتقلين بالإسكندرية، ووصل إلى القاهرة، فوصله وأنعم عليه وخلع عليه، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي.
فوصل إلى دمشق نهار السبت ثالث عشري شعبان سنة اثنين وخمسين وسبع مئة ومعه الأمير عز الدين طقطاي ليقره في النيابة ويعود، ولما وصل إلى غزة عمل له الأمير سيف الدين بيبغاتتر النائب بغزة سماطاً فأكله، ولما فرغ منه أمسكه وجهزه مقيداً إلى الكرك، وتوجه هو إلى حلب وباشر النيابة، ومن حين دخلها تغيرت نيته وفسدت على الأمير طاز وعلى الدولة، ووسوس له الشيطان، نعوذ بالله منه، وحسن له كل قبيح، وسول له كل فساد بعد ذلك الخير والصلاح، واتفق مع أحمد الساقي نائب حماة، ومع بكلمش نائب طرابلس على الركوب والحضور إلى دمشق، فإن وافقهم أرغون الكاملي نائبها على ما يريدون وإلا ضربوا معه مضافاً، وأخذوا عسكر الشام وتوجهوا به إلى مصر، واتفق معه الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر نائب الإبلستين على ذلك. وترددت الرسل بينهم، وجعلوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، إلى أن بلغ الأمير سيف الدين أرغون الكاملي قوة عزمهم على الحضور إلى دمشق، فخلف عسكر الشام للسلطان الملك الصالح، وتوجه بالعسكر إلى لد، وأقام عليها، ودخل بيبغاروس وأحمد وبكلمش بعساكر حلب وحماة وطرابلس وتركمان بن دلغادر إلى دمشق نهار الاثنين ثالث عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة مطلبين، ولاقاهم الأمير علاء الدين ألطنبغا برناق نائب صفد، على ما تقدم في ترجمته، ونزل بيبغا على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وأقام عنده أحمد يومين ثلاثة، ثم إنه توجه بألف فارس وأقام على المزيريب، وتسيب تركمان بن دلغادر وغيرهم من المفسدين على بلاد حوران وبلاد البقاع وبعلبك والمرج والغوطة يعبثون ويفسدون وينهبون الأموال والغلال والدواب ويستحلون الفروج، ويرتكبون المحارم مدة أربعة وعشرين يوماً، إلى أن بلغهم وصول الأمير سيف الدين طاز إلى لد في خمسة آلاف فارس من العسكر المصري، وتحققوا أن السلطان الملك الصالح عقيب ذلك يصل، فتفللت العزائم وهرب دلغادر، وتوجه إلى بلاده على وادي التيم، فقدم بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع بأحمد الساقي وبات عنده ليلةً، ثم إنهم انهزموا إلى بلاد حلب، وأرادوا الدخول إلى حلب فمنعوا، وأمسك أهل حلب منهم جماعةً، على ما تقدم في ترجمة الطنبغا برناق، وقتل حينئذ الأمير فاضل أخو بيبغاروس، وكان من الفرسان، ووصل الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، والأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز بعساكرهم إلى دمشق في خامس عشري شعبان، ووصل السلطان يوم الخميس مستهل شهر رمضان، وجهز الأمير أرغون الكاملي والأمير شيخو والأمير طاز وعساكر الشام إلى حلب خلف بيبغا، فوصلوا إلى حلب، وأقاموا بها وببيغا وجماعته مفرقون في بلاد مرعش وما حولها، وأقام بيبغا في الأبلستين، وضرب أحمد وبكلمش مع عساكر الحصون رأساً، ووقعت الأمطار والثلوج وعاد الأمير شيخو والأمير طاز وعسكر الشام بعدما تقرر الأمير سيف الدين الكاملي بحلب نائباً على عادته، فوصلوا إلى دمشق في تاسع عشري شهر رمضان.

ثم إن السلطان الملك الصالح توجه بالعساكر المصرية بعد ما صلى الجمعة في الجامع الأموي، وخرج منها سائراً إلى مصر في سابع شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، ولما طال الأمر على ابن دلغادر أمسك أحمد وبكلمش وقيدهما وجهزهما إلى حلب فاعتقلا بالقلعة، وكان من أمرهما ما ذكرته في ترجمة أحمد الساقي، ثم إن الأمير عز الدين طقطاي قعد في حلب ينتظر رسل بيبغاروس، وكان ابن دلغادر قد جهز إمساكه في الأبلستين، فوصل بيبغا مقيداً إلى حلب ثالث عشر شهر الله المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وخرج طقطاي الدوادار وجماعة من العسكر وتلقوه، فلما رأى الأمير عز الدين طقطاي بكى وقال: والله أنا أعرف ذنبي، والذي أشار علي بذلك فقد لقاه الله فعله، والله ما كان ذلك برضاي، وأنا فقد وقعت في فعلي. وسير إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي يطلب منه لحم ثم مشوياً ومأمونية، فجهز ذلك إليه وأطلعوه بالقلعة، ثم إنهم حزو راسه، بعدما قطع الوتر أمراسه، وتوجه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار برأسه إلى الديار المصرية. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن الشيطان الرجيم.
وقلت أنا في ذلك:
لا تعجبوا من حلب إن غدا ... أرغون فيها جبلاً راسي
من أجل هذا لم تطر فرحةً ... وبيبغاروس بلا راس
وكتب إلي المولى القاضي شرف الدين حسين بن ريان كتاباً نظماً ونثراً، فأما نظمه فأذكره، وهو:
بنيل الأماني هلّ شهر المحرم ... وحلت به البلوى على كل مجرم
أتوا فيه بالأعداء أسرى أذلّةً ... إلى حلب الشهباء يا خير مقدم
فبكلمشٍ وافوابه وبأحمد ... ومن بيبغا قد أدركوا كل مغنم
ومن رام ظلم الناس يقتل بسيفه ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
مضوا وقضوا لا خفّف اللّه عنهم ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
ففي رمضان كان يوم انكسارهم ... وآخره في عشر شهر المحرّم
فأكرم به شهراً كريماً مباركاً ... حراماً أتى من بعد شهر محرّم
بدأنا به العام الجديد فأسفرت ... لياليه عن شهرٍ شريفٍ معظّم
به يوم عاشوراء يومٌ مبارك ... أتت فيه أخبارٌ البخاري ومسلم
تعيّن شكر اللّه فيه على الذي ... سعى بيبغا فيه على كل مسلم
أرانا هلالاً كالسّوار وحوله ... عقود نجومٍ كالجمان المنظّم
وحيث وجدنا النصر فيه على العدى ... تعيّن أن يبقى كأعظم موسم
فصنه عن الآثام فيه ولا تمل ... إلى اللّهو في شهر المحرّم تسلم
وفي صفرٍ فاصرف من الصفر كلّما ... ملكت على صرف المدامة تغنم
مدام إذا لاح الحباب حسبتها ... بكاساتها شمسا تحفّ بأنجم
بدورٌ بها ساقٍ من الترك أهيفٌ ... يريك عقود الدرّ عند التبسّم
له طلعةٌ كالبدر يشرق نورها ... على قامةٍ مثل القضيب المنعّم
ويبدي هلالاً من ضياء جبينه ... ويخفيه في داجٍ من الشّعر مظلم
تترجم عيناه عن السّحر في الهوى ... فيعجز فكري حلّ ذاك المترجم
يسلّ على عشّاقه سيف لحظه ... ويرشقهم من ناظريه بأسهم
تقدّمت إذ أقدمت ليلة وصله ... على قبلةٍ والفضل للمتقّدم
فما ردّني عمّا أردت ونلت ما ... قصدت من التقبيل في ذلك الفم
وعانقت منه غصن بانٍ على نقاً ... ووسّدته في الليل زندي ومعصمي
وزاد سروري بعد ذلك إذ أتى ... إليّ جوابٌ عن كتابي المقدّم
بعثت به منّي إلى صاحب له ... فضائل شتّى أمرها غير مبهم
فأهدى جواباً عن كتابٍ رفلت في ... معانيه في ثوبٍ من الفخر معلم

به أتحلّى حليةً وحلاوة ... تحول بأفواه العدى طعم علقم
خليلي صديقي صاحبي ثقتي أخي ... إمامي وشيخي في العلوم معلّمي
تسيل دموعي عندماً لبعاده ... ولو زارني ما سال دمعي عن دمي
أودّ مقامي في دمشق لأجله ... وطرف زماني عن بلوغ المنى عم
فإن جاد لي دهري بقصدي حمدته ... وإن لم يجد يستغن عنه ويذمم
أينكر قصدي قرب خلّ صحبته ... قديماً إلى عليائه الفضل ينتمي
فلو قيل لي أهل التكرم من هم ... لقلت صلاح الدين أهل التكرم
إذا جال في فكري تذكّر أنسه ... بكيت على بعدي وزاد تندّمي
أعيش ومالي في دمشق كفايتي ... وغيري له في يومه ألف درهم
هو الحظّ والرزق الذي شمل الورى ... على مقتضى التقسيم لا بالتقدم
أرجّي اجتماع الشّمل بالشام فاجتهد ... وساعد على نقلي إلى الشام واسلم
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
بعثت بشعرٍ مثل برد مسهّمٍ ... وهيهات بل عقدٍ بدرّ منظّم
وإلا كأفق بالنجوم موشعٍ ... وإلاّ كوجهٍ بالجمال ملثّم
فكم همزةٍ فيه كمثل حمامة ... على ألفٍ فيه كغصن مقوّم
وكم فيه من عين كعين كحيلةٍ ... وكم فيه من ميم كدائرة الفم
وكم فيه من جيم كخالٍ مدبّج ... ونقطتها خالٌ يلوح لمغرم
أشاهد منه زهر روض ومنظراً ... أنيقاً لعين النّاظر المتوسمّ
فنفس كرباً كم تنفس عن لظى ... عذاب وداء في القلوب مخيمّ
وأجرى دموعي من جفوني ومن يرد ... مواطر من غير السحائب يظلم
وأذكرني عهد الشباب ولم أكن ... لأنسى ليالي عصره المتصرّم
نظام فتىً عار من الغار يرتدي ... بثوبٍ بفضل العلم والحلم معلم
مناي من الأيام رؤية وجهه ... وأحسن وجهٍ في الورى وجه منعم
وما كلّ هاوٍ للجميل بفاعلٍ ... ولا كلّ فعّال له بمتمّم
غدا شرفي منه على كلّ حالة ... ولكن إذا كاتبته كان مفحمي
إذا ساق نحوي العرف غير مكدّر ... أسّوق إليه الحمد غير مذمم
أيا شرف الدين الذي سار ذكره ... وما هو عنه بالحديث المرجّم
لقد سقت أخبار البغاة وبيبغا ... سياق بليغٍ لم يكن بمجمجم
وما كان هذا بيبغا قدر ما ابتغى ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
لقد كان في أمن وعزّ ونعمة ... ولكنّه عن علم ما في غد عمي
فأضمر عدواناً وبغياً ولم يكن ... ليخفى ومهما يكتم اللّه يعلم
وبات ونار الحقد تضرم صدره ... ولم يطفها غير الخميس العرمرم
وراح يناجي من وساوس قلبه ... ضعيف المساعي أو قليل التكرّم
وما ظنّ خيراً بالذي كان محسناً ... إليه ومن يفعل كذلك يندم
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبّيه لقول عداته ... وأصبح في ليل من الشكّ مظلم
وجاء دمشقاً في عساكر كلّهم ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
إلا إنّ هذا الأمر عقبى الذي جرى ... وآخره يفضي لنار جهنم
وقدم هو قبل قصيدته نثراً يتعلق بأمر بيبغا وجماعته، وأردفت أنا قصيدتي بنثر أيضاً يتعلق بالمذكورين وكلاهما أثبته في الجزء الرابع والثلاثين من التذكرة التي لي، ونظمت أنا عدة مقاطيع لما خرجا من دمشق فارين من بيبغا.

فمن ذلك، وقد خرجنا مع الأمير سيف الدين أرغون الكاملي على أنه متوجه إلى خان لاجين فأخذ العساكر من تحت قلعة دمشق وتوجه بها إلى لد، فقلت أنا في ذلك:
خرجنا على أنّا نلاقي عسكراً ... أتى بيبغا فيها على خان لاجين
فلم ندر من تعتيرنا وقطوعنا ... بأنفسنا إلاّ بأرض فلسطين
وقلت أيضاً:
أيا ولدي وافاني البين فجأةً ... وبدّد شملاً قد تنظّم كالعقد
فسرت وما أعددت عنك تجلّدا ... لقلبي ولا حدّثت نفسي بالبعد
وقلت، وقد كثرت الأراجيف:
أخرجني المقدور من جلّق ... عن طيب جنّاتٍ جنيّات
فإن أعد يوماً لها سالماً ... فهو بنيّات بنيّاتي
وقلت، وقد جاءت الأخبار بأن القوم قد تقدموا الكتيبة:
قد ضجرنا من المقام بلدّ ... بلدٍ ما طباعه، مثل طبعي
كلّما قيل لي كتيبة جيشٍ ... قد أتت للكتيبة اصطكّ سمعي
فتراني مغيّراً من نحولي ... وسقامي، وفي المزيريب دمعي
وقلت، وقد زاد الذباب بالمنزلة:
لقد أتانا ذباب لدّ ... بكلّ حتفٍ وكل حيف
وقيل هذا ذباب صيفٍ ... فقلت لا بل ذباب سيف
وقلت أيضاً:
إن الذباب بلدّ ... لشرّ خصم ألدّ
بليت منه بعكسي ... وما يبالي بطرد
وقلت، لما كثرت الأراجيف بأن بيبغا رحل من دمشق وانهزم:
قد كثر الإرجاف عن بيبغا ... وأنّه قد سار عن بقعته
إذا أتانا خبرٌ سرّنا ... ما تغرب الشمس على صحّته
بيبغا


الأمير سيف الدين تتر المعروف بحارس الطير.
توفى نيابة غزة بعد وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم إنه عزل وأقام بمصر إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير وأمسك أخوه بيبغاروس في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فولاه السلطان الملك الناصر حسن نيابة مصر عوضاً عن بيبغاروس، فأقام على ذلك إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح.
ولما خرج الأمير علاء الدين مغلطاي والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري على الملك الصالح وأخذ مغلطاي هرب منكلي بغا الفخري، ودخل على الأمير سيف الدين بيبغا الفخري في بيته مستجيراً به فأجاره، وأخذ سيفه وسلمه إليهم، فعزله السلطان بعد ذلك وولى النيابة الأمير سيف الدين قبلاي، وجهز الأمير سيف الدين بيبغاتتر إلى نيابة غزة، فأقام بها شهراً أو أكثر، إلى أن ورد بيبغاروس إلى غزة متوجهاً لنيابة حلب، فمد له سماطا، فأكل منه وقبض عليه وقيده وجهزه إلى الإسكندرية، وذلك في شعبان سنة اثنين وخمسين وسبع مئة، ثم إنه أفرج عنه وحضر إلى القدس وأقام به بطالاً مدة، ثم طلب إلى مصر وأقام هناك بطالاً، ثم أعطي طبلخاناه في مصر.
ولما توفي الأمير علاء الدين ألطبنغا الشريفي نائب غزة رسم له بنيابة غزة، فوصل إليها في سابع عشر شعبان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ولم يزل بها نائباً إلى أن عزل بالأمير سيف الدين سودون في أوائل سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ولما عزل الأمير سيف الدين تمر المهمندار من نيابة غزة في شهر رجب الفرد اثنتين وستين وسبع مئة رسم السلطان المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي للأمير سيف الدين بيبغاتتر بنيابة غزة، وهذه النيابة بغزة رابع مرة، وجرى ما جرى من الأمير بيدمر نائب الشام، وحضر السلطان الملك المنصور إلى دمشق في واقعة بيدمر، ولما عاد السلطان إلى مصر كأنه رمي الأمير سيف الدين بيبغاتتر بشيء من موافقة بيدمر، فلما كان السلطان على غزة رسم بتسمير ولده، فسمر تسمير سلامة، وطيف به، ثم إنه رسم للأمير سيف الدين بيبغاتتر بالتوجه إلى طرابلس صحبة الأمير علاء الدين علي بن طشتمر البريدي المصري، وجهز ولده موسى إلى مصياف، وولده الاخر إلى الدر بساك صحبة تغيبين، ثم إنه طلب إلى مصر على لسان مملوكه ألطنبغا، فتوجه إليه، ووصل إلى دمشق في محفة في يوم الاثنين تاسع عشر شعبان سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
بيدرا



بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف ودال مهملة وبعدها راء وألف مقصورة: الأمير سيف الدين العادلي.

كان من أمراء الأربعين بدمشق، وتزوج ابنة أستاذه الملك العادل كتبغا، وكان يسكن بدار طوغان. توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة.
بيدمر


بعد الياء الموحدة ياء آخر الحروف ودال مهملة وميم بعدها راء: الأمير سيف الدين الناصري.
أخرجه الملك الناصر محمد إلى صفد، فأقام بها، وكان نائبها الأمير سيف الدين أرقطاي يعظمه ويلازمه ويسمر عنده وهو بلا إمرة، ثم نقل إلى دمشق على إمرة عشرة في أيام تنكز، ولما حضر الفخري، وجرى له ما جرى، جهز هذا بيدمر المذكور إلى البلاد الرومية لإحضار طشتمر نائب حلب، ثم إن الناصر أحمد أعطاه طبلخاناه.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن جاءه أمر لا مرد لحكمه، ولا دفاع لخصمه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وكان ذا محيا جميل، ورونق لا يستحيل، مليح العين، لا يمل الناظر إليها مطالبتها بما له عندها من الدين، وتوفي كهلا، وكان للخير والسكون أهلا.
بيدمر



الأمير سيف الدين البدري.
كان بالقاهرة أميراً، وله بالقاهرة تربة حسنة عمرها، وأقام بدمشق مدة إلى أن طلبه الملك الكامل شعبان إلى القاهرة وولاه نيابة طرابلس، فحضر إليها وأقام بها قليلاً بعد نيابة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، ولما خرج الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي بدمشق على الكامل كان الأمير سيف الدين بيدمر ممن حضر إليه من نواب الشام، وأقام بدمشق معه إلى أن خلع الكامل وتولى المظفر حاجي، فطلب البدري إلى مصر وولاه المظفر نيابة حلب، فتوجه إليها، وأقام بها إلى أن طلبه المظفر حاجي إلى القاهرة، وتولى مكانه الأمير سيف الدين أرغون شاه.
وكان البدري قد تولى نيابة حلب بعد الأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي، وأقام البدري بالقاهرة قريباً من شهرين، ثم إنه أخرج هو والأمير نجم الدين محمود بن شروين الوزير والأمير سيف الدين طغاي تمر الدوادار إلى الشام على الهجن، فلما وصلوا إلى غزة لحقهم الأمير سيف الدين منجك، وقضى الله فيهم أمره، وأصبح طرف من ولاهم وهو بالبكاء أمره.
وكان خنقهم في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وكان هذا البدري كثير الرحمه، على فكره للمبرات زحمه، له ورد من الليل يقومه متنفلا، ويجلس على موائد التعبد، وهو ملك، متطفلا، وكان يكتب الربعات بخط يده، ويبالغ في تذهيبها وتجليدها، ولا تقبل من صاحب فنده، ولقد حاول أخذ ختمةً مني وهو بدمشق، وبذل الرغائب لي فأبيت، وزخرفت الأعذار في عدم الخروج عنها ورأيت وراءيت.
وأخبرني كاتبه القاضي زين الدين بن الفرفور أنه كان يخرج من كل سنة أول كل شهر مبلغ خمسة ألاف درهم للصدقة، ويعتقد أن ذلك خير ماله من النفقة، ولم يبد منه في حلب مدة نيابته غير واقعة الامرأة التي قطع شعرها وأذنيها وجعلها بذلك تحكي النعامة لمن نظر إليها، وما أقام بعدها في حلب إلا قليلاً، ومضى إلى حلب يجر من الشقاء ذيولاً.
بيسري



الأمير الكبير بدر الدين الشمسي الصالحي.
كان من أعيان الدولة، وممن له في الحروب ثبات وحولة، وبين الأكابر صون وصوله، وإذا قالوا لم يسمع، وإذا قال سمعوا قوله، وكان ممن ذكر للملك، وانخرط في ذلك السلك، وجرت له فصول، ورد جملةً من النصوص الواضحة وعارضها بالنصول، وقبض المنصور قلاوون عليه وأهدى الإهانة إليه، وبقي في السجن سنين، عدد الرهط الذين يفسدون في الأرض، وخالف في أمره السنة والفرض.
ثم إن الأشرف خليل أخرجه من سجنه وأبدله الفرح من حزنه، وأعاد إليه رتبته، وأجلسه إلى ركبته.
ثم إن المنصور لاجين قبض عليه ثانيا. وكان الأجل في هذه المرة له مدانيا، فتوفي في الجب، ولم تفده المطهمات القب، وعمل عزاؤه تحت قبة النسر بالجامع الأموي بدمشق، وحضره القضاة وملك الأمراء والدولة، وذلك في سنة ثمان وتسعين وست مئة في أيام الملك الناصر محمد.
وداره بين القصرين معروفة، وانتقلت إلى أحد الأميرين إما قوصون أو بشتاك، وكان الناس أولاً قد خرج لهم قماش ثمين وسموه شقف البيسرى لما تأنق فيه الصناع وزخرفوه.
البيسري الجندي الشاعر اسمه آقوش.



بيغرا

بالياء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها غين معجمة وراء وألف: الأمير سيف الدين الناصري.

كان بعد السلطان الملك الناصر محمد بن أكابر المقدمين، وحضر إلى دمشق لتحليف العسكر للملك الأشرف كجك، وحضر أيضاً لتحليف الأمراء للملك الكامل، والله أعلم، وكان أخيراً أمير جاندار وحاجبا.
ولم يزل معظما، ولدر السيادة منظما، ينفع من يخدمه ويؤهله لعلو المنزلة ويقدمه، ولم يزل إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حلب أميراً، فوصل إليها في شهر رجب الفرد سنة اثنين وخمسين وسبع مئة.
وبقي فيها على حاله إلى أن حان حينه، وحل عليه من الأجل دينه، في شهر شوال سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
بينجار


الأمير سيف الدين الحموي، أحد الأمراء بدمشق.
كان بدمشق حاجباً صغيراً إلى أن توجه الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي أمير حاجب بدمشق إلى نيابة قلعة الروم، فوصل المرسوم بعد ذلك بأن يكون الأمير سيف الدين بينجار الحموي عوضه أمير حاجب بدمشق في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فلم يزل على هذه الوظيفة إلى أن توجه مع الأمير سيف الدين أرغون الكاملي والعسكر الشامي إلى الرملة في واقعة بيبغاروس.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة بالمعسكر على لد.
وكان جيداً خيراً ديناً، عنده كتب يطالع فيها، ويحب أهل العلم ويعظمهم ويحترمهم.
حرف التاء



التاج أحمد سعيد الدولة

كان ذا مكانة مكينة ومنزلة عظيمة عند الملك المظفر الجاشنكير، ولما ولي الملك أمر له بالوزارة فامتنع من ذلك، فرتب الصاحب ضياء الدين بن النشائي وزيراً، وجعل ابن سعيد الدولة مشيراً، فكانت فوط العلائم تحمل إليه ويعتبرها علامةً علامةً، فالذي يراه ويرتضيه كتب على يمين العلامة عرضاً: تحتاج إلى الخط الشريف، فإذا رأى السلطان ذلك علم، وإلا فلا، وكانت كتب البريد وغيرها كذلك، إلى أن تعب الأفرم من دمشق، وتهدده بقطع رأسه حتى امتنع من ذلك.
وكان مشهوراً بالأمانة والعفة، ولم يحصل منه تفريط، وضبط الدواوين والأموال، وكان إذا كان في ديوانه قضى الأشغال ونفذ الأمور، وأما إذا اعترضه أحد في الطريق وسأله حاجةً أمر بقتله بالمقارع، فهابه الناس.
وكانت له حرمة وافرة ومهابة شديدة، وكان لا يجتمع بغريب، ولا يخالط أحداً ولا يقبل هدية، ولما طلب للوزارة التجأ إلى زاوية الشيخ نصر، فلذلك كانت حرمته أوفر من حرمة الوزير وأعظم.
وتوفي في أوائل شهر رجب الفرد سنة تسع وسبع مئة، وولي مكانه ابن أخته كريم الدين.
أخبرني حفيده الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي بكر أن اسم جده كان أحمد، فهو تاج الدين أحمد بن سعيد الدولة.
ابن تاج: الخطباء: جلال الدين محمد بن محمد.
التاج بن المناديلي: عبد الرحمن بن موسى.
والتاج المغسل: اسمه عبد الرحمن بن أيوب.
التادفي: المقرىء، محمد بن أيوب.
التاج الطويل



القاضي تاج الدين ناظر الدولة بالديار المصرية.
كان كاتباً كافيا، قائماً بصناعة الكتابة وافيا، فيه مروءة ومكارم، ولطف عشرة، ولو كان بين القنا والصوارم. تكرر منه مباشرة هذه الوظيفة مرات، ونال فيها سعادات زائدةً ومسرات، وكان رئيس طائفته، وزعيم هذه العصابة الذين هم تحت طواعيته.
ولم يزل على حاله إلى أن قصرت مدة الطويل وقطعت، وأخرجت روحه من جسده، ونزعت.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت ثاني عشري القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وأنشدني القاضي زين الدين الخضر بن تاج الدين بن الزين خضر كاتب الإنشاء له في دواة أبياتاً، وأنا في ريبة من نسبتها إليه لأنها في الذروة وهي:
دواتنا سعيدة ... ليس لها من متربه
عروس حسنٍ جليت ... منقوشةٌ مكتّبه
قد انطلت حليتها ... على الكرام الكتبة
وفي التاج الطويل يقول ابن دانيال:
أصبحت في الكاتبين فرداً ... وأنت كنزٌ لكل راج
لا كشف اللّه منك راسي ... ودمت عزّي ودمت تاجي
مولاي قد ساءني افتقاري ... وسرّ حسادي احتياجي
فاصلح بحقّ الوفاء شاني ... فغير علياك لا أناجي
فالزيت قد قلّ من فتيلي ... وكاد أن ينطفي سراجي
وبات فوق التراب أهلي ... تلتقط الحب كالدجاج


عساك باللّه يا هلالي ... تكتب رزقي على الخراج
التبريزي: القاضي جمال الدين عبد القادر بن محمد. والشيخ تاج الدين علي بن عبد الله.
ابن تبع: محمد بن أحمد.
ترمشين


بالتاء ثالثة الحروف، وراء بعدها ميم، وشين معجمة، وياء آخر الحروف، ونون: ابن دوا المغلي، صاحب بلخ وسمرقند وبخارى ومرو.
كان ذا إسلام، وممن يعد في أولي الأحلام، أكرم الأمراء المسلمين وقربهم، وسرحهم في صحاري الإحسان، وسر بهم لما سربهم، وجفا الكفرة وأبعدهم، وهددهم وتوعدهم، ولازم الصلوات الخمس في الجماعه، وأصغى إلى الخير وأحب سماعه، وترك الياسات، وقال: هي من أرذل السياسات، وأمر بأحكام الشريعة، وسدد ما دونها الذريعة، وأبطل من مملكته المكوس وجبايتها، وأمر بالمعدلة وتلا آيتها، وألزم جنده بالكف عن الأذى، ودفع عن عيون رعاياه القذى، وألزم التتار بالزرع، وقالوا: لا طاقة لنا، فقال: هذا هو الشرع. واستعمل أخاه على مدينة فقتل رجلاً ظالماً، فجاء أهله إلى ترمشين وشكوا، فبذل لهم أموالاً ليعفوا، فأبوا وقالوا: نريد حكم الله، فسلمه إليهم فقتلوه، ودعا الناس له.
ثم إنه زاد في التأله والتدين فعزم على ترك الملك والتبتل برأس جبل، وسافر معرضاً عن السلطنة، فظفر به أمير كان يبغضه، فأسره، وكاتب بزان الذي ملك بعده، فقتله صبرا، وهبره بالسيف هبرا، وذلك في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، قدس الله سره.
تلك الأمير سيف الدين الحسني



ورد إلى دمشق أميراً في تاسع عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة وبقي فيها مدة، ثم إنه لما نقل الأمير سيف الدين باينجار من الحجوبية الصغرى؛ إلى أن يكون بدمشق أمير حاجب عوضاً عن الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي لما توجه لنيابة قلعة الروم رسم للأمير سيف الدين تلك أن يكون حاجباً عوضاً عن باينجار، وذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فأقام كذلك مدة، ثم إنه تحدث للأمير سيف الدين شيخو رأس نوبة في ديوانه، فاجتهد فيه وثمر، فطلبه إلى مصر، فتوجه في شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وورد مكانه في الحجوبية الأمير علاء الدين علي بن بيبرس الحاجب من حلب.
وما أقام الأمير سيف الدين تلك الحسني في القاهرة، حتى توفي رحمه الله في غزة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، لأنه كان قد توجه صحبة ثقل السلطان وطلبه لما حضر الصالح في واقعة بيبغا.
التعجيزي: الفقيه شهاب الدين أحمد بن محمد.
تلك الأمير سيف الدين الشحنة



كان أحد مقدمي الألوف بالشام. حضر إلى دمشق على إقطاع الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير في سنة خمس وسبع مئة، وكان في دمشق أكبر مقدميها، يحضر إليه قباء الشتاء من مصر من باب السلطان. وتوجه في واقعة سنجار.
ولم يزل في دمشق مقيماً إلى أن ورد المرسوم من مصر يطلبه صحبة منكلي بغا السلحدار، وحضر الأمير سيف الدين قردم على إقطاعه في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ولم يزل في مصر مقيماً إلى أن ورد الخبر بوفاته في أوائل صفر سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
ابن تمام الشيخ تقي الدين



عبد الله بن أحمد، وأخوه الشيخ محمد بن أحمد.

تمر الساقي

الأمير سيف الدين ولاه السلطان الملك الناصر محمد حمص بعد موت بلبان

الجوكندار في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة، ثم ولاه نيابة طرابلس، بعد ما قفر الأفرم منها وتوجه مع قراسنقر، وذلك لما قدم مع العسكر من مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً على حاله، إلى أن حضر الأمير سيف الدين قجليس الناصري إلى دمشق؛ وتوجه منها إلى طرابلس؛ فعاد منها ومعه الأمير سيف الدين تمر الساقي نائبها، وجاء عوضه لنيابة طرابلس الأمير سيف الدين كستاي الناصري في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ولما وصل به إلى دمشق أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بهادر آص وقيدهما، وتوجه بهما من دمشق وجهز بهادر آص إلى الكرك، وتوجه تمر الساقي إلى مصر، فأقام في الاعتقال بالإسكندرية أكثر من عشرين سنة، وأفرج عنه في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.


وحضر إلى دمشق وأقام بطالاً، ثم أعطي طبلخاناه، وكان السلطان الملك الناصر قد أفرج عنه وعن جماعة من الأمراء الذين كانوا بالإسكندرية، وهم: تمر الساقي، وبيبرس الحاجب، وبلرغي الصغير، وطغلق وأمير غانم بن أطلس خان، ولاجين العمري الحاجب، وبلاط الجوكندار، وأيدمر اليونسي، وطشتمر أخو بتخاص المنصوري، وقطلوبك الأوشاقي، وبيبرس العلمي وكشلي، والشيخ علي مملوك سلار.
وتوجه الأمير سيف الدين كستاي الناصري عوض تمر الساقي إلى طرابلس نائباً، ولما دخل الأمير سيف الدين تنكز من القصر إلى دار السعادة يوم أمسك وأراد العصيان دخل الأمير سيف الدين تمر الساقي إليه، وقال له: المصلحة أنك تروح لأستاذك، وأنا قعدت في الحبس أكثر من عشرين سنة، وها أنا واقف قدامك، فانفعل له وخرج إليهم، فأمسكوه، على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وتوفي بمصر، والله أعلم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
تمر الموسوي


الأمير سيف الدين الناصري.
كان خفة إذا تحرك، وعليه خفر إذا تثنى على جواده أو تورك، وكان إذا رأى وجهاً حسناً هام، وقطع علائق الأوهام. وكان في نفس السلطان منه لذلك، إلا أن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي كان يصده عن أذاه، ولا يصوب فيه رأياً يراه، فلما مات بكتمر الساقي أخرجه إلى دمشق فأقام فيها إلى أن تحرك طشتمر نائب حلب في واقعة الناصر، وكاد يمشي في الباطن ويحلف الأمراء له، فأمسك وأودع في قلعة دمشق سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في أيام الطنبغا، ثم أفرج عنه لما صار الأمر للناصر أحمد.
تمرالمهمندار



الأمير سيف الدين المهمندار بالشام.
كان من مماليك الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب المقدم ذكره. وقيل إنه كان من مماليك الطباخي نائب حلب.
وكان تمر المذكور مع أستاذه بكتمر الحاجب لما كان بصفد نائباً، وهو من أول حاله لم يزل بخير، له ثروة، ومعه مال له صورة.
ولما كان بدمشق ولاه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله شد الزكاة في يوم الإثنين خامس جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة عن الأمير نجم الدين داود الزيبق، فأقام على ذلك مدة، ثم إنه أضاف إليه المهمندارية، وجعله بطبلخاناه، ولما حضر الأمير سيف الدين بشتاك إلى دمشق في واقعة تنكز عزله من المهمندارية وجعله والياً على مدينة دمشق، فأقام بها تقدير جمعة، وعاد إلى المهمندارية.
وكان ساكناً وادعاً عاقلاً قليل الكلام جداً، وكنت يوماً عند الصاحب أمين الدين أمين الملك، فجرى ذكره، فأثنيت عليه، وقلت: ما يكون مثله في سكونه وعدم شره، فقال: إلا أنني مع هذا كله ما أقدر أعمل إلا ما يريده، ولم يزل على ذلك، في أتم حال، ثابت القدم مع تقلب الملوك والنواب، لا يختل عليه نظام، إلى أن كانت واقعة الأمير علاء الدين أمير علي نائب دمشق، في سنة ستين وسبع مئة، وتوجهه إلى باب السلطان وتجهيزه من الطريق إلى نيابة صفد، وكان القائم بذلك الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي أمير حاجب، فنقل الأمير سيف الدين تمر المهمندار، وجعل أمير مئة مقدم ألف، ولم يؤثر ذلك.
ولم يزل على حاله إلى أن رسم له بنيابة غزة فتوجه إليها، وأقام بها نائباً قريباً من نصف سنة، ثم رسم له بنيابة بإمرة الحجبة فحضر إليها، ولبس تشريفه في يوم الاثنين خامس عشري شهر رجب سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وخدم، وسلمت العصا إليه.
ولم يزل كذلك حتى أخرجه الأمير بيدمر نائب الشام إلى غزة صحبة من خرج من عسكر دمشق في واقعة بيدمر وخروجه، فتوجه وهرب الأمير منجك، وجرى ما جرى وحضر السلطان الملك المنصور محمد بن حاجي، فأنكر على المهمندار موافقته لبيدمر على ذلك وطواعيته له، وأمسك من أمسك من الأمراء، وقطع خبز المهمندار، وخرجت وظيفته للأمير سيف الدين قماري الحموي.
وكان المهمندار ضعيفاً فاستمر مريضاً، إلى أن توفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة ولعله قارب الثمانين رحمه الله تعالى، وبالجملة ما رأى خيراً منه مذ فارق المهمندار.
تمر بغا العقيلي



الأمير سيف الدين نائب السلطنة بالكرك، أحد مماليك الملك الناصر محمد.
كان خيراً كله، وبشراً لا يعدل عنه الصلاح ولا يمله. عاش به أهل الكرك ونجوا بنيابته من النوائب والدرك.


أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني بعض مماليكه قال: هذا أستاذي، عمره ما نكح، وعنده الزوجة المليحة والجواري الملاح.
قلت: لعله كان عنيناً، وإلا فليس في ترك النكاح المشروع معنى يقصد به وجه الله طلب الثواب أو الهرب من العقاب.
ولم يزل على حاله بالكرك إلى أن اجتحفه سيل الحيف حتفا، ودعا به داعي المنون هتفا.
ووفاته رحمه الله في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
تمربغا


الأمير سيف الدين الحسني.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بطرابلس.
ولم يزل بها إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
تمرتاش



بتاء ثالثة الحروف، وميم بعدها راء، وتاء ثالثة الحروف أيضاً وبعدها ألف وشين معجمة: ابن النوين جوبان.
كان معدوداً من الفرسان والأبطال الذين ليسوا من نوع الإنسان. إذا التقى الصفان وسل السيفان نزل عن ظهر جواده وجلس على بساط، واستعمل ما يبعث النفس على الانبساط، وتناول سقرقا صرفا، وركب للحملة على عدوه طرفا.
وكان قد قرر في عسكره أنه من مات في المعترك، فإقطاعه لولده من غير مشترك، ومن هرب فأنا وراءه بالرهب، وإذا وقع في يدي فالسيف، وما أرى في ذلك سلوك جنف ولا حيف.
فلهذا ما ثبت له أحد، ولا وجد من دونه ملتحد. وهزم جيوشاً عديده، وفتح بلاداً مساحتها مديده.
وكان قد خطر له أنه هو المهدي الذي يجيء آخر الزمان ويمهد الأرض، ولما بلغ أباه ذلك ركب وجاء إليه ورده عن العقيدة، واستصحبه معه إلى الأردو إلى خدمة القان بوسعيد. ولما حضر معه رأى الناس في الأردو ينزلون قريباً من خام الملك، فقطع الأطناب بالسيف، ووقف على باب خان القان ورمى بالطومار، وقال: أينما وقع ينزل الناس على دائرته. فأعجب ذلك بوسعيد. وعاد إلى بلاد الروم حاكما.
وكان واسع الكرم، تحسده الغمائم فتتوقد من البوارق بالضرم، لا يبالي بما أنفق، ولا ينام وجفنه على فائت مؤرق. وكان كرمه وجوده المفرط من أسباب هلاكه وإيقاعه في حبائل الموت وأشراكه، لأنه لما وصل إلى القاهرة لحقه من أمواله بالروم مئة ألف راس غنم فيما أظن، أو ثمانون ألف رأس، فلما وصلت إلى قطيا أطلق منها لبكتمر الساقي عشرين ألف رأس، ولقوصون كذا، ولفلان كذا ولفلان كذا، ففرق الجميع، فلم يهن هذا الأمر على الملك الناصر محمد. ودخل يوماً حمام قتال السبع التي في الشارع تحت القلعة، ولما خرج أعطى الحمامي ألف درهم والحارس ثلاث مئة درهم، فزاد ذلك في حنق السلطان عليه.
وكان حسناً شكله، كأن قوامه غصن بان وشعره ظله، إذا خطا تخطر، وظن بقوامه أنه رمح يتأطر، تعطفه نشوة الشباب ويظن من تثنيه أنه ارتشف بنت الحباب، شكا السلطان منه ذلك إلى بعض خواصه وقال: أرأيت هذا تمرتاش كيف يمشي قدامي، هذا إنما هو إعجاب منه بشكله وقده، واستخفافا. فقال: والله يا خوند هكذا يدخل إلى الطهارة، وهذه عادته أبداً.
وكان السبب في دخوله إلى هذه البلاد أنه لما مات أخوه دمشق خواجا، وهرب أبوه جوبان، اجتمع هو بالأمير سيف الدين أيتمش، وطلب الحضور إلى مصر، وحلف له أيتمش أيماناً معظمة عن السلطان، فحضر في جمع كبير، وخرج الأمير سيف الدين تنكز نائب دمشق، وتلقاه في يوم الأحد خامس عشري صفر سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وتوجه إلى السلطان، وظن أن السلطان يخرج له، فلم يخرج لتلقيه وأمر برد من حضر معه إلا القليل، وأعطى لكل واحد مبلغ خمس مئة درهم وخلعة، فعاد الجميع إلا اليسير، وأراد السلطان أن يقطعه شيئاً من أخباز الأمراء، فقال له الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب: يا خوند، أيش قال عنك ؟ أنه وفد عليك وافد من الروم ما كان في بلادك ما تعطيه إقطاعا حتى تأخذ من إقطاع أمرائك، فرسم ل كل يوم من دخل قطيا بألف درهم، إلى أن ينحل له إقطاع يناسبه، ورسم له السلطان على لسان الأمير سيف الدين قجليس أن يطلق من الخزانة ومن الإصطبل ما يريده، وأن يأخذ منهما ما يختاره، فما فعل شيئاً من ذلك.
وكان الناس في كل يوم موكب يوقدون الشموع بين القصرين، ويجلس النساء والرجال على الطرق والأسطحة ينتظرون أن تمرتاش يلبس للإمرة، ثم إنه عبرت عينه أيضاً على مماليك السلطان الأمراء الخاصكية، ويقول: هذا كان كذا، وهذا كان في البلاد كذا، وهذا ألماس كان جمالاً، فما حمل السلطان هذا منه.


وألبس يوماً قباء من أقبية الشتاء على يد بعض الحجاب، فرماه عن كتفه، وقال: ما ألبسه إلا من يد ألماس أمير حاجب. ولما وصل القاهرة أقاموا الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر من الميمنة، ونقلوه إلى الميسرة، وأجلسوه مكانه.
ولم يزل على حاله بالقاهرة، إلى أن قتل جوبان أبوه في تلك البلاد، فأمسك السلطان تمرتاش، واعتقله فوجد لذلك ألماً عظيماً. وقعد أياماً لا يأكل فيها شيئاً، إنما يشرب ماء ويأكل بطيخاً، لما يجده في باطنه من النار، وكان قجليس يدخل إليه ويخرج ويطيب خاطره، ويقول له: إنما فعل السلطان هذا لأن رسل القان بوسعيد على وصول، وما يهون على بوسعيد أن يبلغه عن السلطان أنه أكرمك. وقد حلف كل منهما للآخر، فقال له يوماً: أنا ضامن عندكم انكسر لكم علي مال، حبستموني حتى أقوم به ؟، إن كان شيء فالسيف، وإلا فما في حبسي فائدة، والله ما جزائي إلا أن أسمر على جمل، ويطاف في بلادكم، هذا جزاء وأقل جزاء من يأمن إلى الملوك، ويسمع من كلامهم وأيمانهم.
ثم إن الرسل حضروا يطلبون تمرتاش من السلطان، فقال: ما أسيره حياً، ولكن خذوا رأسه، فقالوا: ما معنا أمر أن نأخذه إلا حيا، وأما غير ذلك فلا، فقال: فقفوا على قتله. وأخرج المسكين من سجنه ومعه قجليس الحاج وأيتمش وغيرهما.
فخنق جوا باب القرافة بقلعة الجبل، وكان يستغيث، ويقول: أين أيتمش ؟ يعني الذي حلف لي، وأيتمش يختبىء بين الناس حتى لا يراه، وقال: ما معكم سيف، لأي شيء هذا الخنق ؟ وكان ذلك في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ثم حز رأسه بحضرة الرسل، وجهز في البريد قبل توجه الرسل، وكتب السلطان إلى بوسعيد يقول له: قد جهزت إليك رأس غريمك، فجهز لي رأس غريمي، يعني قراسنقر، فما وصل الرأس إلى بورسعيد حتى مات قراسنقر حتف أنفه، فقيل لبوسعيد. ألا تجهز رأس قراسنقر إليه، فقال: لا إن الله أماته بأجله ولم أقتله أنا.
ودفنت جثة تمرتاش برا باب القرافة عند تربة الفارس أقطاي. واستشار السلطان تنكز في قتلته، فما أشار بها، وقال: المصلحة استبقاؤه، وكان استشاره أولاً في إمساكه، فما أشار به.
وخلف تمرتاش من الأولاد: الشيخ حسن ومصر ملك، وجمد غان، وبير حسن، وتودان، رشيدون، وملك أشرف، والأشتر، ثم إنه ظهر بعد مدة من ادعى أنه تمرتاش وصدقه أولاده ونساؤه. وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبو بكر الدعي، وكنت قد قلت:
احذر من الدنيا وإقبالها ... فربحها يفضي لخسران
ربّ غنىً فيها انتهى للعنا ... مثل تمرتاش بن جوبان
تنكز


الأمير الكبير المهيب العادل الفريد سيف الدين أبو سعيد الأشرفي الناصري، نائب السلطنة بدمشق.
جلب إلى مصر وهو حدث فنشأ بها. وكان أبيض إلى السمره، كأن وجهه عليه حسن القمر وسعد الزهره، رشيق القامه، متوسط الهامه، مليح الشعر، لا يحسن وصفه من شعر، خفيف اللحية والشارب، يهتز إذا خطا من وسطه إلى السنام والغارب، قليل الشيب، بعيد من الخنا والفاحشة والريب، يملك نفسه عند المحارم، ويعد مغانم الفاحشة من المغارم، يذوب وجداً في هواه ويفنى غراما، ولا يرتكب - مع القدرة - حراما. يعظم الشرع الشريف ولا يخرج عن حكمه، ويوقر من يراه من الفضلاء لعلمه، ماله لذة في غير أمن رعاياه، ومن انضوى إلى ظله أو انزوى إلى زواياه، وكانت بذلك أيامه أعيادا، ولياليه أعراسا، وأموال الناس موفرة عليهم لا تفارق منهم أكياسا، كم أخذ الناس من إمره، وما نالهم غرامة خيط في إبره. وكم باشروا ولايات، وكم وصلوا إلى عدة نيابات، وكم وصل من إقطاع، وكم حكم حاكماً فقضى وهو بأمره يطاع، وما أحد تنوبه غرامه، ولا يعرف أسد خبت من غزلان رامه.
هذا، مع معرفة ودربه، وأحكام قد سددها الله، فما نفع منه في مواطن غربه، يقرأ الموقع عليه القصة ويسكت، ويطرق بعد ذلك في الأرض ينكت، فيأخذها ويعطيها لمشد الأوقاف إن كانت تتعلق بأحكام القضاه، أو للحاجب إن كانت تتعلق بأمر يأباه ولا يرضاه، أو للصاحب إن كانت تتعلق بجامكية أو مرتب، أو لناظر الجيش إن كانت تتعلق بحدود أرض، أو من قد ظلم جنديه وتغلب، أو لوالي المدينة إن كان بعملة سرقت، أو حادثة نزلت بأحد أو طرقت. ومع هذا يقول لكل واحد منهم ما يعتمده، ويكون في حجته ومستنده، وجميع ذلك مسدد، موثق بالشرع وبالسياسة مشدد.


ولم ير الناس أعف من يده ولا من فرجه، ولا شاهدوا شمس عدل نزلت أحسن من برجه، وأطار الله طائر حرمته ومهابته في سائر البلاد، وأثار سائر معرفته بين أهل الجدال والجلاد، ولذلك كانت الأسعار رخيصه، والضعيف لا ترعد له من القوي فريصه، وسائر الأصناف موجوده، وأثمانها واقفة عند حدود محدوده.
ولهذا كتبت أنا من الديار المصرية إلى القاضي شهاب الدين بن القيسراني:
ألا هل لييلاتٌ تقضّت على الحمى ... تعود بوعد للسرور منجّز
ليالٍ إذا رام المبالغ وصفها ... يشبّهها حسناً بأيّام تنكز
وكان الأمير سيف تنكز - رحمه الله تعالى - قد جلبه الخواجا علاء الدين السيواسي، وبعض الناس يقول: إنه مملوك السلطان حسام الدين لاجين، والصحيح ما أخبرني به القاضي شهاب الدين بن القيسراني قال: قال لي يوماً: أنا والأمير سيف الدين طينال من مماليك الأشرف.
سمع صحيح البخاري غير مرة من ابن الشحنة، وسمع كتاب الآثار للطحاوي، وصحيح مسلم، وسمع من عيسى المطعم وأبي بكر بن عبد الدائم، وحدث بثلاثيات البخاري، قرأها عليه المقريزي بالمدينة النبوية.
أمره السلطان الملك الناصر محمد إمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك، وكان معه في الكرك، وترسل عنه منها للأفرم، فاتهمه أن معه كتباً إلى أمراء الشام، ففتشه وعرض عليه العقوبة، فحصل له منه مخافة شديدة. ولما عاد عرف السلطان ذلك، فقال له: إن عدت إلى الملك فأنت نائب دمشق. فلما عاد وجرى ما جرى، وجعل الأمير سيف الدين أرغون نائب مصر قال لتنكز ولسودي: لازما أرغون وأبصرا أحكامه، فلازماه سنة.
ثم إنه جهز سودي لنيابة حلب، وبعد ذلك جهز تنكز إلى دمشق على البريد، ومعه الحاج أرقطاي وحسام الدين البشمقدار، فوصل إلى دمشق يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وباشر النيابة، وتمكن منها، وسار بالعساكر إلى ملطية وافتتحها في شهر الله المحرم سنة خمس عشرة وسبع مئة. وعظم شأنه وهابه الأمراء بدمشق، والنواب بممالك الشام، وأمن الرعايا في مواطنهم، وتحفزت السبل، وترددت القفول من سائر الأقطار، ولم يكن أحد من الأمراء ولا من أرباب الجاه يظلم أحداً ذمياً أو غيره خوفاً منه لبطشه وشدة إيقاعه.
ولم يزل في علو وارتقاء منزلة يتضاعف إقطاعه في كل وقت، وتزيد عوائد أنعامه وخيوله وما يصل إليه من باب السلطان من القماش والجوارح والتشاريف.
وكان السلطان لا يفعل شيئاً في مصر في ملكه غالباً حتى يستشيره ويكتب إليه فيه، وقلما كتب هو إلى السلطان وسأله في شيء فرده في جميع ما يقرره من عزل وولاية في نيابة أو قضاء قضاة أو غير ذلك من إقطاع الإمرة والحلقة، ولا يعطي لأحد إمرةً صغيرة كانت أو كبيرة أو نيابةً أو قضاء قضاة أو منصباً، صغيراً كان أو كبيراً فأخذ عليه رشاً أو طلب عليه مجازاةً أو مكافأة، هذا لم نسمعه عنه في وقت من الأوقات، بل يدفع إليه المبلغ الكبير أو الملك أو غير ذلك مما هو بجمل معدودة فيردها، ويعطي ذلك المطلوب لمن يسخره الله له بلا شيء.
ثم إن السلطان أذن له في الحضور إلى القاهرة، فتوجه إليها وعاد مكرماً محترماً زائد الإنعام، وصار بعد ذلك يتوجه في غالب الأوقات في كل سنة، وفي كل مرة يزيد إكرامه وإنعامه.
أخبرني القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص أن الذي خص الأمير سيف الدين تنكز من الإنعام في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بلغ ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم. خارجاً عما أنعم عليه من الخيل والسروج، وماله على الشام من العين والغلة والأغنام. ثم إنني رأيت أوراقاً بيده فيها كلفته، وهي ثلاث وعشرون قائمة، من جملة ذلك طبلا باز ذهباً صرفاً، زنتهما ألف مثقال.
والقباء العفير الذي يلبسه آخراً، قال لي القاضي شرف الدين: إنه يتقوم على السلطان بألفي دينار مصرية فيه ألف وخمس مئة دينار حريراً، وأجر خمس مئة دينار. ثم إنه توجه بعد ذلك فيما أظن أربع مرات، وكل مرة يضاعف إنعامه وتمكينه، وتزيد هيبته، إلى أن كان أمراء مصر الخاصكية يخافونه.

أخبرني الأمير سيف الدين قرمشي الحاجب قال: قال لي السلطان: يا قرمشي لي ثلاثين سنة وأنا أحاول من الناس أمراً وما يفهمونه عني، وناموس الملك يمنعني أن أقوله بلساني، وهو أني لا أقضي لأحد حاجةً إلا على لسانه أو بشفاعته، ودعا له بطول العمر. قال: فبلغت ذلك للأمير، فقال: بل أموت أنا في حياة مولانا السلطان. قال: فلما أنهيت ذلك السلطان قال: يا قرمشي، قل له: لا أنت إذا عشت بعدي نفعتني في أولادي وحريمي وأهلي، وأنت إذا مت قبلي إيش أعمل أنا مع أولادك، أكثر ما يكونون أمراء، وها هم الآن أمراء في حياتك، أو كما قال.
وآخر ما كتب له عن السلطان في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي الأميري. وفي جملة الألقاب: الأتابكي الزاهدي العابدي. وفي النعوت: معز الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، وهذا لم نعهده يكتب لنائب عن السلطان ولا لغير نائب، على اختلاف الوظائف والمناصب.
وزادت أملاكه، وعمر جامعه المعروف به بحكر السماق بدمشق، وأنشأ إلى جانبه تربة وداراً وحماماً، شرع في عمارة ذلك في شهر صفر سنة سبع عشرة وسبع مئة وعمر تربة لزوجته أم أمير علي، ومسجداً ومكتب أيتام بجور الخواصين، وعمر داراً للقرآن عند داره بجوار القليجية، وأنشأ بصفد بيمارستاناً، وعمر بالقدس رباطاً وحمامين، وساق الماء إلى الحرم، وصار يجري على باب المسجد الأقصى، وعمر بالقدس قيسارية مليحة، وجدد القنوات بدمشق، فانصلحت مياهها بعد أن كانت فسدت طعومها، وتغيرت روائحها، وجدد عمائر المدارس والزوايا والربط والخوانق، ووسع الطرقات، وأصلح الرصفات.
كان يدور بنفسه في الليل مختفياً ويشير بما يراه فما يصبح ذلك المكان إلا وقد هدم والصناع تعمل فيه.
وله في سائر الشام أملاك وعمائر وأوقاف. وفي الديار المصرية أيضاً داره المعروفة به، والحمام بالكافوري.
وكان الناس في أيامه آمنين على أنفسهم وحريمهم وأولادهم وأموالهم ووظائفهم، من في يده وظيفة لا يجسر أحد يطلبها لا من مصر ولا من الشام.
وكان يتوجه في كل سنة إلى الصعيد بمن يختاره من عسكر الشام إلى نواحي الفرات، وعدى الفرات في بعض سفراته وأقام يتصيد في ذلك البر خمسة أيام. وكان أهل تلك البلاد ينجفلون قدامه إلى بلاد توريز وسلطانية، وكذلك بلاد ماردين وبلاد سيس، وكان يصل أجرة الدابة خمسة عشر درهما في مسيرة نصف يوم.
ولم يكن له غرض غير الحق والعمل به ونصرة الشرع، خلا أنه كان به سوداء يتخيل بها الأمر فاسداً، ويحتد خلقه ويتغير ويزيد غضبه، فهلك بذلك أناس، لا يقدر أحد من مهابته يوضح له الصواب. وكان إذا غضب لا سبيل إلى رضاه ولا أن يحصل منه عفو. وإذا بطش بطش بطش الجبارين، ويكون الذنب عنده صغيراً حقيراً نزراً يسيراً، فلا يزال يكبره ويعظمه ويزيده ويوسعه، إلى أن يخرج فيه عن الحد. ورأيت من سعادته أشياء منها أنه كان إذا غضب على أحد، في الغالب لا يزال ذلك المغضوب عليه في خمول وخمود وتعس ونكس إلى أن يموت.
قال القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود كاتب سره قال: والله ما زلت في هم وخوف وتوقع مثل هذا إلى أمسك. وغضب على أحد ورضي عنه.
أخبرني قوام الدين أحمد بن أبي الفوارس البغدادي قال: قلت له يوماً: والله يا خوند، أنا رأيت أكبر منك وأكثر أموالاً منك، فلما سمع ذلك تنمر، وقال بغيظ: من رأيت أكبر مني ؟ فقلت: خربندا وبوسعيد وجوبان، فلما سمع ذلك سكن غيظه. ثم قلت له: إلا أنهم لم تكن رعاياهم تحبهم هكذا، ولا يدعون لهم كما يدعو رعاياك لك، ولا كانت رعاياهم في هذا الأمن وهذا العدل. فقال لي: يا فلان: أي لذة للحاكم إذا لم تكن رعاياه آمنين مطمئنين.
ومن إيثاره للعدل أنه كان يوماً يأكل معه بعض خواصه، أنسيت اسمه، فنظر إصبعه مربوطة، فسأله عن السبب فأنكره، فلم يزل به حتى قال: يا خوند: واحد قواس عمل قوساً ثلاث مرات، فأغاظني فلكمته، فلما سمع كلامه التفت عن الطعام، وقال: أقيموه، ورماه وضربه، على ما قيل: أربع مئة عصا، وقطع إقطاعه وبقي غضبان عليه سنين إلى أن شفع فيه حتى رضي عنه.

وأخبرني ناصر الدين محمد بن كوندك دواداره بعد موت تنكز بسنين، قال: والله ما رأيته في وقت من الأوقات مدة ما كنت في خدمته غافلاً عن نفسه، ولا أراه إلا كأنه واقف بين يدي الله تعالى، وما كان يخلو ليله من قيام. وقال لي أيضاً: لم يصل الأمير صلاة قط إلا بوضوء جديد.
وقال لي أيضاً: من حشمة الأمير أنه ما أمسك ميزاناً بيده قط منذ كان في الطباق إلى آخر وقت. انتهى.
قلت: ولم يكن عنده دهاء ولا له باطن، ولا عنده خديعة ولا مكر، ولا يصبر على أذى، ولا يحتمل ضيماً، ولا فيه مداراة ولا مداهنة لأحد من الأمراء، ولا يرفع بهم رأساً. وكان الشيخ حسن بن تمرتاش قد أهمه أمره وخافه، فيقال: إنه تمم عليه عند السلطان، وقال له: إنه قد قصد الحضور إلى عندي والمخامرة عليك، فتنكر السلطان له، وكان السلطان في عزم تجهيز الأمير سيف الدين بشتاك ويلبغا اليحيوي وعشرين أميراً من الخاصكية ومعهم بنتا السلطان إلى دمشق ليزوجوهما بابني الأمير سيف الدين تنكز، فبعث هو يقول: يا خوند، أيش الفائدة في حضور هؤلاء الأمراء الكبار إلى دمشق، والبلاد الساحلية في هذه السنة ممحلة وتحتاج العسكر إلى كلفة عظيمة وأنا أحضر بولدي إلى الأبواب الشريفة ويكون الدخول هناك، فجهز إليه السلطان طاجار الدوادار، يقول له: السلطان يسلم عليك ويقول لك إنه ما بقي يطلبك إلى مصر، ولا يجهز إليك أميراً كبيراً حتى لا تتوهم. فقال: أنا أتوجه معك بأولادي. فقال له: لو وصلت إلى بلبيس ردك، وأنا أكفيك هذا المهم، وبعد ثمانية أيام أكون معك بتقليد جديد وإنعام جديد، فلبثه بهذا الكلام، ولو كان توجه إلى السلطان ورأى وجهه لكان خيراً " ولكنْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أمْراً كانَ مَفعولاً " .
وكان أهل دمشق في تلك المدة قد أرجفوا بأنه قد عزم على التوجه إلى بلاد التتار، فوقع ذلك الكلام في سمع طاجار الدوادار، وكان تنكز في هذه المدة قد عامله معاملة لا تليق به، فتوجه من عنده مغضباً، وكأنه حرف بعض الكلام والله أعلم، فتغير السلطان تغيراً عظيماً، وجرد خمسة آلاف فارس أو عشرة ومقدمهم بشتاك، وحلف عسكر مصر أجمع له ولأولاده، وجهز على البريد الأمير سيف الدين طشتمر النائب بصفد يأمره بالتوجه إلى دمشق والقبض على تنكز، وكتب إلى الحاجب وإلى قطلوبغا الفخري وإلى الأمراء بدمشق بالقبض عليه، وقال: إن قدرتم عليه، وإلا فعوقوه إلى أن يصل العسكر المصري، فوصل الأمير سيف الدين طشتمر الظهر إلى المزة، وجهز إلى الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري، وكان دوادار طشتمر قد وصل قبله بكرة النهار، واجتمع بالأمراء، واتفقوا، وتوجه الأمير سيف الدين أللمش الحاجب إلى جهة القابون. ووعر الطريق، ورمى الأخشاب فيها، وبرك الجمال، وقال للناس: إن غريم السلطان يعبر الساعة عليكم، فلا تمكنوه. وركب الأمراء واجتمعوا على باب النصر.
هذا كله وهو بسلامة الباطن في غفلة عما يراد به، ينتظر قدوم طاجار عليه بالتقليد الجديد، وكان قد خرج في ذلك النهار إلى قصره الذي بناه في القطائع عند حريمه، فتوجه إليد قرمشي الحاجب، وعرفه بوصول طشتمر، فبهت لذلك وسقط في يده، فقال له: ما العمل فقال: تدخل إلى دار السعادة، وغلقت أبواب المدينة، وأراد اللبس والمحاربة، ثم إنه علم أن الناس ينهبون، ويلعب السيف في دمشق، فآثر إخماد الفتنة، وأن لا يشهر سلاح. وأشاروا عليه بالخروج، فجهز إلى الأمير سيف الدين طشتمر وقال له: في أي شيء جئت ؟ قال: أنا جئتك من عند أستاذك، فإن خرجت إلي قلت لك ما قال لي، وإن رحت إلى مطلع الشمس تبعتك. ولا أرجع إلا إن مات أحدنا، والمدينة ما أدخل إليها. فخرج إليهم وقد عاين الهلاك، فاستسلم وأخذ سيفه، وقيد خلف مسجد القدم، وجهز السيف إلى السلطان، وجهز تنكز إلى باب السلطان، ومعه الأمير ركن الدين بيبرس السلاح دار، وكان ذلك العصر ثالث عشري ذي الحجة سنة أربعين وسبع مئة.
وتأسف أهل دمشق عليه ويا طول أسفهم وامتداد حزنهم وتلهفهم، فسبحان مزيل النعم الذي لا يزول ملكه، ولا يتغير عزه، ولا تطرأ عليه الحوادث.

ولقد رأيته بعيني في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وكنا في ركابه، وقد خرج السلطان في أولاده وأمرائه إلى البئر البيضاء يتلقاه، فلما قاربه ترجل له، وقبل رأسه، وضمه إليه، وبالغ في إكرامه، بعد ما كان يجيء إليه أمير بعد أمير يسلم عليه ويبوس يده وركبته وهو راجل، والأمير سيف الدين قوصون جاء إليه وتلقاه إلى منزله بالصالحية.
وأما الإنعامات التي كانت يفيضها عليه في تلك السنة من الرمل في كل يوم، إلى أن خرج في مدة تقارب الخمسين يوماً فشيء خارج على الحد.
ولقد رأيته وهو في الصيد في تلك السنة بالصعيد، وقد جاء إليه السلطان وقدامه الخاصكية: الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، ويلبغا اليحيوي، وألطنبغا المارداني، وآقسنقر، وآخر أنسيته الآن، وعلى يد كل واحد من هؤلاء الخمسة طير من الجوارح، وقال له: يا أمير أنا شكارك، وهؤلاء بازداريتك وهذه طيورك، فأراد النزول لبوس الأرض فمنعه.
ثم إنني رأيته بعيني يوم أمسك وقيد، والحداد يقيمه ويقعده أربع مرات، والعالم واقفون أمامه، وكان ذلك عندي عبرةً عظيمة. واحتيط على حواصله، وأودع مملوكاه طغاي وجنغاي في القلعة، وبعد مدة يسيرة وصل الأمير سيف الدين بشتاك وطاجار الدوادار والحاج أرقطاي وتتمة عشرة أمراء، ونزلوا القصر الأبلق، وحال وصولهم، حلفوا الأمراء، وشرعوا في عرض حواصله، وأخرجوا ذخائره وودائعه.
وتوجه بشتاك إلى مصر ومعه من ماله ما يذكر، وهو ذهب عين ثلاث مئة ألف وستة وثلاثون ألف دينار، ودراهم ألف ألف وخمس مئة ألف درهم، وجواهر بلخش أحجار مثمنة، وقطع غريبة، ولؤلؤ غريب الحب، وزركش طرز وكلوتات وحوائص ذهب بحامات مرصعة، وأطلس وغيره من القماش ما كان جملته ثمان مئة حمل.
وأقام بعد الأمير سيف الدين برسبغا، وتوجه بعدما استخلص من الناس ومن بقايا أموال تنكز وحواصله وبيوته أربعون ألف دينار وألف ألف درهم ومئة ألف درهم، وأخذ مماليكه وجواريه وخيله الثمينة إلى مصر.
وأما هو رحمه الله تعالى فإنه لما وصل إلى القاهرة أمر السلطان جميع الأمراء والمماليك أن يقعدوا له في الطرقات من جوا باب القلعة، وأن لا يقوم له أحد تقع عينه عليه، ولم يستحضره بل كان الأمير سيف الدين قوصون يتردد إليه في الرسلية، وهو بنفس قوية ونفس عظيم، لا يخضع ولا يخشع، وقال له مع قوصون: قال لك السلطان أبصر من تختاره يكون وصيك، فقال: قل له: والله خدمتك ونصحك ما تركت لي صاحباً أثق به ولا أتحول عليه، فمالي أحد أوصي له، فاستشار الأمراء في أمره، فقال له الأمير قوصون: يا خوند، هذا دعه أميراً هنا يركب وينزل في الخدمة. وقال الجاولي: يا خوند، هذا لا تفرط فيه تندم، وما يفوتك منه أمر ترومه. فأمر بتجهيزه إلى إسكندرية ومعه المقدم إبراهيم بن صابر، فأقام بها معتقلاً دون الشهر، وقضى الله فيه أمره، وصلي عليه بالإسكندرية. يقال إن ابن صابر توجه إليه إلى الإسكندرية وكان ذلك آخر العهد به، وأظلم الوجود، وزال أنسه بسببه.
وكأنه برق تألّق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع
ثم إنه ورد مرسوم السلطان إلى الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب الشام يقول فيه: إن تنكز كنا سألناه عن ماله فأنكر وقال: الذي هو تحت يد خزنداريتي، وهو مضبوط عند كتابي، فلما بلغه أنا استخرجنا ودائعه، وحصلنا جميع ماله، حصل له بذلك غيظ شديد وغبن عظيم، فحم لذلك حمى مطبقة ومات منها.
وورد مرسوم السلطان بأن تقوم أملاكه، فعمل ذلك بالعدول وأرباب الخبرة، وشهود القيمة وحضرت بذلك محاضر شرعية. إلى ديوان الإنشاء لتجهز إلى السلطان، فنقلت منها ما صورته: دار الذهب بمجموعها وإصطبلاتها: ست مئة ألف درهم.
دار الزمرد: مئتا ألف وسبعون ألف درهم.
دار الزردكاش وما معها: مئتا ألف وعشرون ألف درهم.
الدار التي بجوار جامعه: مئة ألف درهم.
الحمام التي بجوار جامعه: مئة ألف درهم.
خان العرصة: مئة ألف وخمسون ألف درهم.
إصطبل حكر السماق: عشرون ألف درهم.
الطبقة التي بجوار حمام ابن يمن: أربعة آلاف وخمس مئة درهم.
قيسارية المرحلتين: مئتا ألف وخمسون ألف درهم.
الفرن والحوش بالقنوات من غير أرض: عشرة آلاف درهم.
حوانيت التعديل: ثمانية آلاف درهم.
الأهراء من إصطبل بهادر آص: عشرون ألف درهم.
خان البيض وحوانيته: مئة ألف وعشرة آلاف درهم.

حوانيت باب الفرج: خمسة وأربعون ألف درهم.
حمام القابون: عشرون ألف درهم.
حمام القصير العمري: ستة آلاف درهم.
الدهشة والحمام: مئتا ألف وخمسون ألف درهم.
بستان العادل: مئة ألف وثلاثون ألف درهم.
بستان النجيبي والحمام والفرن، مئة ألف ثلاثون ألف درهم.
بستان الجبلي بحرستا: أربعون ألف درهم.
بستان الدردور بزبدين: خمسون ألف درهم.
الحدائق بحرستا: مئة ألف وخمسة وستون ألف درهم.
بستان القوصي بها: ستون ألف درهم.
الجنينة المعروفة بالحمام بزبدين: سبعة آلاف درهم.
بستان الرزاز: خمسة وثلاثون ألف درهم.
الجنينة وبستان غيث بها: ثمانون ألف درهم.
المزرعة المعروفة بتهامة بها: ستون ألف درهم.
مزرعة الركن البوقي والعنبري: مئة ألف درهم.
الحصة بالدفوف القبلية بكفر بطنا، ثلثاها: ثلاثون ألف درهم.
بستان السقلاطوني بالمنيحة: خمسة وسبعون ألف درهم.
حقل البيطارية بها: خمسة عشر ألف درهم.
الفاتكيات والرشيدي والكروم من زملكا: مئة ألف وثمانون ألف درهم.
مزرعة المرفع بالقابون: مئة ألف درهم.
الحصة من غراس غيطة الأعجام: عشرون ألف درهم.
نصف الغيطة المعروفة برزنية: خمسة آلاف درهم.
غراس قائم في جوار دار الجالق: ألفا درهم.
النصف من غراس الهامة: ثلاثون ألف درهم.
الحوانيت التي قباله جامعه: مئة ألف درهم.
الإصطبلات التي عند الجامع: ثلاثون ألف درهم.
بيدر زبدين: ثلاثة وأربعون ألف درهم.
أرض خارج باب الفرج: ستة عشر ألف درهم.
القصر وما معه خمس مئة ألف وخمسون ألف درهم.
ربع القصرين ضيعة: مئة ألف وعشرون ألف درهم.
نصف البيطارية: مئة ألف وثمانون ألف درهم.
حصة من البويضا: مئة ألف وسبعة وثمانون ألف درهم.
نصف بوابة: مئة ألف وثمانون ألف درهم.
العلانية بعيون الفاسرتا ثمانون ألف درهم.
حصة دير ابن عصرون: خمسة وسبعون ألف درهم.
حصة دوير اللبن : ألف وخمس مئة درهم.
الدير الأبيض: خمسون ألف درهم.
التنورية: اثنان وعشرون ألف درهم.
العديل: مئة ألف وثلاثون ألف درهم.
حوانيت داخل باب الفرج: أربعون ألف درهم.
الأملاك التي بمدينة حمص الحمام بحمص: خمسة وعشرون ألف درهم.
الحوانيت: سبعة آلاف درهم.
الربع: ستون ألف درهم.
الطاحون الراكبة على العاصي: ثلاثون ألف درهم.
زور قبجق: خمسة وعشرون ألف درهم.
الخان: مئة ألف درهم.
الحمام الملاصقة للخان: ستون ألف درهم.
الحوش الملاصق له: ألف وخمس مئة درهم.
المتاخ: ثلاثة آلاف درهم.
الحوش المجاور للخندق: ثلاثة آلاف درهم.
حوانيت العريضة: ثلاثة آلاف درهم.
الأراضي المحتكرة: سبعة آلاف درهم.
الأملاك التي ببيروت الخان: مئة وخمسة وثلاثون ألف درهم.
الحوانيت والفرن: مئة وعشرون ألف درهم.
المصبنة بآلاتها: عشرة آلاف درهم.
الحمام: عشرون ألف درهم.
المسلخ: عشرة آلاف درهم.
الطاحون: خمسة آلاف درهم.
قرية زلايا: خمسة وأربعون ألف درهم.
القرى التي بالبقاع مرج الصفا: سبع مئة ألف درهم.
التل الأخضر: مئة ألف وثمانون ألف درهم.
المباركة: خمسة وسبعون ألف درهم.
المسعودية: مئة ألف وعشرون ألف درهم.
الضياع الثلاثة المعروفة بالجوهري: مئة ألف وسبعون ألف درهم.
العادة: أربع مئة ألف درهم.
أبروطيا: ستون ألف درهم.
غير ذلك نصف يبرود والصالحية، والحوانيت: أربع مئة ألف درهم.
المباركة والناصرية: مئة ألف درهم.
رأس الماء بيم الروس: سبعة وخمسون ألف وخمس مئة درهم.
حصة من خربة روق: اثنان وعشرون ألف درهم.
رأس الماء والدلي بمزارعها: خمس مئة ألف درهم.
حمام صرخد: خمسون ألف درهم.
طاحون الفوار: ثلاثون ألف درهم.
السالمية: سبعة آلاف وخمس مئة درهم.
طاحون المغار: عشرة آلاف درهم.
قيسارية أذرعات: اثني عشر ألف درهم.
قيسارية عجلون: مئة ألف وعشرون ألف درهم.
الأملاك بقارا الحمام: خمسة وعشرون ألف درهم.
الهري: ست مئة ألف درهم.
الصالحية والطاحون والأراضي: مئة ألف وخمسة وعشرون ألف درهم.
راسليتا ومزارعها: مئة وخمسة وعشرون ألف درهم.
القصيبة: أربعون ألف درهم.
القريتين المعروفة إحداهما بالمزرعة والأخرى بالبينسية: تسعون ألف درهم.

هذا كله خارج عن الأملاك ووجوه البر بصفد وعجلون والقدس ونابلس والرملة وجلجولية والديار المصرية، لأنه عمر بيمارستاناً بصفد مليحاً، وبعض أوقافه بها، وعمر بالقدس رباطاً وحمامين وقيسارية، وله بجلجولية خان مليح إلى الغاية أظنه سبيلاً، وله بالرملة، وله بالقاهرة في الكافوري دار عظيمة وإصطبل وحمام وحوانيت.
وكان رحمه الله قد اعتمد في حياته شيئاً ما سمعنا به عن غيره، وهو أنه استخدم كاتباً بمعلوم يأخذه في كل شهر من عين وغلة، ليس له شغل ولا عمل غير ما يدخل خزانته من الأموال ويستقر له، فإذا حال الحول على ذلك الواصل، عمل أوراقاً بما يجب عليه صرفه من الزكاة، وتعرض الأوراق عليه، فيأمر بإخراجه وصرفه إلى ذوي الاستحقاق.
وكان إذا جلس في الخدمة يقعد ويرفع يديه، ويدعو سراً بما يحب، ويمسح وجهه، ثم بعد ذلك يفتح الدواة، ويأخذ القلم، ويضعه على ظفر إبهامه اليسار، ويفتح شقته، ويقبل على كاتب السر ويقرأ القصص عليه، وإذا أراد فراغ الخدمة طبق الدواة، فيقول الحاجب: بسم الله استريحوا. وإذا علم في كل يوم فهو الدستور للناس أجمعين.
إذا خرج كاتب السر لا يبقى بدار السعادة أحد من أرباب الخدم، وكان أخيراً لا يدخل عليه العلامة إلا أربعين علامة بالعديد من غير زيادة، وكان أخيراً إذا توجه إلى الصيد لا يعود يمسك قلماً ولا يعلم علامة، بل قبل السفر يكتب جميع ما يحتاج إليه من الأجوبة، والكتب المطلقة والتسامير وأوراق الطريق والمطالعات إلى باب السلطان، ويدخل بها في يومين ثلاثة وهي مسطرات، يتعلم على الجميع إلى أن يتكامل ما يريده كاتب السر.
وكان يعظم أهل العلم، وإذا كانوا عنده واجتمع بهم لا يسند ظهره إلى الحائط، بل ينفتل ويقبل وجهه، ويوادهم ويؤنسهم، أعني غير القضاة، ويقول: حلت علينا البركة. فالله يكرمه في جواره، ويجيره في يوم الموقف من دار بواره بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وقلت أرثيه، رحمه الله تعالى:
كذا تسري الخطوب إلى الكرام ... وتسعى تحت أذيال الظلام
وتغتال الحوادث كلّ ليثٍ ... هزبرٍ عن فريسته محام
وتبذل بعد عزٍّ وامتناعٍ ... وجوهٌ لم تعرّض للّطام
فكم ملكٍ غدا في الأرض دهراً ... وآل إلى انتقالٍ وانتقام
إذا ما أبرم المقدور أمراً ... رأيت الصّقر من صيدا الحمام
وهل يرجى من الدنيا رفاءٌ ... ولم تطبع على رعي الذمام
إذا ضاقت جوانحنا بهمٍّ ... توسّعه بأنواع السّ؟قام
أقال اللّه عثرتنا فإنّا ... رمانا الدّهر في شرّ المرامي
وردّ اللّه عقبانا لخيرٍ ... فقد أمسى الزمان بلا زمام
تنكّر يوم تنكز كّل عرف ... وسام الذلّ فينا كلّ سام
ومال إلى المدينة كلّ مولى ... وحام على الرزية كلّ حام
وأذهل يومه الألباب حتّى ... كأنّا فيهب صرعى بالمدام
بكيت دمشق لمّا غاب عنها ... وأوحش أفقها بدر التّمام
فيا تمزيق شمل العدل فينا ... ويا تفريق ذاك الإنتظام
ويا لمصيبةٍ بدمشق حلّت ... شدائدها بأحداث عظام
فكم من مقلة للحزن تجري ... مدامعها بأربعةٍ سجام
رعاه اللّه من راعٍ أمينٍ ... أنام بعدله عين الأنام
وكفّ حوادث الأيّام عنهم ... فلم تطرق حماهم بانتقام
وكيف ينوبهم خطبٌ ملمٌّ ... وناب الدّهر فيهم غير نام
حنوٌّ زاد في إفراط برٍّ ... يسكّن برده لهب الضّرام
وتدبيرٌ خلا عن حظّ نفسٍ ... وناب الرّعب فيه عن الحسام
ودستٌ حكمه في دار عدلٍ ... تأيّد بالملائكة الكرام
وكم جبّار قومٍ ذي عتوٍّ ... تهيّب أن يراه في المنام
يساوي عنده في العدل بين ال ... كرام الغرّ والسّود اللئام
وهيبته سرت شرقاً وغرباً ... وشاعت عنه في مصرٍ وشام
يراع المغل في توريز منه ... ويطرق أرضهم في كلّ عام

وكم قطع الفرات وصاد حتّى ... توغّل في فضا تلك المرامي
إذا ما قيل هذا اللّيث وافى ... مضوا هرباً كأمثال النّعام
فرائسه فرائصها تراها ... دوامي لا تزال على الدّوام
ولم نر قبله ليثاً أتته ... أفاعي القيد تنذر بالحمام
وقد رقت لنا فتئنّ حزناً ... عليه في القعود وفي القيام
ألا فاذهب سقيت أبا سعيدٍ ... فقد روّى زمانك كلّ ظام
فأنت وديعة الرّحمن منّا ... تحوطك في الرّحيل وفي المقام
وليت فلم تخن للّه عهدا ... ولم تجذبك فيه عرى الملام
وحاشى أن يراك اللّه يوماً ... تعدّيت الحلال إلى الحرام
ونلت من السّعادة والمعالي ... منالاً حاز غايات المرام
وكنت إذا دجا ليل القضايا ... وكانت من مهمّاتٍ جسام
تفرجّها بقولٍ منك فصلٍ ... لأنّ القول ما قالت حذام
وكنت تحبّ نور الدّين طبعاً ... لأنّكما سواءٌ في التزام
رعيت كما رعى وحميت ما قد ... حمى نفديك من راع وحام
بقيت ممتّعاً بالخلد حتّى ... يقوم النّاس من تحت الرّجام
ولما كان في أوائل شهر رجب الفرد سنة أربع وأربعين وسبع مئة، حضر تابوته من الإسكندرية إلى دمشق، ودفن - يرحمه الله تعالى - في تربته التي تجاور جامعه بدمشق فقلت:
إلى دمشق نقلوا تنكزا ... فيالها من آية ظاهرة
في جنّة الدنيا له جثّة ... ونفسه في جنة الآخرة
وقلت أيضاً:
في نقل تنكز سرٌّ ... أراده اللّه ربّه
أتى به نحو أرضٍ ... يحبّها وتحبّه
وقلت أيضاً كأني أخاطبه:
أعاد اللّه شخصك بعد دهر ... إلى بلدٍ وليت فلم تخنها
أقمت بها تدبّرها زمانا ... وتأمر في رعاياها وتنهى
فلا هذا الدخول دخلت فيها ... ولا ذاك الخروج خرجت منها
تنكز بغا


الأمير سيف الدين المارداني، أمير مجلس الناصري.
كان حظيا عند الملك الناصر حسن، والسعد في يده يصرفه بزمام ورسن. بالغ في تقريبه، واعتمد على عقله وتجريبه، فنوله ما شاء من وجاهه، وخوله فيما أراد من فضل ونباهه. إلا أنه في آخر أيامه اعتل، ورماه السقم بدائه وانسل. فلم يزل يقوم ويبرك، ويسكن ويحرك، إلى أن اختطفه كاسر المنيه، واجتحفه سيل المنيه.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
كان في أيام الملك الناصر حسن الأولى مشد الشرابخاناه، ولما أمسك الوزير منجك وجرى ما جرى، أعطي إمرة مئة، وتقدمة ألف، واختص بالملك الناصر، وصارت له المنزلة العلية عنده، فخرج الأمير علاء الدين مغلطاي، وطاز على السلطان وركبا إلى قبة النصر، وجهز إليه: أن جهز إلينا النمجا وتنكز بغا، فجهز إليهما ما طلباه وخلعاه، وجرى ما جرى.
ثم لما ملك الملك الصالح صالح، أفرج عنه، وحضر معه إلى الشام في واقعة بيبغاروس، ولما عاد إلى مصر رسم له بإمرة مئة فارس وتقدمة ألف، وعظم شأنه، وارتفع قدره في الدولة الناصرية الثانية، وعين لنيابة الشام مرات، فما اختار ذلك.
ثم إنه تعلل وطال مرضه قريباً من سنة إلى أن ورد الخبر بوفاته رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
توبة



ابن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة: الصاحب تقي الدين أبو البقاء الربعي التكريتي. المعروف بالبيع.
كان أولاً تاجراً، حضر إلى البلاد وتعرف بالسلطان الملك المنصور وهو أمير قبل الملك، فلما آل الأمر إليه ولاه وزارة الشام مدة، ثم إنه عزله، ثم تولى وصودر غير مرة، ثم يسلمه الله تعالى.
وعمر لنفسه تربة مليحة تصلح للملك، وكان يظلم الناس ويعسف، ويهيل كثبان الأموال وينسف، إلا أنه مع ظلمه فيه مروءه، وعنده من الإسلام بقايا رحمة مخبوءه، وتقريب لأهل الصلاح، وادخار من دعاء الفقراء، فإنه أوقى جنة وأمضى سلاح.


ولم يكن له باطن ينطوي على غش، ولا يسكن الخبث معه في عش، وفيه سماح ومزاح غير مزاح، وكرم يباري به الرياح، وحسن خلق يصفو به كدر الماء، ويتلعب بالقلوب تلعب الأفعال بالأسماء، يقتني الخيول المسومه، والمماليك الملاح الذين وجوههم أقمار على رماح مقومه.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءت نوبة توبه، وسقاه غمام الحمام صوبه.
ووفاته رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده يوم عرفة سنة عشرين وست مئة ودفن بتربته.
يقال إنه كان عنده مملوك مليح اسمه أقطوان، فخرج يوماً آخر النهار يسير إلى وادي الربوة، ومملوكه أقطوان خلفه، فمر بمسطول وهو نائم، فلما أحس بركض الخيل فتح عينيه، وقال: يا الله توبة !، فقال: والك يا أبلم إيش تعمل بتوبة ؟، واحد شيخ نحس، اطلب منه أقطوان أحب إليك.
وأظنه باشر الوزارة بعد عزل الصاحب فتح الدين بن القيسراني، فلبس التقي توبة خلعة الوزارة في تاسع القعدة سنة ثمان وسبعين وست مئة، ثم قبض عليه في خامس عشري الحجة من السنة المذكورة، وأوقعت الحوطة عليه، وتولى الوزارة مجد الدين إسماعيل بن كسيرات.
ثم أفرج عنه في أول أيام حسام الدين لاجين، لما كان نائب دمشق، ثم قبض عليه أيضاً في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وست مئة، ثم أطلق، ثم قبض عليه مرة أخرى في شهر واحد وأفرج عنه، تولى الوزارة، ثم قبض عليه في جمادى الأولى سنة ثمانين وست مئة، وتولى عوضه تاج الدين بن السنهوري. ثم إنه تولى الوزارة، ولم يزل بها إلى أن عزل بالصاحب يحيى بن النحاس في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وست مئة. وتوجه إلى مصر في شهر رجب، وأوقعت الحوطة على أمواله وأملاكه، ثم عاد إلى دمشق فتولى الوزارة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وست مئة.
ثم إنه طلب إلى مصر هو وقاضي القضاة حسام الدين الحنفي وشمس الدين بن غانم سنة سبع وثمانين وست مئة، وعادوا في جمادى الأولى.
وفي شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وست مئة صادره الشجاعي بدمشق بعد حضور السلطان من فتح طرابلس فآذاه وأخرق به. ثم إنه توجه إلى مصر وعاد وزيراً في المحرم سنة تسعين وست مئة.
ولما عاد الأشرف من فتوح عكا إلى دمشق قبض عليه وعلى طوغان المشد، وجماعة من الكتاب. وأفرج عنه في شهر رجب سنة تسعين وست مئة، وصرف عن الوزارة بالصاحب شهاب الدين أحمد الحنفي يوم العيد الأضحى سنة خمس وتسعين وست مئة.
وفي شهر ربيع الأول تولى الوزارة التقي توبة عوضاً عن شهاب الدين الحنفي في سنة ست وتسعين وست مئة.
ونقلت من خط الوداعي له:
إني حلفت يمينا ... لم آت فيها بحوبه
مذ أقعدتني الليالي ... لا قمت إلاّ بتوبه
ونقلت منه، وقد وقع من أعلى حصانه:
فديناك لا تخش من وقعة ... فإن وقوعك للأرض فخر
سقوط الغمام بفصل الربيع ... ففي البرّ برٌّ وفي البحر درّ
ونقلت منه أيضاً:
لا تخف أيها الصا ... حب من وقع الحصان
أنت غيث ووقوع ال ... غي من خصب الزّمان
تومان تمر


الأمير سيف الدين الناصري مملوك الملك الناصر حسن.
كان عند أستاذه عزيزا، وخلاصة حسنه البسيط لا يراه الناس وجيزا، له مكانة من قلبه قد ترفعت، ومنزلة من خارطه تردت بالمحبة وتلفعت، عمل عليه الأمير سيف الدين صرغتمش وأنزله من القلعه، ومنع طلعته لأنن يكون لها إلى القصر طلعه، فصبر لهذه النازله، وقال: ما تقابل بالجد هذه الهازله. وكان قد بغي عليه فانتصر، وعاد لما كان عليه بل زاد وما اقتصر.
وكان شاباً طوالا، إذا خطر كان غصنا، وإذا التفت كان غزالا، له ديانه، ولأهل العلم عنده مكانه.
باشر النيابات، ودخل في الأحكام فما أظلم عليه منها الغيابات، بإطراق وسكون، وميل إلى التعدد وركون:
لقد غدت الممالك خالياتٍ ... بعدلك يا أخا الشّيم الرضايا
وحسن الذكر في الدنيا غراس ... تنال ثمارها الأيدي السخايا
ولم يزل على حاله إلى أن أناطر، وذوى منه غصن ما كأنه ماء ولا خطر.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون غزة سنة أربع وستين وسبع مئة، في أوائل شهر رمضان المعظم.


كان هذا الأمير سيف الدين من أكبر خاصكية الملك الناصر حسن، فعمل عليه الأمير سيف الدين صرغتمش، ولم يقدر على أكثر من أنه أنزله من القلعة، وبقي في القاهرة إلى أن أمسك صرغتمش، فعاد إلى ما كان عليه أولاً، وجهزه الملك الناصر حسن إلى فياض بن مهنا ليأخذه ويتوجه به إلى مصر، فوصل إلى حلب، وركب منها الهجن وأخذه، وراح به إلى السلطان، ولم يزل عند أستاذه في أعز مكانة وأرفع منزلة، إلى أن خلع الملك الناصر، فأخرج إلى طرابلس نائبا عوضاً عن الأمير زين الدين أغلبك الجاشنكير، وأقام بطرابلس نائباً إلى أن تحرك الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي في دمشق، فجهز إليه ليحضر إلى دمشق، فامتنع أولاً، ثم وافق، ثم جاء إليه ونزل بالقصر الأبلق، وتوجه معه وعاد معه من غباغب، ونزل القصر الأبلق، ولم يصح أنه توجه منه ليلاً إلى تلقي السلطان الملك المنصور محمد بن حاجي.
ولما وصل السلطان إلى دمشق وتقرر الأمر، جهز الأمير سيف الدين تومان تمر إلى حمص نائباً، فتوجه إليها وأقام بها نائبا إلى أن عزل منها. وحضر إلى دمشق وأقام بها أمير مئة مقدم ألف في الميمنة، فأقام أشهراً قليلة، ورسم له في أوائل شهر رمضان سنة ثلاث وستين وسبع مئة بنيابة غزة. وكان قد عزل من حمص بالأمير سيف الدين يلبغا البجاسي في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وكان قد حضر من حمص إلى دمشق على إقطاعه الذي كان بيده وهو في حمص، ثم رسم له بإقطاع الأمير سيف الدين سلامش، وأجلسوه في الميمنة دون المقدمين وفوق أمراء الطبلخانات.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن عزل الأمير سيف الدين كجكن نائب غزة. وجهز الأمير سيف الدين تومان تمر إلى غزة نائباً في رابع عشر شهر رمضان سنة ثلاث وستين وسبع مئة، فأقام بغزة إلى أن توفي بها في التاريخ المذكور.
وكان في هذه النيابات الثلاث مشكور السيرة، محمود الأحكام، رحمه الله تعالى.
توما


ابن إبراهيم الطبيب الفاضل علم الدين الشوبكي.
كان بالطب عارفا، وبالعلاج للأسقام صارفا، اشتهر بالإنجاب علاجه، وصح على تدبيره من كل مرض مزاجه، وكان يدرس الطب بجامع ابن طولون، ويرى أنه بذاك في رتبة ما وصل إليها سولون.
ولم يزل على حاله إلى أن فسد تركيبه، وجاءه سهم من الموت يصيبه منه نصيبه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر شهر رجب الفرد سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
وكان من أطباء السلطان وتجاوز السبعين. واختصر مسائل حنين، وتولى القاضي جمال الدين بن المغربي مكانه في الجامع، ودفن بالقرافة.
ابن التركماني



الأمير شمس الدين إبراهيم ابن الأمير بدر الدين محمد بن عيسى. الشيخ تاج الدين: أحمد.
ابن عثمان



ووالدهما عثمان بن إبراهيم. وقاضي حماة الحنفي علم الدين سليمان.
التونسي



مجد الدين النحوي أبو بكر بن محمد بن قاسم الثوري. عثمان بن محمد.
التلاوي



الأمير ركن الدين بيبرس.
ابن تيمية



العلامة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، وشرف الدين أخوه عبد الله بن عبد الحليم. وشرف الدين التاجر: عبد الواحد. ومجد الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز. وعلاء ذلدين علي بن عبد الغني.
ابن التيتي: محمد بن إسماعيل.
حرف الثاء



ثامر

ابن دراج البدوي، من عرب خفاجة.
أنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله، قال: أنشدني من لفظه ثامر بن دراج لنفسه بقلعة الجبل، سنة خمس وثلاثين وسبع مئة:
رأت البرق لامعاً فاستطارت ... وبكت بالدموع سمّاً رذاذا
قلت ماذا ؟ فقالت: البرق، قلنا: ... ألبرقٍ على الحمى كلّ هذا
ابن الثّردة
علي بن إبراهيم.
ابن ثروان



شيخ البيانية عيسى بن ثروان.
ثعلب



ابن الحسن بن ثعلب، شرف الدين القاهري العطار.
أنشدني العلامة أثير الدين أبو حيان، قال أنشدني المذكور لنفسه:
تمتّعت بالتوفيق والعزّ والبقا ... وحوشيت من كسف ألمّ ومن كشف
ولا زلت في عزّ ولين ورفعة ... مقيماً بصدر الآي من سورة الكهف
حرف الجيم



ابن جابي الأحباس: ركن الدين عمر بن محمد.
جاريك



عبد الله الأمير سيف الدين.

كان أحد أمراء الخمسين بدمشق، يسكن عند الشامية بظاهر دمشق.
توفي رحمه الله تعالى في عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مئة، ودفن بالقبيبات.
جاريك تمر


الأمير سيف الدين المارداني.
كان من مماليك السلطان الملك الناصر محمد. أخذه الأمير سيف الدين تنكز من السلطان في بعض سفراته إلى القاهرة، وأقام عنده في دار السعادة. ولما كان في آخر سفرة، توجها إلى مصر أخذ له طبلخاناه من السلطان فيما أظن.
ولما أمسك تنكز توجه إلى القاهرة وأقام هناك، وجماعة تنكز يقولون إنه ممن عمل على إمساك تنكز باتفاق مع طاجار الدوادار، والله يعلم ما كان من ذلك.
ثم إن جاريك تمر خرج صحبة الفخري إلى الكرك، ووصل معه إلى دمشق. وفي أواخر الأمر كان بمصر حاجباً صغيراً. ثم إنه جهز إلى الكرك نائباً ولم يزل بها إلى أن أمسك الوزير منجك في أيام الناصر حسن في المرة الأولى، ورسم له بالتوجه إلى ألبيرة نائباً، وحضر إلى الكرك الأمير سيف الدين أراي عوضاً عنه فأقام جاريك تمر بالبيرة نائباً إلى أن خلع الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح، فرسم له بالعود إلى القاهرة، وكان من جملة الحجاب.
ولما عاد الناصر حسن إلى الملك جرده، ومعه الأمير سيف الدين علم دار الداودار إلى الحجاز في سنة ستين وسبع مئة.
وأقام بمكة مجرداً سنتين، فوطنها ووطدها، وساس العرب أحسن سياسة، إلى أن توجه الأمير ناصر الدين محمد بن قراسنقر من دمشق إلى الحجاز في سنة إحدى وستين وسبع مئة، ورسم له بالمقام في مكة، وأن يعود الأمير جاريك تمر إلى دمشق مقدم الركب الحجازي.
ولما وصل إلى دمشق طلع الأمير سيف الدين بيدمر نائب الشام وتلقاه وحضر معه، ودخلا دار السعادة، ولما صار فيها قيده وأودعه في المدرسة العذراوية. ثم إنه جهزه صحبة الأمير سيف الدين برناق إلى باب السلطان، فرسم الناصر حسن باعتقاله في ثغر الإسكندرية.
ولم يزل بها إلى أن خلع الناصر حسن، وأفرج عن الأمراء المعتقلين، فحضر جاريك تمر إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين العلائي، ووصل إلى دمشق يوم الأحد حادي عشر شهر رجب سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وجهز الأمير سيف الدين أرغون الأشعري الدوادار، وخطب ابنته فأجابه وجهزها إليه.
ثم إنه طلب إلى مصر فتوجه إليها في شعبان سنة ثلاث وستين وسبع مئة فيما أظن وأقام بها إلى أن توفي بالقاهرة في سادس عشري ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة رحمه الله تعالى.
جركس



الأمير سيف الدين.
تولة نيابة قلعة الروم، وأقام بها زمانا، وأخذ من الدهر في طول المدة أمانا، فحصل أموالا، وكنز جملة لا يبالي معها أعادى الأيام أم والى، وثور نعمة طائله وأملاكاً هائله، وشاع أمر سعادته واشتهر، وبرز ذكره إلى الديار المصرية وظهر، وتحدث الناس بأمره، وعلموا بمكنون سره.
ولم يزل على حاله في القلعة المذكورة، إلى أن حالت حاله الحاليه، وقال " ما أَغْنَى عَنّي ماليه " .
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ورسم الملك الصالح إسماعيل أن يتوجه الأمير سيف الدين منجك للحوطة على موجوده، فساق على البريد من مصر إلى قلعة الروم لأجل ذلك.
جاغان



الأمير سيف الدين الحسامي المنصوري.
كان مملوك السلطان حسام الدين لاجين المنصور.
كان فيه دين، وعقله في السياسة مكين، وفضله في التدبير مبين، ونيله في السياسة متين. أقامه أستاذه في شد الدواوين بدمشق لما كان قبجق بها نائباً، فوقع بينهما، واستوحش قبجق من السلطان وقفز ودخل بلاد التتار.
ولم يزل إلى أن دعي إلى البلى، وأصبح غيث الدمع عليه مسبلا.
وتوفي في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
وكان قد وصل إلى دمشق مشدا في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة من قبل أستاذه، ومعه تقليد الصاحب تقي الدين توبة، وكان قد ولى الشد أولاً عوضاً عن فتح الدين بن صبرة، ولما قتل السلطان لاجين أمسك جاغان بدمشق في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة، وأفرج عنه في جمادى الأولى من السنة.
اللقب والنسب



ابن جبارة

شهاب الدين أحمد بن محمد. وتقي الدين عبد الله ابن عبد الولي.
ابن الجباب



محمد بن عبد الوهاب.
ابن الجباس



أحمد بن منصور.
الجالق



الأمير ركن الدين بيبرس.

الجاولي الأمير علم الدين سنجر.

ججكتو

الأمير سيف الدين التركماني. أحد أمراء الطبلخانات بدمشق. بجيمين مكسورتين وكاف ساكنة، وبعدها تاء ثالثة الحروف وواو: كان أولاً مقيماً بطرابلس، ولما جرى لألجيبغا نائبها ما جرى، ثم جرى لبكلمش نائبها أيضاً ما جرى، كره الإقامة بدمشق، فأجيب إلى ما سأله.
ولم يطل مقامه بدمشق حتى توفي رحمه الله تعالى يوم السبت سادس شهر رمضان سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان له أولاد وأقارب، وهو كبير قومه بطرابلس رحمه الله تعالى.
جركتمر



الأمير سيف الدين الإسعردي.
أخرجه الناصر حسن إلى نيابة حماة بعد إمساك الأمير ركن الدين عمرشاه، فما أقام بها إلا قليلاً، دون الشهرين، وعزله منها بالأمير علاء الدين بن تقي الدين.
وحضر الأمير جركتمر إلى حلب أميراً من بعض الأمراء بها، ثم جهزه إلى بعض قلاع حلب بطالاً، ثم أمسكه واعتقله بالإسكندرية، فأقام بها معتقلاً إلى أن خلع الناصر حسن، وحضر بعد ذلك إلى دمشق أميراً مقدماً على ألف.
وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة خامس شهر الله المحرم سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى شكلاً تاماً حسن الوجه.
اللقب والنسب



ابن الجرايدي محمد بن يعقوب

الجزري محمد بن يوسف

الجعبري

الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر. وتاج الدين صالح بن ثامر. وتقي الدين محمد بن سليمان.
جعفرابن ثعلب بن علي الإمام



الأديب الفاضل كمال الدين أبو الفضل الأدفوي، بضم الهمزة وسكون الدال وضم

الفاء وبعدها واو مشددة، الشافعي.
كان فقيها ذكيا، فاضلاً زكيا، يعرف النحو، وتشرق شمسه فيه في يوم صحو، يغلب على ابن ثعلب الأدب، ولا يفتر عما له فيه من الطلب، وحظه من التاريخ موفر، وجيشه إذا غزا فيه مظفر، ضحوك السن دائم البشر، لا يلقاه أحد إلا عاطر النشر، حلو الملق عند الملقى، يروق من يحادثه خلقا وخلقا، لطيف الذات، متوسع النفس في اللذات.
لم يزل على حاله إلى أن جاءه ساقي المنايا، واستخرج الدمع عليه من الخبايا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده في بضع وثمانين وست مئة.
كان عنده خبرة بالموسيقى، وله نظم ونثر، ولازم شيخنا العلامة أثير الدين كثيراً. ورأيته مرات بسوق الكتب في القاهرة، وأنشدني من شعره.
وكان كثيراً ما يقيم ببلده أدفو في بستان له هناك في أيام بطالة الدروس، وصنف أشياء: الإمتاع في أحكام السباع وجوده، والطالع السعيد في تاريخ الصعيد وجوده، والبدر السافر في تحفة المسافر، تأريخ، وجوده.
ومن شعره ما نقلته من خطه:
لروضة مصر حسنٌ لا يسامى ... يطيب لمن أقام بها المقام
لها وجهان ممدوحان حسناً ... وذو الوجهين مذمومٌ يلام
قلت: هو يشبه قول نور الدين علي بن عبد الله القصري في الروضة:
ذات وجهين فيهما خيّم الحس ... ن فأضحت بها القلوب تهيم
ذا يلي مصر فهو مصرٌّ وهذا ... يتولى وسيم فهو وسيم
قد أعادت عصر التصابي صباها ... وأبادت فيها الغموم الغيوم
ومن شعره:
وقد كنت في عصر الصّبا ذا صبابةٍ ... وما راق من لهوٍ إليّ حبيب
زماني صفوٌ كلّه ومسرّةٌ ... ولي من وصال الغانيات نصيب
فلما رأيت الشيب لاح تكدّرت ... حياتي فحلو العيش ليس يطيب
إذا ابيضّ مسودّ الشباب فإنّه ... دليلٌ على أنّ الحصاد قريب
ومذ حلّ هذا الشيب سارت مسرّتي ... وصار عليها للهموم رقيب
فلا تعجبوا ممّا بدا من كآبتي ... سروري وقد وافى المشيب عجيب
ومن شعر كمال الدين الأدفوي، رحمه الله تعالى:
إنّ الدروس بمصرنا في عصرنا ... طبعت على لغطٍ وفرط عياط
ومباحثٍ لا تنتهي لنهايةٍ ... جدلاً ونقلٍ ظاهر الأغلاط
ومدرّسٍ يبدي مباحث كلّها ... نشأت عن التخليط والأخلاط
ومحدّثٍ قد صار غاية علمه ... أجزاء يرويها عن الدّمياطي


وفلانة تروي حديثاً عالياً ... وفلان يروي ذاك عن أسماط
والفرق بين عزيرهم وعزيزهم ... وافصح عن الخيّاط والحنّاط
والفاضل النحرير فيهم دأبه ... قول أرسطا طاليس أو بقراط
وعلوم دين اللّه نادت جهرةً ... هذا زمان فيه طيّ بساطي
ولّى زماني وانقضت أربابه ... وذهابهم من جملة الأشراط
ومنه:
أذكرتني الورقا حديثاً بليلى ... قد تقضّى فبتّ أجري الدموعا
ووصلت السهاد شوقاً إليها ... وغراماً، وقد هجرت الهجوعا
كيف يخلو قلبي من الحبّ يوماً ... وعلى حبّها حنيت الضلوعا
كلّما أولع العذول بعذلي ... في هواها يزداد قلبي ولوعا
ومنه:
وهيفاء غار الغصن من لين قدّها ... بقلبي هوى منها وليس يزول
يروم عذولي صاح منّي سلوّهاوذلك أمرّ ما إليه سبيل
وقد عابها عندي فقال طويلةٌ ... ألم ترها عند النسيم تميل
فقلت له: هذي حياتي وإنني ... ليعجبني أن الحياة تطول
جعفرابن علي بن جعفر بن الرشيد


الشيخ المعمر شرف الدين الموصلي.

ذكر أنه سمع من السهروردي كتاب العوارف بالموصل، ومن ابن الزبيدي بدمشق، ومن ابن الجميزي بمصر، ومن ابن رواج بالثغر.
وروى عنه الدمياطي في معجمه، وقال فيه: المعروف بالحسن البصري.
توفي رحمه الله تعالى بدمشق سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده بالموصل سنة أربع وست مئة.
كان من الأشياخ الفضلاء، والرواة النبلاء، حفظةً للأخبار، نقلةً للأشعار عمر فروى، وطال عمره في الخير وما غوى.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح خبراً بعد عين، ونعب بشت شمله غراب البين.
جعفرابن محمد بن عبد الكريم



بن أحمد بن حجون بن محمد بن حمزة: الإمام المفتي ضياء الدين أبو الفضل

الصعيدي الشافعي الحسيني.
درس بمشهد الحسين، وبمدرسة زين التجار. وسمع وهو شاب من ابن الجميزي وأبي القاسم السبط.
وكان قد برع في المذهب، وأفتى أربعين سنة من عمره، فأفنى مدتها في ذلك وأذهب، وخدم العلم زمانا، وكان على استخراج معانيه معانا.
ولم يزل الضياء على حاله إلى أن محي، ودفع إلى حفرته ودحي.
ووفاته رحمه الله تعالى على سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثمان عشرة وست مئة.
جعفرابن محمد بن عبد العزيز



بن أبي القاسم بن عمر بن سليمان بن إدريس المتأبد بن يحيى المعتلي، ووصل

الشيخ أثير الدين نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
وأنشدني من لفظه شيخنا المذكور، قال أنشدني المذكور لنفسه:
لا تلمنا إن رقصنا طرباً ... لنسيمٍ هبّ من ذاك الخبا
طبّق الأرض بنشرٍ عاطرٍ ... فيه للعشاق سرٌ ونبا
يا أهيل الحيّ من كاظمةٍ ... قد لقينا من هواكم نصبا
قلتم جز لترانا بالحمى ... وملأتم حيّكم بالرّقبا
لست أخشى الموت في حبّكم ... ليس قتلي في هواكم عجبا
إنما أخشى على عرضكم ... أن يقول الناس قولاً كذبا:
استحلّوا دمه في حبّهم ... فاجعلوا وصلي لقتلي سببا
قلت: شعر عذاب متوسط.
توفي المذكور بالقاهرة سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده بها سنة إحدى عشرة وست مئة.
جعفر بن محمد بن عدنان



القاضي الرئيس أمين الدين بن الرئيس الفاضل محيي الدين بن أبي الجن الحسيني.
كان حسن الهيئه، لطيف الذهاب والفيأه، حسن الخلق، يقبل على من أمه بوجهه الطلق، لين الكلمة في خطابه، سمح الكف يبذل ما في وطابه، عارفا بصناعة الكتابه، عالماً بالمسألة فيها والإجابه، تنقل في الولايات الكبار، وباشر الوظائف التي ما لجرحها جبار، ولي النقابة والنظر على الأشراف، والنظر على الدواوين بدمشق ومالها من الأطراف، وغير ذلك.
ولم يزل على حاله إلى أن غمس شخصه في التراب، وقمس من ماء الرزية في سراب.
وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، في ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة أربع عشر وسبع مئة.
ومولده في مستهل شهر رجب الفرد سنة خمس وخمسين وست مئة.


وكان قد لبس لنقابة الأشراف في شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة عوضاً عن والده الشيخ محيي الدين، وقدم على غيره مع صغر سنه لفضله وفهمه وعقله. ولبس خلعة نظر الدواوين بدمشق في يوم الأربعاء، سابع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ابن جعوان: شهاب الدين أحمد بن العباس.
جقطاي الأمير سيف الدين.


كان خفيف الحركه، سريع الخطره، لا يبالي بشيء فاته أأدركه أم تركه.
ورد إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري، لما ترك على خان لاجين، وكان قد تزوج بامرأة الجمالي الوزير، وهي في الحسن والعظمة ما هي، ورمي من أمرها بدواهي، وتنقل به الحال إلى أن صار حاجباً صغيراً بدمشق، ولم يزل بها إلى أن أمسك وهو والأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد والأمير سيف الدين بلو قبجق، وذلك في شوال سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة لأنهم رموا بالمباطنة للناصر أحمد، وهذا آخر عهدي به.
الألقاب والأنساب



جلال الدين قاضي القضاة القزويني

محمد بن عبد الرحمن

أبو جلنك الشاعر أحمد بن أبي بكر.

جماز بن شيحة

الأمير عز الدين أبو سند الحسيني، صاحب المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
كان أميراً في تلك البقعة الشريفه، وكبيراً في تلك الرقعة المنيفه، يحكم ولا يرد، ويحاول ما يختار فلا يصد.
كبر وطعن في السن، وصار بعد تلك الغضارة في الصبا وهو شن، فأضر وهو على الإمرة قد أصر، وأسر من أمرها إلى ولده ناصر الدين أبي عامر منصور ما أسر وما أشر.
ولم يزل جماز المذكور على حاله إلى أن ابتلعه حفرة القبر، وفقد قومه معه الصبر.
وتوفي رحمه الله تعالى، في شهر ربيع الأول سنة أربع وسبع مئة.
وكان شيخاً كبيراً أضر في آخر عمره، وقام عنه بالأمر في حياته ولده الأمير ناصر الدين أبو عامر أبو منصور.
ابن جماعة قاضي القضاة



بدر الدين محمد بن إبراهيم. عماد الدين إسماعيل بن إبراهيم، أخوه.

جمال الكفاة: جمال الدين إبراهيم ناظر الخاص والجيش.
الجناحي نائب غزة



،
اسمه أيدمر.
أولاد ابن أبي الجن: جماعة، منهم: الشريف أمين الدين جعفر بن محمد، وزين الدين الحسين بن محمد، ووالدهما محمد بن عدنان، وعدنان بن جعفر، وعلاء الدين علي بن الحسين النقيب، وناصر الدين يونس بن أحمد.
جنغاي



بضم الجيم وسكون النون وبعدها غين معجمة وألف ممدودة وبعدها ياء آخر الحروف: سيف الدين مملوك الأمير سيف الدين تنكز.
كان رقيقاً أهيف، حلو الوجه أوطف، نحيلاً مصفرا، ضئيلاً بالسعادة مظفرا، لا يزال به قرحه، تنغص عليه من العيش كل فرحه، وتبدل كل مسرة بترحه، لأنه كان ينفث منها الدم والقيح، ويجد الألم مما لها من الفيح، ولأجل ذلك أفسح له أستاذه في استعمال القليل من الراح، والمداواة منها بما يصلح مزاجه لا بما يرتاض به ويرتاح، ولم نره كان عند أستاذه أعز منه ولا أقرب، وما كان يدعه في الخلوة يقف قدامه.
أخبرني القاضي علم الدين ناظر الجيوش، وكان مستوفي ديوان تنكز أولاً، قال: كان الأمير قد رسم لنا بأنه يطلق من الخزانة العشرة آلاف فما دونها، ويمضي أمره فيها ولا يشاور عليه. قال: ولم نعلم أنه مضى يوم من الأيام ولم ينعم عليه بشيء إلا فيما ندر. انتهى.
وكنا نراه في الصيد إذا خرج، يركب أستاذه ناحية، ويركب هو ناحية في طلب آخر بازدارية، وكلابزيه، وأناس في خدمته، ويكون معه في الصيد مئتا عليقة، ويكون على السيباله خمس ست حويص ذهباً.
وعلى الجملة فما نعلم أن أحداً رزق حظوته عنده، كان يقال: إنه ذو قرابته، والظاهر أن ها هو الصحيح، لأن هذا جنغاي ما كان في مقام من يعشق، لأنه لم يكن أمرد ولا مليح الوجه. والله أعلم. ولم يكن له عنده وظيفة ليتوسط فيها بينه وبين الناس، بل أظنه كان ساقياً.


وفي آخ الأمر أرجف بأنه هو وطغاي أمير آخور تنكز، قد حسنا لأستاذهما التوجه إلى بلاد التتار، فطلبهما السلطان منه، فلم يجهزهما، ولما أمسك تنكز قبض عليهما، وأودعا في قلعة دمشق، فلما حضر بشتاك إلى دمشق أحضرهما قدامه، وسلمهما إلى برسبغا، فضربهما بالمقارع ضرباً عظيماً إلى الغاية في الليل والنهار، واستخرج ودائعهما، وقررهما على مال أستاذهما، ثم بعد جمعة ركب بشتاك، ووقف في الموكب بسوق الخيل وأحضرهما، ووسطهما بحضور أمراء مصر والشام، وذلك في العشر الأول من شهر الله المحرم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، ووسط معهما أوزان تنكز.
جنقار


الأمير سيف الدين.
أمسك هو والأمير بدر الدين بكتوت الشجاعي في شهر رجب الفرد سنة إحدى عشرة وسبع مئة، واعتقلا في قلعة دمشق في أيام نائب الكرك، ثم إنه ورد المرسوم في شهر رمضان بنقلهما إلى الكرك.
جنكلي



بفتح الجيم، وسكون النون، وفتح الكاف، وبعدها لام وياء آخر الحروف: ابن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله العجلي، الأمير الكبير المعظم الرئيس بدر الدين كبير الدولة الناصرية محمد، ورأس الميمنة بعد الأمير جمال الدين نائب الكرك.
كان شكلاً هائلا، ووجهاً يحاكي القمر كاملا، يتوقد وجهه وضاءه، ويتفقد حلمه الذين أساؤوا إناءه، يعرف حق من قصده، ويقبل بوجه حنوه على من رصده، ويزرع من المعروف ما يسره في غد إذا حصده، قد صارت المكارم له جبله، والمواهب تتحدر من غمائم أنامله المستهله، يحفظ فرجه، ويسد بالعفة ما يفتحه له السلطان من فرجه، لا يقرب من مماليكه من كان أمرد، ولا يجعله على باله أأقبل عليه بوجهه أم رد، وليس له من الجواري حظيه، ولا امرأة يدنو إليها بحسنة أو خطيه، اللهم إلا ما كان من أم أولاده التي حضرت معه من البلاد، ولم تر عليها له طارفاً يستجده على مالها من التلاد، يصلي العشاء الآخرة، ويدخل إلى فرشها، ويخرج لصلاة الصبح وكأنها بلقيس في عرشها.
وكان يحب أهل العلم ويجالسهم، ويطارحهم المسائل ويدارسهم، ويبسط لهم الود الأكيد ويؤانسهم. وكان يعرف ربع العبادات ويجيده، ويتكلم على الخلاف فيه ويفيده. وكان يميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية ويترشف كلامه، وينتشي بذكره، لو كنت أعلم أنه يتناول المدامه، وينفر عمن ينحرف عنه ويوليه الملامه، ويوفر العطاء لمن قلده، ويسني الهبات لمن قيد كلامه وجلده إذا كتبه وجلده. هذا مع الإحسان المطلق مع الناس أجمع، والبر الذي إذا فاض أخجل الغيوث الهمع، تارة بجاهه الذي لا ترد إشارته الملوك، وتارة بماله الذي تنخرط جواهره في السلوك.
وكان آخر وقته كبير الدولة في السلم وإثارة غبار السنابك، وإذا حضر دار عدل قال: يا أتابك، سبحان من أتى بك.
ولم يزل على حاله في سؤدده إلى أن غاب بدره وأفل، ونزل شخصه إلى حضيض القبر واستفل.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وأربعين وسبع مئة، يوم الاثنين العصر سابع عشر ذي الحجة.
وكان ينتسب إلى إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه، وسيأتي ذكر ولده الأمير ناصر الدين محمد.
خطبه الملك الأشرف خليل وهو في تلك البلاد، ورغبه في الحضور، فلم يوافق حتى يرى منشوره بالإقطاع، فكتب له منشوراً بإقطاع جيد وجهزه إليه، فلم يتفق حضوره. ثم إنه وفد على السلطان الملك الناصر محمد، وذلك في أوائل سنة أربع وسبع مئة. وكان وصوله إلى دمشق يوم الثلاثاء حادي عشر القعدة سنة ثلاث وسبع مئة، وكان مقامه بالقرب من آمد، فأكرمه وأمره، ولم يزل عنده معظماً مبجلاً.
وكان في آخر وقت، بعد خروج الأمير سيف الدين أرغون من الديار المصرية، يجهز إليه الذهب مع الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ومع غيره، ويقول له: لا تبوس الأرض على هذا ولا تنزله في ديوانك، كأنه يريد إخفاء ذلك.
وكان يجلس أولاً في الميمنة ثاني نائب الكرك، فلما توجه نائب الكرك لنيابة طرابلس، جلس الأمير بدر الدين رأس الميمنة. وكان السلطان الملك الناصر محمد قد زوج ابنه إبراهيم بابنة الأمير بدر الدين، وما زال معظماً في كل دولة.
وكتب له في ألقابه عن السلطان الملك الصالح إسماعيل: الأتابكي الوالدي البدري. وكانت له في الدولة الصالحية وجاهة زائدة لم تكن لغيره. لأنه هو الذي أخذ السلطان وأجلسه على الكرسي، وحلف له، وحلف الناس له.


وكان ينفع العلماء والصلحاء والفقراء وأهل الخير وغيرهم. وكنت أتردد إليه وآخذ منه إحساناً كثيراً رحمه الله تعالى.
وقلت محبةً فيه، ولم أكتب بها إليه:
محيّا حبيبي إذا ما بدا ... يقول له البدر يا مخجلي
بلغت الكمال ولي مدّة ... أدور عليه وما تمّ لي
فباللّه قل لي ولا تخفني ... سرقت المحاسن من جنكلي ؟!
وقلت أيضاً، ولم أكتب بها إليه:
لا تنس لي يا قاتلي في الهوى ... حشاشةً من حرق تنسلي
لا ترس لي ألقى به في الهوى ... سهام عينيك متى ترسل
لا تخت لي يشرف قدري به ... إلاّ إذا ما كنت بي تختلي
لا جنك لي تطرب أوتاره ... إلا ثنا يملى على جنكلي
نقلت من خط علاء الدين بن مظفر الكندي الوادعي قال: تواترت الأخبار بأنه قد جرد من الأردو مقدم يسمى قبرتو يكون مقيماً بديار بكر عوض جنكلي بن البابا المهاجر إلى الإسلام، فلما وصل كتبت في مطالعة سلطانية:
أتى من بلاد المشركين مقدّمٌ ... تفاءلت لمّا أن دعوه قبرتو
وإنّي لأرجو أن يجيء عقيبها ... بشيري بأنّي للّعين قبرت
الألقاب والأنساب


ابن جهبل

شهاب الدين أحمد بن يحيى. محيي الدين إسماعيل بن يحيى.

ابن جوامرد: علاء الدين علي بن محمود.
جواد



ابن سليمان بن غالب بن معن بن مغيث بن أبي المكارم بن الحسين بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى النعمان بن المنذر.
هو عز الدين بن أمير الغرب، رجل يده صناع وإن كانت في الجود خرقا، أكتب من في عصره تحت أديم الزرقا، أتقن الأقلام السبعة وكان فيها واحدا، واشتغل بشيء من البيان فلو عاصره ما كان له جاحدا. وأما الصياغة فكان فيها ممن تصاغ له العليا، وتفرد بإتقان ما يعمل منها في هذه الدنيا.
وأما النشاب فكان سهمه فيه وافرا، وسعده في عمله وإفراده متضافرا.
وأما القص فهو فيه غريب القصة، لم ينس له فيه حصة، بحيث إنه كان في هذا وغيره ممن اقتعد الذروه، وتسلم الصهوه، وأكل العجوه، ورمى للناس البخوه، وجعل صحيحات العيون إليه حولاً من السهوه، لما عنده من الشهوه.
ولم يزل جواده يجري في حلبة عمره إلى أن كبا، واتخذ النعش بعد الجياد مركبا.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
ومولده في خامس المحرم سنة خمس وسبع مئة.
أما الكتابة فكان فيها غاية، يكتب من الطومار إلى قلم الغبار، ويكتب المصاحف والهياكل المدورة، ويأتي في كل ذلك بالأوضاع الغريبة من العقد والإخباط وغير ذلك. وكان يعمل النشاب بالكرك من أحسن ما يكون، ويعمل الكستوان ويتقنه ويزركشه، ويعمل النجارة الدق والتطعيم والتطريز والخياطة والبيطرة والحدادة ونقش الفولاذ والزركش والخردفوشية ومد قوساً بين يدي الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى مئةً وثلاثين رطلاً بالدمشقي، وكبت مصحفاً منقوطا مضبوطاً يقرأ في الليل، وزن ورقه سبعة دراهم وربع، وجلده خمسة دراهم، وكتب آية الكرسي على أرزة، وعمل زرقبع لابن الأمير سيف الدين تنكز اثنتي عشرة قطعة، وزنه ثلاثة دراهم، يفك ويركب بغير مفتاح، وكتب عليه حفراً مجرىً بسواد سورة الإخلاص والمعوذتين والفاتحة وآية الكرسي وغير ذلك، يقرأ عليه وهو مركب، ومن داخله أسماء الله الحسنى لا يبين منها حرف واحد إلى حين يفك، وجعل لمن يفكه ويركبه مئة درهم فلم يوجد من يحسن ذلك.
وكتب لتنكز قصة قصاً في قص في قص، وقص لامية المعجم.
وأما عمل الخواتيم ونقشها وتحريرها وإجراء المينا عليها فلم أر أحداً أتقن ذلك مثله ولا قاربه، وما رأيت مثل أعماله في جميع ما يعمل، ولا مثل إتقانه.
وحفظ القرآن وشد طرفاً من الفقه والعربية، ولعب بالرمح، ورمى النشاب وجوده، وأراد تنكز أن يتخذه زردكاشا عنده في وقت، وقربه وأعطاه إقطاعاً. وعلى الجملة فما رأيت مجموعه في أحد غيره.
ولم يزل على حاله إلى أن حصل له وجع المفاصل، فاستعمل دواء فيه شحم الحنظل فما أجابه، وبقي بعده أياماً. وتوفي رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور.
وكان مقامه في بلاد بيروت، وكان قد أهدى إلي في وقت طرفاً من هدايا بيروت، فكتبت أنا إليه:


يا سيّداً جاءت هداياه لي ... على المنى منّي ووفق المراد
أنت جوادٌ سابقٌ بالندى ... من ذا الذي ينكر سبق الجواد
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
وافى مثالك مطوّياً على نزهٍ ... يحار مسمعه فيها وناظره
فالعين ترتع فيما خطّ كاتبه ... والسمع ينعم فيما قال شاعره
وإن وقفت أمام الحيّ أنشده ... ودّ الخرائد لو تقنى جواهره
جوبان


النوين الكبير، النوين المعظم، نائب الممالك القانية.
كان بطلاً شجاعا، آمراً مطاعا، ذا إقدام وثبات، وله في الحروب إذا حميت وثبات، عظيماً ذا مهابه، كبيراً بين المغول، تقبس النار منه شهابه، شديد الوطأه، يخاف كل من في الأردو خطأه، عالي الشأن، كثير الفخار، بعيد المنال، رفيع المنار، همته عاليه، وعزمته بالحزم حاليه، صحيح الإسلام، مليح الانقياد في الدين والاستسلام، حظه من الصلاة موفور الأقسام، وعقيدته في النصح للإسلام، تعرف من ثغره البسام.
بذل الذهب الكثير حتى أوصل الماء إلى مكة، وجرى بها، ولم يبق للماء ثمن يباع به، وإنما الثمن لأجرة نقله، ووصل الماء إلى مكة، وجرى فيها بالصفا وبباب إبراهيم وبالأبطح في أوائل جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبع مئة.
وأنشأ مدرسةً مليحة بالمدينة النبوية في جوار الحرم الشريف وتربةً ليدفن بها، وكان له ميل كثير إلى المسلمين. وهو أحد الأسباب المتوفرة في تقرير الصلح بين بوسعيد مخدومه وبين السلطان الملك الناصر محمد.
أخبرني جماعة من أهل الرحبة أنه لما نزل خربندا عليها، ونصب المجانيق رمى منجنيق قراسنقر حجراً تعتع القلعة، وشق منها برجاً، ولو رمى غيره هدمها إلى الأرض.
وكان جوبان يطوف على العساكر، ويرتب المحاصرين، فلما رأى ذلك أحضر المنجنيقي، وقال له: أتريدني أقطع يدك الساعة، وذمه وسبه بانزعاج وحنق، وقال: والك، في شهر رمضان نحاصر المسلمين ونرميهم بحجارة المنجنيق ؟ لو أراد القان أن يقول لهؤلاء المغول الذين معه: ارموا على هذه القلعة مخلاة تراب كل واحد كان طموها، وإنما هو يريد أخذها بالأمان من غير سفك دم، والله متى عدت رميت حجراً آخر سمرتك على سهم المنجنيق.
وحكى لي منهم غير واحد أنه كان ينزع النصل من النشاب ويكتب عليه: إياكم أن تذعنوا أو تسلموا وطولوا أرواحكم فهؤلاء ما لهم ما يأكلونه، وكان يحذرنا هكذا بعدة سهام يرميها إلى القلعة، واجتمع الوزير، وقال له: هذا القان ما يبالي ولا يقع عليه عتب، وفي غد وبعده إذا تحدث الناس أيش يقولون ! نزل خربندا على الرحبة، وقاتل أهلها، وسفك دماءهم، وهدمها في شهر رمضان. فيقول الناس: أفما كان له نائب مسلم ولا وزير مسلم، وقرر معه أن يحدثا القان خربندا في ذلك، ويحسنا له الرحيل عن الرحبة. فدخلا إليه، وقالا: المصلحة أن نطلب كبار هؤلاء وقاضيهم، ويطلبوا منك الأمان، ونخلع عليهم ونرحل عنهم بحرمتنا، فإن الطابق قد وقع في خيلنا، وما للمغل ما تأكل خيولهم، وإنما هم يأخذون قشور الشجر ينحتونها ويطعمونها خيلهم، وهؤلاء مسلمون، وهذا شهر رمضان، وأنت مسلم وتسمع قراءتهم القرآن، وضجيج الأطفال والنساء في الليل، فوافقهم على ذلك. فطلبوا القاضي وأربعةً من كبار البحرية، وحضروا قدام خربندا، وخلعوا عليه، وباتوا فما أصبح للمغل أثر، وتركوا المجانيق وأثقالها رصاصاً، والطعام والعجين وغيره، ولم يصبح له أثر.
وهذه الحركة وحدها تكفيه عند الله تعالى، ويرى الله له أقل من ذلك، حقن دماء المسلمين ودفع الأذى عنهم، لكنه أباد عدداً كثيراً من المغل وجرى له ما تقدم في ترجمة أيرنجي، وأخذ من الوزير الرشيد ألف ألف دينار.
وقد مر ذكر ابنه تمرتاش وابنته بغداد، وكان ابنه دمشق خواجا قائد عشرة آلاف فارس. وزالت فيما بعد سعادتهم، وتنمر لهم بوسعيد، وتنكر، وقتل دمشق خواجا ولده، وهرب جوبان إلى والي هراة لائذاً به فآواه، وأطلعه إلى القلعة ثم قتله، ونقل تابوت جوبان - رحمه الله تعالى - إلى المدينة الشريفة ليدفن في تربته، لأن ابنته الخاتون بغداد جهزته مع الركب العراقي، فما قدر الله له ذلك، وبلغ السلطان الملك الناصر ذلك فجهز الهجن إلى المدينة، وأمرهم أن لا يمكن من الدفن في تربته فدفن في البقيع.


وكانت قتلته - رحمه الله تعالى - في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وكان من أبناء الستين لأنه لما قدم دمشق مع غازان كان من أكبر قواده، وكان له من الأولاد تمرتاش ودمشق خواجا وصرغان شيرا وبغبصطي وسلجوك شاه بغداد.
جوبان


الأمير سيف الدين المنصوري.
أحد أمراء الشام وكباره، ومن إذا جرى في ميدان الشجاعة لا يطمع ملاعب الأسنة في شق غباره. قوي النفس لا يصبر على ذله، شديد البطش، لا يعبأ بما يترتب على الأهوار المضله، وكانت له عظمة في النفوس، وجلالة تجعل موضعه على الرؤوس، ولم يزل على ذلك إلى أن جرى بينه وبين تنكز مقاوله، كادت تصل إلى مصاوله، فأودعه في القلعة معتقلاً ليلة والثانيه، وقال حساده: " يا ليتها كانتِ القاضية " ثم إنه حمل إلى مصل ورسم له بالإقامة هناك، وقال له محبه: أبشر ظفرت بالسلامة هناك.
وكانت واقعته مع تنكز في جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وأقام بمصر على إقطاع، وفي العشرين من شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة عاد من مصر أميراً على ما كان عليه، وتوجه أمير الركب سنة ست وعشرين وسبع مئة، وأقام بدمشق على إمرته، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في عشري صفر سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وكان من مماليك الأشرف، أمره الأشرف، وخلف تركة كبيرة من الذهب والفضة والات والأمتعة، وكان قد جاوز السبعين، وأعطي إقطاعه للأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس.
جوبان



الأمير سيف الدين، أحد الأمراء أصحاب الطبلخاناة.
كان حسن الصورة، مديد القامة، فهي على الهيف مقصوره، له طلعة إذا فاخرها البدر في تمامه، كانت له منصوره، بمعاطف كالغصون لا تزال بيد النسيم مهصوره، وشمائل راقت لمتأملها فمحاسنها غير محصوره.
تضرّم خدّاه حتى عجب ... ت لعارضيه كيف لا يضطرم
إلا أن الأيام عبثت بمحاسنه، وأثارت له البلى من مكامنه، فحولت حالاته، وعادته وعادت عن موالاته، وجعلت وجهه للأنام عبره، وأجرت عليه من العيون كل عبره، ولزم منزله لا يدخل ولا يخرج، ولا يرقى في منازل الحركة ولا يعرج، كالبدر إذا كسف، والغصن إذا قصف، ولم يزل على حاله إلى أن تلاشى واضمحل، وجوز اللحد أكل لحمه واستحل.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
أول ما عرفت من أمره أنه حضر مع الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي من حلب إلى دمشق، وأظنه كان أمير عشرة، ولم يزل معه مدة نيابته في دمشق، إلى أن جرى له ما جرى على ما سيأتي في ترجمة يلبغا، فاعتقل في جملة من اعتقل من جماعته لأنه كان من ألزامه، على ما في ظني، ثم إنه أفرج عنه، وحضر إلى دمشق وكان بها أمير طبلخاناه، وتحدث في جامع يلبغا، وعمر إلى جانبه عمارة، ونوزع فيها، فأوقفها على الجامع.
ثم إن الملك الناصر حسن قطع إقطاعه، وبقي في دمشق بطالاً إلى أن أحضر الأمير سيف الدين اسندمر أخو يلبغا نائب دمشق فصار عنده من خواصه المقربين، ولارمه ثم إنه جهز إلى حماة أمير عشرة في أيام الأمير سيف الدين أسندمر، ثم إنه وقعت في وجهه آكلة - نعوذ بالله منها - فحضر إلى دمشق ولازم بيته لا يدخل ولا يخرج منه لأنها شوهت وجهه، إلى أن مات في التاريخ المذكور.
الجوهري: القاضي علاء الدين محمد بن نصر الله.
جوكو الهندي



الشيخ عبد الله. كان ساكناً بالتقوية بدمشق.
كان كثير الحج، ملازم الصلاة في الليل إذا دج، يحافظ على الصف الأول في المقصوره، ويخاطب الناس بكلمات محصوره، وكان أولاً فقيراً من القلندريه، وتلك الفرقة المفتريه. صحب محمود سابقان، واقتدى به وقتاً من الزمان، ثم ترك تلك الطريقه، وأعرض عن المجاز وسلك الحقيقه. ولم يزل على حاله إلى أن مضى لسبيله، ودرج على أثر أهله وقبيله.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سابع عشر ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
وكان اشتهر بين الناس بجاكير، والصحيح الأول بجيم بعدها واو، وكاف وواو، معنى جوكو بالهندي: الزاهد العابد.
جولجين



بضم الجيم وبعدها واو ساكنة، ولام وجيم ثانية وياء آخر الحروف ساكنة ونون.
كان من مماليك السلطان الملك الناصر، أظنه كان جمداراً.


لما قدم السلطان من الكرك إلى دمشق في سنة تسع وسبع مئة داخله إنسان إلا أنه شيطان يعرف بالنجيم الحطيني، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون مكانه، ولعب بعقله وعمل له صورة ملحمة وعتقها، وكان قد تحمل حتى اطلع على آثار في جسمه وخيلان، وذكره في تلك الملحمة ووصفه، وساق الملك إليه بعد الناصر محمد، فدخل هذا في ذهنه وصدقه عقله، وغره من ذاك المسطور نقله وما خامره في ملكه شك، ولا احتاج دينار هذا القول عنده إلى حك، فصار ذلك في خاطره، ولم يزل خياله عن ناظره، وأسر ذلك إلى جماعة من خوشداشيته وممن بطنهم من حاشيته، وتوجهوا إلى مصر وأقاموا زمانا، ولم يعطهم الدهر بذلك أمانا، إلى أن أطلع الله السلطان على هذه الواقعة، فما كذب أن أحضره وجماعة معه وعرض عليهم العذاب فاعترفوا له بذلك، فوسطه لوقته، ونقله من مقته إلى مقته.
وطلب النجيم من صفد، وجرى له ما يجيء ذكره إن شاء الله في ترجمته. وكان ذلك في سنة خمس عشرة وسبع مئة، ورأيت أنا ابن جولجين هذا في القاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة غير مرة، وكان صورةً جميلة.
الألقاب والأنساب



توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 12 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:37 AM ]


الحاجبي شهاب الدين أحمد بن محمد.

ابن حاتم البعلبكي الشيخ إبراهيم بن أحمد.
حرف الحاء



حاجي محمد بن قلاوون

السلطان الملك المظفر سيف الدين، ابن السلطان الملك الناصر، ابن السلطان الملك المنصور.
ولد وأبوه في الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وكان ذا منظر وشكاله، ووجه كأن البدر سأله الحسن وشكا له. قد غرته الشبيبه، وضرته بإقبالها الدنيا الحبيبة، فأقبل على من قابله بمراءاة غشه، وسلم قياده لمن شركه في عشه، فأفنى أمراء الدولة، واستنفد حيله في القبض عليهم وحوله، وزاد في سفك الدماء، وأثار بالفتن عجاج الأرض إلى السماء. لا جرم، إن الدهر قلب له ظهر المجن في المحن، وملأ القلوب عليه بالأحقاد والإحن، ولم تطل مع ذلك المده، ولم ينفعه من ادخره عدةً من الغده، حتى ركبوا بالسلاح إلى قبة النصر، وسلبوا ثما أغصانه بالهصر، ورموه بالحصر والحصر، ونقلوا ألف ألفه بالملك من المد إلى القصر، وأنزلوا كوكبه إلى حضيض الأرض وبعد أوج القصر فخر على الألاءة لم يوسد وراح أقل من ظبي تحبل، وكان كأنه نمر تأسد. وضرجوا خد الأرض بدمه، وصبغوا كافوره بعندمه، وأبقوه رجمةً لعدوه، وألقوه في مهد تعرى من هدوه، وتركوه تسفي الريح عليه الرمل، وتبكي الغمائم على من انصدع له من الشمل؛ وكان أخوه الملك الكامل قد حسبه وأراد هلاكه، وقيل: إنه أمر أن يبنى عليه حائطان.
وكان الأمراء قد كتبوا إلى يلبغا اليحيوي نائب دمشق بأن يبرز إلى ظاهر دمشق، فبرز - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته - فاحتاج الكامل إلى أن يجرد عسكر الشام، فخرجوا إلى السعيدية أو الخطارة، ورجعوا إليه، فركب ونزل إليهم، فنصرهم الله تعالى عليه، وجرحوا أرغون العلائي، كما تقدم، وخلعوا الكامل وصعدوا إلى القلعة وأخرجوا حاجي من سجنه وأجلسوه على كرسي الملك وحلفوا له؛ وكان القائم بذلك الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، والأمير شمس الدين آقسنقر، وأرغون شاه.
وكان جلوسه على الكرسي مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وخلعوه في ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان ملكه سنةً وثلاثة أشهر واثني عشر يوماً.
وورد له الأمير سيف الدين بيغرا إلى دمشق، وحلف عسكر الشام، وانتظمت الأمور، وصفا له الملك، ولم يزل كذلك إلى أن أمسك الحجازي وآقسنقر وقرابغا وأيتمش وصمغار وبزلار وطقبغا وجماعة من أولاد الأمراء، فنفرت القلوب منه واستوحشت، وتوحش يلبغا نائب الشام، وجرى له ما جرى، يأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى.


وكان الذي فعل ذلك كله ودبره وأشار به وفعله شجاع الدين أغرلو مشد الدواوين، على ما تقدم في ترجمته، فأمسكه وفتك به بعد أربعين يوماً بمواطأة مع الأمير سيف الدين الجيبغا الخاصكي المقدم ذكره، ومع غيره. وكان قد فرق مماليك السلطان وأخرجهم إلى الشام وإلى الوجه البحري والقبلي بعدما قتل بيدمر البدري، والوزير نجم الدين طغاي تمر الدوادار، قبل الفتك بأغرلو، وهؤلاء الأمراء الذين قتلهم كانوا بقية الدولة الناصرية وكبارها ولهم المعروف، فزاد توحش الناس منه، وركب الأمير سيف الدين أرقطاي النائب بمصر وغالب الأمراء والخاصكية إلى قبة النصر. فجاءه الخبر فركب في من بقي عنده بالقلعة، وهم معه في الظاهر دون الباطن، فلما تراءى الجمعان ساق بنفسه إليهم، فجاء إليه الأمير سيف الدين بيبغاروس أمير مجلس وطعنه فقلبه إلى الأرض، وضربه الأمير سيف الدين طان يرق بالطبر من خلفه، فجرح وجهه وأصابعه، وكتفوه وأحضروه إلى الأمير سيف الدين أرقطاي ليقتله، فلما رآه نزل وترجل ورمى عليه قباءه، وقال: أعوذ بالله، هذا سلطان، ما أقتله، فأخذوه ودخلوا به إلى تربة كانت هناك وقضى الله أمره فيه في التاريخ المذكور.
ثم إن الأمراء بالقاهرة اجتمعوا وكتبوا إلى نائب الشام الأمير سيف الدين أرغون شاه يعرفونه القضية ويطلبون منه ومن أمراء الشام من يصلح للسلطنة، وجهزوا الكتاب على يد الأمير سيف الدين أسنبغا المحمودي السلاح دار. وكان ذلك ثاني عشر شهر رمضان بكرة الأحد.
ولما كان يوم الثلاثاء رابع عشر الشهر المذكور، عقدوا أمرهم على أن يولوا أخاه ناصر الدين حسن ابن الملك الناصر محمد، فأجلسوه على كرسي الملك وحلفوا له، وسموه بالملك الناصر، وجهزوا إلى الشام، وحلفوا له العساكر؛ فسبحان من لا يحول ولا يزول.
وقلت أنا في ذلك، وفيه لزوم الفاء المشددة:
خان الرّدى للمظفّر ... وفي الثرى قد تعفّر
كم قد أباد أميراً ... على المعالي توفّر
وقاتل النفس ظلماً ... ذنوبه ما تكفّر
وقيل: إن أحد الأسباب في قتلته أن الأمير سيف الدين الجيبغا الخاصكي، أتى إليه يوماً، فوجده فوق سطح يلعب بالحمام، فلما أحس به نزل فقال: من هذا ؟ قالوا له: ألجيبغا؛ فطلبه فصعد إليه، وكانت الوحشة قد ثارت، فقال له: ما يقول الناس ؟! قال: خير، فألح عليه، فقال له: يا خوند. أنت تدبر الملك برأي الخدام والنساء، وتلعب بهذا الحمام، فاغتاظ منه وقال: ما بقيت ألعبها، ثم إنه أخذ منها طائرين، وذبحهما، ولما رآهما مذبوحين، طار عقله، وقال: والله لا بد ما أحز رأسك هكذا، فتركه ومضى، فنزل المظفر وقال لخواصه: يا صبيان، متى دخل إلي هذا بضعوه بالسيوف، فسمع ذلك بعض الجمدارية، فخرج إلى الجيبغا، وقال له: لا تعد تدخل إليه، وعرفه الصورة، فخرج وعمل على مقتضى ذلك، وضاع ملكه وروحه منه لأجل الحمام.
وقلت أنا في ذلك:
أيّها العاقل اللبيب تفكّر ... في المليك المظفّر الضّرغام
كم تمادى في الغي والبغي حتى ... كان لعب الحمام جدّ الحمام
اللقب والنسب


الحارثي: شمس الدين عبد الرحمن بن مسعود.
الحافي: الشيخ محمود بن طي.
الحاكم: أمير المؤمنين أحمد بن الحسن.
الحاكم بن المستكفي: أمير المؤمنين أحمد بن سليمان.
ابن الحبال: محمد بن أحمد.
ابن الحبوبي: إبراهيم بن علي.
ابن حباسة: إبراهيم بن حباسة.
ابن الحافظ: محمد بن داود، وصلاح الدين يوسف بن محمد.
الحاضري: محمد بن منصور.
حبيبة



بنت عبد الرحمن زين الدين بن الإمام جمال الدين أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي.
الشيخة الصالحة المسندة أم عبد الرحمن، حضرت على الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني، وخطيب مردا، وسمعت من إبراهيم بن خليل، وأجاز لها سبط السلفي، ومن بغداد إبراهيم بن أبي بكر الزعبي، وفضل الله بن عبد الرزاق وغيرهما.
توفيت رحمها الله تعالى في خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وأجازت لي في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وكتب عنا بإذنها عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي.
حجاب شيخة رباط البغدادية.




بضم الحاء المهملة، وتشديد الجيم وبعدها ألف وباء موحدة: الشيخة الصالحة الزاهدة، شيخة رباط البغدادية.
كانت مشهورة بالصلاح والخير، وعندها لمن يزورها من النساء المروءة والمير، ملازمة هذا الرباط، قانعة بما هي فيه دائمة الاغتباط.
لم تزل على حالها إلى أن حل رباط أجلها في الرباط، فلم يكن لها حركه، وعدم من ذلك المكان بفقدها الأنس والبركه.
وتوفيت رحمها الله تعالى في المحرم سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
الألقاب والأنساب


الحجار المسند أحمد بن نعمة بن حسن.

حجازي بن أحمد بن حجازي

صفي الدين الديرقطاني.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي في تاريخ الصعيد: كان كريماً كاتباً أديباً ناظماً لطيفاً.
توفي ببلده رحمه الله تعالى سنة إحدى وسبع مئة.
وأورد له:
قل للمطايا قد بلغت النّقا ... فهنّها يا صاح بالملتقى
وخلّها ترعى عرار الحمى ... إن عرار الحيّ يجلو الشقا
وقد تملّى باللقا عاشقٌ ... كان لطيف الملتقى شيّقا
وقد محا الوصل حديث الجفا ... حتى كأنّ الهجر لن يخلقا
قال: وكان يعجبه غناء البصيصة، وكانت تغني من شعره، فحضرت يوماً، فقال:
ادخلي تدخلي علينا سروراً ... أنت واللّه نزهة العشاق
لا تميلي إلى الخروج سريعاً ... تخرجي عن مكارم الأخلاق
قلت: البيتان، فائقان رائقان، راقيان في درجة، إلا أنه يخاطب امرأة بقوله من أول ما يطرق سمعها: ادخل تدخلي هذا فيه ما فيه من العيب.
اللقب والنسب



ابن الحداد بدر الدين محمد بن عثمان.
الحجازي الأمير سيف الدين ملكتمر.
ابن حرز الله شهاب الدين أحمد بن أبي بكر.
الحراني جماعة نفيس الدين إسماعيل بن محمد، ومجد الدين الحنبلي اسماعيل بن محمد.
وابن الحراني ناظر الأوقاف محمد بن يحيى.
الحربوني الطبيب عبد الله بن محمد. حرمي بن قاسم بن يوسف العامري الفاقوسي الشافعي. القاضي مجد الدين وكيل بيت المال بالديار المصرية، ونائب قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ونائب قاضي القضاة جلال الدين القزويني.
أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، قال: قرأ حرمي على الشيخ علاء الدين الباجي الأصولي الأصولين، وقرأ على السيف البغدادي الموجز والإرشاد، وسمع من قاضي القضاة عبد الرحمن بن بنت الأعز قصيدة من نظمه، وحدث بها، وكان يدرس بقبة الشافعي. وحفظ الحاوي الصغير على كبر.
وكان وكيل بيت الظاهر بيبرس، وبيت أيبك الخزندار، وبيت بكتمر الخزندار، وكان الناس يقولون: هو آدم أبو البشر.
وكان شيخاً طويلاً رقيقا، صغير الذقن بالمكرمات خليقا. ذو مروة غزيره، وسجايا بالمحاسن شهيره، يمشي مع الناس لقضاء أشغالهم ويشفع بوجاهته لهم عند من فيه بلوغ آمالهم، حسن التوصل، لطيف التوسل، مع سكون زائد وإطراق إلى الخير قائد.
ولم يزل على حاله إلى أن طرق حرم حرمي الموت، وحرم الفوز بالعيش من الفوت.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة.
وكان يلقي الدروس من حفظه من التوسيط على كبر سنه.
الألقاب والأنساب



الحرستاني: شرف الدين إسماعيل بن محمد. وبدر الدين عثمان بن عبد الصمد.
ابن حريث: محمد بن محمد بن علي.
الحريري: سيف الدين الفاضل أبو بكر.
والحريري: قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان.
وابن الحريري: الشيخ حسن بن علي، وأخوه علي بن علي، وابن ابنه أحد الأخوين الحن والبن: علي بن محمد.
وابن الحريري: فخر الدين محمد بن ناصر، وصفي الدين أحمد بن محمد بن عثمان.
حسام بن عز بن ضرغام بن محمود بن درع



مكين الدين القرشي المصري.
أخبرني من لفظه العلامة أثير الدين، قال: كان المذكور غزولياً، جيد الأدب، أنشدنا لنفسه من قصيدة:
حاز الجمال بصورة قمريةٍ ... تجلو عليك مشارق الأنوار
وحوى الكمال بسيرة عمريةٍ ... تتلو عليك مناقب الأبرار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
مسافرٌ سافرٌ عن بدر داجيةٍ ... تضيء من وجهه الظلماء والأفق


قريب عهدٍ من البيت الحرام غدت ... تطوى بأيدي المطايا تحته الطرق
لما زمزم رشحٌ من معاطفه ... وطيب طيبة من أردانه عبق
قلت: مولده أظن سنة ثلاث وعشرين وست مئة. وهو شعر جيد.
الألقاب والأنساب


ابن الحسام: الشاعر عمر بن آقوس. وجمال الدين إبراهيم بن أبي الغيث.
حسب الله



الشيخ جمال الدين الحنبلي، مدرس المنكوتمرية.
كان رجلاً فاضلاً صالحاً.
توفي - رحمه الله تعالى - في سادس عشر شهر ربيع الآخر، سنة عشر وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان



قاضي القضاة حسام الدين أبو الفضائل ابن قاضي تاج الدين أبي المفاخر الرازي ثم الرومي الحنفي.
كان مجموع الفضائل، عرياً من الرذائل، كثير المكارم، عفيفاً عن المحارم، ظاهر الرئاسة حرياً بالسياسه، ملياً بالنفاسه، يتقرب إلى الناس بالود، ويتجنب الخصماء اللد، فيه مروءة وحشمه، وبينه وبين المفاخر قرابة ولحمه. وله نظم وعنده أدب، ورغبة في إذاعة الخير واجتهاد وطلب.
ولد بأقصرا سنة إحدى وثلاثين وست مئة. وولي قضاء ملطية أكثر من عشرين سنة، ثم نزح إلى الشام سنة خمس وسبعين وست مئة خوفاً من التتار، وأقام بدمشق وولي قضاءها سنة سبع وتسعين وست مئة بعد القاضي صدر الدين سليمان؛ وامتدت أيامه إلى أن تسلطن حسام الدين لاجين، وولى ابنه جلال الدين مكانه بدمشق؛ وبقي معظماً وافر الحرمة إلى أن قتل لاجين وهو عنده، فلما ضربوا السلطان بالسيف استغاث، وقال: ما يحل. فأشاروا إليه بالسيوف، فاختبأ هناك، واشتغلوا عنه بالسلطان.
ولما زالت دولة لاجين، قدم إلى دمشق على مناصبه وقضائه، وعزل ولده، ولم يزل على حاله إلى أن خرج إلى الغزاة، وشهد المصاف بوادي الخزندار في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة، وكان ذلك آخر العهد به. فأصابت الرزية الرازي وكان في غنية عن مرآه الملاحم والمغازي.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: والأصح أنه لم يقتل بالغزاة، وصح مروره مع المنهزمين بناحية جبل الجرديين، وأنه أسر وبيع للفرنج، وأدخل إلى قبرس هو وجمال الدين المطروحي.
وقيل: إنه تعاطى الطب والعلاج، وإنه جلس يطبب بقبرس، وهو في الأسر، لكن ذلك لم يثبت، والله أعلم.
قلت: ولما كنت بدمشق سنة خمس وثلاثين وسبع مئة؛ جاء الخبر إلى ولده القاضي جلال الدين على ما شاع بدمشق أن والده القاضي حسام الدين حي يرزق بقبرس، وأنه يريد الحضور إلى الشام، ويطلب ما يفك به من الأسر، ثم إن القضية سكنت، وهذا بعيد لأنه يكون عمره إلى ذلك الوقت مئة وأربع سنين؛ وقلت بناءً على صحة هذه الدعوى:
إنّ حال الرازي بين الرزايا ... حالةٌ لم نجد عليها مثالا
كان قاضي القضاة مصراً وشاماً ... ثم في قبرسٍ غدا كحّالا
الله أكرم وأرحم من أن يمشي أحد من أهل العلم الشريف إلى ورا، أو أن يرد في آخر عمره القهقرى.
الحسن بن أحمد بن زفر الحكيم



عز الدين الإربلي. سمع ابن الخلال والموازيني وخلقاً.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: كان مظلماً في دينه ونحلته، متفلسفاً، صادقاً في نقله، حصل إثبات سماعاته، وألف كتباً وتواريخ، منها السيرة في مجلدين، وسمع معنا كثيراً.
قلت: وخطه معروف بين الفضلاء، ومجاميعه غالبها تراجم شعراء وتواريخ ووفيات؛ ويعرف بالعز الإربلي الطبيب، وعبث في مجاميعه برئيس الطب أمين الدين سليمان؛ كما عبث ركن الدين الوهراني بالمهذب النقاش في صورة المنام الذي صنعه، ورماه بأشياء من الخسة والبخل، وبأشياء من الزغل، وعمل الكيمياء، وبأشياء من المطالب؛ وأنه انتقى منها جملة. إلا أن في تعاليقه فوائد أدبية وغيرها وتراجم غريبة وغير ذلك يدل على أنه كان فاضلاً.
ولم يزل على حاله إلى أن بلي الإربلي، وفرغ جراب عمره الممتلي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين وسبع مئة.
الحسن بن أحمد بن المظفر



الشيخ الفاضل الكبير المعمر شرف الدين أبو علي بن الشيخ كمال الدين بن الخطيري الصوفي، بخانقاه خاتون ظاهر دمشق.
كان شيخاً حسناً عنده فضل وله نظر، وكتب المنسوب، ونسخ بخطه كتباً، وسمع صحيح مسلم من الرضي بن البرهان الواسطي بدمشق سنة خمس وخمسين وست مئة، وسمع من ابن عبد الدائم، وحدث وأخذ الطلبة عنه.


وتوفي في سابع عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة بمدينة كنبايت بالهند.
حسن بن أرتنا


الأمير بدر الدين الشيخ حسن بن النوين الحاكم بالروم، تقدم ذكر والده في مكانه.
كان هذا الشيخ حسن المذكور ذا حسن باهر، وجمال ظاهر، يفتن من يراه، ويسبح من خلقه وبراه، لأنه كان حسنه بديعا، ومن يشاهده صديعا، بوجه كأنه القمر إذا بزغ، وجفن بسحره نفث الشيطان ونزغ، وشكله تام القامه، كامل الهامه.
مرض في سيواس فانكسفت شمسه وأودع جوهر شخصه رمسه.
سمع به الأمير سيف الدين طشتمر نائب حلب، وأنه وصل إلى بهسنى، لأنه كان قد أرسله أبوه إلى الشيخ حسن الكبير ببغداد، فكتب إلى نائب بهسنى بطلبه، فحضر إليه إلى حلب، فأعجبه شكله وبهت لحسنه، فخلع عليه خلعة سنية، وأعاده إلى والده؛ وكان والده قد خطب له ابنة صاحب ماردين الملك الصالح شمس الدين، فأجابه إلى ذلك وجهزها إليه، وما أظنه دخل بها، بل مرض في سيواس، وكان والده في قيصرية، فتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. وكتب أبوه إلى صاحب ماردين؛ يقول له: إن لي ابناً آخر يصلح لزواجها، وأعطاها مدينة خرتبرت.
حسن بن أقبغا بن إيلكان



بعد الهمزة ياء، آخر الحروف ساكنة ولام وكاف وألف بعدها نون: النوين الكبير الشيخ حسن بك الكبير الحاكم ببغداد والعراق، أبعد في أيام بوسعيد، وكان الناس في داخل حرمه، وهو بالوصيد، وجرت له حروب، وخطبته من الأيام خطوب، وكربت له منه كروب، ومرت به من المحن أنواع وضروب، ووجد بعد بوسعيد شدائد، وتلقى ضربات النكبات حدائد؛ وكافح طغاي بن سوتاي، وإبراهيم شاه وأولاد تمرتاش وغيرهم؛ وأقر له النصرة عليهم، وأطار طيرهم، وناصح المسلمين وما داجى، وصرح بالمحبة وما حاجى.
ولم تزل كتب ملوك مصر تفد إليه بالمبرات، وترد عليه بالمسرات، وتجهز له التشاريف، ويعظم في العنوانات والتعاريف، ورسله هو ما تنقطع ولا قصاده، وزراع وده المنجب وحصاده.
ولم يزل على حاله إلى أن ورد الخبر بوفاته في شعبان سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
وجلس ولده الشيخ سيف الدين أويس مكانه في الحكم على بغداد.
وهذا الشيخ حسن الكبير إنما عرف بهذا فرقاً بينه وبين الشيخ حسن بن تمرتاش، وسيأتي ذكره.
وكان الشيخ حسن الكبير أولاً زوج الخاتون بغداد بنت جوبان، فلم يزل به بوسعيد القان إلى أن أخذها منه بعدما أتت من الشيخ حسن بابنه الأمير إيلكان، ولم يزل الشيخ حسن مبعداً إلى أن توفي بوسعيد رحمه الله تعالى، فملك بغداد ونزل بها، وأقام فيها، وجرت له مع المذكورين حروب كثيرة ونصره الله عليهم، ولم يزل مروعاً من أولاد تمرتاش وهو المنصور، ثم إنه تزوج الخاتون دلشاذ بنت دمشق خواجا بن جوبان الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه.
وجرى في أيامه ببغداد الغلاء العظيم، حتى أبيع الخبز على ما قيل بصنج الدراهم، ونزح الناس عن بغداد؛ وعدم منها حتى الورق، وكان يجلب منها إلى الشام ومصر وغيرهما، ولما أظهر العدل وأمن الناس تراجع الناس إليها وذلك سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وفي أوائل سنة تسع وأربعين وسبع مئة توجه إلى ششتر ليأخذ من أهلها قطيعة كان قد قررها عليهم، فلما أخذها وعاد وجد نوابه في بغداد قد وجدوا في رواق العزيز ببغداد ثلاث جباب نحاساً مثل جباب الهريسة، طول كل جب ما يقارب الذراعين والنصف، وهي مملوءة ذهباً مصرياً وصورياً ويوسفياً، وفي بعضه سكة الإمام الناصر، وكان زنة ذلك أربعة آلاف رطل بالبغدادي، يكون ذلك مثاقيل خمس مئة ألف مثقال.
الحسن بن تمرتاش بن جوبان



المعروف بالشيخ حسن، تقدم ذكر والده وجده في مكانهما.
كان هذا الشيخ حسن داهية ولم يكن ذاهبه، بعيد الغوص في الفكر والغور، مخادعاً، لا جرم أن أمست أيامه ذاهبه، ويشتغل بحيل ما تحكى عن البطال، ويفكر ذب خدع سحابه منه هطال، وكان يدخل إلى الحمام ويخلو بنفسه فيها اليوم واليومين والثلاث، وهو يفكر فيما يرتبه من المكر والاجتهاد والاكتراث، وقيل إنه مرة شرب دماً وقاءه، ليرتب على ذلك حيلا، وينال بها ممن يريد مقصوداً وأملا، وزاد بطشه، وصح في الحيل نقشه، وأفنى جماعة من كبار المغول، واغتالهم من فتكه غول، وشوش على المسلمين، قتل أهل تلك البلاد، وأضجر قومه من الإغارات والجلاد.


ولم يزل على حاله إلى أن قيل: إنه تهدد زوجته مرة فخبأت عندها خمسة من المغل فأصبح مخنوقا، وأظهر أنه وجد مشنوقا، فوضع في تابوت ودفن بتربته التي أنشأها بتوريز، وراح كما راح أمس الدابر، ودخل في زمرة من دخل في الزمن الغابر، ولم ينتطح في أمره عنزان ولا اختلفت فيها مقادير ولا أوزان، وكفى الله المسلمين منه شراً كبيراً، " وكان اللّه على كلِّ شيء قديراً " .
وجاء الخبر بوفاته في شهر رجب سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان يقول أولاً: ما يمنعني من دخول الشام ودوسه إلا هذا تنكز، وقد حصلت له إحدى عشرة حيلة إن لم يرح بهذه وإلا راح بهذه ! فما كان إلا أن جاء رسوله القاضي تاج الدين قاضي شيراز، وتوجه إلى السلطان الملك الناصر محمد، وكان مما قاله: إن تنكز طلب الحضور إلى عندي، فاستوحش السلطان من تنكز رحمه الله تعالى وتغير عليه، وكان السبب في ذلك هذا الكلام، والله أعلم، ولما أمسك تنكز، قال: والله أنا كنت أعتقد أن قلع هذا تنكز صعب، وقد راح الآن بأهون حيلة، وعند الله تجتمع الخصوم.
الحسن بن رمضان


الإمام العالم الفاضل القاضي حسام الدين القرمي الشافعي، أبو محمد قاضي القضاة بصفد وطرابلس، ابن الشيخ الإمام العالم الخطيب معين الدين أبي الحسن.
كان فاضلاً ذكيا، واضح المحيا بهيا، حسن الوجه مديد القامه، ترف الجسم عليه وسامه، بسام الثغر ضحوكا، جميل المنظر كأنما ألبس وشياً محوكا، جيد البحث والنظر، شديد الإصابة إذا فكر وادكر. يعرف العربية وغوامض مسائلها، والأصول ومآخذ وجوهها وتقرب وسائلها.
ولم يزل إلى أن حسم الحسام، ووقع في أشراك المنية وحبائلها الجسام.
وتوفي رحمه الله تعالى في طرابلس في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبع مئة.
وكان قد قدم إلى صفد على قضاء القضاة بها إلى أيام الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وأقام بها مدة وهو فقير لا يملك شيئاً، ثم إنه ثور نعمة موفورة واقتنى أملاكاً، ونقل إلى قضاء القضاة بطرابلس في ذي القعدة سنة ست عشرة وسبع مئة، فأقام بها مدة، وبنى حماماً عجيباً في طرابلس، وهو بها مشهور، وغير ذلك من الأملاك.
وكان قد طلب إلى مصر على البريد في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، فأقبل السلطان عليه وزاده وأعاده، ثم إنه عزل ووصل إلى دمشق وأقام بها وأقبل على شأنه، وولي تدريس الرباط الناصري بالجبل، وعكف على الاشتغال وسماع الحديث وعلومه، ولم يزل على خير.
اجتمعت به غير مرة، وجرت بيني وبينه مباحث في العربية وغيرها، وكان ذهنه في غاية الجودة والصحة. ولما كان في صفد وقع بينه وبين شيخنا نجم الدين بن الكمال خطيب صفد منازعة في مسألة إعراب، وأخذه بها في خطبته، وأصر الشيخ نجم الدين على مخالفته، وكتب إليه رسالة نظماً ونثراً افتتحها بقول بعض المغاربة:
نحنح زيدٌ وسعل ... لمّا رأى وقع الأسل
وكان الشيخ نجم الدين يقول في الخطبة الثانية عند الترضي على الخلفاء الراشدين: المكنى بأبي بكر الصديق وأبي حفص وأبي عمرو، ولا ينون بكراً ولا حفصاً ولا عمراً، وهو وجه في أبي بكر حسن وفيما بعده ضعيف.
الحسن بن عبد الرحمن



القاضي الصدر سعد الدين بن الأقفهسي، بهمزة وقاف ساكنة، وفاء مفتوحة، وهاء بعدها سين مهملة، والناس يقولون: الأقفاصي.
كان ناظر الخزانة بالديار المصرية؛ وله مكانة عند السلطان والدولة؛ وقدم دمشق، وسمع الحديث بقراءة الشيخ علم الدين البرزالي، وعاد إلى القاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في آواخر ذي الحجة، سنة خمس عشرة وسبع مئة، وتولى عوضه الصاحب ضياء الدين النشائي.
الحسن بن شرفشاه



هو الإمام العلامة السيد ركن الدين أبو محمد العلوي الحسيني الأستراباذي، عالم الموصل، ومدرس الشافعية، وهو من كبار تلاميذ نصير الدين الطوسي.
وكان السيد ركن الدين معظماً عند التتار، مبجلاً في تلك الديار، وافر الجلاله، وافي البساله، له على التتار إدرارات، وفي معاملاتهم وجهاتهم قرارات، بحيث إنها تبلغ في الشهر ألفاً وخمس مئة درهم، هذا مع الوجاهه، والتلقي بالرضا لا بالكراهه.


وكان فاضلاً مصنفا، كاملاً في علومه للأسماع مشنفا، يبحث ويدقق، ويغوص على المعاني ويحقق، يواخد الحدود والرسوم، ويشامخ في الألفاظ وموضوعاتها بين أهل الفهوم، ويمزج المنقولات بالمعقولات، ويرد المطلقات إلى المعقولات، فلذلك جاءت تصانيفه فجادت، وعاجت عن طريق الخمول وحادت، واشتهرت بين الفضلاء الأكابر، وشركتها ألسن الأقلام في أفواه المحابر.
ولم يزل على حاله إلى أن هدم الموت ركنه، ورماه بعد الفصاحة باللكنه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة وسبع مئة؛ وله سبعون سنة.
وكان يوصف بحلم زائد وتواضع كثير بحيث إنه كان يقوم للسقاء إذا دخل داره. وتخرج به جماعة من الأفاضل، إلا أنه كان لا يحفظ القرآن على ما قيل، وصنف شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح مقدمتي ابن الحاجب، وشرح الحاوي في المذهب شرحين.
الحسن بن عبد الرحمن بن عمر


بن الحسن ابن علي بن إبراهيم بن محمد بن مرام

التيمي الأرمنتي الشافعي وأرمنت، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم وسكون النون وبعدها تاء ثالثة الحروف.
كان حسن الأخلاق، يجود في السعد والإملاق، خير كريم، لا يرحل عن مغنى الجود ولا يريم، تولى قضاء أرمنت، فما أتى قضيةً إلا وقيل له: أحسنت.
ولم يزل على حاله إلى أن تجرع كأس فقده، وانحل نظام عقده.
وتوفي رحمه الله تعالى بقوص سنة ست وثلاثين وسبع مئة؛ وحمل إلى أرمنت، ودفن بها.
ومولده سنة سبع وثمانين وست مئة بأرمنت.
قال كمال الدين جعفر الأدفوي: ولما مررت بأرمنت زرت قبره بظاهرها، ولم أدخل البلد، وقلت:
أتينا إلى أرمنت فانهلّ وابلٌ ... من الدّمع أجراه الكآبة والحزن
وجاوزتها كرهاً وأيّ إقامة ... بمغنىً رعاه اللّه ليس به حسن
فتىً كان يلقاها ببشرٍ وراحةٍ ... ولم نخش منه لا ملالاً ولا منن
ومن شعر قاضي أرمنت المذكور:
بكفّك الثقتان الخُبر والخَبر ... بأنّك البغيتان السول والوطر
وفيك أثبتت الدعوى بيّيّنةٍ ... أقامها الشاهدان العين والأثر
يمنك يمنٌ فكم ذا قد حوت ملحا ... يحار في وصفها الألباب والفكر
ندىً وليناً وتقبيلاً فواعجباً ... أمزنةٌ أم حريرٌ أم هي الحجر
قلت: شعر قاض.
أبو الحسن بن عبد الله



ابن الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم النابلسي: الشيخ الفاضل السيد القدوة.
كان رجلاً صالحاً فاضلا، عاملاً بما يعلمه من أمر دينه عاقلا، غافلاً عما عنده غيره راحلا، راجلاً في أمر آخرته، فارساً في تحصيل ما ينفعه في ساهرته، كثير السكون، والميل إلى أهل الصلاك والركون، بادي التقشف، ظاهر الحال، زائد التكشف، حسن المحاضره لطيف المذاكره، كثير الاتضاع غزير الانطباع، له شعر لطيف، وكلام في الطريقة ظريف، وفكر لا يجيد به عن الصواب ولا يحيف، وله تطلع وافر إلى علم الفروع ومسائل الفقه التي تروق ولا تروع.
ولم يزل على حاله إلى أن انفرد عن ذويه قهرا، وأودع بالرغم منهم قبرا.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء رابع ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة.
ومولده بنابلس سنة أربع وأربعين وست مئة.
ودفن بالصالحية في التربة المعروفة بالشيخ عبد الله الأرموي، وكان قد سمع من ابن عبد الدائم وعمر الكرماني.
الحسن بن عبد الكريم



بن عبد السلام ابن فتح الغماري المغربي ثم المصري

الشيخ الإمام العالم المقرىء المجود الصالح المعمر، بقية المسندين أبو محمد المالكي الملقن المؤدب سبط زيادة بن عمران.
كان تلا بالروايات على أصحاب أبي الجود؛ وسمع من أبي القاسم بن عيسى جملةً صالحة، وكان آخر من حدث عنه.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: بل ما روى لنا عنه سواه. وكان عنده التيسير والتذكرة والعنوان في القراءات وكتاب المحدث الفاصل للرامهرمزي، وكتاب الناسخ والمنسوخ لأبي داود، وعده أجزاء وسمع الشاطبيتين من أبي عبد الله القرطبي تلميذ الشاطبي، وتفرد بمروياته.
وروى عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والعلامة أبو حيان، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس والوافي وابن الفخر.
وكان شيخاً متواضعا، مزجياً لأوقاته مدافعا، طيب الأخلاق، يمرح فيما ارتداه من الجديد والأخلاق.


ولم يزل على حاله إلى أن نقص سبط زياده، وعدم الناس من الرواية والإفاده.
وتوفي رحمه الله تعالى بمصر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
الحسن بن علي


الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين، أبو علي بن عضد الدولة الحسن أخي المتوكل على الله ملك الأندلس أبي عبد الله محمد ابني يوسف بن هود.
كان الشيخ فاصلاً قد تفنن، وزاهداً قد تسنن، وعاقلاً استغرق فراح غافلاً تجنن، عنده من علوم الأوائل فنون، وله طلبة وتلاميذ وأصحاب وزبون، فيه انجماع عن الناس وانقباض، وانفراد وإعراض عما في هذه من الأعراض.
وكان لفكرته غائباً عن وجوده، ذاهلاً عن بخله وجوده، لا يبالي بما ملك، ولا يدري أيةً سلك، قد اطرح الحشمه، وذهل عما ينعم جسمه، ونسي ما كان فيه من النعمه، يلبس قبع لباد ينزل على عينيه، ويغطي به حاجبيه، ويواري جسده بما يقيه، ولا يحذر برداً ولا حراً، ولا يتقيه.
وكان يمشي في الجامع الأموي وسبابته قد رفعها، وينظر في وجوه الناس كأنهم ذروة ما فرعها.
ولم يزل على حاله إلى أن برق بصره، وألجمه عيه وحصره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة، وصلى عليه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ودفن بسفح قاسيون.
ومولده بمرسية سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكانت وفاته في شعبان.
أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: رأيته بمكة وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعاً من الثياب، مما لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد، وكان يذكر أنه يعرف شيئاً من علوم الأوائل. وكان له شعر أنشدنا له أبو الحكم بن هاني صاحبنا، قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن عضد الدولة لنفسه:
خضت الدّجنّة حتى لاح لي قبسٌ ... وبان بان الحمى من ذلك القبس
فقلت للقوم: هذا الربع ربعهم ... وقلت للسمع: لا تخلو من الحرس
وقلت للعين: غضيّ عن محاسنهم ... وقلت للنطق: هذا موضع الخرس
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: هو الشيخ الزاهد الكبير أبو علي بن هود المرسي أحد الكبار في التصوف على طريقة الوحدة، وكان أبوه نائب السلطنة بها عن الخليفة الملقب بالمتوكل؛ حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وسكرة عن ذاته وغفلة عن نفسه، فسافر وترك الحشمة، وصحب ابن سبعين، واشتغل بالطب والحكمة، وزهديات الصوفة، وخلط هذا بهذا وحج ودخل اليمن، وقدم الشام.
وكان غارقاً في الفكر عديم اللذة، مواصل الأحزان، فيه انقباض عن الناس، حمل مرة إلى والي البلد وهو سكران، أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا منه.
قلت: لأن اليهود نالهم منه أذى، وأسلم على يده منهم جماعة، منهم سعيد وبركات. وكان الشيخ يحب الكوارع المغمومة فدعوه إلى بيت واحد منهم وقدموا له ذلك فأكل منه، ثم غاب ذهولاً، على عادته، فأحضروا الخمر فلم ينكر حضورها وأداروها، ثم ناولوه منها قدحاً فاستعمله تشبهاً بهم، فلما سكر أخرجوه على تلك الحالة، وبلغ الخبر إلى الوالي، فركب وحضر إليه وأردفه خلفه، وبقي الناس خلفه يتعجبون من أمره، وهو يقول لهم بعد كر فترة: أي وأيش قد جرى، ابن هود شرب العقار، يعقد القاف كاملاً في كلامه، وفي ذاك يقول علاء الدين علي الوادعي ونقلت ذلك من خطه:
قالوا ابن هودٍ قد غدا ... سكران من خمر المعازف
وأعيذه لكنّه ... سكران من خمر المعارف
وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب الدلالة، وهو مصنف في أصول دينهم للرئيس موسى. قال الشيخ شمس الدين الذهبي، قال شيخنا عماد الدين الواسطي: أتيته وقلت له: أريد أن تسلكني، فقال: من أي الطرق: الموسوية أو العيسوية أو المحمدية ؟ وكان إذا طلعت الشمس ويصلب على وجهه، وصحبه الشيخ العفيف عمران الطبيب وسعيد المغربي وغير واحد من هؤلاء.
قلت: الذي بلغني عنه ما أخبرني به شيخنا نجم الدين الخطيب الصفدي. قال: كان بعض الأيام يقول لتلميذه سعيد: يا سعيد أرني فاعل النهار، فيأخذ بيده ويطلع به إلى سطح، فيقف باهتاً إلى الشمس نصف نهار.
وكان يوضع في يده الجمر فيقبض عليه ذهولاً عنه فإذا أحرقه رجع إليه حسه، فألقاه من يده، وكان تحفر له الحفر في طريقه فيقع فيها ذهولاً عنها وغيبة.
ومن شعره:


فؤادي من محبوب قلبي لا يخلو ... وسرّي على فكري محاسنه تجلو
ألا يا حبيب القلب يا من بذكره ... على ظاهري من باطني شاهدٌ عدل
تجلّيت لي منّي عليّ فأصبحت ... صفاتي تنادي: ما لمحبوبنا مثل
أورّي بذكر الجزع عنه وبانه ... ولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل
وأذكر سعدى في حديثي مغالطاً ... بليلى ولا ليلى مرادي ولا جمل
سوى معشرٍ حلّو النظام وفرّقوا الث ... ياب فلا فرضٌ عليهم ولا نفل
مجانين إلاّ أنّ ذلّ جنونهم ... عزيز على أعتابهم العقل
ومن شعره أيضاً:
سلامٌ عليكم صدّق الخبر الخبر ... فلم يبق قال القسّ أو حدّث الحبر
خذوا خبري عنّي بقيت مشاهدا ... ذروا ما يقول الغرّ أو يفهم الغمر
خذوا عن غريب الدار كلّ غريبةٍ ... وحقّكم من دونها حُجر الحِجر
عليك سلام اللّه يا خير قادم ... على خير مقدوم عليه لك البِشر
عليك سلام اسلم وقيت الرّدى فدم ... على غابر الأيام لا خانك الدهر
أتيتكم مستقضياً دين وعدكم ... فمن قولهم عند القضا يعرف الحرّ
اذكّركم عهداً لنا طال عهده ... وقولكم صبراً وقد فني الصبر
فلا تحسبوا أني نسيت عهودكم ... فإني وحقّ اللّه عبدكم الحرّ
أأنسى عهوداً بالحمى طاب ذكرها ... ومثلي وفيٌّ لا يليق به العذر
تحييّك عنّا الشمس ما أشرقت ضحا ... يحيّيك عنا ما تبدّى لك البدر
تحيّيك عنا كلّما ذرّ شارق ... يحيّيك عنّا من غمائمه القطر
تحيّيك عنا الريح بالروح قد بدت ... يحيّيك عنا من منابته الزّهر
ألا فاعجبوا من أمرنا إنه امروٌ ... ألا فاعجبوا للقلّ من بعضه الكثر
ومنه:
علم قومي بي جهل ... إنّ شأني لأجلّ
أنا عبد أنا ربّ ... أنا عزٌّ أنا ذلّ
أنا دنيا أنا أخرى ... أنا بعضٌ أنا كلّ
أنا معشوق لذاتي ... لست عني الدهر أسلو
فوق عشرٍ دون تسع ... بين خمسٍ لي محلّ
حسن بن علي بن محمد


الأمير عماد الدين بن النشابي، والي دمشق.
كان ناهضاً كافيا، خبيراً بأدواء الولايات شافيا، له معرفة بسياسات البلد، وعنده على مكابدة أهوالها صبر وجلد.
كان أولاً صائغا، وتجرع الذل سائغا؛ ثم إنه خدم جندياً وتولى في البر، وصبر على ما في ذلك من الخير والشر، وتقلب به الدهر، وقفز إلى البحر من النهر، ثم تولى بر دمشق مده، وقام لها بما تحتاج إليه من عدة وعده، ثم تولى المدينه، وجعل موعده يوم الزينه، ثم أعطي طبلخاناه، وصارت مباعدة السعادة منه مداناه.
ولم يزل على حاله إلى أن غص بها الحلقوم، وفرغ أجل الكتاب المرقوم.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة بالبقاع، وحمل إلى دمشق، ودفن بتربته بقاسيون وكان من أبناء الخمسين.
وكان قد تولى مدينة دمشق في أول دولة الناصر محمد في صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة عوضاً عن الأمير عز الدين بن أبي الهيجاء.
حسن بن علي الصدر



الرئيس الأصيل عزيز الدين أو محمد بن العدل شرف الدين ابن القاضي عزيز الدين محمد ابن القاضي العلامة عماد الدين محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله القرشي الأصبهاني المعروف جد والده بالعماد الكاتب.
أوصى أن يفرق على الجماعة الذين يحضرون دفنه حلوى صابونية على برزق، ففعل ذلك، وأكل منه الأغنياء والفقراء.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
ومولده في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وكان جيداً مشكور السيرة، عارفاً بصناعة الكتابة مبرزاً فيها، خدم في عدة جهات منها عمالة الخزانة، ثم نقل منها إلى استيفاء الخزانة.


وكان يتلو القرآن دائماً، وحج وجاور سنة، وسمع من ابن عبد الدائم، والخطيب عماد الدين بن الحرستاني والزين خالد النابلسي الحافظ، وابن أبي اليسر، ويوسف بن مكتوم وغيرهم، وشيوخه أكثر من خمسين. وله إجازة من الصدر البكري، وإبراهيم بن خليل وابن السروري، وجماعة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: خرجت له جزءاً عوال شيوخه، وجزأين آخرين بالسماع والإجازة.
حسن بن علي بن عيسى بن الحسن


الإمام المحدث شرف الدين اللخمي المصري المعروف بابن الصيرفي، شيخ الحديث بالفارقانية.
كان فقيهاً معيدا، محدثاً مفيدا، خيراً صدوقا، مكباً على الرواية صبوحاً وغبوقا، حسن الأخلاق متواضعا، ساكناً خالياً من الشر وادعا، مليح الشيبه، ظاهر الهيبه.
سمع من عبد الوهاب بن رواج، وأبي الحسن بن الجميزي، ويوسف الساوي، وفخر القضاة ابن الحباب، والمؤتمن بن قميرة والزكي عبد العظيم، والرشيد العطار، وسمع بالإسكندرية من سبط السلفي وجماعة.
قال الشيخ شمس الدين: سمعت منه.
ولم يزل على حاله إلى أن رئي ابن الصيرفي وقد تبهرج، ودخل في قبره وتدحرج.
وتوفي رحمه الله تعالى: سنة تسع وتسعين وست مئة، وهو من أبناء الثمانين.
حسن بن علي بن أبي بكر بن يونس



بدر الدين أبو علي الأمين الأنصاري الدمشقي القلانسي بن الخلال، بالخاء المعجمة وتشديد اللام.
كان أحد المكثرين، اعتنى بأمره خال أمه المحدث ابن الجوهري.
روى شيئاً كثيراً بدمشق وحلب ومصر، وكان يخرج أميناً على القرى، وله فهم وعنده فضل ما.
سمع من ابن اللتي، وابن المقير، ومكرم، وأبي نصر بن الشيرازي، وجعفر الهمداني، وكريمة الزبيرية، وسالم بن صصرى، وخلق كثير.
وحضر ابن غسان والإربلي. وأجاز له ابن روزبة، والسهروردي وأبو الوفاء بن منده. وله إثبات في ستة أجزاء.
وروى عنه المزي وابن تيمية، وابن البرزالي، وغيرهم.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبع مئة، ومولده في صفر سنة تسع وعشرين وست مئة.
الحسن بن علي بن أبي الحسن



بن منصورالشيخ الصالح الزاهد، بقية المشايخ ابن الشيخ علي الحريري.

كان شيخ الطائفة وزعيمهم وساقيهم ونديمهم، مليح الشيبة نقيها، يعرف الأحوال ورقيها، حسن الخلق، محبوباً إلى الخلق، له مكانة عند الأكابر، وحرمة عند أولي السيوف والمحابر، وربما يأتي بكرامات، ويظهر بأحوال للعقل فيها غرامات.
قدم إلى دمشق مرات، ورأى فيها أوقات مسرات، وكان مقامه في قريته بسر، ويكابد فيها العسر بعد اليسر.
ولم يزل على حاله إلى أن أدرج الحريري في قطن أكفانه، وأصبح والتراب ملء أجفانه.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى وعشرين وست مئة.
الحسن بن علي



الشيخ الإمام الفقيه الصالح الناسك الأسواني أخو الشيخ الإمام نجم الدين الحسين.
كان يؤم بالمدينة الشريفه، ويشاهد أنوارها المنيفه، حج فرضه وجاء إليها، وأقبل بجمعه عليها، فأقام بها ثماني عشرة سنة ملتزماً أن لا يخرج من بابها ولا يشتغل بشيء من أسبابها.
وكان يشغل بالحرم الشريف في الفقه، إلى أن حلت أسواء الموت بالأسواني، وانتقل إلى السعد الباقي بعد الذل الفاني.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
الحسن بن علي بن محمود



الأمير الكبير بدر الدين أخو الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة.
كان له إقطاع كبير بحماه، ونعمة جليلة قد تغشت حماه، وأموال كاثرت النجوم، وكابرت أنواء الغيوم، مع ما عنده من النظر في العلوم، والمشاركة في الفضل لذوي الألباب والفهوم، وهو كان أكبر من أخيه، وإنما تقدم لأنه خدم الناصر لما كان في الكرك ولم يلو الأمير بدر الدين عليه، فقدمه وجعله صاحب حماة.
وصلي عليه غائباً بدمشق، في ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
الحسن بن علي بن محمد



بن عدنان بن شجاع

الشيخ الإمام بدر الدين الحراني المعروف بابن المحدث المجود الكاتب.
كان قد كتب على الشيخ نجم الدين بن البصيص، فيقال: إنه ما ظهر من تلاميذه في حسن الكتابة مثل بدر الدين المذكور، ومثل الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني.


كان أديباً فاضلاً في فنه عجيباً، ينظم وينثر، ويجري في جلبة البلاغة ولا يعثر، كتب عليه من أهل دمشق جماعة كثيرون، يحركون نوافج الثناء عليه ويثيرون، وكان قد أخمل نفسه بالتعليم، ورضي من الدهر بالتسليم، فعز بالقناعه، وشرف نفسه عن التجشم والرقاعه، ولم يذل نفسه على أحد بالترداد، ولا دخل مع أبناء الدنيا في جملة الأعداد، على أنه له ملك يدخله منه كفايته، ويصل إليه من التجويد ما هو نهايته، وكان إذا كتب كبت، وعثرت الرياح من خلفه وكبت، وأراك بأقلامه الروض، إذا نبت، والسيوف إذا كلت عن مضارب مداه ونبت.
ولم يزل على حاله إلى أن رمي ابن المحدث من الحين بحادثه، وحكم في تركته أيدي وارثه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة رابع ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
كان الملك الأوحد يصحبه، فتحدث له مع الأفرم أن يدخل ديوان الإنشاء فرسم له بذلك، فأبى الشيخ بدر الدين ذلك، فلامه الأوحد على ترك ذلك. فقال: أنا إذا دخلت بين الموقعين ما يرتب لي أكثر من خمسة دراهم كل يوم، وما يجلسونني فوق أحد من بني فضل الله، ولا فوق بني القلانسي، ولا فوق بني غانم، فما أكون إلا دون هؤلاء، ولو تكلمت قالوا: أبصر المصفعة، واحد كان فقيه كتاب، قال يريد يقعد فوق السادة الموقعين، وإذا جاء سفر ما يخرجون غيري، فإن تكلمت قالوا: أبصر المصفعة، يحتشم عن السفر في خدمة ركاب مولانا أمير الأمراء، وهذا أنا كل يوم يحصل لي من التكتيب الثلاثون درهماً والأكثر والأقل، وأنا كبير هذه الصناعة، وأتحكم في أولاد الرؤساء والأكابر ونظم في ذلك:
لائمي في صناعتي مستخّفاً ... بي إذا كنت للعلى مستحقّاً
ما غزالٌ يقبّل الكفّ منّي ... بعد برّي ولم يضع لي حقّا
مثل تيسٍ أبوس منه يداً قد ... صفرت من ندى لأسأل رزقا
فيولّي عني ويلوي عن ردّ ... سلامي ويزدريني حقّا
فاقتصد واقتصر عليها فما عن ... د إله السماء خيرٌ وأبقى
وقال أيضاً:
غدوت بتعليم الصغار مؤمّراً ... وحولي من الغلمان ذو الأصل والفصل
يقبّل كفي منهم كلّ ساعة ... ويعطونني شيئاً أعمّ به أهلي
وذاك بأن أسعى إلى باب جاهلٍ ... أقبّل كفّيه أحبّ إلى مثلي
أميرٌ إذا ميّزت لكن بلا حجىً ... وكم قد رأينا من أمير بلا عقل
قلت: نظم عجيب التركيب، والأول جيد وفيه لحنة، لكنها خفية.
وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن بادي الطيبي، قال: أنشدنا من لفظه لنفسه بدر الدين بن المحدث:
كن عاذراً شاتم المؤدب إذ ... يأخذ من عرضه ويشتمه
لأنه ناكه على صغرٍ ... ومن ينيك الصغير يظلمه
وكلّ فلسٍ حواه يأخذه ... وكلّ وقت بالضّرب يؤلمه
نيكٌ وأخذٌ والضرب بعدهما ... والحقد إحدى الثلاث يضرمه
قلت: ما جزم الشرط، ولا جوابه في الثاني، ويمكن توجيه إعرابه.
ومن شعره أيضاً:
بقل هو اللّه أحد ... أُعيذ خدّاً قد وقد
وناظراً وسنانه ... عليه طرفي ما رقد
أقول لما زارني ... أنجز حرٌّ ما وعد
من كاسه وخدّه ... تخال ورداً قد ورد
من حمل ثقل ردفه ... ما قام إلاّ وقعد
ولا انثنى من لينه ... إلاّ وقد قلت انعقد
كالظبي إلاّ أنّه ... يفعل أفعال الأسد
في جيد من عنّفني ... عليه حبلٌ من مسد
ومن شعر:
وقد عنّفوني في هواه بقولهم ... ستطلع منه الذّقن فاقصر عن الحزن
فقلت لهم: كفّوا فإنّي واقعٌ ... وحقّكم بالوجد فيه إلى الذّقن
ومن شعره فيمن يحبها، واسمها فرحة:
ما فرحتي إلاّ إذا وصلت ... فرحة بين الكسّ والكاس
لا أن أراها وهي في مجلسٍ ... ما بين طبّاخي وعدّاس
وشعره كثير، سقت منه جانباً جيداً في ترجمته في تاريخي الكبير، وخمس لامية العجم.

واجتمعت به غير مرة وأخذت من فوائده، وكان له مكتب برا باب الجابيه، ويكتب أولاد الرؤساء في المدرسة الأمينية بجوار الجامع الأموي، وكان كتب إلي قصيدة في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة لامية ملزومة وأجبته عنها بمثلها، والتزمت فيها الميم قبل اللام، وقد ذكرتها في ألحان السواجع.
؟الحسن بن علي بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار بفتح الشين والنون، وبعد الألف راء. البليغ الناظم الناثر بدر الدين الغزي.
شاعر إذ قلت شاعر، طاف بكعبة البلاغة وعظم تلك المشاعر، يغوص على المعنى، ويجزل الألفاظ ويحكم المبنى، وينشدك القطعة، فتحسب أنه ضرب المثلث أو جس المثنى، متين التركيب بليغ المعاني، فصيح الألفاظ، إلا أنه يستعمل الغريب فيما يعاني، فيثقل على السمع بذاك وروده، وما تروق رياحينه ولا وروده.
وكتب المنسوب مع السرعه، وراعى الأصل في وضع الحرف وفرعه، إلا أنه كان ذا خلق فيه زعاره، وبادرة ليس وراءها حقد فهي في السر معاره، فنفرت عنه بعض النفوس، ولو خلا منها وضع على الرؤوس.
ودخل ديوان الإنشاء، فكان فيه بالشام شامه، وصدق هذه الدعوى أنه كان يحكي بلونه مداده وأقلامه، ولكن كان حر النفس أبيها، سليم الطوية غبيها، لا يكذب لسانه، ولا يطوي الغل جنانه.
ولم يزل على حاله إلى أن صادته مخالب المنيه، وعدم الناس فواكه نظمه الجنيه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب الفرد، سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبع مئة.
ودخل الديوان في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد وضع رسالة أنشأها نظماً ونثراً وسمها ب قريض القرين، عارض بها ابن شهيد في رسالة التوابع والزوابع.
وغالب نظمه أنشدني إياه بصفد ودمشق والقاهرة، كتب إلي بالقاهرة:
ليل التجنّب من أجفاننا شهبه ... ومجدب الدمع ما كانت دما سحبه
ما لننوى أطلعت في غارب قمراً ... يقلّه البان يوم البين لا غربه
تنظّمت عبراتي في ترائبه ... عقداً كما انتثرت في وجنتي سحبه
يا من وفى الدمع إذ خان الوداد له ... غدر الحبيب وفاء الدمع أو سببه
قد كنت أحسب صبري لا يذمّ وقد ... مضى وفي ذمّة الأشواق أحنسبه
يا نازحاً سكن القلب الخفق ومن ... إحدى العجائب نائي الوصل مقتربه
ما لاح برق ولا ناحت مطوّقةٌ ... ولا تناوح من باب الحمى عذبه
إلاّ تساعد قلبي والدموع وأحنا ... ء الضلوع على شوقٍ علا لهبه
حكيت يا برق قلبي في الخفوق ولم ... يفتك إلا لهيب الوجد لا شنبه
من لي بأغيد بدر التم حين بدا ... قد ساء إذ رام تشبيهاً به أدبه
ممنّع بالذي ضمّت غلائله ... من القنا أو بما أصمت به هدبه
بين الأسنّة محجوبٌ ولو قدروا ... ما قوس حاجبه أغنتهم حجبه
سلبني بالضّنى لحمي لواحظه ... وهمّ أُسد الشرى المسلوب لا سلبه
لو لم يكن ريقه خمراً ومرشفه ... كأساً لما بات يحكي ثغره حببه
كذا ابن أيبك لولا ما حواه لما ... عن الكتائب أغنت في الورى كتبه
ذاد الأولى عن طريق المجد ثم نحا ... آثاره فقلت أجبالهم كثبه
وآب يقطف من أغصانه ثمراً ... إذا أتى غيره بالشوك يحتطبه
أقلامه فرحاً بالفضل أنملها ... كلّ يخلّق ثوب المجد مختضبه
تكاد ألسنها تمتدّ من شغفٍ ... إلى أجلّ معاني القول تقتضبه
يراعه روّعت لا مات أحرفها ... حشاء منحرفٍ لا ماته يلبه
أضحت مسبّبة الأرزاق حين حكت ... سبّابةً لعدوّ وقد وهى سببه
يا من يجيل قداح الميسر ارم بها ... وارم الفجاج ليسرٍ نجحه طلبه
واقصد جناب صلاح الدين تلق فتىً ... يهزّه حين يتلى مدحه طربه

بنت على عنق العيّوق همّته ... بيتاً تمدّ على هام السها طنبه
قد أتعبت راحتاه الكاتبين ولم ... يدركه حين جرى نحو العلى طربه
فاعجب لها راحةً تسقي اليراع ندىً ... إذا لم تكن أورقت في ظلها قضبه
تناسب الدرّ من ألفاظها وإلى ... بحر النّدا لا إلى بحر الدنا نسبه
يرضى ويغضب في حالي ندىً وردىً ... وبين هذين منهول الحمى نشبه
رضاه للطّالي جدواه ثمّ على ... ما تحتوي يده من ماله غضبه
فكتبت أنا إليه أشكره:
أغصن قدٍّ أقلّت بانه كثبه ... أم درّ ثغر حبيبٍ زانه شنبه
أم روض حزنٍ جديد النبت قد نسمت ... فيه أقاحيه لما أن بكت سحبه
أم جانب الأفق قد دجّت حنادسه ... للعين لمّا ازدهت في لمعها شهبه
أم نبت فكرٍ جلاها لي أخو أدبٍ ... خطابه زان جيد الدّهر أو خطبه
قريضه تعرفّ الأسماع جوهره ... فتنتقي حليها منه وتنتخبه
فلو همى الشعر قطراً قبله لغدا ... يروي الربا منه هامي الغيث منسكبه
ونثره لم يداخل مسمعي أحدٍ ... إلاّ ورنّح منه عطفه طربه
وخطّه مثل صدغ زرّقته يد ال ... حسن البديع وقاني الخدّ ملتهبه
لوصفه شهدة بالحسن قد شهدت ... وقد تبّرأ من ياقوته نسبه
ولابن مقلة عين ما رأت حسناً ... هذا ولو عاينته ما انقضى عجبه
هذا هو البدر لا النجم البصيص فقد ... مدّت على ابن هلالٍ في العلا طنبه
جزاك ربّك بدر الدين خير جزاً ... عن امرىء لم يطل نحو العلا سببه
بالغت في مدحه فاللّه يجعله ... كما تقول لتعلو في الورى رتبه
وكتبت أنا إليه ملغزاً في ضبع:
أيّها الفاضل الذي من يجاريه ... تقوّى في ما ادعى وتقوّل
والّذي من أراد يبصر قسّاً ... فعليه دون البريّة عوّل
هات، قل لي باللّه ما حيوانٌ ... ثابت الخلق قطّ لا يتحوّل
عينه إن قلعتها يتبدّى ... حيواناً غير الذي كان أوّل
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا إماماً طال الورى بمعانٍ ... في المعالي يغوث من قد تطوّل
وإذا أعضل السؤال فما زا ... ل عليه في المعضلات المعوّل
إنّ زهراً أهديته غضّ عنه ... طرفه واستحال زهر المحوّل
حين ألغزت في معمّىً هداني ... نحوه الفكر حين سوّى وسوّل
حيوانٌ إن صيّروا رأسه العين ... رأوه إلى الجماد تحوّل
فابق واسلم تفيد علماً وجوداً ... فيهما ليس لامرىء متأوّل
وكتبت أنا إليه وقد جاءته بنت:
تهنّ بها وإن جاءتك أنثى ... لأنّ الشمس بازغة الجمال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
ولو كان النساء كمن أتانا ... لفضلت النساء على الرجال
فكتب هو الجواب إلي:
أتاني من هنائك يا رئيساً ... تتيه به المعاني والمعالي
ومن آثار جودك ما أراني ... حياً أهدته لي ريح الشمال
وكم أقرأتني وقريت فضلاً ... يفوت الحصر من أدبٍ ومال
وكتبت أنا إليه، وقد أهديت إليه أبلوجة سكر وكنت قبلها قد أهديت إليه قليل قطر:
أبلوجة بعثتها ... محبةً لك عندي
في اللون والكون أضحت ... تخالها نهد هند
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
يقبل الأرض وينهي وصول صدقته الجاريه، وهديته التي جاءت بين الحسن والإحسان متهاديه، وهنديته التي قام نهدها مقام ثغر الغانيه، وأشرقت الأرض بنور وجهها من كل ناحيه، نهد أبرزه الصدر، وشهد ما تجرعت دون اجتناء حلاوته من إبر النحل مرارة الصبر، وهرم أكسب رونق الشباب وجه الدهر، ووجه طبع على دائرته ليلة تمامه البدر، فقابل الملوك تلك المنحة بدعائه وشكره المفرط وثنائه، ومدحه الذي تتدرج شواهد وده الصادق في أثنائه وتذكر بها ما مضى، شكر يد الكريم الذي استأنف إحسانه السابق وما انقضى، فذكر بنضار القطر السائل ولجين هذا الماء القائم، قول القائل:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء
وكتب هو إلي:
يا ماجداً لم يزل نداه ... أولى بتقريظ كلّ متن
ومن غدا بالصفاء يكنى ... وودّنا عنه ليس نكني
نحن افتراقاً بنات نعش ... في ظلمة الهمّ والتمنّي
فسر إلينا نكن ثرّيا ... وادخل إلينا بغير إذن
ولا تدعنا نئنّ شوقاً ... ولا تقل للرسول إنّي
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
أبياتك الغرّ قد أتتني ... فشرّفتني وشنفّتني
شعرك فيها ظريف لفظٍ ... لطيف معنىً خفيف وزن
قد أثقلت كاهلي بشكرٍ ... فكلّ متني إذ كلّمتني
فإن أفز بالمثول فيكم ... فإنه غاية التمنّي
وإن تخلّفت عن حماكم ... يا طول دقّي في الجرن حزني
وكتب هو إلي وقد توالت الأمطار والثلوج في العشر الآواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة: كيف مولانا ألحف الله ظله، وأرشف طله ووبله، وحمل على أعناق الأيام كله، وجعل مثله السحاب الجود ولا أعرف مثله، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله، فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى والصنبر وعجز الصبر وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر:
يومٌ كأن سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت
جاء الطوفان والبحر المحيط، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط، أخفت النجوم في ليله، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله، وأجلب على الوهاد والربا برجله الطامة وخيله، فكأنما وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط، أو هيض جناح السحاب الجون فسقط، أو حل سلك النحوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط، فالجدران لهيبته مطرقة، والعمران قد تداعت ولا يقيل البناء جموعها المتفرقه، والطرق قد شرقت بالسيول فلا تنطق آثارها المغربة ولا المشرقه، وقد قص جناح الارتكاض، وحصت قوادمه، فما تنهض وعظمه مهتاض، والسيل قد بلغ الزبا، وسوى بين الوهاد المتطامنة والربا، وبكت السقوف بعيون الدلف، وحملها المطر بيده العادية على خطه خسف، واستدل لها بمنطق الرعد على أن قدامها الخير، فقالت: هذا خلف، وشهر الصوم قد بلغ غايته، وعيد الفطر قد نصب رايته، وتلا آيته، وطلب من الموسر والمعسر كفايته، فأعاذ الله مولانا من الطلب فيه، ولا ألجأه إلى السعي لابتغاء فضل الله إلا بفيه، بمنه وكرمه.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: العجب من سؤال مولانا عن المملوك كيف حاله، وعنده علم هذا العناء الذي نصب على الأين والنصب تمييزه وحاله، وهي حال أبي الطيب، وما علم ابن منصور بها، ولو علم استعمل التباله. أما ترى هذا النوء الذي ذم نواله وحمد نواه، وأذهل الصائم عن صومه، فما بيت أمره ولا نواه وشغله من حسه فما يدري أفطر على تمرة أم نواه ؟، قد هال الجبال أمره، فشابت من الفرق إلى القدم، وغمرت سيوله الأباطح والربا، ولكن من الزيادة بدم، كيف يهنأ العيش وبروق الجو سيوف تخترط، ونفس هذه الرعود يخرج بعدما حبس في حشا السحاب وانضغط، وإلحاح سائل هذا المطر، فلو كان قطره دراً لما مدّ الفقير إليه يداً ولا التقط، وتوالي هذه الغيوث التي لو عاينها ابن هانىء لما قال:
ألؤلؤٌ دمع هذا الغيث أم نقط


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 13 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:40 AM ]


كأن الأيام قواف اندمجت في الليل، أو النجوم أقاح ولكن غطاها تراكم السحاب بالذيل، أو كأن الله جعل الزمان سرمداً، فما يتعاقب فيه شمس ولا قمر، ولا تصفو لجة الأفق بضوء ولا ترميها الدياجي بكدر؛ قد تزاحمت الغياهب على المواقيت بالمناكب وجهلت المدد فيا وحشتا لحاجب الشمس ومحيا القمر وعيون الكواكب، أكل هذا تشريع تشرين، وشره شره الذي نتجرع من أمره الأمرين، وشهرة شهره، فيا أيام كانون إذا جئت ماذا تبيعين وتشرين، أما المساكن فأهلها مساكين، وأفواههم من الحزن مطبقة فما تفتحها السكاكين، قد انتبذ كل منهم زاوية من داره، وتداخل بعض في بعض لتضمه بقعة على مقداره، هرباً من توقيع أكف الوكف، وخوفاً من ركوع الجدار وسجود السقف، وما يعتقد المملوك أن في كانون هذه الجمرات، ولا أن ساباط سباط وأذى آذار يرمي القلوب بهذه الحسرات، وتمام التعثير في الركوب إلى دار السعادة، والكتابة التي صارت في هذا الزمان زيادةً في نقص السيادة، واتساع هذه الأهوال، وضيق ذات اليد مضاف إلى ضيق النفوس، وبصاق هذا الثلج في وجه الضاحك منا والعبوس، وسكر هذه الميازيب التي لا تبوك إلا على الرؤوس، وأشغال الديوان التي تكاثر المطر، ولا تبلغ الغاية من الوطر، فنحن من الديوان في جامعة لا جامع، وباب البريد على عدد الساعات ودقه هامع وبرقه لامع، لا يفتر وروده، ولا يزال يصل حديده، وتصل وفوده، وكل كتاب يصل معه يتفرع منه إشغال عدد حروفه، وتطلب في الوقت الحاضر، فلو كانت بالطابع لانهارت جوانب حروفه، وصاحب الديوان في تنفيذ أسرع من هذه البروق، وأنفذ من السهم في القضاء الذي ليس فيه ما يصد ولا ما يعوق، فهو إذا دبر المهمات نجز، ودمر العداة، وجنز، وهذا العيد أقبل، وما لنا بتكاليفه قبل، وكل من يختص بشيء منها يلحظك بطرف متخازر كأنهما به قبل، والاستعانة بالله على هذه الشرور التي اتصلت نقط خطها، والفرار إليه من هذه الخطوب التي نعجز عن شيل سيلها وحد حطها، والله يرزق مولانا وإيانا حلاوة الصبر، ويجعل العدو بين جانحتي قبر، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكتبت له توقيعاً لما دخل ديوان الإنشاء، لوحت فيه في غير موضع بلقب كان يلقب به، ونسخته في الجزء السادس والعشرين من التذكرة التي لي، وكتبت له أيضاً توقيعاً بنظر قمامة.
وبيني وبينه مكاتبات وبداءات ومراجعات نظماً ونثراً، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ثغر من قد هويته يهدي ... في ظلام الدجنّة الحالك
بالثريّا شبّهته ظلماً ... والثريا أقلّ من ذلك
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أنا القليل العقل في صرف الذي ... أملكه في كلف المشارب
ما نلت من تضييع موجودي سوى ... تصفية الكاسات في شواربي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أعجب ما في مجلس اللّهو جرى ... من أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهةٍ ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من يلوم في التصابي خلنّي ... فأذني عن الملام قد نبت
تصفية الكاسات في شواربي ... أضحكت البطّة حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وصفراء حال المرج يصبغ ضوءها ... أكفّ الندامى وهو في الحال ناصل
وتهفو بألباب الرجال لأنها ... دويهيةٌ تصفرّ منها الأنامل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
شممت نسيم زهر الّلوز لمّا ... خرجنا بكرةً ننفي السجونا
فتحت الدوح شاهدنا بدوراً ... وفي أعلاه عاينّا غصونا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأهيف كالغصن المرنّح شاقني ... فطار إليه القلب من فرط شوقه
رأى البدر يحكي وجهه وهو سافرٌ ... فحمّله من جوره فوق طوقه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصّبا ... فقد أصبحت حسرى من السير ظالعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعبٍ أنفاسها متتابعه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غصنٌ رشيق القدّ لان معاطفاً ... نشوى وبالشّعر المرّجل أورقا

وبمثل بدر التّمّ أينع فانظروا ... هذا القوام أجلّ أم غصن النّقا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا صاحباً ما زال من إنعامه ... لثياب راجيه المؤمل رافي
قد قطّعت فرجيّتني حتى لقد ... ظهر القطوع بها على أكتافي
وكان يوماً هو والشيخ محمد الغزي جالسين في الجامع الأموي، عند الشيخ جمال الدين محمد بن نباته، وكل يذكر مساوئ صاحبه، وينشد هجوه فيه. فقال بدر الدين الغزي: لا قلت أنا، ولا قلت أنت، في هذه الساعة ننظم بديهاً يكون هجواً، وأطرق قليلاً ثم أنشد:
يا بن أبي طرطور خلّ الهجا ... وخذ كلاماً راق في حسنه
أنا وأنت اثنان كلٌّ غدا ... منا يروم الفضل في فنّه
فواحد يكذب في قوله ... وآخر يكذب في ذقنه
وأنشدني من لفظه لنفسه موشحةً عارض بها موشحة ابن سناء الملك المشهورة، وأجاد:
أذكى الهوى وهاجه برد اللمى ... في ثغر ريم مايس القدّ
يحميه أن أرومه لحظٌ أرى ... فرط الفتور سيفه الهندي
ظبيٌ رمى فؤادي ... من لحظه بسهم
وقد حمى رقادي ... لمّا أباح سقمي
فالطرف للسّهاد ... وللسّقام جسمي
واعجب من انقيادي ... إليه وهو خصمي
لكنّها اللّجاجه ترمي بها ... عقل الحليم سورة الوجد
إياك أن تلومه فاللوم في ... هذي الأمور قلّما يجدي
أفديه ظبي أُنس ... ألمى الشفاه أحوى
حشاشتي ونفسي ... مرعى له ومثوى
كذّبت فيه حسّي ... إذ لم تلنه شكوى
وجسمه بلمسي ... عند العناق يطوى
يا حسن الاندماجه في خصره ... المضنى السقيم وهو في البرد
والقامة القويمه بالخّد ... كالغصن النضير ناضر الورد
للّه منه طرف ... يدمي القلوب لحظا
ووجنة تشفّ ... ولا تنيل حظّا
يرقّ إذ يرفّ ... قلبي لها ليحظى
تريك حين تصفو ... جسماً يخال فظّا
كالراح في الزجاجه تزهى بها ... كف النديم عندما تبدي
أشعةً عظيمه تندى إذا ... شيمت وتوري جذوةً تهدي
يا لوعة الغرام ... زيدي ويا جفوني
بأدمعي الهوامي ... جودي ولا تخوني
فهتف الحمام ... قد هيّجت شجوني
وكلّ مستهام ... مستأنف الحنين
لا تنكر انزعاجه للبرق في ... الليل البهيم مقلة تهدي
إلى الحشا السليمه خفقاً ... أباتته سميري ليلة الصّد
دع ذا وقل مديحا ... في أحمد بن يحيى
من لم يزل مزيحا ... أعذار كلّ عليا
منتسباً صريحا ... آخرة ودنيا
تخال من يوحى ... في الدست حسن رؤيا
إذا أرى ابتهاجه للجود ... والداعي المضيم ساعة الجهد
فالكف منه ديمه والوجه ... شمسٌ ذات نور في سما المجد
للسّر منه حصن ... على الورى مطلّ
ليست به تظنّ ... عوراء تستدلّ
غاراته تشنّ ... على العدى فتبلو
أخبارهم ويعنو ... منهم لها الأجلّ

فمن رأى هياجه سوّاه ... بالليث الكليم وهو في السّرد
ونفسه الكريمه في السلم ... كالغيث المطير ساعة الرّفد
وغادةٍ ثنتني ... أعطافها الرشاق
لكنّها أرتني ... أن الدّما تراق
بالصدّ والتجني ... وبعدها الفراق
قالت فرغت عني ... والصحبة اتفاق
فقلت بانحراجه يا ست خليني ... بشوم وأنجزي وعدي
قالت أنا مقيمه فاعمل وهت لي ... قلت زودي فالذهب عندي
حسن بن عمر بن عيسى بن خليل الكردي


الشيخ أبو علي مسند الديار المصرية في آخر عمره.
سمع حضوراً من ابن اللتي مسند الدارمي ومسند عبد بن حميد وجزء أبي الجهم والمئة السريجية، وغير ذلك. وسمع من مكرم بن أبي الصقر الموطأ، وسمع من السخاوي، وقرأ القرآن على السخاوي، ثم إنه انتقل إلى مصر وسكن الجيزة، وكان يؤذن ويبيع الورق على باب الجامع ولم يعرفه أحد، وكان بيده ثبت فظهر أمره في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وفرح به أناس، وأخذوا عنه، ثم إنه ثقل سمعه فشق السماع عليه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ثلاثين وست مئة.
حسن بن عمر الصاحب بدر الدين



ناظر الخاص بدمشق المعروف بابن النابلسي.
كان في وقت قد باشر نظر الخاص بالقاهرة في أواخر أيام الملك الناصر حسن دون الشهر، ولما طلب الإقالة الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي شاكر من دمشق أجيب إلى سؤاله، ورسم للصاحب بدر الدين بن النابلسي فوصل إلى دمشق في ثاني عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وباشر دمشق. فما أحمد الناس مباشرته. وكان يدعي أنه فقيه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وأقام بدمشق إلى أن عزل بالصاحب سعد الدين بن التاج إسحاق في أوائل شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة.
وأقام في بيته بطالاً بدمشق مدة تزيد على الشهرين، ثم طلب إلى مصر فتوجه إليها.
وتوفي هناك في طاعون مصر سنة أربع وستين.
وكان قد رسم له في وقت بكتابه الإصطبلات بمصر ناظراً. وكان الأمير سيف الدين بكتمر المومني يومئذ أمير آخور كبير، فقيل له: إن هذا أحمق كبير وما أنت قدره، فلما حضر إليه بالخلعة عراه إياها، ورسم بقتله بالمقارع وسأله عن قضايا - نزهت هذا الكتاب عن ذكرها لفحشها - فامتنع، ثم إنه أقر له بها، فألبسه الخلعة واستمر به.
وأنشدني من لا اسمي فيه:
قل لهذا الصاحب المولى الذي ... سار فينا سيرةً لم تحسن
أنت فينا كافر النّفس فقل ... أحسن اللّه خلاص المومني
الحسن بن محمد بن هبة الله



شرف الدين قطنبه، بضم القاف والطاء المهملة وسكون النون وبعدها باء ثانية الحروف وبعدها هاء: الأصفوني.
كان شاعراً كثير المجون، عذب الينبوع بري من الأجون، ربي بأصفون، ولم يكن بين الصفا والحجون، كثير التنديب، غزير التذريب، مقبول المحيا، من رآه خدمه وحيا، ظريف الحركات، يكون في الدرجات، وينحط منها إلى الدركات.
كان معاصره نبيه الدين عبد المنعم الشاعر، وهو أيضاً ماجن ظريف، قادر على التلعب بالكلام والتصريف، تدور بينهما محاورات ومفارقات ومحاورات أشهى من نقائض جرير والفرزدق، وأسح من الغمام الصيب وأغدق، وكانا يشبهان بالجزار والوراق، وللزمان بوجودها ضياء وإشراق.
ولم يزل قطنبة على حاله إلى أن جاءه ما لا له به قبل، وكسر فخارته الذي سوى طينها وجبل.
وتوفي رحمه الله تعالى... .
صلى قطنبة هذا صلاة عيد الأضحى، وإلى جانبه آخر فلما ذكر الخطيب قصة الذبيح بكى ذلك الشخص زماناً طويلاً، فالتفت إليه قطنبة، وقال له: ما هذا البكاء الطويل ؟ أما سمعته وهو يقول في العام الماضي إنه سلم وما أصابه بشيء.
واتفق مرة أن وقع بينه وبين أهل بلده، وحضر الأمير علاء الدين خزندار والي قوص وإخميم فقصد شكواهم، فدخلوا عليه فلم يرجع، وكان مع الوالي شمس الدين الآمدي الناظر. وكان شيعياً، فلما حضروا عند الأمير قفز قطنبة وقال: يا آل أبي بكر، واغتاظ الناظر، وأنشد قطنبة:


حديث جرى يا مالك الرقّ واشتهر ... بأصفون مأوى كلّ من ضلّ أو كفر
لهم منهم داعٍ كتيسٍ معمّمٍ ... وحسبك من تيسٍ تولّى على بقر
ومن نحسهم لا كثّر اللّه منهم ... يسبّ أبو بكر ولا يشتهى عمر
فخذ ما لهم لا تختشي من مآلهم ... فإن مآل الكافرين إلى سقر
فقال له الناظر: أنت تشاور، ما أنت منهم ؟ وصرفهم فما حصل له قصده، فقالوا له: ما قلنا لك نصطلح معك ما فعلت. فقال: أنا ما عرفت أن هذا المشؤوم منكم.
وكان قد تزوج بامرأة تحت الحجر، وكان لها منزل باعه أمين الحكم وخلى من اشتراه له، فقدم قطنبه إلى الأمير علاء الدين وأنشده:
سبت فؤادي المعنّى من تثنّيها ... فتانةٌ كلّ حسن مجمعٌ فيها
أنسيّة مثل شمس الأفق قد بزغت ... وحشيّةٌ في نفورٍ خوف واشيها
منها:
قهرت بالجانب البحري طائفةً ... فولّ وجهك يا مولاي قبليها
عندي يتيمة تركيٍّ ظفرت بها ... لها من اللّه جدرانٌ تواريها
تعاونوا مع أمين الحكم واعتصبوا ... أخفوا وثائق فحوى خطهم فيها
حتى أُبيعت عليها نصف حصتّها ... ما حيلتي وأمين الحكم شاريها
ما زلت أفحص عن تلك الوثائق يا ... مولاي حتى أبان اللّه خافيها
وها هي الآن عندي وهي ثابتةٌ ... فامض الولاية فيمن كان يؤذيها
ومات له صاحبان كانا خصيصين به. فقال الشهاب أحمد بن الحسين الأصفوني: ما لقطنبة تأخر عنهما، فبلغه ذلك، فقال:
ما تأخرت عنكما عن ملالٍ ... غير أني أرم صيد الشّهاب
فأنا مثل فارس البحر لا بدّ ... بظفري أصيده أو بنابي
وكان قد وقع بينه وبين نجم الدين بن يحيى الأرمنتي، فهجاه بقصيدة منها:
يا إلهي أرحتها منه في الح ... كم أرحها من ابنه في الخطابة
فقال له الخفراء: يا قطنبة، الباسرية جاؤوا من أرمنت يريدون قتلك، أرسلهم ابن يحيى وما نقدر على ردهم، انج بنفسك، فخرج منها وكان آخر العهد به.
حسن بن محمد


الشيخ الإمام الفاضل البليغ المنشئ الكاتب نجم الدين أبو محمد بن الشيخ كمال الدين القرشي القرطبي الصفدي الشافعي الخطيب بصفد.
كان فارساً منبر، وإمام من برى قلما ومن بر، ناظماً ناثرا، يجري في ميدان البلاغة فما يرى جواد قلمه عاثرا. كتب الإنشا، وتصرف فيه كيف شا، مع أمانة لا يرى من التكلف في وجهها كلف، وديانة لا يلمح في رونقها تصنع من صلف، وكرم بموجوده الحاضر وود يخجل من حسنه خد الورد الناضر، وصدق لهجه، وقول حق ولو أن فيه تلاف المهجه.
وكان شعاره أشعريا، وعلمه عن التقليد عريا، فكم كان عنده من التقليد أدلة وبراهين إذا أوردها كأنها له طبيعة وجبله، ومسائل أصول إذا سردها قلت هذه سحائب مستهله، لم أر بعده من يقول: أيها الناس أفصح منه، ولا من خطب زان منبره ولم يشنه، يؤدي الألفاظ بتجويد حروفها، ويذكر القلوب القاسية بما نسيته من خطوب الدنيا وصروفها، كم جعل العبرات على الخدود وهي هوامي هوامع، وكم غادر العيون وهي دوامي دوامع، شدت الفصاحة لحييه، وسدت البلاغة نحييه، تزور في الموعظة حدقتاه، وتحمر لفرط الحرص على القبول وجنتاه، كأنه منذر جيش، أو منكر طيش.
وكانت له في البحث سلطه، وغلظة على خصمه لا تصحف بغلطه، وله قدرة على التعليم، وفراسة في وجه التلميذ إذا أخذ قوله بالتسليم، يعلم من الطالب إذا فهم، ولا يخفى عليه إذا بهم، فلا يزال يغير له الأمثلة، ويدير الأسئلة إلى أن تتكشف عنه الغيابه، ويظهر له أنه حصل على العنايه.
ولم يزل يذكر بوعظه ويحبر بلفظه إلى أن رمي تفيهقه بالصمات، ونزلت بذويه سمات الشمات.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده بالكرك سنة ثمان وخمسين وست مئة.


كان والده الشيخ كمال الدين خطيب قلعة صفد، وكان ينوب عن والده ويكتب الإنشاء، ويوقع عن النواب بصفد، فلما قدم الأمير سيف الدين بتخاص إلى صفد نائباً حضر معه القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم، وكان زين الدين عمر بن حلاوات قد قدمه الشيخ نجم الدين وجعله يكتب عنده، فما زال يسعى إلى أن وقع الاتفاق بينهم وبين القاضي شرف الدين النهاوندي وغيره، وقرروا الأمر مع النائب إلى أن قطع الشيخ نجم الدين من التوقيع، وبقي بيده خطابة الجامع الأموي، ثم إنهم صادروه، حتى توجه خفية إلى دمشق، وكان الأمير سيف الدين بلبان بدمشق مشد الدواوين، وهو يعرفه من صفد، فاستخدمه موقعاً بدمشق، وكتب قدامه، وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله يأمن إليه ويقدمه ويستكتبه في السر وغيره، وأضيف إليه خطابة جامع جراح بدمشق. ولما تولى الأمير سيف الدين كراي نيابة دمشق كان يعرفه من صفد ويركن إلى أمانته وعفته، فقلده الأمر وغدقه به، فتعب بذلك تعباً مفرطاً ونصح مخدومه، فكان لا يعلم لا من يده، فعادى الدماشقة ومقتوه، ولما أمسك كراي اختفى وسلمه الله منهم لما سلكه من الأمانة والعفة. أخبرني من لفظه قال: رددت ليلةً مئتي دينار، ورهنا تلك الليلة طاسةً على زيت القنديل.
ولما حضر الأمير جمال الدين نائب الكرك إلى دمشق أغروه به، وأرادوا منه الإيقاع به، فقال: أخذ لأحد شيئاً ؟ فقالوا: لا، قال: فما أصنع به إذا نصح لمخدومه. ثم إنه جهز إلى صفد خطيباً وموقعاً، وكان زين الدين بن حلاوات قد انفرد بالأمر وتمكن من نواب صفد، ودخل إلى النائب وقرر معه ما أراد، فلم يمكنه من مباشرة شيء، فبقي في صفد إلى أن حضر له توقيع ثان، وكلما حضر له توقيع عطله، إلى أن أشركوا بينهما في التوقيع والخطابة، فأقاما مدة، فوقع بينهما، فطلبا إلى دمشق، وقرر الأمير سيف الدين تنكز أن يخيرا وينفرد كل واحد بوظيفة، فاختار الشيخ نجم الدين خطابة القلعة والمدينة، واستقر زين الدين بن حلاوات في التوقيع، فأقام يخطب ويشغل الناس تبرعاً، وتخرج به جماعة فضلاء، وقل من قرأ عليه ولم ينبه، ولم أر مثل في مبادئ التعليم، كان يفتق أذن المشتغل، ويوضح له طرق الاشتغال، ولم أر مثله ف تنزيل قواعد النحو على قواع المنطق، وكان يحب إفساد الحدود والمؤاخذة فيها والرد عليها والجواب عنها.
وممن قرأ عليه أولاً العلامة القاضي فخر الدين المصري وغيره.
وكان لي منه - رحمه الله تعالى - نصيب وافر من المحبة، وكنت أجد منه حنواً كثيراً وبراً، ولم أقرأ على أحد قبله، وكان شديد المحبة لأصحابه، شغوفاً عليهم صادق اللهجة، مفرط الكرم، وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدين قرابة، وكان هشاً بشاً بساماً، وعمته مليحة، ولم أر أعف يداً ولا فرجاً منه، وكان خطه مليحاً ونظمه سريعاً، ونظمه أرشق من نثره، ولم أره يخطب بغير الخطب النباتية. وكان جيد المشاركة أشعري العقيدة، شافعي المذهب، يحب الكتب ويبالغ في تحصيلها ويحرص على المنافسة فيها، ولكنه كان مقلاً من الدنيا ماله غير علومه. قال: ما أعرف أنه وجبت علي الزكاة في عمري. رأيته بعدما مات رحمه الله في المنام بمدة، فقمت إليه وقبضت على يده بعدما قمت إليه وصافحته، وقلت له: قل لي ما الخبر ؟ فقال لي: لا تعتقد إلا وحدانيته، فقلت له: هذا شيء قد جبل عليه اللحم والدم، فقال: ولا بأس مع الفاتحة سورة أخرى من القرآن، وقصيصات الناس، فعلمت بذلك أنه قد نصحني حياً وميتاً، لأنه كان في حياته رحمه الله تعالى يتوقف في توقيعه ويتحرى ويتحرز كثيراً فيما يكتبه، ولا يكتب إلا ما هو سائغ، فكان صاحب القصة يتعذر عليه مطلبه.
ولما توفي رحمه الله تعالى كنت في حلب فحصل لي بسببه ألم عظيم إلى الغاية، وكتبت إلى ولده كمال الدين محمد وإلى غيره من الأصحاب مراثي كثيرة نظماً ونثراً، ثم جمعت ذلك وسميته ساجعات الغصن الرطيب في مراثي نجم الدين الخطيب. ومما نظمته فيه قولي:
يا ذاهباً عظمت فيه مصيباتي ... بأسهمٍ رشقت قلبي مصيبات
قد كنت نجماً بأفق الفضل ثمّ هوى ... فاستوحشت منه آفاق السّموات
سبقت من بات يرجو قرب خالقه ... ولم تزل قبلها سبّاق غايات
بكى الغمام بدمع الودق مذ عقدت ... حمائم البان من شجوي مناحات

ولطّم الرّعد خدّ السّحب وانتشرت ... ذوائب البرق حمراً في الدّجنّات
أصمّ نعيك سمعي من تحقّقه ... وهان ما للّيالي من ملمّات
جنحت فيه إلى تكذيب قائله ... تعلّلاً بالأماني المستحيلات
وكدت أقضي ويا ليت الحمام قضى ... حسبي بأن الأماني في المنيّات
وراح دمعي يجاري فيك نطق فمي ... فالشان في عبراتي والعبارات
إن أبدت الورق في أفنانها خطباً ... فكم لوجدي وحزني من مقامات
جرحت قلبي فأجريت الدموع دماً ... ففيض دمعي من تلك الجراحات
لو كنت تفدى رددنا عنك كلّ أذىً ... بأنفسٍ قد بذلناها نفيسات
فآه من أكؤسٍ جرّعتها غصصاً ... وقد تركت لنا فيها فضالات
نسيت إلاّ مساعيك التي بهرت ... عين المعالي بأنوارٍ سنيّات
ومكرماتٍ متى تتلى مدائحها ... تعطّر الكون من ريّا الرّوايات
وفضل حلم تخف الراسيات له ... وعز علم علا السبع المنيرات
وكم مناقب في علمٍ وفي عملٍ ... أضحت أسانيدها فينا صحيحات
ومنها:
فأين لطفك بي إن هفوةٌ عرضت ... كأنّما حسناتي في إساءاتي
وأين فضلك إن وافى أخو طلبٍ ... فتخجل الغيث من تلك العطيّات
نبكي عليك وقد عوّضت من كفنٍ ... أُلبسته بثيابٍ سندسيّات
وما تلبّثت في مثوى الضريح إلى ... أن صرت ما بين أنهار وجنّات
تصافح الحور والولدان منك يداً ... كم أظهرت في النّدى والفضل آيات
من ذا يعيد دروس النحو إن درست ... ربوعها بالعبارات الجليّات
ومن لعلم المعاني والبيان ومن ... يبدي بعلميهما سرّ البلاغات
ومن يزفّ عروس النظم سافرةً ... قد حلّيت بعقودٍ جوهريّات
إذا أُديرت على أسماعنا خلبت ... ألبابنا بكؤوسٍ بابليّات
ويرقم الطّرس أسطاراً فنحسبها ... سوالفاً عطفت من فوق وجنات
ومن إذا بدعةٌ عنّت يمزّقها ... سطا براهينه بالمشرفيّات
وإن أتت مشكلات بعدما اتضحت ... وأقبلت كالدياجي المدلهمات
نضى نصول أصول الدين لامعة ... فيقطع الشّبهات الفلسفيّات
ومن يفيد الورى في علمه حكماً ... تجلى ويبدي رياضاً في الرياضات
ومن يذيب دموع العين من أسفٍ ... إذا ارتقى منبراً بين الجماعات
ويوقظ الأنفس اللائي غدت سفها ... من لهوها والتّصابي في منامات
وتقتفيه إلى العرفان تاركةً ... قبيح ما ارتكبته من غوايات
ليهن قبرك ما قد حاز منك فما ... ضمّت حشا كلّ قبرٍ طاهر الذات
وجاد تربتك الغرّاء ساريةٌ ... تحلّ فيها العقود اللولويات
وكلّ يومٍ تحيّاتي تباكرها ... فتفضح النّسمات العنبريات
وكتب هو يوماً إلي وقد فارقته متأذياً:
باللّه لا تغضب لما قد بدا ... فأنت عندي مثل عيني اليمين
ما أتعب النفس سوى من غدا ... يجحد ما أوليته أو يمين
وأنت عندي جوهرٌ قد صفا ... من دنس الذّمّ نفيسٌ ثمين
ووالذي يعلم ما قلته ... إخبار من أخلص في ذي اليمين
ما حلت عن حسن الوفا في الهوى ... وأنت في هذا المكين الأمين
نسأل الله أن يحرس تلك الروحانية الطاهرة من الكدر إن شاء الله تعالى، فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
بررت فيما قلت يا سيّدي ... ولست تحتاج إلى ذي اليمين
واللّه لم أغضب وحاشى لمن ... أراه عندي مثل عيني اليمين
ولم يكن غيضي إلاّ لمن ... يمين عن طرق الوفا أو يمين

ويفتري الباطل في قوله ... عني وليس الناس عنه عمين
ويظهر الودّ الذي إن بدا ... ظاهرة فالغشّ فيه كمين
فغثّه غثّى نفوس الورى ... ممّن ترى والسمّ منه سمين
وكتب إلي من صفد وأنا بدمشق كتاباً نظماً ونثراً عدمته، وكتبت الجواب في سنة ثمان عشرة وسبع مئة:
تذكّرت عيشاً مرّ قدماً وقد حلا ... وربعاً عمرناه بلهوٍ وقد خلا
فهاجت لي الذّكرى غراماً ألفته ... وشنّت على الأحشاء حرباً مقسطلا
وللّه صبري في الرّزايا فإنّه ... جميلٌ ولكن خان فيكم وبدّلا
وقيل أتبكي في دمشق من الأسى ... وإن حلّ جيش الهمّ فيه ترحّلا
زماناً تقضّى أو ربوعاً تطاولت ... عهودك منها وانمحت بيد البلى
ففاضت جفوني بالدموع لقولهم ... وقلبٌ له أبكى حبيباً ومنزلا
وهل نافعي أنّ الرياض تدبّجت ... بساحتها أو صوت قمريّها علا
وللورق من زهر الرياض مجامرٌ ... إذا حركت عوداً تحرّق مندلا
وقد راح منها الدوح لابس حلّة ... وصاغ من الأزهار تاجاً مكلّلا
وغنّى حمام الأيك ثمّ تراقصت ... غصونٌ سقتها الريح كاساتها ملا
فمالت سكارى ثمّ صفّق جدولٌ ... فألقت عليها من معاطفها الحلى
فمن جدولٍ أضى حساماً مجرّدا ... ومن هيف أغصانٍ تحرّك ذبّلا
وللبين في الأحشاء ما لو أقلّه ... يثير قليلاً ملّ ثمّ تململا
كأنّ اجتماع الشّمل عقدٌ تعلّقت ... بأسلاكه كفّ النّوى فتفصّلا
ففارقت مخدوماً حمى اللّه ربعه ... من الدهر يوماً ما أبرّ وأجملا
سقاني طفلاً قهوة العلم والنهى ... وزاد إلى أن طال قدري واعتلى
وألبسني لمّا اتّصفت برقّة ... من الفخر والعلياء مجداً مؤثّلا
وكم نعمٍ لو رمت تعدادها أبت ... وكانت من الإحصاء للذرّ أسهلا
إذا غبت عن أبوابه فهباته ... إليّ كأنفاس النّسيم توصّلا
وإن قذفتني غربةٌ كان جوده ... سحاباً يوافيني فأعطى ونوّلا
ووافى في كتاب منه من بعد جفوة ... فأضحى به دمعي على الخدّ مرسلا
لقد أنشأته راحةٌ كفّ كفها ... من الخطب ما أعيى الأنام وأعضلا
تمنى ملثّ الغيث لو كان بطنها ... وودّت بها الأنهار لو كن أنملا
على أن كتبي لا تزال كتائباً ... أُلاقي بها في ساحة الوجد جحفلا
أقبّل فيها الأرض أعني مؤدّيا ... بذلك فرضاً ما أراه تنفّلا
وإن كان في الأحشاء ما يمنع الفتى ... من الوجد والتّبريح أن يترسّلا
فلا زال محروس الجناب مظفّرا ... بأعدائه ما هيّج الشوق مبتلى
فكتب الجواب عن ذلك رحمه الله تعالى: يقبل الباسطة ألهمها الله الوفاء لمن وفى بعهوده، وأطلع نجمها المتقد في مطالع سعوده، وأعاد غصنها إلى منبت سما منه رافلاً في خلع بروده، مثمراً بدوحة منشئه الذي ما يفتح ورده إلا لما سقي ماء ورده عند وروده، وينهي بعد وصف شوقه الذي تطاول عليه ليله فادلهما، ولمع في دجنته بارق اللواعج فأضرم بين الجوانح نيران الخليل لما، وأجرى من جفنه القريح طوفان نوح فلأجل ذلك هجره الوسن ومن بعد الهجران به ما ألما، وكابد فؤاده هما، ووالذي يعلم خائنة الأعين بالسلو ما هما، وعاهده على الأخذ بسنة الصبر الجميل فلم يف بعهد " ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً " ، وأراد القلم أن يصف ما وجد بعد البعد من الأسف نثراً، فأبت البلاغة إلا أن يكون نظما، وهو:
نأيتم فأمسى الدمّع منّي مورّدا ... على صحن خدّ صار بالسّقم عسجدا
إذا ما بدا في وجنتي منه صيّبٌ ... رأيت من الياقوت نثراً مبدّدا
وإن نظمته فوق نحري صبابةٌ ... تبيّنت عقداً بالشذور منضّدا

وما حثّه إلا بريقٌ تتابعت ... لوامعه يبدين نصلاً مجرّدا
وكم أذهب التذهيب منه حشاشةً ... وأودع حزناً في الفؤاد مجدّدا
بدا من سفيرٍ مستطيرٍ ضياؤه ... فآنست ناراً في الدجنّة مذ بدا
وأمى فؤادي كالكليم ولم يجد ... على النار لما أن تحقّقها هدى
وكيف اهتداء الصبّ والقلب والهٌ ... وإدراكه مذ غبت عنه مشرّدا
يهيم إذا هبّت نسيمة جلّق ... ويصبوا إذا ناح الحمام وغرّدا
ويذكر أياما تقضّت بسفحها ... فيبدئ نوحا في الظلام مردّدا
ليالي تحكي الروض في حلل الحيا ... وغضن النقا يبدي عليه تأوّدا
تبسّم ثغر الزهر لمّا بكى أسىً ... ولاح كصبحٍ بالظلام قد ارتدى
أأحبابنا غبتم فكم لي وقفةٌ ... على صفدٍ والقلب مني تصفّدا
وكم لي بهاتيك الطلول مواقفٌ ... وقفت عليها الدمع إذ رحت منشدا
تناءى خليلٌ يا خليليّ فاسعدا ... بدمعٍ يضاهي المزن إن كنت مسعدا
وأبدى صدوداً والصدود ملامةً ... وأنجز هجراناً وأخلف موعدا
كذا شيمة الدهر الخؤون ودأبه ... يخون وفيّاً أو يكدّر موردا
وأنشدني لنفسه على طريق ابن رشيق في الأبيات المشهورة:
ولقد ذكرتك بين مشتجر القنا ... والموت يختطف النفوس بمخلب
وأسنّه المرّان مثل كواكبٍ ... تبدو أشعتها بظلمة غيهب
ولوامع البيض الرقاق كأنّها ... برقٌ تألّق مذهباً في مذهب
والحتف قد لعبت كؤوس مدامه ... بعقولنا والذّكر غاية مطلبي
وأمرني أن أنظم على هذا الأسلوب فقلت:
ولقد ذكرتكم بحربٍ ينثني ... عن بأسها الليث الهزبر الأغلب
والصّافنات بركضها قد أنشأت ... ليلاً وكلّ سنا سنانٍ كوكب
والبيض تنثر كلّما نظم القنا ... والنّبل يشكل والعجاج يترّب
وحشاشة الأبطال قد تلفت ظماً ... ودم الفوارس مستهلٌّ صيّب
والنفس تنهب بالصّوارم والقنا ... وأنا بذكركم أميل وأطرب
وكتب يوماً في الاعتذار من وداع الحبيب:
يوم الوداع بدت شواهد لوعتي ... نار الخليل تشبّ في الطوفان
وأردت أعتنق الحبيب فخفت أن ... يغشاه يمٌّ أو لظى نيران
وطلب مني أن أنظم شيئاً في هذه المادة فقلت:
لم أطّرح يوم الوداع عناقه ... مللاً ودمع المقلتين سكوب
إلا مخافة أن يفترّ عن ... بردٍ وتبدو حرقتي فيذوب
ومن نظمه وقد أهدي إليه قراصيا:
يا سيّداً أصبحت كفّاه بحر ندىً ... تولي سحائبه الأنعام والقوتا
كنّا عهدنا اللآلي من مواهبه ... واليوم ننظرها فينا يواقيتا
ومنه وقد أهدي إليه بطيخ أصفر:
أهديت شيئاً يروق منظره ... ماءً تبدّى في جامد اللهب
أو شمس أفقٍ قد كوّرت فبدا ... شعاعها مثل ذائب الذهب
لما تبدّت لها بروق مدىً ... أبدت حشاها أهلّة الشّهب
وكم أرتنا القسيّ من قزحٍ ... مبشّراتٍ بواكفٍ سرب
أخضرها قد زها بأحمرها ... كورد خدّ بالآس منتقب
وأرشقت من عقيق مبسمها ... خمرة ريقٍ أحلى من الضّرب
فبتّ من نشوةٍ بها ثملاً ... أهزّ عطف السّرور من طرب
ومذ ترشّفت برد ريّقها ... خلت فؤادي العزيز في حلب
ومنه، وقرأته عليه، ونقلته من خطه:
سرى برق نعمان فأذكره السّقطا ... وأبدى عقيق الدمع في خده سمطا
فلاح كسيفٍ مذهبٍ سلّ نصله ... وروّع وسميّ السّحائب فانحطا
وأدّى رسالاتٍ عن البان والنّقا ... وأقرأه معنى الغرام وما خطّا
وأهدى إليه نسمةً سحريّةً ... أعادت فؤاداً طالما عنه قد شطّا

تمرّ على روض الحمى نفحاتها ... فتهدي إلى الأزهار من نشرها قسطا
وتنثر عقد الطلّ في وجناتها ... فتظهر في لألاء أوجهنا بسطا
وتطلع منه في الدجا أيّ ألجم ... وتلبس عطف الغصن من سندسٍ مرطا
وتوقظ فوق الدوح ورق حمائمٍ ... جعلنا قلوب العاشقين لها لقطا
هم نسبوا حزناً إليها وما دروا ... وما أرسلت من جفنها أبداً نقطا
وكم تيّمت صبّاً بلحن غريبه ... رواه الهوى عنها وما عرفت ضبطا
فيا ليت شعري هل بها ما بمهجتي ... من الوجد أم لم ترع عهداً ولا شرطا
هل هي في دوحات كلّ خميلةٍ ... تغرّد أو ناحت على فقدها السّبطا
ولو أنّها قد تيّمتها صبابةٌ ... لما طوّقت جيداً ولا جاورت شطّا
ولا عانقت غصناً بكفّ مخضّب ... ولا اتّخذت من زهر أعطافه قرطا
ولا لبست ثوباً يروق مدبجاً ... ولا نسيت عهد الهديل ولا الأرطى
ولو ذكرت أيامنا بطويلعٍ ... لأجرت كدمعي مذ بدت لمّتي شمطا
وقد نفّرت عني غرابيب صبوتي ... غرابيب دهرٍ جار في الحكم واشتطّا
وخطّ على فوديّ سطراً حروفه ... رقمن بقلبي عارض الحتف مذ خطّا
ولكنّه قد أودع الفكر حكمةً ... أفادته عرفانا فيا نعم ما أعطى
تجارب أيامٍ لها الغدر شيمةٌ ... فكم سترت فضلاً وكم أظهرت غمطا
وألبسه ثوباً من العلم معلماً ... بدا لذوي جهلٍ فأورثهم سخطا
إذا ما روت عنه البلاغة منطقاً ... يرى النجم في عليائه عنه منحطّا
وإن غاص في لجّ البيان يراعه ... أرى جنّةً لا أثل فيها ولا خمطا
بها حور عينٍ لو رآها زهيرها ... لصيّر خدّيه لأقدامه بسطا
إذا ما تجلّى للأفاضل حسنها ... أدارت عليهم من لواحظها اسفنطا
وتحجب عمّن قد تردّى لجهله ... وأصبح جلباب الحيا عنه منعطّا
ولا غرو ألاّ يدرك الشمس ذو عمىً ... على قلبه من الجهالة قد غطّى
صفاتٌ عزتها نسبةٌ قرشيّةٌ ... إلى من سما مجداً وأكرم بهم رهطا
الحسن بن محمد بن جعفر


بن عبد الكريم بن أبي سعد الصاحب قوام الدين بن الطراح.

كان من بيت علم ورئاسه، وحديث ونفاسه، وكان أخوه فخر الدين أبو محمد المظفر بن محمد له تقدم عند التتار، وحرمة لا يحجبها استتار. وقدم هذا قوام الدين القاهره، وكان حسن الصحبة والمحاوره، ظريف المنادمه، كريم المجاوره، وله معرفة بنحو ولغة ونجو وحساب، وأدب لم يكن لغيره فيه احتساب.
أخبرني من لفظة العلامة أثير الدين أبو حيان قال: قدم علينا القاهرة. وقال لي: إني أول من تشيع من بيتنا، قال أثير الدين: وكان فيه تشيع يسير، ثم إنه سافر إلى الشام وكر منها راجعاً إلى العراق مع غازان، وكنت سألته أن يوجه إلينا شيئاً من أخباره وعمن أخذ من أهل العلم، وشيئاً من شعره فوجه لي بذلك وكتب لي من شعره بخطه:
غدير دمعي في الخدّ يطّرد ... ونار وجدي في القلب تتّقد
ومهجتي في هواك أتلفها الش ... وق وقلبٌ أودى به الكمد
وعدك لا ينقضي له أمدٌ ... ولا الليل المطال منك غد
ومنه:
لقد جمعت في وجهه لمحبّه ... بدائع لم يجمعن في الشمس والبدر
حبابٌ وخمرٌ في عقيقٍ ونرجسٍ ... وآسٌ وريحانٌ وليلٌ على فجر
وقال: كتب إلي أخي أبو محمد المظفر يعاتبني على انقطاعي عنه، وهو الذي رباني وكفلني بعد أبي:
لو كنت يا ابن أبي حفظت إخائي ... ما طبت نفساً ساعةٌ بجفائي
وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ورعيت لي عهدي وصدق وفائي
خلّفتني قلق المضاجع ساهراً ... أرعى الدّجى وكواكب الجوزاء


ما كان ظنّي أن تحاول هجرتي ... أو أن يكون البعد منك جزائي
قال: فكتبت إليه:
إن غبت عنك فإنّ ودّي حاضرٌ ... رهنٌ بمحض مودّتي وولائي
ما غبت عنك بهجرةٍ تعتدّها ... ذنبا عليّ ولا لضعف ولائي
لكنّني لما رأيت يد النّوى ... ترمي الجميع بفرقةٍ وتنائي
أشفقت من نظر الحسود لوصلنا ... فحجبته عن أعين الرقباء
انتهى كلام الشيخ أثير الدين.
قلت: وتوفي المذكور رحمه الله تعالى في أوائل المحرم سنة عشرين وسبع مئة ببغداد، ودفن بمشهد موسى الجواد.
ومولده في شهر ربيع الأول سنة خمسين وست مئة.
وكان الملك الأشرف خليل بن قلاوون قد جهز لأخيه فخر الدين توقيعاً وعلماً وخاتماً، وتقرر بينهما إذا دخل السلطان أرض الحجاز يقدم عليه بجيشه، فإنه كان نائب سلطنة هناك، ولما ورد أخوه قوام الدين في أيار سلار والجاشنكير حضر معه الخاتم والتوقيع والعلم، فلذلك قرر له على المصالح بدمشق ثلاث مئة درهم في كل شهر.
حسن بن محمد بن علي


الشريف نور الدين بن الشريف محيي الدين بن فخر الدين بن زهرة، الحسيني الحلبي، ابن عم الشريف بدر الدين نقيب الأشراف بحلب.
كان فيه نهضة، وله همة ومعرفة، ولي نظر البيمارستان وغيره بحلب، فعزل من ذلك وحوقق، وأخذ منه مال على سبيل المصالحة، وحصل له إخراق وإهانة، وكأنه قد خيف من عائلته، فترك إلى أن خرج إلى قرية من قرى سرمين ليقسم مغلها، ونزل عليه الرجال وقتلوه، ومعه ثلاثة أنفس، وقطعت يد آخر من رفاقه من مرفقه، ولم يتعرضوا إلى ما معهم من المال ولا القماش، وذلك في ليلة الثلاثاء خامس شهر الله المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
حسن بن محمد بن قلاوون



السلطان الملك الناصر ناصر الدين ابن السلطان الملك الناصر ابن السلطان الملك المنصور.
ملك قهر الجبارين أخيرا، وصبحهم في مأمنهم مغيرا، وجعلهم في السجون وحدانا وكانوا أكثر نفيرا، وملأ القلوب سطوه، ولم يدع أحداً ينقل في غير الطاعة خطوه، واحتجن الأموال، وأرى الناس الغير والأهوال، وبنى المدرسة العظمى، وأنفق البلغاء فيها حواصل أفكارهم نثراً ونظما، ووقف عليها الوقوف التي تجري سيولها، وتسري في البر خيولها. إلا أن الدهر ما أمهله لتتكمل بدورها وتتأمل العيون ما تتطاول إليه قصورها، ولو تمت لخذلت مستنصرية ببغداد عندها، واعترفت لها بالتعظيم عن نية طاهرة لا عن دها:
تعنو الكواكب إجلالاً لعزتها ... وتستكين لها الأفلاك من عظم
كأنّها إرمٌ ذات العماد وإن ... زادت بمالكها فخراً على إرم
ولم يزل في عز سلطانه وجبروته، ومروره في بيد طيشه ومروته إلى أن خلع من الملك، وأنزل من درجات النعيم إلى درجات الهلك، حالة ألفها الناس من أم ذفر، وغاية لا بد منها لكل سفر، وذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
وكان قد جلس على تخت الملك أولا بعد خلع أخيه الملك المظفر حاجي في بكرة الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحضر إلى دمشق الأمير سيف الدين أسنبعا المحمودي السلاح دار وحلف له العساكر بدمشق، فاستقر بيبغاروس في نيابة مصر، والأمير منجك في الوزارة والاستاذدارية والأمير سيف الدين شيخو يقرأ القصص عليه بحضور السلطان، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن كان يوم السبت رابع عشري شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فقال السلطان يوماً بحضور القضاة، وأمراء الدولة حضور: أنا ما أنا رشيد ؟ قالوا: الله الله، فقال: أنا ما أنا أهل للسلطنة ؟ فقالوا: الله الله. فقال: إن كان الأمر هكذا فأمسكوا إلي هذا. وأشار إلى الوزير منجك، وكان النائب أخوه قد توجه إلى الحجاز هو والأمير سيف الدين طاز، ودبر هذا الأمر له الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور، فأمسك الوزير، وكتب إلى الأمير طاز فأمسك بيبغاروس في طريق الحجاز على ما تقدم في ترجمة بيبغاروس، وزاد مغلطاي في إمساك الأمراء والنواب، على ما تقدم، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن خلع الناصر حسن في ثامن عشري شهر جمادى الآخر نهار الاثنين سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة وأجلسوا أخاه الملك الصالح صلاح الدين صالح، على ما سيأتي في ترجمته.


ولم يزل الملك الناصر حسن بالقلعة داخل الدور السلطانية في مكان يلازمه لا يجتمع بأحد إلى أن أحس الأمير سيف الدين شيخو بأن الأمير سيف الدين جردمر أخا الأمير طاز قد قصد فتنة يثيرها، فحينئذ خلع الملك الصالح وأعاد الناصر حسن إلى الملك وأجلسه على تخت السلطنة بكرة الاثنين ثاني العيد من شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
وحضر الأمير عز الدين أيدمر الشمسي إلى دمشق وحلف له العساكر، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائباً، ونقل أرغون الكاملي من نيابة حلب إلى مصر، فأقام قليلاً واعتقله بالإسكندرية، واستقل بالتدبير الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين صرغتمس، وكان الأمير سيف الدين طشتمر القاسمي أمير حاجب، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن جرح الأمير شيخو على ما سيأتي في ترجمته، وأقام قليلاً ومات رحمه الله تعالى.
وأمسك الأمير طاز وأخوته، وانفرد صرغتمش بالتدبير بعد موت شيخو إلى أن أمسكه الملك الناصر حسن على ما سيأتي في ترجمته وأمسك معه جماعة، وذلك في عشري شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فصفت له الدولة ولم يشاركه أحد في التدبير، وشرع في عمارة المدرسة العظمى التي ظاهر القاهرة، ولو كملت لكانت غاية في العظم وعلو البناء واتساعه، ويقال إنه كان قد أرصد لعمارتها في كل يوم عشرين ألف درهم، وأقامت على ذلك، والعمارة لا تعطل منها يوماً واحداً ثلاث سنين وأكثر، وخلع وما نجزت عمارتها، وعلى الجملة فهي أمر عجيب.
وزاد في احتجان الأموال مصادرة الأمراء والكتاب وأصحاب الأموال، وزاد أيضاً في أخذ القرى الكبار الأمهات الأعيان من سائر المملكة الإسلامية بالشام جميعها ومصر واصطفائها لنفسه، ولم يمت أمير إلا وأخذ من إقطاعه خياره، ووفر بعض التقادم التي هي في العساكر لأمراء المئين، ولم يدع أحداً آمناً على نفسه من النواب ومن دونهم فلا يقيم النائب إلا دون السنة، وكذلك الأمراء لا يقيمون إلا أقل من سنة حتى ينقلوا من إقطاعهم ومن مكانهم، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن خلعه الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبع مئة كما تقدم، وأجلس السلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المظفر حاجي، وورد إلى دمشق الأمير سيف الدين بزدار السلاح دار وحلف العساكر الشامية.
وكان بعض الأصحاب قد قصد مني نظم قصيدة أذكر فيها أمر السلطان وقهره وعمارته المدرسة المذكورة، وأن تكون واضحة بحيث يفهمها، فقلت:
إنّي بنظم مدائح السّلطان ... فتق البيان من البديع لساني
النّاصر ابن الناصر الملك الذي ... ملك القلوب بطاعة الرحمن
من بيت أملاك أبوه وجدّه ... مع إخوةٍ صالوا على الحدثان
وأبو المحاسن بينهم حسن كما ... سمّي حليف الحسن والإحسان
فتراه ما بين الملوك كأنّه ... دين النّبيّ علا على الأديان
وتراه مثل البدر والأمراء مث ... ل الزّهر في فلك من الإيوان
لا بل هو الشمس المنيرة في الضّحى ... في رونقٍ وسناً ورفعة شان
أمست ملوك الأرض خاضعة له ... في سائر الأقطار والبلدان
من عدله المشهور قد ملأ الملا ... وكأنّه كسرى أنوشروان
لوعاينته ملوك عصرٍ قد مضى ... لتقمّصوا بالذّلّ والإذعان
تتلو الحمائم في مناقب فضله ... خطباً تهزّ منابر الأغصان
فترقّص الأعطاف من فرحس به ... وتميل من طربٍ غصون البان
أيامه من يمنها وأمانها ... مشكورةٌ فينا بكلّ لسان
قهر الأعادي بأسه فأذلّهم ... ورماهم بالخزي والخسران
من خانه في ملكه فقد اغتدى ... متبرّياً من ربقة الإيمان
واللّه سلّطه على أعدائه ... ورمى الجميع بذلّة وهوان
اللّه أيّده ومكّن سيفه ... من عنق كلّ منافق خوّان
وترى دما أعدائه بسيوفه ... كشقائق نثرت على ريحان

لكنّه من رحمةٍ حقن الدّما ... لم يمض فيها حدّ كلّ يمان
شكراً لخالقه الذي من لطفه ... قد بات منصوراً على الأقران
وبنى بقاهرة المعزّ مدارساً ... للفقه والتحديث والقرآن
أرسى قواعدها وشيّد صرحها ... فعلت على العيّوق والدّبران
تتحيّر الأفهام في تكوينها ... فنباؤها من أعظم البنيان
ليست على وجه البسيطة مثلها ... من أرض توريز إلى أسوان
لو عاين المنصور رونقها غدا ... من دهشةٍ لحقته كالحيران
هاتيك مدرسةٌ وأمّا هذه ... فمدينةٌ في غاية الإتقان
للشافعيّ ومالكٍ وأبي حني ... فةٍ الإمام وأحمد الشيباني
هو فارس الخيل الذي تجري به ... كالبرق يوم السّبق في الميدان
فتطير أُكرته كرأس عدوّه ... لما طغى من ضربة الجوكان
وكذاك يوم الحرب إن هزّت به ... أيدي الكماة عوالي المرّان
يلقى الكفاح بوجهه وبنحره ... ويكون ليث وغىً على الفرسان
نصر الضعيف على القويّ بباسه ... فالظّلم في خزي وفي خذلان
والشّرع قد أعلى الإله مناره ... فتراه وهو مشيّد الأركان
فلأجل ذا تمتدّ مدّة ملكه ... محروسةً في السّرّ والإعلان
الحسن بن مظفر


بن عبد المطلب بن عبد الوهاب بن مناقب بن أحمد

الشريف العدل شمس الدين أبو محمد الحسيني المنقذي الدمشقي.
روى عن الفخر الإربلي وأبي نصر بن الشيرازي وعبد العزيز بن الدجاجية، وإبراهيم الخشوعي، وناب في الحبسة مديدة، وكان في جملة الشهود.
وسمع منه الشيخ شمس الدين الذهبي، وكان قد ابتلي ببلغم، فكان إذا مشى تعدو بغير اختياره، ثم يسقط ويستريح ويقوم.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
الحسن بن منصور بن محمد بن المبارك



جلال الدين بن شواق، بالشين المعجمة والواو المشددة وبعد الألف قاف، الإسنائي.
كان جواداً كريما، عاقلاً حليما، فاضلاً أديبا، كاملاً لبيبا، نبيه القدر، واسع الصدر، يشعر فيأتي بالرياض اليانعه، ويهز بالطرب سامعه، أبي النفس لا يرى الضيم، ولا تدخل غادة شمسه تحت ستر غيم.
لم يزل في نفاسته ومعارج رياسته إلى أن هبط من أوج قدره إلى حضيض قبره.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
كان بنو السديد بإسنا يحسدونه ويعملون عليه، فعلموا عليه بعض العوام، فرماه بالتشيع. ولما حضر بعض الكاشفين إلى إسنا حضر إليه شخص يسمى عيسى بن إسحاق وأظهر التوبة من الرفض، وأتى بالشهادتين، وقال: إن شيخنا ومدرسنا حضر إليه في هذا جلال الدين بن شواق، فصادره الكاشف؛ أخذ ماله، فجاء إلى القاهرة، وعرض عليه أن يكون في ديوان الإنشاء فلم يفعل، وقال: لا، تركت أولادي يقال لهم من بعدي: أبوكم خدم وعرض عليه أن يكون شاهد ديوان حسام الدين لاجين قبل السلطنة فلم يفعل.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: أخبرني الفقيه العدل حاتم بن النفيس الإسنائي أنه تحدث معه في شيء من مذهب الشيعة فحلف أن يحب الصحابة ويعظمهم ويعترف بفضلهم، قال: إلا أني أقدم عليهم علياً.
ومن شعره:
رأيت كرماً ذاوياً ذابلاً ... وربعه من بعد خصب محيل
فقلت إذ عاينته ميّتاً ... لا غرو أن شقّت عليه النّخيل
ومن شعره يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هوا طيبة أهواه من حيث أرّجا ... فعوجا بنا نحو العقيق وعرّجا
وسيروا بنا سيراً حثيثاً ملازماً ... ولا تنيا فالعيس لم تعرف الوجى
ومن شعره:
كيف لا يحلو غرامي وافتضاحي ... وأنا بين غبوقٍ واصطباح
مع رشيقٍ القدّ معسول اللمى ... أسمرٍ فاق على سمر الرّماح
جوهريّ الثّغر ينحو عجباً ... رفّع المرضى لتعليل الصّحاح
نصب الهجر على تمييزه ... وابتدا بالصّدّ جدّاً في مزاح


فلهذا صار أمري خبراً ... شاع في الآفاق بالقول الصّراح
يا أُهيل الحيّ من نجدٍ عسى ... تجبروا قلب أسيرٍ من جراح
لو خفضتم حال صبٍّ جازم ... ماله نحو حماكم من براح
ليس يصغي قول واشٍ سمعه ... فعلى ماذا سمعتم قول لاح
ومحوتم اسمه من وصلكم ... وهو في رسم هواكم غير ماح
وصحا كلّ محبٍّ ثملٍ ... وهو من خمر هواكم غير صاح
ولئن أفرطتم في هجره ... ورأيتم بعده عين الصلاح
فهو لاج لأُولي آل العبا ... معدن الإحسان طرّا والسّماح
قلّدوا أمراً عظيماً شانه ... فهو في أعناقهم مثل الوشاح
أمناء اللّه في السّرّ الذي ... عجزت عن حلمه أهل الصّلاح
هم مصابيح الدّجى عند السّرى ... وهم أُسد الشّرى عند الكفاح
قلت: شعر ابن شواق يشوق، ويحلي الأجياد ويطوق.
حسن بن نصر


الصدر نبيه الدين الإسعدي.
كان محتسب القاهرة، ولما تولى الصاحب ضياء الدين النشائي الوزارة تولى هو نظر الدواوين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة، ودفن برا باب النصر بالقاهرة، وصلى عليه الشيخ نصر المنبجي.
الحسن بن هارون بن حسن



الفقيه الصالح نجم الدين الهذباني الشافعي أحد أصحاب الشيخ محيي الدين النووي.
كان ديناً خيراً ورعاً.
سمع من ابن عبد الدائم.
ولم يحدث لأنه توفي - رحمه الله تعالى - كهلاً سنة تسع وتسعين وست مئة في تاسع شعبان.
الحسن بن هبة الله بن عبد السيد



شمس الدين الأدفوي حفظ المنهاج للنووي، وسمع من ابن أبي الفتح محمد بن أحمد الدشناوي، أقام بإسنا سنين، ثم أقام بقوص إلى أخر عمره. وكان دخل مصر وحضر الدروس.
وكان خفيف الروح، يكتم سره ولا يبوح، لطيفاً في حركاته وكلامه، متحبباً إلى من واجهه بتحيته وسلامه، قليل الغيبه، إذا نقل عن أحد شيئاً حمله على أحسن محامله ونفى الريبه. وكان يعرف شيئاً من الموسيقى، وينزل النغم على الوزن تطبيقا، إلا أنه عمره انخلع من الخلاعه، وادكر الموقف واطلاعه، والتزم بالإشغال، واشترى بالرخيص الغال، وانتصب للعلم، وجنح بعد حرب التصابي إلى السلم، ورمى السلاح، ودخل في زمرة الصلاح.
ولم يزل على حالته هذه إلى أن توجه إلى أخراه، وحمده الصبح بعد مسراه.
ووفاته - رحمه الله تعالى - بعد العشرين وسبع مئة.
ومن شعره:
إن المليحة والمليح كلاهما ... حضرا ومزمارٌ هناك وعود
والرّوض فتّحت الصّبا أكمامه ... فكأنّه مسكٌ يفوح وعود
ومدامةٌ تجلو الهموم فبادروا ... واستغنموا فرص الزّمان وعودوا
ومن شعره فيمن وقعت على نصفيته قنينة حبر:
جاء البهاء إلى العلوم مبادراً مع ما حوى من أجره وثوابه
ملئت صحائفه بياضاً ساطعاً ... غار السّواد فشنّ في أثوابه
حسن بن هندو



الحاكم بمدينة سنجار، وبالموصل أخيراً.
كان في آخر عمره يكاتب المسلمين ويترامى عليهم، ويظهر المودة والنصح والإخلاص في المحبة، وكل ذلك زور وبهتان، لأنه كان نجمة التركماني المفسد يأوي إليه، وجرى منه، وتوجهت العساكر إلى سنجار، وقاسوا شدة، وطلب الأمان وقال: أنا غلام مولانا السلطان ونائبه، وهذا أخي يكون عندكم رهينة، فرسم للعساكر بالعود، وحضر أخوه إلى قريب من دمشق، وهرب ولم يظهر له خبر.
ثم إنه ما رجع عن مكره ولا فساده ولا أذاه إلى أن قتله صاحب ماردين في سنة أربع وخمسين وسبع مئة، في أواخرها وأراح الله المسلمين منه.
حسن الكردي



شيخ صالح زاهد، راق في معارج صاعد، له حال وكشف، وكوكب هدى قد تنزه عن الكشف، يقصده الناس بالزياره، وتومي الأصابع إليه بالإشارة.
كان مقيماً بالشاغور بظاهر دمشق منجمعاً عن الأنام، قد ألف الخلوة وتعبد والناس نيام، له حاكورة يزرع فيها الخضر، ويرتفق به ويطعم منه من حضر، أقام على هذه الحال سنين، واستراح من هموم المال والزوجة والبنين.


ولم يزل على هذه الحال إلى أن أخذ من شعره واغتسل، واستقبل القبلة وركع ركعات وراح إلى ربه وانتقل.
وكانت وفاته سنة سبع مئة.
حسن الجوالقي


كان له في الدولة صوره، والمحاسن من الأخلاق عليه مقصوره، نفع الناس بجاهه، وعوده في السفارة واتجاهه، وكان مقبول القول لا يرده أحد، ولا يرى في قلعة الجبل بالقاهرة من لفضله جحد، وعنده مكارم للوارد والصادر، والغزال الكانس والليث الخادر، أقام بمصر مدة على هذا القدم، وما احتد فيها يوماً ولا احتدم.
ولم يزل كذلك إلى أن خطر له الحضور إلى دمشق للاسترواح، وتجديد العهد بالأصحاب وذكرى أوقات الأفراح، وكان به مرض واستشفى، وأكرمه الناس ساعة الملقى، فأقام أقل من شهر وقضى، وعد فيمن درج ومضى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في نف جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وتأسف الناس والفقراء لفقده.
حسين بن أسد بن مبارك بن الأثير



سمع من الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، وشمس الدين الواعظ الجزري، وهو آخر من حدث عنه بالسماع، ومن النجيب عبد اللطيف، وأبي الفضل محمد بن محمد البكري، وزين الدين عبد المحسن بن عبد العزيز بن علي بن الصيرفي المخزومي، ومن إسماعيل بن سليمان، ومن بدر، ومن جماعة.
وكان صالحاً حسن الشكل مليح المحاضرة، وكان حنلبياً، وينتسب إلى صاحب جامع الأصول.
وتوفي بداره بحارة الديلم في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
الحسين بن أبي بكر بن جندربك



الأمير شرف الدين أمير حسين الرومي.
كان من فرسان الخيل، وممن يسامي بسؤدده نجوم الليل، يجيد اللعب بالطير الجارح، ويصيد به ما هو في الجو طائر وفي البر سارح، هذا إلى ما هو فيه، مبرز في رمي النشاب، وصيد الوحش الذي يشهد له به البازي والكلاب، لا يكاد الوحش ينجو من يديه، ولا يفوته في ظهيرته أو أبرديه.
باشر الحروب مصافاً وحصارا، وكانت النصرة له غاية وقصارى. وكان في لسانه عجمه، لا تمنعه من اختبار سهم من عربي ولا عجمه، لأنه كان يؤثر قرب الفضلاء، ويود محادثة النبلاء، ويسأل عن غوامض بالنسبة إليه من القرآن، ويفحص عن مشكلات من معاني شعراء الأوائل وأهل الزمان، وله التنديب الحلو، والتندير الذي لا يرى وهو من التعجب خلو.
ونادم الأفرم في القصر، وفاز بنضارة ذلك العصر، ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز ونجا، وجعل الله له من أمره مخرجا، لنيته السليمه، وطويته القويمه. وطلبه السلطان فيما بعد ذلك، وسلكه من التقريب بحضرته أقرب المسالك.
ولم يزل على حاله إلى أن أفل نجم حياته، وتغيرت بالأسقام حلاوة شياته.
وتوفي بالقاهرة - رحمه الله تعالى - في سابع المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ودفن بجوار جامعه بحكر جوهر النوبي.
كان وهو أمرد رأس مدرج طلب حسام الدين لاجين لما كان نائب الشام، وكان يؤثره ويقربه لأنه كان صياداً شجاعاً. وكان يحبه لأجل أخيه الأمير مظفر الدين، وربما تنادم معهما خلوة.
ولما ولي الملك حسام الدين لاجين طلبه إلى مصر وخلع عليه خلعة ولم يرضها، ثم إنه عاد إلى الشام وطلبه فيما أظن ثانياً، ورسم له بعشرة، وجرى للسلطان ما جرى على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، فأقام بمصر إلى أن حضر السلطان الملك الناصر محمد من الكرك، فرسم له بالعشرة، وحضر مع الأفرم إلى دمشق صحبة الطلب. ثم إنه آخذ الطبلخاناه ولاق بقلب الأفرم ونادمه، ولم يزل معه بدمشق إلى أن هرب الأفرم عند قدوم الملك الناصر من الكرك إلى دمشق، فلحق هو بالسلطان ودخل معه ومع خواصه، وجهزه السلطان إلى الكرك ومعه الأمير سيف الدين تنكز، فأحضر الخزانة، وتوجه مع السلطان إلى القاهرة، ودخل معه بأنواع الحيل والتقرب إلى أن ما وصل إلى مصر إلا وهو من جملة المقربين.
أخبرني من لفظه قال: كنا ونحن سائرون في الطريق إذا مررنا بصيد آخذ الصقر الجارح وأقول ياخوند: إن كان نملك مصر فهذا الطير يأخذ هذه الرمية، قال: وأتحيل وأقارب وأبلغ الجهد وأرميه فلا يخطي، فأقول: ياخوند هذا بسعادتك، فنزل من قلبه.


وكان محظوظاً في الصيد بالجوارح والضواري والنشاب، لا يكاد يفوته شيء منه. رأيت أنا هذا منه مراراً عديدة لما كنت أسافر معه، فإنني كتبت له الدرج بصفد وبمصر، وكان يستصحبني معه في أسفاره شاماً ومصراً، ثم إن السلطان أعطاه في مصر إمرة مئة وقدمه عل ألف، وأفرد له زاوية من طيور الجوارح، فكان أمير شكار مع الأمير سيف الدين كوجري.
وحضر مع السلطان إلى دمشق لما توجه إلى الحجاز في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وأقام بدمشق ولم يتوجه إلى الحجاز لأنه وقع وكسرت رجله، وكان الأمير سيف الدين تنكز يحضر لزيارته ويعوده كل قليل، وهو نائب دمشق.
ولما عاد السلطان عاد معه إلى مصر ولقي الحرمة الوافرة وحظي بالديار المصرية، وكان ينتمي إلى الأمير سيف الدين طغاي الكبير وينبسط معه فحلا بقلب الخاصكية وسلم لذلك لما أمسك السلطان الأمير علاء الدين أيدغدي شقير والأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وما أعطاه الناس في تلك الواقعة سلامه.
ثم إنه توالت عليه الأمراض فرسم له السلطان بالعود إلى الشام، فحضر إليها وهو مستمر عند تنكز على تلك المحبة، إلى أن وقع بينهما بسبب القصب الذي له في قرية عمتنا، وتخاصما في سوق الخيل ورجعا إلى دار السعادة وتحاكما، ثم إنهم سعوا بينهما في المصالحة، فقام تنكز وقام أمير حسين فوضع يده على عنق تنكز وقبل رأسه، فما حمل تنكز منه ذلك. قال لي أمير حسين: والله ما تعمدت ذلك، ولكنه كان خطأ كبيراً، فكتب تنكز وطالع السلطان، فشد الفخري قطلوبغا من أمير حسين شداً كبيراً، فما أفاد كتاب تنكز، ورسم السلطان للأمير شرف الدين أن يكون مقامه بصفد وإقطاعه على حاله، وجاء كتاب السلطان إليه يقول فيه: إنك أسأت الأدب على نائبنا، وما كان يليق بك هذا، وحضر كتاب السلطان إلى نائب صفد بأن الأمير شرف الدين طرخان لا تجرده إلى يزك ولا تلزمه بخدمة إن شاء ركب وإن شاء نزل، فأقام بصفد قريباً من سنتين ونصف. ومن هنا كتبت له الدرج.
ثم إن الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار لما حضر إلى دمشق لإحضار الأمير علاء الدين ألطنبغا من حلب ليتوجه إليها أرغون الدوادار نائباً، كأنه قال للأمير سيف الدين تنكز لما جاء ذكر أمير حسين: والله ما كان السلطان هان عليه أمره، فحينئذ جنح تنكز للصلح مع أمير حسين وسير إليه بالغور ليلتقيه إلى القصير المعيني، فاصطلحا هناك وخلع عليه، ووعده بأنه إذا عاد من مصر أخذه معه إلى دمشق ففاوض السلطان في ذلك فما وافق على ذلك، وطلب الأمير شرف الدين إلى مصر وجاء الفور البريد وأخذه وتوجه به إلى دمشق، وجهز تنكز إلى مصر، فتوجه إليها على خيل البريد، وكنت معه، فوصل إليها في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وخلع عليه وأنعم عليه بإقطاع الأمير بهاء الدين أصلم السلحدار، فأقام عليه إلى أوائل سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى، وحنا السلطان عليه حنواً كثيراً، وأعطى مماليكه الإقطاعات في الحلقة ورتب لهم الرواتب وأمر بعض أقاربه، ورتب الرواتب لبناته وزوجته وأقاربه وبعض غلمانه وأباح طيوره بحضوره، وهذا لم يتفق لغيره.
وهو الذي بنى القنطرة على الخليج وإلى جانبها الجامع الذي له في حكر جوهر النوبي، ولما فرغ أحضر إليه المشد والكاتب حساب ذلك، وقال: هذا حساب هذه العمارة، فرمى به في الخليج، وقال: أنا خرجت عن هذا لله تعالى، فإن خنتما فعليكما، وإن وفيتما فلكما. يقال: إنه غرم على ذلك فوق المئتي ألف درهم، وكان - رحمه الله تعالى - على الدرهم والدينار من يده شحيحاً، وأما من خلفه فما كان يقف في شيء، وكان الفرس والقباء عنده هين الأمر، يطلق ذلك كثيراً.
وكان خفيف الروح دائم البشر، لطيف العبارة، كثير التنديب الداخل، وكانت في عبارته عجمة، لكنه إذ قال الحكاية أو ندب أو ندر يظهر لكلامه حلاوة في السمع والقلب. قال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس رحمه الله تعالى: نحن إذا حكينا ما يقوله هو ما يكون لذلك حلاوة كلامه من فيه.
وكان ظريفاً إلى الغاية في شمائله وحركاته، وكان فيه الخير والصدقة، ولكنه كان يستحيل في الآخر بعد إقباله.
وكان يجلس في مصر رأس الميمنة من أسفل، ولما حضر توتاش جلس مكانه، وكان هو يجلس في الميسرة بعد ذلك إلى أن مات.

وكان السلطان يحبه ويؤثره كثيراً ويعجبه كلامه، وكان قد أعطاه طبلخاناه جعلها وقفاً عليه يعطيها هو من جهته لأي من أراد من أقاربه، فكانت تنتقل بين أقاربه إلى أن مات وماتوا.
وكان قد تولى أمر الركب بدمشق وحج في سنة خمس وسبع مئة، وحج أيضاً من الديار المصرية.
الحسين بن الحسين


بن يحيى أبو محمد بن أبي علي

القاضي الأرمنتي، تقدم ضبط هذه النسبة لم أعلم شيئاً من حاله فأترجمه، أو أعمل الظن فيه حتى أرجحه، لكن ذكره الشيخ قطب الدين عبد الكريم في تاريخه والفاضل محمد بن علي بن يوسف، والفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي في تاريخ الصعيد.
وتوفي بأرمنت - رحمه الله تعالى - في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وأورد له:
غلطت لعمري يا أُخيّ وإنّني ... لفي سكرةٍ ممّا جناه لي الغلط
حططت بقدري إذ رفقت أخسّةً ... ومن رفع الأسقاط حقّ بأن يحط
وأورد له أيضاً:
أقسمت لا عدت لشكر امرئ ... يوماً ولا أخلصت في ودّي
من قبل أن تبدو أفعاله ... في حالة القرب أو البعد
وكلّ من جرّعني سمّه ... فهو الذي أطعمته شهدي
الحسين بن خضر



ابن محمد بن حجي بن كرامة بن بحتر بن علي بن إبراهيم بن الحسين بن إسحاق بن محمد: الأمير ناصر الدين التنوخي المعروف بابن أمير الغرب، مقامه ومقام ذويه بجبال الغرب من بلاد بيروت، والحسين بن إسحاق في أجداده، وهو ممدوح أبي الطيب في القصيدة القافية التي يقول فيها:
شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت ... ذفاريّها كيرانها والنمارق
وله فيهم أمداح ومراث. وكرامة بن بحتر هو الذي هاجر إلى نور الدين الشهيد فأقطعه الغرب وما معه بإمرية فسمي أمير الغرب بذلك، قال الأمير ناصر الدين المذكور: ومنثوره إلى الآن عندنا بخط العماد الكاتب، وتحضر كرامة بعد البداوة، وسكن حصن سلحمور من نواحي إقطاعه، وهو على تل عال بغير بناء، وانتشأ أولاده هناك، ولم يزالوا كذلك إلى أن كان الحضر، فكان قذى في عين صاحب بيروت أيام الفرنج، وشجاً في حلقه، ورام حصره مراراً، فتوعر الوصول إليه، فلما صار الحال إلى أولاده الشباب هادنهم صاحب بيروت وسالمهم، وجعلوا ينزلون إلى الساحل، وألفوا الصيد بالطير وغيره، فراسلهم، وطلب الاجتماع بهم في الصيد، فتوجه كبارهم وتصيدوا معه إلى آخر النهار، فأكرمهم وقدم لهم ضواري وطيوراً وكساهم قماشاً ولمن معهم، وعادوا إلى حصنهم، ولم يزل يستدرجهم مرة بعد مرة إلى أن أخرج ابنه معه وهو شاب، فقال: قد عزمت على زواجه، وأدعو له ملوك السواحل، وأريدكم تحضرون ذلك النهار، فتوجه الثلاثة الكبار وبقي أخوهم الصغير في الحصن ووالدته وجماعة قليلة، وتوجهوا إليه، وامتلأ الساحل بالشواني والمدينة بالفرنج الغتم وتلقوهم بالشمع والمغاني، فلما صاروا في القلعة، وجلسوا مع الملوك قعدوا إلى العصر، ثم إنهم غدروا بهم وتكاثروا عليهم وأمسكوهم وأمسكوا غلمانهم، وغرقوهم وركبوا في الليل، ومع صاحب بيروت جميع العسكر القبرسي واشتغلوا بالحصن، وانجفل الفلاحون قدامهم والحريم والصبيان إلى الجبال والشعراء والكهوف وطاولوهم، وعلم أهل الحصن بأن الجماعة قد أمسكوهم وغرقوهم، ففتحوا الباب، وخرجت العجوز ومعها ولدها الصغير وعمره سبع سنين، ولم يبق بينهم سوى هذا واسمه حجي، وهو جد والد هذا ناصر الدين.
ولما حضر السلطان صلاح الدين وفتح صيدا وبيروت، توجه إليه هذا حجي وباس رجل السلطان صلاح الدين في ركابه، فلمس رأسه بيده وقال: أنا آخذ ثأرك، طيب قلبك، أنت موضع أبيك، وأمر له بكتابة أملاك أبيه، وهي القرايا التي بأيديهم بستين فارساً. ولم يزالوا على ذلك إلى أيام الملك المنصور قلاوون، فذكر أولاد تغلب من مشغرا قدام الشجاعي أن بيد الجبلية أملاكاً عظيمة بغير استحقاق، ومن جملتهم أمراء الغرب، وتوجهوا معه إلى مصر، فرسم المنصور بإقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لجندها وأمرائها، فأقطعت لعشرين فارساً من طرابلس، فلما كان أيام الملك الأشرف توجهوا إليه وسألوه أن يخدموا على أملاكهم بالعدة، فرسم لهم بها وأن يزيدوها عشرة أرماح أخر.


ولما كان أيام الروم في أيام تنكز وكشفها الأمير علاء الدين بن معيد، حصل من تفضول في حقهم، فرسم السلطان الملك الناصر أن تستمر عليهم بمضاعفة العدة، فاستقرت عليهم لستين فارساً، وهي إلى الآن باقية على هذا الحال.
وأما هذا ناصر الدين فإنه كان جواداً سمحاً، لا يزول كرمه ولا يمحى، يخدم أعيان الناس، ويتجاوز الحد في ذلك والقياس، ومن يتوجه إلى تلك النواحي، فإنه يجد منه ثغر جود يخجل الأقاصي.
وكان يكتب جيداً ويأتي من المحاسن ما حق له أن يدعى سيداً، ويترسل ترسلاً فيه فصاحة وبلاغة، وكلمات كأنها قد صاغها صياغة، وفيه عدة فضائل، وكرم عشرة ولطف شمائل، ورئاسة تدل على كرم أصله، وسيادة يترجم عنها لسان قلمه ونصله. وهو مطاع في قومه، لا يصل المشتري ولا زحل إلى سومه، إذا قال لأحدهم: اسكت رمي من وقته بالصمات، وإذا قال له قم قام، وإذا قال له مت مات، يتسارعون إلى امتثال أوامره، ويتقارعون على الفوز بالتحلي من كلامه بجواهره.
ولم يزل على حاله إلى أن غرب نجم أمير الغرب، ولم يدفع عنه أحد بطعن ولا ضرب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في نصف شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
ولما كبر وأسن نزل قبل موته بسنتين عن إمرته لولده الأمير زين الدين صالح، وكنت قد توجهت إلى بيروت ولم يكن بها، فسير إلي قاصداً يطلبني لأتوجه إليه إلى أعبيه، لأرى مكانه فيها، فإن الناس يصفونه بحسن زائد وطيب هواء وماء، فرأيت الحركة تشق علي، فاعتذر، فحضر هو بنفسه بعد أيام بعدما تفضل وروده وأحسن وأجمل وقست جوده على الغمام فكان أندى وأغدق وأكمل.
وأنشدته لما اجتمعت به:
ما زرت في أُعبيه قصداً للجفا ... ربعاً تشرّف بالأمير حسين
ورأيته في ثغر بيروت الّتي ... بنداه أصبح مجمع البحرين
الحسين بن سليمان بن فزارة


القاضي الإمام الفاضل شهاب الدين الكفري، بفتح الكاف وسكون الفاء وبعدها راء، الدمشقي الحنفي.
تلا بالروايات على علم الدين القاسم، وسمع من ابن طلحة ومن ابن عبد الدايم، ودرس بالطرخانية، وكان شيخ الإقراء بالمقدمية والزنجيلية. وقرأ بنفسه على ابن أبي اليسر، وكتب الطباق، وكان شيخ قراءات، وبيده لمن يحاكمه في التفاضل براءات. ودرس وأفتى، وكان في الجود بعلمه أكرم من الغيث وأفنى، وناب في الحكم زماناً، ونظم فيه من الإجادة جماناً.
وكان خيراً عالماً، ديناً لا يرى لسيف السنة ثالماً، إلا أنه أضر بأخرة، فلزم داره وجلس في بيته كالبدر في داره.
ولم يزل على حاله إلى أن حل ضيف الحين بفتى فزاره، وآن اجتماعه به فزاره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة عن اثنتين وثمانين سنة.
وقرأ عليه أقضى القضاة شرف الدين أحمد وغيره.
الحسين بن علي



بن إسحاق بن سلام

بتشديد اللام: الشيخ الإمام الفاضل المفتي الكامل الدمشقي الشافعي.
كان مفتي دار العدل في زمن الأفرم. كان فقيهاً عارفا، ونبيهاً حوى من العلم تالداً وطارفا، عارفاً بخلاف المذاهب، شاهداً لمن خلقه بأنه زائد الكرم والمواهب، قل من ناظره وارتد إلا هزيما، أو فاخره في سيادة إلا كان سليباً وابن سلام سليما، يتخرق في الجود، ويرعى حق الضعيف والوفود.
اجتمع فقهاء المذاهب الأربعة في درس من بعض الدروس، وبحث هو مع الجميع، فقطع أصولهم وفروعهم من الغروس، رأى الناس منه في ذلك اليوم عجبا، وجمع محبة القلوب له والتعظيم وحبى.
ولم يزل على حاله إلى أن بغته حمامه، وخفر فيه ذمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع عشرة وسبع مئة في رابع عشري شهر رمضان.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وكان قد أعاد بالظاهرية ودرس بالجاروخية، ودرس بالعذراوية، وتوفي - رحمه الله تعالى - وعليه ديون كثيرة، وكان قد ألقى الدرس بالعذراوية عوضاً عن صدر الدين سليمان الكردي يوم الأحد حادي عشر المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
الحسين بن علي بن الحسين بن زهرة



نقيب الأشراف بحلب، السيد الشريف شمس الدين أبو علي بن الشريف فخر الدين أبي الحسن بن شمس الدين أبي علي.

توفي - رحمه الله تعالى - بالزرقاء بعد عوده من الحج رابع عشري المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ودفن بسما من عمل بصرى.
الحسين بن علي بن سيد الأهل


ابن أبي الحسن بن قاسم بن عمار، الشيخ الإمام الشافعي نجم الدين الأسواني الأصفوني.
كان فقيهاً فاضلاً مشاركا، ميمون النقيبة مباركا، صاحب فنون، وعبارات في المعارف الذوقية وشجون. أفتى ودرس، وسرى في طلب العلم وعرس، وانتفع به جماعة من الطلاب، وغنموا الفوائد وأخذوا الأسلاب.
وكان قد تجرد مع الفقراء، وتفرد بأشياء لم يبلغها جماعة من الفقهاء، ثم أناب وعاد إلى طريقة أهل العلم، وتزيا بزي أهل الوقار والحلم.
ولم يزل على حاله إلى أن فقد حسه وذوقه، وأصبح والتراب فوقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال: تجرد المذكور مع الفقراء زماناً طويلاً، وكان في وقت فقيهاً في المدرسة الشريفية، فحضر درس قاضي القضاة ابن بنت الأعز، فأنشد بعض الناس قصيدةً مديحاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرخ هو على عادة الناس، فأنكر القاضي ذلك وقال: أيش هذا ؟ فقام وقال: هذا شيء ما تذوقه، وترك المدرسة والفقاهة بها.
وقال: كان يقرئ في كل شيء في أي كتاب كان، وانتفع به جماعة وقال: كان يفتي ويدرس ويقرئ الطلبة، وهو وأخوه الحسن والزبير، ثلاثة من أهل العلم والتعبد.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: هو المعروف بابن أبي شيخة، سمع من أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي وأبي عبد الله محمد بن عبد القوي، ومن أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي والحافظ شرف الدين الدمياطي. وحدث بالقاهرة، وأخذ الفقه عن أبي الفضل جعفر التزمنتي وغيره واشتغل عليه الطلبة طائفةً بعد طائفة، وتولى الإعادة بالشريفية وغيرها. وأقام مدة بمدرسة الملك يلقي فيها الدروس، وتجرد مدةً مع الفقراء، وجرى على طريقهم في القول بالشاهد، وأقام بجامع عمرو بن العاص يستغل ويشتغل، وهو قوي النفس، حد الخلق، مقدام في الكلام، وهو من أهل بيت معروفين بالعلم والصلاح.
الحسين بن علي بن مصدق بن الحسن



شرف الدين أبو عبد الله الشيباني الواسطي الصوفي بخانقاه سعيد السعداء.
رأيته غير مرة، واجتمعت به عند الصاحب أمين الدين، فأنشدني رحمه الله تعالى جملة من شعره.
وكان شكلاً كاملاً طويلاً هائلاً، ذا ذقن فرشت على صدره، وكادت تسيل فتملأ سعة حجره، ينشد ويتفيهق، ويسيل دمعه فيترقرق، له أبهة في النفوس وجلاله، وعلى كلامه من الذوق أمارة ودلاله.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى ابن مصدق الحق اليقين، ولحق بمن تقدمه من المتقين.
وتوفي رحمه الله تعالى ... .
أنشدني من لفظه لنفسه:
وأحور أحوى فاتن الطّرف فاترٍ ... مسير بدور التمّ من دون سيره
إذا جئت أشكو طرفه قال خدّه: ... ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره
فأنشدته أنا لنفسي في مليح نائم:
سباني خدٌّ من فتىً كان نائماً ... فقال عذولٌ شره دون خيره
أتهوى ولم تدر العيون فقلت: دع ... ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
وأنشدته أيضاً لنفسي في مليح يقابل كتاباً:
قابلت كتباً مع حبيبٍ هاجرٍ ... فسرّ قلباً كاد أن يفنى وله
فقلت يا وارث قلبي في الهوى ... جمعت بين الجبر والمقابله
فأنشدني هو لنفسه:
قابلني المحبوب يوماً وغدا ... يمنحني جماله ونائله
قلت له يا سيّدي جبرتني ... فهل أرى من بعدها مواصله
فقال لي هذا الذي فعلته ... على سبيل الجبر والمقابله
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من هواه وحبّه ... غطّى على عيني وقلبي
عطفاً عليّ بنظرةٍ ... فإليك إيجابي وسلبي
الحسين بن علي بن عبد الكافي



ابن علي بن يوسف بن تمام: الإمام الفاضل الفقيه النحوي العروضي الناظم، أقضى القضاة جمال الدين أبو الطيب ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.

كان ذهنه ثاقبا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبا، حفظ التسهيل لابن مالك، وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك، وحفظ التنبيه، وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه، وقرأ غير هذا.
وكان يعرف العروض جيداً، ويبيت لأركان قواعده مشيداً، وينظم الشعر بل الدرر، ويأتي في معانيه بالزهر والزهر، وكانت مكارمه طافحه، وأنامله غيوث سافحه، كثير التواضع في الملتقى، غزير المروءة لا يصل النجم معه فيها إلى مرتقى، عفيف اليد في أحكامه، لم يقبل رشوة أبداً، ولم يسمع بذلك في أيامه، يتصدى لقضاء أشغال الناس، ويعامل من أساء أو أجرم معاملة متغاض متناس، فأحبته القلوب، ومضى حميداً على هذا الأسلوب. إلى أن نغص شبابه، وتقطعت بمن يوده أسبابه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وقلت أرثيه:
رزء الحسين عظيمٌ ... وهو العذاب الأليم
ومالنا فيه إلاّ ... صوب الدموع حميم
والصبر أولى ولكن ... صبر الفؤاد عديم
ففي العيون دموعٌ ... تنهلّ منها الغيوم
وفي الحشى زفراتٌ ... منها تشبّ الجحيم
والليل صار حداداً ... تقمّصته النجوم
وللسحائب خدٌّ ... من الرّعود لطيم
والجوّ ضاق خناقاً ... فما يهبّ نسيم
وما تنفّس صبحٌ ... بل راح وهو كظيم
حزناً لقاضٍ قضى ما ال ... ذمام منه ذميم
وكان قاضي عدلٍ ... صراطه مستقيم
يقضي بحقٍّ وصدقٍ ... عن الهوى لا يريم
ترى الثناء عليه ... قد طاب منه الشميم
يلقى الورى منه وجهٌ ... طلق المحيّا وسيم
وثغره في ابتسام ... به يسرّ الغريم
وخلقه مثل روضٍ ... والنبت منه غميم
وجهٌ حييٌّ وخلقٌ ... سهلٌ وصدرٌ سليم
أحبّه الناس حتّى ... مظلومهم والظّلوم
فلو يجور وحاشى ... قضى ارتضته الخصوم
إن الزمان أراه ... بمثله لعقيم
لو كان يفدى لجادت ... أرواحنا والجسوم
وإنّما الموت أمرٌ ... لم ينج منه عظيم
وذاك فينا وفي من ... قد فات داءٌ قديم
قاضي القضاة تصبّر ... فالخطب فيه جسيم
لكنّ مثلك راسٍ ... لمّا تخفّ الحلوم
قد كان درّة عقدٍ ... والسلك فيه نظيم
فما يضرّ سناه ... إن زاك منه قسيم
ودرّه في اتّساقٍ ... والكلّ درٌّ يتيم
إذا بقي أخواه ... فسوف تؤس الكلوم
فلا تبت في عذاب ... وقد حواه النّعيم
يصافح الحور منه ... في الخلد كفٌّ كريم
وأنت تعلم أنّ ال ... ذي دعاه رحيم
وما تقاك ضعيفٌ ... ولا نهاك سقيم
وكلّنا سوف نمضي ... وما عليها مقيم
وكنت أنا قد كتبت إليه:
عندي جمال الدين مسألةٌ غدا ... بيانها فيما لديك محرّرا
إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قد ... فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى
إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا ... أو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى
فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقت ... لا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا
وأعد جوابي عن سؤالي إنّه ... لك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا
فكّرت والقرآن فيه عجائبٌ ... بهرت لمن أمسى له متدبّرا
في هل أتى لم ذا أتانا شاكراً ... حتى إذا قال الكفور تغيّرا

فالشكر فاعله أتى في قلّةٍ ... والكفر فاعله أتى متكثّرا
فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍ ... إن التوازن في البديع تقرّرا
لكنّها حكمٌ يراها كل ذي ... لبٍّ وما كانت حديثاً يفترى
فأمنه لا زلت الجواد بفضله ... لمن استعان به لإشكالٍ طرا
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورى ... ممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا
قد نال في علم البلاغة رتبةً ... عنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا
وأراد منّي حلّ مشكلة غدا ... تبيانها عندي كصبحٍ أسفرا
وجوابه أنّ الكفور ولو أتى ... بقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا
بخلاف من شكر الإله فإنّه ... بكثير شكر لا يكون مكثّرا
فإذاً مراعاة التوازن ههنا ... محظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا
فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌ ... كظهور ما بين الثّريّا والثّرى
وكتب هو رحمه الله تعالى إلي ملغزا:
يا أيّها البحر علماً والغمام ندىً ... ومن به أضحت الأيام مفتخره
أشكو إليك حبيباً قد كلفت به ... مورّد الخدّ سبحان الذي فطره
خمساه قد أصبحا في زيّ عارضه ... وفيه باسٌ شديدٌ قلّ من مهره
لا ريب فيه وفيه الرّيب أجمعه ... وفيه يبسٌ ولين البانة النّضره
وفيه كلّ الورى لمّا تصحّفه ... وضيعةٌ ببلاد الشام مشتهره
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في ريباس.
؟
الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد

الشيخ الإمام الفاضل بهاء الدين بن تاج الدين أبي الخير الموصلي الحنبلي، شيخ الحديث بالعساكرية، وأحد العدول بمركز المسمارية.
كان شيخاً طوالا، وفاضلاً لا يتمارى ولا يتمالا، ذكي الفطره، زكي العشره، جيد الذهن صافيه، وافي ظل الأدب ضافيه، ينظم جيدا، ولا يدع الكلام يخرج من فيه إلا مفيداً مقيدا. له قدرة على حل الألغاز ونظمها، وقوة على الإصابة في مرامي سهمها.
لم يزل على حاله في الارتزاق بالشهادة إلى أن مات على الشهادة، وأحسن الله إليه معاجه ومعاده، فسكنت شقاشقه، وأصابته من الحمام رواشقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة تسعين وست مئة.
قدم الشام قبل الثلاثين وسبع مئة، وأقام بدمشق إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وتوجه إلى الديار المصرية، وأقام بها دون الشهرين، وعاد، وكان بيده خطابة قرية دومة قريباً من سنة، ثم انفصل منها، وكان يكتب جيداً ويحب المؤاخذة والمناقضة، وقل من سلم منه من أهل عصره. وكتب بخطه كتابي فض الختام عن التورية والاستخدام وقرأه علي.
وكان يروي جامع الأصول عن رجل عن المصنف، كما قال رحمه الله تعالى.
وبيني وبينه مكاتبات ومحاورات ومراجعات ذكرت منها جانباً في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع.
وكان يحب نظم الضوابط، وكتب هو إلي ملغزا:
وما اسمٌ إذا فكرت فيه وجدته ... يحلّ بتصحيفٍ محلاًّ مستّرا
بديع فعالٍ ليس يدرك صنعها ... إذا فكّر الإنسان فيه تحيّرا
ويزري به معكوسه مطلقاً فإن ... أتى فيه تصحيف فلا تسأل القرى
فتصحيفه فيه دقيقٌ وبعضه ... قصيرٌ وبعضٌ قد علا وتجبّرا
وإن صحّف التصحيف من عين فعله ... فذلك محبوبٌ إلى سائر الورى
فقد جمع الضدّين نفعاً وضرّةً ... وجمعاً وتفريقاً وحلواً ممرّرا
وقد جاء في التنزيل آيٌ بذكره ... وذلك أمرٌ ظاهرٌ للّذي قرا
وجملته في الليل يمكن حصرها ... وإن سيم عدّا في النهار تعذّرا
فكتبت أنا الجواب عنه، وهو في نحل:
قريضك فينا قد غدا شامخ الذّرى ... نرى طرسه عند البيان مزهّرا
تغوص على المعنى الخفيّ بقدرةٍ ... تريك دجى الإشكال في الحال نيّرا


أحاشيك من عكس الذي قد أردته ... وألغزته يا فاضلاً بهر الورى
وحاشاك من تصحيفه فهو خلّةٌ ... غدا بغضها في الناس شيئاً تقرّرا
فلا زلت تهدي للأنام بدائعاً ... من النظم ما انهلّ الغمام على الثرى
وكتب هو إلي أيضاً ملغزاً:
وصاحبٌ مستحسنٌ فعله ... ليس له ثقلٌ على صاحب
فتىً ولكن سنّه ربّما ... زادت على السبعين في الغالب
قلت وقد قالوا أبن ما اسمه ... ليعلم الشاهد للغائب
ظننتم تصحيف معكوسه ... يخفى وليس الظّنّ بالكاذب
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في مشط:
أفدي بهاء الدين من فاضلٍ ... في النّظم لم يخرج عن الواجب
ألغز في شيء غدا حمله ... على رؤوس الناس في الغالب
تراه لا تضحك أسنانه ... يا حسنه من أصفرٍ شاحب
كم غاص في ليل شبابٍ وكم ... قد لاح في صبح من الشايب
وكتب هو إلي ملغزاً:
وصاحب مكرّمٍ ... ينعته من وصفه
يجود بالنّفع على ... من دهره ما عرفه
وليس يكسى حلّةً ... إلاّ بها قد أتحفه
ولا يزال عارياً ... وبرده قد أنجفه
وعكسه مصحّفاً ... تقبيل ثغرٍ بشفه
فكتبت أنا الجواب، وهو في ميل:
هذا بهاء الدين لا ... يزال يبدي طرفه
ألغز في شيءٍ حكى ... من كلّ قدٍّ هيفه
وفيه من ذاك الذي ... حوشيته بعض الصّفه
بطول شبرٍ رأسه ... أملس رابي الهدفه
إن غاص في شقّ فما ... يبلّ إلا طرفه
وكتب إلي كثيراً من الألغاز والأحاجي وغير ذلك، وأثبت بعض ذلك في ألحان السواجع.
الحسين بن علي بن حمد الغزي


عز الدين أخو الحسن بن علي الغزي، تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه.
كان يعمل بيده عدة صنائع، ويتقن أشياء عرفه فيها ضائع، ومعروفه ضائع. وكان يلعب بالعود ويتقن نجارته، ويأتي فيه بأشياء إلا أنه لم تربح فيه تجارته، فإنه كان عثيرا، ولا يزال إلى معروف الناس فقيرا.
وكان ينظم نظماً مقاربا، ويكتب خطا ما وصل طبقة أخيه ولا ربا، وكتب في الدرج بعد وفاة أخيه وأقام مدة إلا أنه لم تشد في ذلك أواخيه:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
ولم يزل على حاله إلى أن توجه إلى مصر، فطعن بها وتردى برداء تربها.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثامن شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة.
كان هذا عز الدين أصغر من أخيه بدر الدين، كان يعمل بيده عدة صنائع ويعاني التصوير، ويصنع ذلك، ولم يكن في ذلك مجيداً، كما جود نجارة العود، فإنه نجز للأمير سيف الدين طقطاي الدوادار عوداً كان عجباً من العجائب، وكان يلعب بالعود، ووقفني مرة على مصنف، وضعه في الموسيقى.
وكان قد دخل بعد وفاة أخيه بدر الدين إلى ديوان الإنشاء بدمشق وأقام به في قلة محصول من معلومه وتأخره، إلى أن قطع الناس في أيام الوزير فخر الدين بن قروينه، وكان في جملة من قطع، ثم إنه يستكتب في الديوان على كتب القصص بغير معلوم.
وفي أيام القاضي جمال الدين بن الأثير منع من ذلك، فساءت حاله وتوجه في صحبة شمس الدين بن أبي السفاح إلى مصر، فطعن في يوم والثاني. وتوفي رحمه الله تعالى، وكان يكتب مقارباً وينظم كذلك.
؟

الحسين بن عمر

ابن محمد بن صبرة، مؤنث صبر: الأمير عز الدين.
كان من الأمراء بدمشق، وتولى بها الحجوبية، وهو من بيت له في السيادة سمو، ومن أصل له في الرياسة نمو، ومن قبيل لهم في المكارم رواح وغدو.
وعمر إلى أن بلغ الثمانين، ووقف جواد عمره الركض في تلك الميادين، نقل في آخر عمره إلى طرابلس على إقطاع ضعيف، وخبز ما يشبع من أكله وحده من غير مضيف.
ولم يزل بها إلى أن فقد الصبر ابن صبره، ونزل بعد بلوغ الثريا قبره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة خمس عشرة وسبع مئة.


وكان أولاً بدمشق حاجباً مدة، وولي الصفقة القبلية عوضاً عن الرستمي في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة إلى أن نقل آخر عمره إلى طرابلس على إقطاع ضعيف، فكثر الدين عليه وساءت حاله وقل ماله، وكانت نقلته إلى طرابلس في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أنشدني لنفسه إجازة العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود ما كتبه إلى الأمير عز الدين بن صبره لما كان بطرابلس:
سلوا عنّي الصّبا فلها بحالي ... وحمل رسائل العشّاق خبره
لتخبركم بأنّي حيث كنتم ... حليف صبابة بكم وعبره
وإني في البعاد وفي التداني ... وحيث حللت عبدٌ لابن صبره
أميرٌ هام بالإحسان وجداً ... به فكأنه من حيّ عذره
تواضع كالنجوم دنت سناءً ... لنا وعلت فأعلى الله قدره
من القوم الأولى كرموا حدوداً ... وآباءً وأعماماً وأُسره
فللدنيا بهم شرفٌ وفخرٌ ... وللإسلام تأييدٌ ونصره
إذا ضنّ الحيا خلفت نداه ... أكفّهم فعاد العسر يسره
أتيت دمشق إذ جازت إليها ... كتائب من أعزّ الله نصره
وكان مجرّداً وفقدت حظّي ... برؤيته وعدت بألف حسره
أعزّ الدّين دعوى ذي دعاءٍ ... يواليه لكم سرّاً وجهره
تذكّر عصر أُنسٍ في حماكم ... أتى وقضى فحيّى الله عصره
وسطّرها وماء الدمع منكم ... إذا ما خطّ سطراً بلّ سطره
هجرت دمشق فالورقاء تبكي ... أسىً وعلت على الأوراق صفرة
وجئت الثغر تكلؤه وتحمي ... سواحله سطاً وتصدّ بحره
فخار لك المهيمن في رباط ... أقمت بساحتيه فحزت أجره
فلا زالت جيادك حيث سارت ... تسايرها السعادة والمسرّه
فحيث حللت كنت رفيع قدرٍ ... لراجيه على الإحسان قدره
الحسين بن محمّد
ابن الحسين محمد بن الحسين بن زين الحسين بن مظفر بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله العوكلاني، بالعين المهملة المفتوحة والواو الساكنة، وبعدها كاف مفتوحة ولام ألف، ونون وياء النسبة: ابن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
القاضي الكاتب الناظم الناثر شهاب الدين أبو عبد الله الحسيني المعروف بابن قاضي العسكر، موقع الدست الشريف بالقاهرة.
إن نظم قلت: البحر يلتطم، وإن نثر قلت: السيل يحتد ويحتدم كأنه يترسل، ومترسل يتوصل بالبلاغة ويتوسل، بديهته تسبق قلمه، ورويته تلحق بالدر كلمه، ذو نفس ممتد، وفكر محتد، وإنشاء معناه مبيض في خلال السطر المسود. كم أنشأ من تقليد، وكتب من توقيع نسخ بين دفتي التجليد، وقضي لذكره بالتخليد، وراسل إخوانه بكتاب ألقى إليه البيان بالإقليد، وولد معانيه الغامضة فتضرج خد البلاغة من توريد ذلك التوليد، وكان قد أنشأ شيئاً كثيراً، وخلد منه ما لا يعرف له نظيراً، وباشر كتابة السر في حلب، ولم تطل المدة حتى انقلب، فرجع إلى وطنه باختياره، وفرحت مصر بازدياده.
ولم يزل على حاله على وظيفته إلى أن تلاشى كيانه، وأودى بيانه، وسكتت الشقائق، وقرطست تلك الأسهم الرواشق.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شعبان يوم الاثنين سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
وسألته عن مولده فذكر أنه في سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقاهرة في سويقة الصاحب.

اجتمعت به ورافقته في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل، وبدمشق لما قدم متوجهاً لكتابة سر حلب، وأنشدني كثيراً من نظمه إلى الغاية، وأسمعني من إنشائه ما يزيد على الوصف، ورأيته يكتب وهو ينشي ما يكتبه، وينشدني من شعره غير ما يكتبه، وكان مطيقاً على فني النظم والنثر، له قدرة تامة. كتب بديوان الإنشاء من التقاليد والتواقيع شيئاً كثيراً إلى الغاية. وأجاز لي، على ما ذكره من لفظه، الشيخ شرف الدين الدمياطي وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد والأبرقوهي. قال: وحفظت التنبيه وبحثته، واشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي، ورسم له بالتوقيع بين يدي السلطان الملك الكامل شعبان في سنة ست وأربعين وسبع مئة عوضاً عن القاضي زين الدين محمد بن الخضر لما خرج لكتابة سر الشام، وكان بيده خطابة وتدريس فيما أظن.
وكتبت إليه من رحبة مالك بن طوق:
ما لقلبي عن حبّكم قطّ سلوه ... كلّ حالٍ منكم لدى الصبّ حلوه
إن بخلتم حاشاكم بوفاءٍ ... أو ثنتكم بعد التّعطّف قسوه
فلكم قد قضى وما نقض العه ... د محبٌّ ولي بذلك أُسوه
يا ابن بنت النّبي قل لي وقولي ... يا بن بنت النبي أفضل دعوه
هل بدا في الوفاء منّي نقضٌ ... أو جرى في الحفاظ منّي هفوه
فعلام الإعراض والصّدّ عمّن ... لم يجد في سوى معاليك صبوه
كيف أنسى ساعات وصل تقضّت ... وبعطفي منها بقيّة نشوه
ما خلت خلوة ولم ألق فيها ... من عذارى حديثك العذب جلوه
حيث لي من حديثك النظم والنث ... ر متى ما أردت كاسات قهوه
ومعانٍ كالحور زفّ حلاها ... منطقٌ تشخص الأفاضل نحوه
كان في مصر لي بقربك أنسٌ ... عن أُناسٍ لهم عن الخير نبوه
وأرى رقّة الحواشي التي عن ... دك تغنى عمّن غدا فيه جفوه
وإذا ما أتيت ألفيت صدراً ... منك لي في حماه حظٌّ وحظوه
واقتعدت الفخار بين البرايا ... وتسنّمت في السّيادة ذروه
وأرى أن لي إذا زرت أرضاً ... أنت فيها التشريف في كلّ خطوه
كيف لا والولاء في قومك الغرّ ... أراه في الدين أوثق عروه
منيتي أن أرى حماك بعيني ... لا أراك الحمى ولا دار علوه
آه لو تنصف الليالي إذ ما ... حكمت بالبعاد من غير عنوه
أو لوانّ الفراق يقبل مني ... في اقتراب الدّيار من مصر رشوه
يا زماناً بمصر ولّى حميداً ... هل يجيب الإله لي فيك دعوه
فكتب إلي الجواب عنها تسعةً وستين بيتاً:
أنسيم الصّبا على الروض غدوه ... سحبت ذيلها على كلّ ربوه
وسرى لطفها إلى الدّوح فارتا ... ح فكم رنّحت معاطف سروه
أم سقيط النّدى على الورد كاليا ... قوت إذ يجعل اللآلئ حشوه
أم تثنّي الغصون في حلل الزّه ... ر سقاها السحاب كاسات قهوه
أم مسيل المياه بين رياضٍ ... بنضار الأصيل أمست تموّه
أم غناء الحمام غرّد في البا ... ن وأضحى به يرجّع شدوه
أم نجوم السماء زهرٌ أم البد ... ر منيرٌ أم مشرق الشمس ضحوه
أم وصال الحبيب بعد صدودٍ ... فأتى ذا لذا فأسرع محوه
أم حديث العذيب يعذب في ك ... ل لهاةٍ لمن تذكر لهوه
أم كتابٌ قد جاءني من خليلٍ ... بارع فالخليل لم ينج نحوه
رحب باعٍ لرحبة الشام وافى ... ذو وفاء وعفّة وفتوّه
سامقٌ فوق هضبة المجد والع ... ز سبوق لم يدرك الناس شأوه
ناظمٌ ناثرٌ بليغٌ بديعٌ ... ماهرٌ باهر المقالة أفوه
حيثما حلّ في الممالك حلّى ... وغدا وارداً من الحمد صفوه

بعد حولين قد أتاني فأهلا ... وحباني عذب الكلام وحلوه
وعناني من عبد دارٍ ولكن ... غصبته أيدي الحوادث عنوه
وأرادوا حمول ذكري فغاروا ... منه لمّا أعلى بذكري ونوّه
حجبوه عني فأظهره الل ... ه لعيني، أتحجب الشّمس هبوه
منها:
يا صلاح الدين البديع نظاماً ... والذي من انشائه لي نشوه
لا تلمني على تأخّر كتبي ... إذ ألمّت بحدّ ذهني نبوه
كنت في شدّةٍ وقد فرّج الل ... ه ونجّى، فصرت منها بنجوه
منها:
أنا سبط النّبي وابن عليّ ... شرفٌ باذخٌ لأرفع ذروه
وإذا ما اعتراني الدّهر بالعد ... وان أمسكت منهما أيّ عروه
وطلب مني بشتا أسود، فجهزته إليه وكتبت معه:
يا سيّداً ما زال يدعى سيّدا ... حاز المكارم والعلا والسّؤددا
شرّفتني بأوامرٍ دأبي لها ... مهما أتى مرسومها أن أسجدا
وطلبت بشتاً أسوداً من جلّقٍ ... ولو اقتصرت لبست حظّي الأسودا
لبس العباءة والعيون قريرةٌ ... خيرٌ من الحلل الحرير مع الرّدى
فألبسه فضفاض الذيول حكى دجا ... لوناً فوجهك فوقه ليلٌ بدا
فكتب الجواب عن ذلك:
حيّا دمشق وأهلها غيث النّدى ... وسقى معاهدها الحيا متعهّدا
دارٌ خليل الصدق ساكن ربعها ... ما عنه منّي بالرّضا أن أبعدا
الفاضل المتفضّل الحبر الذي ... جمع المحاسن كلّها متفرّدا
الناظم العقد الفريد قريضه ... والناثر الدرّ النّفيس منضّدا
والكاتب الحسنات في صحفٍ له ... بيضٍ لها اسودّت وجوهٌ للعدى
الصاحب المولي الجميل صحابه ... متفضلاً متطوّلاً متودّدا
وصلت وصلت إليّ منك عوارفٌ ... قرباً وبعداً برّها لن يفقدا
وأتى إليّ البشت مقترناً بما ... لك من يدٍ بيضاء كم وهبت ندى
صوفٌ به لذوي الصّفاء تلفّعٌ ... شعرٌ شعار من اغتدى متعبّدا
قد جاء من جهة الصلاح محبّذا ... هو من لباس تقي به قد أسعدا
قد قمت في ليل الشّتاء به إلى ... ربّ السّما أدعو له متهجّدا
قلت: وبيني وبينه مكاتبات كثيرة ذكرتها في كتابي ألحان السواجع.
الحسين بن محمد بن عدنان


تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه أمين الدين جعفر بن محمد، هو الشريف زين الدين الحسيني بن أبي الجن.
كان كاتباً مشهورا، وفاضلاً في أهل الاعتزال مذكورا، فارس جلاد وجدال، ومقام في انتصار مذهبه ومقال. خدم بكرك الشوبك زمانا، ونقل إلى دمشق فوفى لها بالسيادة ضمانا، وتنقل في المباشرات، وتنفل بعد الفرض في المعاشرات، وولي نظر حلب، وجلب إليها من السيادة ما جلب، ثم إنه ولي نقابة الأشراف بدمشق، ونظر الديوان، وجلس في دسته كأنه كسرى في الإيوان، ولما وصل غازان إلى دمشق، واستحوذ عليها ووصل بغول المغول إليها دخل في تلك القضيه، وجبى الأموال من الرعيه، ولما نصر الله الإسلام، ورفع ما كان تنكس منه من الأعلام عوقب الشريف وضرب، وسجن وسحب، وصودر هو وأخوه الشريف أمين الدين، وأخذ منهما جمله، ومزق الله سعدهما وشت شمله. ثم طلب زين الدين إلى القاهرة، ودامت شدته متظاهره، فطلبه الأفرم مرات ليحاققه، ويبصر إن كان الحق معه ليوافقه، فلما أرسل إليه ولاه نظر ديوانه، وألقى إليه من أمره فضل عنانه، وولاه أيضاً نظر الجامع وغيره، ثم إنه عاد إلى مدرج طيره.
ولم يزل على حاله إلى أن شخصت عينه، ووافاه حينه.
وتوفي في سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبع مئة.


وهو، رحمه الله، والد السيد علاء الدين نقيب الأشراف. وكان الأفرم قد ولاه نظر ديوانه عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في جمادى الأولى سنة ثمان وسبع مئة، ولما مات كان بيده نظر ديوان الأفرم، ووكالة الأفرم، ونظر الجامع، وبقي في ذلك مدة يسيرة نحو خمسة أشهر، وتوفي رحمه الله تعالى وعمره نحو خمسة وخمسين عاماً، وتولى نظر الجامع بعده القاضي شرف الدين بن صصرى، وكان قد ولي نقابة الأشراف في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبع مئة.
الحسين بن محمد بن إسماعيل


الشيخ الجليل الزاهد العابد الكبير نجم الدين أبو عبد الله القرشي المعروف بابن عبود.
كانت له وجاهة في الدولة عظيمه، ومكانة دونها النجوم التي تزين الليالي البهيمه، إذا قام في أمر كان به أقعد من الوزير، وأنفذ فيه من الأسد إذا يزير، خبيراً بطرق السعي، قديراً على ما يرويه لما لعهوده من الرعي، وهو الذي قام في ولاية الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد حتى تولى القضاء وألزمه بقبول ذلك الضيق بعدما كان فيه من الفضا، لأنه ما زال وجيهاً في الدول، معظماً عند الملوك الأول.
ولم يزل على حاله إلى أن أفل نجمه فما طلع، ولحق الناس ما لحقهم عليه من الهلع.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة الجمعة ثالث عشري شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة وقد جاوز السبعين. وحضر جنازته جمع عظيم، وقام بالمشيخة بعده في الزاوية ابن أخيه الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ بدر الدين حسن، وزاويتهم في القرافة مشهورة.
الحسين بن محمد بن عمر



ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن هلال، الصدر الأصيل معين الدين أبو علي بن الشيخ الصدر الكبير عماد الدين بن هلال الأزدي الدمشقي.
سمع من ابن أبي اليسر، وأبي بكر بن محمد النشبي، وسعد الدين بن حمويه، والمسلم بن علان، وابن شيبان، والرشيد العامري، وجماعة.
وحدث. وكان يشهد على الحكام وهو منقطع عن الناس. فيه مروة وإحسان، وكرم ومعرفة بالأمور.
توفي رحمه الله تعالى ثاني عشر جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
حسين بن محمد بن قلاوون



الأمير جمال الدين ابن السلطان والملك الناصر بن السلطان الملك المنصور.
كان من أولاد السلطان الملك الناصر، ولم يتول الملك، وهو آخر أولاد السلطان موتاً فيما أظن، وخلف أموالاً عظيمة، وكان الناصر حسن وغيره من إخوته يخافونه.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وسبع مئة.
وكانت تختلف عليه الأحوال؛ تارة يكون أمير مئة مقدم ألف، وتارة أمير طبلخاناه.
أبو الحسين بن محمود



ابن أبي الحسين بن محمود بن أبي سعيد بن أبي الفضل بن أبي الرضا: الإمام جمال الدين الربعي البالسي.
كان قد أم بالشجاعي مدة، وترقى إلى أن أم بالسلطان الملك الناصر محمد من سنة ثمان أو سنة تسع وتسعين وست مئة إلى حين وفاته. وكان أكبر الأئمة.
وكان شيخاً فاضلاً عالماً، برياً من الكبر سالماً، كثير التلاوة للقرآن، حسن الأخلاق مع الأصحاب والإخوان، كتب بخطه الكثير، من ذلك كشاف الزمخشري، تفسير القرآن الكريم.
وكان حسن الخط، جيد الضبط، قسم أوقاته ما بين التلاوة والذكر والتسبيح والمطالعة وكتابة العلم. وكان يتهجد كثيراً.
وقرأ بالسبع على الشيخ برهان الدين المالقي. وقرأ عليه مختصره للمقرب بحثاً، وحفظ أكثره.
وقدم القاهرة سنة ستين وست مئة، وأقام بها إلى أن توفي بها بمنزله في درب الأتراك، في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده ببالس سابع عشر شهر رجب سنة ست وأربعين وست مئة.
قال شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي: سألته عن اسمه فقال اسمي كنيتي، وهكذا سماني والدي.
قلت: وتزوج شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس ابنته فيما أظن.
الحسين بن يوسف بن المطهر



الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون، جمال الدين بن المطهر الأسدي الحلي المعتزلي.

عالم الشيعه، والقائم بنصرة تلك الأقاويل الشنيعه، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته، ودلت على كثرة أدواته، وكان ريض الأخلاق حليما، قائماً بالعلوم العقلية حكيما، طار ذكره في الأقطار، واقتحم الناس إليه المخاوف والأخطار، وتخرج به أقوام، ومرت عليه السنون والأعوام، وصنف في الحكمه، وخلط في الأصول النور بالظلمه، وتقدم في آخر أيام حزابندا تقدماً زاد حده، وفاض على الفرات مده.
وكان له إدارات عظيمه وأملاك لها في تلك البلاد قدر جليل وقيمة، ومماليك أتراك، وحفدة يقع الشر معهم في أشراك.
وكان يصنف وهو راكب، ويزاحم بعظمته الكواكب. ثم إنه حج وانزوى، وحمل بعد ذلك الرهج وانطوى.
ولم يزل بالحلة على حاله إلى أن قطع الموت دليله، ولم يجد حوله من حوله حيله.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر الله المحرم سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وقيل: سنة ست وعشرين وسبع مئة، وقد ناهز الثمانين.
ومن تصانيفه شرح مختصر ابن الحاجب، وهو مشهور في حياته وإلى الآن، وله كتاب في الإمامة رد عليه العلامة تقي الدين بن تيمية في ثلاث مجلدات كبار، وكان يسميه: ابن المنجس، وله كتاب الأسرار الحفية في العلوم العقلية.
حسين الموله التركماني


كان يحلق ذقنه، ويتركها فترى كأنها ظرف حقنه، ويمشي في الطرق حافيا، ولم يكن عن النجاسات متجافيا، وسخ الثياب دون الإهاب، يحدث نفسه، ويحرك رأسه، ويكثر الحلف بالله تعالى، وربما نطق بشيء من الغيب وتعالى، وبعض الناس اعتقد صلاحه، وبعض الناس ودلو أغمد فيه سلاحه.
الألقاب والأنساب



الحصيري: نظام الدين أحمد بن محمود.
الحظيري: شمس الدين عبد القادر بن يوسف بن حشيش علم الدين مسعود بن أبي الفضل، وولده معين الدين هبة الله.
أبو حفص



الشيخ زين الدين قاضي القضاة المالكي بحلب.
كان رجلاً معدوداً برجال، وخصماً لا تثبت له الخصوم في مجال، ولا يقعقع له بالشنان، ولا يولي الدبر من بارقه سيف ولا لمع سنان، يطلب ولا يني فتورا، ويدأب ليله ونهاره على التقدم، ولا يراه الدهر ضجورا. تقدم من غير علم بسعيه، وخدم الناس حتى التزموا بحقه ورعيه.
ما زال يسعى إلى أن قال حاسده ... له طريقٌ إلى العلياء مختصر
ولي القضاء بحلب، وتوجه إليها في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها قاضي القضاة إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وجاء الخبر إلى دمشق بموته في أوائل شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وثور في هذه المدة نعمةً طائلة، وحصل كتباً كثيرة. وكان في أول حاله بدمشق أميناً في طواحين الأشنان، ثم إنه بقي يخدم كتاب الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب دمشق، فيستخدمونه في الأمانات على بيوع حواصل الأمير، ثم جلس في حانوت الشهود، وبقي يتوجه في كل سنة صحبة بدر الدين الغزي إلى القدس شاهداً على حاصل قمامة. ولما عزل القاضي شهاب الدين الأرتاحي المالكي من قضاء حلب شرع يسعى في المنصب والناس يعجبون منه إلى أن ورد المرسوم بتوجهه إلى حلب.
وقلت أنا فيه:
اجهد ولا تقتصر يوماً على طلب ... فالشّهم من لم يقف في السعي عند طلب
هذا أبو حفص مع جهل يؤخّره ... سعى إلى أن غدا قاضي قضاة حلب
الألقاب والأنساب



ابن أبي حليقة: علم الدين رئيس الأطباء بمصر إبراهيم ابن أبي الوحش.
ابن الحلبي: القاضي بهاء الدين ناظر الجيش بمصر عبد الله بن أحمد، وولده القاضي فخر الدين ناظر جيش دمشق محمد بن عبد الله.
والحلي: صفي الدين الشاعر عبد العزيز بن سرايا.
والحلي الرافضي: علي بن حسن.
حمادالمقرب الحلبي



ابن الشيخ الصالح الزاهد العابد المقرئ البركة المقرب الحلبي.
كان هذا الشيخ حماد لله وليا، وبكل خير مليا، جاهد دنياه وسلاحه صلاحه، وجاهر أولاه بالإعراض عن زخرفها فلاح فلاح فلاحه، وعمل على النجاة في أخراه فركب طريقها، وصحب أهلها ورافق فريقها. أنوار الصلاح عليه تلوح، وأرج الولاية من أردانه يفوح.
ظهرت له أحوال وكرامات وقام ليله فالتهجد عاش والكرى مات، وصام نهاره وأوقاته كسب وهي للبطال غرامات. جانب ما يدعى بدعا، وحارب شهوات نفسه ورعى ورعا.


زرته في جامع التوبه، وما كادت تصح لي نوبه، واجتهدت على الثانية، فما اتفق لي إليه أوبه، ورأيت منه رجلاً قد أعرض عن العرض الفاني، وأمسك الجوهر الباقي، وترك الدني الداني، وحصلت لي منه بركات، ووصلت إلي بسببه حركات.
وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يعظمه ويعترف بصلاحه، ويشهد باعتزاله عن الناس وانتزاحه، ويتحقق أنه ممن نأى عن الناس وطار بجناح نجاحه. وحسبك بمن ثبت نضاره على ذلك المحك، وأصغى لحديثه وما قطعه من حيث رق ولا رك.
ولم يزل على حاله إلى أن آثر الله لقاءه، ورأى انتقاله إليه وانتقاءه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين وسبع مئة بدمشق في عشري شعبان.
وكان الشيخ حماد قد ورد من حلب ونزل بظاهر دمشق على رجل من الأولياء بمرج الدحداح، ثم إن الشيخ حماداً انقطع بجامع التوبة يقرئ القرآن تبرعاً، لا يأخذ عليه أجرةً غير الأجر، وكان لا يزال متوجهاً إلى القبلة على طهارة كاملة، لا يبل لأحد شيئاً إلا من قوم قد صحبهم ووثق بهم وعرف ما هم عليه، وهو مستمر الصيام الدائم والاعتكاف الدائم والتلاوة، هذا وقد جاوز التسعين.
ولم يكن يدعي ولا يفتخر، وكان إذا اضطر إلى ذكر شيء من حاله، قال: كان فقير، أو حكى لي فقير، ولا يصرح بذكر نفسه أبداً، ورأيته وعلى جسمه بلاس شعر تحت القميص، وهو شيخ قد أفنته الليالي والأيام وأنحلته العبادة والمجاهدة، وكانت له جنازة عظيمة إلى الغاية.
ابن حماد: محمد بن إسماعيل.
ابن حماد: خطيب حماة: يوسف بن أحمد.
ابن الحمامية: مسعود بن سعيد.
حمزة بن أسعد


ابن مظفر بن أسعد بن حمزة: الصدر الكبير الرئيس الصاحب عز الدين بن مؤيد الدين بن مظفر ابن الوزير مؤيد الدين أسعد القلانسي التميمي الدمشقي.
كان رئيس الشام وعلم الأعيان، وعين الأعلام، ذا رأي وبصيره، ويد لم تكن في المكارم قصيره. جرى في السيادة على أعراقه، وترنح في روض الرياسة كالغصن في أوراقه، له تجارب، وله غوص في الشدائد إذا نزلت به ومسارب، قد لبس الزمان، وعرف الإخوان، وقالب الدول، وصور بين عينيه سيرة الملوك الأول، صاحب حزم، ورب همة وعزم، وأخا خبرة ودهاء، ومعرفة وذكاء، وافر العقل، يتحرى الصواب إذا ورد عليه النقل. له في مصر والشام وجاهه، والملوك ومن دونهم يعرفون قدره وجاهه، لا ترد له شفاعه، ولا يجلس في مكان إلا توخى رفاعه. أملاكه يعجز عن نظيرها الملوك، وأمواله وجواهره تضيق بها الصناديق والسلوك. قدم أناساً كثيرين واستخدمهم، وبرقعهم بالرياسة وقدمهم.
ولم يزل على حاله إلى أن لبد الموت عجاجته، وكدر مجاجته.
وتوفي رحمه الله تعالى سادس ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
سمع من ابن عبد الدايم، والرضي بن البرهان، وابن أبي اليسر.
وحج مرتين.
وحدث بدمشق والحجاز، وكان قد توجه إلى مصر، واجتمع بالنائب والسلطان وخلع عليه، وعاد في شهر رمضان سنة أربع وسبع مئة، وتوجه أيضاً إلى مصر، وعاد في شهر رمضان سنة ست وسبع مئة، ومعه أمين الدين بن القلانسي، وخلع عليه بطرحة.
وفي ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة لبس خلعة الوزارة بدمشق، وكتب في تقليده: الجناب العالي كما يكتب للنائب تعظيماً له.
وأوقع الحوطة عليه الأمير سيف الدين كراي نائب الشام، وعلى جماعة من غلمانه في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، واستمر في الترسيم أكثر من شهرين. وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى من السنة.
أحضره كراي وادعى عليه بريع الملك الذي أشهر عليه القاضي نجم الدين الدمشقي ببطلان بيع الملك الذي اشتراه من تركة قلاوون في المرثا والسبوحة والفضالية، لكونه بدون قيمة المثل، ولعزل الوكيل الذي صدر منه البيع قبل عقد البيع، ولوجود ما يوفى منه الدين غير العقار، وفيما بعد ذلك أمسك كراي، وخرج الصاحب عز الدين من الاعتقال في يوم الخميس ثالث عشري جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة من دار السعادة إلى الجامع، وصلى الظهر، وتوجه إلى داره، ووقف له الناس في الطرق، وأوقدوا الشموع.


ثم إنه عاد وجلس بدار الحديث أكثر من عشرين يوماً، إلى أن وصل نائب السلطنة الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، ثم إنه وصل تقليده بإعفائه من الوزارة، واستقراره في وكالة السلطان، وتوجه إلى الديار المصرية، وغاب شهراً، وعاد على يده كتب السلطان بأنه باق على وكالته، وأن القضاة يحترمونه ويسمعون كلامه، والإنكار لما ثبت عليه وأن ذلك لم يأذن فيه السلطان، وذلك بإعانة القاضي كريم الدين الكبير.
وخلع عليه في سابع عشري الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة باستمراره على نظر الخاص، وعلى الصاحب شمس الدين غبريال بنظر الوقف المنصوري، وخلع على شهاب الدين أحمد بن قطنبة التاجر بوكالة الخاص الشريف.
حمزة شمس الدين التركماني


الوافد من الشرق، كان ظالماً غاشماً، هادماً لمباني الخير هاشماً، له جرأة وإقدام، ومحبة في تلاف النفوس والإعدام.
تقرب إلى الأمير سيف الدين تنكز بحيله الدقيقه، وأصالته في المخازي العريقه. لم تمسكن، وتركن لما سمن بعد الهزال وتعكن، فخرب بيوتاً وزاد متزلزل الشر ثبوتا. وصار يركب في البريد ويفعل في مصر والشام كل ما يريد.
وصار يتحمل المشافهات بين تنكز والسلطان، ويحي إليهما من أذى الناس ما لا يوسوسه الشيطان ودخل معهما في عظائم، وحرك ما كان ساكناً من النمائم، وبدل النسمات العليلة بالسمائم، وآذى أناساً بكت عليهم الغمائم وناحت الحمائم، ولو دام أمره شهراً آخر أهلك الحرث والنسل، ونقل المناصب الجليلة من الكفء الكريم إلى اللئيم الفسل. ولكن أخذه الله من مأمنه. وأثار إليه الشر والهلاك من معدنه، فقطعت أربعته ولسانه، وتنوع قبل ذلك عقابه وذله وهوانه.
وكان هلاكه في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
كان في أول أمره قد وفد من تركمان الشرق، واتصل بخدمة الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولم يزل يحتال بكل حيلة إلى أن بقي يصغي إلى كلامه، ويقبل عليه بوجهه، وأظهر عليه معرفة بلاد التتار، فسيره مرة إليها، وأمره أن يشتري له من هناك جارية، فأحضرها فأعجبته ووقعت من قلبه، وصارت حظيته، وصار بعد ذلك يستمر عنده بالليل، وينفرد به، وكان عنده كتاب شاه نامه في أخبار الفرس، فصار يحفظ من ذلك في النهار ويورده عنده في الليل، وتكرر منه ذكر رستم في تلك الحكايات، وكان يسميه رستم، ثم إنه أخذ في الحط على ناصر الدين محمد بن كوندك دواداره، وهو ما هو عنده من التمكن والمحبة وعلو المكانة، ويذكر جماعته الذين في خدمته، وقرر عندهم أموراً وهم غافلون عنها، إلى أن تحقق بعض ما أوحاه إليه، فعظم ذلك عنده وتمكن حمزة. ولم يزل إلى أن عقر الدوادار، وعمل على قتل علي بن مقلد حاجب العرب، وأبعد الدوادار.
وانتقل منه إلى القاضي شرف الدين أبي بكر بن الشهاب محمود كاتب السر وكان عنده جزءاً لا يتجزأ، وعلى علاء الدين بن القلانسي ناظر ديوانه، وعلى قاضي القضاة جمال الدين بن جمله، وعقر جماعة من البريدية وغيرهم، وتقدم، وصار في رتبة ناصر الدين الدوادار، وصار يروح إلى مصر في البريد ويجيء، ويتحمل المشافهات من السلطان إلى تنكز ومن تنكز إلى السلطان.


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 14 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:42 AM ]


وعمل بعد ذلك على جماعة من مماليك تنكز وخواصه الأقدمين، وأبعدهم ونفاهم، ولم يبق عنده أحد في مرتبته، وتمرد وتجبر، وطغى وتكبر، وظلم وبالغ في العسف والجور، وعمر حماماً عند القنوات وشيده وزخرفه، فكثرت الشكاوى عليه في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. فتنمر له الأمير سيف الدين تنكز وسجنه وعذبه، ورماه بالبندق الرصاص وهو واقف قدامه عريان، لأنه هو كان يشير عليه بذلك، فذكر هذه العقوبة ولم يستعملها إلا في حقه حتى تورم، وعمل النساء قماشاً لبسنه في ذلك العصر وسمينه بندق حمزة، وما رق له أحد من سوء ما عامل به الناس. ثم إنه نقله من حبس القلعة إلى حبس باب الصغير مدة، ثم أفرج عنه، ثم بلغه عنه كلمات سوء في حقه، فبعث به إلى مغارة زلايا، فقطع هناك لسانه من أصله، وقطعت يداه ورجلاه فيما قيل، وأصبحت جمرة حمزة رمادا، وبلغ الله عدوه فيه مرادا! وكانت مدته دون السنتين أو ما حولها، وله في الظلم والجبروت والفرعنة حكايات، وجد الجزاء عن بعضها في الدنيا.
حمزة بن شريك


الأمير شمس الدين التركماني، المقيم بالقبيبات، أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق.
حج بالركب في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وهي السنة التي حج فيها الأمير سيف الدين تنكز.
وتوفي شمس الدين حمزة هذا في ثالث شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وجاء الأمير سيف الدين خاص ترك على إقطاعه.
الألقاب والأنساب


الحمصي: الأمير علم الدين سنجر.
حمص أخضر: الأمير سيف الدين طشتمر نائب حلب وصفد ومصر.
ابن حمويه: إبراهيم بن محمد.
حميد بن عيسى


الأمير شهاب الدين أخو الأمير سيف الدين بن فضل.
ورد كتاب الأمير رمله بن جماز في شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة أن عرب الحجاز قتلوه.
وكان رحمه الله تعالى أعور.
ابن حميد: ناظر الجيش، شمس الدين أبو طالب.
حميضة


بالحاء المهملة وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها ضاد معجمة: كان أمير مكة، ولقبه عز الدين. وهو ابن الأمير الشريف أبي نمي صاحب مكة.
وكان حميضة هذا قد خرج عن طاعة السلطان، وعصى عليه، وآثر اتباع الشيطان. فولى السلطان أخاه الأمير سيف الدين عطيفه، وحرم جفنه أن يرى طيفه. وبقي حميضة في البرية مشردا، وأمره بين الشر والفساد مرددا، والطلب يضيق عليه الخناق، ويسد عليه فضاء الآفاق، وأهل مكة خائفون من شره، طائفون بالكعبة هرباً من خبث باطنه وسره.
وكان في السنة الماضية قد هرب من مماليك السلطان الملك الناصر محمد لما حج ثلاثة نفر فلحقوا به، وأقاموا عنده، ثم تبين لهم منه أنه ربما يرسلهم إلى السلطان، فقتلوه في وادي بني شعبة، وحضروا إلى مكة، فقيدوا الذي تولى قتله، وجهزه عطيفة إلى السلطان، فقتله به.
وكانت قتلة حميضة في جمادى الآخرة سنة عشرين وسبع مئة.
وكانت قد جرت بينه وبين أخيه أبي الغيث وقعة، فخرج أخوه أبو الغيث، ثم إنه ذبح بأمر أخيه حميضة في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وكان السلطان قد جرد إليه عسكراً، فلما أحس بذلك في ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبع مئة نزح قبل وصولهم بستة أيام، وأخذا المال النقد والبز، وهو مئة حمل، وأحرق الباقي في حصنه الذي له بالجديد، وبينه وبين مكة ثلاثة أيام، وقطع ألفي نخلة، والتجأ إلى صاحب الحليف، وهو حصن بينه وبين مكة ستة أيام، وصاهره، فلحقه العسكر، وواقعوه، وأخذوا جميع مال حميضة، وأحرقوا الحصن وأسروا ابن حميضة، وسلموه إلى عمه رميثة.
واستقر رميثة أمير مكة، ولحق حميضة بالعراق، واتصل بخربندا، وأقام في بلاده أشهراً، وطلب منه جيشاً يغزو بهم مكة، وساعده جماعة من الرافضة على ذلك، وجهزوا له جماعة من خراسان، فما اهتموا بذلك حتى مات خربندا، وبطل ذلك.
وكان الدلقندي الرافضي قد قام بنصرته، وجمع له الأموال والرجال على أن يأخذ له مكة، ويقيمه بها، ثم إن محمد بن عيسى أخو مهنا هو وجماعة من العرب وقعوا على حميضة وعلى الدلقندي، فأخذوا ما معهما من الأموال، ودثر حميضة. وكان محمد بن عيسى له مدة في بلاد التتار قد خرج عن طاعة السلطان فحضر عقيب ذلك إلى بلاد الإسلام، فرضي السلطان عنه لذلك.
الألقاب والأنساب


ابن حنا: الصاحب تاج الدين محمد بن محمد. وشهاب الدين أحمد بن محمد.
ابن حلاوات: موقع طرابلس عمر بن أحمد.
حينئذ: محيي الدين عبد القادر بن أحمد.
الحيسوب: جمال الدين الكاتب عبد الكافي بن عثمان.
ابن أبي الحوافر: بهاء الدين علي بن عثمان. وجمال الدين عثمان بن أحمد.
الحيالي: محمد بن شرشيق.
ابن الحيوان: يوسف بن موسى.
الحوراني: المنشد سليمان بن عسكر. والمحدث يوسف بن محمد.
حرف الخاء


خاص ترك

الأمير سيف الدين الناصري.
كان عند الملك الناصر في الدفعة الأولى والخواص الذين حضروا معه من الكرك، ولهم عنده اليد الطولى.
وكان شكلاً حسناً، تام الظرف، حلو الوجه، أبيض الثغر، أسود الطرف، له قد يقول الرمح إذا رآه: هذا الأسمر ما أذبله ! وذؤابة حب القلوب تجمع فيها، فصارت سنبله. وكانت مع طوله تنزل شبراً عن الحياصه، وإذا خطر بها تهتك المتيم حتى يقول الحيا: صه.
وكان ريض الأخلاق زائد الحلم، لين الجانب في الحرب والسلم.
حضر إلى الشام قبل الثلاثين وسبع مئة، وأقام به إلى أن غرب بدر التمام، وبكى عليه حتى الغمام.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في يوم الخميس عاشر شهر رجب.

وكان قد زوجه السلطان بابنة الأمير سيف الدين سلار، ولما نزل من القلعة سكن في دار سلار بين القصرين، فأقام كذلك مدة، وجهزه إلى الشام أميراً. وهو والد الأمير صلاح الدين خليل أحد أمراء مصر والشام.
الألقاب والأنساب


الخازن: الأمير علم الدين سنجر. والأمير سيف الدين طقتمر. والأمير علاء الدين مغلطاي.
خالد بن المصنف المغني


كان فريد دهره، ووحيد عصره، يعرف علم الموسيقى، ويجيد الضرب بالدف، حتى كأن النغم والضرب له سيقا، قد ملك هذه الصناعة؛ فصارت له ملكه، واقتدر على أصولها وفروعها، وأتى فيها بما لا ذاقه الفارابي ولا علكه. لم أر في عمري مثل اقتداره على هذه الصناعه، ولا مثل سرعة تصنيفه إذا فتح فمه أو مد على الطار ذراعه. قد نظم له عقد هذه الصناعة سلكا، وحاز إرث ما في الأرتماطيقى ملكا. قد عرف النقرات، وما لها من أنس الطباع والنفرات، والأدوار وما لها في الطرب من الإدارات، وجلس في قاعات الإيقاعات، وظهر كالبدر في دارات الطارات.
كان يسافر مع الأمير سيف الدين تنكز في الصيود، وتضمنا وإياه تلك الأغوار والنجود، فننظم له المقطوع الشعر، ونلقيه عليه بما يراه من السعر، فيصنع له في الوقت لحنا، ألذ عند النحوي من إعراب لا يرى فيه لحنا، كأن الله سخر له هذا الأمر وخلقه وفق ذوقه، وجعل من تقدمه تحت تخت هو وحده من فوقه، فكم له ساذخ كله طراز، وكم له من قول ما لحقيقة أحد إليه مجاز. ونقل الناس عنه وإلى الآن أقوالاً معروفه، وسواذخ بالإتقان موصوفه، كل ساذخ كأنه قول أو شيء ما نسخ المتقدمون له على نول، لما فيه من الرنانات المختلفه، والإيقاعات المؤتلفه. ولقد رأيت بمصر جماعة من أرباب هذا الفن وأستاذيه، ومن يعرف هادي طريقته من هاذيه يعترفون له ويعظمونه، ويأخذون در قوله وينظمونه، وقالوا: هذا خالد، ذكره إلى يوم القيامة خالد، لأن علم النغم قال له دون الناس: نعم.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن حمل على عود المنايا، ولم يسمع الناس بعده شبابة ولا ناياً.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة تقريباً.
وقلت أنا في رثائه تضميناً:
قد مضى خالد المغنّي وولّى ... وعليه الدموع وقفاً جوار
كم له نوبة، وما كان فينا ... بأميرٍ، تدقّ في الأسحار
ولأقواله المطاعة يعنو ... كلّ من جاء باقي الأعصار
هكذا فلتكن أمارة من أت ... قن فناً وغيره ذو افتقار
رحمة الجنك والدفوف عليه ... وصلاة العيدان والمزمار
خالد بن إسماعيل بن محمد


القاضي الرئيس شرف الدين بن القيسراني المخزومي الشافعي، موقع الدست الشريف بدمشق، ابن القاضي عماد الدين - وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة وتمام نسبه هناك - وأخو القاضي شهاب الدين يحيى، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الياء.
كانت فيه رئاسة عظيمه، وسيادة تجلو ظلم الدياجي البهيمه، ومروءة تحمله ما لا يطيق، وعصبية يسير في طريقها مفرداً بلا رفيق، وكرم أنسى خالد به ذكر البرامكة الخالد، وأحيا بطارفه ميت مجده التالد، وقال له كل مؤمل: وبررتني حتى كأنك والد، وإقدام حتى على الأسود والأساود، يذوب عند شمسه الجليد، وشجاعة لا تنكر له فإن ممن ينسب إلى خالد بن الوليد.
وكان في ضميره من الترقي آمال، وله في ذلك نيات صادقة وأعمال، وعنده تشوف إلى وراثة ما لأسلافه من المناصب وله تطلع إلى ارتجاع ما سلبته الليالي بأيديها الغواصب، فحال بينه وبين الوصول إليها حلول أجله، ولم يفرح ذووه وأصحابه ببلوغ سؤله ولا نيل أمله:
تقول له العلياء لو كان نالها ... وجادل فيها من رآه يجالد
وهبت سراة الناس ما لو حويته ... لهّنئت الدّنيا بأنّك خالد
ولم يزل في توقيع الدست إلى أن وقع في المحذور، وأغمد القبر منه شبا السيف المطرور.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبع مئة، ودفن بالقبيبات في تربة الصاحب شمس الدين غبريال.
ومولده .. .

وكان والده رحمه الله تعالى لما قدموا إلى دمشق من حلب قد زوجه بابنة الصاحب شمس الدين غبريال، واحتفل به، ورتبه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، وذلك في سنة ثماني عشرة وسبع مئة أو ما قبلها، وقرر له معلوماً جيداً. ولما توجه الصاحب شمس الدين إلى نظر الدولة بالديار المصرية توجه معه، ولما عاد منها عاد معه إلى دمشق.
وكان مفرط الجود والكرم، تحمل للتجمل من الديون ما بهظه حمله وآده ثقله، لا تليق كفه درهما ولا ديناراً، غزير المروءة، شجاع النفس، كثير الإقدام على الأخطار، سلمه الله تعالى مرات من العطب لصفاء نيته، وحسن سريرته.
ولما ملك الفخري دمشق في نوبة ألطنبغا جعله كاتب سره، ونفع الناس وولاهم الوظائف، ولم يأخذ من أحد شيئاً. ولما صار الفخري في دمشق، وسكن القصر الأبلق ولاه وكالة بيت المال بدمشق، مع توقيع الدست. ولما توجهوا إلى مصر مع الفخري خرجت عنه للقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، ثم إنه في أيام طقزتمر جلس في توقيع الدست بدمشق.
وكان ينفع الناس قدام النواب، ويثني على من يذكر عندهم، لما عنده من المروءة والعصبية.
وكان يصحب الأمراء، وصحب الأمير فخر الدين أياز نائب حلب، ووقع بينه وبين يلبغا، وطلبه يوم الجمعة يوم هروبه من دمشق، ولو أظفره الله به وجد منه شراً كبيراً، ولكن الله سلم.
وصحب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي وهو في مصر. ولما صار في حلب نائباً استمر على صحبته إلى أن عمل نيابة الشام، ثم توجه لحلب ثانياً، ومنها إلى مصر، ولما حضر إلى القدس كان هو وكيله، وقصاده تنزل عنده، وتقضي أشغاله.
وكان فيه خدم للناس كلهم مع إيثاره الفقراء والصالحين، وقضاء أشغالهم وبرهم، وفطورهم في شهر رمضان عنده.
وكان قد قرأ القرآن، وحفظ المنهاج للنووي، وسمع على القاسم بن عساكر. وما رأيت أخطر من أمراضه، ولا أصح من جسمه مع كثرة أمراضه وعلله. ولما كان شاباً كان لا يزال أرمد، ثم لما تكهل كان يتبيع به الدم، فيثور به كل قليل، ويكاد يقتله ويخرج في وجهه أنواع من الماشرا والأمراض الدموية القتالة، وينجيه الله تعالى منها، إلى أن حصلت له قرحة، فأتت عليه، وطولت به قريباً من ثلاثة أشهر.
وكان فصيحاً في اللغة التركية كأنه فيها بلبل.
اللقب والنسب


الخالدي صاحب الديوان بالممالك القانية، أحمد بن عبد الرزاق.
ابن الخباز جماعة، منهم: المحدث نجم الدين إسماعيل بن إبراهيم. ومنهم: شمس الدين محمد بن عمر الحلبي الدمشقي. الختني بدر الدين يوسف بن عمر.
خديجة بنت زين عبد الرحمن


ابن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد المقدسية أم محمد، أم صلاح الدين، وزوج شرف الدين بن الشيخ شمس الدين الحنبلي.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روت لنا عن خطيب مردا، وسمعت من اليلداني، ومحمد بن عبد الهادي، وإبراهيم بن خليل، وابن عبد الدايم. وأجاز لها سبط السلفي، وجماعة.
وتوفيت رحمها الله تعالى في رابع عشري جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولدها تقريباً سنة سبع وأربعين وست مئة.
اللقب والنسب


ابن الخراط علي بن عثمان. ابن الخشاب صدر الدين أحمد بن عيسى. ابن الخشاب مجد الدين عيسى بن عمر. ومشد الدواوين محمد بن يحيى.
خضر بن بيبرس


الملك المسعود بن الملك الظاهر.
كان من أحسن الناس في الشكاله، وأحق من يجعل الحزن والبكا له، عاقلاً مهذباً، ساكناً مدرباً.
أبعد في البحر إلى الأشكري النصراني، وسلاهو وسلامش أخوه مصر، كأنما قالت: لا أراك ولا تراني، وأقام هناك إلى أن توفي أخوه، وعلم أنه قد قل بل عدم مصرخوه، فحضر بعد ذاك خضر، ورأى رونق مصر النضر. فقيل: إنه سقي السم، وعدم من النسيم الشم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
ولما مات كان في سن الكهولة، ووصل إلى مصر من بلاد الأشكري في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
وكان قد ملك الكرك بعد أخيه الملك السعيد، ثم اقتضت آراء الدولة تجهيزه مع أخيه العادل سلامش.
وفي هذا خضر قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر لما ختنه والده الملك الظاهر:
هنّئت بالعيد وما ... على الهناء أقتصر
بل إنها بشارة ... لها الوجود مفتقر

بفرحة قد جمعت ... ما بين موسى والخضر
قد هيّأت لوردكم ... ماء الحياة المنهمر
الخضر بن عبد الرحمن


ابن الخضر بن الحسين بن الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان: الشيخ الأصيل شمس الدين بقية المسندين الدمشقي الكاتب.
تفرد بأشياء من المرويات والأشياخ، وأسمع إلى أن خمد عمر جمره وباخ. وسمع منه خلق على ضعفه، ورزق في ذلك سعداً لو أعفاه لم يعفه؛ لأنه كان ارتزق في خدم الجهات من المكوس وغير ذلك. ثم إنه تركه في آخر عمره، وما مر بتلك المسالك.
ولم يزل على ذلك إلى أن بطل بالموت تسميعه، وشت من الشمل جميعه.
ووفاته في سنة سبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
وروى عن النفيس بن البن مغازي ابن عائذ، وعن ابن صصرى أبي القاسم، وأبي المجد القزويني، وزين الأمناء، والمعافى بن أبي السنان، والمسلم المازني، وابن غسان، وحضر ابن أبي لقمة. وأجاز له الموفق، والفتح بن عبد السلام.
خضر بن محمد


ابن الخضر بن عبد الرحمن بن سليمان بن علي، القاضي زين الدين بن القاضي تاج الدين بن زين الدين بن جمال الدين بن علم الدين بن نور الدين، كذا أملى علي نسبه.
قرأ القرآن، وصلى به. وسمع البخاري على الحجار، وست الوزراء، وعلى غيرهما.
وقرأ النحو على الشيخ شهاب الدين بن المرحل، وحفظ الألفيتين المالكية والمعطية. وبحث في المقرب، وصناعة الكتاب لابن النحاس، وبعض التنبية؛ تقدير الربع. وحفظ عروض ابن الحاجب، وقصيدة ابن مالك في الفرق بين الظاء والضاد. والتجريد للبحراني، في البديع.
وكان كاتباً سريعاً، وارداً من سرعة التنفيذ روضاً مريعاً، له صبر على الكتابة وجلد، وقدرة على كتمان ما دخل منه في خلد؛ إلا أنه قليل النظم إلى الغايه، إما لعسرة عليه، أو لأنه لم يكن له به عنايه.
رافقته في الديوان مرتين، وحمدت منه كل ما يشكوه من الضرتين.
ولم يزل على حاله إلى أن فقد الخضر عين الحياه، وظمئ إلى العيش فأسقاه حياه.
وتوفي رحمه الله تعالى في آخر شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده في سنة عشر وسبع مئة.
كان في جملة كتاب الإنشاء بقلعة الجبل، ثم لما رسم السلطان الملك الناصر محمد لوالده القاضي تاج الدين محمد بكتابه سر حلب في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة دخل هو دار العدل ولما توجه القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود إلى حلب كاتب سر في سنة ست وأربعين وسبع مئة جعله القاضي علاء الدين بن فضل الله مكانه في الحضور بين يدي النواب بمصر، واستمر به في نيابته، واعتمد عليه، وألقي إليه أمر الديوان فوفى بذلك ووفى.
وكان كاتباً سريعاً، يكتب من رأس القلم التواقيع والمناشير.
وكان ينطق بالجيم كافاً.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عبدك السائل الفقير ابن خضر ... يسأل العفو والرضا والسّلامه
فعسى بالدّواة يكتب أجرا ... فأنله الرجا يا ذا الكرامه
وأنشدني من لفظه لنفسه في مقص:
يحرّكني مولاي في طوع أمره ... ويسكنني شانيه وسط فؤاده
ويقطع بي إن رام قطعاً وإن يصل ... يشقّ بحدّي الوصل عند اعتماده
ولما طلبت أيام الملك الصالح إسماعيل إلى مصر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وجلست في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل تفضل الجماعة الموقعون، وكتب بعضهم إلي شعراً من باب الهناء، وأجبته عنه. ثم إنه بعد مدة كتب زين الدين هذا:
تأخرّت في مدحي لأني مقصّر ... وفضل صلاح الدين لا زال يستر
خليلٌ له الآداب حقّاً ينالها ... جليلٌ به الأصحاب تسمو وتفخر
لقد آنس الأمصار لّما أتى لها ... وأوحش ربع الشام إذ كان يقفر
فلا شهدت عيناي ساعة بعده ... ولا سهدت شوقاً إليه فتسهر
ودام عليّ القدر يرقى إلى العلا ... محامده بين الأنام تسطّر
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
تفضّلت زين الدين إذ أنت أكبر ... وأشرف من مدح به العبد تذكر
فشرّفت مدري حين شنّفت مسمعي ... فيا من رأى شعراً على الدرّ يفخر
فما هو شعرٌ يحصر الوزن لفظه ... ولكنّه شيء من السّحر يؤثر

يجوز بلا إذن على الأذن خفّةً ... كأنّ الزّلال العذب منه يفجّر
فها أنا منه في نعيمٍ مخلّدٍ ... وعيشي بخضرٍ في ربا مصر أخضر
وكتب إلي أيضاً ملغزاً: يا سيد العلماء والبلغاء، والكتاب والأدباء، ما اسم أول سورتين من القرآن، وحرف من أول سورة أخرى، وهو ثلاثة أحرف، وتلقاه ثمانيه، إذا أفردت مجموعه سراً وجهراً، أول حروفه إليه ينسب أحد الجبال، وآخرها قسماً لا تزال، إن حذفت أوله وصحفت ثانيه فهو ظن حقيقته الآمال، أو صحفت جملته كان وصف مؤمن يجري على هذا المنوال، أو حذفت أوسطه مع التحريف كان عبداً لا يعتق، أو حذفت آخره مع بقاء التحريف كان حيواناً يسرق ولا يسرق، ويأنس وينفر، ويقيد بالإحسان وهو مطلق، يطوف بالبيت، ويأوي في المنازل إلى الحي والميت، ولا يباع ولا يشترى، وعينه المجاز حقيقة تبلغ قيمة بل تماثل جوهرا، وإن أبقيت هذا الاسم على حالته، فهو شيء لا يستغني عنه مسجد ولا جامع، ولا بيع ولا صوامع، ولا مسلم ولا كافر، ولا قاطن ولا مسافر، ولا غني ولا فقير صابر، ولا قوي ولا ضعيف، ولا مشروف ولا شريف، ولا خائن ولا مأمون، ولا حي ولا من سقي كأس المنون، ومع ذلك فهو جليل حقير، قليل كثير، يملكه المالك والمملوك، والملي والصعلوك، وهو شيء ممتهن، ويعلو على رؤوس الأمراء والوزراء والملوك، قلبه بالتحريف فعل مضى، واسم إذا نطق به قد يرتضى، وهو قد يبدو به النور في الدياجي، وعند الصباح ينقطع منه أمل الراجي، لا يستغني عنه بيت ولا بقعة، ومع ذلك يباع بفلس ودينار، وفوق ذلك في الرفعة، وهو بين واضح، فأحلله بميزان عقلك الراجح إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب عن ذلك وهو في قطن: وقف المملوك على هذا اللغز العجيب، والمعمى الذي ماله في فنه مماثل ولا ضريب، وعجبت منه نباتا نطق معكوسه، وثلثاه كتاب تزدان سطوره وطروسه، أوله يضاف إليه أكبر الجبال، ومجموعه مادة للحبال أشبه بياضا بالثلج، ومحبوبه يروق ويحسن بالحلج، قد خف على اللسان وزنه، وأعجب أرباب الأموال ادخاره وخزنه، كله نابت في التراب، وثلثاه سابح في البحر لا يستراب، إن جعلت آخره وسطا كان فعل من انقطع رجاؤه، واتسعت في اليأس أرجاؤه، وإن صحفت حروفه في هذه الحالة أتتك من الحر واقدة، وأصبحت العجاجة وهي في الجو عاقدة، وإن صحفته أيضاً كان أمةً من الأمم، وليسوا من العرب إذا عدوا ولا العجم، يعد منهم فرعون وجنوده، ولنا فيهم نسب وصهر يعزك منكره وجحوده، وإن عكسته في هذه الحالة كان آنيةً لا محالة، ولهذا اللغز أوصاف أخر لا تذكر، ولا تعرف بعد ولا تنكر، أضربت عنها خوف الإطالة صفحا، وعددت هذا القدر ربحا، لأن مولانا حرسه الله تعالى مد فيه الأطناب، واستوعب أوصافه بالإسهاب والإطناب، والله يديم حياته لأهل الإنشاء، وينشر محامده بلسان الإذاعة والإنشاء، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
خضر بن أقجبا


جمال الدين بن فخر الدين الصفدي، والده يعرف بأقجبا الساقي.
انتشأ هذا في صفد جندياً مثل والده، وزاد بطارفه على تالده، وسعى حتى ولي بها عدة ولايات، وساس الناس بما رآه من الإهمال والغيابات.
ولما كان أرغون شاه بصفد ثانيا خدمه، وأثبت في الوقوف بين يديه قدمه، فرشحه للتقدم، وعمارة مجده بعد التهدم. ولما حضر إلى دمشق أتاه، ووافقه السعد عنده وواتاه، فحصل له عشرة، فجد في أمرها لما عنده من الشره.
ثم إن الحال زاد به، فسعى في ولاية مدينة دمشق فتولاها، وبقي فيها مدة وما جلاها ولا حلاها، بل راح وخلاها.
وتوفي رحمه الله ثاني عيد النحر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى قد عزل من الولاية قبل موته بعشرة أيام، لأنه كان قد مرض مرضاً طويلاً، وبقي مدة عليلاً.
وكان وهو أمرد صورة في الحسن بديعه، ولما قارب التكهل استحال إلى هيئة شنيعه.
وباشر بدمشق قبل الولاية شد الزكاة.
خضر بن سليمان


الأمير ابن أمير المؤمنين المستكفي بالله.
كان ولي العهد. فتوفي في ثالث عشري جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن في التربة المظفرية جوار السيدة نفيسة خارج القاهرة.
خطاب بن محمود بن رنقش


الأمير عز الدين العراقي.
كان له مال وثروه، وشيخاً قد بقي على رأي العوام بروه، وفيه خير وإحسان، وفضل أربى به على رب السيف والطيلسان.
عمر الخان بين غباغب والكسوه، وجبر به كل من يمر في الطريق من الرجال والنسوه، وعمر حماماً بحكر السماق معروفاً، وجعله بألسنة الشكر موصوفاً.
وكان فيه معروف وبر، وخير في الظاهر وفي السر.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الخطب بخطاب، وبدل أهله بنكد العيش بعدما طاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
خطاب


الصاحب الكبير المحترم، ركن الدين بن الصاحب كمال الدين أحمد بن خطاب الرومي السيواسي.
شيخ كبير له حرمه، وعليه أثار سعادة ونعمه، وله غلمان وأتباع وحفده، وحاله تقتضي التوسع في الحشمة والحفده.
وقف خانقاه ببلد سيواس، ووقف عليها وقوفاً كثيرة من أنواع البر التي تعم الناس.
قدم إلى دمشق، وتوجه إلى الحجاز، فمات رحمه الله تعالى بالكرك، وراح إلى الله تعالى، وترك ما ترك، وذلك في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبعمئة، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن عند جعفر الطيار رضي الله عنه.
خطلو شاه


نائب التتار.
كان كافياً كافرا، داهية ماكرا، رفيع المرتبه، لا يبالي بالمعيبة ولا المعتبه.
نزل بالقصر الأبلق في واقعة غازان، وفعل كل ماشان ومازان، وتوجه إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكلمه في الرعية، فتنمر عليه، وأعرض عنه، ولم يلتفت إليه.
وكان مقدم التتار يوم شقحب، فعاد بلا أهل، ولا أهل ولا مرحب. وانهزم خاسئاً، وأصبح مكلوءاً معكوماً بعد أن كان كالماً كالئاً.
وجهزه غازان في جيش كبير من المغل لمحاربة صاحب جبال كيلان، فبيته الملك دوباخ، وبثقوا عليهم الماء في الليل فغرقوا، وأظهروا لهم النيران من كل جانب، وأزعجوهم بالصياح إلى الصباح، فغرق أكثرهم، ورماه دوباج بسهم ما أخطأ حبة قلبه، ودخل عليه الموت بهمزة سلبه. وفي هذه الواقعة قتل الشيخ براق كما تقدم في ترجمته.
وكان هلاك خطلوشاه في سنة سبع وسبع مئة، وفرح غازان بموته، لأنه كان يخافه.
الألقاب والأنساب


الخطيري: الأمير عز الدين أيدمر.
وابن خطير: الأمير بدر الدين أمير مسعود. وأخوه الأمير شرف الدين محمود. وناصر الدين محمد بن مسعود.
خطيب الفيوم: معين الدين أحمد بن أبي بكر.
خطيب مردا: عبد الرحمن بن محمد.
وخطيب القدس: عماد الدين عمر بن عبد الرحيم.
الخطيب بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن.
ابن خطيب بعلبك: محمود بن محمد.
ابن خطيب بيت الآبار: نجيب الدين أحمد بن عمر. وعلاء الدين علي بن عمر. وموفق الدين عمر بن أبي بكر. وموفق الدين محمد بن عمر. وشرف الدين محمد بن داود. والقاضي ضياء الدين يوسف بن أبي بكر.
خلف ابن عبد العزيز


بن محمد بن خلف بن خلف بن عبد العزيز بن محمد، أبو القاسم الكاتب الغافقي القبتوري، بفتح القاف، وسكون الباء الموحدة، وفتح التاء ثالثة الحروف، وسكون الواو، وبعدها راء، الإشبيلي المولد والمنشأ.
قرأ على الأستاذ أبي الحسن الدباج كتاب سيبويه، وقرأ عليه بالسبع، وقرأ الشفاء بسبته على عبد الله بن القاسم الأنصاري. وله إجازة من الرضي بن البرهان، والنجيب بن الصيقل.
وكتب لأمير سبتة، وحدث بتونس عن الغرافي، وحج مرتين.
وكان كاتباً مترسلا، ينثر وينظم، ويكبر الفضلاء، ويعظم، مع الخير والتقوى، وملكة نفسه التي تصبر على المضض وتقوى. جاور بمكة زمانا، وأعطاه الله بالسعادة من ذلك ضمانا.
ولم يزل على حاله إلى أن عد خلف في السلف، وورد موارد التلف.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمدينة الشريفة في أوائل سنة أربع وسبع مئة.
أنشدني من لفظه العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أسيلي الدّمع يا عيني ولكن ... دماً ويقلّ ذلك لي، أسيلي
فكم في الترب من طرفٍ كحيل ... لتربٍ لي ومن خدّ أسيل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ماذا جنيت على نفسي بما كتبت ... كفي فيا ويح نفسي من أذكى كفّي
ولو يشاء الذي أجرى عليّ بذا ... قضاءه الكفّ عنه كنت ذا كفّ
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
واحسرتا لأمور ليس يبلغها ... ما لي وهنّ منى نفسي وآمالي

أصبحت كالآل لا جدوى لديّ وما ... آلوت جهداً ولكن جدّي الآل
وأنشدني من لفظه الحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمري، قال: أنشدني لنفسه بالمدينة:
رجوتك يا رحمن إنّك خير من ... رجاه لغفران الجرائم مرتجي
فرحمتك العظمى التي ليس بابها ... وحاشاك في وجه المسيء بمرتج
قلت: شعر جيد، لكنه متكلف.
خليفة بن علي شاه


الأمير ناصر الدين ابن وزير البلاد القانية.
كان من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق، وممن للأقلام في ذكره مد ومشق. لما قدم الشام أحبه تنكز. وحصل له من خاطره مركز، فكتب إلى السلطان في أمره، وجعله دون الناس الواردين في حجره.
وكان ذا شكالة حسنه، وطلعة يجفو الطرف لأجلها وسنه، جهزه فيما بعد أرغون شاه إلى صفد محل إقطاعه، وحكم على وصوله إلى دمشق بامتناعه، فحضر إليها طلباً لمداواة مرض حصل له في صفد، فأقام بها قليلاً، وسهم المنية قد أصاب شاكلته ونفد، وما حمل ولا رفد.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان الأمير ناصر الدين قد وفد إلى الشام صحبة الأمير نجم الدين محمود بن شروين الوزير، فرآه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى فأعجبه شكله، فسأل السلطان أن يكون عنده بدمشق أميراً، فرسم له بذلك، واختص بتنكز ولازمه كثيراً، ولما أمسك تنكز لحق كل من كانت له به خصوصية شواظ من ناره، خلا الأمير ناصر الدين فإن السلطان راعى فيه خاطر أخيه؛ لأنه كان في تلك البلاد مقيماً، وتزوج بابنة الأمير سيف الدين كجكن، وكان يلبسها لبس الخواتين في تلك البلاد، ولما عمر الأمير سيف يلبغا جامعه بدمشق تولى هو شد العمارة، وقصد أن تكون عمارته على زي عمارة تلك البلاد الشرقية، فلما أمسك يلبغا خاف ناصر الدين خليفة أن يؤخذ بجريرته فسلمه الله تعالى.
وكان إقطاعه بصفد، فلما جاء أرغون شاه إلى دمشق جهزه إلى صفد، ورسم له بالإقامة هناك، فحصل له ضعف، وحضر للمداواة بدمشق فتوفي بها، وعمر داراً على نهر بردى، تحت دار الجالق، ووضعها وضع تلك البلاد، وما أظنه كان يخلو من تشيع، والله أعلم.
خليل بن إسماعيل بن نابت


بالنون أولاً: الفقيه المحدث فخر الدين الأنصاري القدسي.
رحل إلى مصر، ولقي المشايخ وكتب، وحصل في الحديث محصولاً جيداً ودأب.
وكان محدث القدس ومفيده، ومبدي فضله ومعيده.
روى عن العز الحراني، وروى عنه ابن الخباز، وكان ينقض في بحثه على الخصم كما ينقض الباز. وكان ذكياً يقظاً نبيهاً، ويزيد على الحديث بأنه كان فقيهاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح فما أمسى، وسكن بعد بيته رمساً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في شهر ربيع الأول.
درس بالأمجدية وغيرها بالقدس، وكان مفيد القدس.
خليل بن محمد بن سليمان


الشيخ الإمام العدل جمال الدين السملوطي - بالسين المهملة، وبعدها ميم ولام مشددة وواو وطاء مهملة - الشافعي النحوي.
أقرأ النحو بمصر مدة، وكابد في تعليم الطلبة شدة، وكان عدلاً مقبولاً، ولم يكن بالرياسة متبولاً.
ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى من دعاه، وقام به الصارخ ونعاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وقد بلغ السبعين، ودفن بباب النصر خارج القاهرة.
خليل ابن الأمير حسام الدين بن البرجمي


بالباء الموحدة، والراء والجيم والميم.
كان له دربة بالأمور والمباشرات، وتغاض عن الشرور والمكاشرات، فتحدث في أيام الملك الناصر في ديوان بشتاك، وعظم في تلك المدة فما نال بسوء ولا يشاك، ولما انفصل بشتاك، تحدث في ديوان الكامل، وخدمه قبل الملك، فحصل له به السرور الشامل.
ثم لما ولي الملك، رسم له بإمرة طبلخاناه، وولاه شد الدواوين، وأركبه رقاب من كانوا له مناوين. ولما خلع الكامل أخذ منه ذلك، وانصرم عنه ما هنالك.
ثم أعطي إمرة عشرة، فما وصلت إلا وقد انفصل أجله، ولم ينفعه تلبثه ولا عجله.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق، بصق دماً يوماً، ومات في الثاني.

وكان الملك الكامل قد طلبه وهو سلطان فأعطاه طبلخاناه وشد الدواوين، وأعاد الصاحب علاء الدين بن الحراني إلى نظر الدواوين بدمشق، وجهزه معه، فوصلا إليها في أول ذي الحجة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
ولما خلع الكامل انفصل من الإمرة ومن الشد، وبقي بطالاً إلى أن كتب له أرغون شاه بعشرة الأمير بدر الدين صدقة بن الحاج بيدمر فما وصل منشوره حتى مات رحمه الله تعالى.
وكان ممن يتوالى محبة أصحاب الشيخ تقي لدين بن تيميه.
خليل بن كيكلدي العلائي


الشيخ الإمام العلامة الفريد الكامل، جامع شتات الفضائل، المفسر المحدث الفقيه النحوي الأديب المؤرخ الإخباري صلاح الدين الدمشقي الشافعي الأشعري.
كان أعجوبة في علومه الجمه، وفضائله التي لم يكن أمرها على الناس غمه. أتقن التفسير، وعلم من الحديث ما يشهد به له الجم الغفير. وبرع في الفروع والأصول، وأحاط بما في المحصل والمحصول، واستخرج لباب الإعراب، واطلع على أسرار لغة الأعراب، وعلم تراجم أعيان العالم، وعرف وقائع من داهى أو سالم.
وأما نقد الصحيح من الحديث فذاك فن تفرد بخاصته، وشهد له أهل زمانه في أفراده وعامته، وتصانيفه تؤيد هذه الدعاوي، وتعاليقه تحقق له المحاسن، وتنفي عنه المساوي.
أقام بالقدس زماناً، وأنفق فيه من العمر أعواما، واتخذ فيه من الطلبة أعوانا، فهبت له النفخات القدسيه، وصبت له اللمحات الأنسيه.
ولم يزل على حاله بتلك الأرض المقدسه، والرحل التي هي ظلال البركات معرسه، إلى أن فسد من الصلاح تركيبه، ورحل على الرقاب وعلم الحديث جنيبه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين ثالث شهر الله المحرم سنة إحدى وستين وسبع مئة.
ومولده في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وست مئة.
سمع صحيح مسلم سنة ثلاث وسبع مئة على الشيخ شرف الدين الفزاري، وكمل عليه ختم القرآن. وسمع البخاري على ابن مشرف سنة أربع. وقرأ العربية وغيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي، والفقه والفرائض على الشيخ زكي الدين زكري. وجد في طلب الحديث سنة عشر وسبع مئة. وقرأ بنفسه على القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي، وعلى أبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وإسماعيل بن مكتوم، وعبد الأحد بن تيمية، والقاسم بن عساكر، وابن عمه إسماعيل، وهذه الطبقة، ومن بعدها. وشيوخه بالسماع نحو سبع مئة شيخ. ومن مسموعاته: الكتب الستة، وغالب دواوين الحديث، وقد علق في مجلد سماه: الفوائد المجموعة في الفرائد المسموعه.

ومن تصانيفه: النفحات القدسية، يشتمل على تفسير آيات وأحاديث، مواعيد، وكتاب الأربعين في أعمال المتقين، وكتاب تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض، وبرهان التيسير في عنوان التفسير، وإحكام العنوان لأحكام القرآن، ونزهة السفرة في تفسير خواتم سورة البقرة، والمباحث المختارة في تفسير آية الدية والكفارة، ونظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد، وتحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، وتفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال، وتحقيق الكلام في نية الصيام، وشفاء المسترشدين في اختلاف المجتهدين، ورفع الاشتباه عن أحكام الإكراه، ونهاية الإحكام لدراية الأحكام، وكتاب الأربعين الكبرى. وله التعاليق الأربعة: الكبرى والوسطى والصغرى والمصرية في اثني عشر مجلداً. وكتاب الأربعين المغنية بعيون فنونها عن المعين في اثني عشر أجزاءاً. والأربعين الآلهية ثلاثة جزءاً، وعوالي مالك بن أنس السباعيات ستة أجزاء، وسداسيات أصحاب سفيان بن عيينة في سبعة أجزاء، والمحاسن المبتكرة، عشرة أجزاء، والمسلسلات ثلاثة أجزاء، وعنبر السحر في آية السحر، وتقرير غاية المدة في تفسير آية العدة، وتفسير مجابي الهصر في تفسير آيتي الخوف والقصر، والفوائد المحققة في تفسير آيتي المحاربة والحرام، وكتاب إيضاح وجوب الإجمال والإحسان في شرح حديث الخصال الواجبة للغير على الإنسان، وشرح القول الحسن في الوصية لمعاذ عند بعثته لليمن، وروض الإيقان في شرح حديث: الطهور شطر الإيمان، جامع التحصيل لأحكام المراسيل، تحقيق ثبوت الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب، تفسير حصول السعادة في تقرير شمول الإرادة، تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، فصل القضاء في أحكام الأداء والقضاء، إبانة الخطوة في قاعدة مد عجوة، رفع الالتباس عن مسائل البناء والغراس، إتمام الفوائد المحصولة في الأدوات الموصولة، الفضول المفيدة في الواو المزيدة، المعاني العارضة لمن الخافضة.
وكان أولاً بزي الأجناد، ثم ترك ذلك، وأقبل على الطالب والاشتغال. وحفظ التنبيه، ومختصر ابن الجاجب، ومقدمتيه في النحو والتصريف، ولباب الأربعين في أصول الدين لسراج الدين الأرموي، وكتاب الإلمام في الأحكام، وعلق عليه حواشي.
ورحل صحبة الشيخ كمال الدين الزملكاني إلى القدس سنة سبع عشرة وسبع مئة.
وسمع من زينب بنت شكر وغيرها. ولازم الشيخ كمال الدين سفراً وحضرا، وعلق عنه كثيراً، وحج معه في سنة عشرين وسبع مئة.
وسمع بمكة من الشيخ رضي الدين الطبري، ولازم القراءة على الشيخ برهان الدين الفزاري في الفقه والأصول مدة سنين، وخرج له مشيخة، وللشيخ تقي الدين قاضي القضة السبكي، وغيره من الأشياخ مشيخات، وولي تدريس الحديث بالناصرية سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ثم إنه درس بالأسدية سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وأذن له الشيخ كمال الدين الزملكاني بالإفتاء سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ثم درس بحلقة صاحب حمص سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. ثم تولى تدريس المدرسة الصلاحية بالقدس سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وأقام به إلى آخر وقت.
وتولى تدريس مشيخة الحديث بالسيفية تنكز بالقدس.
وحج سنة أربع وأربعين وسبع مئة. وجاور بمكة وعاد في سنة ست وخمسين. وعدت أنا وهو إلى الشام، ورافقته في الطريق، واجتمعت به غير مرة في دمشق والقاهرة والقدس. وأخذت من فوائده في كل علم، وقل أن رأيت مثله في تحقيق ما يقوله في كل فن وتدقيقه.
وكان ممتعاً في أي باب فتح، يحفظ تراجم أهل العصر، ومن قبلهم، وتراجم الناس من المتقدمين، وهو عارف بكل شيء يقوله أو يتكلم فيه.
وأنشدني لنفسه إجازة، ونقلته من خطه:
يا ربّ كم من نعمةٍ ... لك لا أُؤدّي شكرها
أو ليتني فيها الجمي ... ل وذدت عني شرّها
وكفيتني يا ربّ في ... كلّ الأمور أمرّها
ووقيتني عند الشدا ... ئد والحوادث ضرّها
فاغفر ذنوبي كلّها ... إنّي لأرهب وزرها
فهي التي فارقتها ... وأجدت حلماً سترها
وعصيت جهلاً حين لم ... أقدر جحيمك قدرها
والطف بعبدك دائماً ... وقه الخطوب ومكرها
وكان له ذوق كبير في الأدب ونكتة، وعمل كثيراً نظماً ونثراً.

وكان فيه كرم زائد، ووجه طلق في تلقي الأصحاب ومن يرد القدس، وترك عليه جملة من الديون بسبب ذلك.
وكتبت إليه وقد ورد إلى دمشق المحروسة في بعض السنين، أظنها سنة تسع وثلاثين وسبع مئة:
أتيت إلى دمشق وقد تشكّت ... إليك لطول بعد وانتزاح
وكانت بعد بعدك في فساد ... وجئت لها ففازت بالصّلاح
وقد أجاز لي بخطه كل ما يجوز له تسميعه. وكان يكتب في الإجازات بيتاً مفرداً، وهو:
أجازهم المسؤول فيه بشرطه ... خليل بن كيكلدي العلائي كاتبه
وهذا مثل ما أكتبه أنا أيضاً في الإجازات، وهو:
أجاز للسائلين ما سألوا ... فيه خليل بن أيبك الصفدي
وكتبت له أنا عدة تواقيع بتدريس المدرسة الصلاحية بالقدس بالشام والقاهرة.
فأول ما كتبت له بذلك بدمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ونسخته: رسم بالأمر العالي، لا زالت أوامره المطاعة تهدي إلى الأماكن الشريفة صلاحا، وترفع قدر من إذا خطا في طلب العلم الشريف تضع له الملائكة جناحا، أن يرتب المجلس السامي الصلاحي مدرسا بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف لما اتصف به من العلوم التي أتقنها حفظا، وطرز بإيرادها المحافل، فراقت في القلوب معنىً، وفي الأسماع لفظا، فهو الحبر الذي يفوق البحر بغزارة مواده، والعالم الذي أصبح دم الشهداء بإزاء مداده، إن نقل حكماً فما المزني إلا قطرة من هتانه، أو رجح قولاً فما ابن سريج إذا جاراه من خيل ميدانه، أو ناظر خصماً فما ابن الخطيب ممن يعد في أقرانه، أو استدل محتجاً فما يقطع السيف إلا بدليله وبرهانه، فالماوردي حاوي مناقبه وذكره، وأبو إسحاق صاحب التنبيه على رفعة محله وقدره، قد أضحت به وجوه الأصحاب سافرةً عن الحسن البارع والمنظر الجميل، وأمست طرق المذهب بدروسه واضحة الأمارة، راجحة الدليل، ولذلك ندب لنشر العلم الشريف لذلك القطر الجليل، واستحق لفضله الأقصى أن تكون حضرة القدس مقام الخليل، فليورد من فضله الباهر هناك ما يحيي مذهب ابن إدريس بدرسه، وينشر ميت العلم حتى يكون روحاً في قدسه، وليتعهد الطلبة بالحفظ والبحث، فإنها للعلم كالجناحين، وليقف عندما شرطه الواقف أثابه الله الجنة، فما يفسد أمر وقع بين صلاحين، وتقوى الله تعالى زينة العلم، فليجعلها طراز لبسه، وجمال العلم، فليدخرها لغده الذي يربى في الخير على أمسه، والله تعالى يزيده فضلاً على فضله، وينشر به أعلام العلم الذي يخفق على رؤوس أهله، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وبيني وبينه رحمه الله مجارات ومكابتات وألغاز وغير ذلك، وقد سقت منها جانباً في كتابي ألحان السواجع.
ولما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى قلت أرثيه:
يا صاح دعني من حديثك إنّ قلبي في البلاء
أو ما ترى أهل الحديث تسافلوا بعد العلائي
وقلت فيه أيضاً:
العلم بعد صلاح الدين قد فسدا ... والفضل نقصانه قد راح مطّردا
مات الذي كان في علم الحديث إذا ... ما أظلم الشكّ فيه راح متّقدا
ومن يحررّ أسماء الرجال ويد ... ري النقد والنقل والتعليل والسندا
قد شارك الناس في أشياء يفضلهم ... فيها من العلم لا نحصي لها عددا
أما إذا كان في نقد الصحيح من ال ... حديث فهو لهذا الشأن قد قعدا
والفقه ألقاه تدريساً يحرّره ... حتى تجاوز في غاياته الأمدا
وفي الأُصولين أستاذٌ فما أحدٌ ... أراه يقوى لديه لو حكى أُحدا
ستّ وستون عاماً مرّ أكثرها ... في نصرة السنة الغراء مجتهدا
إن أظلمت شبهة من إفك مبتدعٍ ... وقام في دفعها قلت الصباح بدا
أهل الضلالات أرداهم فلم يجدوا ... من دونه في جميع الناس ملتحدا
جاؤوا إليه وكادوا الحقّ فيه وقد ... كادوا يكونون من شرّ له لبدا
فشتت الله من لطف عزائهم ... وحلّ إذ فيهم كلّ ما عقدا
مباحثٌ كلّما التفّ الجلاد من ال ... جدال أو ضاق حربٌ فكّت الزردا

سرى إلى غاية ما نالها أحد ... كانت طرائقه نحو العلى قددا
نحوٌ وفقهٌ وتفسير إلى أدب ... قد راح مجموعه المختار منفردا
وفي تراجم أهل العصر حاز يداً ... طولى وكم قد أفاد الناس منه يدا
فليس أدري له مثلاً أنظّره ... ومن يدانيه في شأوٍ فقد بعدا
علمٌ وحلمٌ ومعروفٌ وطيب ثناً ... وحسن سمت ونسك زائد وهدى
تمرّ أوقاته في حفظ سؤدده ... فما رأيت له وقتاً يضيع سدى
يقري الورى جفنات ثم يقرئهم ... مجلداتٍ لمن وافى ومن وفدا
وحين جاور من جور الزمان وقد ... أنضى إلى مكة العيرانة الأُجدا
وكان خير فتى أدّى فرائضه ... في عصره وتردّى الصّبر والجلدا
وكل يوم يزيد البّر في عمل ... منه على أمسه حتى يسرّ غدا
مضى إلى الله محفوفاً برحمته ... حتى يلاقي غدا في الحشر ما وعدا
أكاد من حسن ظني في طريقته ... أني أشاهده في جملة الشهدا
يا بن العلائيّ إني قد قضيتك من ... حق الرثاء الذي أبصرته رشدا
فاذكر أخاك إذا حيّتك نافحةٌ ... من روح ربك أو بلّت لديك صدى
فأنت ضيف عظيم الجود وهو إذا ... ما جاد لم ينس من معروفه أحدا
وقم إلى الله يوم الحشر في دعةٍ ... فأنت عندي معدودٌ من السّعدا
خليل بن أيتمش


الأمير صلاح الدين بن الأمير أيتمش المحمدي، والده تقدم ذكره في مكانه من حرف الهمزة.
وكان هذا صلاح الدين له صورة سبحان من أبدعها، ولو شاء لذهب بالشمس وأطلعها، بديع الجمال، وافر الحسن، يشهد له البدر بالكمال قد تأنى الحسن فيه وتألق، وتملأ القمر بنظره لما رآه فتملق، بقد من أين للغصن تخطره، ونشر من أين لزهر الروض في السحر تعطره، ووجه حلا نظره، وتمنى الأفق لو أنه شمسه أو قمره، وعيون من نفاثات السحر في عقد القلوب، وجفون كم وقع أسد منها في أقلوب، وفم تبسم مرجان شفته عن لآلئ منظومه، ووجنات كأنها بأزاهر الحدائق مرقومه، وشعر يخط في الأرض إذا خطا، ويحسده الغزال إذا عطا، زان بجماله المواكب، وزاحمته الكواكب على حسنه بالمناكب.
فلو قدر البدر كان الذي ... تطلّع ما بين أطواقه
وما أطمع الظبي إن رام أن ... يحاكيه يوماً بأحداقه
بينا هو في أمر صعوده، ومنازل سعوده، إذ أنزله الحمام من حصنه، وبكى الحمام على غصنه وتجرع أبوه كأس فقده المر، وود لو كان بدله في تلك الحفر، فتأسف الناس على شبابه، وبلوا بوبل دموعهم ما جف من ترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان ممن يحبه ويهواه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولكنه كان يحب من غير إتيان محرم أو معصية غير النظر.
اللقب والنسب


ابن الخليلي الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز، وولده شرف الدين عبد الرحمن.
خوبي


بضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، وبعدها باء موحدة وياء آخر الحروف.
كانت جارية الأمير سيفا الدين بكتمر الساقي، اشتراها بعشرة آلاف دينار مصرية، كانت مغنية عواده، بادية الحسن والطرب عواده، لم يكن دخل مصر لها نظير، ولا غنى الحمام على مثل قدها النضير، اشتراها وهام في هواها، وسكنها في داره على بركة الفيل التي ما اقتنى أحد مثلها ولا حواها، إذا جست أوتارها أخذت من القلوب أوتارها، وجرى من لطف أناملها الماء في العود، وقيل: هذا البدر في السعود. فإذا غنت أغنت عن الأطيار، وإذا عنت عنت قلوب البررة الأخيار.
ثم إنها نقلت بعده إلى ملك بشتاك، وزن فيها ستة آلاف دينار، ودخل معها قماش وحلي، وغير ذلك بعشرة آلاف دينار، ثم إنه وهبها لمملوكه ألطنبغا فيمن أظن، وهنا آخر علمي بأمرها.

ولما اشتراها بكتمر الساقي بلغ أمرها امرأته أم أمير أحمد، فقالت له: أريد أنزل إلى دارك التي على البركة لأتفرج هناك، فعلم المقصود، فنزل إلى خوبي وقال لها: الست إذا جاءت إلى هنا اجلسي على يديها والعود في حجرك، واضربي قدامها، وغني لها نوبة مطربة، فلما نزلت ودخلت الدار أول ما توجهت إلى الشباك المطل على البركة، واشتغلت ساعة، ثم التفتت بعد ذلك إلى جهة جواريها، فرأت جارية تركية بيضاء، وجميع ما عليها أبيض مصقول من غير زركش ولا حلي ولا مصاغ فأنكرت ذلك، وقالت: من هي هذه ؟ فباست الأرض وقعدت، ووضعت العود في حجرها، وقالت: دستور، وغنت نوبة كاملة مطربة، فقالت الست: من هي هذه ؟ فقالوا: هذه جارية الأمير. فقالت: هذه خوشداشتي، ثم أخذت بيدها، وأجلستها إلى جانبها وأحضرت لها بدلة كاملة بطرز زركش وباولي وزركش، وحلياً ومصاغاً مما هو يجمله، وقالت لمن يثق إليها: والله لما قالوا اشترى الأمير جارية بعشرة آلاف دينار وسكنها في داره على البركة، ظننت أنها تكون مثلي في الحشم والخدم والجواري والملبوس. ثم إنها طلعت بعد ذلك إلى القلعة ولم تنكر من أمرها شيئاً، واطمأنت نفسها إلى ذلك.
قلت: ضعيفان يغلبان قوياً، لأن بكتمر الساقي رحمه الله تعالى تداهى فيما قاله لخوبي، وزادت هي في الدهاء عليه، فما حصل لهما بذلك إلا خير.
ولما توفي بكتمر الساقي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز قال السلطان: والكم أول ما تصلون القاهرة احترزوا على عود خوبي، فإنها أول ما تسمع خبر بكتمر تكسر عودها. وكان الأمر كما قال، فقيل: إنها أول ما بلغها ذلك قبل وصول السلطان كسرت عودها. وغضب السلطان عليها، وأباعها لبشتاك بستة آلاف دينار، ولكنها لم تقع من قلب بشتاك بموقع.
اللقب والنسب


ابن خواجا إمام محمد بن عمر ابن أبي الخوف أحمد بن محمد ابن الخيمي مجد الدين إبراهيم بن علي ابن الخلاطي الكاتب محمد بن نجيب
حرف الدال


الألقاب والأنساب

الداراني القاضي صدر الدين

سليمان بن هلال.
دانيال بن منكلي بن صرفا


القاضي ضياء الدين أبو الفضل التركماني، القاضي بالشوبك.
سمع بالكرك من ابن اللتي. وقرأ القراءات على السخاوي بدمشق، وسمع من كريمة، ومن جماعة. وسمع ببغداد من ابن الخازن وعبد الله بن عمر بن النخال، وهبة الله بن الدوامي وإبراهيم بن الخير. وبحلب من ابن خليل. وبمصر من يوسف الساوي وابن الجميزي.
وولي قضاء الشوبك مدة. وولي القضاء بأماكن. وخرج له علاء الدين علي بن بلبان مشيخةً قرأها عليه شرف الدين الفزاري. وخرج له ابن جعوان أربعين حديثاً.
وسمع منه المزي والبرزالي.
وكان شيخاً متميزا، سكن من الوقار حيزا، شكله تام، وفضله في العلم عام، قد تنقل في الولايات، وحكم في عدة جهات.
ولم يزل على حاله إلى أن أمسى الموت في دانيال دانيا، وطرف الحمام إليه رانيا.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة ست وتسعين وست مئة بالشوبك.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
داود بن إبراهيم بن داود الشافعي


سمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر وابن البخاري وغيرهما.
وأجاز لي بخطه في سنة ثلاثين وسبع مئة.
داود بن أسد


الأمير بهاء الدين القيمري.
كان من رجال الدهر في السعي والتقدم، وأهل الزمان في التوصل إلى خراب بيوت أعاديه والتهدم، إلا أنه لا يدوم له حال، ولا تثبت له قدم، حتى يرميه الدهر بالانتقاد والانتقال.
ولم يزل بين هبوط وصعود، ونحوس وسعود، ومباشرة أملاك وعمائر، ونصب دلالات وأمائر، حتى قمر الدهر من القيمري عمره، وأنفذ الحمام فيه أمره.
وورد الخبر إلى دمشق بوفاته في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.

أول ما عرفت من حاله أنه تعلق على الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب الشام لما كان بغزة، وخدمه. ولما نقل إلى نيابة الشام حضر معه إلى دمشق، ولم يزل يسعى إلى أن حصل إمره عشرة بغزة، ثم صار يتعلق على واحد بعد واحد ممن يظهر في كل دولة بالديار المصرية واحداً بعد واحد، إلى أن أعطي في وقت إمرة طبلخاناه، وهو يجتهد في التقرب إلى خواطر الأمراء بالضمانات والزراعات والتجارات، إلى أن تعلق أخيراً على الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، كل هذا وهو في غزة.
ولما حضر السلطان الملك المنصور محمد في واقعة بيدمر حضر في ركاب الأمير سيف الدين يلبغا فأعطي إمرة طبلخاناه بالشام، فأقام بدمشق قليلاً، وتوجه إلى بلاده بغزة، فأقام هناك، وفي الساحل وفي نابلس فوق الشهرين إلى أن وصل الخبر بوفاته رحمه الله تعالى.
وكان قد ولي في وقت نظر القدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل عليه السلام. وكان قد تعلل في نابلس وأمر أن يحمل إلى القدس، فحمل على باب، وأظنه مات هناك.
وقيل: إنه خلف ثماني مئة ألف درهم.
داود بن أبي بكر بن محمد


الأمير نجم الدين بن الزيبق، بالزاي والياء آخر الحروف، والباء الموحدة وبعدها قاف.
كان من رجال المباشرات وأولي الدربة في الولايات. إذا تولى جهة أصلحها بالسياسه، وصال على أهلها بالصرامة والنفاسه، وله في دسته العبسه، والمهابة الزائدة في الجلسه، يطرق ولا يطرف، ويعرف أشياء، ويري أنه ما يعرف.
اشتهرت حرمته في البلاد، وعلم أنه صاحب جدال وجلاد، وإذا ذكر اسمه للمفسد ود أنه لم يخلق، ورأى أنه يموت ولا يرى ابن الزيبق، هذا إلى لطف وحسن أدب، إذا خلا بأصحابه، ومن يأنس إليه من إخوانه وأترابه. وكان يرعى صاحبه ولا ينساه، ويخدم الناس، ولو دب على المنساه.
تنقل في ولايات الشام ومصر سنين، وقمع الله به جماعةً من المفسدين.
ولم يزل على حاله إلى أن غرب من عمره نجمه، ومحي في رمسه رسمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ودفن بالصالحية عند تربة الشياح.
أخذ العشرة، وباشر في أيام سلار خاص الساحل والجبل، ثم باشر خاص القبلية، وبعد ذلك باشر الخاص بدمشق عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر، ثم باشر شد الديوان بحمص، ثم باشر شد الأوقاف بدمشق، ثم تولى جبل نابلس، ثم إنه نقل إلى شد الدواوين بدمشق عوضاً عن الأمير بدر الدين بن الخشاب في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ثم باشر شد غزة والساحل والجبل. وشكر للسلطان الملك الناصر فطلبه إلى مصر وولاه ولاية مصر وشد الجهات والصناعة والأهراء، وأعطاه طلبخاناه، ولم يداخل القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، وراج عليه الأمير علاء الدين علي بن المرواني، وداخل النشو، فكانا إذا حضرا عنده ينبسط ابن المرواني مع من يكون حاضرا، ويندب وينشرح ونجم الدين الزيبق في تصميم وإطراق، أو يري أنه ناعس، إلى أن رأى النشو أنه ما يدخل معه في دائرته، فاتفق مع الأمير سيف الدين مكلتمر الحجازي، وأحضر من شكا منه في يوم دار عدل، فعزله السلطان، وأمر بإخراجه إلى دمشق إكراماً للأمير سيف الدين تنكز في يومه ذاك، فعاد إلى دمشق، فولاه تنكز شد الأوقاف والخاص، إلى أن جرت واقعة النصارى في نوبة الحريق بالجامع الأموي، فسلمهم الأمير تنكز إليه، فتولى عقابهم وتقريرهم، واستخرج أموالهم وتسميرهم على الجمال وتوسيطهم وحريقهم.
وجرت عقيب هذه الواقعة كائنة تنكز وإمساكه، فأمسك الأمير نجم الدين في جملة من أمسك لأجله، ثم أفرج عنه. وتولى نابلس في أيام الأمير علاء الدين أيدغمش، ثم عزل وتولى بر دمشق في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر.
ثم طلب إلى مصر في أيام الصالح إسماعيل، وتولى شد الخاص المرتجع عن العربان بالشام وصفد وحمص وحماة وطرابلس. وأقام كذلك ولده شجاع الدين أبو بكر نائبه في ولاية البر بدمشق إلى أوائل أيام الأمير سيفي الدين يلبغا، فتوجه على الخاص إلى مصر، وتولى بمصر شد الجيزية، وكان بها كاشفاً ومشدا.

ولما أمسك يلبغا وأقاربه ومن كان تسحب معه حضر الأمير نجم الدين هو والصاحب علاء الدين بن الحراني والأمير عز الدين أيدمر الزراق للحوطة على موجود المذكورين وإقطاعاتهم، وجعل الأمير شمس الدين آقسنقر أمير جاندار يتحدث معهم. وكان قد عين للأمير نجم الدين إقطاع طبلخاناه لتجهز إليه إلى الشام، فاعتل قريباً من جمعة، ومات رحمه الله تعالى.
ومن حسن سياسته أنه تولى نابلس في أيام تنكز فقتل فيهم، وأراق دماءهم، وبعد ذلك نقل عنهم وولي شد دواوين دمشق. وغضب عليه تنكز وأمسكه، وطلب منه مئة ألف درهم، فحضر أكابر أهل نابلس، فقالوا: نحن نزنها عنه، ويعاد إلينا والياً، فكان ذلك من أسباب الرضى عنه.
وكنت قد كتبت له توقيعاً بشد الخاص بدمشق في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وكان ذلك عقيب قدومه من مصر إلى الشام، وهو: الحمد لله الذي جعل نجم الدين في آفاق السعادة طالعا، وسيره في منازل السيادة حتى كان الحكم بشرفه قاطعا، وقدر له الخير في حركاته وسكناته مستقيماً وراجعا، وأبرزه في هذه الدولة القاهرة لشمل مسراتها جامعا، نحمده على نعمه التي قربت من نأى بعد انتزاحه، وأعادته إلى وطنه الذي طالما شام التماع برقه في الدجى بالتماحه، وجبلته على إشارة دون كل قطر تبسم روضه بثغر أقاحين وما قلنا أقاحه، وخصته بمباشرة خاص تأتى له وتأتي البركات فيه على اقتراحه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نزل إثبات التوحيد في أبياتها، ووجدت النفوس لذاتها بإدمانها لذاتها، ومد الإيمان أيدي جناتها إلى ثمار جناتها، وأوصل الإيقان راحات قاطفيها إلى راحاتها.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله إلى الخاص والعام، وأورثه من خزائن جوده فريد الإفضال ومزايا الإنعام، وحببه إلى قوم هم أنس الإنس، وجنبه قوماً " إنْ هُم إلاّ كالأنعامِ " وأيده بالكرامة، وأمده بالكرم ونصره بالملائكة الكرام. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سدوا ما ولاهم، وسادوا من والاهم، وشادوا مجد هذه الأمة فهم أولادهم فيه وبه أولاهم، ووعدوا على ما اتبعوا جنةً دعواهم فيها: سبحانك اللهم، صلاةً يتضوع من نشرها شذاهم، وتكفي من اتبعهم شر أهل البدع وتقيه إذا هم أذاهم، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد: فلما كانت وظيفة شد الخاص الشريف بدومة وداريا من أجل الوظائف، وأنفس المناصب التي كم أمها عاف وراقها عائف، وأشرف المباشرات التي من دونها بيض الصفائح لا سود الصحائف، يحتاج من باشرها إلى أن يكون ممن علت هممه، وغلت قيمه، وشكرت شيمه، حتى تفيض على العام من الخاص نعمه، وتدر بداريا دروه، وتدوم على دومة ديمه.
وكان المجلس السامي الأميري النجمي داود بن الزيبق الناصري ممن تهادته الممالك الإسلامية شاماً ومصرا، وحاز نوعي الثنا مداً وقصرا، وفات البلغاء من الحصر وصفه حصرا، وطرف عيناً ترون العين، ووضع عن الغلال أغلالاً وإصرا. طلع في كل أفق، ولا غرو، فهو النجم، وأقام على من خطف الخطفة من رصد حفظه كوكب رجم، وصلب عوده على من أراد امتحان بأسه بغمز أو اختبار لينه بعجم، وانتقل من جنة دمشق إلى مجاورة النيل وهو نهر الجنه، وعاد إلى وطنه ومصر مصرة على محبته، فأشواقها في سموم هوائها مستجنه، وحسنت مباشرته في كل قطر محدود، وباتت مخازيم سؤدده وسدادها مسدود، وأضحى وعمل عمله ليس لناظر فيه مخرج، ولا دون فضله باب مردود، وأطربت مناقبه حتى قال الناس: هذه مزامير داود.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أن يفوض إليه كذا، فليباشر ذلك مباشرةً تشخص لها عيون الأعيان، ويتعلم الكتاب منها تثمير أقلام الديوان، والأبطال تدبير عوالي المران، مجتهداً فيما يدبره، معتمداً على حسن النظر فيما ينبه عليه أو يثمره، فما ندب لذلك إلا لحسن الظن بسياسته، ولا عين لهذه الوظيفة إلا لجميل المعرفة بما جرب بين سؤدده ورياسته، ومثله لا ينبه على مصلحة يبديها، أو منفعة يعلنها أو يعليها، أو فائدة يهديها أو يهديها، أو كلمة اجتهاد لا يملها من يأخذها عنه أو يستمليها.

وهو بحمد الله تعالى غني عن إطراء من يمدحه من الغاوين، أو يزهره له بشد هذا الديوان، فقد باشر قبله شد الدواوين، فلا يبذل للناس غير ما ألفوه من سجاياه الحسان في الإحسان، ولا يطو بشره عنهم، فمن رآه لم يكن معه محتاجاً إلى بستان، ولا يعامل الرفاق إلا بالرفق، فإن " كلّ مَنْ عليها فان " ، والتقوى ملاك الوصايا فليجعلها له نجيا، وقوام الأمور فلا يتخذها ظهريا، وسداد كل عوز فمن رامها " تمثّل لها بشراً سويّاً " ، والله تعالى يتولاه فيما ولاه، ويزيده من فضله الأوفى على ما أولاه، والخط الكريم أعلاه الله تعال أعلاه، حجة على ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.
؟
داود بن الحسن بن منصور

علم الدين بن سواق.
قرأ الفقه على بهاء الدين هبة الله القفطي، وتأدب على أبيه، وقد مر ذكره في حرف الحاء.
كان شاعراً مطبوعا، محمولاً على اللطف موضوعا، خفيف الروح، لا تندمل له من اللهو قروح.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الأمر الذي هو لقبض النفوس تواق، وساق ابن سواق إلى القبر سواق.
وتوفي في حياة والده رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة. وأورث أباه داءً عظيما، وقال من حزنه: يا ليت الفتى أضحى عقيما.
ومما قال أبوه في رثائه:
مصابك يا داود ليس يهون ... فقد أنبعت فيك العيون عيون
ورثاه محمد بن الحكم بقصيدة منها:
قصدت ربع بني سوّاق مبتغيا ... حجّاً فخبت لأنّي لم أر العلما
ومن شعره علم الدين يمدح طقصبا والي قوص:
لاح برق من الخبا ... إنّ هذا له نبا
وتنشّقت نسمة ... طرقتني مع الصّبا
همت لمّا شممتها ... وفؤادي لها صبا
وسرى النشر في الورى ... عمّ شرقاً ومغربا
هذه دولة الرضا ... وبلها جاء صيّبا
جئت بالحق ناطقاً ... لست يا برق خلّبا
إنما أنت بارقٌ ... لاح من وجه طقصبا
سيف دين مجرّدٌ ... ضيغمٌ ضمّه قبا
عفوه وانتقامه ... قرن الذيب والظّبا
وغدا طوع أمره ... أسمر الخطّ والظبى
قلت: شعر عذب منسجم.
داود بن محمد


ابن أبي القاسم بن أحمد بن محمد: الأمير الرئيس الجليل عماد الدين ابن الأمير بدر الدين الهكاري.
سمع من ابن اللتي، وحامد بن أبي العميد القزويني، والزكي البرزالي، وابن رواحة، وابن خليل، وابن قميرة بحلب، والتاج بن أبي جعفر بدمشق، وعمار بن منيع بحران، وعبد الغني بن بنين بمصر.
كان فاضلاً نبيلا، عاقلاً جليلا، تولى نيابة قلعة جعبر في أيام الناصر، وكان في تلك الدولة ممن تعقد عليه الخناصر.
ولم يزل يركب ويتصيد، ويتصدى للحركات ولا يتقيد، إلى أن حان مقدوره، وآن نزوله في القبر وحدوره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
ومولده سنة تسع وست مئة.
وحدث بدمشق والقدس.
داود بن مروان بن داود


الفقيه الإمام القاضي نجم الدين أبو سليمان الملطي الحنفي.
كان شيخاً كبيراً من أعيان الحنفية، درس بعدة مدارس، وتولى قضاء العسكر. وكان يقدم إلى دمشق، ويحكم فيها نيابةً عن قاضي القضاة حسام الدين أيام إقامته.
وكان فيه مروءة وتعصب.
توفي رحمه الله تعالى ثالث شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وسبع مئة.
داود بن يوسف بن عمر


رسول الملك المؤيد هزبر الدين بن الملك المظفر التركماني صاحب اليمن.
بحث التنبيه، وحفظ كفاية المتحفظ، ومقدمة ابن بابشاذ، وسمع من المحب الطبري وغيره.
كان قد تفنن في العلوم، وأخذ بكل طرف من الفضائل والفهوم.
وسمع الناس بميله إلى الأفاضل، فجاؤوه من كل قطر بعيد، واعتدوا للدهر يوم لقائه بعيد، وانثالوا عليه من كل فج، وأموا كعبة جوده بالحج. وأحسن إلى الواردين، وأجمل إلى القاصدين، وهاجر إليه أرباب الصنائع، وأودع عندهم الأيادي والصنائع، وجلب إليه نفائس الأصناف، وأنصف أربابها في العوض عنها غاية الإنصاف، جهزت إليه نسخة بالأغاني الكبير في مجلدة واحدة بخط ياقوت، فوزن فيها مبلغ خمسة آلاف درهم، واشتملت خزائنه على مئة ألف مجلد.
وكان يحب أهل الخير، ويزور الصالحين، وكانت أيامه كثيرة الخير.

قيل: إن عز الدين الكولمي ورد عليه، ومعه من الحرير والمسك والصيني ما أدى عنه ثلاث مئة ألف درهم. وأنشأ قصراً عديم المثل بديع الحسن.
ولما مات رحمه الله تعالى اضطرب أمر اليمن مدة، وتمكن الملك الظاهر بن الملك المنصور، وقبضوا على المجاهد بن المؤيد، ثم مات المنصور، وكان دينا رحيما.
ثم ثار أمراء مع المجاهد، فاستولى على قلعة تعز، ثم قوي أمره، وجرى على الرعايا من النهب وافتضاض الأبكار كل سوء، ودام الحرب بين الظاهر والمجاهد، وآل الأمر إلى أن استقل الظاهر، وبقيت تعز بيد المجاهد، فحوصر مدة، وخربت لذلك تعز خراباً لا يستدرك، ثم إن المجاهد تمكن وأباد أضداده.
ولم يزل المؤيد هزبر الدين في أرغد عيش مدة نيف وعشرين سنة، لأنه ملك بعد أخيه الأشرف سنة ست وتسعين، وبقي في ملك اليمن إلى أن خذل بالموت المؤيد، وأنزله من قصره إلى قبر تشيد.
ووفاته رحمه الله تعالى في ثاني ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، ودفن عند قبر أخيه بالمدرسة.
وقال تاج الدين عبد الباقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى يمدحه، وقد ركب فيلاً، ونقلته من خطه:
الله أولاك يا داود مكرمةً ... ورتبةً ما أتاها قبل سلطان
ركبت فيلاً وظل الفيل ذا رهجٍ ... مستبشراً وهو بالسلطان فرحان
لك الإله أذلّ الوحش أجمعه ... هل أنت داود فينا أم سليمان
وقال يمدحه وقد بنى القصر، ومن خطه نقلت:
يا ناظم الشّعر في نعم ونعمان ... وذاكر العهد من لبنى ولبنان
ومعمل الفكر في ليلى وليلتها ... بالسفح من عقدات الضال والبان
قصرٌ فبالعلو من وادي زبيد علا ... عالي المنار عظيم القدر والشان
به التغزّل أحلى ما يرى بهجاً ... فدع حديث لييلات بعسفان
قصرٌ بناه هزبر الدّين مفتخرا ... وشاد ذلك بانٍ أيّما بان
هذا الخورنق بل هذا السدير أتى ... في عصر داود لا في عصر نعمان
فقف براحته تنظر لها عجباً ... كم راحة هطلت منه بإحسان
أنسى بإيوانه كسرى فلا خبرٌ ... من بعد ذلك عن كسرى لإيوان
سامى النجوم علاءً فهي راجعةٌ ... عن السّموّ لإيوان ابن حسّان
تودّ فيه الثريا لو بدت سرجاً ... مثل الثريا به في بعض أركان
يحفّه دوح زهر كلّه عجبٌ ... كم فيه من فنن زاهٍ وأفنان
الألقاب والأنساب


ابن الدباهي الحنبلي: محمد بن أحمد.
الدبابيسي: مسند القاهرة يونس بن إبراهيم.
درباس بن يوسف بن درباس


الأمير الكبير حسام الدين الحميدي.
كان بدمشق حاجبا، وشكره واجبا، لأنه باشر الحجوبية، وشد الأوقاف، فأثنى عليه حتى الحمائم على فروع الأراك فوق الأحقاف.
وكان ذا هيئة وشكاله، ورئاسة وحشمة وجلاله، فصيح اللسان، مليح البيان، شعره والدر سواء في القيمه، وكلامه لانسجامه كأنه صوب الديمه.
لم يزل بدمشق على حاله إلى أن أثارت له المنون حربا، وسدت على ابن درباس من الحياة دربا.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر الله المحرم سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة.
وكان أولاً بصفد فهام بحبها، وألف بها، ثم إنه نقل إلى دمشق، وأعطي إمرة الطبلخاناه والتقدم والوجاهة، وهو يتشوق إلى صفد، ويتذكر أوقات أنسه، وإذا رأى أحداً من أهلها مال إليه وصبا، وشم فيه أرج ما قطعه هناك في زمن الصبا. ونظم في حنينه إليها أشعاراً، وغنى بها الناس.
من ذلك:
يا صاحبي إن شئت توليني منن
عرّج على صفدٍ فلي فيها شجن
وبها أحبائي وأهلي والوطن
وهم أعزّ من روحي ومن ... أهواهم في السرّ والإعلان
كم ليلة قد بتّ في ساحاتها
أجني ثمار اللهو من وجناتها
وأجرّ ذيل صباي في عرصاتها
هل راجعٌ ما فات من لذاتها ... أترى يعود لنا زمانٌ ثان
الألقاب والألقاب



ابن دقيق العيد: تاج الدين أحمد بن علي. وعز الدين عامر بن محمد بن علي. وطلحة بن محمد بن علي. ومحب الدين علي بن محمد. وجلال الدين محمد بن عثمان. والشيخ تقي الدين محمد بن علي. وكمال الدين محمد بن محمد بن علي.
الدقوقي: المحدث محمود بن علي.
الدكالي الصوفي: اسمه عثمان.
الدشتي: شهاب الدين أحمد بن محمد.
الدشناوي: بدر الدين زكري بن يحيى. وتاج الدين محمد بن أحمد.
ابن درباس: فخر الدين عثمان بن محمد.
ابن الدريهم: علي بن محمد بن عبد العزيز.
دلشاذ


بالدال المهملة واللام الساكنة وبعدها شين معجمة، وألف وذال معجمة: بنت دمشق خواجا بن جوبان، الخاتون زوج النوين، الشيخ حسن الكبير حاكم بغداد، تزوجها بعد عمتها الخاتون بغداد.
كانت ذا حظوة عند بعلها، وكان لها أطوع من نعلها، لجمالها الذي فتنه، وحكم على قلبه بشجنه لما شحنه غراما وسجنه، فكانت هي الحاكمة في مملكة العراق، والآمرة في كل شيء من القطع والوصل والدنو والفراق، لا يخالفها أحد، ولا يحالفها من يكون له من دونها ملتحد، تكتب إلى نواب الشام بما تريد، وتجهز الأولاق في أشغالها وتعود رسلها على البريد، ويطلب نواب الشام منها ما يحاولونه من المهمات، ويدفعون لها ما يخشونه من الملمات. ورأيت اسمها في الكتب التي ترد عنها بالمغرة العراقية، وهو كتابة عظيمة، والظاهر أنه كتب عنها بأمرها، بخلاف خط الكتاب بنفسه، وهذا إن كان بيدها فهو أمر عظيم، وإن كان بأمرها فهو أيضاً كبر همة، كونه يكون بخط قوي جيداً، وكانت تميل إلى الغرباء وتحسن إليهم.
ولم تزل على حالها إلى أن كسفت من وجهها الشمس، وانطبقت عليها سحابة الرمس.
وتوفيت رحمها الله تعالى في ثاني القعدة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ونقلت من بغداد إلى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ودفنت هناك.
وقيل: إن زوجها سقاها سماً؛ لأنه اتهمها بالميل إلى ابن عمها الأشرف بن تمرتاش، وذلك لأنه صادر جميع نوابها بعد موتها ومن كان من جهتها.
دلنجي


بكسر الدال المهملة وفتح اللام وسكون النون، وبعدها جيم وياء آخر الحروف: الأمير سيف الدين ابن أخت الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا.
وكان قد أقام بمصر أميراً مده، ولسيف عزمه مضاء وحده، وأخرج لنيابة غزه، وصار لها به شرف باذخ وعزه، لأنه كتب له بها عن السلطان: نائب السلطنة بغزة، ولم يكتب لأحد غيره بعد الجاولي حتى ولا للأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب ودمشق، وأضيف له الحديث في نابلس، وهذه ميزة أخرى، ولم يكن لأحد من دمشق في غزة ولا في نابلس ولا في الساحل حديث البتة.
ولم يزل على حاله إلى أن دلي دلنجي في قبره، وراح إلى عالم نجواه وسره.
ولما جرى للأمير سيف الدين بلجك الناصري في غزة مع العربان ما جرى، ورد بعده الأمير سيف الدين دلنجي، وكان وصوله إليها في أوائل شهر جمادى الآخرة سنة خمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة رابع عشر جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
وقاسى في نيابته شدائد من عرب جرم وموقع، وجرت بينهم حروب وجراح، وقتل عدة من أمراء غزة، وتولى النيابة بعده الأمير فارس الدين ألبكي.
دمرخان بن قرمان


الأمير نجم الدين.
كان في مصر أمير مئة مقدم ألف، وحضر إلى دمشق كذلك.
أقام بدمشق إلى أن توفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
الألقاب والألقاب


الدهلي: نجم الدين سعيد بن عبد الله.
دوباج بن قطلي شاه


ابن رستم بن عبد الله، الملك شمس الدين أبو العز بن الملك بن الملك صاحب كيلان.
كان فارساً بطلا، لا يقبل في الإقدام عدلا، ولا يريد إلا الممات عن الحياة بدلا، وكان مع ذلك عاقلا، ولم يكن عن تدبير مملكته غافلا، له في القلوب مهابة مهابه، وعنده في مقالبة الأيام والليالي إصابه. لمح الدنيا بعين الصدق فعرفها، وتحقق غدرها وسرفها، فترك الملك، ونزل عنه لابنه، ونفض ما في يده منه، وما في ضبنه.
وقدم إلى الشام ليحج فأدركه أجله بقباقب، كأنه كان له هناك يراصد أو يراقب.
ووفاته في سادس عشري شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وقباقب منزلة عن الرحبة إلى جهة دمشق، فحمله جماعته إلى دمشق، وأنشئت له تربة مليحة بشرقي سوق الصالحية، ورتب له فيها المقرئون.

وهو الذي رمى قطلي شاه الملك بسهم فقتله لما جهزه غازان إلى قتالهم في سنة ست وسبع مئة، وبقي في ملك كيلان خمسة وعشرين عاماً، ومات وعمره أربع وخمسون سنة، ووصى للحج عنه فحج عنه جماعة، وأنفق على تربته أموال كثيرة.
الألقاب والأنساب


ابن دمرتاش: محمد بن محمد.
ابن الدويك: محمد بن عبد الجبار.
الدمياطي: شهاب الدين أحمد بن أيبك. والشيخ الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف.
الدمياطي: عماد الدين محمد بن علي.
الدميثري: الأمير علم الدين سنجر.
الدواداري: الأمير علم الدين سنجر.
الدلاصي: عبد الله بن عبد الحق.
ابن دلغادر: زين الدين قراجا.
الدهان: محمد بن علي.
ابن الدميري: محمد بن علي.
ابن الدواليبي الحنبلي: محمد بن عبد المحسن.
حرف الذال


ذبيان

هو الأمير ناصر الدين الشيخي والي القاهرة.
كان داهيه، نفسه بالجد لاهيه، رجلاً رجله في الثرى، وهامة همته في الثريا ترى، نطر من أسف البير، وتسنم ذروة الفلك الأثير. وتقدم بالقاهرة في الدولة، ورأى نفسه في سماء المجد كالبدر، وخدمه كالنجوم حوله، لكنه كسف قريبا، وما نفعه أن كان أريبا.
كان هذا الأمير ناصر الدين قد ورد من الشرق صحبة الشيخ عبد الرحمن الكواشي رسول الملك أحمد إلى السلطان الملك المنصور قلاوون، وحبس الشيخ عبد الرحمن وجماعته في قلعة دمشق، ولما مات أفرج عنهم، وبقي هذا ناصر الدين يخيط الكوافي بدمشق.
ثم إنه توجه إلى مصر، وتوصل إلى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وتحيل إلى أن تولى ولاية القاهرة، والتزم بمستظهر، وعضده الجاشنكير إلى أن ولي الوزارة، ثم إنه قبض عليه وصودر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وسبع مئة بالقاهرة، بعد العقوبة والضرب، وذلك في أوائل ذي القعدة من السنة.
ذبيان بن أبي الحسن بن عثمان


الحاج العفيف البعلبكي التاجر.
وكان يروي عن الشيخ الفقيه محمد اليويني وابن عبد الدائم، وغيرهما. وحدث بجزء ابن جوصا، وكان من أهل القرآن.
وتوفي في رابع جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة.
الألقاب والألقاب


ابن أبي الذر: نجم الدين الصوفي عبد العزيز بن عبد القادر.
الذهبي: محمد بن أحمد.
ذون بطرو


بالذال المعجمة والواو الساكنة، وبعدها نون وباء موحدة وطاء مهملة وراء وواو، وقيل فيه: ذون بترو، بالتاء ثالثة الحروف بدلاً من الطاء: الملك الكبير الطاغية الفرنجي الأندلسي.
كان جباراً عنيدا، وشيطاناً مريدا، ملئ قلبه من المسلمين حقدا، وتضرم عليهم بالغضب وقدا، وبالغ في القسوه، وود من كلبه لو شرب دمهم في حسوه، تمرداً من منه وكفورا، وعتواً وعدواناً وفجورا.
اجتهد وبالغ ليستأصل ما بقي من المسلمين بالأندلس، وحشد من قدر عليه من الفرنج الحمس، ولكن الله رد كيده في نحره، وأغرقه لما طغى في بحره، وما نفعه جيشه الذي لا يحصى، ولا أمره الذي كان لا يرد ولا يعصى، وقتل هو وجنده، ومن اعتقد أنه بيده يشد بنده، وسلخ بعد ذلك الصبر والجلد جلده، وحشني قطنا، وعلق على باب غرناطة، وطال في العذاب خلده.
وكان هلاكه في سنة تسع عشر وسبع مئة.
وكان من خبر هذا الطاغية أن الفرنج حشدوا ونفروا من البلاد، وذهب سلطانهم ذون بطرو إلى طليطلة ودخل على الباب، وسجد له وتضرع، وطلب منه استئصال ما بقي بالأندلس من المسلمين، وأكد عزمه، فقلق المسلمون، وعزموا على الاستنجاد بالمريني، ونفذوا إليه فلم ينجع، فلجأ أهل غرناطة إلى الله تعالى. وأقبل الفرنج إلى المسلمين في جيش لا يحصى، فيه خمسة وعشرون ملكاً، فقتل الجميع عن بكرة أبيهم، وأقل ما قيل أنه قتل في هذه الملحمة خمسون ألفاً، وأكثر ما قيل ثمانون ألفاً، وكان نصراً عزيزاً ويوماً مشهوداً، والعجب أنه لم يقتل من المسلمين سوى ثلاثة عشر فارساً، وكان عسكر الإسلام ألف وخمس مئة فارس، والرجالة نحواً من أربعة آلاف. وقيل: دون ذلك.
وكانت الغنيمة ذهباً وفضة سبعين قنطاراً، وأما الدواب والقماش والعدد فشيء لا يحصى كثرةً، وبقي المسلمون يحتاجون إلى ما ينفقونه على الأسرى لقوتهم وقوت من يحرسهم ويحرس الدواب، فكان في كل يوم خمسة آلاف درهم، وبقي المبيع في الدواب والأسرى والغنائم ستة أشهر متوالية، ومل الناس من طول البيع وداخلهم العجز والكسل.

وكانت الواقعة في صبيحة يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وسبع مئة وهو رابع عشر حزيران يوم عيد العنصرة للنصارى، وكان ذلك يوم عيد للإسلام، ويوم وبال على الكفار.
وكان نزول الكفار على مكان يقال له منظرة بينوس بالقرب من جبل إلبيرة، وهو عشرة أميال من غرناطة.
ومن جملة الملوك الذين للكفار: صاحب إشبونة وقشتالة والقرنيرة، وأرغون وطلبيرة، والذي تولى القتال نائب صاحب غرناطة الشيخ الصالح المجاهد أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء، وابنا أخيه الشقيقان أبو يحيى وأبو معروف، أمير جيش مالقة، ابنا عبد الله بن أبي العلاء وأخوهم لأبيهم أبو عامر خالد، أمير جيش رندة، وأبو مسعود محمد بن علي، وأمير جيش الخضراء أبو عطية مناف وغيرهم.
وعلى الجملة فكانت واقعةً عظيمة لطف الله فيها بالمسلمين، ولم يتفق لها نظير، ولله الحمد والمنة على ما عود هذه الأمة من النعمة.
حرف الراء


رافع بن هجرس

الإمام المقرئ المحدث الفقيه الزاهد أبو محمد الصميدي - بضم الصاد المهملة وفتح الميم، وبعدها ياء آخر الحروف، ودال مهملة - جمال الدين الصوفي نزيل القاهرة.
سمع بدمشق من أصحاب ابن طبرزد، وبمصر من طائفة.
وكان حيزً زاهدا، مأموناً عابدا، عني بالروايه، وصار له بها أتم عنايه، وكتب وحصل بعض الأصول، وعلق وأفاد، ولم يكن له إلى سن الرواية وصول.
واشتغل بالقراءات حينا، وجعل له الطلب والدأب دينا، إلى أن جر رافع إلى قبره، وقطع إلى الآخرة مخاضة عمره.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر الحجة سنة ثماني عشرة وسبع مئة بمصر عن خمسين سنة إلا سنة.
رجب بن قراجا بن عبد الله


زين الدين الأرزني، بهمزة وراء ساكنة وبعدها زاي ونون.
أخبرني العلامة أبو حيان قال: زين الدين رفيقنا على الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى. كان له اعتناء بشيء من الأدب واللغة. وكان يكتب خطاً ليس بالجيد، لكنه في غاية الضبط والصحة، يشكل الحروف كلها ما أشكل منها، وما لم يشكل.
وأنشدنا لنفسه:
شاهدت في طرسك سحرا غدا ... يخامر الألباب بالأكؤس
وكان كالروض غدا ناضرا ... يلذّ للأعين والأنفس
رجب بن أشبرك التركماني


الشيخ تقي الدين العجمي شيخ الزاوية التي تحت قلعة الجبل بالقاهرة.
كان شيخاً مسنا، قد اتخذ بالأجل من سهام الدهر، مجنا، له وجاهة عند الدوله، وفي قلوب الناس له صوله، وعنده فقراء وأتباع، وله مريدون من الخواص والرعاع.
لم يزل على حاله إلى أن أصابه سهم المنية فما أخطاه ولا تعداه، وكأن ميتته أمانة مؤداه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة. وعمره إحدى وثمانون سنة.
وكان في الديار المصرية شيخ طائفة العجم.
الألقاب والألقاب


الرجيحي: شيخ التونسية، اسمه سيف الدين.
الرجبي والي مدينة دمشق، اسمه آقوش.


رزق الله بن فضل الله

الرئيس مجد الدين بن تاج أخو القاضي شرف الدين النشو.
كان أولاً نصرانياً، فاستخدمه أخوه في استيفاء الخزانة والخاص، وكان ينوب أخاه النشو إذا غاب، ويدخل إلى السلطان الملك الناصر محمد، ويخرج، فلما كان في سنة ست وثلاثين وسبع مئة في يوم الجمعة استسلمه السلطان قبل الصلاة على يده، وأبى عليه فلكمه بيده، وعرض عليه السيف، فأسلم، وخلع عليه، وقال له: لا تكن إلا شافعي المذهب مثلي، واستخدمه عند الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، فظهر وساد، وجلس في صدر الرياسة واتكا على وساد، وعظم شانه، وشاع ذكره، وعلا مكانه، وتوسع في الوجاهة قدره وإمكانه، وتبيدق وسط رقعة القلعة فرزانه، وكان قد بلغ السها راقيا، وطاف بكؤوس الجود ساقيا، ووهب فما أبقى على المال باقيا.
وكان أولاً فيه ميل إلى المسلمين، وحنو زائد على المؤمنين، رتب سبعاً يقرأ في الجامع الأزهر، وقرر نصيباً من الصدقات تخفى وعند الله تظهر، وكان يجهز في كل سنة إلى الحرمين ستين قميصا، ولا يجد كفه عن الجود محيصا.
وكان يحرص على أن يسلم من عبيده ممن يميل إليه سرا، يفعل ذلك خفيةً خيفةً من أمه حتى لا ينال شرا، فعل ذلك مع جماعة من غلمانه النصارى، وأرقائه الذين هم في سكرة الجهل حيارى.

ولم يزل في مراقي سعادة، ومعارج سيادة إلى أن أمسك هو وأخوه - على ما سيأتي ذكره في ترجمة أخيه - وسلمه السلطان إلى الأمير سيف الدين قوصون فأصبح مذبوحاً، ذبح نفسه بيده، ولم يمكن أحداً يتمكن من عقابه ولا فساد جسده، وذلك في ثالث شهر صفر سنة أربعين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى ربعة، حلو الوجه، مليح العينين، أقطف الجفون.
وكان نظيف الملبس، طيب الرائحة، يغير قماشه في غالب الأيام مرتين. وكان يفصل قماشه ويقول للخياط: طوله عن تفصيلي، وكف الفضل إلى داخل، فسألته عن ذلك فقال: أنا قصير، وأهب قماشي لمن يكون أطول مني، فإذا فتق ذلك الفضل جاء طوله. وكان كثيراً ما يهب قماشه، وقلما غسل له قماشاً إلا إن كان أبيض.
وعمر داراً مليحة إلى الغاية على الخليج الناصري.
وكتبت أنا إليه لما اهتدى:
أنت أهدى للخير من أن تهدّى ... يا عزيزاً بكلّ غال يفدّى
هذه للسعود والفضل أولى ... حزتها من مليك عصرك نقدا
هكذا الهمّة النّفيسة في النّا ... س إذا حاولت من الله رشدا
لك سرٌّ أبدى وأعاد ال ... فضل لله ما أعاد وأبدى
كيفما كنت لم تزل في الأيادي ... والمعالي والفضل والبرّ فردا
أينما سرت في طريق المعالي ... تتلقّى في كلّ أمرك سعدا
سوف ترقى مراتب السّعد حتى ... يفتدي الدّهر طائعاً لك عبدا
ولعمري قد قلّد الله هذا ال ... عصر من سعيك الموفّق عقدا
وإذا سدت في الشّباب فماذا ... لك من بعد أن بلغت الأشدّا
أنت ذو فطنةٍ من النّار أذكى ... وبنانٍ من السّحائب أندى
ومحلٍّ كالنّجم لمّا تعلّى ... ومحيّا كالبدر لمّا تبدّى
إنّ منكم للملك لمّا ظهرتم ... شرفاً زاده علّوك مجدا
شرفٌ قد علا على الشّمس قدرا ... ما تعدّى لمّا عليها تعدّى
لك منه أخٌ تراه شقيقا ... في رياض السّعود قد فاق وردا
يخجل الشّمس في السّماء جمالاً ... ويفوق البحار في الجود رفدا
قد أنام الأنام في كهف أمنٍ ... ولقد كان كحلهم قبل سهدا
وأقرّ القلوب وهي التي كا ... نت من الرّوع في الدّجى ليس تهدا
فلهذا قد سرّ أهلاً وصحبا ... ولهذا أفنى عدوّاً وضدّا
فإلى جوده الرّغائب تسري ... وإلى بابه الرّكائب تحدى
صانه الله من صروف الليالي ... وكساه من فاخر الحمد بردا
وأرانا فيك الذي نتمنّى ... من علوٍّ يجاوز الشّمس حدّا
رزق الله بن تاج الدين


كان شكلاً لطيفا، ووجها حسناً ظريفاً، أنيق البزه، رشيق الحركة والهزه، إلا انه كان في بطانه مؤوفا، وربما كان داء مخوفا، وكان لذلك يعلوه اصفرار، ويرى له عن الصحة فرار.
دخل ديوان الإنشاء، وصار من الخاصة الساكنين في الأحشاء. وكانت كتابته متوسطه، وعبارته في الفصاحة غير مؤرطه، ونظمه ما به من باس، ولا في جودته إلباس، وكان له فضل على رفاقه، وإحسان يبكون معه على فراقه.
ولم يزل على حاله إلى أن رزق رزق الله الحمام، ومحق بدره بعد التمام. وتوفي - رحمه الله تعالى - ... وأربعين وسبع مئة.
وكان قد كتب إلي وأنا بدمشق أبياتا في هذا الوزن والروي، إلا أنني طلبتها عند هذا التعليق، فلم تر عيني لها أثرا، ولا وجدت لمبتدئها خبرا.
والجواب الذي كتبته أنا عن الأبيات المعدومة والقطعة التي جعلت يد الضياع بيوتها مهدومة هو هذا:
سطورك أم راحٌ بدت في زجاجها ... وكان سرور القلب بعض نتاجها
أتتني من مصرٍ إلى أرض جلّقٍ ... فأهدت إلى نفسي عظيم ابتهاجها
فيا نفس الأسحار في كلّ روضةٍ ... تيمّم ربا مصر ولطّف مزاجها
وقف لي على ديوان الانشاء وقفةً ... وحيّ الكرام الكاتبين مواجها
فثمّ وجوهٌ كالبدور تكاملت ... ولاق بها في الفضل رونق تاجها

أئّمة كتّابٍ إذا ما ترسّلوا ... فأقلامهم ترمي العدى بانزعاجها
وإن نظموا قلت الذّراري تنسّقت ... ولاق على الأيام حسن ازدواجها
هنالك رزق الله بين ظهورهم ... فلا نفسٌ الاّ تمّ إبلاغ حاجها
فيا ليت شعري هل أفوز بقربهم ... ويهدأُ من عيني اضطراب اختلاجها
وكنت أنا كتبت إلى القاضي ناصر الدين بن النشائي لغزا في عيد:
يا كاتبا بفضله ... كلّ أديبٍ يشهد
ما اسمّ عليك قلبه ... وفضله لا يجحد
ليس بذي جسمٍ يرى ... وفيه عينٌ ويد
فكتب القاضي ناصر الدين الجواب:
يا عالماً لنحوه ... حسن المعاني يسند
ومن له فضائلٌ ... بين الورى لا تجحد
أهديت لغزاً لفظه ... كالدّرّ إذ ينضّد
فابق إلى أمثاله ... عليك إلفاً يرد
وكتب إلي أيضاً القاضي كمال الدين محمد بن القاضي جمال الدين إبراهيم بن شيخنا أبي الثناء شهاب الدين محمود:
يا من زكا ولادةً ... وطاب منه المحتد
ومن أياديه بها ... كلّ البرايا تشهد
ومن غدا نواله ... كالبحر فيه مدد
ألغزت في شيءٍ غدا ... يأتي وفيه غيد
وال عبد قد صحّفه ... فاقنع به يا سيّد
واقبله من مقصّرٍ ... لطولكم لا يجحد
ودم معافى أبداً ... ما صحب الزّند يد
وكتب تاج الدين رزق الله المذكور أيضاً:
يا فاضلاً آدابه ... بها الورى تسترشد
ومن على علومه ... أهل النّهى تعتمد
ألغزت في عيدٍ إلى ... عبدٍ إليكم يسند
ولم يؤخّر نظمه ... إلاّ حياءً يحمد
ولم يماثل من له ... في سائر الفضل اليد
فدم سعيداً تنتقي ال ... آداب أو تنتقد
؟
اللقب والنسب

ابن الرزيز الخطيب

عبد الأحد بن يوسف.
الرستمي والي الولاة، اسمه آقوش.


ابن رزين

بدر الدين عبد اللطيف بن محمد. وعلاء الدين عبد المحسن بن عبد اللطيف.
ابن الرسام علي بن محمد.


رشيد بن كامل

الإمام العلامة القاضي رشيد الدين الحرشي - بالحاء المهملة والراء والشين المعجمة - الرقي، وكيل بيت المال بحلب.
سمع من ابن مسلمة، وابن علان، والقوصي، وعدة.
له تفنن وأعمال، وترسلات من ديوان الإنشاء ينفق فيها الأموال. وكان يكتب بدمشق الإنشاء، ويحضر مجالس الناصر الحلبي في البكرة والعشاء.
وولي نظر الجيش بدمشق أيضا، ودرس بعصرونية حلب فأفاض الفوائد فيها فيضا. وولي وكالة بيت المال بحلب، وما قصر في أخذ ولا طلب.
وكان ذا صيانة وعقل، وفضل صح به عن النقل، وله قريض أبرز رياضه، وطرز بالسواد بياضه.
ولكن ما حماه الأجل بحماه، ولا اتقى الحتف لما رماه.
وتوفي بحماة غريباً - رحمه الله تعالى - في سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة.
ومن شعره:
الألقاب والأنساب


الرشيدي: الشيخ برهان الدين إبراهيم بن لاجين.
رشيد الدولة: الوزير فضل الله بن أبي الخير.
ابن رشيد: محمد بن عمر.
ابن رشيق: محمد بن الحسين.
ابن الرضي المسند: أبو بكر بن محمد.
الرضي المنطيقي: إبراهيم بن سليمان.
ابن الرفعة: أحمد بن عبد المحسن. الشيخ نجم الدين فقيه العصر أحمد بن محمد.
الرفا المسند: علي بن محمد.
ابن الرعاد: محمد بن رضوان.
رقية بنت محمد بن دقيق العيد


بن وهب القشيرية

هي ابنة الشيخ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد.
سمعت من العز الحراني بقراءة والدها، ومن أبي بكر بن الأنماطي، وابن خطيب المزة. وحدثت بالقاهرة، وسمع منها جماعة.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: سمعنا عليها جزءاً من سنن الكشي، وأجازت لنا.
وهي امرأة متعبدة ملازمة للخير، من بيت العلم والصلاح.
توفيت - رحمها الله تعالى - يوم الجمعة رابع عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
الألقاب والأنساب


ابن الرقاقي أمين الدين


أبو بكر بن عبد العظيم.

الرقي الشيخ إبراهيم بن أحمد بن محمد.

ابن رمتاش الأمير زين الدين أغلبك.

رميثة

بضم الراء وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ثاء مثلثة وهاء: الأمير أسد الدين أبو عراده بن أبي نمي، أمير مكة، نجم الدين بن الأمير بهاء الدين أبي سعد الحسن بن علي الحسيني.
كان قد وصل إلى القاهرة، وجهز السلطان معه جماعةً من الجند والعرب نحو ثلاث مئة نفر، وجماعةً من الحجاج إلى مكة في ثاني شعبان سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان قد قبض عليه أمير الركب المصري رابع عشر الحجة سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وتوجه به إلى مصر، ولما وصل أكرمه السلطان وأجرى عليه في كل شهر ألف درهم، فبقي كذلك مكرما أربعة أشهر، وهرب من القاهرة إلى الحجاز، فلما علم السلطان بهروبه في اليوم الثاني كتب إلى شيخ آل الحريث، وقال: هذا هرب على بلادك، وما أعرفه إلا منك. فركب الهجن وسار خلفه مجدا، فأدركه نائما تحت عقبة أيلة، فجلس عند رأسه وقال له: اجلس يا أسود الوجه. فانتبه رميثة وقال: صدقت، لو لم أكن أسود الوجه ما نمت هذه النومة المشؤومة حتى أدركتني. وقبض عليه، وأحضره إلى السلطان، فألقاه في السجن وضيق عليه. فقيل: إنه حصل له رمي دم، ثم أفرج عنه وعن حاجبه علي بن صبح في المحرم سنة عشرين وسبع مئة.
وفي سنة إحدى وعشرين حلف له بنو حسن، وأظهر بمكة مذهب الزيدية، وكتب بذلك عطيفة إلى السلطان، فتأذى لذلك ...
وفي يوم الثلاثاء حضر الأمير رميثة إلى مكة، وقرئ تقليده، ولبس خلعة السلطان الملك الناصر بعد وصول أمان السلطان إليه، وذلك في مستهل جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
؟
اللقب والنسب

الرهاوي أمين الدين عبد الله بن عبد الله. وعز الدين محمد بن عمر.
ابن رواحة نور الدين أحمد بن عبد الرحمن. وزين الدين عبد الرحمن بن رواحة.
الرومي الشيخ شهاب الدين


أحمد بن محمد بن إبراهيم.
بنو ريان جماعة منهم القاضي عماد الدين سعيد بن ريان. وولده تاج الدين محمد. والقاضي جمال الدين سليمان بن أبي الحسن. وولده كمال الدين إبراهيم.
رنكال


بالراء والنون الساكنة والكاف وبعدها ألف ولام: الأمير سيف الدين بن أشبغا، أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق.
كان أبوه من كبار بيوت المغول، وهو إذا رأيته يغتال عقلك منه غول، شكلاً تاما ضخما، وممن لم توجد له في المعرفة عزما، سليم الباطن والطباع، يرغب في العزلة عن الناس والانجماع.
جرد إلى بيروت فكأنما جرد منها إلى تابوت، لأنه ما حمل رنكال منها رنكا، وجد البلى في جسده وأنكى.
وتوفي في بيروت - رحمه الله تعالى - في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
حرف الزاي


الألقاب والأنساب

الزارزاري: شرف الدين موسى بن علي.
الزريزاني: تقي الدين عبد الله بن محمد.
ابن الزريزير: الكاتب الحاسب علي بن معالي.
ابن الزراد: محمد بن أحمد.
ابن الزمر: الإمام النحوي أحمد بن إبراهيم.
الزراق: الأمير عز الدين أيدمر. والأمير علم الدين سنجر.
ابن الزبطر: عيسى بن موسى.
الزرندي: جلال الدين عبد الله بن أحمد.
الزرعي: جماعة: شهاب الدين أحمد بن عمر. وبدر الدين محمد بن سليمان. والقاضي ناصر الدين الزرعي ناصر بن منصور.
أبو زرعة: محمد بن يونس.
زكرياء بن أحمد


ابن محمد بن يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ عمر الملك أبو يحيى صاحب تونس وطرابلس والمهدية وقابس وتوزر وسوسة، البربري المغربي الهنتاني المالكي اللحياني.
كان فقيها، فاضلا نبيها. قد أتقن العربية، واطلع على غوامض المعاني الأدبية، ونظم الشعر، وأتى فيه بالسحر. وكانت له فضائل، وعنده من العلم خمائر كأنها خمائل. إلا أنه كان مبخلا، فلذلك لم يستمر مبجلا.
ملك هذه النواحي، وحكم على مدنها والضواحي، وابتسمت بملكه الثغور البسامة من الأقاحي. ثم إنه رفض ملكه، وقطع من ذلك سلكه. وجاء إلى الإسكندرية وأقام بها واتخذها وطنا، ولم يضق بذلك عطنا.
ولم يزل على حاله إلى أن أغمض طرفه، ومال عليه من الموت جرفه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في المحرم سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده بتونس سنة نيف وأربعين وست مئة.

كان اللحياني قد وزر لابن عمه المستنصر مدة، ثم إنه ملك سنة ثمانين وست مئة، ثم خلع، ثم إنه حج سنة تسع وسبع مئة، واجتمع بالشيخ تقي الدين بن تيمية.
ورد إلى تونس وقد مات صاحبها، فملكوه سنة ثماني عشرة وسبع مئة، فوثب على تونس قرابته أبو بكر، فسار اللحياني إلى ثغر إسكندرية إحدى وعشرين وسبع مئة، وقد رفض الملك، وأقام بها إلى أن مات.
وكان جدهم من أكبر أصحاب ابن تومرت، وكان اللحياني قد أسقط من الخطبة ذكر المهدي المعصوم، وكان جد أبيه قد ملك الغرب بضعاً وعشرين سنة، ثم ابنه المستنص الملقب بأمير المؤمنين، وذلك في الدولة الظاهرية، ودامت دولته إلى سنة ست وسبعين وست مئة. وكان شهماً ذا جبروت، وتسلطن بعده ابنه الواثق بالله يحيى، ثم خلع بعد سنتين وأشهر، وتملك المجاهد إبراهيم، فبقي أربعة أعوام، ثم توثب عليه الدعي أحمد بن مرزوق البجائي الذي زعم أنه ولد الواثق، وتم ذلك له، لأن المجاهد قتل الفضل بن الواثق سرا، فقال: هذا: أنا هو الفضل، وملك عامين. وقام عليه أبو حفص أخو المجاهد، فهرب الدعي، ثم أسر وهلك تحت السياط بعد اعترافه أنه دعي. فتملك أبو حفص ثلاثة عشر عاما، وأحسن السيرة، ثم مات سنة أربع وتسعين وست مئة، وقام أبو عصيدة محمد بن الواثق، فملك خمسة عشر سنة. وكان صالحا مشكورا، وكان اللحياني قد لقب القائم بأمر الله.
ومن شعره ...
زكري بن يحيى


ابن هارون بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن عبد الله، بدر الدين الدشناوي، بالدال المهملة والشين المعجمة والنون ومن بعدها ألف وواو: التونسي.
كان فقيها أديبا، نبيها أريبا، له نظر كأن قوافيه كؤوس، أو أزاهر روضة زاكية الغروس. حدث بشيء منه، ورواه الأكابر عنه.
ولم يزل بالقاهرة إلى أن كمل مدته، وسكن الموت شرته وحدته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ... وسبع مئة.
وروى عنه من شعر زين الدين عمر بن الحسن بن حبيب وغيره.
أنشدني من لفظه الحافظ فتح الدين أبو الفتح اليعمري قال: أنشدني من لفظه ملغزاً في طيبرس:
وما اسمٌ له بعضٌ هو اسم قبيلةٍ ... وتصحيف باقيه تلاقي به العدى
وإن قلته عكساً فتصحيف بعضه ... غياثٌ لظمآنٍ تألّم بالصّدى
وباقيه بالتّصحيف طيرٌ وعكسه ... لكلّ الورى علمٌ معينٌ على الرّدى
ومن شعره في راقص:
يا من غدا الحسن إذ غنّى وماس لنا ... مقسّما بين أبصارٍ وأسماع
قاسوك بالغصن رقصا والهزار غنا ... وما يقاس بمّياسٍ وسجّاع
قد تسجع الورق لكن غير داخلةٍ ... ويرقص الغصن بل في غير إيقاع
ومنه:
لا تسلني عن السّلوّ وسل ما ... صنعت بي لطفاً محاسن سلمى
أوقعت بين مقلتي ورقادي ... وسقامي والجسم حرباً وسلما
ومنه في مليح خطائي:
فقال لي العذول أراك تبكي ... فقلت له بكيت على خطائي
وقلت: أراد التورية بالخطأ مهموزاً مقصوراً ضد الصواب، عن الخطائي وهو المليح التركي الخطائي، وهو ممدود مهموز، فما قعدت معه التورية، وكذلك استعمله جمال الدين بن نباتة فقال: ....
وهو من المادة الأولى في الخطأ وسوء الاستعمال. هذا الكلام على الفصيح الذي هو المشهور عند أهل العلم. وأما اللغة المرذولة المرجوحة الضعيفة التي هي غير فصحى فذاك بمعزل عن الانتقاد.
ومما قلت أنا في مليح خطائي:
أحببت من ترك الخطا ذا قامة ... فضحت غصون البان لمّا أن خطا
إيّاكم وجفونه فأنا الذي ... سهمٌ أصاب حشاه من عين الخطا
وقلت أيضاً:
يا قلب لا تقدم على ... سحر الجفون إذا سطا
ومن العجائب أنّه ... أضحى يصحّ مع الخطا
ومن نظم بدر الدين الدشناوي - موشح:
أيا من عليّ تجنّى ... وقد حاز لطف المعنّى
اجعل من صدودك أمنا
وارحمني وهب لي وصلا ... به أتملاّ
وكن للمكارم أهلاً ... هذا أحلى
زكري بن محمود بن زكري



الشيخ الفقيه الإمام زكي الدين البصروي الحنفي، مدرس الشبلية، وكان قد درس أولاً بالمدرسة الفرخشاهيه، ثم إنه درس أياماً يسيرة في آخر عمره بالشبلية عوضاً عن فصيح الدين المارديني، وأخذت منه الفرخشاهية، وكان ذلك في بعض جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
وتوفي زكي الدين المذكور في سادس عشر رجب من السنة المذكورة، وكانت مدة الولاية أربعين يوماً.
زكري بن يوسف


ابن سليمان بن حامد البجلي: الشيخ الإمام البارع زكي الدين الشافعي.
كان شيخ تعليم وحبر تفهيم. قرأ عليه جماعة من الطلاب، وانتفع به زمرة من ذوي القرائح والألباب، وكان له قدرة على الإفاده، ورد الدرس والإعاده، يجلس في الحائط القبلي، ويظن من يراه لحسن سمته أنه الجنيد أو الشبلي.
ولم يزل على حاله إلى أن عز لحاقه، وأوحش الطلبة فراقه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشري جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمسين وست مئة.
وأول ما خطب نيابةً عن الشيخ جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني بجامع دمشق في يوم الجمعة ثاني عشر شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان ملازماً للإشغال والإفادة والصلاة في الجامع الأموي، وكانت حلقته في الحائط القبلي من الجامع الأموي.
ودرس بالطيبة والأسدية، وأعاد بالعذراوية والعصرونية.
وسمع من جمال الدين الصيرفي، ومن علي بن البالسي، ومن الشيخ شمس الدين، ومن ابن البخاري، ومن محمد بن القواس، وعمر بن عصرون، والرشيد العامري وغيرهم، وحدث.
الألقاب والنسب


بنو الزكي: عبد العزيز عماد الدين بن يحيى. والقاضي تقي الدين عبد الكريم بن يحيى بن محمد.
زمرد بنت أيرق


بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وراء بعدها قاف: الخطوية زوج شيخنا أثير الدين، والدة نضار الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في حرف النون.
سمعت من جماعة وحدثت.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليها بمكة جزءاً خرجه لها زوجها أثير الدين، وكان لها في صحبته نحو من أربعين سنة.
روت عن الأبرقوهي والدمياطي وابن الصواف وابن السقطي والعجوي وعبد القادر بن الصعبي وزينب الإسعردية.
توفيت رحمها الله تعالى سادس عشر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفنت عند ابنتها في البرقية داخل القاهرة، ورثاها الشيخ بأبيات، وجاوزت الخمسين.
الألقاب والأنساب


الزملكاني: فتح الدين أحمد بن عبد الواحد. والشيخ كمال الدين قاضي القضاة محمد بن علي. وعماد الدين محمد بن أحمد.
الزنكلوني: الشيخ مجد الدين إسماعيل بن أبي بكر.
ابن الزيبق: الأمير نجم الدين داود بن أبي بكر. وولده الأمير ناصر الدين محمد بن داود.
الزيرباج: الأمير حسام الدين لاجين.
زهراء: بنت عبد الله بن محمد بن عطا: هي ابنة قاضي القضاة شمس الدين الحنفي، وهي أم علاء الدين علي بن ناصر الدين داود بن بدر الدين يوسف بن أحمد بن مقلد الأذرعي الحنفي.
ابن زهرة: السيد نور الدين حسن بن محمد بن علي. وشمس الدين الحسين بن علي.
ابن زنبور: الوزير علم الدين عبد الله بن أحمد.
الزواوي: شرف الدين عيسى بن مسعود.
زيد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز


الشيخ الفقيه زين الدين أبو كبير المغربي الشافعي.
كان عنده مشاركة في فقه وأدب، وتواريخ ووقائع وأيام العرب، حسن المحاضره حلو المذاكره، إلا أنه كان لتأخره عن المناصب يمنى من حسده بالعذاب الواصب، فينطوي على إحن وترات، وينبض القسي الواترات.
ووقف مرات بين يدي النواب، وكاد يمتهن بأيدي الحجاب، وجرت له في ذلك وقائع، واتفقت له بدائه فيها بدائع، وما أنجح له فيها عناء، ولا رشح له إناء:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
وكان لا يزال مصفرا، معلولاً معفرا.
ولم يزل على حاله إلى أن ضرب زيد، وأصبح يرسف من العدم في قيد.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر الله المحرم سنة اثنتين وستين وسبع مئة. ولعله قد قارب الستين أو تعداها بقليل.
وكان قد باشر في صفد قضاء بعض النواحي، وعاد إلى دمشق وبقي فقيهاً بالمدارس، وكان مقيماً بالمدرسة الأكزية على باب الخواصين، وتوجه إلى مصر مرات، وأحضر تواقيع بولايات، ولم تمض، وكان لا يزال خاملاً. وتوفي رحمه الله تعالى بعلة الاستسقاء.

كتب هو إلي ملغزا: يا مولانا أثقل الله بفواضلك الكواهل، وأخمل بفضائلك الأوائل من الأفاضل، إن أمكن أن تلمح هذا اللغز اللطيف، وتعطيه حظا من سيال فكرك الشريف، تقلد المملوك به مأنة الفضل العميم، وتحلي بورود لفظه كما يتحلى بوجود شخصه بين يدي سيد كريم، وهو: ما اسم يعتني الصائمون غالباً بتحصيله، ويتنافس الأكابر منهم في جملته وتفصيله، خماسي الحروف في الترصيف والترتيب، مسطح الشكالة في البساطة، كري عند التركيب، إن حذفت خمساً رأيته طائراً وسيما قص الأثر فاهتدي به، وغالب في طرق اللؤم تميما، وإن اختلس في أوله كان في الثغور الحصينة لآلئاً في الليل البهيم، وفي سورة القلم ناراً أحرقت الجنة التي أصبحت كالصريم.
عزمت على إهدائه غير مرّة ... إلى بابك العالي فأمسكت عن قصدي
فقد قيل عادات الأكابر أنّهم ... بإهدائه أولى فما جزت عن حدّي
فأوضحه لي معنىً وإن شئت صورةً ... وإن شئت فارسم لي فإني به أبدي
فكتبت إليه الجواب عن ذلك، وهو في قطائف وجهزت إليه منه صحناً:
أمولاي بدر الدين مثلك من يهدي ... نداه وإن كان الضلال غدا يهدي
بعثت بلغزٍ قد حلا منك لفظه ... فأخمل ذكر القطر فضلاً عن الشّهد
فسامح فقد أوضحته لك صورةً ... على أنّه لا بدّ من شرح ما عندي
يا مولانا هذا لغزك بديع المعنى، بعيد المبنى، يترشفه السمع سلافه، ويتلقفه البصر ورداً جنيا متى أراد اقتطافه، قد أغربت في قصده وأحكمت عقد بنده، دلني على معناه حسن مبناه، وقرب البيان من مغناه، فلك الفضل في حله وسح وابله وطله. ومن غرائب خواصه أنه أخذ من اللبن والحلاوة حظا، ومتى صحفت ثلاثة أخماسه عاد فظا، قد راقت العيون ملاحته، وحشيت بالقلوب حلاوته، يختص بشهر رمضان، لأن في قلبه حلاوة كحلاوة الإيمان، بعضه يقلى وكله محبوب، وآخره تحت القطر وأوله فوق الجمر المشبوب، يروقك إذا نثرت عقده، وفصلت زوجه وفرده، وأشبه شيء بالكواعب إذا اشتملت بالمناشف المخمل، وأحسن ما ترى ثرياه إذا اجتمع شملها وتكمل، وأليق ما ينشد إذا جف ثراها وانفصمت عراها:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلاًّ بجرعائك القطر
زين العرب بنت تاج الدين


عبد الرحمن بن عمر بن الحسن بن عبد الله السلمي الدمشقي المعروفة ببنت الجوبراني.
حجت وجاورت بمكة، وكانت شيخة رباط الحرمين، وأقامت برباط درب النقاشة، وتزوجت بالكمال بن العماد الأشتر، وفارقها سنة ثمان وخمسين وست مئة، ولم تتزوج بعده. وهي بنت أخي النجيب محاسن العدل.
وسمعت من الشيخ تاج الدين القرطبي الأربعين السباعيات لعبد المنعم الفراوي، وحدثت بها غير مرة، وسمعت من العز عبد العزيز بن عثمان الإربلي.
وأجازها في سنة ست وثلاثين وست مئة السخاوي، وأبو طالب بن صابر، وإبراهيم الخشوعي، وكريمة، وجماعة من أصحاب ابن عساكر.
وأقعدت في آخر عمرها. وكانت تحفظ أشياء حسنة.
وتوفيت رحمها الله تعالى في أوائل سنة أربع وسبع مئة.
ومولدها تقريباً سنة ثمان وعشرين وست مئة.
الألقاب والألقاب


زين الدار وجيهية: بنت المؤدب علي بن يحيى، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الواو.
زينب بنت عمر


ابن كندي بن سعيد بن علي، أم محمد، ابنة الحاج زكي الدين الدمشقي، زوجها ناصر الدين بن قرقيسن معتمد قلعة بعلبك.
كانت امرأة صالحة خيرة دينة لها بر وصدقة، بنت رباطاً، ووقفت أوقافاً، وعاشت في خير ونعمة، وحجت وروت الكثير، وتفردت في الوقت.
أجاز لها المؤيد الطوسي وأبو روح الهروي وزينب الشعرية وابن الصفار وأبو البقاء العكبري وعبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي وأحمد بن ظفر بن هبيرة.
حدثت بدمشق وبعلبك.
وسمع منها أبو الحسين اليونيني وأولاده وأقاربه، وابن أبي الفتح، وابناه، والمزي، وابنه الكبير، وابن النابلسي والبرزالي وأبو بكر الرحبي وابن المهندس. وقرأ عليها شيخنا الذهبي من أول الصحيح إلى أول النكاح، وسمع منها عدة أجزاء.
وتوفيت رحمها الله تعالى بقلعة بعلبك سنة تسع وتسعين وست مئة.
زينب بنت أحمد



ابن عمر بن أبي بكر بن شكر الشيخة الصالحة المعمرة الرحلة أم محمد المقدسية الصالحية.
سمعت من ابن اللتي، وجعفر الهمداني. وتفردت في وقتها.
وحدثت بدمشق ومصر والمدينة والقدس.
كانت تقيم مع ولدها، وكان مهندساً. وهي والدة الشيخ محمد بن أحمد القصاص.
توفيت رحمها الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
زينب بنت سليمان


ابن إبراهيم بن رحمة الإسعردي المسندة المعمرة الدمشقية، نزيلة القاهرة.
سمعت الصحيح من الزبيدي، ومن شمس الدين أحمد بن عبد الواحد البخاري، وابن الصباح، وعلي بن حجاج، وكريمة. وأجاز لها خلق.
وسمع منها شيخنا الذهبي.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة خمس وسبع مئة، وهي في عشر التسعين.
زينب بنت أحمد كمال الدين


ابن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسية.
شيخة مشيخة مسندة.
سمعت من محمد بن عبد الهادي، وإبراهيم بن خليل، وابن عبد الدايم، وخطيب مردا، وعبد الحميد بن عبد الهادي، وعبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني، وأجاز لها إبراهيم بن الخير وخلق من بغداد.
أجازت لي سنة تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة أربعين وسبع مئة، في تاسع عشر جمادى الأولى عن أربع وتسعين سنة.
زينب بنت يحيى


ابن الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الشيخة الصالحة الأصيلة المسندة أم محمد.
حضرت في الخامسة على عثمان بن علي المعروف بابن خطيب القرافة، وعلى عمر بن أبي نصر بن عوة، وعلى إبراهيم بن خليل.
أجازت لي سنة تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق.
وكتب عنها عبد الله بن المحب.
وتوفيت رحمها الله تعالى في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
زينب بنت إسماعيل بن إبراهيم


الشيخة مسندة الشام، أمة العزيز، بنت المحدث نجم الدين.
حدثت عن ابن عبد الدائم، وخلق.
وتوفيت رحمها الله تعالى عن أكثر من تسعين سنة في المحرم سنة خمسين وسبع مئة، أو في أواخر ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
زينب بنت عبد الرحمن


ابن محمد بن أحمد بن قدامة، الشيخة الصالحة أم عبد الله بنت الشيخ شمس الدين أبي الفرج بن أبي عمر.
سمعت من ابن عبد الدايم، ووالدها.
وأجازت لي. وكتب عنها عبد الله بن المحب.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
حرف السين


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 15 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:43 AM ]


سارة بنت عبد الرحمن

ابن أحمد بن عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير المقدسية، أم محمد الشيخ المسند شمس الدين أبي الفرج.
سمعت من إبراهيم بن خليل، وروت عنه.
قرأ عليها شيخنا علم الدين البرزالي بطريق الحجاز باللجون من عمل الكرك، وفي الحجر.
وتوفيت رحمها الله تعالى رابع عشري شوال سنة ست عشرة وسبع مئة.
سالم



الأمير سيف الدين السلاح دار.
كان أميراً كبيراً مقدماً في الديار المصرية، صاهر الأمير سيف الدين سلار أيام نيابته، وأخرجه السلطان الملك الناصر محمد إلى دمشق.
وكان إقطاعه بمصر إقطاعاً كبيراً إلى الغاية، وكانت له بدمشق حرمة وافرة، وفيه ديانة وخير.
وتوفي رحمه الله تعالى في الحادي والعشرين من شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح جبل قاسيون.
سالم بن محمد بن سالم



ابن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد الرئيس، أمين الدين أبو الغنائم ابن الحافظ أبي المواهب بن صصرى التغلبي الدمشقي الشافعي.
حدث عن مكي بن علان. وسمع من خطيب مردا، والرشيد العطار، والرضي بن البرهان، وإبراهيم بن خليل، وجماعة.
وكان على وجهه شامة كبيرة حمراء.
كان عدلا لا يقبل في المروءة عذلا، ظاهر المروءه، طاهر السريرة المخبوءه.
باشر الوظائف الكبار بأمانة خشنه، ولم ير الناس منه إلا حسنه، صحب الناس وتأدب، وانفصل عنهم فما ندر أحد عليه ولا ندب.
ولم يزل على حاله إلى أن أدرك العطب سالم، وسلك من اندرج من العوالم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين وست مئة.
كان قد ولي نظر الخزانة، وولي نظر الدواوين بدمشق، وغير ذلك، ثم إنه حج وجاور، ثم عاد إلى دمشق، وتنظف من ذلك جميعه، وأقبل على شأنه، ولازم منزله حتى لقي الله تعالى.
سالم بن أبي الدر




الشيخ الإمام مدرس الشامية الجوانية، أمين الدين الشافعي.
قرأ على الكراسي مدة، ونسخ من مسموعاته عدة، ورتب صحيح ابن حبان، وروى عن ابن عبد الدائم للشبان.
وكان ذا دهاء، ومكر بأمور الادعاء.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه مولاه، وراح إلى الله وتولاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع شعبان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
وكان إمام مسجد الفسقار، وعنده خبرة بالدعاوي ونقضها.
وسمع منه شيخنا الذهبي مشيخة ابن عبد الدائم، وعاش اثنتين وثمانين سنة.
وهو سالم بن عبد الرحمن بن عبد الله، الشيخ أمين الدين، أبو الغنائم بن أبي الدر الدمشقي الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً، اشتغل وحفظ وحصل، ولازم الشيوخ وأثنى عليه مشايخ عصره، مثل الشيخ محيي الدين النواوي، وشرف الدين بن المقدسي، وغيرهما.
وكان قد اشتغل أولاً على قاضي القضاة عز الدين بن الصائغ، وبعد ذلك على الشيخ محيي الدين النواوي. وكان إمام مسجد ابن هشام، ومعيداً بالمدارس، ثم إنه ولي تدريس المدرسة الجوانية، وكان مشهوراً بمعرفة الحكومات، والكتب الحكمية، وكان ذا مروءة وعصبية. وكان له ثبت بمسموعاته.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
سالم بن ناصر الدين


الفقيه شرف الدين.
كان قاضي قارا وخطيبها ورئيسها، ونجي مكارمها ونجيبها، شاعراً مفوهاً، أديباً لم يكن وجه فضله مشوهاً، أقام بقارا مدة من الزمان، ومد فيها للأضياف كبار الجفان.
ولم يزل على حاله إلى أن درج من عش حياته، وغاض الوفاء عند الوفادة بوفاته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومن شعره ....
سالم بن أبي الهيجاء



ابن حميد بن صالح بن حماد، الإمام الفقيه القاضي مجد الدين أبو الغنائم الأذرعي الشافعي.
كان فقيهاً فاضلا، سؤوساً عاقلا، كثير التلاوه، وعنده بعد ذلك من الأدب علاوه، يحفظ كثيراً من الأشعار، ويتلقفها ويأخذها ليلقنها بأغلى الأسعار. حسن الهيئه، كريم الرجعة والفيئه، خبيراً بالأحكام، قوي النفس على من تعلى من الأنام، وكانت له حرمه، ولم تحفظ عنه جرمه.
توجه إلى مصر بعد ما انفصل من قضاء نابلس، فأدركه أجله هناك، وقال له عمله المبارك: بلغت مناك.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة ثامن عشر شهر رجب الفرد سنة خمس وسبع مئة. وعاش ثلاثاً وسبعين سنة.
ومولده بقرية جمحا، قرية بالقرب من أذرعات.
وهو والد شمس الدين محمد محتسب نابلس، وشهاب الدين أحمد وكيل الحاج أرقطاي.
وروى عن الحافظ ضياء الدين المقدسي.
سالم الأمين الموصلي المنجم



كان شيخاً في النجامة قد تميز، ومال إلى معرفة هذا العلم وتحيز، يحل الأزياج ويكتب التقاويم، ويعرف عروض البلدان ومواقعها من الأقاليم، وله دربة في تلك الأوضاع، وتلك الأمور التي لا يعرفها إلا من امتد منه الباع.
لم يزل على حاله إلى أن لم يبق عمره دقيقه، واستوفى جليل أجله ودقيقه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
اللقب والنسب



السامري: سيف الدين أحمد بن محمد.
سبط زيادة: الحسن بن عبد الكريم.
ابن السابق: علي بن عثمان عبد الواحد.
ابن سامة: محمد بن عبد الرحمن.
السبكي: جماعة منهم: قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي. وولده القاضي جمال الدين الحسين. وتقي الدين محمد بن عبد اللطيف. والقاضي زين الدين عبد الكافي بن علي. وصدر الدين بن علي.
ابن السباك: الشيخ تاج الدين الحنفي، علي بن سنجر.
ست الوزراء



الشيخة الصالحة المعمرة مسندة الوقت أم عبد الله ابنة القاضي شمس الدين عمر بن العلامة شيخ الحنابلة، وجيه الدين أسعد بن المنجا بن أبي البركات التنوخية الدمشقية الحنبلية.
سمعت الصحيح ومسند الشافعي من أبي عبد الله بن الزبيدي، وسمعت من والدها جزأين.
كانت مسندة العصر، وخريدة الرواية في القصر، رزقت الحظوة الباهره، وطالت بذاك النجوم الزاهره، فحدثت بالصحيح مرات، وفازت من ذاك بالصلات والمبرات، وكانت ثابتة على طول التسميع، مديدة الروح على الشروط وما يطرأ عليها من التفريع؛ إلا أنها انثالت عليها الجوائز، ولم تكن كمن عداها من العجائز.
وطلبت إلى مصر، وسمع منها الأمير سيف الدين أرغون النائب، والقاضي كريم الدين الكبير.


ولم تزل على حالها إلى أن لم تجد ست الوزراء من الموت وزرا، وصال الدهر على أهلها بفقدها وزرى.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولدها سنة أربع وعشرين وست مئة.
وحجت مرتين، وتزوجت بأربعة رجال رابعهم نجم الدين عبد الرحمن بن الشيرازي. وكان لها ثلاث بنات.
قرأ عليها شيخنا الذهبي مسند الشافعي، وهي آخر من حدث بالكتاب. وسمع منها الوافي، وابن المحب، والقاضي فخر الدين المصري، والشيخ صلاح الدين العلائي، والشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني، وخلق كثير.
؟
ست الفقهاء

ابنة إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل، الشيخة الصالحة المعمرة المسندة بنت الإمام تقي الدين بن الواسطي الصالحية الحنبلية.
سمعت حضوراً جزء ابن عرفة في سنة خمس من عبد الحق بن خلف. وسمعت من إبراهيم بن خليل وغيره. وسماعها قليل، لكن لها إجازات عالية من جعفر الهمداني، وأحمد بن المعز الحراني، وعبد الرحمن بن بنيمان، وعبد اللطيف بن القبيطي، وروت الكثير، وسمعوا منها سنن ابن ماجة وأشياء.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة ست وعشرين وسبع مئة. ولها اثنتان وتسعون سنة.
ست العرب



ابنة سيف الدين علي بن الشيخ رضي الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسي. الشيخة الصالحة أم محمد.
حضرت على ابن عبد الدائم جزء ابن عرفة، وحدثت وسمع منها شيخنا علم الدين البرزالي، وأجازت لي.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وإجازتي منها كانت في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ست القضاة



أم محمد بنت القاضي محيي الدين بن القاضي تاج الدين أحمد الشيرازي.
قاربت التسعين سنة.
روت عن كريمة بنت عبد الوهاب مشيختها ثمانية أجزاء، والزهاد والعباد لابن الأزهر البلخي، ولم يوجد لها سوى ذلك.
وتزوجت بالشيخ مجد الدين الروذراوري، ثم بالبدر بن الخرقي، ثم بغيره.
وتوفيت رحمها الله تعالى في ثامن عشري القعدة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ست الأمناء



بنت الشيخ صدر الدين أسعد بن عثمان بن أسعد بن المنجا، وهي أخت والدة الخطيب معين الدين بن المغيزل وإخوته. وكانت تدعى أم عز الدين، وهو ولدها الأول.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روت الحديث، وسمعنا عليها من جدها، وكانت أكبر من عمها وجيه الدين بسنتين.
توفيت رحمها الله تعالى بالسعيدية قبل دخول القاهرة في أواخر شهر ربيع الأول سنة سبع مئة في الجفل.
ست الوزراء



أم محمد ابنة الشيخ العدل الرئيس تاج الدين أبي الفضل يحيى بن مجد الدين أبي المعالي محمد بن شمس الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ المسند أبي يعلى حمزة بن علي بن هبة الله بن الحبوبي التغلبي الشيخة.
حجت وأعتقت ولازمت الخير، وغلبت السوداء عليها آخر عمرها، فتغير ذهنها نحو سنة.
لها إجازة من الشيخ علم الدين السخاوي والحافظ ضياء الدين المقدسي وعز الدين بن عساكر النسابة، والضياء عتيق السلماني وتاج الدين القرطبي، وسالم ابن عبد الرزاق خطيب عقربا، وأخيه الجمال يحيى والعز أحمد بن إدريس المزة، والصفي عمر بن البراذعي، والرشيد بن مسلمة وغيرهم. وحدثت قديماً.
توفيت رحمها الله تعالى يوم الخميس رابع شوال سنة خمس عشرة وسبع مئة ومولدها سنة تسع وثلاثين وست مئة.
ست العلماء



المعروفة بالبلبل. شيخة رباط درب المهراني بدمشق.
كانت قوامة بالليل لأدوارها، ملازمة للصلاة على سجادها، مشهورة بحسن الوعظ والتذكير، والمبادرة إلى المواعيد والتبكير.
ولم تزل على حالها إلى أن خرس البلبل منها، وقام الناعي بالذكرى عنها.
وتوفيت رحمها الله تعالى ثالث عشري شهر رجب الفرد سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وكانت جنازتها حافلة بالنساء.
ست الأهل



بنت علوان بن سعيد بن علوان بن كامل. الشيخة الصالحة المسندة البعلبكية الحنبلية.
روت الكثير عن الشيخ بهاء الدين عبد الرحمن المقدسي، وتفردت عنه بقطعة من المسموعات.
قال شيخنا البرازلي: قرأت عليها بدمشق الزهد للإمام أحمد في أربع مجلدات وأجزاء كثيرة. وقرأت عليها ببعلبك عوالي البهاء عبد الرحمن، ومحاسبة النفس لابن أبي الدنيا.
وكانت من أهل الدين والصلاح والقناعة، لا تبالي بنفسها في مأكل ولا غيره.
وتوفيت رحمها الله تعالى في تاسع عشر المحرم سنة ثلاث وسبع مئة.


وكان أبوها من الصالحين الكبار.
ستيتة


الخاتون بنت الأمير سيف الدين كوكائي، زوج الأمير سيف الدين تنكز رحمهم الله تعالى.
كانت خيرة صينة دينة. ترد زوجها عن أشياء كثيرة. وهي والدة الخوندة أم السلطان الملك الصالح صلاح الدين صالح، وأم فاطمة زوج الأمير سيف الدين بلجك ابن أخت الأمير سيف الدين قوصون.
توفيت رحمها الله تعالى في ليلة الاثنين ثالث شهر رجب الفرد سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفنت في التربة التي لها على باب الخواصين بجانب المدرسة الطيبة، وعمل إلى جانب التربة رباط للنساء.
وكانت قد حجت في العام الماضي، وتصدقت بشيء كثير.
اللقب والنسب



ابن سحاب: أحمد بن سليمان.
السخاوي: نور الدين قاضي القضاة المالكي، علي بن عبد النصير.
السديد الدمياطي، الطبيب اليهودي



كان من أطباء السلطان الملك الناصر محمد، لا يدخل الرئيس جمال الدين بن المغربي إلى دور السلطان في الغالب إلا وهو معه.
وكان شيخاً قد أسن، وأشبه الشن، نحيفاً مائل الرقبه، قليل البشر كما يقال، كأن وجهه عقبه، إلا أنه فاضل في صناعته، ماهر في إنفاق ما معه من بضاعته، على ذهنه شيء كثير من إقليدس، ومسائل مما يحتاج إليه المهندس، وعلى ذهنه جزء كبير من الطبيعي وغيره، ويستحضر كثيراً من كلام الأطباء الذين يحتاج إلى أن يكونوا سبب خيره. وكان سعيد العلاج، يكاد يبري الاستسقاء والانفلاج، لم يكن في عصره من له سعادة علاجه، ولا من يدخل إلى المريض بواسطة مزاجه. حضرت علاجه في جراحة القاضي شرف الدين ناظر الخاص، وكان إذا تكلم يسمع له والمجلس بالأفاضل غاص، وسمعت منه فوائد، وجمعت عنه فرائد.
ولم يزل السديد إلى أن حصل به الخطب الشديد، ولم ينفعه علاج قديم ولا جديد.
وهلك في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة فيما أظن.
وكان قد قرأ على الشيخ علاء الدين بن النفيس، وحضر مباحثه مع قاضي القضاة جمال الدين بن واصل.
وذكر لي أشياء من فوائد الشيخ علاء الدين المذكور.
الألقاب والأنساب



ابن السديد: شمس الدين أحمد بن علي. وجمال الدين محمد بن عبد الوهاب. ومجد الدين هبة الله بن علي.
السروجي: قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم.
السروجي: المحدث محمد بن علي.
سعد الله بن غنائم



ابن علي بن ثابت، أبو سعيد الحموي النحوي المقرئ الضرير.
كان ذا دين متين، وفضل مبين، ضرير النظر، غزير البحث والنظر. أقرأ الناس وأفاد، وفاز منهم بشكر ماله من نفاد.
ولم يزل على حاله إلى أن طوحت به الطوائح، واجتاحته الجوائح.
وتوفي رحمه الله تعالى ستة عشر وسبع مئة.
الألقاب والألقاب



ابن بنت أبي سعد: فخر الدين عثمان بن علي.
والمسند ابن سعد: يحيى بن محمد.
أبو السعود



ابن أبي العشائر بن شعبان الباذبيني، ثم المصري. الشيخ الصالح الزاهد، شيخ الفقراء السعودية.
كان صاحب عباره، ورب مجاز وعباره، وفيه انجماع وزهاده، وأذكار وعباده، وله أتباع، ومريدون يرون أن طريقه تشترى وما تباع، وسوقه بمصر قائمه، وقلوب أصحابه فيه هائمه.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ الأجل منه، وانصرف وجه الحياة عنه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
الألقاب والألقاب



السعودي: جماعة منهم: سيف الدين عبد اللطيف.
السعودي: الشيخ أيوب.
سعيد بن ريان بن يوسف بن ريان



الصدر الكبير الرئيس القاضي عماد الدين الطائي ناظر حلب.
كان من أحسن الناس وجهاً وقدا، وشكالة من ألف بالنظر إليها ما تعدى، بزته فاخره، وسعادته ظاهره، واسع الصدر، نبيه القدر، كريم البنان، صحيح البيان، فصيح المقاله، سريع الإقاله، سماطه ممدود، واحتياطه غير مردود، سعيد المباشره، حميد المعاشره، جيد التنفيذ والتصرف، خبيراً بالتودد والتعرف، قوي النفس لا يعبأ بمن ناواه، ولا يبالي بمن يزعم أنه ساواه.
ولم يزل على حاله في تقلب الدهر به إلى أن جاءه الأمر المقضي، وتصبح من موته بما لا يرضي.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رجب سنة ثمان وسبع مئة.
باشر نظر الديوان بحلب مرات، وطلب إلى مصر وصودر، وأخذ منه على ما قيل: أربع مئة ألف درهم.


وكان شرف الدين بن مزهر في تلك الأيام بمصر، وكان يحضر في دار الوزارة بقلعة الجبل، ويشكو عطلته وبطالته وضيق ذات يده، ويقول: والله ما تعشيت البارحة إلا على سماط عماد الدين بن ريان، يا قوم ما هذا إلا رجل كريم النفس، كان البارحة على سماطه من الحلاوة أربعة صحون، وكان .. وكان ..، ويعدد أشياء، يقصد بذلك أذاه في الباطن، وهو في الظاهر يثني عليه ويتغمم له لأنه كان تلك المدة يحمل في المصادرة، وحط عليه الجاشنكير، وقال: ما بقيت أستخدمه في ديوان السلطان أبداً. فقال الأمير سيف الدين سلار: أنا أستخدمه في ديواني، فجعله ناظر ديوانه في دمشق، فحضر إليها، ورأى فيها من السعادة والوجاهة والتقدم أمراً زائداً عن الحد، وصحب الناس فيها، وعاشر أهلها ورؤساءها من أرباب السيوف والأعلام، وظهر بمكارم أخجلت صوب الغمام.
ولما كان في رابع شوال وصل شرف الدين عبد الرحمن بن الصاحب فخر الدين بن الخليلي مباشراً ديوان سلار عوضاً عن عماد الدين بن ريان، وذلك سنة سبع وسبع مئة. ولم يزل إلى أن حج وعاد مع الركب المصري، ورسم له بنظر حلب على عادته، وأخذ توقيعه بذلك، وحضر إلى دمشق فمرض بها، ومات رحمه الله تعالى.
وكان يكتب جيداً إلى الغاية، ويقول الشعر طباعاً. كتب إلى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وهو بدمشق مشد الدواوين:
يا من إذا استنخي ليوم كريهةٍ ... هزّت شمائله المروءة فانتخى
أنت الذي يخشى ويرجى دائماً ... وإليك يلجأ في الشدائد والرّخا
وإذا الحروب توقّدت نيرانها ... أطفأتها بعزيمة تجلو الطخا
وإذا تميل إلى الكسير جبرته ... وعلى العليّ من الجبال تفسّخا
حزت المكارم والشجاعة والفت ... وّة والمروّة والنباهة والسّخا
وأتت لك الأقدار فهي كما تشا ... بمحلّك العالي غدت تجري رخا
؟
سعيد بن عبد الله

الإمام الفاضل العالم الحافظ نجم الدين أبو الخير الدهلي، بالدال المهملة المكسورة وبعدها هاء ساكنة ولام، الحنبلي الهلالي الحريري صنعةً.
رحل من بغداد، وحضر إلى الشام، وتوجه إلى مصر، وثغر الإسكندرية.
أكثر عن بنت الكمال، وابن الرضي، وتعب وحصل الأجزاء.
وكان له عمل جيد وهمه، ورحلة للأقاليم وعزمه، لم يكن آخر وقت مثله في هذا الشان، ولا من يدانيه في علو المكان؛ لأنه يعرف التراجم والوفيات، وما فيها من اختلاف الروايات، وهذا أمر قل من رأيته يعتني به، أو يرعى اختلاف ترتيبه، وكان بعد شيخنا الذهبي قائماً بهذا الشأن في الشام، وبعده لم يبق في هذا الفن بشاشة تشتام.
وله تواليف كتبت عليها أنا وغيري من فضلاء العصر تقريضا، ومدحناه فيها تصريحاً لا تعريضا.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن تعثر سعيد في طريق أجله، وراح إلى الله تعالى في عجله، لأنه بصق دماً يومين، ومات في الثالث رحمه الله تعالى وذلك في خامس عشري القعدة سنة تسع وأربعين في طاعون دمشق.
ومولده سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
وكان قد سمع علي بعض تواليفي.
قال شيخنا الذهبي: سمع المزي من السروجي عنه. ومن تصانيفه كتاب تفتت الأكباد في واقعة بغداد، وكتبت له عليه تقريضاً. والرحلة الثانية إلى مصر، وكتبت له عليها ما نسخته: وقفت على هذا السلك الذي جمع در القريض، والروض الذي تنظر النجوم الزهر إلى زهره استحياءً بطرف غضيض، والسحر الذي ما نفث مثله في أحشاء العشاق كل طرف فاتر ولا جفن مريض، والأدب الذي لو حاوله شاعر لوقع منه في الطويل العريض، لأنه اختيار الشيخ الإمام الرحال الجوال نجم الدين سعيد الدهلي الحريري الحنبلي أدام الله به الانتفاع، وشنف بأقواله الأسماع:
إمام إذا ناداه في الفضل حاسد ... تعثّر علما إنّ ذاك سعيد
كذلك لو جاراه في أمد العلا ... لقلنا اقتصر فالنجم منك بعيد
ولم يسمه بالفوائد سدى، ولا وسمه بهذه السمة إلا وهي واضحة الهدى، علماً منه بأن الفاضل لن يجهله، وأن الفوائد جمع لا نظير له، فالله تعالى يمتع الفضلاء بفوائده المدونة، ومحاسنه التي هي كفواكه الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
كتب في شهر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
سعيد بن أحمد بن عيسى




الشيخ الإمام الفاضل العدل نجم الدين، القاضي أبي العباس الغماري المالكي.
كان معيداً بالمدرسة الناصرية والمنكوتمرية. كان فيه مخالطه، وإبهام للناس بالناس ومغالطه، مع كيس ولطف ذوق، وتقلبات لا يجيء فيها إلا من فوق، وعنده فقه، وله نظم ما به من باس، ومحاضرة مخرق بها فستر ذلك الإلباس، وحصل من الدنيا جملة وافرة، ولم يكن له من يرثها بعده، ولم يتزود منها غير الكفن لما نزل لحده.
ولم يزل على حاله إلى أن طمس نجمه، ورمس فوقه رجمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ودفن في مقابر باب النصر بالقاهرة.
كانت فيه مداخلة للناس ومزاحمة، وكان يصحب أولاد ابن الأثير، وأوهم بذلك حتى قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، فكان لا يجهز إلى مصر شيئاً حتى يجهز إلى النجم سعيد نصيبه.
وخلف جملة صالحة، ولم يكن له وارث.
سعيد بن محمد بن سعيد


القاضي الرئيس الأصيل الكاتب، شمس الدين بن الأثير الموقع.
كان رجلاً عاقلاً ملازماً لوظيفته، لا يدخل نفسه فيما لا يعنيه. وله اشتغال، وولي كتابة الإنشاء بدمشق.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر القعدة سنة إحدى وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون بتربة اشتريت له.
سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد



القاضي شمس الدين بن الصدر شرف الدين بن الأثير، سبط القاضي محيي الدين بن فضل الله.
توفي رحمه الله تعالى شاباً ابن ثماني عشرة سنة، وفجعت والدته فيه.
وكان من جملة كتاب الإنشاء. وكتب صداقه، ولم يدخل بزوجته.
ومات في جمادى الأولى سنة عشرين وسبع مئة.
سفرىبنت يعقوب



بن إسماعيل بن عمر، عرف بقاضي اليمن، الشيخة الصالحية المعمرة أم محمد.
سمعت من جدها إسماعيل، وأخيه إسحاق جزء أبي القاسم الكوفي. أجازت لي في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق، وأذنت في ذلك لعبد الله بن المحب.
وتوفيت رحمها الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
الألقاب والألقاب



السفاقسي

الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد. وأخوه شمس الدين محمد بن محمد.
ابن السفاح



كاتب سر حلب زين الدين عمر بن يوسف. وعمه قاضي قضاة حلب نجم الدين عبد القاهر.
ابن السقطي



جمال الدين محمد بن عبد العظيم.
ابن السكاكري



بدر الدين علي بن محمد.
ابن سكرة



ناظر دمشق بهاء الدين أبو بكر.
ابن السكري



علي بن عبد العزيز.
ابن السكري



علي بن قيران.
السكندري



قاضي طرابلس شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن منصور.
السكاكيني



محمد بن أبي بكر.
ابن السلعوس



شهاب الدين أحمد بن عثمان. وتقي الدين عمر بن محمد بن عثمان.
ابن سلامة



بهاء الدين موسى بن عبد الرحمن.
سليمان بن إبراهيم بن سليمان



القاضي علم الدين أبو الربيع، المعروف بابن كاتب قرا سنقر، في الديار المصرية.
وكان في الشام يعرف بالمستوفي، وورد من الديار المصرية أولاً مستوفي النظر بدمشق، ثم عزل في أيام الصاحب أمين الدين، وصودر، وذلك في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن، ثم إنه باشر نظر البيوت والخاص.
ثم إنه في أيام قطلوبغا باشر صحابة الديوان، وكان في مصر أولاً في زكاة الكارم، ثم إنه باشر عند الأمير سيف الدين منكلي بغا الناصري السلاح دار. وكان أولاً مع والده عند قرا سنقر، وهو خصيص به، وتوجه معه إلى البرية، وعاد منها.
وكان من ذوي المروءات، وأولي الرغبة في الفتوات، يخدم الناس بجاهه وماله، ويولي الإحسان قبل سؤاله.
وكان النظم عنده أهون من التنفس، وأسرع من القطر عند التبجس، فكنت أتعجب من أمره، ويحصل لي نشوة من كؤوس خمره، مع أنه نظم عذب أمضى من عضب، قد خلا من التعقيد والتعاظل المكروه، وانسجم فلا يظهر عليه كلف تكلف، ولا يعروه.
وكان فصيحاً في اللغة التركيه، وما يورده من عباراتها المحكيه، وكان للكتب جماعه، ونفسه في الاستكثار منها طماعه، حصل منها شيئاً كثيرا، واقتنى منها أمراً كبيرا.
وكان خطه أبهى من الرياض، وأبهج من ترقرق المياه في الحياض. وكتب بخطه كثيراً من المجلدات، وجمع مجاميع هي بين الأدباء مخلدات.
وكان في صناعة الحساب بارعا، وفي عقد الجمل للبرق مسارعا.


وصحب الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وجمع شعره ودونه ورواه عنه. وروى من شعر ابن سيد الناس وأكثر منه.
ولم يزل على حاله إلى أن زال من الحياة ملك سليمان، وراح ولم ينفعه مما جمع غير التوحيد والإيمان.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد سابع عشري جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده ثامن عشر المحرم سنة سبع وسبعين وست مئة.
كتب هو إلي وأنا بالقاهرة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة:
يا غائباً غاب عن عيني فلم تنم ... وذاهباً فضله قد شاع في الأُمم
سافرت عنا فطال الليل في سهدٍ ... فنحن بعدك في ظلم وفي ظلم
آنست مصر وأوحشت الشآم فيا ... خلوّه من حلى الآداب والكرم
ليهن مصر صلاح الدين كونك في ... أرجائها كاتباً في أشرف الخدم
جمّلت ديوان إنشاءٍ حللت به ... يا خير حبر يوشّي الطّرس بالقلم
فما محيّاك إلا بدر داجيةٍ ... وما يمينك إلاّ ركن مستلم
سقياً لأيام أنسٍ كان رونقها ... بفضل أنسك فينا وافر القسم
نجني فضائلك الغرّ الحسان ولا ... نعبا بروضٍ سقاه وابل الدّيم
أقسمت لا فرق ما بين الجواهر في ... عقدٍ وبين الذي تبدي من الكلم
فالله يبقيك ما ناحت مطوّقةٌ ... فيما نرجّيه من سعد ومن نعم
فكتبت أنا الجواب إليه:
بالغت في الجود والإحسان والكرم ... وزدت في شرف الأخلاق والشيم
وما رضيت بغايات الأولى سبقوا ... إلى المعالي ولا ترضى بعزمهم
حتى تحوز على الجوزاء مرتقياً ... إلى معاني لم تخطر بفكرهم
وتدرك المجد سبّاقا وشغلهم ... في عثرة القول أو في عثرة الكلم
كم اجتهدت لعليّ أن أفوز فلم ... أفز سوى مرةٍ في الدهر بالخدم
وأبعدتني الليالي بعد ذاك وفي ... قلبي حلاوة ذاك اللطف والشيم
فكنت كالمتمنّي أن يرى فلقا ... من الصباح فلما أن رآه عمي
فليت دهري يسخو لي بثانيةٍ ... حتى أعود إليها عود مغتنم
وأجتلي أوجه اللذات سافرةً ... عن كل مغنىً حوى صنفاً من النّعم
فما خلائقك الحسنى التي بهرت ... عقلي سوى زهرٍ في الروض مبتسم
أو نسمةٍ خطرت بالبان نفحتها ... ولا أقول سرت بالضّال والسّلم
وما عبارتك المثلى سوى دررٍ ... والناس تحسبها ضرباً من الكلم
كم التقطت ومولانا يسامرني ... جواهر الفضل والآداب والحكم
وكم معانٍ كأنّ السحر نضّدّها ... لم تبق عندي عقابيلا من السقم
نعم وأبيات شعرٍ راق موردها ... لم أنسهنّ وما بالعهد من قدم
آها لأيّامنا بالخيف لو بقيت ... عشراً وواهاً عليها كيف لم تدم
يا سيداً بندى يمناه صحّ لنا ... أنّ الغمام بخيلٌ غير منسجم
وماجداً جدّ في كسب العلى فغدا ... تخشى الصوارم منه صولة القلم
شوقي إلى لثم ذاك زاد على ... شوق الرياض إذا جفّت إلى الديم
ووحشتي لمحياك الجميل هل اس ... توحشت قطّ لبدر التم في الظلم
ووحشتي لفوات القرب منك كما ... تجسّر الساهد المضنى إلى الحلم
فهذه بعض أشواقٍ أكابدها ... في وصفها قلمي ساوى لنطق فمي
أظهرت وجدي ولم أكتم لواعجه ... ومن يطيق خفا نار على علم
وأنشدني غالب نظمه من لفظه لنفسه، فمما أنشدني لنفسه قوله ينحو فيه ما نحاه الشيخ تقي الدين السروجي في أبياته المشهورة:
قصّة الشوق سر بها يا رسولي ... نحو من قربه مناي وسولي
عند باب الفتوح حارةٌ بها الد ... ين تحت الساباط قف يا رسولي
وإذا ما حللت تلك المغاني ... قف بتلك الطلول غير مطيل
وتأمّل هناك تلق غرير الط ... رف أحوى يرنو بطرفٍ كحيل

من بني الترك فاتر الطرف يرمي ... بنبال الجفون كل نبيل
ألفيّ القوام قد ألف الهج ... ر دلالاً على المحبّ الذليل
فإذا قال أُوزي نجك در سلام بر ... كيف حال المضنى الكئيب العليل
قبّل الأرض ثم قدّم إليه ... قصةً قدّمت بشرح طويل
فإذا قال أُوزي نجك در سلام بر ... كيف حال المضنى الكئيب العليل
قل قلن خش دا كل تلاماس دن ... ادن إلاّ سني بلا تطويل
كال سني كرمسكين كشي شفّه الوج ... د فأضحى حلف الضنى والنحول
وأما أبيات الشيخ تقي الدين عبد الله بن علي السروجي فأنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين أبو الفتح اليعمري والقاضي الرئيس عماد الدين إسماعيل بن القيسراني، كلاهما قال: أنشدنا من لفظه لنفسه الشيخ تقي الدين السروجي، وأكثر الأبيات أنشدنيها القاضي عماد الدين:
يا ساعي الشوق الذي مذ جرى ... جرت دموعي فهي أعوانه
خذ لي جواباً عن كتابي الذي ... إلى الحسينيّة عنوانه
فهي كما قد قيل وادي الحمى ... وأهلها في الحسن غزلانه
امش قليلاً وانعطف يسرةً ... يلقاك درب طال بنيانه
واقصد بصدر الدرب دار الذي ... بحسنه يحسن جيرانه
سلّم وقل يخس من كي من ... اشت حديثاً طال كتمانه
كنكم كرم ساوم اشي أط كبي ... فحبّه أنت وأشجانه
واسأل لي الوصل فإن قال يق ... فقل أُوت قد طال هجرانه
وكن صديقي واقض لي حاجة ... فشكر ذا عندي وشكرانه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غرامي فيك قد أضحى غريمي ... وهجرك والتجني مستطاب
وبلواي ملالك لا لذنب ... وقولك ساعة التسليم طابو
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أيا من قد رمى بسهم ... من الأجفان فهو أشدّ أقجي
أيحسن منك أن أشكو غرامي ... فتعرض نافراً وتقول يقجي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قلت له كم تشتكي ... وتشتهي خذ واتكي
فقال: لا قلت: له ... لا تشتهي وتشتكي
وأنشدني من لفظه لنفسه، وقد توفيت زوجته:
إنّي لأعجب لاصطباري بعدما ... قد غيّبت بعد التنعّم في الثرى
هذا وكنت أغار حال حياتها ... من مرّ عاطفة النسيم إذا سرى
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أقول لقلبي حين غيّبها الثرى ... تسلّ فكلٌّ للمنية صائر
وفي كل شيء للفتى ألف حيلة ... ولا حيلةٌ فيمن حوته المقابر
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تقول بحقّ ودّك عدّ عنّي ... ودعني ما الكؤوس وما العقار
وهاريقي وكاسات الحمّيا ... وذق هذا وذا ولك الخيار
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا تقل قد قبلت عقد نكاحٍ ... وبصدق الصّداق لا تك راضي
وإذا ما عجزت قل بالتسرّي ... لم، وإلاّ بغير علم القاضي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قالت وقد راودتها عن حالة ... يا جارتي لا تسألي عمّا جرى
إني بليت بعاشق في أيره ... كبرٌ فلا فلسٌ ويطلب من ورا
سليمان بن إبراهيم


بن إسماعيل الملطي الحنفي

القاضي الفقيه شمس الدين أبو محمد.
ناب في الحكم مدة طويلة بدمشق، ودرس بالظاهرية وغيرها، وناب بالقاهرة في الحكم لما توجه إليها في الجفل.
وكان رجلاً صالحاً مباركاً متواضعاً.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت نصف ذي القعدة سنة ثلاث وسبع مئة.
سليمان بن إبراهيم بن سليمان



ابن داود بن عتيق بن عبد الجبار، القاضي صدر الدين المالكي.
تولى قضاء الشرقية والغربية من الديار المصرية، وسافر رسولاً من جهة السلطان إلى بغداد.
توفي رحمه الله تعالى حادي عشري شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
سليمان بن أحمد




ابن الحسن بن أبي بكر بن علي، تقدم تمام النسب في ترجمة ولده الحاكم أحمد بن سليمان، هو أمير المؤمنين أبو الربيع المستكفي بالله بن الحاكم بأمر الله الهاشمي العباسي البغدادي الأصل، المصري المولد.
قرأ واشتغل قليلاً، وخطب له عند وفاة والده سنة إحدى وسبع مئة، وفوض جميع ما إليه من الحل والعقد إلى السلطان الملك الناصر محمد، وسارا معاً إلى غزو التتار، وشهدا مصاف شقحب في شهر رمضان سنة اثنين وسبع مئة، وهو مع السلطان راكب، وجميع كبار أمراء الجيش مشاة، وعليه فرجية سوداء مطرزة وعمامة كبيرة بيضاء بعذبة طويلة، وقد تقلد سيفاً عربياً محلى.
ولما فوض الأمر إلى الجاشنكير، وقلده السلطنة بعد توجه السلطان الملك الناصر، ولقب المظفر، عقد له اللواء، وألبسه خلعة السلطنة: فرجية سوداء وعمامة مدورة، وركب بذلك والوزير حامل التقليد على رأسه، وهو من إنشاء القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر وأوله: " إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " هذا عهد لا عهد لمليك بمثله.
رأيته أنا بالقاهرة مرات، وكان تام الشكل حسنا، يملأ برونقه العين مهابة وسنا، تعلوه الهيبة والوقار وعليه من أبهة الخلافة والأمانة أنوار، يجود لو كان المال طوع حكمه، وينصف المظلوم ولكن هو يشكو مثل ظلمه.
ولم يزل بمصر إلى أن تنكر السلطان عليه، وكاد من الحنق يحضره بين يديه، فأطلعه وأهله إلى القلعة، وأسكنه برجاً مطلاً على الباب، وحير في أمره ذوي العقول والألباب، فلم يركب ولم ينزل، ولم يدخل ولم يخرج وهو في المنزل، وبقي مدة تقارب الخمسة أشهر، ثم أفرج عنه، وأنزله إلى داره، وهو لم يشتف منه. ثم إنه تنكر عليه بعد نصف سنة أخرى، وجرعه في هذه المرة كأساً مزاجها مراً، وجهز وأولاده إلى قوص في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فراح إليها والعيون من الناس عليه عبرى، والنفوس لم تملك على مصابه صبرا، وأقام بها يكابد هواحر هواجرها، ويجري دمعاً لما نزل من عينه محا محاجرها، إلى أن توفي ولده صدقه، وكان يحل منه محل قلبه لا الحدقه، فوجد عليه وجداً شديدا، وأذاب قلبه ولو كان حديدا.
ولم يزل بعد ذلك في حزن يذوي، ودمع يكوي، إلى أن فجع المؤمنون بأميرهم، وباح الحزن عليه بما في ضميرهم.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل شعبان سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
وكان له ولد كبير اسمه خضر كان قد جعله ولي عهده، فتوفي في جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، وعهد بالأمر إلى ولده الحاكم أحمد، فلم يمضه السلطان وبويع ابن أخيه أبو إسحاق إبراهيم بيعة خفية لم تظهر إلى أن تولى السلطان الملك المنصور أبو بكر، فأحضر ولده أبا القاسم أحمد، وبايعه ظاهراً، وكني أبا العباس، على ما تقدم في ترجمته في الأحمدين.
وأخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: إن المرتب الذي كان له لم يكن يبلغ خمسين ألف درهم في السنة، فلما خرج إلى قوص قوم غالياً وحسب زائداً، ليكثر ذلك في عين السلطان، وجعل ستة وتسعين ألفاً، فرسم بأن يصرف ذلك إليه بكماله من مستخرج الكارم، فأرادوا نقصه فازداد.
سليمان بن أبي بكر


الأمير علم الدين ابن الأمير سيف الدين بن البابيري، تقدم ذكر والده في حرف الباء.
وكان هذا الأمير علم الدين شاباً حسن الوجه، مبرأ من عدم الحياء وقبح النجه، حلو الصوره، كأن وجهه للملاحة جامع، والمحاسن عليه مقصوره. تنقل في الولايات وتوقل هضبات النيابات.
ولم يزل على حاله حتى أدرج في كفنه، واستحال بعد صحة تركيبه إلى عفنه.
وتوفي رحمه الله تعالى بحماة، ورد الخبر إلى دمشق بموته في أول شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة، وعمره يقارب الثلاثين أو يزيد عليها قليلاً.
وكان والده الأمير سيف الدين البابيري يحبه محبة زائدة وإذا قيل له: يا أبا سليمان، يترنح ويتريح، وأخذ له إمرة عشرة في حياته، ثم أخذ إمرة الطبلخاناه بدمشق في سنة سبع وخمسين أو سنة ثمان وخمسين وسبع مئة. وتولى ولاية الولاة القبلية، ووقع في أيامه ذاك العشير، إلى أن حضر الأمير شهاب الدين شنكل من الديار المصرية.


ثم إن الأمير علم الدين سليمان أعطي نيابة ألبيرة في أوائل سنة ستين وسبع مئة، ثم عزل عنها، وحضر مع الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي من حلب إلى دمشق، فولاه ولاية الولاة بالقبلية، وعزل عنها، ورسم له بنيابة ألبيرة، فتوجه إليها، وأقام بها إلى أن عزل منها بالأمير سيف الدين قراكز أخي الأمير سيف الدين يلبغا، ونقل إلى حماة أمير طبلخاناه، فأقام بها قليلاً، وتوفي رحمه الله تعالى.
وكان يحصل له في بعض الأوقات صرع، حصل له في وقت بحلب وقد حضر ليتوجه إلى نيابة ألبيرة، فتحامل وأمسك نفسه إلى أن حصل له رعاف كثير، وهو بباب دار النيابة بحلب رحمه الله تعالى.
عمل شد الدواوين بدمشق أيضاً.
سليمان بن أبي حرب


علم الدين الكفري الفارقي النحوي الحنفي.
أخبرني من لفظه العلامة أثير الدين قال: تصاحبت أنا والمذكور بالقاهرة، وكان من تلاميذ ابن مالك، أخبرني أنه عرض عليه أرجوزته الكبرى المعروفة بالكافية الشافية وأنه بحث أكثرها عليه، وأنه قرأ القراءات السبع بدمشق، وأشغل الناس عليه، وكان حنفي المذهب. قال: وأنشدني كثيراً يذكر أنه له، ولما قدم الأديب شهاب الدين العزازي إلى القاهرة، ذكر لنا أنه كان ينشد لنفسه كثيراً مما كان ينشده العلم سليمان لنفسه.
وأنشدني قال: أنشدني الفقير يعيش الفارقي قال: مما كتب به العلم سليمان إلى الكاتب شرف الدين بن الوحيد رحم الله جميعهم، وعفا عنهم:
أما ومجد أثيل أعجز الفصحا ... ونائل كلّما استمطرته سمحا
لو وازن ابن الوحيد الناس كلّهم ... ببعض ما ناله من سؤددٍ رجحا
سليمان بن حسن



ابن أحمد بن عمرون البعلبكي الصدر شرف الدين.
ولد بحماة، وحدث عن الحافظ شرف الدين اليونيني وغيره، واختلط في سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
باشر عدة ولايات بطرابلس وغزة وبعلبك ودمشق، وولي الأقطار الكبار في دمشق مثل الربوة وغيرها.
وكان لين العريكه، لا يذم صاحبه ولا يخون شريكه، رافق في طرابلس لأسندمر النائب، وكان يحكي عنه الغرائب والعجائب، إلا أنه نزل به الوقت، وآل أمره بعد المحبة إلى المقت، وبطل من المباشره، وتخلى عن الاختلاط بالناس والمعاشره، وعبس الدهر في وجهه بعد المكاشره، وانكمش عن الصحبة بعدما كان عنده فيها شره، وجلس مع الشهود في الساعات، وخلع وقاره على الخلاعات، إلى أن أصبح الشرف في الحضيض، وغمض الموت طرفه وكان غير غضيض.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة، عن نيف وثمانين سنة.
وتولى نظر غزة والساحل ونابلس في وقت، وحضر من غزة إلى نابلس ليكشف أمرها، فحصل له مباشروها خمسة آلاف درهم على عادة الكتاب، فلما طلعوا وتلقوه، انفرد بالناظر خلوةً وقال: يا مولانا: عندكم فرد كناب من هذا النابلسي وقليل صابون وزيت ؟ فقال له: نعم، فقال: دبره لنا وجهزه إلى غزة، وكان جميع ما طلبه ما يقارب الثلاث مئة، وراحت تلك الخمسة آلاف، وتوفرت على المباشرين، وكذا كان يفعل في نظر الزكاة، يطلع إلى القابون ويتلقى القفول، فيحصل له كبار القفول التفاصيل الحرير والتحف والذهب والدراهم، فيقول لهم: الوقت مضرور إلى منيشفات بغدادية، فيعرف التجار أن ذلك رضاه، فيوفرون ما حصلوه لأنفسهم، ويعطونه ذلك القدر النزر.
وكنت قد كتبت له توقيعاً بنظر غزة والساحل ونابلس في ثالث عشري صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة وهو:


رسم بالأمر العالي، لا زالت شموس سعوده تحل بالشرف، وعروس وعوده تثمر بالتحف، لمن ارتدى بظلها والتحف، أن يرتب المجلس السامي القضائي الشرفي في كذا وكذا، ثقة بكفايته التي شهرت، ونامت عيون من دونه عنها وسهرت، وملأت القلوب إعجاباً بها وبهرت، لأنه الرئيس الذي كبت الجياد عن بلوغ مداه، وكبت الحساد بما حازه من الفضل الذي تقمص برده وارتداه، والماجد الذي جاذب في السيادة لما امتطاها أعنةً وأرسانا، والماهر الذي يملأ المعاملات حسناً وإحسانا، والكاتب الذي طالما جادل فجدل من العمال أبطالاً وفرسانا، والناظر الذي أصبح لناظر الزمان على الحقيقة إنسانا. فليباشر ما فوض إليه مباشرةً، يظهر بها عزه، في وجه غرة غزه، ويغرق بحره الساحل بالعين والغله، حتى يكون كل ذرة في لجه درة، ويفيض على نواحي بره بره، وليضبط ما تحصل منها بأقلام الفكر في دفاتر الجنان، ويضع على متحصلاتها ختم مراعاته حتى لا يصل إليها ولا الجان، وكيف وعليها خاتم سليمان ؟! على أن هذه النواحي عش دب منه ودرج، وعرين دخل غابه فغاب وخرج، وأفق طالما ترقى في مطالعه وعرج، وبر وبحر خلط علمه معرفتيهما ومرج، وبلاد تحقق مقاصد أهلها فما يبدون ولا يعيدون، ومباشرات لما دبرها قصرت عن أوصاف ابن عمرون فيها بلاغة ابن زيدون، والتقوى ملاك الأمور، فلينزلها ربوع فكره، وليجعلها نجي سره وجهره، والله تعالى يوفق مساعيه، ويجمل بمحاسنه أيامه ولياليه، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
سليمان بن أبي الحسن بن ريان


القاضي جمال الدين بن ريان الطائي، هو ابن عمر القاضي عماد الدين سعيد بن ريان المقدم ذكره.
كان رجل زمانه ونظير أقرانه.
يحب الخط المنسوب ويبالغ فيه، ويود لو ملك كل شيء ليذهبه في تلافيه، ويلزم أولاده بالتجويد، ويحرضهم على تحصيله وبياض وجههم بكثرة التسويد، ويجتهد على نسخ المصاحف الكبار، وينفق عليها جملة من اللجين والنضار، ماله في غير ذلك أرب، ولا يثنيه عن ذلك أحد في العجم ولا في العرب، وبقية وصفه يأتي في مرثيته نظماً، ومن هناك يعلم قدر ما كان فيه حقيقةً لا وهما.
نزل عن وظيفته لولده القاضي بهاء الدين الحسن في آخر عمره، وانقطع هو في بيته، وأقبل هو على ما يعينه في آخرته من أمره، إلى أن ابتلعه فم لحده، وأصبح عبرةً لمن تركه من بعده.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
ومولده في حادي عشري شهر رمضان سنة ثلاث وستين وست مئة.
وكان والده رجلاً صالحاً من أهل القرآن، حرص على ولده هذا القاضي جمال الدين سليمان، وأقرأه القرآن الكريم، وكان يمنعه من عشرة أقاربه، وإذا رآه يكتب القبطي المعرب يضربه وينكر ذلك عليه، فأبى الله تعالى إلا أن يجعل رزقه في صناعة الحساب.
ولم يزل مع ابن عمه القاضي عماد الدين سعيد بن ريان، فلما حج عماد الدين وتوجه إلى مصر وأخذ توقيعاً بنظر حلب، ووصل إلى دمشق توفي رحمه الله تعالى، فأخذ القاضي جمال الدين توقيعه، وتوجه به إلى حلب، وكان قراسنقر بها نائباً، ولعماد الدين عليه حقوق خدم، فاستقر القاضي جمال الدين ناظر جيش، ولم يزل بها إلى سنة ثماني عشرة وسبع مئة، فرسم له بنظر صفد في المال، فحضر إليها وأقام بها إلى أوائل سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، فطلب إلى مصر وولاه السلطان نظر الكرك ووكالة بيت المال، ثم إنه ولاه نظر حلب، ولم يخرج من مصر ولم يتوجه إلى الكرك، فحضر إلى حلب ناظر المال، فأقام بحلب مدة يسية، وتوجه إلى مصر وتولاها ثانياً.
ثم إنه عزل من نظر بيت المال وحضر إلى نظر المال بصفد ثانياً، فأقام قريباً من شهر، ثم طلب إلى مصر، وتولى نظر الجيش بحلب، ولم يزل إلى أن عزل في واقعة لؤلؤ، وأقام بطالاً مدة يسيرة، ثم إنه جهز إلى نظر طرابلس فأقام بها. ثم إنه حضر إلى صفد ثالثاً ناظر المال، وولده القاضي شرف الدين ناظر الجيش، فأقام بها مدة. ثم توجه إلى حلب ناظر الجيش.
ثم إنه استعفى وطلب الوظيفة لولده القاضي بهاء الدين الحسن ولزم بيته مدة.
ثم إن السلطان ولاه نظر الجيش بدمشق عوضاً عن القاضي فخر الدين بن الحلي لما توفي رحمه الله تعالى، وأقام به إلى أن عزل في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، فتوجه إلى حلب وأقام بها ملازماً بيته، لا يخرج منه إلا إلى صلاة الجمعة.


ولما كان في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، حضر إلى دمشق وتوجه منها إلى الحجاز وقضى حجة الإسلام وعاد فيها وقد ضعف، فركب محفةً وتوجه إلى حلب، ولم يزل في حلب على حاله إلى أن توفي.
ولقد رأيته يقوم في الليل ويركع قبل الفجر قريباً من عشرين ركعة، وله في كل اسبوع ختمة يقرؤها هو وأولاده، ويصوم في غير شهر رمضان. وكان ذهنه جيداً في العربية والأصول.
وسمع ابن مشرف وست الوزراء، وقرأ العربية على الشيخ شرف الدين أخي الشيخ تاج الدين، ويعرب جيداً، ويعرف الفرائض جيداً، والحساب وطرفاً صالحاً من الفقه، وعلى ذهنه نكت من المعاني والبيان والعروض، وينقل كثيراً من القراءات ومرسوم المصحف.
ولي معه مباحث كثيرة رحمه الله تعالى.
ولما توفي كتبت إلى ولده القاضي شرف الدين حسين قصيدة رثيته بها وه:
أظمأت نفس المعالي يا ابن ريّانا ... حتّى توقّدت الأحشاء نيرانا
وانهلّ دمع الغوادي فيك من حزنٍ ... وشقّق البرق في الآفاق أردانا
ومزّق الصبح أثواب الدّجى ورمى ... حلي النجوم وأضحى فيك عريانا
وكلّ ساجعة في الأيك نائحةٌ ... تملي من الوجد في الأشجار أشجانا
أتت دمشق بك الأخبار من حلب ... يا بئس ما خبّر النّاعي وناجانا
وددت من حرقتي لو كنت ذا شجن ... لو أنّ للصخر قبل اليوم آذانا
تكاد تبكي المعالي فيك من جزعٍ ... بالدمع لو وجدت للدمع أجفانا
من للظلام إذا نام الأنام غدا ... يقطّع الليل تسبيحاً وقرآنا
ومن لمحرابك الزاكي فليس يرى ... من بعد فقدك فيه قطّ إنسانا
كم قد ختمت كتاب الله متّعظاً ... وفي تدبّره كم رحت ولهانا
وكم حثثت الخطا نحو الصلاة لأج ... ل الصفّ الأوّل في الأسحار عجلانا
تواظب الصّوم في يوم الخميس وفي ال ... إثنين حتى لقد أمسيت خمصانا
وكم ممالك قد دبّرت حوزتها ... فكنت خير وزير قطّ ما خانا
وتستقيم بك الأحوال ماشيةً ... حتى تفيض بك الأموال طوفانا
لله درّك كم جمّلت مدرسةً ... وبالكتابة كم شرّفت ديوانا
فكنت في الجود غيثاً والهدى علماً ... وفي الحجى حجة والعلم نهلانا
ثم اعتزلت الورى من غير ما سبب ... إلا لتطلب من ذي العرش رضوانا
ومن أراد من الأُخرى جواهرها ... أباع أعراض هذي المال مجانا
وكان أربح مالاً عند خالقه ... وراج أرجح يوم الحشر ميزانا
فاذهب فأيّ ضريح أنت ساكنه ... ترى التراب به روحاً وريحاناً
ولم يمت من بنوه سادةٌ نجبٌ ... لما بنى مجدهم شادوه إتقانا
وجمّلوا الملك إذ زانوا مناصبه ... وألبسوها من العلياء تيجانا
إن كوتبوا أو لقوا أو خوطبوا وجدوا ... في الخط واللفظ في الهيجاء فرسانا
بهاؤهم ما يباهي عزمه أحدٌ ... وفيهم شرفٌ باقٍ لهم زانا
وما شهابهم خافٍ بمطلعه ... كما كمالهم قد حاز إحسانا
تعزّ يا شرف الدين الذي قبضت ... يمنى علاه من العيّوق أرسانا
بيانه ظاهرٌ لو أنّ رونقه ... للبدر لم يخش عند السّير نقصان
تالله ما دار كأسٌ من بلاغته ... عليّ إلا أهزّ العطف نشوانا
له عبارات نظمٍ كلّما سحبت ... ذيولها أعثرت في الحال سحبانا
مثل العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فالناس في حلب حلّت بهم بهمٌ ... وأصبح القوم خرساً في خراسانا

فلا يرع لكم سربٌ بحادثة ... ولا رأى شأنكم خطبٌ ولا شانا
ولا يكدّر لكم شربٌ بنازلة ... ولا حدت لكم الأحداث أضغانا
تحفّكم بركاتٌ من تقاه فقد ... أخذتم منه حرزاً من سليمانا
يقبل الأرض وينهي ما عنده من الألم لهذه النازله، والقلق لهذه الرزية التي جعلت الدموع هاميةً هامله، والجزع لهذه الحادثة التي تركت الجوانح حاميه، فليت القوى لو كانت حاملة ف " إنا لله وإنا إليه راجعون " قول من فقد جماله، وعدم صبره واحتماله، وفجعه الدهر بواحده الذي ما رأت عينه مثاله، فرحم الله ذلك الوجه الجميل، وقدس تلك السريرة التي كان الصفاء لها ألزم زميل، وما بقي غير الأخذ فيما وقع بالسنه، والصبر على فقد من أثار النار في الفؤاد وسكن الجنه، وقد جهز المملوك هذه القصيدة التي يسبح نونها من الهم في يم، ويشرح في هذا المأتم ما تم، إن شاء الله تعالى.
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك: يقبل الأرض وينهي ورود المثال الشريف يتضمن تعزي حسن لفظها، وأثر في القلوب وعظها، وتعين تسطيرها في صحائف الأفكار وحفظها، فوقف المملوك على محاسنها وأحاسنها، وشملته من مكامنها بميامنها، وتسلى بما حوت من مفصل الرثاء ومجموعه، وأسال من أجفانه دماً بدل دموعه، فيالها من رزية عظمت فيها المآتم، ومصاب كشفت حجبه السليمانية عن حزن له خاتم، وتحقق المملوك من أثناء أبيات القصيدة النونية بركات ذي النون، ونظر إلى نونها وقد غاص في بحر الفضائل فاستخرج دره المكنون، ولقد كتب المملوك جواب مولانا معترفاً فيه بالتقصير، مغترفاً من منهل فضله الغزير، وهو:
جدّدت في القلب آلاماً وأحزانا ... أسالت الدّمع من جفنيّ طوفانا
فاعجب لجفنٍ يفيض الماء مدمعه ... ومهجةٍ تلتظي بالحزن نيرانا
عزّيتنا في أبينا فاكتسبت به ... أجراً وأوليتنا فضلاً وإحساناً
أكرم به من أبٍ شاعت مناقبه ... في الناس واشتهرت بالجود إعلانا
كم بات في ظلمات الليل منتصباً ... في خدمة اللّه يقضي الليل يقظانا
كم ختمةٍ قد تلاها في النهار وكم ... أفنى الحنادس تسبيحاً وقرآنا
ولازم الصّوم أوقات الهواجر لا ... يرتدّ عن صومه ديناً وإيماناً
وكان يخشن في دين الإله تقىً ... عند الحفيظة إن ذو لوثةٍ لانا
وكان يخشى ويرجى في ندىً وردىً ... والصّعب من رأيه تلقاه قد هانا
شبنا وأذهلنا عظم المصاب به ... وكلّ صبّ به ذهل بن شيبانا
سارت جنازته والخلق تتبعها ... والحزن عمّهم فينا وغشّانا
حتى ملائكة الرّحمن مذ علموا ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
نعى النّعاة وضجّوا بالنعيّ له ... فأورثوا القلب أشجاناً وأحزانا
جار الزمان ولم يقصد بمصرعه ... إلا ليهدم للمعروف أركانا
إن الخطوب التي ساقت منيّته ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
من ذا يوفّي علاه بالرثاء ولو ... كان المرثّي له قسّاً وسحبانا
لم أقض بالشعر حقاً من علاه ولو ... نظمت في كلّ يوم فيه ديوانا
لو قيل: من فاق أرباب الصّلاح تقىً ... كان الجواب: سليمان بن ريّانا
إني لأعلم أنّ اللّه يجعله ... أوفى البريّة عند اللّه ميزانا
حيّرتنا بمثال فيه تعزيٌ ... به اتّعظنا وعزّانا وسلاّنا
فيه قريضٌ بديع النّظم مشتملٌ ... على معانٍ حسانٍ فقن حسّانا
إن رمت تشبيهه بالرّوض كان له ... فضلٌ على الرّوض لا يحتاج برهانا
الرّوض يذبل في وقتٍ ونظمك قد ... وقاه فكرك طول الدّهر ماشانا
أو قلت ألفاظه مثل الكواكب لم ... أكن موفّيه بالأوصاف تبيانا

إذ الكواكب في ضوء النهار أرى ... أنوارها تختفي في الجو أحيانا
لكن أقول هذا العقد الثّمين وقد ... نظمت ألفاظه درّاً وعقيانا
في أحمر الطرس قد سطّرت أحرفه ... كالدّرّ خالط ياقوتاً ومرجانا
حفظت عهدك في حال الحياة ومن ... بعد الممات فحيّا اللّه مولانا
كذا تكون صفات الحرّ يحفط من ... عهد المودّة أصحاباً وإخوانا
لا ذقت فقد حميم بعدها وحمت ... وقاية اللّه مولانا وإيانا
سليمان بن حسن


الشيخ حسام الدين بن بدر الدين، ابن الشيخ الكبير القدوة العارف غانم المقدسي.
كان حسام الدين شيخ الحرم بالقدس، له همة وفيه مكارم، وعنده خدمة للناس.
حدث عن الشيخ تقي الدين الواسطي.
وسمع منه أمين الدين بن الواني.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشري شعبان سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة أربع وخمسين وست مئة.
سليمان بن حمزة



ابن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة: الشيخ الإمام المفتي شيخ المذهب، مسند الشام قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي.
سمع الصحيح حضوراً في الثالثة من ابن الزبيدي، وسمع صحيح مسلم وما لا يوصف كثرةً من الحافظ ضياء الدين، وربما عنده عنه ست مئة جزء. وسمع حضوراً من جده الجمال أبي حمزة، وابن المقير، وأبي عبد الله الإربلي، وسمع من ابن اللتي، وجعفر الهمداني، وابن الجميزي، وكريمة الميطورية وعدة.
وأجاز له محمد بن عماد، وابن باقا، والمسلم المازني، ومحمود بن مندة، ومحمد بن عبد الواحد المديني، ومحمد بن زهير شعرانة، وأبو حفص السهروردي، والمعافى بن أبي السنان، والمقرئ ابن عيسى وخلق كثير.
وخرج له ابن المهندس مئة حديث، وخرج له شيخنا الذهبي جزءاً فيه مصافحات وموافقات، وخرج له ابن الفخر معجماً ضخماً.
وروى الكثير بقراءة شيخنا علم الدين البرزالي، وتفقه بالشيخ شمس الدين وصحبه مدة.
ودرس بالجوزيرة وغيرها. ولي الجوزية والقضاء عشرين سنة. ومن تلاميذه ولده قاضي القضاة عز الدين، وقاضي القضاة ابن مسلم، والإمام محمد بن العز، والإمام شرف الدين أحمد ابن القاضي، وطائفة.
وسمع منه المزي، وابن تيمية، وابن المحب، والواني، والشيخ صلاح الدين العلائي، وابن رافع، وابن خليل، وعدد كثير.
وقرأ طرفاً من العربية، وتعلم الفرائض والحساب، وحفظ الأحكام لعبد الغني، والمقنع.
وكان حاكماً عادلا، لا يقبل في الحق عاذلا، وكان جيد الإيراد للدروس، خبيراً باجتناء ثمار العلم من الغروس، يحفظ درسه من ثلاث مرات أو أكثر، ويسرده كأنه عقد تنضد إذا كان عند غيره قد تبعثر. وبرع في مذهبه وجوده، وأجرى جواد ذهنه فيه على ما عوده. وكانت له معرفة تامة بتواليف الموفق، وإذا تكلم فيها رأيت الغصن رقص والطير غنى والنهر صفق. وتخرج به الأصحاب، وجر السحاب خلفه ذيله السحاب.
وكان إذا أراد أن يحكم قال: صلوا على رسول الله، فإذا صلوا، حكم، وذل الخصم له ولو كان مروان بن الحكم.
ولم يزل على حاله إلى أن قطع الله من الحياة أمله، والتقى التقي عمله.
وتوفي رحمه الله تعالى حادي عشري العقدة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وكان الجاشنكير قد عزله سنة تسع وسبع مئة بالقاضي شهاب الدين بن الحافظ، ولما حضر السلطان من الكرك اجتمع به وولاه.
سليمان ابن داود



ابن سليمان بن محمد بن عبد الحق، الشيخ الإمام الفاضل الأديب الفقيه الرئيس القاضي صدر الدين أبو الربيع ابن الشيخ ناصر الدين الحنفي.
فقيه تأدب فبرع، وبلغ إلى الغاية من أول ما شرع، نظم سائر الفنون، وصدح في أيك الأدب والغصون. وقعدت معه التورية فأطربت، وزادت محاسن نظمه على الروض وربت.


وكان مطرحاً عديم الوقفه، لا يكلف بالكلفه، ولا يأنس إلى وطن المناصب، ولا يفرق بين الشيعة والنواصب. قد أصبح في عالم الإطلاق، وتمسك بما يؤدي إلى مكارم الأخلاق. جاب البلاد، وجال بين العباد، ولم يدع شاماً إلا شام برقه، ولا عراقاً إلا ونبش عرقه، ولا حجازاً إلا كشف حجابه، ولا يمناً إلا وأم ملوكه وأربابه. وولي مناصب القضاء وغير ذلك، وانسلخ من الجميع يقول:
وما الناس إلاّ هالكٌ وابن هالك
طالما تمزر الفقر وتمزق، وأنف من ذلك فتزود للرتبة العالية وتزوق:
يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدّياً فعدناني
ولم يزل ينجد ويغير، ويقطع الآفاق بالمسير، حتى ابتزه الدهر ثوب حياته، والتقطه طائر الموت فيما التقط من حباته.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول سنة إحدى وستين وسبع مئة بالمهجم من بلاد اليمن.
ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة.
قرأ القرآن على الشيخ مبشر الضرير، وسمع على أشياخ عصره مثل الحجار، وابن تيمية، والمزي، وغيرهم.
وقرأ المنظومة على عمه القاضي برهان الدين بن عبد الحق وحفظها، وقرأ ألفية ابن معطي، وحفظ النكت الحسان في النحو، وعرضها على مصنفها شيخنا أبي حيان، وكتب له عليها، وأثنى عليه، وعلق عليها حواشي من أولها إلى آخرها بخطه من كلام الشيخ، وبحث الأصلين على الشيخ صفي الدين الهندي بدمشق، وعلى تاج الدين بن السباك ببغداد، وقرأ تلخيص المفتاح على الخيلخاني.
ودخل بغداد سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، واجتمع بفضلائها. وسافر إلى خراسان والري، وعاد إلى مادرين. ثم رد إلى القاهرة ثانياً، وكان قد دخلها أولاً مع عمه قاضي القضاة برهان الدين، وكان يقرأ له الدرس في مدارسه بالقاهرة، وأذن له في الإفتاء.
ودرس بالديلمية، وحضر درسه أول يوم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وبقية القضاة.
ودخل اليمن سنة خمس وأربعين وسبع مئة بعدما حج، واجتمع بصاحبه، فأقبل عليه وأنس به، ورأيت خطه إليه في عدة أوراق بآداب كثيرة ولطف زائد وخوله نعماً أثيلة. وباشر عندهم، ثم إنه تزوج بابنة الوزير، وحد صحبة الملك المجاهد صاحب اليمن في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فجرت لهم تلك الأحوال ونهبوهم.
أخبرني صدر الدين من لفظه قال: عدم لي في البر والبحر ما قيمته خمسة وعشرون ألف دينار.
وحضر إلى دمشق ومعه جملة من الجواهر الثمينة. ثم إنه توجه إلى القاهرة، وسعى في أيام الأمير سيف الدين شيخو، فباشر توقيع الدست بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة - فيما أظن - وبعد قليل رسم له بنظر الأحباس مع توقيع الدست.
وجرت له حركة بسبب جاري تزوجها من جواري السلطان تخلخل أمره فيها ثم سكن، فلما أمسك الأمير سيف الدين صرغتمش أخرجوه إلى دمشق موقعاً في سنة ستين أوائلها، فجاء إليها ولم يباشر شيئاً، وأقام في دمشق لا يظهر، إلى أن سافر منها واختفى خبره، ثم ظهر أنه مقيم بنابلس لا يظهر، ومعه مملوك له مليح الصورة يدعى طشتمر، ثم توجه إلى الحجاز سنة ستين وسبع مئة، ثم إنه دخل اليمن ومملوكه معه، فلما وصل إلى المهجم توفي رحمه الله تعالى. قيل: إنه قتل لأنه كان معه قطعة بلخش عظيمة، كان يدعي أنها لصاحب اليمن.
وكان قد تولى القضاء ببغداد وبماردين أيضاً.
وكان رحمه الله تعالى عديم الكلفة، مطرحاً للرئاسة، يمشي في باب اللوق، ويمشي تحت قلعة دمشق، وكان هشاً بشاً، رضي الأخلاق. اجتمعت به غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، وكان جيد النظم، تقعد معه التورية والاستخدام وصناعة البديع، وجود فنون الشعر من الموشح والزجل والمواليا والقريض وغير ذلك.
أنشد لنفسه بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة:
أيري كبيرٌ والصّغير يقول لي: ... اطعن حشاي به وكن صنديدا
ناديت هذا لا يجوز، فقال لي: ... عندي يجوز، فنكته تقليدا
وأنشدني لنفسه سنة اثنين وخمسين وسبع مئة:
عشقت يحيى، فقال لي رجلٌ: ... لم يبق فيك من الغرام بقيّا
تعشق يحيى تموت، قلت له: ... طوبى لصبّ يموت في يحيى
وأنشدني لنفسه:
قال حبيبي: زرني ولكن ... يكون في آخر النهار
قلت أُداري الورى وآتي ... لأيّ دارٍ فقال: داري
وأنشدني لنفسه:

طال حكّي وعندما ... قلت: خذه لوقته
ضرط العلق ضرطةً ... دخل الأير في استه
وأنشدني لنفسه:
سموت إذ كلمتني ... سلمى بغير رساله
وقال صحبي: تنبّا ... وكلمته الغزاله
وأنشدني لنفسه:
من يكن أعمى أصما ... يدخل الحان جهارا
يسمع الألحان تتلى ... ويرى الناس سكارى
وأنشدني لنفسه:
بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهى ... فأخفى عن المعشوق حالي وما تخفى
لقد كانت الأرداف بالأمس روضةً ... من الورد وهي اليوم موردة الحلفا
وأنشدني لنفسه:
يا رسول الحبيب غث مستهاماً ... مغرماً يعشق الملاح ديانه
حدّث الخائف الكئيب من الهج ... ر فهو ممن الحديث أمانه
وأنشدني لنفسه:
وقائلةٍ يوم الوداع أرى دماً ... تفيض به عيناك، ناديت لا أدري
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننا ... يذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
وأنشدني لنفسه:
وإلام أمنحك الوداد سجيّةً ... وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويولمني فيك العذول وليس لي ... سمعٌ يعي وإلى متى نبقى كذا
وأنشدني لنفسه:
يقول نديمي عن نضوحٍ بكفّه ... لقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
فقلت: هو المطبوخ من حسدٍ لها ... ألم تره قد صار منه إلى الثّلث
وأنشدني لنفسه:
ضيّعت أموالي في سائبٍ ... يظهر لي بالودّ كالصّاحب
لمّا انتهى ما لي انتهى ودّه ... واضعية الأموال في السّائب
وأنشدني لنفسه:
وساحر طرفٍ عقربٌ فوق صدغه ... تدبّ إلى قلبي ولم أملك النفعا
وحيّة شعرٍ خلفها نحو مهجتي ... يخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
وأنشدني لنفسه:
لمّا حكى برق النّقا ... لمعان ثغرك إذ سرى
نقل الغمام إليك عن ... دمعي الحديث كما جرى
وأنشدني لنفسه:
حظّ عينيّ من الدّنيا القذى ... وفؤادي حظّه منها الأذى
ولكم حاولت فيها راحةً ... ما أراد اللّه إلا هكذا
وبيني وبينه مكاتبات ذكرتها في كتابي ألحان السواجع، وعلقت من شعره كثيراً مما أنشدنيه من لفظه لنفسه من الموشحات والمواليا وغير ذلك وجميعه في التذكرة التي لي.
سليمان بن داود بن سليمان


أمين الدين رئيس الأطباء بدمشق.
كان سعيد العلاج، عديد السعد برأيه والابتهاج، أول ما ظهر به من المعرفة واشتهر، وشاع عنه أنه قد جاد وقهر، لما طلب إلى طرابلس لمعالجة أسندمر نائب طرابلس، فإنه وجده في الصيف في مثل ساحل طرابلس، وهم قد أدخلوه في خركاة وألبسوه فروة للمنام ثقيلة ومرضه حاد، فأمر بإخراجه من الخركاة، ونزع الفروة وحلق رأسه، وأخذ في علاجه بما يصلح به مزاجه، فصح وعوفي، وأعطاه شيئاً كثيراً، فاشتهر حينئذ أمر الأمين سليمان.
وأنا اجتمعت به بدمشق والديار المصرية غير مرة، وبحثت معه، فوجدته رجلاً خبيراً بالعلاج لا على القواعد، بل أخذ ذلك بسعد يرشده له، وفطنة تؤديه إليه، ولم أجده يعرف شيئاً من الحكمة. وزرت أنا وهو الآثار النبوية التي برباط الصاحب تاج الدين محمد بن حنا في المعشوق.
ولما توجه قاضي القضاة القزويني إلى الديار المصرية وجد عند السلطان تطلعا إلى عافية القاضي علاء الدين بن الأثير لفالج أصابه، فقال القاضي للسلطان: يا خوند: أمين الدين سليمان الطيب بدمشق داوى ولدي عبد الله من هذا المرض وبرئ منه. فطلبه السلطان إلى القاهرة، ولازم ابن الأثير، فما أنجب فيه علاج، لأنه كان قد تحكم فيه المرض، وعاد إلى دمشق في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكان يسمر عند الصاحب شمس الدين بن غبريال، ويلعب الشطرنج بين يديه كل ليلة، ويلازمه في النزهة وغيرها، وكان قد حصل أموالاً عديدة وكتباً عظيمة.
ولم يزل على حاله إلى أن أعيي العلاد داؤه، وفقده صحبه وأوداؤه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة في يوم السبت سادس عشري شعبان.
وكان قد سمع على شيخه كمال الدين الدنيسري شيئاً من الحديث بقراءة شيخنا علم الدين البرزالي.
ودفن بالقبيبات قبلي دمشق.


سليمان بن عبد الحليم بن عبد الحكيم

الشيخ الإمام العالم الفاضل صدر الدين الباردي، بالباء الموحدة وبعد الألف راء ودال مهملة، المالكي الأشعري.
كان فقيهاً في مذهب مالك، سديد الطرق في علمه والمسالك، أفتى على مذهب إمامه مالك رضي الله عنه زمانا، والتقط الناس من فتاويه دراً وجمانا، وكان من بقايا العلماء وسلف الفضلاء، أشعري العقيدة، لا يقدر أحد على أن يكيده، وكان يصحب أكابر الشافعية ومن فيه ذكاء أو ألمعية.
ولم يزل على حاله إلى أن فترت من الباردي حركاته، واستولت عليه سكناته.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد خامس جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وكان يدرس بالشرابيشية.
وقلت أنا فيه:
من بعد صدر الدّين صدري ضاق بل ... قد ذاق فرط جوىً وحزن زائد
ومن العجائب أن قلبي يلتظي ... بالنار من حزني لأجل الباردي
سليمان بن عبد الرحمن



ابن علي بن عبد الرحمن الشيخ الإمام العالم نجم الدين أبو المحامد النهرماوي - بالنون والهاء والراء والميم والألف والواو - الحنبلي قاضي القضاة ببغداد.
قال الحافظ نجم الدين الدهلي: سمع ببغداد جميع الأربعين الطائية على المسند أبي البركات إسماعيل بن علي بن أحمد بن الطبال الأزجي بسماعه ممن جمعها الإمام أبي الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، وحدث بها ببغداد، وسمعها جماعة، منهم نجم الدين الدهلي.
وكان المذكور شيخ الحنابلة ببغداد وفقيههم ومدرسهم، تفقه على شيخ الإسلام تقي الدين أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي بكر الزريراني، وكان يثنى عليه بمعرفة الفقه. ودرس للحنابلة بالمستنصرية، وباشر القضاء مع التعفف والصيانة والتقشف، ولم يحكم بين الناس قبل موته بمده. ثم إن ولده استقل بالقضاء في حياته فسده، وولي التدريس أيضا، وأفاض الخير فيضا.
ولم يزل نجم الدين المذكور على حاله إلى أن فغر القبر له فمه، وحلم إليه فالتقمه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ببغداد.
ومولده تقريباً سنة سبع وأربعين وست مئة.
سليمان بن عبد القوي



ابن عبد الكريم بن سعيد الطوفي، بالطاء المهملة والواو.
كان فقيهاً حنبليا، عارفاً بفروع مذهبه مليا، شاعراً أديبا، فاضلاً لبيبا، له مشاركة في الأصول، وهو منها كثير المحصول، قيماً بالنحو والفقه والتاريخ ونحو ذلك، وله في كل ذلك مقامات ومبارك.
ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة عشر وسبع مئة.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: كان شيعياً يتظاهر بذلك، ووجد بخطه هجو في الشيخين رضي الله عنهما.
وكان قاضي القضاة الحاري يكرمه ويبجله ورتبه في مواضع من دروس الحنابلة، وأحسن إليه. ثم وقع بينهما، وكلمه في الدرس كلاماً لا يناسب الأدب، فقام عليه ابنه شمس الدين، وفوضوا أمره إلى بدر الدين بن الحبال، وشهدوا عليه بالرفض، فضرب، وتوجه من القاهرة إلى قوص، وأقام بها سنين.
وفي أول قدومه نزل عند بعض النضارى وصنف تصنيفاً أنكرت عليه ألفاظ فغيرها. قال: ولم نر منه بعد ولا سمعنا شيئاً يشين.
ولم يزل ملازماً للاشتغال وقراءة الحديث والمطالعة والتصنيف وحضور الدروس معنا إلى أن سافر من قوص إلى الحجاز. وكان كثير المطالعة، أظنه طالع أكثر كتب خزائن قوص، وكانت قوته في الحفظ أكثر منها في الفهم.
وصنف تصانيف منها: مختصر الترمذي، واختصر الروضة في أصول الفقه تصنيف الشيخ الموفق، وشرحها، وشرح الأربعين النووية، وشرح التبريزي في مذهب الشافعي وكتب على المقامات شرحاً رأيته يكتب فيه من حفظه، وما أظنه أكمله، وصنف في مسألة كاد، وسماه إزالة الإنكاد، وتكلم على آيات من الكتاب العزيز.
ومن شعره:
إن ساعدتك سوابق الأقدار ... فأنخ مطيّك في حمى المختار
هذا ربيع الشهر مولده الذي ... أضحى به زند النبوّة وار
هو في الشهور يهشّ في أنواره ... مثل الربيع يهشّ بالأنوار
ومن قصيدة يهجو فيها بلاد الشام:
قوم إذا حلّ الغريب بأرضهم ... أضحى يفكّر في بلاد مقام
بثقالة الأخلاق منهم والهوى ... والماء وهي عناصر الأجسام


ووعورة الأرضين فامش وقع وقم ... كتعّثر المستعجل التّمتام
لا غرو إن قست القلوب قلوبهم ... واستثقلوا خلقاً لدى الأقوام
فجوار قاسيّون هم وكأنهم ... من جرمه خلقوا بغير خصام
قالوا: لها في المسندات مناقبٌ ... كتبت بها شرفاً حليف دوام
أهل الرواية أثبتوا إسنادها ... من كل حبر فاضل وإمام
قلت: الأماكن شرّفت لا أهلها ... لخصوصة فيها من العلاّم
أرض مشرّفة وقوم جيفةٌ ... فالكلب حل بموطن الأجرام
سليمان بن عثمان


الصدر الرئيس فخر الدين بن فخر الدين، ابن الشيخ الإمام صفي الدين أبي القاسم محمد بن عثمان البصروي.
ولي حسبة دمشق وأقام فيها إلى أن عزل منها بابن الحداد في سابع ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة، فأقام بدمشق مدة يسيرة أياماً قلائل.
وتوفي في سابع عشري السهر المذكور، وحمل إلى بصرى ودفن بها. وكان قد توجه إلى الديار المصرية فتوفي بالبرية.
وكان شاباً كريماً حسن الأخلاق.
سليمان بن عبد الكافي



الصدر الرئيس القاضي جمال الدين.
كان فيه عقل وسكون، وحياء وحشمة. ولاه الأمير سيف الدين تنكز نظر ديوانه ونظر البيمارستان النووي بعدما عزل القاضي جمال الدين يوسف شقير وصادره وأخذ ماله في شهر رجب سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. واستمر ابن عبد الكافي في نظر ديوان تنكز إلى أن أمسك، ولما حضر الأمير سيف الدين بشتاك إلى دمشق أمسك عبد الكافي في جملة مباشري تنكز، وأخذ منه مبلغ خمسين ألف درهم باليد القوية، ثم إنه فيما بعد ولي استيفاء معاملة فيما أظن إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
سليمان بن عسكر بن عساكر



علم الدين أبو الربيع المنشد الحوراني نقيب المتعممين بدمشق.
كان يحفظ أكثر ديوان الصرصري في مدائح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يحضر الأفراح والولائم، والختم والمآتم، وكل جمع يكون، وكل مكان يعلم أنه له فيه زبون، لا يكاد يفوته موضع، لا ينجو من خفه موقع، ومهما جرى في ذلك المجلس، أنشد هو من المدائح ما يوافق ذلك ويؤنس، ويحضر دروس الغزاليه، ويقوم عقيب الفراغ وينشد قصيدة حاليه، ويحج كل سنة، ويكون في الركب مؤذنا، ويقوم على كل من يموت موبنا، وينشد ما يحفظه جيداً من غير لحن ولا تحريف، ولا خروج عن قواعد التصريف، إلا أن الناس كانوا يستثقلونه، ويبخسون حظه ويهملونه.
ولما مات ما قام مقامه أحد، ولا خلفه من اعترف بفضله أو جحد.
ولم يزل على حاله إلى أن نشد فما وجد ضائعه، وكسدت بعده بضائعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
وكان قد سمع وروى عن عمر بن القواس.
وكتبت له مرسوماً على ظاهر قصة، وقد توجه مؤذناً بالركب، ونسخة ذلك: لأنه المنشد الذي أضحت قصادئه غاية المقصود، والمطرب الذي يقال فيه: هذا سليمان: وقد أوتي مزماراً من مزامير داود، والحافظ الذي يعرب إنشاده، والفصيح الذي يعلو به النظم إن شاده. لو سمعه الصرصري لعلم أنه فيما يورده متبصر، ويحقق أن السامعين له إذا بكوا وخضعوا عرانيق ماء تحت باز مصرصر كم حرك ساكن القلوب بلفظه البديع، وأجرت عبارته العبرات من بحره السريع، وجعل المحافل رياضاً لأنه أبو الربيع، فليؤذن آذاناً إذا سمعه الركب أقام، وقالوا: هذا المؤذن الذي للناس كلهم إمام، والله يرزقنا شفاعة من يجلو علينا مدائحه، ويفيض علينا في الدنيا والآخرة منائحه، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكان قد حضر بعض أفاضل العصر من مصر ورأى ما يفعله علم الدين المذكور من الإنشاد في المجامع، فأنكر ذلك، وأنشدني:
أهل دمشق منهم ... قد ضاع مالا يوجد
فكلّما تجمّعوا ... يقوم فيهم منشد
قلت: هذا خطأ فاحش في التصريف، فإنه يقال: نشد الضالة فهو ناشد، وأنشد قصيدة فهو منشد، وأنت هنا تريد من نشدان الضالة فهو حينئذ ناشد.
سليمان بن عمر بن سالم



ابن عمرو بن عثمان الشيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدين الزرعي الشافعي، عرف بذلك لأنه حكم بزرع مدة.
سمع من ابن عبد الدايم، والكمال أحمد بن نعمة، والجمال بن الصيرفي، وجماعة.


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 16 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:53 AM ]


وولي قضاء شيزر مدة، وناب عن القاضي بدر الدين بن جماعة بدمشق ومصر، ولما قدم السلطان من الكرك في سنة تسع وسبع مئة عزل قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وولى القاضي جمال الدين قاضي القضاة بالديار المصرية عوضه، فحكم فيها سنة، ثم إن السلطان أعاد ابن جماعة وبقي القاضي جمال الدين على قضاء العسكر ومدارس بيده. ثم إنه جهزه إلى الشام قاضي القضاة بعد نجم الدين بن صصرى، ثم إنه صرف بعد سنة بقاضي القضاة جلال الدين القزويني، وبقي بيد القاضي جمال الدين بدمشق مشيخة الشيوخ وتدريس الأتابكية، وباشرهما في شهر رجب الفرد سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وكان البريد قد جاء بعزله في خامس عشري شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.
وبقي في العادلية خمسة عشر يوماً انتقل إلى الصالحية. ولم يزل على وظائفه إلى أن توجه إلى الديار المصرية في خامس عشري القعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة، وولي الأتابكية بعده الشيخ محي الدين بن جهبل، وكان في ولايته بدمشق فيه صرامة وعفة وقلة مخالطة للناس، وعليه سكينة ووقار.
وسمع الحديث من النجم محمد بن النشبي، وخرج له شيخنا البرزالي جزءاً من اثنين وعشرين شيخاً، حدث به بدمشق والقاهرة.
وأصله مغربي. وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب في يوم الجمعة ثامن عشر صفر.
وكانت وفاته بالقاهرة رحمه الله تعالى يوم الأحد سادس صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
سليمان بن قايماز بن عبد الله


الشيخ الصالح أبو الربيع عتيق كافور النوري.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان رجلاً جيداً، سمعنا عليه بحلب ودمشق، وروى لنا عن ابن رواحة جزء ابن ملابس، وكان مقيماً بالمدرسة الأتابكية ظاهر حلب.
توفي رحمه الله تعالى رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى وعشرين وست مئة بحلب.
سليمان بن محمد بن عبد الوهاب



الرئيس الصاحب فخر الدين أبو الفضل الشيرجي الأنصاري الدمشقي.
سمع من الشيخ تقي الدين بن الصلاح، وشرف الدين المرسي، ولم يحدث. وتعانى الكتابه، وكان من أعيان الرؤساء بل رأساً لتلك العصابه. فيه كرم، ولنار جوده ضرم، وعنده سؤدد وحشمه، وله رونق وطلاوة في النعمه، وولي نظر الدواوين، وجلس في صدور الدواوين.
ولما جاء التتار إلى دمشق في واقعة غازان، وبدا منهم في حق أهل دمشق ماشان لا مازان، ألزموه بوزارتهم، وأدخلوه في جزارتهم، فدخل في ذلك مكرهاً كالذي حاذى، وتجنب الظلم وما آذى. ولما رحلوا نزل به حتفه، ورغم بالدخول في القبر أنفه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة في شهر رجب، ومشى الأعيان في جنازته إلى باب البريد، فورد مرسوم أرجواش نائب قلعة دمشق ورد الناس ومنعهم من المشي مع الجنازة، وضربوهم، ولما وصلت الجنازة إلى باب القلعة أُذن لولده شرف الدين في اتباعها.
سليمان بن محمد



بن موسى بن سليمان

فخر الدين، ابن القاضي عماد الدين محمد ابن القاضي.
كان فخر الدين هذا يخدم في الجهات الديوانية، ثم إنه بطل بعد ذلك وخدم في ديوان الإنشاء، وكتب به مدة، ثم إنه توجه مع والده إلى الديار المصرية، وأقاما هناك، ثم دخل ديوان الإنشاء وكتب بالقاهرة، ثم إنه كتب الدرج مع الوزير، وحضر مع الوزير لما حضر السلطان في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي، وعاد معهم، ثم إن نائب الشام كتب فيه يسأل أن يكون ناظر الحسبة بدمشق عوضاً عن أبيه، فرسم له بذلك، وخلع عليه، وكتب توقيعه بذلك ولم يبق إلا سفره، فانقطع ثلاثة أيام.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبع مئة.
وكان شكلاً حسناً عاقلا، ذاكراً للرئاسة ناقلا، يكتب خطأ جيدا ويعتني بما يكتبه متأيدا، إلا أنه ما سمعت له إنشاء، ولا ارتدى منه ظهارة ولا غشاء، وتجرع والده فقده، وعدم به من الحياة نقده، وتألم له أصحابه، وتربت يدا أترابه لما طمه ترابه، رحمه الله تعالى.
سليمان بن مهنا



ابن عيسى الأمير علم الدين أمير العرب، قد تقدم ذكر أخيه أحمد، وسيأتي ذكر أخيه موسى ووالده مهنا إن شاء الله تعالى كل منهما في مكانه، وهو شقيق أحمد.

كان علم الدين هذا سليمان من الشجعان، والأبطال الفرسان، زائد الكرم والجود، ليس لنسمات مكارمه ركود، وكان المسلمون والمغل يخشونه ويهابونه، ويدارونه ويخافونه، يأكل إقطاع صاحب مصر ويأخذ أنعامه، وإقطاع ملك التتار وإنعامه، ولا يزال له بالبلاد الفراتية نواب وشحاني، وغلمان يستخرجون له الأموال من القفول وسكان المغاني.
وكان قد توجه مع قراسنقر إلى بلاد التتار، وأقام هناك سبع عشرة سنة، وله فيها ظهور واستتار، وجاء مع خربندا إلى الرحبة وكان مع المغل، وله مع حربهم على الإسلام عمل وشغل، ثم إنه عاد إلى بلاد الإسلام في سنة ثلاثين وسبع مئة أو ما قبلها، وعاد ودخل في الطاعة وأنعم السلطان عليه بإقطاع ولم يؤاخذه، ثم إنه ولي إمرة آل فضل بعد أخيه موسى.
ولم يزل على ذلك إلى أن قر جن سليمان وسكن فما نبس، وصح موته وما التبس.
وتوفي رحمه الله تعالى ظهر يوم الاثنين خامس عشري شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ورسم الصالح إسماعيل لسيف بن فضل بالإمرة، واعتقل أخاه أحمد بن مهنا، على ما مر في ترجمته.
ولما عاد سليمان إلى بلاد المسلمين أقام ببلاد الرحبة وما حولها، وكان أبوه وعمه فضل وإخوته يرفدونه بالذهب وغيره، ويخوفونه من السلطان ويحذرونه من الوقوع في يده، وأخذوا يتعيشون به على السلطان ويمنونه بإحضاره، فلما فهم سليمان ذلك ركب بغير علمهم وما طلع خبره إلا من مصر، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء يأخذون الإقطاعات والإنعامات من السلطان بسببي، وخير من فيهم يسير إلي مئتي دينار، فإذا رحت أنا إلى السلطان زال هذا كله، ولما وصل أقبل عليه السلطان وأمر له بإقطاع يعمل أربع مئة ألف درهم وأنعم عليه بمئتي ألف، ولم يزل كذلك إلى أن توفي أخوه بالقعرة، وكان في أيام الفخري وهو مع ألطنبغا في حلب فقال: أنا أتوجه إلى الفخري، فجاء إلى الفخري وهو نازل على خان لاجين، وتحيز له وأعرض عن ألطنبغا، وتوجه من دمشق إلى الناصر أحمد بالكرك، ورسم له بالإمرة عوض أخيه موسى، فاستقل بإمرة آل فضل إلى أن توفي سليمان بظاهر سلمية.
وكان مفرط الكرم، حكى الأمير حسام الدين لاجين الغتمي النائب بالرحبة قال: كنت والي البر بالرحبة، وكان سليمان بن مهنا قد أغار على قفل فأخذه في البرية، وجاء إلى الرحبة فجهزت إليه رأس غنم، وأحضرت له من سنجار حمل شراب، فلما أكل وشرب وانتشى قليلاً قال لي: يا حسام خذلك هذه الفردة، فأختها، فوجدتها ملأى من القماش الإسكندري، قال: فبعت ما فيها بتسعين ألف درهم.
وكان مقداماً شجاعاً، ومن إقدامه أنه عارض بريدياً وهو متوجه من بغداد ومعه جارية للسلطان الملك الناصر فأمسكها وافتضها وما انتطح فيها عنزان.
وكان معاقراً للشراب ليلاً ونهاراً لا يفارقه.
سليمان بن موسى بن بهرام


تقي الدين السمهودي بن الهمام.
كان فاضلاً عالما، فقيهاً فاضلاً من الشر سالما، نحوياً شاعرا، عروضياً ماهرا، لا يعرف له أستاذ، وله مع ذلك بصر في هذه العلوم ونفاذ، جيد الحفظ حسن الفهم، ينفذ في الفرائض نفوذ السهم، ويدري من الأصول مسائل بأدلتها، وفوائد بجملتها، وأما تعبده وتقشفه وصبره على الفقر وتعسفه، فأمر عجيب، وشيء يصبح القلب منه وبه وجيب.
ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى من أماته ويحييه، ويسكنه الجنان ويحييه.
وتوفي رحمه الله تعالى بسمهود في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي رحمه الله: وأنشدني لنفسه:
لما في كلام العرب تسعة أوجه ... تعجّب وصف منكورةً وانف واشرط
وصلها، وزد، واستعملت مصدريّةً ... وجاءت للاستفهام والكفّ فاضبط
قلت: قد جمع بعض الأفاضل هذه التسعة في بيت وهو:
تعجّب بما اشرط زد صل انكره واصفاً ... وتستفهم انف المصدريّة واكففا
ومن شعر تقي الدين يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أضاء النور وانقشع الظلام ... بمولد من له الشرف والتّمام
ربيعٌ في الشهور له فخارٌ ... عظيم لا يحدّ ولا يرام
به كانت ولادة من تسامت ... به الدنيا وطاب بها المقام
نبيٌّ كان قبل الخلق طرّاً ... تقدّم سابقاً وهو الختام


وله في العروض أرجوزة.
سليمان بن موسى بن أبي العلاء


الشيخ الصالح صفي الدين أبو العلاء الصوفي الكاتب.
كان سامرياً، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، ثم إنه أقام عند الصوفية سنين، وكان يباشر شيئاً من وقفهم، ويعمل الحساب مع العامل لأنه كان فيه ماهراً وعارفاً خبيراً إلى الغاية، وله مقدمة في صناعة الحساب والديوان وما يحتاج، وباشر عدة جهات وحصل أموالاً، وكان قد أسلم في الدولة الأشرفية.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشري شوال سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح



الشيخ الإمام الفقيه المفتي القدوة الزاهد العابد القاضي الخطيب صدر الدين أبو الفضل القرشي الجعفري الحوراني الشافعي صاحب النووي.
قدم دمشق مراهقاً، وحفظ القرآن بمدرسة أبي عمر على الشيخ نصر بن عبيد، ورجع إلى البلاد، ثم قدم بعد سبع سنين، وتفقه بالشيخ تاج الدين، وبالشيخ محيي الدين، وأتقن الفقه وأعاد بالناصرية وناب في القضاء لابن صصرى مدة، ولاه ابن صصرى نيابته في ثالث ذي القعدة سنة ست وسبع مئة عوضاً عن القاضي جلال الدين القزويني لما ولي خطابة الجامع الأموي، وولي خطابة العقيبة واكتفى بها.
وكان أولاً خطيباً بداريا، يدخل دمشق على بهيم ضعيف. وحدث عن أبي اليسر والمقداد القيسي، وناب عن ابن الشريشي في دار الحديث. وكان مفرطاً في اتضاعه، على سمو قدره في العلم وارتفاعه، لم يغير ثوبه القطني ولا عمامته الصغيره، ولا رأى أحد في الحكم نظيره، إذا رأى أن الغريم ضعيف لا يقدر على أجرة رسول القاضي سعى هو بنفسه إليه وسمع جوابه، فأين يجد الناس هذا العلم أو هذا التقاضي، وربما توجه بنفسه إلى الشاهد وسمع شهادته وآثر بذلك فائدته وإفادته.
وعينه الأمير سيف الدين تنكز للاستسقاء بالناس فاستسقى بهم، ورحم به العالم في ساعة الإبلاس.
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت على الداراني الدائره، ولحق بالأمم الخالية السائره.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده بقرية بسرى من السواد سنة اثنتين وأربعين وست مئة، وكانت جنازته حفلة إلى الغاية.
وكان يذكر نسبه إلى جعفر الطيار يعد بينه وبينه ثلاثة عشرة اسماً.
وكان لا يدخل الحمام ولا يتنعم في مأكل ولا ملبس، وأظنه كان يجيد اللعب بالشطرنج، والله أعلم.
سليمان القاضي



علم الدين التركماني الحنفي قاضي حماة.
أقام بحمص مدة مدرساً، ثم إنه نقل إلى قضاء حماة بعد وفاة القاضي نجم الدين بن العديم.
وكان يعرف القراءات، وله مشاركة في العلم.
توفي رحمه الله تعالى في مستهل شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
اللقب والنسب



ابن سلامة قاضي القضاة المالكي أحمد بن سلامة.
السنباطي قطب الدين محمد بن عبد الصمد.
سنجر



الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى الأمير علم الدين التركي البرلي بالباء الموحدة والراء واللام، الدواداري.
قدم من الترك في حدود الأربعين وست مئة. وكان شكله مليحا ووجهه صبيحا، خفيف اللحيه، ربعة من الرجال في البنيه، صغير العين، صناع اليدين، حسن الخلق، سهل الخلق، شجاعاً فارساً، مجادلاً لأهل العلم ممارسا، خيرا دينا، كاملاً صينا، مليح الكتابه، سريع الإقبال والإجابه، يحفظ الكتاب العزيز، ويؤثر تلاوته على الإبريز، فيه اصطناع للفضلاء، وتقديم للنبلاء، أنشأ جماعة من الأفاضل وقدم زمرة ممن يناظر أو يناضل.
ولم يزل على حاله إلى أن انجر الموت إلى سنجر، وأصبح من تحت التراب والمحجر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة في شهر رجب بحصن الأكراد، ودفن هناك.
وكان قد التجأ في الكسرة أيام غازان إليها.
ومولده سنة نيف وعشرين وست مئة.
قرأ القرآن على الشيخ جبريل الدلاصي وغيره. وحفظ الإشارة في الفقه لسليم الرازي، وحصل له عناية بالحديث وسماعه سنة بضع وخمسين، وسمع الكثير، وكتب بخطه وحصل الأصول.
وخرج له المزي جزأين عوالي. وخرج له البرزالي معجماً ضخماً في أربعة عشر جزءاً، وخرج له ابن الظاهري قبل ذلك شئياً.


وحج مرات. وكان يعرف عند المكيين بالستوري، لأنه أول من سار بكسوة للبيت بعد أخذ بغداد من الديار المصرية، وقبل ذلك كانت تأتيها الستور من الخليفة. وحج مرة هو واثنان على الهجن من مصر.
وكان أميراً في الأيام الظاهرية، ثم أعطي أمرية بحلب، ثم قدم دمشق، وتولى شد الدواوين مدة، ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر، ثم أمسك، ثم أعيد إلى رتبته وأكثر، وأعطي خبزاً وتقدمةً على ألف في أيام الأشرف، وجعل مشد الدواوين بالقاهرة في ذي القعدة سنة أحدى وتسعين وست مئة، وتنقلت به الأحوال وعلت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاجين، وقدمه على الجيوش في غزوة سيس.
وكان لطيفاً مع أهل الصلاح والحديث، يتواضع لهم ويؤانسهم ويحادثهم ويصلهم، وله معروف كثير وأوقاف بالقدس ودمشق، وكان مجلسه عامراً بالعلماء والشعراء والأعيان.
وسمع الكثر بمصر والشام والحجاز، وروى عن الزكي عبد العظيم، والرشيد العطار، والكمال الضرير، وابن عبد السلام، والشرف المرسي، وعبد الغني بن بنين، وإبراهيم بن بشارة، وأحمد بن حامد الأرتاحي، وإسماعيل بن عزون، وسعد الله بن أبي الفضل التنوخي، وعبد الله بن يوسف بن اللمط، وعبد الرحمن بن يوسف المنبجي، ولاحق الأرتاحي، وأبي بكر بن مكارم، وفاطمة بنت الملثم بالقاهرة، وفاطمة بنت الحزام الحميرية بمكة، وابن عبد الدايم، وطائفة بدمشق. وهبة الله بن زوين، وأحمد بن النحاس بالإسكندرية، وعبد الله بن علي بن معزوز، وبمنية بني خصيب، وبأنطاكية، وحلب، وبعلبك، والقدس، وقوص، والكرك، وصفد، وحماة، وحمص، وينبع، وطيبة، والفيوم، وجدة، وقل من أنجب من الترك مثله وسمع من خلق.
وشهد الوقعة وهو ضعيف، ثم التجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد فتوفي به هناك، هذا ما أخبرني به شيخنا الذهبي عنه.
وأما ما أخبرني به شيخنا أبو الفتح من لفظه، وكان به خصيصاً ينام عنده ويسامره، قال: كان الأمير علم الدين قد لبس بالفقيري وتجرد وجاور بمكة، وكتب الطباق بخطه، وكانت في وجهه آثار الضروب من الحروب، وكان إذا خرج إلى غزوة خرج طلبه وهو فيه إلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءاً من أحاديث الجهاد، وقال: إن السلطان حسام الدين لاجين رتبه في شد عمارة جامع ابن طولون، وفوض أمره إليه، فعمره وعمر وقوفه، وقرر فيه دروس الفقه والحديث والطب، وجعل من جملة ذلك وقفاً يختص بالديكة التي تكون في وسط سطح الجامع في مكان مخصوص بها، وزعم أن الديكة تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في السحر، وضمن ذلك كتاب الوقف، فلما قرئ على السلطان أعجبه ما اعتمده في ذلك، ولما انتهى إلى ذكر الديكة أنكر ذلك، وقال: أبطلوا هذا، لا يضحك الناس علينا.
وكان سبب اختصاصه بفتح الدين أنه سأل الشيخ شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري فما استحضر تاريخها، ثم إنه سأل أبا الفتح عن ذلك فأجابه، فحظي عنده وقربه، فقيل له: إن هذا تلميذ الشيخ شرف الدين فقال: وليكن.
قلت: وغالب رؤساء دمشق وكبارها وعلمائها نشؤه.
وجمع الشيخ كمال الدين الزملكاني مدائحه في مجلدتين بخطه أو واحدة.
وكتب إليه علاء الدين الوداعي يعزيه في ولد اسمه عمر، ومن خطه نقلت:
قل للأمير وعزه في نجله ... عمر الذي أجرى الدموع أجاجا
حاشاك يظلم ربع صبرك بعد من ... أمسى لسكان الجنان سراجا
وقال فيه، ومن خطه نقلت:
علم الدين لم يزل في طلاب العل ... م والزهد سائحاً رحّالاً
فترى الناس بين راوٍ وراءٍ ... عنده الأربعين والأبدالا
وقال لما أخذ له في دويرة السميساطي بيتاً:
لدويرة الشيخ السميساطيّ من ... دون البقاع فضيلة لا تجهل
هي موطنٌ للأولياء ونزهةٌ ... في الدين والدنيا لمن يتأمّل
كملت معاني فضلها مذ حلّها ال ... علم الفريد القانت المتبتّل
أني لأُنشد كلّما شاهدتها ... ما مثل منزلة الدويرة منزل
وأنشدني إجازةً الحافظ شيخنا الفريد فتح الدين قال: أنشدني علم الدين الدواداري لنفسه:
سلوا عن موقفي يوم الخميس ... وعن كرّات خيلي في الخميس
شربت دم العدى ورويت منه ... فشربي منه لا خمر الكؤوس

وجاورت الحجاز وساكنيه ... وكان البيت في ليلي أنيسي
وأتقنت الحديث بكلّ قطرٍ ... سماعاً عالياً ملء الطّروس
أُباحث في الوسيط لكلّ حبرٍ ... وألقى القرم في حرّ الوطيس
فكم لي من جلادٍ في الأعادي ... وكم لي من جدالٍ في الطّروس
سنجر الجمقدار


الأمير علم الدين سنجر.
كان أحد مقدمي الألوف أمراء المئين. وكان من جملة المشايخ أمراء المشور الذين يجلسون بحضرة السلطان.
شيخ قد أنقى، وقارب ورود ما هو أبقى، عظيم الجثة طوالا، أعجمي اللسان لا يجيب سؤالا، سليم الصدر، كبير المنزلة في الدولة عالي القدر.
نقله السلطان من مصر إلى الشام، وأتى به فجمل دمشق لما دخلها منشورة الأعلام. وكان هو أتابك العسكر، وصاحب الرخت الذي لا ينكر.
وكان له برك هائل، وعزم في المواكب والحروب جائل.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن انتهى أمده، ومال من الحياة عمده.
وتوفي رحمه الله تعالى ... .
وكان قد أخرجه السلطان، من مصر في سابع شعبان، سنة ثلاثين وسبع مئة على خبز الأمير سيف الدين بهادرآص.
سنجر الأمير علم الدين الدميثري



بضم الدال المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ثاء مثلثة وراء.
توفي - رحمه الله تعالى - يوم الخميس سابع المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
سنجر الأمير علم الدين



نائب قلعة دمشق المعروف بأرجواش، بهمزة مفتوحة وراء ساكنة وجيم مضمومة أو مفتوحة وواء بعدها ألف وشين معجمة.
له مآنة على أهل دمشق لا بل على أهل الشام، ونعمة لا ينكرها إلا من انتجع برق المكابرة أو شام، فإنه ضبط القلعة في أيام غازان، وأخذ بما صان أمرها وزان، وتثبت في عدم تسليمها، ومد أظافير المناوشة لهم ولم يخش من تقليمها، وصبر على المحاصرة، ولم يجنح إلى المكاشرة والمكاسرة، وأقام قياماً يشكره الله له يوم القيامه، وحقن دماء المسلمين بما عنده من العزيمة القوية والصرامه. وقيل: إن ذلك كان بمعاونة قبجق له في الباطن، وملاحظته لذلك في الحال الساكن. وأياً ما كان فله فيه الفضل الأوفى، والثناء المستوفى.
ولم يزل على حاله إلى أن أسلمه حصنه للمنايا، وتحكمت فيه يد الرزايا.
توفي - رحمه الله تعالى - ليلة السبت ثاني عشري الحجة سنة إحدى وسبع مئة، وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء والأعيان. ودفن في جبل قاسيون.
كان نائب القلعة في أيام أستاذه الملك المنصور، ولم يخرج مدة ولايته من القلعة، ولا سير. وقيده الأشرف وألبسه عباءةً ليقتله، ثم عفا عنه وخلع عليه، وذلك في سنة تسعين وست مئة، وأعاده إلى النيابة، وكان ذلك بعد عود الأشرف من عكا.
ولما اعتمد ما اعتمده في أمر القلعة أيام غازان عظم في النفوس، وكان التتار قد طلعوا فوق سطوح دار السعادة، وتسلطوا على القلعة ورموها بالنشاب، فرمى عليهم قوارير النفط، فاحترقت الأخشاب، وسقطت بهم السقوف بهم السقوف في النار، وفعل ذلك بالعادلية ودار الحديث الأشرفية.
وكان عبد الغني بن عروة الفقير يحكي عنه حكايات تدل على سلامة الباطن، وقد أوردت منها جانباً في ترجمة عبد الغني المذكور في حرف العين مكانه.
سنجر الأمير علم الدين الجاولي



بالجيم: كان أميراً كبيراً من أمراء المشور الذين يجلسون في حضرة السلطان، سمع وروى، وبزغ نجمه في الفضل وما هوى.
وكان خبيراً بالأمور، مرت به تجارب الأيام والدهور، عارفاً بسياسة الملك وتدبيره، وفصل حاله وتحريره. ولي عدة ولايات من نيابات وغيرها، وكان فيها كافياً عارفاً بسبرها. وهو الذي مدن غزة ومصرها، وفتح عينها وبصرها، لأن الجاولي جاء ولياً في حماها، فعظم شأنها بولاية وحماها، وعمر بها قصراً للنيابة، فسيح الأرجاء، شاهق البناء، عالي الثناء، وعمر بها حماماً اتسع فضاؤه، وارتفع سماؤه، وتأرج هواؤه، وتموج ماؤه، وتفنن في الحسن بناؤه، وزهرت نجوم جاماته، وبهرت من رخامه زهرات خاماته. ثم إنه في النيابة الثانية عمر بها جامعا، لأنواع المحاسن جامعا، وبرقه يرى في سماء الإتقان لامعا، تسفل الثريا عن أهلة مئذنته المترفعه، وتبهت عيون النجوم في محاسن محرابه المتنوعه.


وكان - رحمه الله تعالى - يذكر أصحابه في مغيبهم، ويوفر من إحسانه قدر نصيبهم، ويكرمهم إذا حضروا، ويتمناهم إذا سافروا، ويستجليهم إذا سفروا. انتفع به جماعة من الكتاب والعلماء، وزمرة من الكبراء والأمراء.
ولم يزل على حاله إلى أن جاء ولي الموت إلى الجاولي فتلقاه بالكرامه، وراح إلى الله على طريق السلامه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في تاسع شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة، ودفن بتربته التي على الكبش ظاهر القاهرة، وأسند وصيته إلى الأمير سيف الدين العلائي. وكانت جنازته حفلةً إلى الغاية.
وفي أول أمره كان نائباً في الشوبك، ثم إنه نقل منها، وجعل أميراً في أيام سلار والجاشنكير. وكان يعمل الأستاذ دارية للسلطان الملك الناصر محمد، وكان يدخل إليه مع الطعام ويخرج على العادة.
وكان يراعي مصالح السلطان ويتقرب إليه، فلما حضر من الكرك جهزه إلى غزة نائباً في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة عوضاً عن سيف الدين قطلقتمر صهر الجالق بعد إمساكه، وأضاف إليه الحديث في الساحل والقدس وبلد سيدنا الخليل - عليه السلام - وأقطعه إقطاعاً هائلاً، كانت إقطاعات مماليكه تعمل عشرين ألفاً وخمسة وعشرين ألفاً وأكثر. وعمل نيابة غزة على القالب الجائر، وكان القاضي كريم الدين الكبير يرعاه، وكذلك القاضي فخر الدين ناظر الجيش. وكانت مكاتباتهم ما تنقطع عنه في كل جمعة، بل مع كل بريد.
وكان له إدلال على الكبار، فوقع بينه وبينه الأمير سيف الدين تنكز، فتراسل عليه هو والقاضي كريم الدين الكبير، فأمسكه السلطان في ثامن عشري شعبان سنة عشرين وسبع مئة، فاعتقل قريباً من ثماني سنين، ثم أفرج عنه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة أو في سنة تسع وعشرين، وأمره أربعين فارساً مديدة، ثم أمره مئة، وقدمه على ألف، وجعله من أمراء المشور.
ولم يزل على ذلك إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد، وكان هو الذي تولى غسله ودفنه.
ولما تولى الملك الصالح إسماعيل جهزه إلى حماة نائباً، فأقام بها مدة تقارب ثلاثة أشهر، ثم رسم له بنيابة غزة، فحضر إليها وأقام بها مدةً تقارب مدة نيابة حماة، ثم طلب إلى مصر على ما كان عليه. وفي هذه النيابة لغزة شرع في عمارة الجامع بغزة وكمله لما كان في مصر، ولما كان في النيابة الأولى عمر ببلد سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام جامعاً، سقفه منه حجر نقر، وعمر بغزة حماماً هائلاً ومدرسة للشافعية، وعمر خاناً للسبيل بغزة، وعمر الخان العظيم الذي في قاقون. وهو الذي مدن غزة، وبنى بها بيمارستاناً، ووقف عليه عن الملك الناصر أوقافاً جليلة، وجعل النظر فيها لنواب غزة، وعمر بغزة الميدان والقصر، وبنى الخان بقرية الكتيبة، وبنى القناطر بغابة أرسوف. وهو الذي بنى خان سلار الذي في حمراء بيسان، وله التربة المليحة الأنيقة التي بالكبش، وجدد إلى جانبها عمارة هائلة، وكل عمائره طريفة أنيقة مليحة متقنة محكمة.
ولما خرج نائب الكرك من مصر لنيابة طرابلس فوض إليه السلطان النظر على البيمارستان المنصوري.
وآخر من توجه إلى الكرك لحصار الناصر أحمد الأمير علم الدين الجاولي، وجلس في الحصار على عادة من تقدمه، فلما كان في بعض الأيام طلع الناصر أحمد من القلعة وشيخه وسبه وأساء عليه الأدب، فقال الجاولي: نعم أنا شيخ نحس، ولكن الساعة ترى حالك مع الشيخ النحس، ونقل المنجنيق من مكانه إلى مكان يعرفه، ورمى به، فلم يخطئ القلعة، وهدم منها جانباً، وطلع العسكر منه إليها، وأمسك أحمد قبضاً باليد، وذبح صبراً، وجهز رأسه إلى الصالح.
ولما خرج الأمير علم الدين الجاولي إلى دمشق في أيام سلار والجاشنكير لم يقدر سلار على رده لأجل البرجية، وكان الجاولي ينتمي إلى سلار ويحمل رنكه، وفي هذه المرة اشترى داره بدمشق التي هي الآن قبالة الجامع التنكزي من جهة الشمال، ووقع بينه وبين تنكز بسببها، فإنه أراد مشتراها منه، فما سمح له بذلك.
وقد وضع الأمير علم الدين شرحاً على مسند الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ، وكان آخر وقت يفتي ويخرج خطه بالإفتاء على مذهب الشافعي.
وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة أو في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
سنجر الخازن


الأمير علم الدين الأشرفي.

كان الأمير علم الدين هذا فيه حشمه، وله ثروة زائدة ونعمه. يصحب الأفاضل، ويحب كل مناظر ومناضل، تنقل في المباشرة من الشد إلى ولاية القاهره، وربوع الثناء عليه في كل عامره. له ذوق وفهم، وعنده صدق حدس لا يخطئ العرض له سهم.
ولم يزل على حاله إلى أن طويت صحيفة عمره، وفرغ الأجل من أمره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة السبت ثامن جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
وكان السلطان قد ولاه شد الدواوين مع الصاحب أمين الدين، وكان يغري بينهما، ويوقع فيما بينهما، ويقول لهذا: أنا ما أعرف إلا أنت. ويقول لهذا كذلك، ولكن كان هذا علم الدين رجلاً عاقلاً، وفيه سياسة، وعزله من الشد، وولاه القاهرة، فتولاها وأحسن إلى الناس، ثم عزله في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وولى الأمير سيف الدين قديدار مكانه، فوجد الناس في أول ولايته شدةً، ثم لان جانبه.
وأظن أن الخازن كان قد أمسك هو وبكتمر الحاجب وأيدغدي شقير وبهادر المعزي في سنة خمس عشرة وسبع مئة، والله أعلم.
سنجر الألفي


الأمير علم الدين، أحد الأمراء بدمشق.
كان قد ولي نابلس.
وتوفي فجأة بالحسينية من وادي بردى في أوائل جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
سنجر مجد الدين



الطبيب ببغداد، غلام ابن الصباغ.
كان طبيباً فاضلاً، مهر في الطب وتقدم فيها وفي كتابة الدواوين ونظرها. ولي نظر المدرسة النظامية وغيرها، وحصل أموالاً جمة، وكان لا يمشي إلى المريض إلا بأجرة وافرة نحو ستة دراهم وأكثر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل شعبان سنة خمس عشرة وسبع مئة.
سنجر الأمير علم الدين المصري



أحد أمراء دمشق.
توفي - رحمه الله تعالى - في يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وست مئة.
قيل: إنه غص بشربة من المسكر - عفا الله عنه وسامحه - .
سنجر بن عبد الله الناصري



الأمير علم الدين، أحد أمراء الشام.
كان أميراً مهيباً مشهوراً بالعقل والسكون، شجاعاً مقداماً معروفاً بكثرة الجهاد، ملازماً لما هو بصدده، قليل الدخول فيما لا يعنيه.
أصابه زيار في حصار بلاد سيس في ركبته، فكسر العظم، فحمل إلى حلب، فمات في الطريق، وحمل ميتاً، ودفن بالمقام ظاهر حلب.
وذلك في شهر رمضان سنة سبع وتسعين وست مئة.
وكان قد روى الحديث عن سبط السلفي. قال شيخنا علم الدين: سمعنا منه جزء موافقات الدهلي.
سنجر الأمير علم الدين المنصوري



أحد أمراء دمشق.
توفي - رحمه الله تعالى - في المحرم سنة سبع وسبع مئة، ودفن بالصالحية.
وكان من أمراء طرابلس، فنقل إلى دمشق، وسكن بالديماس، وأقام بها شهرين وتوفي رحمه الله تعالى.
سنجر الأمير علم الدين الحمصي



تنقل في الولايات، وتوقل في ذرا النيابات، وباشر في مصر والشام، وتجملت به الليالي والأيام. وكان ذا عفة وأمانه، وحرمة وصرامة وصيانه، تخلص الحقوق في أيامه، ويخشى المباشرون من نقضه وإبرامه.
ولم يزل على حاله إلى أن عزل من الحياه، ونودي عليه بالصلاه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وكان قد نقل من دمشق إلى طرابلس، فتوفي - رحمه الله تعالى - ولم يدخلها.
وكان قد باشر نيابة الرحبة، فأحسن إلى أهلها، وأنفق فيهم مستحقاتهم كاملة، وحمل منها إلى دمشق مئة ألف درهم في عام واحد، وهذا أمر لم نعهده في غير أيامه، بل دائماً يحمل من دمشق المال إلى الرحبة.
ثم إنه جهز لشد الدواوين بحلب. ثم إنه طلب إلى مصر، وجعل مشداً مع الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير، ثم خرج إلى طرابلس مشداً، ثم توجه إلى حلب، ثم طلب لشد الدواوين بمصر، فأقام بها مدة، وسلم السلطان إليه الأمير بدر الدين لؤلؤ، فعاقبه، ثم أخرج إلى دمشق، وأقام بها مدة.
ثم إنه استعفى من شد الدواوين بدمشق، وخرج إقطاعه لابن أيدغمش نائب دمشق، فتوجه منها إلى طرابلس، فمات قبل الدخول إليها.
سنجر الأمير علم الدين البرواني



أحد أمراء الطبلخاناه بالديار المصرية.
وكان شجاعاً شهماً.
توفي فجأة في الحمام في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن في القرافة.
سنجر الأمير الكبير علم الدين الزراق




كان من جملة أمراء دمشق، وكان يسكن بدار فلوس التي اشتراها الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - وبناها وسماها بدار الذهب.
كان الأمير علم الدين قد توجه إلى الرحبة مجرداً، فتوجه وعاد ومرض ومات - رحمه الله تعالى - في رابع عشري شعبان سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
سنجر الطرقجي


الأمير علم الدين، أحد الأمراء بدمشق.
كان ممن قدمه الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - وأطنب في شكره وغالى، وكان ينتقل من الشد إلى غيره، ويعرض عنه، ثم يعود به إلى مدارج طيره.
ولم يزل معه إلى أن غضب عليه غضبة مضريه، هتك فيها الحجب الشمسية والقمريه، وأبعده إلى طرابلس فكان فيها حتفه، ورغم بالموت بها أنفه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - حادي عشري جمادى الآخرة، سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ونقله ولده الأمير علي في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة إلى دمشق، ودفنه في تربته بالقبيبات.
كان قد نقل من ولاية البلد إلى شد الدواوين في خامس شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مئة، وعوض عنه في الولاية بصارم الدين إبراهيم الجوكنداري. ثم جهزه الأمير سيف الدين تنكز إلى ولاية الولاة بالصفقة القبلية في خامس عشري شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وأعيد إلى الحجوبية الأمير علاء الدين أوران، وخلت دمشق مدة أشهر من شد الدواوين.
الألقاب والنسب



السنجري: الأمير سيف الدين بهادر.
السنجاري: شهاب الدين الخطيب أحمد بن إبراهيم.
سنقر بن عبد الله الزيني



الشيخ الإمام المسند الخير المعمر علاء الدين أبو سعيد الأرمني القضائي الحلبي.
اشتراه قاضي حلب زين الدين ابن الأستاذ، وسمع مع أولاده كثيراً، وكتبوا له في صغر وأنه لا يفهم بالعربي.
ثم سمع في سنة خمس، وما بعدها سمع من الموفق عبد اللطيف وعز الدين بن الأثير، والقاضي بهاء الدين بن شداد، وابن روزبة. وسمع الثلاثيات من ابن الزبيدي بدمشق، وسمع ببغداد من الأنجب الحمامي، وعبد اللطيف بن القبيطي، وجماعة، وسمع بمصر من عبد الرحيم بن الطفيل، وأكثر عن ابن خليل، وسمع منه المعجم الكبير بكماله.
وخرج له الشيخ شمس الدين مشيخة، وخرج له أبو عمرو المقاتلي، وأكثر عنه ابن حبيب وولداه.
وعمر وتفرد في الدنيا، وسمع الناس منه أشياء، وروى الكثير، وسمع منه ما هو عزيز من غيره، ومنه غزير. وما حدث ببعض مروياته، ولا حمل الكل من كلياته ولا جزئياته.
ولم يزل على حاله إلى أن استقر سنقر في قعر لحده، ولم يكن في ذلك نسيج وحده.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الخميس تاسع شوال سنة ست وسبع مئة.
وحدث أكثر من ثلاثين سنة، وتفرد بأشياء.
سنقر الأمير شمس الدين الجمالي



مملوك الأمير جمال الدين آقوش الأفرم.
أعرفه وهو في جملة البريدية، يسافر معنا في خدمة الأمير سيف الدين تنكز. ولما جاء الفخري، وجرى له ما جرى، جعل أخوه سيف الدين بهادر نائباً في بعلبك، ثم إنه أخذ طبلخاناة بعد موت الفخري فيما أظن.
ولما توفي بهادر المذكور تعصب الجراكسة مع أخيه سنقر هذا، وخلصوا له الإمرة ونيابة بعلبك، فتوجه إليها. ثم إنه حضر في أيام الكامل من استخرج من شمس الدين قراسنقر المذكور ميراث سيف الدين بهادر الجمالي منه، فقام في القضية الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي والأمير فخر الدين أياز، وشهد له جماعة من أمراء دمشق بأنه أخوه، وخمدت القضية بعد أن عزل من النيابة ببعلبك، ثم إنه عاد إليها وباشرها جيداً إلى أن كتب الأمير سيف الدين أرغون شاه إلى باب السلطان في ولاية الأمير بدر الدين بكتاش المنكورسي نيابة بعلبك، ونقل شمس الدين سنقر إلى طرابلس، فورد المرسوم بذلك، فتوجه الأمير شمس الدين سنقر إلى طرابلس، فأقام بها ضعيفاً تقدير شهرين أو أكثر. ثم إنه قضى، ومر شخصه وانقضى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أول شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
سنقر الأمير شمس الدين



المنصوري الأعسر

كان من كبار الأمراء في مصر والشام، وممن تجمل به الدول والأيام، عارفاً بما يتحدث فيه، خبيراً بالكلام الذي يخرج من فيه. وكانت له في الشام صورة كبيره، وعزمة شهيره، ومباشرة للأموال مثيره.

ركب الأهوال ونكب، وسلب ماله وبين يديه سكب، ثم إنه انتصر، وشره في المباشرات وما اقتصر. وندب في المهمات مرات، وتولى الشد كرات.
ولم يزل إلى أن ثبت إعسار الأعسر من حياته، وأصبح ثمر روحه في يدي جناته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وسبع مئة.
كان مملوك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري النائب بالشام، ودواداره، وكانت نفسه تكبر عن الدواداريه. ولما عزل مخدومه، وأرسل إلى مصر في الدولة المنصوريه، عرضت مماليكه على السلطان، فاختار منهم جماعة، منها سنقر هذا، فاشتراه وولاه نيابة الأستاذ درايه.
وفي سنة ثلاث وثمانين وست مئة أمره بالشام، ورتبه في شد الديوان والأستاذ دارية. وأقام بالشام، وله سمعة زائدة وعظمة إلى أن توفي الملك المنصور، وتولى الأشرف، فكان في خاطر الوزير شمس الدين بن السلعوس منه، فطلب إلى مصر، وعوقب وصودر، فتوصل بتزويج ابنة الوزير، وكتب صداقها بألف وخمس مئة دينار، فأعاده إلى الحالة الأولى.
ولم يزل إلى دولة الملك العادل كتبغا ووزارة الصاحب فخر الدين بن الخليلي، فقبض على الأمير شمس الدين المذكور وعلى الأمير سيف الدين أسندمر، وصودرا وأخذ من الأعسر قريباً من خمس مئة ألف درهم، وأهانه الوزير غير مرة، وعزله عن الشد بفتح الدين بن صبرة، وتوجه الأعسر صحبتهم إلى مصر.
ولما وثب حسام الدين لاجين على كتبغا في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة، ورسم للأمير سيف الدين قبجق بنيابة الشام، ولي الأعسر الوزارة وشد الدواوين في شهر رجب سنة ست وتسعين وست مئة، ثم إنه قبض عليه، ثم ولي الوزارة بعد ذلك، وعامل الناس بالجميل، وتوجه لكشف الحصون في سنة سبع مئة أو في آخرها، ورتب عوضه في مصر عز الدين أيبك البغدادي. فاستمر الأعسر أمير مئة وعشرة مقدم ألف. وحج صحبة الأمير سيف الدين سلار.
وتوفي بمصر بعد أمراض اعترته.
وغالب مماليكه تأمروا بعده.
وفيه يقول علاء الدين الوداعي لما سبق الناس والأمراء أجمعين في عمارة الميدان، ومن خطه نقلت:
لقد جاد شمس الدين بالمال والقرى ... فليس له في حلبة الفضّل لاحق
وأعجز في هذا البناء بسبقه ... وكلّ جواد في الميادين سابق
وفيه يقول لما أمره السلطان بقطع الأخشاب من وادي مربين للمجانيق، ومن خطه نقلت:
مربّين شكراً لإحسانها ... فقد أطربتنا بعيدانها
ولولا الولاء لما واصلت ... ولا طاوعت بعد عصيانها
أتانا بها وهي مأسورةٌ ... وآسرةٌ أسد غيطانها
ولم نر من قبله غائراً ... أتى بالدّيار وسكّانها
ولا عدمت عدله ملّةٌ ... يدبّر دولة سلطانها
وفيه يقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل موشحاً، وهو:
دمعي روى مسلسلا بالسّ ... ند عن بصري أحزاني
لما جفا من قد بلا بالرّم ... د والسّهر أجفاني
غزال أُنسٍ نافر ... سطت به التّمائم
وغصن بانٍ ناضر ... أزهاره المباسم
قلبي عليه طائر ... تبكي له الحمائم
إن غاب فهو حاضر ... بالفكر لي ملازم
كم قد لوى على الولا من موع ... د لم يفكر في عان
وقد كفا ما قد بلى بالكم ... د والفكر ذا الجاني
أزرى بغزلان النّقا ... وبانه وحقفه
كم حلّ من عقد تقىً ... بطرفه وظرفه
لم أنسه لمّا سقى ... من ثغره لإلفه
سلاف ريقٍ روّقا ... في ثغره لرشفه
قد احتوى على طلا وشه ... د ودرر مرجاني
قد رصّفا وكلّلا ب ... البرد والزّهر للجاني
أماله سكر الصّبا ... ميل الصّبا لقدّه
وفكّ أزرار القبا ... وحلّ عقد بنده
وسّدته زهر الرّبا ... وساعدي لسعده

وبتّ أرعى زغبا ... من فوق ورد خدّه
مثل الهوى هبّ على روضٍ ... ندي من طررٍ ريحاني
قد لطفا حتى غلا م ... ورّد مزهّر نعماني
خدٌّ به خدّ البكا ... في صحن خدّي غدرا
وردّ لمّا أن شكا ... سائل دمعي نهرا
كم مغرمٍ قد تركا ... بين البرايا عبرا
يا من إليه المشتكى ... الحال تغني النّظرا
زاد الهوى فانهملا دمع ... الصّدي كالمطر هتّان
وما انطفا واشتعلا في ... كبدي كالشّرر نيراني
يا فرحة المحزون ... وفرحةً لمن يرى
إن صلت بالجفون ... وصدت من جفني الكرى
فليس لي يحميني ... سوى الذي فاق الورى
شمس العلا والدين ... أبي سعيدٍ سنقرا
مولىً هوى كلّ علا وس ... ؤدد من معشر فرسان
وقد صفا ثمّ حلا في الم ... ورد للمعسر والعان
سنقر شاه الأمير شمس


الدين المنصوري

كان أميراً كبيرا، قد حوى مالاً غزيراً، وجوهراً نظيماً ومالاً نثيرا، واقتنى من السلاح والخيل ما يزيد في وصفه، ويكل اللسان وما وصل إلى نصفه. إلا أنه كان مبخلا، وإن كان مبجلا، ومذمما، وإن كان بالخز معمما.
وكان به مرض مزمن، وتعلل مدمن، لا يزال به مصفرا، ونكد عيشه موفرا.
ولم يزل به إلى أن أنزله في بطن جدثه، وأقام عدمه الدليل على حدثه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة سبع وسبع مئة.
جاء إلى صفد نائباً في سنة أربع تقريباً، بعد الأمير سيف الدين بتخاص، وأقام بها نائباً إلى سنة سبع وسبع مئة، ورسم بعزله، وأن يجيء الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار الكبير من الصبيبة إلى صفد نائباً، فما لحق المرسوم يجيء إلى صفد إلى أن توفي سنقرشاه - رحمه الله تعالى - .
وكان يلبس زميطية حمراء، قيمتها نصف وربع درهم، فقيل له في ذلك، فلبس قبعاً مزركشاً، وقال: من أنا ؟ فقالوا: الأمير سنقرشاه المنصوري، فخلعه، ولبس تلك الزميطية، وقال: من أنا؟ فقالوا كما قالوا أولاً، فقال: أنا هو ذاك إن لبست هذه أو ذاك.
وكان عنده جماعة من الأويراتية، وكان كثير الصيد، اصطاد مرة من غابة أرسوف خمسة عشر أسداً وضبوحين، وكان في الجملة أسد أسود كبير. وكان قليل المقام في المدينة، بل غالب أيامه يكون في الصيد. وكان قد أفنى الأسود من الغابات.
ولما توفي دفن بعين الزيتون في زاوية الشيخ قليبك. وابنته زوج الأمير سيف الدين أرقطاي نائب مصر.
سنقرشاه الأمير



شمس الدين الظاهري

كان أحد أمراء دمشق. وسكن بالعقيبة عند حمام الجلال.
توفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثاني ذي الحجة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ودفن بكرة الثلاثاء بمقابر الصوفية، وحضر جنازته قاضي القضاة ونائب السلطنة وغيرهما من أعيان الأمراء والكتاب.
سنقر الأمير شمس الدين



الكمالي الحاجب

كان أحد الأكابر، والأمراء الذين تثني عليهم ألسنة الأقلام في ثغور أفواه المحابر.
وكان في طبقة سلار والجاشنكير والجوكندار أمير جاندار، والكمال رابعهم، وقادمهم في كل أمر وتابعهم، حتى اشتهر أمرهم وتأزر نصرهم، ولذلك قال بعض عوام المصريين المطابيع:
لاكتبنّ القصص وقف فيك لسلاّر ... واقصد الجاشنكير ورح للكمالي
واقول لو يا مير في أيام عدلك ... كيف يكون لي معشوقٌ يا خد بدالي
ولما جرد العسكر من مصر صحبة كراي الذين توجهوا لإمساك أسندمر من حلب، كان الأمير الكمالي من جملتهم صحبة كراي، ودخلوا إلى دمشق في ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة، ولما كان في تاسع عشر شهر ربيع الآخر أمسك السلطان أربعة أمراء: نائب الكرك آقوش، وبيبرس الدوادار، ونائب السلطنة، وسنقر الكمالي، وغيرهم، وأودعوا برجاً في القلعة معتقلين، وذلك في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
سنقر الأمير شمس الدين




أستاذ الدار

أخرجه السلطان الملك الناصر حسن إلى الشام للحوطة على خيل الأمير سيف الدين طاز وغير ذلك في أوائل سنة تسع وخمسين وسبع مئة. فتوجه إلى حلب، وحضر بعد ذلك إلى دمشق، وبذل الجهد في موجود الأمير طاز، وكان إذ ذاك أمير طبلخاناه، فانحلت بالديار المصرية وهو في الشام تقدمة ألف وإمرة مئة، فعينها السلطان باسمه، وعظمت منزلته عند السلطان، وعاد إلى مصر بعد مدة على تسعة أشهر، ونفع جماعةً ممن خدمه بدمشق وحلب وغيرهما.
وزادت وجاهته عند السلطان، وكان يقال: إنه أخو الأمير سيف الدين بكتمر المومني نائب حلب.
ولما جهز أخوه المذكور إلى حلب أقام بعد ذلك قريباً من نصف سنة، ثم إن السلطان تغير عليهما، وأمسك أخاه نائب حلب، وأخرجه إلى دمشق أمير طبلخاناه، فورد إليها في سنة ستين، وأقام بها قليلاً، ثم رسم بتوجهه من دمشق إلى صهيون بطالاً بغير إقطاع. فأقام بها مدة إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - بصهيون، وورد الخبر بوفاته إلى دمشق في ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبع مئة.
وكان فيه مروءة وعصبية مع من يعرفه.
الألقاب والأنساب



السنهوري المادح أحمد بن مسعود.

السهروردي شهاب الدين

عبد المحمود بن عبد الرحمن.
ابن أبي سوادة



القاضي بهاء الدين كاتب السر بحلب، اسمه علي بن علي بن محمد.
توفي - رحمه الله تعالى - في ضحى نهار السبت، منتصف شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومن شعره، وقد توفي القاضي عز الدين عبد العزيز بن القيسراني، مما كتبه إلى أخيه:
وحقّك ما تركت الكتب عمداً ... بتعزيةٍ على هذا المصاب
ولكن كلّما أثبتّ سطراً ... محته دموع عيني من كتابي
وكتب إليه أيضاً:
ولمّا قضى واستهدم الصّبر بعده ... وكنّا نرجّيه لإعدامنا كنزا
بكينا وأجرينا الدّموع تأسّفاً ... ولم يجدنا فيض الدّموع ولا أجزى
ولا تسألوا عن حالتي في رزيّتي ... وما حال مضنىً فارق الجاه والعزّا
السواملي: جمال الدين إبراهيم بن محمد.
سوتاي



بالسين المهملة، والواو الساكنة، والتاء ثالثة الحروف، وألف ممدودة وياء آخر الحروف: النوين الكبير الحاكم على ديار بكر بمجموعها.
كان رئيساً في نفسه، فريداً في أبناء جنسه، ذا عزم وجلد وحزم، وإثارة للحروب وهزم. عنده رئاسه، وحسن تدبير وسياسه، تحبه رعيته، لما صفت لهم طويته. ويدعون له على الدوام، ويختارون أيامه لو دامت أو عادت ولو في المنام.
ولم يزل على حاله إلى أن أتى السوء سوتاي فدمره، ولم ينفعه ما أتقنه من أمره ودبره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكان قد عمر حتى تجاوز المئة، لأنه حكى عن نفسه أنه كان قد حضر واقعة بغداد، وهو بالغ، ورأى أربعة بطون من ولده وولد ولده وولد ولد ولده وأولادهم حتى إنهم أنافوا على الأربعين ذكوراً وإناثاً. وأكبر ولده بارنباي ثم طغاي.
وكان سوتاي أقطجيا لأبغا، والأقطجي بمنزلة أمير آخور. ولم يزل معظماً عند ملوك المغل. وهو جاء إلى ديار بكر، ونزل بها بتومانة بعد وفاة النوين آبك تاصميش، واستمر حاكماً من أوائل دولة أولجايتو سلطان إلى أواخر دولة السلطان بوسعيد ووفاته في بلد، وهي مدينة خراب بالقرب من الموصل، لأنه كان يشتو بها في كل سنة، ثم إنه نقل من بلد إلى الموصل ودفن في تربة كان بناها لنفسه من الموصل على دجلة.
وكان مرضه ثلاثة أشهر، وكان قد أضر قبل موته بسنوات، ولما مات حكم بعده على ديار بكر علي باشا خال بوسعيد، وجرت له حروب مع أولاده.
سودي



الأمير سيف الدين، رأس نوبة الناصري.
كان من خواص أستاذه المقربين، وأعيانهم المدربين. له معرفة وفهم، وله نفوذ في الأحكام كما ينفد السهم.
اجتهد على سياقة نهر الساجور إلى حلب، وبذل فيه لكل صانع ما طلب. وأخذ أمره بكلتا يديه، وأنفق في سياقته غالب ما لديه. ثم إنه من فرحه عجل وطالع السلطان بوصوله، فجهز المطالعة في البريد على يد رسوله بناء على أنه في غد يدخل البلد، فتقطع في تلك الليلة، وساح في الجلد. فكانت منه هفوة، وخطأ ندم على ما مد فيه من الخطوة.
ولم يزل إلى أن لم يبق لسودي سؤدد، وذاب شحمه في القبر وتقدد.


وتوفي - رحمه الله تعالى - منتصف شهر رجب سنة أربع عشرة وسبع مئة يوم السبت، ودفن يوم الأحد بالقرب من تربة قراسنقر.
وكان السلطان قد جهزه لنيابة حلب بعدما توجه الأمير شمس الدين قراسنقر من البلاد، وراح إلى بلاد خربندا، فوصل إلى حلب في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
وقيل: إن طول النهر الذي حفره من الساجور إلى أن يصل قويق أربعون ألف ذراع، وعرضه ذراعان، وعمقه ذراعان تقريباً، وإن الذي أنفق عليه ثلاث مئة ألف درهم، النصف من مال السلطان، والنصف من مال سودي. ولم يظلم فيه أحد، بل حفر بالعدل والإنصاف.
الألقاب والأنساب


السوسي فخر الدين أحمد بن علي.

ابن سويد تاج الدين طالوت.

سلارسيف الدين

بالسين المهملة وبعدها لام مشددة وبعد الألف راء: الأمير سيف الدين التتري المنصوري الصالحي.
كان أولاً من مماليك الصالح علي بن المنصور، فلما مات الصالح صار من خواص أبيه المنصور، ثم إنه اتصل بخدمة الأشرف، وحظي عنده، وأمره، وكان صديق السلطان حسام الدين لاجين ونائبه منكوتمر.
ندبوه لإحضار السلطان الملك الناصر محمد من الكرك فأحضره. وركن إلى عقله فاستنابه وقدمه على الجميع. وخضع له الناس.
وكان عاقلا، عارفاً بالأمور كاملا. ينطوي على دهاء، ويظهر قربك وهو ذو جفاء، سعيد الحركات في أموره، موفق الآراء في غيبته عن الملك وحضوره. اقترح أشياء ظريفة في لبس الفارس والفرس، ونسب إليه تقوم القيامة وذكرها ما اندرس. ونال من سعادة الدنيا ما لا يوصف كثره، ولا ينهض قدم تحمله عثره. وحصل من الذهب والفضة ما هو قناطير مقنطره، ومن اللآلي والجواهر ما تعجز عن مكاثرته السحائب المثعنجره.
وكان ساكناً وادعاً لا شر فيه ولا باطن سوء لمخالفيه ولا محالفيه. وساس الملك تلك المده، وداهن أعاديه وهم حوله على انفراد عده. وكان محباً لمن يخدمه، مكباً على من يصطنعه أو يقدمه.
ولما توجه الناصر إلى الكرك، تداها على الجاشنكير ولم يشركه في الوقوع في الشرك، فسلطنه بل سرطنه، وحببه للملك بل جننه، ودربه لذلك بل درنه. ومشى قدامه، إلا أن ذاك عير غير فطن وذاك خب خبعثنة. وما كان بأسرع من أن استحالت الدولة عليه، وفرت بأجمعها من بين يديه. وكان هو فيمن خامر، وقام مع الحزب الناصري وقامر. إلا أنه حاق به مكره، وأتعبه خماره وسكره، ومات في السجن جوعا، ولم يجد إلى الدنيا رجوعا. يقال إنه أكل من مداسه الكعاب، وتحقق أن الدنيا مومس بالية، وكان يظن أنها كعاب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - معتقلاً بالقلعة في الديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة.
وكان يتحدث أن إقطاعه بضع وثلاثون طبلخاناه، واشتهر على ألسنة العوام وغيرهم أنه يدخله في كل يوم مئة ألف درهم. واستمر في النيابة إحدى عشرة سنة.
ولما ملك الجاشنكير استمر به في النيابه، وازداد عظمةً وسعاده، وأقام على ذلك تسعة أشهر. ولما عاد السلطان من الكرك تلقاه سلار إلى أثناء الرمل. ولما جلس على كرسي الملك أعطاه الشوبك، فتوجه إليها في جماعته، وتشاغل السلطان عنه، ونزح سلار عن الشوبك وطلب البرية، ثم إنه خذل، وسير يطلب من السلطان أماناً على أنه يقيم بالقدس لعبادة الله تعالى، فأجابه إلى ذلك، ودخل إلى القاهرة بعد أن بقي أياماً مشرداً في البرية مردداً بين العرب، ينوبه في كل يوم لهم ألف درهم وأربعون غرارة شعير.
ولما جاء عاتبه السلطان واعتقله، ومنع من الزاد إلى أن مات جوعاً، وأكل كعاب سرموزته، وقيل: أكل خفه، وقيل: إنهم دخلوا إليه وقالوا له: قد عفا السلطان عنك، فقام من الفرح ومشى خطوات يسيرة وسقط ميتاً.
وكان أمسر آدم، لطيف القد، أسيل الخد، لحيته في حنكه سوداء، وهو من التتار الأويراتية.
مات في أوائل الكهولة، ولعله ما بلغها - رحمه الله تعالى - وأذن السلطان للأمير علم الدين سنجر الجاولي أن يتولى دفنه وجنازته، فدفنه بتربته عند الكبش.
وكان - رحمه الله تعالى - ظريفاً في لبسه، اقترح أشياء في اللبس، وهي إليه منسوبة، منها المناديل السلارية والأقبية السلارية، وفي قماش الخيل وآلات الحرب.
قال شمس الدين الجزري: إنه أخذ له ثلاث مئة ألف ألف دينار، وشيء كثير من الحلي والجواهر والخيل والسلاح والغلال مما لا يكاد ينحصر.


قال شيخنا الذهبي، رحمه الله تعالى: وهذا شيء كالمستحيل، لأن ذلك يجيء وقر عشرة آلاف بغل، الوقر ثلاثون ألف دينار، وما علمت أن أحداً من السلاطين الكبار ملك هذا ولا ربعه. ثم تدبر - رحمك الله - إذا فرضنا صحة قولهم، دخله في كل يوم مئة ألف درهم، أما كان عليه فيها خرج ؟ فلو أمكنه أن يكنز في كل يوم ثلاثة آلاف دينار أكان يكون في السنة غير ألف ألف دينار ومئتي ألف دينار ؟ فتصير الجملة في عشرة أعوام عشرة ألف ألف دينار، وهذا لعله غاية أمواله، فلاح لك فرط ما حكاه الجزري واستحالته.
قال الجزري: نقلت من ورقة بخط علم الدين البرزالي قال: دفع إلي المولى جمال الدين بن الفويرة ورقةً بتفصيل بعض أموال سلار وقت الحوطة على داره في أيام متعددة: يوم الأحد: تسعة عشر رطلاً بالمصري زمرداً.
ياقوت: رطلان.
بلخش: رطلان ونصف.
صناديق ستة ضمنها جواهر فصوص ماس وغيره: ثلاث مئة قطعة.
لؤلؤ كبار مدرر من زنة درهم إلى مثقال: ألف ومئة وخمسون حبة.
ذهب: مئتا ألف وأربعون ألف دينار.
دراهم: أربع مئة ألف درهم وسبعون ألف درهم.
يوم الاثنين: ذهب: خمسة وخمسون ألف دينار.
دراهم: ألف ألف درهم وأحد وعشرون ألفاً.
فصوص بذهب: رطلان ونصف.
مصاغ عقود وأساور وزنود وحلق وغير ذلك: أربعة قناطير بالمصري.
فضيات أواني وهواوين وصدوره: ستة قناطير.
يوم الثلاثاء: ذهب: خمسة وأربعون ألف دينار.
ودراهم: ثمانية آلاف درهم.
براجم فضة وأهلة وصناديق: ثلاثة قناطير فضة.
ذهب: ألف ألف دينار وثمان مئة ألف درهم.
أقبية ملونة بفرو قاقم: ثلاث مئة قباء.
أقبية بسنجاب: أربع مئة قباء.
سروج مزركشة: مئة سرج.
ووجد عند صهره الأمير موسى ثمانية صناديق، فأخذت، كان من جملة ما فيها عشر حوائص مجوهرة سلطانية وتركاش ماله قيمة، ومئة ثوب طرد وحش.
وقدم صحبته من الشوبك خمسون ألف دينار وأربع مئة وسبعون ألف درهم، وثلاث مئة خلعة ملونة وخركاه أطلس معدني مبطنة بأزرق بابها زركش، وثلاث مئة فرس، ومئة وعشرون قطاراً بغال، ومثلها جمال. كل هذا سوى الغلال والأنعام والجواري والمماليك والأملاك والعدد والقماش. وذكر أنه عوقب كاتبه، فأقر أنه كان يحمل إليه كل يوم ألف دينار، وما يعلم بها غيره.
وقيل: إن مملوكاً دلهم على كنز له مبني في داره، ووجدوا فيه أكياساً، وفتحوا بركة فوجدوها ملأى أكياس ذهب.
قال شيخنا الذهبي: وحدثني شيخنا فخر الدين أن إنساناً حكى له، قال: دخل العام شونة سلار من أصناف الغلال ست مئة ألف إردب. وقال شيخنا الذهبي: ثم إنه مات البائس، يتحسر على الخبز اليابس.
وقلت أنا فيه:
في أمر سلاّر للألباب موعظةٌ ... لم يحتج العقل إذ يحتجّ برهانا
حوى كنوزاً إذا قارون قارنها ... طافت عليه من الأموال طوفانا
وبعد ذلك لم تقدر يداه على ... لبابة وقضى في الحبس جوعانا
فألف أفٍّ لدنيانا وزخرفها ... فما سمعناه عن سلاّر سلاّنا
الألقاب والأنساب


ابن السلار ناصر الدين أبو بكر بن عمر.

السلاري نائب مصر الأمير شمس الدين آقسنقر.

ابن سلام الشيخ شرف الدين الحسين بن علي.

سلامش

الأمير سيف الدين الظاهري.
قارب التسعين.
كان من أمراء الديار المصرية. وكان صالحاً ديناً.
توفي - رحمه الله تعالى - في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن برا باب النصر.
وكان أمير خمسين فارساً.
الألقاب والأنساب



السلامي الخواجة: مجد الدين إسماعيل بن محمد.
سيف الدين



الشيخ الجليل الكبير الرجيحي بن سابق بن هلال بن يونس شيخ اليونسية.
كان له حرمة وافرة في الدولة، وعند أتباع جده وطائفتهم.
توفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت خامس عشر شهر رجب سنة ست وسبع مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي، وأعيد إلى الدار التي كان يسكنها داخل باب توما، وتعرف بدار أمين الدولة، فدفن بها، وحضره خلق من الأعيان والقضاة والأمراء.
وأجلس مكانه ولده فضل.
كان الشيخ سيف الدين مليح السيرة، ضخم الهامة جداً، هائل المنظر، محلول الشعر. ناهز السبعين سنة.
سيف بن سليمان




ابن كامل بن منصور بن علوان بن ربيعة الموازيني السلمي الزرعي، القاضي شرف الدين.
كان فقيهاً فاضلاً عفيفاً محترزاً، وله نظم، وعنده فوائد.
وولي عدة ولايات من أعمال دمشق نحواً من أربعين سنة. وكان فيها مشكوراً.
وولي بعلبك والقدس، وأقام به إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ثالث عشري جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
وروي الحديث عن ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، ويوسف بن مكتوم، وغيرهم بدمشق والقدس.
سيف بن فضل بن عيسى


الأمير سيف الدين من آل فضل الزواهر، ومن قوم عدادهم في الجماهر.
ولي إمرة آل فضل بعد ابن عمه أحمد بن مهنا، فما صفا له عيش ولا تهنا. وعزل عن الإمره، وخمدت منه الجمره، وما شرب من عزها كأس خمره، إلا أنه كان مطاعاً في الدوله، مشاراً إليه في الجوله، مقدماً في الدول القاهره، معنياً بأمور الباطنة والظاهره.
وكان قد أسره عمر بن موسى، ثم من عليه وأطلقه وجراحه لا تندمل منه ولا توسى.
ولم يزل على حاله إلى أن غص من الحسام بريقه، وشخص بصره من بريقه.
وقتل - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ستين وسبع مئة، قتله عمر بن موسى.
كان الأمير سيف الدين له وجاهة في الدولة من أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان كل قليل يتوجه إلى باب السلطان، ويعوده بما يختاره من الزيادات والإنعامات. وكان هو وإخوته وآل فضل أبيةً لا يدخلون في حكم أمير النقرة من أولاد مهنا، بل مرجع حوطاتهم وإفراجاتهم مختص به.
وكان قد ولي الإمرة بعد الأمير شهاب الدين أحمد بن مهنا في أيام الملك المظفر حاجي، فما مشى له حال، وضايقه أولاد مهنا، وقطعوا الطرقات على الناس وعجزوه، فأعيدت الإمرة إلى أحمد بن مهنا. وكان يرمى بعدم الصدق إلا أنه له الوجاهة في الدولة. ولقد رأيته وهو عند الأمير سيف الدين منجك نائب الشام بدار العدل، وقد جاء الأمير سيف الدين حيار بن مهنا من باب السلطان، وهو أمير النقرة، فجلس تحت الأمير سيف.
وقلت أنا فيه لما قتل - رحمه الله تعالى - :
سيف بن فضل كان في الدّهر لا ... يخاف من حينٍ ولا حيف
حتّى إذا ما خانه دهره ... أُنفذ حكم السّيف في سيف
سيفاه الأمير سيف الدين



أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق.
توفي - رحمه الله تعالى - في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
الألقاب والأنساب



السيف الحريري

اسمه أبو بكر.
السيف البغدادي



اسمه عيسى بن داود
السيف الناسخ



يوسف بن محمد.
بنو سيد الناس: شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد. الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن محمد. وسعد الدين محمد بن محمد بن محمد.
وسعد الدين محمد بن محمد بن محمد.
السيد: ركن الدين النحوي، الحسن بن شرفشاه.
ابن سيد الأهل: الحسين بن علي.
ابن السيوفي: نجم الدين عيسى.
الألقاب والأنساب



السهروردي الشيخ شمس الدين

الكاتب أحمد بن يحيى.

حرف الشين

شاذي

الملك الأوحد تقي الدين بن الملك الزاهر مجير الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب.
كان أحد الأمراء بدمشق.
توجه مجرداً إلى جبال الجرد، فتوفي هناك في ثاني صفر سنة خمس وسبع مئة، وحمل إلى دمشق، ودفن بتربة الدار الأشرفية بسفح قاسيون.
وكان معظماً في الدولة أثيل المكارم عند الأفرم. وله اشتغال، وكان يحفظ القرآن العظيم، وسمع الحديث من الفقيه محمد اليونيني.
قال شيخنا البرزالي: وروي لنا عنه.
ومولده في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وست مئة بدمشق.
وكان له بالأمور دربة وخبرة تامة.
شاذي بن بدليك



الأمير سيف الدين أخو الأمير شهاب الدين أحمد الساقي، المقدم ذكره.
كان أولاً من جملة البريدية بمصر، ثم إنه أعطي طبلخاناه بحلب، وأقام بها. وخرج على الصالح صالح، وحضر مع بيبغاروس إلى دمشق، وهرب معه. وكان في جملة من أمسك على حلب، وأحضروه إلى دمشق.
وكان في جملة من وسط بسوق الخيل بدمشق في شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
الألقاب والأنساب



الشارعي

المحدث إسماعيل بن إبراهيم.
الشارمساحي الشاعر




أحمد بن عبد الدائم.
ابن الشاطبي


علاء الدين علي بن يحيى.
الشاطبي يوسف بن أحمد.



شافع بن علي

ابن عباس بن إسماعيل بن عساكر الكناني العسقلاني ثم المصري: الشيخ الإمام الأديب ناصر الدين سبط الشيخ عبد الظاهر بن نشوان.
روى عن الشيخ جمال الدين محمد بن مالك، وغيره.
وروى عنه الشيخ أثير الدين، وعلم الدين البرزالي، وجمال الدين إبراهيم الغانمي وغيره من الطلبة.
كتب المنسوب فأحسنه، وجود طريقه وأتقنه، فإذا خط غض الزهر عينه، وطلب من العقود دينه، وإذا نظم القريض نظرت النجوم بطرف غضيض، وإذا نثر فضح الدرر، ملأ الدنيا إنشاءً، وأبرزها كالنجوم زهرت عشاء.
وكثر من التصانيف وما ارتابت فيها العقول، وقال فسمع الناس ما يقول.
كتب الإنشاء بمصر زمانا، ونظم قلائده على جيد الزمان عقيانا. إلا أنه أضر بأخرة، فعدم الناس طروسه الموشاه، ورقاعه التي هي بالزاهر مفشاه، ولكن فوائد نظمه ونثره تسيل ملء الحقائب، وصوب قريحته إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب.
ولم يزل على حاله إلى أن شافه شافعاً حينه، وحل على وجوده من العدم دينه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة ثلاثين وسبع مئة في سابع عشري شعبان، ودفن بالقرافة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
كان قد أصابه سهم في نوبة حمص الكبرى سنة ثمانين وست مئة في صدغه، فعمي بعد ذلك، ولازم منه بيته.
وكان جماعةً للكتب؛ أخبرني من لفظه شهاب الدين البوتيجي الكتبي بالقاهرة، قال: خلف ثماني عشرة خزانة كتباً نفائس أدبية، وكانت زوجته تعرف ثمن كل كتاب، وبقيت تبيع منها إلى أن خرجت من القاهرة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
وأخبرني البوتيجي أيضاً، قال: كان إذا لمس الكتاب وجسه، قال: هذا الكتاب الفلاني، وهو لي ملكته في الوقت الفلاني، وإذا أراد أي مجلد كان، قام إلى خزانته وتناوله منها كأنه الآن وضعه بيده.
اجتمعت به أنا في القاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، واستنشدني شيئاً من نظمي، فأنشدته لنفسي:
إن وردي من الحمام قريب ... فلهذا أمست دموعي مفاضه
ولكم جهد ما يكون بعيداً ... ومشيبي رشاش تلك المخاضه
فأنشدني من لفظه لنفسه:
قال لي من رأى صباح مشيبي ... عن شمالٍ من لمّتي ويمين
أيّ شيء هذا ؟ فقلت مجيباً ... ليل شكٍّ محاه صبح يقين
وأنشدني هو من لفظه لنفسه:
تعجّبت من أمر القرافة إذ غدت ... على وحشة الموتى بها قلبنا يصبو
فألفيتها مأوى الأحبّة كلّهم ... ومستوطن الأصحاب يصبو له القلب
فأنشدته أنا لنفسي:
ألا إنّ القرافة إن غدونا ... تميل لها القلوب ولا عجيبا
فما فينا مصابٌ قطّ إلاّ ... تضمّ له قريباً أو حبيبا
وأنشدني هو أيضاً لنفسه:
وبي قامةٌ كالغصن حين تمايلت ... وكالرّمح في طعن يقدّ وفي قدّ
جرى من دمي بحرٌ بسهم فراقه ... فخضّب منه ما على الخصر من بند
وأنشدته أنا لنفسي:
قد شدّ حبّي بندا ... في حمرةٍ مثل خدّه
كخاتمٍ من عقيقٍ ... قد زان خنصر قدّه
فقال: لو اتفق لك خنصر خصره لكان أحسن، فقلت:
في حمرة البند معنى ... ممن سباني بهجره
كخاتمٍ من عقيقٍ ... قد زان خنصر خصره
وكتبت له أستدعي إجازته، ونسخة ذلك: المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام المفيد القدوة جامع شمل الأدب، قبلة أهل السعي في تحصيله والدأب:
أخي المعجزات اللائي أحرزن طرسه ... كأُفقٍ به للنيّرات ظهور
وما ثمّ إلا الشّمس والبدر في السّما ... وهذا شموسٌ كلّه وبدور
البليغ الذي أثار أوابد الكلم من مظان البلاغه، وأبرز عقائل المعاني تتهادى في تيجان ألفاظه، فجمع بين صناعة السحر والصياغه، وأبدع في طريقته المثلى فجلت عن المثل، وأنبت في رياض الأدب غروس فضل لا تقاس بدوحات البان ولا الأثل، وأظهر نظامه عقوداً حلت من الزمان كل ما عطل، وقال لسان الحال ممن يتعاطاه: مكره أخاك لا بطل، وجلا عند نثاره كلمات مقصورات في خيامه، وذر على كافور قرطاسه من أنفاسه مسك ختامه، ناصر الدين شافع بن علي


لا زال في هذا الورى فضله ... يسير سير القمر الطّالع
حتّى يقول النّاس إذ أجمعوا ... ما مالك الإنشا سوى شافع
إجازة كاتب هذه الأحرف ما يجوز له روايته من كتب الحديث وأصنافها، ومصنفات العلوم على اختلافها، إلى غير ذلك كيفما تأدى إليه من مشايخه الذين أخذ عنهم من قراءة أو سماع أو إجازة أو مناولة أو وصية. وإجازة ماله - فسح الله في مدته - من تأليف ووضع، وتصنيف وجمع، ونظم ونثر. والنص على ذكر مصنفاته وتعيينا في هذه الإجازة إجازةً عامة على أحد القولين في مثل ذلك. والله يمتّع بفوائده، وينظم على جيد الزّمن عنه بيد غيره من إنشائه.
أما بعد، فالحمد لله الذي أمتع من الفضلاء بكل مجيز ومستجيز، وأشهد من معاصري ذوي الدراية والرواية من جمع بين البسيط من علو الإسناد والوجيز. نحمده على نعمه التي يجب له عليها الإحماد، ونشكره على تهيئة فضلها المخول شرف الإسعاف والإسعاد، ونصلي على سيدنا محمد المعظمة رواة حديثه، وحق لهم التعظيم، العالية قدراً وسندا، من شأنه التبجيل والتفخيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وما أحقهم بالصلاة والتسليم.
وبعد، فإني وقفت على ما التمسه الإمام الفاضل، الصدر الكامل، المحدث الصادق، العلي الإسناد، الراقي درجات علم الحديث النبوي بعلو روايته السائرة على رؤوس الأشهاد، وهو غرس الدين خليل بن أيبك:
وحسبي به غرساً تسامى أصالةً ... إلى أن سما نحو السماء علاؤها
حوى من بديع النّظم والنّثر ما رقى ... إلى درجاتٍ لا يرام انتهاؤها
استجاز - أعزه الله - فأتى ببديع النظم والنثر في استجازته، وقال فأبدع في إبدائه وإعادته، وتنوع في مقالهما فأسمع ما شنف الأسماع، وأبان عما انعقد على إبداعه الإجماع، وقال فما استقال، ورتل آي محكم كتابه فتميز وحق له التميز على كل حال.
وقد أجبته إلى ما به رسم جملةً وتفصيلا، وأصلاً وفرعا، وأبديت به وجهاً من وجوه الإجابة جميلا، ما يجوز لي روايته من كتب الحديث وأصنافها، ومصنفات العلوم حسب إجازة ألافها، حسبما أجزت به من المشايخ الذين أخذت عنهم، وسألت الإجازة منهم، بقراءة أو سماع أو مناولة أو وصية، ومالي من تأليف ووضع، ونظم ونثر وجمع، كشعري المتضمنة الديوان المثبت فيه، ومناظرة الفتح بن خاقان المسمى شنف الآذان في مماثلة تراجم قلائد العقيان، وسيرة مولانا السلطان الملك الناصر المتضمنة أجزاء متعددة، وسيرة والده السلطان الشهيد الملك المنصور المتضمنها جزء واحد التي حسنتها على ألسنة الرعايا متعددة، وسيرة ولده الملك الأشرف، ونظم الجواهر في سيرة مولانا السلطان الملك الناصر، أيضاً نظماً، وما يشرح الصدور من أخبار عكا وصور، والإعراب عما اشتمل عليه البناء الملكي الناصري بسرياقوس من الإغراب، وإفاضة أبهى الحلل على جامع قلعة الجبل، وقلائد الفرائد وفرائد القلائد فيما لشعراء العصريين من الأماجد، ومناظرة ابن زيدون في رسالته، وقراضات الذهب المصرية في تقريظات الحماسة البصرية، والمقامات الناصرية، ومماثلة رسائل ما حل من الشعر، وتضمين الآي الشريفة والأحاديث النبوية في المثل السائر، والمساعي المرضية في الغزوة الحمصية، وما ظهر من الدلائل في الحوادث والزلازل، والمناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية، والدر المنظم في مفاخرة السيف والقلم، والحكام العادلة فيما جرى بين المنظوم والمنثور من المفاضلة، والرأي الصائب في إثبات ما لا بد منه للكاتب، والإشعار بما للمتنبي من الأشعار، وتجرية الخاطر المخاطر في مماثلة فصوص الفصول وعقود العقول مما كتب به القاضي الفاضل في معنى السعيد بن سناء الملك، وعدة الكاتب وعمدة المخاطب، وشوارد المصائد فيما لحل الشعر من الفوائد، ومخالفة المرسوم في الوشي المرقوم، ومالي غير ذلك من حل نظم ونظم حل، ورسائل فيما قل أو جل. وما يتفق لي بعد ذلك من نظم ونثر وتأليف وجمع حسبما التمسه مني بمقتضى إجازته، وإيدائه وإعادته. وكتب في يوم الأحد خامس عشر صفر سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكتب بخط يده بعد ذلك: أجزت له جميع ذلك بشرطه، وكتب: شافع بن علي بن عباس.
وأنشدنا إجازة له:
أرى الخال من وجه الحبيب بأنفه ... وموضعه الأولى به صفحة الخدّ

وما ذاك إلا أنّه من توقّدٍ ... تسامى يروم البعد من شدّة الوقد
وأنشدني له إجازة، وقد احترقت الكتب أيام الأشرف:
لا تحسبوا كتب الخزانة عن سدى ... هذا الذي قد تمّ من إحراقها
لمّا تشتّت شملها وتفرّقت ... أسفت فتلك النار من زفراتها
وأنشدني إجازة له:
شكا لي صديقٌ حبّ سوداء أُغريت ... بمصّ لسانٍ لا تملّ له وردا
فقلت له: دعها تلازم مصّه ... فماء لسان الثّور ينفع للسّودا
وأنشدني له إجازة:
قل لمن أطرى أبا دلفٍ ... بمديحٍ زاد في غرره
كم رأينا من أبي دلفٍ ... خبره يربي على خبره
ثمّ ولّى بالممات وما ... ولّت الدّنيا على أثره
وأنشدني له إجازة في انكفاف بصره:
أضحى وجودي برغمي في الورى عدماً ... إذ ليس لي فيهم وردٌ ولا صدر
عدمت عيني ومالي فيهم أثرٌ ... فهل وجودٌ ولا عينٌ ولا أثر ؟
وأنشدني له إجازة:
لقد فاز بالأموال قومٌ تحكّموا ... ودان لهم مأمورها وأميرها
نقاسمهم أكياسها شرّ قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وأنشدني له إجازة في سجادة خضراء:
عجبوا إذا رأوا بديع اخضرارٍ ... ضمن سجّادةٍ بظلٍّ مديد
ثمّ قالوا: من أيّ ماءٍ تروّى ؟ ... قلت: ماء الوجوه عند السّجود
وأنشدني له إجازة في ممسحة القلم:
وممسحةٍ تناهى الحسن فيها ... فأضحت في الملاحة لا تبارى
ولا نكر على القلم الموافي ... إذا في ضمنها خلع العذارا
وأنشدني له إجازةً في شبابة:
سلبتنا شبّابةٌ بهواها ... كلّ ما ينسب اللّبيب إليه
كيف لا والمحسن القول فيها ... آخذٌ أمرها بكلتا يديه
وأنشدني له إجازة:
ومن عجبٍ أنّ السّيوف لديهم ... تكلّم من تأتمّه وهي صامته
وأعجب من ذا أنّها في أكفّهم ... تحيد عن الكفّ المدى وهي ثابته
وكتب إليه السراج الوراق، ومن خطه نقلت:
أيا ناصر الدين انتصر لي فطالما ... ظفرت بنصرٍ منك بالجاه والمال
وكن شافعاً فالله سمّاك شافعا ... وطابقت أسماءً بأحسن أفعال
وقدرك لم نجهله عند محمّدٍ ... لأن ابن عبّاسٍ من الصّحب والآل
قلت: يريد بمحمد هنا القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر.
وكتب إليه أيضاً، ومن خطه نقلت:
سيّدي اليوم أنت ضيفٌ كريمٌ ... فاق معنىً في جوده بمعان
لو رأى الفتح سؤدد الفتح هذا ... ما انتمى بعده إلى خاقان
أو رآه فتح المغارب صلّى ... بعلاه قلائد العقيان
وكأنّي أراكما في مجارا ... ة المعاني بحرين يلتقيان
وتطارحتما مذاكرةً تفتن ... ن منها أزاهر الأفنان
فإذا مرّ للصنائع ذكرٌ ... فاجعلاني في بعض من تذكران
ومن نثر الشيخ ناصر الدين شافع - رحمه الله تعالى - في شمعة، قوله:

شمعة ما استتم نبتها بروضة الأنس حتى نورن ولا نما بدوحة المفاكهة حتى أثمر. أومأ بنان تبلجها إلى طرق الهداية وأشار، ودل على نهج التبصر وكيف لا وهي علم في رأسه نار. كأنما هي قلم امتد بما أليق من ذهب، أو صعدة إلا أن سنانها من لهب، وحسبها كرماً أن جادت بنفسها، وأعلنت بإمتاعها على همود حسها، سائلها في الجود بامثالها مسؤول، ودمه بالعفو للصفو من سماحتها مطلول. تحيتها: عموا صباحاً بتألف فجرها، وتمام بدرها في أوائل شهرها. قد جمعت من ماء دمعها ونار توقدها بين نقيضين، ومن حسن تأثيرها وعين تبصرها بين الأثر والعين. كم شوهد منها في مدلهم الليل للشمس وضحاها، ومن تمام نورها للنجم إذا تلاها، وكم طوى باع أنملتها المضيئة رداء الليل إذا يغشاها. قد غيرت ببياض ساطع نورها على الليل من أثواب الحداد، وتنزلت منه منزلة النور الباصر ولا شبهة أن النور في السواد. إن تمايل لسان نورها فالإضاءة ذات اليمين وذات الشمال، وإن استقام على طريقة الإنارة فلما يلزم إنارتها من الإكمال. نارها إنما هو من تلاعب الهوى بحشاها، ونحولها بمكابدة تعذيبها بما من الاصفرار يغشاها. كم عقدت على سفك دمها مع البراءة من العقوق من محافل، وكم قتلت على إطفاء نائرها، ولا ثائرة من قاتل، فهي السليمة التي كم بات من زبان صرفها بليله السليم، وكم أجدى نفسها على نفسها بنفح روح ربها من عذاب أليم.
وأنشدني لنفسه إجازة:
ولمّا أتانا ابن تيميةٍ ... وحقّق بالخبر منه الخبر
أذبنا عقيدة تجسيمه ... بريق بريق سيوف النّظر
وأنشدني أيضاً:
قالوا: ألا تنظر ما قد جرى ... من حنبليٍّ زاد في لغوه
فقلت: هذا خشكنان، أنا ... والله ما أدخل في حشوه
الألقاب والأنساب


ابن الشحام: نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الرحمن.
ابن شراقي: علم الدين عبيد الله.
شرف بن أسد المصري



شيخ ماجن، ماجن كما جن، ولا غسل ما حمل في ردنه من السخف ماء النيل ولا الأردن، خليع أربى على الجديد والخليع، وأنسى الناس ذكر صريع الدلاء بما له من الصنيع، ومتهتك ليس بعار من العار، ولا بمبال أي ثوبيه لبس أنقي من التقوى أو إزار من الأوزار ؟، ظريف يصحب الكتاب، ويعاشر الشعراء وأهل الآداب، ويشبب في المجالس على القينات، ويسبب الفتيان للفتيات، لو رآه ابن حجاج ما حجه، أو ابن الهبارية لكان هباءً في تلك المحجه. وكان يمدح الأكابر والأصاغر، ولا يزال ذا كيس فارغ وفم فاغر. وله عدة مصنفات مملوءة بالخرافات والترهات، من مشاشاة الخليج وزوائد المصريين التي كالروض البهيج، وهي موجودة بالديار المصرية بين عوامهم وخواصهم، وفي رفوف ذخائرهم ومناصهم.
ولم يزل على حاله إلى أن مجه المجون وابتلعته الحفره، ولقي من الله تعالى عفوه وغفره.
وتوفي رحمه الله تعالى بعد مرض مزمن في سنة ثمان وثلاثين أو سبع وثلاثين وسبع مئة، وكان في عشر السبعين.
ورأيته غير مرة، وأنشدني شيئاً كثيراً من أشعاره ومن بلاليقه وأزجاله وموشحاته.
ووضع كتاباً في مادة كتاب ابن مولاهم في الصنائع، إلا أن الذي لابن مولاهم في خمسين صنعة، والذي لابن أسد في ألف ومئتي صنعة، ومنها مئتا صنعة تختص بالنساء، وهذا عمل كثير واستقراء عتيد.
وكان عامي العلم، فاضلي الطباع، يقع في شعره الجناس والتورية والاستخدام وسائر أنواع البديع، وإن لم يكن ذلك في بعض المواضع قاعداً من حيث العلم.
وأنشدني من لفظه لنفسه قطعةً من تغزل شذت عني، ولم أحفظ منها إلا قوله:
الظبي يسلح في أرجاء لحيته ... والغصن يصفعه إن ماس بالقدم
وأنشدني من لفظه لنفسه بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بليقة، وهي:
رمضان كلّك فتوّه ... وصحيح دينك عليّه
وأنا في ذا الوقت معسر ... واشتهي الإرفاق بيّه
حتّى تروى الأرض بالنيل ... ويباع القرط بدري
واعطك الدرهم ثلاثه ... وأصوم شهرين وما أدري
وإن طلبتني في ذا الوقت ... فأنا أثبتّ عسري
فامتهل واربح ثوابي ... لا تربحني خطيّه


وتخلّيني أسقّف ... طول نهاري لا عشيّه
لك ثلاثين يوم عندي ... اصبر اعطي المثل مثلين
ون عسّفتني ذا الأيام ... ما اعترف لك قطّ بالدّين
وانكرك واحلف وقل لك ... أنت من اين وانا من اين
واهرب اقعد في قمامه ... أو قلالي بولشيّه
وآجي في عيد شوّال ... واستريح من ذي القضيّه
ولاّ خذ منّي نقيده ... في المعجّل نصف رحلك
صومي من بكره إلى الظهر ... وأقاسي الموت لآجلك
واصوم لك شهر طوبه ... ويكون من بعض فضلك
إيش أنا في رحمة الله ... من أنا بين البريّه
أنا إلاّ عبد مقهور ... تحت أحكام المشيّه
من زبونٍ نحس مثلي ... رمضان خذ ما تيسّر
أنت جيت في وقت لو كان ... الجنيد في مثلو أفطر
هوّن الأمور ومشّي ... بعلي ولا تعسّر
وخذ ايش ما سهّل الله ... ما الزبونات بالسويّه
الملي خذ منّو عاجل ... وامهل المعسر شويّه
ذي حرور تذوّب القلب ... ونهار أطول من العام
وانا عندي أيّ من صام ... رمضان في هذي الأيام
ذا يكون الله في عونو ... ويكفّر عنّو الآثام
وجميع كلامي هذا ... بطريق المضحكيّة
والله يعلم ما بقلبي ... والذي لي في الطويّه
ووضع فيما وضع حكايةً حكاها لي، وهي: اجتاز بعض النحاة ببعض الأساكفة فقال له: أبيت اللعن، واللعن يأباك، ورحم الله أمك وأباك، وهذه تحية العرب في الجاهلية قبل الإسلام، لكن عليك أفضل السلام، والسلم والسلام، ومثلك من يعز ويحترم ويكرم ويحتشم. قرأت القرآن، والتيسير والعنوان والمقامات الحريريه، والدرة الألفية، وكشفا الزمخشري، وتاريخ الطبري، وشرحت اللغة مع العربية على سيبويه ونفطويه، والحسين بن خالويه، والقاسم بن كميل، والنضر بن شميل، وقد دعتني الضرورة إليك، وتمثلت بين يديك، لعلك تتحفني من بعض صنعتك، وحسن حكمتك بنعل يقيني الحر، ويدفع عني الشر، وأعرب لك عن اسمه حقيقا، لأتخذك بذلك رفيقا، ففيه لغات مؤتلفه، على لسان الجمهور مختلفه؛ ففي الناس من كناه بالمداس، وفي عامة المم من لقبه بالقدم، وأهل شهرنوزه سموه بالسارموزة، وإني أخاطبك بلغات هؤلاء القوم، ولا إثم علي في ذلك ولا لوم. والثالثة بك أولى، وأسألك أيها المولى أن تتحفني بسارموزة، أنعم من الموزة، أقوى من الصوان، وأطول عمراً من الزمان، خالية البواشي، مطبقة الحواشي، لا يتغير علي وشيها، ولا يروعني مشيها، لا تنقلب إن وطئت بها جروفا، ولا تنفلت إن طحت بها مكاناً مخسوفا، لا تلتوق من أجلي، ولا يؤلمها ثقلي، ولا تمترق من رجلي، ولا تتعوج ولا تتلقوج، ولا تنبعج ولا تنفلج، ولا تقب تحت الرجل، ولا تلصق بخبز الفجل. ظاهرها كالزعفران، وباطنها كشقائق النعمان، أخف من ريش الطير، شديدة البأس على السير، طويلة الكعاب، عالية الأجناب، لا يلحق بها التراب، ولا يغرقها ماء السحاب، تصر صرير الباب، وتلمع كالسراب، وأديمها من غير جراب، جلدها من خالص جلود المعز، ما لبسها ذليل إلا افتخر بها وعز، مخروزة كخرز الخردفوش، وهي أخف من المنفوش، مسمرة بالحديد ممنطقه، ثابتة في الأرض الزلقه، نعلها من جلد الأفيلة الخمير لا الفطير. وتكون بالنزر الحقير.

فلما أمسك النحوي من كلامه وثب الإسكافي على أقدامه، وتمشى وتبختر، وأطرق ساعةً وتفكر، وتشدد وتشمر وتحرج وتنمر ودخل حانوته وخرج، وقد داخله الحنق والحرج، فقال له النحوي: جئت بما طلبته ؟ قال: بل بجواب ما قلته، فقال: قل وأوجز، وسجع ورجز. فقال: أخبرك أيها النحوي أن الشرسا بجزوى شطبطاب المتقرقل والمتقبعقب لما قرب من قرى قرق القرنقنقف طرق زرنات شراسيف قصر القشتنبع من جانب الشرسنكل، والديوك تصهل كنهيق زقازقيق الصولجانات والحرفرف الفرتاح ببيض القرقنطق والزعر برجوا حلبنبوا يا حيز من الطيز بحيح بحمندل بشمرد نوخاط الركبنبو شاع الخبربر بجفر الترتاح بن بسوشاخ على لؤي بن شمندح بلسان القرواق، ماز كلوخ أنك أكيت إرس برام المستنطح بالشمرلند مخلوط، والزيبق بجبال الشمس مربوط، علعل بشعلعل مات الكركندوس، أدعوك في الوليمة يا تيس تش يا حمار بهيمة، أعيذك بالزحواح، وأبخرك بحصى لبان المستراح، وأوقيك وأرقيك، وأرقيك برقوات مرقات قرقران البطون، لتخلص من داء السرسام والجنون.
ونزل من دكانه مستغيثاً بجيرانه، وقبض لحية النحوي بكفيه، وخنقه بإصبعيه حتى خر مغشياً عليه، وبربر في وجهه وزمجر، وناء بجانبه واستكبر، وشخر ونخر، وتقدم وتأخر، فقال النحوي: الله أكبر، الله أكبر، ويحك أأنت تجننت !؟ فقال له: بل أنت تخرفت، والسلام.
قلت: في غالب ألفاظ كلامه الذي عزاه إلى النحوي نظر وأغلاط كثيرة، والمقطع الذي ختم به الحكاية بارد ما ملح فيه ولا ظرف، وكان ينبغي أن يكون حاراً هزازاً نادراً حلواً حالياً خاليا، كما المعهود في مثل هذه الحكايات الموضوعة، كما لو قال له النحوي: ويلك ما هذا العفان، قال: من ذلك الهذيان، أو ما أشبه ذلك.
اللقب والنسب


ابن الشريشي: الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد.
شطي بن عبية



الأمير بدر الدين أمير آل عقبة عرب البلقاء وحسبان والكرك إلى تخوم الحجاز.
كان شكلاً حسناً تام الخلق، محبوباً إلى القلوب بوجهه الطلق، يقربه السلطان ويدنيه، ويضمه إلى كنفه ويؤويه. يطلع إليه كل عام بقوده، ويفوز من إنعامه بجوده، ويجلسه في أعلى ذروة من طوده، ويحمده في وفادته عليه عقبى عوده.
وهو زعيم قومه، والمتغالي في سومه، إذا شط شطي عن دراهم نزلوا به عن أقدارهم، فكم على لبني عقبة من عقبه، وكم فك بجاهه لرقبائهم من رقبه.
ولم يزل على حاله إلى أن شط من شطي مزاره، وبعد عن الرؤية وإن قربت داره.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة عيد الأضحى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، لأنه كان قد توجه إلى قرب المدينة الشريفة النبوية، صلوات الله وسلامه على ساكنيها، ونزل على بني لام، ولما كان ليلة العيد شكا وقال: كتفي كتفي، فأحضر بعض جواريه ناراً وأحمت حديداً وكوته يسيرا، ثم إنها توجهت لتعيد الحديدة إلى النار، ولما جاءت وجدته قد قضى نحبه رحمه الله.
وأعطى مكانه لولديه أحمد ونصير.
وهو في هؤلاء العربان المذكورين نظير مهنا بن عيسى في آل فضل، إلا أن مهنا وأولاده أكبر عند الملوك، وأوجه عند سلاطين مصر، لكن كان الملك الناصر محمد يخلع على شطي الأطلس الأحمر والطرز الزركش أيضاً.
الشطنوفي: نور الدين علي بن يوسف.
شعبان بن أبي بكر بن شعبان



الشيخ الصالح أبو البركات الإربلي الفقير القادري، صاحب الشيخ الحافظ جمال الدين بن الظاهري، لازمه مدة، وطاف معه يسمع على الأشياخ بمصر والإسكندرية ودمشق، وكان عنده أجزاء من عواليه، وخرج له ابن الظاهري مشيخةً وسمعها منه العلامة تاج الدين الفزاري والكبار.
سمع من عثمان الشارعي، وعلي بن شجاع، ومحمد بن أنجب النعال، وعبد الغني بن بنين، وكان يعرف شيوخه، ويحكي حكايات حسنة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبع مئة، عن سبع وثمانين سنة. وكانت جنازته من الجنائز التي يقل نظيرها، حضرها القضاة والعلماء والأمراء والصدور والكتاب والمشايخ وعامة الناس.
وكان قد خرج من إربل صبيا، ونشأ بحلب، ودخل القاهرة وأقام بها مدة، وعاد إلى دمشق، وأقام إلى أن مات في التاريخ.
شعبان




الأمير شهاب الدين ابن أخي الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب الناصري، أو لزمه. لما توفي الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر تزوج هذا شعبان ابنته مغل بجاه ألماس لأنه كان خالها، ولما غضب السلطان على ألماس وقتله أخرج هذا شعبان إلى غزة، فأقام بها مدة، ثم لما مات السلطان رجع إلى مصر لأنه كان بينه وبين الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي قرابة أيضاً، وخرج معه إلى حماة وحلب وحضر معه إلى دمشق، وهو أمير طبلخاناه، وأقام بها إلى أن جرى ليلبغا ما جرى، فأمسك هو وأخوه يلبغا وجهزوا إلى مصر، ثم أفرج عنه.
وبقي في مصر مدة، ثم جهز إلى حلب فأقام بها أميراً مدة، ثم حضر إلى دمشق أميراً في أوائل سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن مرض.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وترك عليه ديوناً كثيرة، ولم يخلف شيئا.
وكان الأمير سيف الدين طقطاي الدوادار قد زوج ابنته من بنت أمير حسين، ثم إنه طلقها بعد مدة.
كان الأمير شهاب الدين شكلاً ظريفا، قريباً على القلوب خفيفا، تقلبت به الأحوال، ومرت عليه في الأنكاد أعوام وأحوال، وكان إذا حكاها أشجى القلوب وأنكاها، وأقذى العيون وأبكاها.
ولم يزل في سعده خاملا، ولثقل الديون حاملا، إلى أن راح إلى الله بحملته وذهب بجملته، رحمه الله تعالى.
شعبان بن محمد بن قلاوون


السلطان الملك الكامل سيف الدين، ابن السلطان الملك الناصر محمد، ابن السلطان الملك المنصور.
كان ملكاً مهيبا، وسلطاناً لو ترك أضرم الدهر لهيبا، يتوقد ذكاءً وفطنه، وينفذ نظره في المصالح نفوذ النار في القطنه، متطلعاً إلى الملك وسياسة الرعايا، ويعجز بذهنه من ناظر أو عايا، لم يخل بالجلوس للخدمة طرفي النهار مع لعبه ولهوه، ولا رمي أمر من مهمات الملك بذهوله عنه وسهوه.
وكان مستبداً برأيه جازما، آخذاً بالاحتياط حازما، وكان متطلعاً إلى جمع المال وإحرازه، وادخاره واكتنازه. وأقام ديواناً يرأسه للبذل، ولم يقبل في ذلك برهان لوم ولا حجة عذل.
وحليته دون إخوته أنه أشقر أزرق العين، محدد الأنف ليس بالشين.
ولم يزل على حاله إلى أن استراح له التعبان، وفتح من خلعه فك ثعبان لشعبان، وذلك يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وكانت مدة ملكه سنةً واحدة وسبعة عشر يوماً، لأنه لما مات أخوه الصالح إسماعيل، على ما تقدم في ترجمته قيل: إنه أوصى له بالملك بعده، لأنه كان شقيقه، فاختلفت الخاصكية عليه، ومالت فرقة إلى أخيه حاجي المقدم ذكره، وفرقة إلى شعبان، فذكره الأمير سيف الدين أرغون العلائي للأمير سيف الدين ألملك النائب بمصر، فقال له: بشرط ألا يلعب بالحمام، فبلغه ذلك، فنقم هذا الأمر عليه.
ولما جلس على كرسي الملك أخرجه إلى الشام نائبا، ثم إنه من الطريق جهزه إلى صفد نائبا، وطلب الأمير طقزتمر نائب الشام ليبقى في نيابة مصر.
وكان جلوسه على تخت الملك يوم الخميس بعد دفن أخيه، وحلفوا له يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة. وحضر الأمير سيف الدين بيغرا إلى الشام، وحلف له أمراء دمشق، ثم إنه أخرج الأمير سيف الدين قماري أخا بكتمر إلى طرابلس، وأخرج الأمير حسام الدين طرنطاي البشمقدار إلى الشام.
وهابه الناس وأعظموه وخافوه، وفتح باب قبول البذل في الإقطاعات والوظائف، وجعل لذلك ديواناً قائم الذات. وكان يعين البذل في المناشير، وهو مبلغ ثلاث مئة درهم فما فوقها، فما استحسن الناس منه ذلك، وكانت نفسه في هذا الباب ساقطة.
وأنشدني من لفظه لنفسه الأديب جمال الدين محمد بن نباتة:
جبين سلطاننا المرجّى ... مبارك الطالع البديع
يا بهجة الدهر إذ تبدّى ... هلال شعبان في ربيع
ولم يزل على حاله إلى أن برز الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي إلى ظاهر دمشق، على ما سيأتي في ترجمته، وجرى من الأمير سيف الدين ملكتمر والأمير شمس الدين آقسنقر ما تقدم في ترجمته وترجمة المظفر حاجي، فخلع من الملك، ودخلوا به إلى السجن، وأخرجوا أخاه المظفر حاجي وأجلسوه على تخت الملك.


أخبرني من لفظه سيف الدين أسنبغا دوادار الأمير سيف الدين أرغون شاه، وكان أرغون شاه يومئذ أستاذ دار السلطنة، قال: مددنا السماط على أن يأكله الكامل، وجهزنا طعام حاجي إليه ليأكله في سجنه، لأن الكامل أخاه كان قد أمسكه واعتقله، فخرج حاجي أكل طعام السلطان، ودخل الكامل فأكل طعام حاجي في سجنه مكانه، وهذا أمر غريب، وكائن عجيب، فسبحان من بيده أزمة الأمور يصرفها كيف يشاء.
وقلت أنا في واقعته:
بيت قلاوون سعاداته ... في عاجلٍ كانت بلا آجل
حلّ على أملاكه للردى ... دين قد استوفاه بالكامل
شعيب بن محمد بن محمد


ابن محمد بن ميمون المري المغربي الأصل.
أخبرني العلامة شيخنا أثير الدين من لفظه، قال: أنشدنا المذكور من لفظه لنفسه، ومولده بساحل بر الحجاز بموضع يسمى قبر عنتر، ثاني عشر القعدة سنة ستين وست مئة، هكذا ذكر، وأنشدنا ما ذكر أنه نظمه:
هزّوا الغصون معاطفاً وورودا ... وجلوا من الورد الجنيّ خدودا
وتقلّدوا فترى النجوم مباسماً ... وتبسّموا فترى الثغور عقودا
وغدا الجمال بأسره في أسرهم ... فتقاسموه طارفاً وتليدا
فإذا ولدن أهلّة وإذا سرح ... ن جاذراً وإذا حملن أسودا
وإذا لووا زرد العذار على النّقا ... جعلوا اللّوى فوق العقيق زرودا
رحلوا عن الوادي فما لنسيمه ... أرجٌ ولم أر في رباه الغيدا
وذوت غصون البان فيه فلم تمس ... طرباً ولم أسمع به تغريدا
فكأنما هم بانه وغصونه ... وظبا رباه وظلّه ممدودا
نصبوا على ماء العذيب خيامهم ... فلأجلهم عذب العذيب ورودا
وتحمّلت ريح الصّبا من عرفهم ... مسكاً يضوع به النسيم وعودا
قلت: شعر جيد، له ديباجة ورونق، وكأنه وقف على أبيات لابن قلاقس الإسكندري رحمه الله ورأى منزعها، فراعى ذلك المنزع، وأبيات ابن قلاقس هي:
عقدوا الشعور معاقد التيجان ... وتقلّدوا بصوارم الأجفان
وتوشحوا زرداً فقلت أراقمٌ ... خلعت ملابسها على الغزلان
ومشوا وقد هزّ الشباب قدودهم ... هزّ الكماة عوالي المرّات
جرّوا الذوائل والذوابل وانثنوا ... فثنوا عناني محصنٍ وحصان
ولربّما عطفوا الكعوب فواصلوا ... ما بين ليث الغاب والثعبان
في حيث أذكى السمهريّ شراره ... رفع الغبار لها مثار دخان
وعلا خطيب السيف منبر راحةٍ ... تتلو عليه مقاتل الفرسان
وأبيات ابن قلاقس أمتن وأجزل، إلا أن في أبيات شعيب بيتاً نادراً جيدا ليس لابن قلاقس مثله، وهو قوله:
وإذا لووا زرد العذار على النقا ...... البيت
لما فيه من حسن الصناعة ودقة التخيل، وتطبيق مفاصل النصف الثاني على النصف الأول.
ومثل هذه الأبيات قطعة لأبي محمد عبد الله بن البين، وهي:
غصبوا الصّباح فقسّموه خدودا ... واسترهفوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون محلّهم ... فاستبدلوا منه النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهم ... فسبوا بهنّ ضراغماً وأسودا
لم يكف أن جلبوا الأسنّة والقنا ... حتى استعانوا أعيناً ونهودا
وتظافروا بظفائرٍ أبدوا لنا ... ضوء النهار بليلها معقودا
صاغوا الثغور من الأقاحي بينها ... ماء الحياة لو اغتدى مورودا
وكانت وفاة شعيب المذكور، رحمه الله، بالقاهرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
شعيب بن يوسف بن محمد



القاضي الفاضل شرف الدين أبو مدين، السيوطي المحتد، الأسنائي المولد.
قرأ الفقه على أبيه، وعلى أبي الحسن علي بن محمد الفوي. وقرأ النحو على تقي الدين بن الهمام السمهودي، والفرائض على عطا الله بن علي الأسنائي، وبحث المنهاج في الأصول على ابن غرة. وقرأ بعض عروض على الخطيب عبد الرحيم السمهودي.

واستنابه والده عنه في الحكم بأسوان، ثم إنه حضر بعد وفاة أبيه، رحمه الله، إلى القاهرة، فولاه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة مكان أبيه، واستمر إلى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ثم ولي قضاء إسنا وأدفو، ودرس بالمدرستين بأسوان وبالعزيه بإسنا.
وكان مع فضيلته خيراً في ذاته، منجمعاً عن لداته، حسن الصفات، مشغول الأوقات، قل من تعرض له بأذىً فسلم، أو أراده بسوء إلا وقابله الله بما علم، يعامل الله بسلامة صدره، فيقي الله عرضه كسوف بدره.
ولم يزل على حاله إلى أن اغتالت شعيباً شعوب، وقصفت قناة عمره ذات الكعوب.
توفي رحمه الله تعالى في ..... .
ومولده بإسنا سنة تسع وتسعين وست مئة.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: شوش عليه بعض القضاة فلم يقم إلا أربعة أشهر، ثم عزل، ثم أرسل أبو العباس أحمد بن حرمي يذكر عنه قضية فلم يقم إلا شهراً واحداً وشنع عليه بأشنع منها.
وكان في عمل قوص ثلاثة قضاة، فصار الاثنان يقصدان أن يضما جهته إلى جهتيهما، فصرفا عن العمل، وأضيف إليه من كل جهة من جهات المذكورين جهة إلى جهته. ونظم بعضهم في ذلك:
إنّ القضاة ثلاثةٌ بصعيدنا ... قد حقّقوا ما جاء في الأخبار
قاضٍ بإسنا قد ثوى جنّة ... والقاضيان كلاهما في النار
هذا بحسن صفاته وفعاله ... وهما بما اكتسبا من الأوزار
وذكر كمال الدين له من هذا النوع وقائع عدة.
قلت: وكأن هذه الأبيات لكمال الدين جعفر رحمه الله تعالى. وهكذا نظم بعض أهل العصر، أظنه جمال الدين يوسف الصوفي رحمه الله تعالى في قاضي القضاة جلال الدين القزويني لما استناب القاضيين جمال الدين بن جملة، وفخر الدين المصري، رحمهم الله أجمعين وعفى عنهم، فقال:
قاضي القضاة ونائباه ثلاثة ... ............................
الألقاب والأنساب


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 17 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:56 AM ]


الشقراوي

نجم الدين موسى بن إبراهيم.
الشقاري عماد الدين يوسف



بن أبي نصير.

القاضي شقير أحمد بن عبد الله.

أمين الدين بن شقير

عبد الله بن عبد الأحد. وتقي الدين عمر بن عبد الله.

ابن الشماع: محمد بن عبد الكريم.
ابن شكر الناسخ: محمد بن شكر. ونجم الدين يوسف بن أحمد.
شهاب بن علي بن عبد الله



الشيخ المبارك أبو علي المحسني.
شيخ أمي مقيم بتربة الفارس أقطاي بظاهر قلعة الجبل.
روى الكثير عن ابن المقير، وابن رواج، وتفرد بأجزاء.
وأخذ عنه شيخنا الذهبي، وقاضي القضاة العلامة تقي الدين السبكي، والوافي، وابن الفخر، وابن سامة، وطائفة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
شهدة بنت عمر



ابن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن جرادة العقيلي الحلبي: السيدة الجليلة أم محمد بنت الصاحب كمال الدين أبي القاسم بن العديم.
سمعت بحلب من الكاشغري حضوراً سنة إحدى وعشرين وست مئة، وأجازها ثابت بن مشرف وغيره.
قال شيخنا البرزالي: وروت لنا عن الشيخ الحافظ ضياء الدين عمر بن بدر بن سعيد الموصلي حضوراً، ولم يرو لنا عنه سواها. وتزهدت وتركت اللباس الفاخر من حين توفى أخوها القاضي مجد الدين بن العديم.
توفيت رحمها الله تعالى بحلب في سنة تسع وسبع مئة.
ابن شواق: جلال الدين حسن بن منصور.
ابن شواق: علم الدين داود بن الحسن.
ابن شواق: علي بن منصور.
ابن الشياح: عبد العزيز بن محمد.
شيخو



الأمير سيف الدين الساقي الناصري القازاني، من مماليك السلطان الملك الناصر.
كان أميراً بالقاهرة، ثم إنه خرج إلى دمشق في الأيام المظفريه بعد إمساك الأمير سيف الدين يلبغا، وصل إليها في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وكان من أحسن الأشكال وجهاً وقامه، ولبساً وعمامه. يتلو القرآن ويكتبه دائما، ويرى بعمل ما فيه قائما. وخطه روضة أينعت أزهارها، أو سماء تعاقبت فيها شموسها وأقمارها، لو رآه ابن هلال فتنه بدر وجهه، وعلم أنه ليس من طرزه ولا شبهه، ولو عاينه ابن مقلة قال: كذا يكون الإنسان، ومقل ما بيديه في حسن الخط من الإحسان. كتب بخطه المليح ربعة في ربع البغدادي الكبير، بقلم المحقق الذي يتعذر فيه التحرير، ووقفها بالجامع الأموي. وعنده مغالاة في الكتب النفيسة من كل فن.


وكان قد فوض إليه الأمير سيف الدين أيتمش النظر في أمر الجامع الأموي، فاسترفع حساب المباشرين، وتعب في أمره، وتولى أمره بنفسه، وفي ضمن هذا ورد المرسوم بطلبه إلى مصر في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، فتوجه إلى القاهرة وأقام بها قريباً من عشرة أيام، ونزل به الأمر الذي وجب، وحل به القضاء المكنى أبا العجب.
وتوفي رحمه الله تعالى في إحدى الجماديين من السنة المذكورة، وكان قد أشيع أنه طلب للوزارة.
؟
شيخو

الأمير الكبير الأتابك سيف الدين الناصري.
هو غير الأول، ومن صرح سعده وما تأول، وثبت سؤدده وما تحول، وكاد يكاثر أمواج البحار الزاخرة بما ملك وما تخول، وصدق الملك في أمره وما تقول، وكان قارون عصره، وعزيز مصره، وصاحب العقد والحل، والنقض والإبرام فيما حرم وما حل، وكانت الأمور به ماشيه، والخيرات فاشيه، وعيون حساده بأنوار سعوده عاشيه:
تعود على الدنيا عوائد فضله ... فأقبل منها كلّ ما كان أدبرا
بحلمٍ كأنّ الأرض منه توقّرت ... وجودٍ كأن البجر منه تفجّرا
فقوي بذلك حزبه، وأضاءت في الآفاق شهبه، وأنشأ خلقا كثيرا، وجعل في كل مملكة غير واحد أميرا، وأراهم من إحسانه وخلعه جنةً وحريرا، فكبر نوابه في البلاد وكثروا، وجروا طلقا في ميادين سعودهم وما عثروا.
ولم يزل على حاله إلى أن جرعه الدهر بغدره الأمرين، ونكد عيش جماعة كانوا على ملازمته مصرين، فجرح جراحة لم تندمل، وجعلت كل عين عليه بالدموع تنهمل.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة سادس عشري ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
كان قد حظي عند الملك المظفر، وزادت وجاهته حتى شفع في الأمراء إخوة يلبغا وفي الأمير عز الدين طقطاي الدوادار، وأخرجهم من سجن الإسكندرية، ثم إنه استمر في دولة الملك الناصر حسن أحد أمراء المشور، في اخر الأمر كانت القصص تقرأ عليه بحضرة السلطان في أيام الخدم، وصار زمام الدولة بيده، وساسها أحسن سياسة بسكون وعدم شر، وكان يمنع كل حزب من الوثوب على الآخر، وعظم شأنه.
ولم يزل على حاله إلى أن رسم السلطان بإمساك الوزير وأخيه الأمير سيف الدين بيبغاروس في طريق الحجاز، وكان شيخو قد خرج متصيداً إلى ناحية طنان، فلما كان يوم السبت رابع عشري شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة رسم السلطان الملك الناصر حسن بإمساك الأمير سيف الدين منجك الوزير، وحلف الأمراء لنفسه، وكتب تقليد بنيابة طرابلس باسم الأمير سيف الدين شيخو، وجهز إليه مع الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، فتوجه إليه وأخذه من برا، وحضر به إلى دمشق، فوصل إليها ليلة الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، وعلى يده مرسوم السلطان بإقامته في دمشق أميراً على إقطاع الأمير سيف الدين تلك السلامي.
وتجهز تلك إلى القاهرة، فما وصل إلا وقد جاء على عقبه الأمير سيف الدين أرغون التاجي وعلى يده مرسوم بإمساكه وتجهيزه إلى باب السلطان، وتقييد مماليكه واعتقالهم بقلعة دمشق. ولما أمسك قرأ: " والفتنة أشدّ من القتل " ، وقال: أين الأيمان التي حلفناها ؟، وجهز سيفه صحبة الأمير سيف الدين طقتمر الشريفي، ثم جهز الأمير شيخو صحبة الأميرين مقيدا ومعهما الأمير سيف الدين جوبان وثلاثون جندياً يوصلونه إلى غزة، ولما وصلوا إلى قطيا توجهوا به إلى الإسكندرية، ولم يزل بها معتقلاً إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الملك الصالح صالح، فرسم بالإفراج عنه وعن بقية الأمراء الذين اعتقلوا مع الوزير منجك.
ووصل الأمير سيف الدين شيخو إلى القاهرة في رابع شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ونزل الأشرفية، واستقر على عادته أولاً، وخرج مع السلطان الملك الصالح إلى الشام في واقعة بيبغاروس وتوجه إلى حلب هو والأمير طاز وأرغون الكاملي خلف بيبغاروس - على ما تقدم في ترجمة أرغون الكاملي - وعاد مع السلطان إلى القاهرة، ولما أقام بها صمم على العمل على إمساك بيبغاروس وأحمد الساقي وبكلمش بعد ما هربوا إلى الروم، فأمسكوا وحزت رؤوسهم، على ما تقدم في تراجمهم.
وصمم أيضاً على إمساك ابن دلغادر، فأمسك، ولم يزل به إلى أن أحضر إلى القاهرة ووسط وعلق على باب زويلة.


ثم إنه خرج بنفسه في طلب الأحدب الخارج بالصعيد، وأبعد في طلبه، وعدى مدينة قوص، فهرب أمامه وأمسك من جماعته جماعة كثيرة إلى الغاية، ووسطهم من مكان الظفر بهم إلى القاهرة، وأبلى في أمرهم بلاءً حسناً، وطهر الأرض منهم. وكان ذلك في أواخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة وأوائل سنة خمس وخمسين. ولم يزل مظفراً منصوراً فيما يحاوله.
وقلت أنا فيه:
شيخو أمير الجيوش سار ... لأحدبٍ باسه لطيخ
أهمل أمر العقاب لمّا ... ريّش في ضعفه الفريخ
قولوا له أنت في ضلالٍ ... ما فيه خير وفيه ريخ
مالك قدّامه مطارٌ ... أنت صبيٌّ وذاك شيخو
ولم يزل على حاله إلى أن قيل له: إن الأمير سيف الدين جردمر أخا الأمير سيف الدين طاز والأمير ركن الدين عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي قد أوقعا بينك وبين السلطان، وقد عزموا على الإيقاع بك، فتيقظ هو لهذا الأمر، وخلع السلطان الملك الصالح في يوم الاثنين ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وأخرج السلطان الملك الناصر حسن وأجلسه على التخت، وحلف له هو والعساكر، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائبا ومعه إخوته، واستقر هو بالقاهرة على حاله، كل الأمور راجعة إلى أمره، وزادت عظمته بعد ذلك، وزادت أملاكه وإقطاعه ومستأجراته بالشام وبالديار المصرية، وصار نوابه بالشام في كل مدينة أمراء كباراً، وخدموه وبالغوا، إلى أن قيل: إنه كان يدخل ديوانه من إقطاعه وأملاكه ومستأجراته في كل يوم مبلغ مئتي ألف درهم وأكثر، وهذا شيء لم نسمع به في هذه الدولة التركية.
وعمر المدرسة العظيمة، والخانقاه المليحة، والتربة الحسنة في الصليبة، وقرر في المدرسة الأربعة مذاهب، ووقف عليها الوقوف العظيمة.
ولم يزل على حاله إلى أن كان يوم الخميس ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، فخرج شخص من مماليك السلطان المرتجعية عن الأمير سيف الدين منجك يدعى باي قجا، لما جلس السلطان في دار العدل وأذن للخاصكية بالدخول، فوثب عليه وضربه بالسيف في وجهه وفي يده. وكانت واقعةً صعبة، ومات من الزحمة على ما قيل يوم ذاك جماعة، وكان يوماً عظيماً. وركب عشرة من مقدمي الألوف ملبسين وتوجهوا إلى قبة النصر، وأمسك باي قجا المذكور، وقرر فلم يقر على أحد، وقال: أنا قدمت إليه قصة لينقلني من الخاصكية إلى الإقطاع فما قضى شغلي، فبقي هذا الأمر في نفسي. ثم إنه بعد مدة سمر باي قجا وطيف به في الشوارع.
واستمر الأمير سيف الدين عليلاً من تلك الجراحة، ولم يصعد منها إلى القلعة إلى أن خرج السلطان إلى سرياقوس، ولم ينزل بها، ثم إنه دخل المدينة قبله.
وتوفي في ليلة الجمعة في التاريخ المذكور رحمه الله تعالى.
وما أحقه أن ينشد يوم موته:
ألا رحم الله الأمير فإنّه ... أصمّ به الناعي وإن كان أسمعا
وما كان إلاّ السيف لاقى ضريبة ... فقطّعها ثم انثنى فتقطّعا
الألقاب والنسب


ابن شيخ السلامية: فخر الدين عبد العزيز بن أحمد. والقاضي قطب الدين ناظر الجيش موسى بن أحمد. وولده صلاح الدين يوسف. وجمال الدين إبراهيم بن علي.
بنو الشيرازي: جماعة، منهم: كمال الدين أحمد بن محمد. وعماد الدين المحتسب محمد بن أحمد. وشمس الدين محمد بن محمد بن محمد.
الشيرازي: قطب الدين محمود بن مسعود. ونجم الدين إبراهيم بن عبد الرحمن.
حرف الصاد



الصابوني: أمين الدين عبد المحسن بن أحمد. وعلاء الدين علي بن يعقوب. ومجد الدين عيسى بن محمد. وجمال الدين أحمد بن يعقوب.
صاروجا



بفتح الصاد المهملة، وبعدها ألف وراء وواو وجيم وألف: الأمير صارم الدين المظفري، نسبة إلى مظفر الدين بن جندر.
أخبرني الأمير شرف الدين حسين بن جندر قال: قلت للسلطان يوماً وقد أجري ذكره وهو في الاعتقال: يا خوند، هذا ما هو مظفري نسبة إلى المظفر الجاشنكير، وإنما هذا هو مملوك أخي مظفر الدين، فقال: هكذا ؟! قلت: نعم، فما كان بعد ذلك إلا أيام حتى أفرج عنه.
وكان أولاً بالديار المصرية، ولما أعطى السلطان الأمير سيف الدين تنكز إمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك سلم الإقطاع إليه، وقال: هذا آغا متاعك، على رأي الترك، فأحسن صاروجا إلى تنكز وخدمه وثمر له إقطاعه.


ولما حضر السلطان من الكرك قيل له عنه إنه يميل إلى أمير موسى بن الصالح علي، فأمسكه في واقعة أمير موسى، ثم أفرج عنه بعد مدة تقارب العشرين سنة، وجهزه أميراً إلى صفد، فأقام بها مدة تزيد على السنة والنصف. ثم إنه نقل إلى دمشق على طبلخاناه، وكان الأمير سيف الدين يرعى له خدمته الأولى، وكان إذا خاطبه قال له: يا صارم.
ولم يزل مقيماً بدمشق إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز، فأمسك الأمير سيف الدين بشتاك لما حضر إلى دمشق الأمير صارم الدين صاروجا، واعتقل في قلعة دمشق في جملة من أمسك في تلك الواقعة، ثم إنه ورد المرسوم على الأمير علاء الدين ألطنبغا بأن يكحله، فدافع الأمير علاء الدين عنه يويمات يسيرة، ثم إنه خاف، فأمر بكحله، فعمي باصره، وكان ذلك عشية نهار، وفي صبيحة ذلك اليوم ورد المرسوم بالعفو عنه، ثم إنه رتب له ما يكفيه، وجهز إلى القدس، فأقام به مدة.
ثم إنه عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أخريات سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وتوفي رحمه الله تعالى.
وكان رجلاً خير الطباع، سليم الصدر، كثير المؤانسة والإمتاع، قل أن يكون في خزانته شيء، بل الجميع يفرقه على مماليكه الخواص، والذين هم على خدمته وملازمته غواص. وكان كتابه ومن يتحدث في بابه يشكون من ذلك، ويرون أن أيامهم بهذا مثل الليالي الحوالك.
وكان الأمير سيف الدين قد ولاه الحكم في البندق، ثم عزله منه وتغير عليه قليلاً، ثم عاد إلى الحنو عليه.
صاروجا


الأمير صارم الدين، نقيب النقباء بالديار المصرية.
كان فيه دهاء وخدع، وصد عن الحق وصدع، لا يهاب أميراً ولا وزيرا، ولا يخاف كبيرا ولا صغيرا، له إقدام على السلطان، وعنده تختل ما يهتدي إليه الشيطان. قدمه السلطان وقربه، وأدناه لما عرفه وجر به كثيراً من مراده لما جربه. إلى أن خافه الأمراء، وهابه الكبراء.
ولم يزل على ذلك إلى أن فارق الحياة، فجاءه الموت فجاءه، وقطع من الحياة أصله ورجاءه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
كان نقيباً صغيراً، فلما توفي الأمير عز الدين دقماق نقيب النقباء أمره السلطان وجعله مكانه، وقدمه وعظمه، وصار يدخل إليه على ضوء الشمع، ويتحدث معه في كل ما يريد، حتى خافه الأمراء الكبار وخافه النشو ناظر الخاص، على ما فيه.
ثم إنه توجه مع السلطان في السنة المذكورة، لما وصل في تلك السفرة إلى خانق دندرا وعاد، فلما قارب القاهرة وقف صاروجا على بعض المعادي ليعدي الأطلاب، فوقف على بعض الجسور ومد يده بالعصا ليضرب شخصاً تعدى مكانه، فرفع يده بالعصا، فوقع من أعلى الفرس إلى الأرض ميتا.
الألقاب والنسب



ابن صارو شهاب الدين أحمد بن إبراهيم.

ابن صابر المقدم إبراهيم.

ابن الصباغ الكوفي صالح بن عبد الله.

ابن الصائغ المقرئ محمد بن أحمد.

صالح بن أحمد بن عثمان

صلاح الدين القواس، الشاعر البعلبكي.
كان رجلاً خيرا، مضيء القلب نيرا، يعبر الرؤيا ويتكلم عليها مناسبا، ويجيد فهمها حاسبا. وينظم القريض، ويأتي به مثل زهر الروض الأريض. وكان كثير الاتضاع، غزير مادة الإمتاع. قد صحب الفقراء زمانا، وحفظ من كلامهم لؤلؤاً وجمانا. وسافر البلاد، وعلم منها ومن أهلها الطارف والتلاد.
ولم يزل على حاله إلى أن انفسد مزاج صالح، وتلقاه العيش بعد بشره بوجهه الكالح.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة في سادس عشر شهر ربيع الأول.
ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
أنشدني شيخنا الذهبي، قال: أنشد المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان، وهي:
دائي ثوى بفؤادٍ شفّه سقم ... لمحنتي من دواعي الهمّ والكمد
بأضلعي لهبٌ تذكو شرارته ... من الضنى في محلّ الروح من جسدي
يوم النوى ظلّ في قلبي له ألمٌ ... وحرقتي وبلائي فيه بالرّصد
توجّعي من جوىً شبّت حرارته ... مع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد
أصل الهوى ملبسي وجداً به عدمٌ ... لمهجتي من رشا بالحسن منفرد
تتبّعي وجه من تزهو نضارته ... لمّا جنى مورثي وجداً مدى الأمد


هدّ القوى حسنٌ كالبدر مبتسم ... لفتننتي موهنٌ عند النوى جلدي
مودّعي قمرٌ تسبي إشارته ... إذا رنا ساطع الأنوار في البلد
مهدي الجوى مولعٌ بالهجر منتقمٌ ... ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد
لمصرعي معتدٍ تحلو مرارته ... يا قومنا آخذٌ نحو الردى بيدي
قلبي كوى مالكٌ في النفس محتكمٌ ... لقصّتي وهو سولي وهو معتمدي
مروّعي سار لا شطّت زيارته ... لمّا انثنى قاتلي عمداً بلا قود
قلت: يقال إن هذه القصيدة تقرأ على ثلاث مئة وستين وجها.
وقد نظم الناس في هذا النوع قديما وحديثا، وأكثروا، وأحسن هذا النوع ما لم تظهر الكلفة عليه ويكون عذباً منسجما، وأقدم ما يوجد من هذا النوع قول أبي الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني، وكان بعد العشرين والثلاث مئة، وهو:
وبلدةٍ قطعتها بضامر ... خفيددٍ عيرانة ركوب
وليلة سهرتها لزائر ... ومسعدٍ مواصلٍ حبيب
وقينةٍ وصلتها بظاهرٍ ... مسوّدٍ ترب العلا نجيب
إذا غوت أرشدتها بخاطرٍ ... مسدّدٍ وهاجسٍ مصيب
وقهوة باكرتها لتاجرٍ ... ذي عندٍ في دينه وحوب
سورتها كسرتها بماطرٍ ... مبرّدٍ من جمّة القليب
وحرب خصم هجتها مكاثر ... ذي عدد في قومه مهيب
معرّد إبلٍ سقتها بباترٍ ... مهنّدٍ يغري الطلارسوب
وكم حظوظٍ نلتها من قادر ... ممجّدٍ بصنعة القريب
كافيت إذ شكرتها في سامرٍ ... ومشهد للملك الرقيب
والأبيات المشهورة، وبعض الناس نسبها لأبي العلاء المعري، وما أظن أنا ذلك، وهي:
جودي على المستنظر الصبّ الجوي ... وتعطّفي بوصاله لا تظلمي
ذا المبتلى المتفكّر القلب الدوي ... واستكشفي عن حاله وترحّمي
وصلي ولا تستنكري ذنبي البري ... وترأفي بالواله المستسلم
تبدي القلا بتغيّري الحب الأبي ... المتلفي بخباله المتحكّم
هذه الأبيات على كاملها من الكامل المسدس على أتم أنواعه، إلا أنه لحق الإضمار بعض أجزائها، فإذا حذفت الجزء الآخر من كل بيت، وجعلت القوافي عند قوله: بوصاله كانت الأبيات من شاذ الكامل المخمس. وأنشد العروضيون في مثله:
لمن الصبيّ بجانب الصحراء ... ملقى غير ذي مهد
فإذا حذفت من آخر كل بيت جزءين وجعلت القافية عند قوله وتعطفي كانت الأبيات من مربع الكامل، ومثله:
وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشّعاً وتجمّل
فإذا اقتصرت على الشطر الأول من كل بيت، وجعلت القافية عند قوله الجوي كان من الضرب الرابع من الرجز، وصار البيت بيتين من مصرع الكامل المسدس، وإن حذفت من الشطر الأول جزءاً، وجعلت القافية عند قوله: الصب بقي معك بيتان مصرعان من أحذ الكامل المضمر، كقول زهير:
لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجٍ ومن دهر
فإذا نقصت من الشطر الأول جزءين، وجعلت القافية عند قوله: المستنظر بقي بيتان من مربع الكامل المعرى، وإن شئت من الضرب الخامس من الرجز، وإن اقتصرت على الأجزاء الأول من الأبيات بقي مجموعها الأربعة الأجزاء بيتاً واحداً من مربع الكامل، وإن شئت من أقل أنواع الرجز المحدث، مثل قوله:
طيفٌ ألم ... بذي سلم
وهذه الأبيات الأربعة تقرأ على عدة وجوه.
صالح بن ثامر بن حامد


الإمام القاضي الفرضي تاج الدين أبو الفضل الجعبري الشافعي.
سمع من ابن خليل، وعبد الحق المنبجي، والضياء صقر، والنظام البلخي، ومجد الدين بن تيمية، وعبد الله بن الخشوعي، والعماد عبد الحميد بن عبد الهاد.
وخرج له أمين الدين بن الواني مشيخة. وولي قضاء أماكن.
وروى عنه شيخنا علم الدين البرزالي، والواني، والطلبة.


كان حاكماً عاقلا، لا يقبل في الحق لائماً ولا عاذلا، خيراً عفيفا، سليم القلب من الشر نظيفا. طريقه طريق السلف، يرى وهو بريء من الكبر والتيه والصلف. وكانت يده في الفرائض طولى، وذهنه فيه قد بلغ مراماً ونال سولا. وكان طويلاً مليح الشكل حسن الأخلاق.
ولم يزل على حاله إلى أن أراد الله فناءه، وعمر به ربع الخير وفناءه.
وتوفي رحمه الله تعالى في صفر سنة ست وسبع مئة.
ومولده سنة بضع وعشرين وست مئة.
وولي قضاء بعلبك، وناب في الحكم بدمشق، وولي الخطابة، واستسقى بالناس. وكان جيد الأحكام. وله قصيدة طويلة في الفرائض.
وتولى نيابة الحكم بعده القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن الدمشقي.
ولما طلع ليستسقي بالناس في خامس جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة قعد الأمير علم الدين الدواداري أمام درج المنبر، ولما جاء القاضي تاج الدين الجعبري ليصعد المنبر، ويخطب قال له الدواداري: ما تستسقي بنا وأنت حاكم ! فما رأى القاضي في مثل ذلك الجمع أن يرجع ويصعد المنبر غيره، فقال: اشهدوا علي أنني قد عزلت نفسي من الحكم، فقال له الدواداري: اصعد الآن.
صالح بن عبد العظيم


ابن يونس بن عبد القوي بن ياسين بن سوار المسند تقي الدين العسقلاني.
سمع من النجيب عبد اللطيف الحراني وغيره، وأجاز لي سنة ثمان وعشرين بالقاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى ...
صالح بن عبد الله



شرف الدين أبو محمد الصصري ابن بواب المدرسة القيمرية بدمشق.
سمع بدمشق ومصر وحلب، وكتب وحصل، وتخرج، وسمع من خلق بعد سنة ثلاثين وسبع مئة، ثم إنه فتر واشتغل بالإسكندرية على ابن النصفي، وتلا بالسبع على أبي حيان.
وكان في القاهرة في خدمة القاضي جمال الدين إبراهيم ابن العلامة شهاب الدين محمود، يدور بأولاده ويسمعهم على الأشياخ، فلما توجه جمال الدين إلى كتاب السر في حلب استمر في خدمة القاضي علاء الدين بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء، فأثرى وحسنت حاله، وجاء إلى دمشق في قالب غير الأول، وأقام قليلاً، وخدمة الناس، وتوجه إلى القاهرة فأقام بها قليلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
صالح بن عبد الله بن جعفر



ابن علي بن صالح بن الصباغ، الشيخ الإمام العالم الزاهد محيي الدين أبو عبد الله الأسدي الكوفي الحنفي.
كان فقيه بلده وإمامها في أنواع العلوم والتصوف والزهد والأدب، طلب لتدريس المستنصرية مراراً وامتنع. أجاز له الصغاني في سنة خمسين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري صفر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة بالكوفة.
مات هو يوم الجمعة، ومات قبله ليلة الجمعة الإمام السيد الشريف جمال الدين يوسف بن حماد الحسيني المشهدي، وكان شيخ الشيعة ومفتيها. وله قصائد نبوية، وشعره رقيق، وكان معظما بالمدينة النبوية وبالعراق.
صالح بن عبد الوهاب



ابن أحمد بن أبي الفتح بن سحنون الخطيب الفقيه العدل تقي الدين أبو البقاء ابن الشيخ الإمام مجد الدين الحنفي.
كان خطيب الجامع بالنيرب بدمشق.
سمع من ابن عبد الدايم.
وكان ذا هيئة مليحه وخطابة فصيحه، وفيه تودد للأنام، وسماحة يدخل بها في زمرة الكرام. وكان يجلس في حانوت الشهود تحت القلعه، وينفق من رفاقه بحسن خلقه كل سلعه.
ولم يزل إلى أن حل الخطب بالخطيب، وحنى الموت غصنه الرطيب.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده يوم الأربعاء عاشر صفر سنة سبع وخمسين وست مئة.
وتولى الخطابة مكانه ولده مجد الدين إبراهيم على عادة والده وجده، ونظم أبوه اسمه عند ولادته فقال:
تيّمنت فيه غبطة باسم صالحٍ ... فسمّيته مستهدياً برشاده
عسى اللّه فينا أن يمنّ بفضله ... فيحييه عبداً صالحاً في عباده
صالح بن محمد بن قلاوون



السلطان الملك الصالح ابن السلطان الملك الناصر من ابنة الأمير سيف الدين تنكز رحمهم الله أجمعين.

لما كان في يوم الاثنين ثامن عشري جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة أخذ الأمير سيف الدين طاز والأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور ومن معهما من أرباب الحل والعقد، وخلعوا الملك الناصر حسن، وأجلسوا أخاه الملك الصالح على كرسي الملك بحضور أمير المؤمنين المعتضد أبي الفتح أبي بكر وحضور القضاة، وحلفوا له العساكر، وجهز الأمير سيف الدين بزلار إلى دمشق ليحلف العساكر الشامية.
ولما كان في يوم الجمعة آخر النهار ركب أمير آخور المذكور ومنكلي بغا الفخري إلى قبة النصر، وهو رابع شهر رجب الفرد، فركب الأمير طاز والسلطان الملك الصالح، فكانت النصرة للسلطان الملك الصالح عليهما، وعاد إلى القلعة منصوراً، ورسم بالإفراج عن الأمير شيخو وبيبغاروس والوزير منجك وغيرهم ممن كان معتقلاً. واستقرت الأحوال.
ولما خرج بيبغاروس وأحمد الساقي وبكلمش بالشام، على ما تقدم في ترجمة المذكورين، خرج الملك الصالح إلى الشام وجرد العساكر إلى دمشق، وجهز نائب الشام الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، والأمير شيخو، والأمير طاز إلى حلب خلف ببيغاروس ومن معه، وأقام في دمشق إلى أن عاد شيخو وطاز، وصام شهر رمضان في دمشق، وصلى الجمعة في الجامع الأموي ثاني شوال، وخرج من الجامع وركب وتوجه بالعساكر إلى الديار المصرية.
ولم يزل على حاله إلى أن قيل للأمير سيف الدين شيخو إن السلطان قد اتفق مع الأمير طاز وأخيه جردمر على أنهم يمسكونك، فلما بلغه ذلك خلع الملك الصالح صالحاً، وأجلس السلطان الملك الناصر حسن في ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة على كرسي الملك، فسبحان من لا يحول ولا يزول.
وحضر الأمير عز الدين أيدمر الشمسي وحلف عساكر الشام للملك الناصر حسن، وأخرج الأمير طاز لنيابة حلب.
ولم يزل الملك الصالح على حاله عند والدته ابنة الأمير سيف الدين تنكز لا يركب ولا ينزل إلى أن ورد الخبر إلى الشام بوفاته رحمه الله تعالى في صفر سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
وكان مولده في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة.
؟
صالح بن مختار

ابن صالح بن أبي الفوارس تقي الدين أبو التقي الشيخ الإمام، إمام قبة الشافعي رضي الله عنه الأسنوي.
سمع الكثير، وأجاز لي في سنة ثمان وعشرين آذنا في ذلك لعمر بن علي بن شعيب القرشي.
مولده في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ..
اللقب والنسب



الصالح بن المنصور علي بن قلاوون.

والصالح بن الناصر إسماعيل بن محمد.

والصالح أخوه صالح بن محمد.

ابن صغير الطبيب ناصر الدين محمد بن محمد.

صالحة خاتون

بنت الملك مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب.
لم يكن في وقتها أعلى نسباً منها.
توفيت رحمها الله تعالى في عشري شهر رجب الفرد سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولدها سنة خمسين وست مئة تقريبا.
الألقاب والأنساب



ابن صبرة الأمير

عز الدين الحسين بن عمر

ابن الصباغ النحوي الكوفي

محيي الدين عبد الله بن جعفر.

ابن صبح الأمير

علاء الدين علي بن حسن.

الصائغ شمس الدين

محمد بن الحسن.
ابن الصائغ محب الدين



محمد بن عبد الله.
ابن الصائغ أبو اليسر



محمد بن محمد بن محمد. وأخوه: محمد بن محمد بن محمد. وأخوه: ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد.
صدقة بن بيدمر



الأمير بدر الدين ابن الأمير سيف الدين، تقدم ذكر والده.
كان هذا الأمير صدقة لو قال: أنا شقيق البدر، كل الناس صدقه، شاباً أجمع الناس على ظرفه وحلاوة تلوين طرفه، أسمر يهزأ قده إذا اهتز بالأسمر، وإذا افتر ثغره الأبيض رأى محبه الموت الأحمر، قد زانه الميل والهيف، وود الحمام لو غنى على قده أو هتف، لطيف الأخلاق، يفوق الناس بجماله على الإطلاق، لم يبقل خده، ولا انكف من سيف ناظره حده.
لم يزل في ميدان شبابه الغض، وعنفوان صباه الذي ما انفرط ولا انفض حتى صار القبر لجوهرة صدقة صدفه، ولقيه الموت في وسط شوطه وصدفه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - عبطة في أوائل شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
وكان أمير عشرة في طرابلس، وهو مضاف إلى دمشق.
اللقب والنسب




بنو صصرى، جماعة: قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن محمد. وأمين الدين سالم بن محمد. وشرف الدين محمد بن عبد الرحمن.
الصفدي، جماعة، منهم: زين الدين عمر بن داود. وولده شهاب الدين أحمد. ونور الدين علي بن إسماعيل. وأمين الدين درويش محمد بن علي. والشيخ نجم الدين الصفدي حسن بن محمد. وولده الخطيب كمال الدين محمد بن حسن.
صفنجي


الأمير سيف الدين الركني، مملوك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير.
كانت له مكانة عند أستاذه، ونقل إلى دمشق. وكان ديناً مشكور السيرة.
توفي رحمه الله تعالى في رابع عشري صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربته بجبل قاسيون بالقرب من زاوية السيوفي.
صفية



بنت الشيخ الإمام العالم المحدث مجد الدين أحمد بن عبد الله بن المسلم بن حماد بن ميسرة الأزدي، أم محمد، وتدعى ست الشام.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روت لنا عن أصحاب ابن عساكر، ويحيى الثقفي وغيرهما.
وكانت امرأة صالحة مباركة. قصدت الحج فماتت بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصلي عليها بالحرم الشريف، ودفنت بالبقيع ثاني عشري ذي القعدة سنة أربع وسبع مئة.
ومولدها سنة سبع وأربعين وست مئة.
صفية بنت الإمام شرف الدين



أحمد بن أحمد المعمرة، أم أحمد المقدسية، زوج الشيخ بهاء الدين بن العز عمر.
في الحجة يوم الأربعاء عشري الحجة سنة أربعين وسبع مئة، توفيت رحمها الله تعالى.
حدثت بصحيح مسلم عن ابن عبد الدايم.
صلغاي



الأمير سيف الدين الناصري، من أمراء الأربعين بدمشق.
كان يسكن جوار المدرسة القيمرية، وهو صهر الأمير زين الدين كتبغا الحاجب.
وكان أميراً ديناً خيراً، يسلم على من يلقاه في الطريق. وكان الأمير سيف الدين تنكز يحبه ولا يفارقه في صيوده.
وتوفي رحمه الله تعالى في عشري صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن في مقبرة القبيبات.
اللقب والنسب



الصفي الهندي محمد بن عبد الرحيم.

ابن صف عذاره نجم الدين محمد بن يحيى.

ابن الصيرفي المحدث شرف الدين

حسن بن علي. ومجد الدين محمد بن محمد.

الصياح إبراهيم بن منير.

الصفدي الشيخ نجم الدين

الخطيب حسن بن محمد. وزين الدين الموقع عمر بن داود. ونور الدين علي بن إسماعيل.
والصفدي: الطبيب.
وشهاب الدين الطبيب: أحمد بن يوسف.
والصفدي: سراج عمر شيخ سعيد السعداء.
صرغتمش



الأمير سيف الدين الناصري رأس نوبة.
كان جميل الصوره، وصفات الحسن فيه محصولة محصوره، محياه كالبدر السافر في الظلام، أو الشمس إذا برزت من خلف الغمام. كتب وقرا، وأضاف أهل العلم وقرى، وعمر المدرسة المعروفة به بالقاهره، وجعل نجوم محاسنها في الإبداع زاهره، وكان يتلو القرآن على المشايخ، ويحب أن يكون في التجويد ذا قدم راسخ، إلا أن أخلاقه كان فيها شراسه، ونفسه فيها على احتمال الأذى نفاسه، فأقدم على عزل القضاه، واتبع السلطان في ذلك رضاه؛ لأنه كان قد انفرد بالتدبير، وثقلت وطأته على الدولة حتى خف عندها ثبير، وسالمته الأيام، وتيقظ سعده والناس عنه نيام، فكان مع جماله وبطشه يغلو عند من يعتبره بأرشه:
كالبدر حسناً وقد يعاوده ... عبوس ليث العرين في عبده
كأنّما مبرم القضاء به ... من رسله والحمام من رصده
ولم يزل عالي الكعب، مالي القلوب بالرعب في حتى أخذ " أخذةً رابيه " ، ولم تكن أنياب النوب عنه نابيه، فأمسكه الناصر حسن في العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة. وكان ذلك آخر العهد به.


أول ما ورد إلى القاهرة في جلبة الخواجة المعروف بالصواف في سنة سبع وثلاثين أو ثمان وثلاثين وسبع مئة، فاشتراه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بثمانين ألف درهم، وخلع عليه تشريفاً كاملاً بحياصة ذهب، وكتب له توقيعاً بمسامحة كثيرة في متاجره، فقارب الثمن عنه مئة ألف درهم وهذا ما بلغنا ولا سمعنا به في هذه الدولة التركية، وأكثر ما بلغنا عن السلطان الملك المنصور قلاوون الألفي، وكان أقباش مملوك الإمام الناصر قد اشتراه الإمام الناصر بخمسة آلاف دينار أظنها كانت رائجا، وهو الدينار بستة دراهم، أو دينار الجيش: اثنا عشر درهما، ومع ذلك فلم تكن لصرغتمش صورة عند أستاذه ولا مكانة، ومات وهو في الطباق من جملة آحاد الجمدارية.
وقد كنت يوماً عند القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وقد أنعم عليه السلطان بعشر طاقات أديم طائفي، فجاء إلى النشو يطلبها، وما احتفل به، وتردد مرات حتى أخذها، ثم إنه بقي بعد ذلك خامل الذكر إلى أيام المظفر حاجي، فخرج مع الأمير فخر الدين أياز السلاح دار لما جاء نائباً إلى حلب وهو معه مسفر حتى يقره في النيابة وعاد، ثم إنه جعل بعد ذلك يتقدم رتبة بعد رتبة إلى أن ورد مع السلطان الملك الصالح صالح إلى دمشق في واقعة بيبغاروس، وتوجه الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز إلى حلب خلف بيبغاروس، وبقي هو عند السلطان في دمشق يدبر أمره، إلى أن عاد السلطان إلى مصر، ولما وصلوا إليها عمل على الوزير علم الدين بن زنبور، وقام في أمره قياماً عظيماً، وبالغ في أمره إلى أن أمسكه وصادره، وأخذت منه أموال عظيمة، وقوى نفسه في أمره، وأعاره الأميران شيخو وطاز سكتةً في أمره لأنه توجع، وصمم عليهما، ومنها عظم، ولم يزل إلى أن أعيد الملك الناصر حسن إلى الملك وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب، وبقي هو والأمير شيخو.
ولما جرح شيخو تلك الجراحة ومات منها انفرد الأمير صرغتمش بتدبير الملك، وعظم أمره وزاد مكانة، وعزل القضاة بمصر والشام، وغير النواب الكبار، وخضع السلطان له وصبر عليه وأرخى به طول الإمهال إلى أن أمسكه في التاريخ المذكور ومعه حاجب الحجاب الأمير سيف الدين طشتمر القاسمي وملكتمر المحمدي وابن تنكز وطرغاي وأولاد آراي، وجهز إلى ثغر الإسكندرية، وقضى الله أمره فيه دون الجماعة.
وعمر تلك المدرسة، وكان يتعصب لمذهبه كثيراً، وبالغ في عمارتها وزخرفها، وكان يؤثر الفضلاء ويقربهم، ويسأل عن مسائل في اللغة والفقه، ويعظم العجم ويؤثرهم.
وكان قد انفرد بالحديث في أمر الأوقاف، وأمر البريد في مصر والشام. وضاق الناس منه، فما كان يركب البريد بمصر أحد إلا بعلمه، ومنع أحداً من البريدية أن يحمل معه دراهم وذهباً أو قماشاً على ظهر خيل البريد، وأمر بأن يعتبروا في قطيا، وزاد في هذا وأمثاله. وبالغ في أمر الأوقاف، وعمرت الأوقاف في أيامه.
ووجدت بخطه في حائط المدرسة السلطانية بحلب مكتوبا:
أبداً تستردّ ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا
وكتب: صرغتمش الناصري. فلما رأيت ذلك عجبت من هذا الاتفاق، فكأنه كاشف نفسه بما وقع له، واستردت الدنيا ما وهبته، وأخذ السلطان من أمواله وحواصله شيئاً يعجز الوصف عنه.
وكنت أنا قد كتبت قصيدة أمدحه بها، لكني ما جهزتها إليه، وهي:
يا همّ لا تدخل إلى خاطري ... فإنّ لي صرغتمش الناصري
قد زيّن الله الليالي به ... لأنّه كالقمر الزاهر
وكّمل الله المعالي به ... فأصبحت في رونق باهر
والملك قد أضحى به في حمىً ... لأنّه كالأسد الخادر
غلّ يد الظلم وعدوانه ... وكفّ كفّ الخائن الجائر
مسدّد الآراء في فعله ... لأنّه ذو باطن طاهر
ما أبصر الناس ولم يسمعوا ... بمثله في الزمن الغابر
سيوفه إن سلّها في الوغى ... كبارقٍ تحت الدجى طائر
يغمدها في مهجات العدا ... فتكتسي قرب الدم المائر
يمينه للجود معتادة ... قد أخجلت صوب الحيا الماطر
فعن عطاءٍ جوده حدّثنا ... واللطف يرويه لنا عن جابر

كواكب السعد له قد غدت ... تخدمه في الفلك الدائر
ومذهب النعمان زاد فضله ... فشاع في البادي وفي الحاضر
وزاده حسناً إلى جماله ... فراق في الباطن والظاهر
أنشا له مدرسةً حسنها ... بين الورى كما لمثل السائر
فسيحة الأرجاء قد زخرفت ... بكلّ لونٍ راق للناظر
رخامها مختلفٌ لونه ... كمثل روض يانعٍ زاهر
وذهنه متّقدٌ بالذكا ... لأنّه ذو خاطرٍ حاضر
وعلمه زاد على غيره ... كلج بحرٍ طافحٍ زاخر
يسبق برق الجوّ إدراكه ... لا كامرئٍ في جهله عاثر
يقول من يسمع ألفاظه ... كم ترك الأوّل للآخر
فوصفه أعجز كلّ الورى ... من ناظم القول ومن ناثر
إنّ الثنا في وصفه قد غدا ... غنيمة الوارد والصادر
تلهو به الركبان في سيرهم ... لأنّه أعجوبة السامر
يلقى الذي يسعى إلى بابه ... بنائلٍ من جوده الغامر
فالله يرعاه ولم ينسه ... عند خطوب الزمن الغادر
لأنّه فوّض ما في نفسه ... منه إلى المقتدر القاهر
حرف الضاد


الضفدع الخياط: محمد بن يوسف.
؟

ضياء الدين المعبدي

الشيخ المشهور بالديار المصرية.
كان حسن الشكل، ظريفاً، فيه عفة وديانه، وتنديبه ظريف، وتنديره حلو، وكانت له مكارم ووجاهه.
قال يوماً - وقد رأى الشيخ محمد القصار وهو في سماع يرقص - فقال له: يا قصار، أنجست الخرقة. فقال له القصار سريعاً: من دقك الخارج.
وأضافهم يوماً إنسان؛ وأحضر لهم توتاً، فلما أكلوه، فرغت الضيافة، فقال الشيخ ضياء الدين: يا جماعة، توته، توته، فرغت الحدوته.
قال لي شيخنا العلامة تقي الدين قاضي القضاة السبكي: هو الذي كان السبب في ولاية الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قضاء الديار المصرية، وحلف عليه بالطلاق من زوجته ابنة ... وأخذه، وطلع به إلى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين؛ وقال له جئتك بسفيان بن عيينة، أو الثوري، كما قال.
وتوفي الشيخ ضياء الدين - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة بالقاهرة بزاويته بالقرب من جامع السلطان.
ضياء الدين بن خطيب بيت الآبار: محتسب القاهرة، وناظر البيمارستان المنصوري، اسمه يوسف بن أبي بكر.
حرف الطاء



طابطا

بالطاء المهملة وبعدها ألف وباء موحدة وطاء ثانية مهملة وألف، الأمير سيف الدين، والد الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، أحد أمراء المئين مقدمي الألوف بحلب وبدمشق.
كان رجلاً أميا، غراً غتميا، لا يعرف ما الناس فيه، ولا يدري الفرق بين الحليم والسفيه، ذاق فقد مثل ذلك الولد، وعدم الصبر عليه والجلد، فالعجب كل العجب حياته بعده، وكونه ما سكن فيه لحده.
لم يزل على حاله إلى أن غص بالموت، ونص عليه الفوت.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بحلب في صفر سنة خمسين وسبع مئة.
وفد على البلاد لما حظي ولده عند الملك الناصر محمد، هو وولداه، الأمير سيف الدين أسندمر والأمير سيف الدين قراكز.
ولم يزل إلى أن خرج ولده يلبغا إلى حماة نائباً، فخرج هو وأولاده، ولما توجه يلبغا إلى حلب نائباً، توجهوا معه، وصار هو أمير مئة مقدم ألف، وأولاده أمراء. ولما جاء يلبغا نائباً إلى دمشق، حضروا معه، ولما جرى له ما جرى وهرب هربوا معه، ولما أمسك بحماة أمسكوا، وقيد هو وولده يلبغا، وجهزا إلى مصر، فلما وصلا إلى قاقون، تلقاهما الأمير سيف الدين منجك، وأطلعهما إلى قلعة قاقون، وأفرد كل منهم عن الآخر، ثم إنه أركب الأمير سيف الدين على البريد، وجهز إلى مصر، وأما ولده يلبغا فخنق، وحز رأسه، وجهز بعده.
ثم إن طابطا جهز إلى الإسكندرية، ولما تولى الملك الناصر حسن بعده؛ أفرج عنه، وأطلقه، وكان مدة مقامه في الحبس ثلاثة أشهر تقريباً، وأفرج عنه في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. ثم إنه جهز أميراً إلى حلب، فأقام بها إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المتقدم.
طاجار




بالطاء المهملة وبعد الألف جيم وألف بعدها راء، الأمير سيف الدين الدوادار المارداني الناصري.
كان شكله مليحا، ووجهه صبيحا، مسترسل شعر الذقن في سواد، خفيف الحركة، لا يلحقه جواد، وكان يغلب عليه اللعب واللهو، والانشراح والزهو، لا يؤثر على الرقص شيئا، ولا يتخذ غير ظله فيئا، على أنه مكنه أستاذه تمكيناً كثيرا، وأحله من الدولة محلاً أثيرا، ركبه في البريد إلى الشام مرات، وتلقاه الناس بالخدم والمبرات، وحصل مالاً جزيلاً في مدة قريبه، واقتنى أشياء من كل صنف عجيبه.
ولم يزل في لهوه ومجونه، وعدم تثبته وسكونه، إلى أن راح فيمن راح، ونفضت من أمره الراح، في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني الذي تقدم ذكره هو في خوشداشه الذي نبه عليه، وأشار بإصبعه إليه، فقربه السلطان، وولاه الدوادارية بعد إنفصال الأمير سيف الدين بغا الدودار، على ما تقدم في ترجمة بغا، بعناية القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وعناية القاضي شهاب الدين بن فضل الله، لأنه كان صغيراً وكرها سيف الدين بغا، وتوهما أنه يكون طوع ما يختارانه، ويحاولانه منه، فما كان إلا أن تقدم، وذاق طعم الوظيفة، فعاملها بضد ما توهماه فيه، وأملاه منه، وأمره السلطان طبلخاناه، وقال له: والك يا طاجار، ما كان دودار أمير مئة قط، وأنا أعطيك إمرة مئة، فاجعل بالك مني، واقض أشغالك في ضمن أشغالي ولا تقض أشغالي في ضمن أشغالك، وإذا دفع إليك أحد شيئاً من الذهب برطيلاً، احمله إلى كاتبي النشو.
وجهزه السلطان مع الأمير سيف الدين طشتمر الساقي إلى صفد، ليقره في النيابة، فأعطاه، على ما قيل، مئة ألف درهم، وجاء من صفد إلى عند الأمير سيف الدين تنكز، فأعطاه جملة، وكان تنكز في مرج الغسولة، فلما رأى خام الأمير سيف الدين تنكز، قال: والله هذا الخام ما هو للسلطان. فبلغ ذلك تنكز، وكان سبب الوحشة بينهما.
وكان تنكز إذا طلع إلى المرج، يأخذ حريمه معه، وهن تسع جوار موطوءات، كل واحدة ببيتها وخدمها وجواريها، ويضرب عليهن شقة كبيرة يحشر خامهن فيها، ثم إنه بعد ذلك حضر إلى الشام خمس ست مرات، وقد ذكرت في ترجمة تنكز ما اتفق له، عندما جاء إليه قبل إمساكه، وما دار بينهما، ثم إنه جهزه للسلطان صحبة الأمير سيف الدين بشتاك، لما حضر للحوطة على موجود تنكز، وعاد إلى مصر، فلما توفي السلطان الملك الناصر، تمكن من ولده الملك المنصور أبي بكر، فيقال: إنه هو الذي حسن له الفتك بقوصون، ولما شعر قوصون بذلك، خلع المنصور، ورتب أخاه الأشرف كجك، وأمسك طاجار وجماعة، وجهزهم إلى إسكندرية، فقتل طاجار مع بشتاك.
وكان كثير اللعب يخرج من قدام السلطان، وينزل إلى القاهرة، ويعمل سماعاً، ويرقص، إلى أن يجيء وقت الخدمة، فيطلع إلى القلعة.
وكان عليه في الرقص خفة وحركة وروح، وما تقرب إليه عماد الدين بن الرومي بشيء غير الرقص.
وكان إذا ساق في البريد في مهم السلطان ينام طول ليله، ويقوم بكرةً، فيركب خيل البريد الجياد، ويسوق مشواراً واحداً من المركز إلى المركز، فإذا وصل المركز، ونزل، قال لمماليكه: صفقوا. فيصفقون له، ويرقص إلى أن يشدوا له الخيل فيركب، ويفعل ذلك من باب مصر إلى باب دمشق، وكذا إذا عاد.
وكان بشتاك يحط عليه، ويكرهه، ويندب عليه قدام السلطان، ولما أمسك حمل من بيته إلى القلعة ستة صناديق مملوءة ذهباً، وكان السلطان قد زوجه ابنة الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير، وكانت أولاً زوج الأمير خضر ابن الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب والشام.
وطاجار هو الذي عمر الخان الذي في جينين الذي ليس على درب مصر مثله بشد نجم الدين بن الزيبق، وعمر الحوض السبيل الذي في طريق غزة.
طاز


بعد الطاء المهملة والألف زاي، ابن قطغاج، بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبعدها غين معجمة وألف وجيم. الأمير سيف الدين أمير مجلس.
أول ما اشتهر ذكره في أيام الصالح إسماعيل.
وهو شكل تام طويل، نبيه نبيل، شجاع بطل، إذا أعمل فكره خمل معه الكيد من عدوه وبطل، حر النفس والطباع، ما لازم شيمته التي هو عليها من الرضاع، أبي الهمه، قوي العزمه، بريء من التهمه، حمل عسكر مصر بعدده وآلاته، وخيوله التي تربط في اصطبلاته.


ولم يزل أميراً إلى أن خلع الكامل شعبان، وأقيم المظفر حاجي، فكان هو أحد الأمراء الستة أرباب الحل والعقد.
ولما خلع المظفر، وأقيم السلطان الملك الناصر حسن زادت وجاهته وحرمته.
وهو الذي أمسك الأمير سيف الدين بيبغاروس في طريق الحجاز.
وهو الذي أمسك الملك المجاهد سيف الإسلام علي بن المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن، وأحضره إلى مصر.
وهو الذي قام في نوبة الملك الناصر حسن لما خلع وأجلس الملك الصالح صالح على كرسي الملك.
وهو الذي قام على الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور، والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري، لما ركبا إلى قبة النصر، وخرجا على الملك الصالح بعد أربعة أيام، وهرب الصالح، ودخل إلى والدته، فدخل الأمير طاز إليها، والتزم به لها، واخذه، وركبه، وتوجه به، ورزقهما الله تعالى النصر.
وهو الذي سعى في إخراج الأمراء المعتقلين الذين أمسكوا في نوبة الوزير منجك، وبدا منه كل خير، ونصره الله في كل موطن.
وكان في درب الحجاز يلبس عباءة وزربولاً، ويخفي نفسه، ويدخل في طلب بيبغاروس، ويتجسس على أخباره. ولما خرج بيبغا من الحبس ووصل إلى حلب نائباً، وحدثته نفسه بالخروج على الدولة، وفشا هذا الأمر وزاد، ووصل بيبغاروس إلى دمشق، جهز قطلوبك الفارسي إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وهو على لد، يقول له: ما لي غريم دون المسلمين والسلطان إلا أنت وطاز، ولما بلغ ذلك إلى الأمير سيف الدين طاز قال: قد رضيت. وسير إليه يقول: أنا أمسكتك في درب الحجاز، وحججت بك، وما مكنت أحداً من أذاك، وأخرجتك من الحبس، وأعطيتك نيابة حلب، وأنت تعرفني جيداً، وأنا واصل إليك، إن أردت بارزتك وحدي، وإن أردت أنا وطلبي وأنت وطلبك، وما حاجة إلى قتال المسلمين وسفك دمائهم. ولما وصل الأمير سيف الدين طاز إلى غزة، ثم اجتمع بالأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وتوجها إلى جهة بيبغاروس، وبلغه الخبر، هرب، وتفرق شمل من كان معه من العساكر، وساقا وراءه إلى حلب، وهرب هو إلى الأبلستين. وقلت أنا في ذلك:
قلت إذا بيبغا أراد خروجاً ... وهو يدري غريمه في الحجاز
بيبغا بيبغا طويرٌ ضعيف ... وعليه من طاز قد طاربازي
ثم إن الأمير طاز عاد هو والأمير سيف الدين شيخو إلى دمشق، وأخذ السلطان الملك الصالح، وتوجها به والعساكر المصرية إلى القاهرة، واستقروا بها، وجرى بعد ذلك لبيبغا وأحمد الساقي وبكلمش ما جرى، على ما تقدم في ترجمتهم.
ولم يزل الأمير سيف الدين طاز على حاله إلى ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، فخلع الملك الصالح، وأعيد الملك الناصر حسن إلى الملك، ورسم للأمير سيف الدين طاز بالخروج إلى حلب نائباً، فخرج إليها، وأقام بها إلى أن ورد المرسوم عليه على يد الأمير سيف الدين منكلي بغا الناصري بحضوره إلى الباب الشريف على البريد في عشرة سروج، وذلك في أول سنة تسع وخمسين، فأقام بحلب يومين ثلاثة، ثم إنه خاشن الأمراء، وأمسكهم، ورسم عليهم، ثم أفرج عنهم بعد ما حوصر من القلعة، وركب في جماعته وطلبه ملبسين، وحضر إلى القطيفة، وعسكر طرابلس وحماة وحلب وجماعة من دمشق يسيرون خلفه منزلةً بمنزلة، وخرج ملك الأمراء أمير علي بمن بقي من عسكر دمشق لابسي السلاح، وقعد له على خان لاجين، فترددت الرسل بينهما، وآخر الأمر حلف له أمير علي نائب الشام على تمكينه من التوجه في عشرة سروج إلى باب السلطان، وتوجه إلى الكسوة، وهناك قيد، وتوجه به منكلي بغا، وأمسك إخوته، واعتقلوا في قلعة دمشق وفي قلعة صفد، وتوجهوا به إلى الكرك، وتوجهت أمه إليه وأم ولده موسى، وولده، ولم يضيق عليه بالكرك.

ثم إنه بعد إمساك صرغتمش في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة رسم السلطان بنقله من الكرك إلى إسكندرية، فاعتقل بها، وكحله وهو في حبس الإسكندرية ولم يزل على حاله معتقلاً إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وجرى له ما جرى فأفرج عنه في أول دولة الملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي بتدبير الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، يقال: إنه أنعم عليه بمئة ألف درهم وقماش كثير فاختار أن يكون مقيماً بالقدس، فوصل إلى القدس فيما أظن في أوائل شهر رجب الفرد سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ثم إنه جهز إلى دمشق، وفي مستهل المحرم سنة ثلاث وستين وسبع مئة حضر له برلغ مكتوب بالذهب مزمك بأن يكون طرخانا على عادة الأمير منجك، يقيم في أي مكان اختاره من الشام.
وكان قد ورد إلى دمشق في أواخر سنة اثنتين وستين، ونزل بالقصر الأبلق، وتوجه ملك الأمراء أمير علي لتلقيه، وكان هو قد عرج عن الطريق، فلم يلقه، وحضر طاز إلى دار السعادة، فلم يلق ملك الأمراء، فعاد إلى القصر، وتوجه ملك الأمراء إليه. وسلم عليه، ثم إنه سكن في الدار التي للأمير سيف الدين تنكز المعروفة بدار الذهب، وأقام بها مدة إلى أن مرض، وانتقل إلى القصر الأبلق، وطول فيه، فتوفي هناك - رحمه الله تعالى - في بكرة الاثنين عشري ذي الحجة سنة ثلاث وستين وسبع مئة، ودفن في مقابر الصوفية.
أبو طالب


ابن حميد القاضي الرئيس الصدر شمس الدين بن حميد.
كان في ديوان الجيش بدمشق، ولما طلب القاضي قطب الدين بن شيخ السلامية إلى مصر، حضر للقاضي شمس الدين توقيع بأن يكون ناظر الجيش عوضاً عن قطب الدين، فباشره في يوم السبت ثاني عشري ربيع الآخر، فباشر ذلك مدة، ثم حضر القاضي معين الدين بن حشيش من الديار المصرية على الوظيفة المذكورة، وباشر القاضي شمس الدين بن حميد عوضاً عن القاضي فخر الدين بن المنذر في جيش دمشق، وتوجه ابن المنذر إلى نظر جيش طرابلس.
طالوت



الصدر الرئيس تاج الدين أبو علي بن الصدر نصير الدين عبد الله بن الشيخ وجيه الدين محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد التكريتي.
كان عاقلاً فيه خير ودين قوي، قرئ في داره صحيح البخاري.
وكان سمع من ناصر الدين عمر بن القواس، وحدث عنه بدمشق وبطريق الحجاز.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثاني جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
طامغار



بعد الطاء والألف ميم وغين معجمة وألف وراء: الأمير شهاب الدين بن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أحد أمراء الخمسين بالقاهرة.
وكان يسكن على بركة الفيل بالحبانية، حسن الشكل، صاحب صدقة ومعروف.
توفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشري المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن في تربتهم بالقاهرة.
وكان له أخ اسمه إبراهيم في بلاد التتار، أعرفه، وقد جاء مرة رسولاً من القان بوسعيد إلى السلطان الملك الناصر قبل وفاة أخيه المذكور بقليل.
طان يرق



بطاء مهملة وبعد الألف نون وياء آخر الحروف وراء بعدها قاف: الأمير سيف الدين نائب حماة.
كان حظه عند المظفر قد توفر، وذنبه وخطأه قد تكفر، لا يرى فعله إلا مليحا، ولا يجد وجه وده إلا صبيحا، أثيل المكانه، أثير الاستكانه، إذا شفع فلا يرد، وإذا منع فلا يصد، لا يكاد يصبر عن رؤيته، ولا يراه يحاول أمراً إلا فداه بمهجته، فلذلك أغدق سحائب إنعامه، وروق له شراب إكرامه.
ولم يزل حاله عنده مستصحبا، إلى أن قال له اللحد: مرحبا.
وجاء الناصر حسن بعده، فأجراه على ما اعتاد، وسلم منه رسن المحبة له واقتاد، وارتاح إلى تعظيمه وارتاد، ولم يزل في أوائل الدولة الناصرية معظم الجانب، مقدم الوجاهة إلى قود المقانب، إلى أن طلع الأمير علاء الدين مغلطاي من الاصطبل، وزحف على هلاك تلك الدولة، وضرب الطبل، فأمسك الوزير منجك وغيره، فأطار بالشر في الآفاق طيره، وكان الأمير سيف الدين طان يرق فيمن أخرجه، ووغر خاطر السلطان عليه، وأحرجه، فخرج إلى حماة نائبا، وباشر أمرها، فأحسن إلى أهلها ذاهباً وآيبا.


أول ما ظهر من أمره أنه كان معظماً عند الملك المظفر حاجي، وحضر في أيامه إلى حلب في البريد، وجاء على يده كتاب من المظفر إلى الأمير سيف الدين يلبغا نائب الشام، يقول فيه: إننا قد تراهنا - نحن والخاصكية الأمير سيف الدين الجيبغا وغيره - أنه إن حضر إليك الأمير سيف الدين طان يرق أنك تضربه، وقال المشار إليهم: أنك ما تضربه، فلا تدعنا نغلب معهم، وحضر على يده كتب المذكورين أنه إن ضربه يكن خفية، فما أمكن يلبغا إلا أن ضربه في خفية ضرباً يسيراً خفيفاً.
ولم يزل أميراً، ثم كبر، وزاد عظمةً في أيام الناصر وأيام الوزير منجك، ولما جرى ما جرى من إمساكه، طلب الأمير سيف الدين أسندمر العمري من حماة، وجهز إليها الأمير سيف الدين طان يرق، فوصل إليها في يوم الاثنين سادس عشر ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وأخرج إلى حماة في يومه، ولم يمهل، وأقام بحماة إلى أن رسم للأمير سيف الدين أرغون الكاملي بنيابة دمشق، فرسم للأمير سيف الدين طان يرق بالحضور إلى دمشق، والإقامة بها بطالاً، فوصل إليها في شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها بطالاً لازماً بيته.
ولما تحرك بيبغاروس، وأراد الحضور إلى دمشق وتوجه أرغون الكاملي بالعساكر إلى لد أخذ الأمير سيف الدين طان يرق معه، وكتب إلى السلطان في معناه، فجاء الأمير عز الدين طقطاي الدوادار إلى لد ومعه تقليد للأمير سيف الدين طان يرق بنيابة حماة، وتشريفه، فلبسه هناك، وأقام إلى أن حضر السلطان، ودخل إلى دمشق مع الأمير سيف الدين طان يرق وأرغون الكاملي، وتوجه معهم إلى حلب. ولما عادوا من حلب، قعد هو في حماة مباشراً نيابتها، وذلك في أواخر شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ولم يزل بها نائباً إلى أن خلع الملك الصالح صالح، وأعيد الملك الناصر حسن إلى الملك، فخرج الأمير سيف الدين طبجق لإحضار الأمير سيف الدين طان يرق من حماة، والتوجه به إلى مصر، ولما وصل إلى دمشق حضر المرسوم إلى الأمير علاء الدين أمير علي نائب الشام، بأنه يؤخر طان يرق بدمشق، ويدعه مقيماً بها، فأقام بها حسبما رسم به، ثم إنه أعطي إقطاع الأمير سيف الدين قردم وتقدمته، لما توفي بدمشق في التاريخ الذي يذكر في ترجمته.
وتوجه الأمير سيف الدين طان يرق إلى الحجاز في سنة ست وخمسين وسبع مئة، وعاد إلى دمشق، فأقام بها، ثم ورد المرسوم بإمساكه في سنة تسع وخمسين وسبع مئة، واعتقل بقلعة دمشق مدة من الأشهر، ثم ورد المرسوم بالإفراج عنه، وبقي بطالاً بدمشق. ثم ورد المرسوم بتجهيزه في صفد، فتوجه إليها، وأقام بها، إلى أن أمسك في أواخر سنة تسع وخمسين أو أوائل سنة ستين، وجهز إلى الإسكندرية مع جملة من أمسك، فأقام في الاعتقال إلى أن خلع الملك الناصر حسن بن محمد، وجرى له ما جرى، فأفرج عنه، وأنعم عليه بمبلغ مئة ألف درهم - على ما قيل - وبخيل وبقماش، وأعطي إمرة مئة وتقدمة ألف فارس بدمشق - ووصل إلى دمشق في بكرة الجمعة سادس شعبان سنة اثنتين وستين وسبع مئة. وجرى لبيدمر نائب الشام ما جرى من الخروج على يلبغا، فلازمه، وتوجه معه بالعسكر إلى غباغب، وجاءهم الخبر بهروب منجك وكسرته، فعادوا إلى دمشق.
ولما بات ما أصبح له صباح في دمشق، وتوجه هو وتومان تمر نائب طرابلس إلى نحو يلبغا، وحضروا معه إلى دمشق، ورسم له السلطان بنيابة حماة، فتوجه إليها، وهذه النيابة الثالثة وذلك في شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ولم يزل على حاله في نيابة حماة إلى أن ورد الأمير ناصر الدين محمد العمري من مصر متوجهاً إليه ليأخذه من نيابة حماة، ويتوجه به إلى طرابلس، ليقيم بها أميراً وذلك في أول المحرم سنة أربع وستين وسبع مئة.
الألقاب والنسب


الطباخي نائب حلب

الأمير سيف الدين بلبان.
ابن الطبال الحنبليعماد الدين إسماعيل بن علي.



ابن الطبيل محمد بن أبي بكر.

الطبري صفي الدين أحمد

بن محمد ونجم الدين محمد بن أحمد.
طرجي



بضم الطاء المهملة والراء وبعدها جيم وياء آخر الحروف: الأمير سيف الدين السلاح دار الناصري.

كان في زمن الملك الناصر محمد أمير سلاح، كان في تلك الرفعة الأرغونية مقدما، وفي تلك الزمرة معظما، له الوجاهة في الخاصكية المقربين، والتقدم في الأمراء المدربين، وخوشداشيته كلهم كتف واحده، ويد أناملها في البطش متعاضده.
ولم يزل في جاهه المتمنع، وعزه الذي هو مترفه مترفع، إلى أن طرح طرجي في قبره، وعز على ذي قرابته معالجة صبره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - هو والأمير سيف الدين منكلي بغا السلاح دار في جمعة واحدة في شهر ربيع الأول أو الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
وفي هذه المدة القريبة ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين أرغون الدوادار نائب حلب، وكان خواشداشهما، فقال السلطان الملك الناصر: لا إله إلا الله ما هذه إلا آجال متقاربة. وتوهم الناس شيئاً في هذا الأمر، والله أعلم لحقيقته.
طرجي


الأمير سيف الدين أخو الأمير سيف الدين أرغون شاه.
لما توفي الأمير عز الدين أيدمر الطوماري والي الولاة بالصفقة القبلية كتب أرغون شاه إلى السلطان، وسأل أن تكون طبلخاناه المذكور لأخيه، فأجيب إلى ذلك، ثم توفي الأمير نور الدين علي بن حسن بن الأفضل، فأعطي طبلخانته، وكان مقيماً في الديار المصرية، فوصل على الإقطاع المذكور إلى دمشق في إحدى الجماديين سنة تسع وأربعين وسبع مئة، وأقام بدمشق. فلما مات الأمير سيف الدين قرابغادوادار أرغون شاه كان حوله يمرضه، وأسند وصيته إليه، فمات بعده بخمسة أيام بصق دماً ومات في شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق، رحمه الله تعالى.
ابن طرخان: شمس الدين محمد بن أبي بكر.
طرغاي



الأمير سيف الدين الجاشنكير الناصري.
أصله من مماليك الطباخي، وهو خوشداش الأمير علاء الدين أيدغمش.
كان ساكناً عاقلا، إلى الموادعة راكنا، ليس في شيء من الشر وإن هان، ولا ممن يدفف على جريح وإن ظهر له البرهان.
ولم يزل معظما في بيت السلطان، وسعادته متواصلة الأسطان، إلى أن أخرجه السلطان لنيابة حلب، وأمسك بقرون حماة وحلب، ودخل حلب في ربيع الأول أو أول ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، ولم يزل فيها مقيماً على حاله إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز، وصار في مصر، فعزله السلطان من حلب، وعزل نواب الشام أجمعين، فتوجه إلى مصر، وأقام بها إلى أن توفي الأمير سيف الدين آروم بغا نائب طرابلس، فأخرجه الملك الصالح إسماعيل إلى طرابلس نائباً في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، فأقام بها نائباً، إلى أن داناه الحين فاجتاجه، واستقى روحه من بئر جسده، وامتاحه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سادس شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وحضر بعده إلى طرابلس نائباً الأمير شمس الدين آقسنقر.
اللقب والنسب



طرنا نائب صفد، الأمير سيف الدين بلبان.

ابن الطراح قوام الدين الحسن بن محمد.

الطرقجي الأمير علم الدين سنجر.

طرنطاي

الأمير حسام الدين البشمقدار.
حضر إلى الشام على البريد هو والأمير سيف الدين تنكز نائب الشام والأمير سيف الدين أرقطاي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين عشرة وسبع مئة.
كان بدمشق حاجبا، وحبه على القلوب لإحسانه واجبا، ولم يزل عند تنكز في غاية العظمه، وأمور الدولة به منتظمه، إلى أن وقع بينهما في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة فزالت تلك الألفه، والتحفت بالوحشة تلك التحفه، وعزله من الوظيفة، وأنزله من تلك الرتبة المنيفه، ولم يكن بدمشق في آخر وقت أحسن منه حالا، ولا أوسع أملاكاً وأكثر أموالا، إقطاع في الكثرة مطاع، وحواصل لا يصل إليها الاقتطاف بالاقتطاع، ومماليك كأنهم الكواكب، وجند إذا ركبوا زانوا المواكب.
ولم يزل ينتقل من مصر إلى الشام إلى غزة إلى حمص إلى أن حسم حسامه، وآن اقتسار جسده بالبلى واقتسامه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة الجمعة خامس شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وقد عدى السبعين.
وحدث عن عيسى المطعم وغيره.
وكان بدمشق أميراً بعد ما عزل من الحجوبية، فلما ورد الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى دمشق نائباً، كان عنده مكين المنزلة، خاصاً به، ولما توجه بالعسكر إلى حلب وراء طشتمر حمص اخضر، كان هو المشير المدبر الحال العاقد، وتنكر له الفخري كثيراً، فلما هزم ألطنبغا ولاه الفخري نيابة حمص.


ثم إن السلطان الملك الصالح في أول ملكه أعطاه نيابة غزة، فتوجه إليها في خامس عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وأقام بها نائباً سنةً أو أزيد بقليل، ثم طلبه إلى الديار المصرية، فتوجه إليها في شعبان سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وأقام بها حاجباً.
ولما أن توفي الأمير علم الدين الجادلي أعطي إقطاعه وكان إقطاعاً كبيرا، فأقام بمصر حاجباً كبيراً، وكان منجمعاً، لا يدرى به، ولا يدرأ شيئاً، إلى أن توفي الصالح، فأخرج إلى حمص نائباً على البريد، عوضاً عن الأمير سيف الدين إياز الساقي، ووصل إلى دمشق، وتوجه إلى حمص على البريد، فوصل المرسوم بأن يرد إلى دمشق، ليقيم بها، ويتوجه الأمير سيف الدين قطلقتمر الخليلي الحاجب بدمشق، فرد الأمير حسام الدين من منزلة القسطل، أو يريج العطش، فعاد، وأقام بدمشق أميراً مدة يسيرة.
ثم لما أمسك الأمير سيف الدين الملك النائب بصفد جهز نائب غزة الأمير سيف الدين أراق إلى صفد نائباً، ونقل الأمير سيف الدين أولاجا من نيابة حمص إلى نيابة غزة وجهز الأمير حسام الدين البشمقدار إلى نيابة حمص، فأقام بها مدة يسيرة. ولما برز الأمير سيف الدين يلبغا اليحوي إلى ظاهر دمشق في أيام الكامل، كان الأمير حسام الدين أول من جاء إليه، وهو في محفة، ولما ولي السلطان الملك المظفر استمر به في دمشق.
ولم يزل بها أميراً مقدم ألف، إلى أن توفي في التاريخ المذكور - رحمه الله تعالى - ولم يخلف ولداً غير ولده الأمير علاء الدين علي أحد أمراء الطبلخانات.
طرنطاي


أحد أمراء العشرات بدمشق، الأمير حسام الدين الجوكنداري.
أول ما علمت من أمره أن الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - ولاه مدينة غزة والبر بها في خامس شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ثم إنه جاء من غزة، وولاه جعبر، فأقام بها إلى أن توفي الأمير شهاب الدين أحمد بن برق، فطلبه من جعبر، وولاه مدينة دمشق، وخلع عليه خلعة أمير عشرة.
وكان شكلاً حسناً، طويلاً أبيض مشرباً حمرة، كثير المكارم والخدمة للناس، والتقرب إليهم.
وكنت قد كتبت له توقيعاً بولاية غزة، ونسخته.
رسم بالأمر العالي، لا زال يدخر لكل مهم حساما، ويطلع في أفق الولاية كل بدر إذا غاب شهابها أخذ كماله وأربى عليه تماما، أن يرتب المجلس السامي الأميري الحسامي في كذا، سالكاً في هاتين الولايتين ما يجب لهما من الطرق التي تحمد منها العواقب، ويظهر فيها من لمعات الحسام ما يشخص له طرف الشهاب الثاقب، ويبدي فيها من حسن السياسة ما يتساوى في أمنه أهل المراقد والمراقب، لما علم من علو همته في الأوقاف المهمه، وعهد من نهضته في الأمور التي حراسته في جيدها تميمة وسياسته لحسنها تتمه، فليتول ما فوض إليه ولايةً تكون من الشدة والرفق قواما، وتجلو شمس معدلته من ألق الظلم ظلاما، وتعلي المحق على المبطل، فإن له مقالاً ومقاما، وليجتنب أخذ البريء بصاحب الذنب، وليحذر الميل على الضعيف الذي لا جنب له، ويترك صاحب الجنب وعمارة البلاد، فهو المقدم من هذا المهم، والمقصود بكل لفظ تم له المعنى أو لم يتم، فليتوخ العدل فإنه أنفع للبلاد، من صوب العهاد والسحب الماطرة، وألذ لأهل القرى من ولوج الكرى في الجفون الساهرة، فإنه لا غيث مع العيث، ولا حلم مع الظلم، وليتعمد الإنصاف بين الخصوم فما كل نار ضرم، ولا كل شحم يراه في الورى ورم، وليصل باع من لاله إلى الحق وصول، وليتذكر قوله عليه الصلاة والسلام كلكم راع وكل راع مسؤول، فليكن تقوى الله عز وجل ركنه السديد، وذخره العتيد، وكنزه الذي ينمي على الإنفاق، وكل كنز على طول المدى يبيد، والله يحرس سرحه، ويرعاه، ويوفق لكل خير مسعاه، والاعتماد في ذلك على الخط الكريم أعلاه، والله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى.
طشبغا



بفتح الطاء المهملة وسكون الشين المعجمة وباء موحدة وغين معجمة بعدها ألف: الأمير سيف الدين الدوادار الناصري.
كان شكلاً حسناً إلى الغايه، ووجهه في الجمال آيه، يكتب خطاً كأن سطوره جداول قد ترقرقت، أو عقود جواهر قد تنظمت وتنسقت.


وباشر الوظيفة في المرة الأولى بصلف زانه لما زاد، وأمانة فاز بها الجنيد لما قاربها أو قد كاد، إلى أن وقع بينه وبين القاضي علاء الدين بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء، فأخرج إلى دمشق بطالا، وجرى غمام دمعه على ما فارق من مصر هطالا، وأقام بها.
ثم أعطي إمره، وقدم في دمشق على زمره، وتزوج ابنة الأمير سيف الدين أيتمش نائب دمشق فتعلى، وجاء إليه إقبال كان عنه تولى، ثم أعيد إلى الدوادارية بمصر، فأقام فيها مدة يسيره، وأعيد إلى دمشق على تلك الوتيره، فأقام بها قليلاً إلى أن محيت آيته، وانتهت من الحياة غايته.
وتوفي - رحمه الله - بدمشق ثاني عيد رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
كان هذا طشبغا أولاً عند آنوك ابن السلطان الملك الناصر جمداراً صغيراً، وكان صورة بديعة الحسن، كان آنوك - على ما قيل - يحمل سر موزة طشبغا هذا على جسده تحت قميصه، ويقول له: يا طشبغا أنا جمدارك، ما أنت جمداري. ثم إنه كان دواداراً صغيراً في أيام الملك الصالح. ولم يزل إلى أن أخرج الأمير سيف الدين جرجي من الدوادارية في أول دولة الملك الناصر حسن في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فعمل الدوادارية بصلف زائد، وضبط موقعي الدست والقصص التي تدخل إلى دار العدل والتي تخرج، والكتب التي تكتب والتواقيع قبل دخولها في العلامة وبعدها، فإذا تأملها أولاً وآخراً أعطاها من يده لأربابها، ولم يسمع عنه في تلك المدة أنه قبل لأحد شيئاً.
ولم يزل على حاله إلى أن وقع بينه وبين القاضي علاء الدين كاتب السر بسبب شخص من الموقعين يعرف بابن البقاعي، انتصر له طشبغا، وحضر إلى الديوان في حفدته، وسل عليه السيف، وأساء أدبه عليه، وضربه بيده، فتشاكيا إلى الأمراء وإلى النائب، فرسم بإخراج الدوادار إلى دمشق، فوصلها على البريد في يوم عيد الأضحى سنة تسع وأربعين وسبع مئة، فأقام بها مديدة بطالاً، ثم أعطي طبلخاناه بدمشق، وزوجه نائب دمشق الأمير سيف الدين أيتمش بابنته بعدما شاور السلطان والأمراء في ذلك، وأقام بدمشق إلى أن أمسك الوزير منجك، فطلب إلى مصر لأن الأمير علاء الدين مغلطاي كان زوج أخت امرأة طشبغا، فتوجه إليها يوم السبت ثاني عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، ولما دخل على السلطان أقبل عليه إقبالاً كبيرا، وولاه الدوادارية، وقدم المصريون له شيئاً كثيرا.
ولما جرى للأمير سيف الدين أرغون الكاملي ما جرى، وحضر إلى دمشق من حلب، أرسل السلطان طشبغا الدوادار إليه بناءً على أنه في حلب، فوجده في الرملة متوجهاً إلى باب السلطان، فعاد به إلى مصر، وحضر معه إلى نيابة حلب، فوصلا إلى دمشق في يوم الأحد بعد العصر خامس صفر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، فأعطاه نائب حلب شيئاً كثيراً إلى الغاية وفي يوم الاثنين سابع عشري صفر توجه من دمشق عائداً إلى مصر.
ثم إنه لما جرى ما جرى، وخلع الملك الناصر وتولى الملك الصالح صالح أقام على الدوادارية مديدة، ثم إنه حضر إلى دمشق في حادي عشري شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها بطالاً.
ومرض مدة، ثم توفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
وكان يكتب كتابة حسنة منسوبة، وكان فيه ميل إلى الفضلاء، كان بدمشق يسير يستعير مني التذكرة التي لي جزءاً بعد جزء يطالعها.
طشتمر


الأمير سيف الدين حمص أخضر الساقي الناصري.
كان شكلاً ضخما، ووجهه ممتلئ لحما، قد طالت مدته في الإمره، وجمع من أزاهر الذهب والفضة كل حضره، فزادت أملاكه، ونمت أجورها، وعظمت خزائنه، وملئت بالأموال حجورها، إلا أنه كان عطاؤه عطاء الملوك، وإذا جاء وهب الجواهر التي في السلوك. وفيه بر للفقراء وإيثار، وجود لهم على طول المدى مدرار، وأمسكه السلطان مرتين، ولم يتمكن من أذاه كرتين. ثم إنه أخرجه إلى صفد نائبا، فترك فوده لذلك الهول شائبا، لأنه كان يستقل نيابة دمشق استكباراً وعلوا، واستهتاراً منه وعتوا، فأقام بها إلى أن رسم له بإمساك تنكز، فحضر إليه، وأمسكه، وأخذ ثأره منه وأدركه.
ثم إنه توجه إلى حلب نائبا، بل جاء هاماً مالكاً صاحبا، فأظهر فيها من العظمة ما أظهر، وأبدى فيها من البذخ ما أرمد عيون أهلها وأسهر.


ثم إنه قام في ناصر أحمد الناصر، ورام غاية ما كانت تبعد عليه إلا أن جده قاصر، فتعكس وهرب إلى البلاد الرومية في فصل تفاقم برده وبرده، ولم يقاوم جليده جلده، وقاس شقة الطريق، وقاسى أهوالا، ورأى أوحالاً صعبت عليه أحوالا.
ثم إنه عاد وجعل في مصر نائبا، ولم يدر أنه سهم القدر إذا أرسل كان صائبا، فأمسك بعد مدة قصيره، وذهب به إلى الكرك والعيون لفقده غير بصيره، فقتل هو والفخري صبراً بالسيف، وتحيفهما الحين والحيف.
وكانت قتلته في أول المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وإنما كان يسمى حمص أخضر لأنه لما كان في الطباق كان يأكله كثيراً، فسماه خوشداشوه بذلك.
وكان في طبقة أرغون الدوادار وتلك الرفعة، وأراد السلطان مرةً إمساكه وإمساك أخيه قطلوبغا الفخري، وكان يدعوه أخي، وأنا شاك في إمساك الفخري في هذه المرة، فوقف الحرافيش تحت القلعة، واستغاثوا، ودخل خوشداشيته على السلطان، فأفرج عنهما، وعلم أنه لا قبل له بهما.
ثم إنه لما أمسك الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وجهزه إلى حلب نائباً أمسكهما، وكان الأمير سيف الدين تنكز تلك الأيام في القاهرة، فشفع فيهما، فأفرج عنهما، وقال له: يا أمير، هذا المجنون - يعني الفخري - خذه معك إلى الشام، وهذا العاقل - يعني طشتمر - دعه عندي. فخرج الفخري إلى الشام، وأقام طشتمر في القاهرة وهو مستوحش الباطن.
ولما توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة كان طشتمر أحد الأمراء الأربعة الذين جعلهم مقيمين في القاهرة.
وكان في أول أمره مليحاً حسن الصورة، وكان القاضي كريم الدين يتولى عمائره بنفسه، وهو الذي عمر له الدار التي عند حدرة البقر والإصطبل، ولها تلك البوابة العظمى والربع التي إلى جانبها التي ليس في القاهرة مثلها.
ولما جهزه إلى صفد في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، استعفى وتضرع، وطلب الإقالة فدخل قوصون إلى المرقد، وخرج مرتين، وفي الثالثة قال له: بس الأرض، ولا تتكلم كلمة واحدة، فباس الأرض، وتوجه إلى بيته، وجهز إليه السلطان خيولاً بسروجها وأنعاماً. وفي يوم الخميس أجلسه بين يديه بعد الخدمة، وقال له: ما أجهزك إلى الشام إلا لتقضي لي فيه شغلاً. وأكب على رأسه، يقبله، وودعه.
قلت: وكان ذلك الشغل المشؤوم إمساك تنكز. وجهز معه طاجار الدوادار، وقال: بعدما توصله إلى صفد؛ توجه إلى دمشق، وقل للأمير نائب الشام: هذا خوشداشك الكبير، وقد صار جارك، فراعه، ولا تعامله معاملة من تقدم.
ومرض في صفد مرضة عظيمة، أشرف فيها على التلف، وعمر له قبراً في مغارة يعقوب بصفد، وفرغ منه، ثم إنه عوفي بعد ذلك.

ثم إن السلطان جهز إليه للقبض على تنكز مع بهادر حلاوة الأوشاقي، فتوهم، وظن أن ذلك مكيدة لإمساكه نفسه، وقام من صفد المؤذن قبل انفجار الصبح، وساق منها في جماعته حتى وصل إلى المزة قبل الظهر، وهذا سوق عظيم لا يفعله غيره، لأن دمشق عن صفد مسافة يومين وأكثر، ثم إن الطريق محجر ووعر، لا يتمكن الفارس أن يسوق فيه. ولما أمسكه - على ما تقدم في ترجمة تنكز - وجهزه إلى باب السلطان مقيداً دخل إلى دمشق، ونزل في النجيبية وحدثته نفسه بنيابة الشام، فورد إليه المرسوم بالتوجه إلى باب السلطان، فسار إليه من صفد على البريد، ولما وصل إليه شكره وأمر له بنيابة حلب، فورد إليها، وأقام بها نائباً، إلى أن خلع الملك المنصور أبو بكر، وولي الملك الأشرف كجك، وطلب الناصر أحمد إلى القاهرة، فامتنع، وجهز الفخري لمحاصرة الكرك، فلما بلغ ذلك طشتمر قام وقعد، وقلق لذلك قلقاً زائداً واضطرب اضطراباً عظيماً، وقال: هذا أمر ما أوافق أنا عليه أبداً، لأننا حلفنا لأستاذنا ولأولاده من بعده غير مرة، ولما أمسكنا تنكز، حلفنا له ولهم، والسلطان قد مات، وهذا سيدي أحمد في الكرك ووالده أعطاه إياها، فكيف يليق بنا - معاشر مماليكه - أن نخلع ابنه الواحد من ملكه الذي نص عليه، وقرره، ونهجج أولاده وحريمه إلى قوص، ونحاصر ولده الأكبر في الكرك، أيش يقول العدو عنا ؟! وسير كتبه بهذه المادة، وما جرى مجراها إلى قوصون وإلى الأمراء الكبار وإلى ألطنبغا نائب دمشق، وتواتر منه ذلك، وتحامل عليه ألطنبغا، واتفق مع قوصون أنه يتوجه إلى محاربته بعسكر دمشق وإمساكه أو طرده، فجرى ما ذكرته في ترجمة ألطنبغا. ولما برز طشتمر من حلب، وعلم أن ما في يده من أمراء حلب شيئاً خرج من حلب، وترك خزانته وحواصله بها، وحمل ما يقدر عليه من الذهب الفضة والحوائص وما أشبه ذلك، ولحقه بعض عساكر حلب، وما أقدموا عليه وجعل كلما مر على قلعة من حصون حلب ناوشه عسكرها القتال، وهو يخلص من الجميع، ودخل إلى الروم في أمطار عظيمة وثلوج زائدة، وبقي هناك إلى أن ملك الفخري دمشق، وانهزم ألطبنغا ومن معه إلى مصر، على ما تقدم. وكتب الفخري إلى الناصر أحمد يطلب حضوره إلى دمشق، فشرع يدافعه من وقت إلى وقت، حتى فهم عنه أنه ما يحضر إلا بعد حضور طشتمر، فجهز الفخري البريد إلى أرتنا حاكم الروم، واجتهد في حضور طشتمر كل الاجتهاد. فلما كان في شهر رمضان، وصل طشتمر إلى دمشق، وكان قد خرج من حلب في أوائل جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، وقاسى في الطرقات مشاق ومصاعب، ونجا من الموت مرات. ثم إن الفخري وطشتمر توجهوا بالعساكر الشامية، ولما وصلوا إلى غزة بلغهم أن الناصر أحمد توجه من الكرك إلى القاهرة، فدخلوا إلى مصر بعده، وأقبل عليهما وقررا له الملك تقريراً ما فرح به غيره، لاجتماع العساكر بمصر والشام والقضاة بمصر والشام والخليفة، وكان يوماً عظيماً، قل أن وقع في مصر مثله، ثم إنه قرر طشتمر في نيابة مصر، وبعث الفخري إلى دمشق نائباً. فأقام وطشتمر في النيابة تقدير أربعين يوماً، وعمل النيابة بعظمة زائدة إلى الغاية القصوى، وتحجر على السلطان زائداً، ومنع الناس من الدخول إليه فصبر السلطان عليه، إلى أن خرج الفخري إلى الشام، وتوسط الرمل، وطلب طشتمر، فدخل إليه فأمسكه في القصر عنده، وجهز ألطنبغا المارداني في الحال وغيره لإمساك الفخري، وخرج السلطان من القاهرة، وتوجه إلى الكرك، وأخذ طشتمر معه معتقلاً، وجهز إلى ألطنبغا ليجهز الفخري إليه إلى الكرك، فوصل إليه، وجعل الاثنين في الاعتقال بقلعة الكرك، فأقاما مدة يسيرة، فقيل: إن السلطان بات برا الكرك ليلة، وأنهما كسرا باب محبسهما، وخرجا منه، وجاء الخبر، فأمر بإحضارهما إليه، وضرب عنقهما بالسيف صبراً، رحمهما الله تعالى.
وقلت أنا فيه؛ لما قتل - رحمه الله تعالى - :
طوى الردى طشتمراً بعدما ... بالغ في دفع الأذى واحترس
عهدي به كان شديد القوى ... أشجع من يركب ظهر الفرس
ألم تقولوا حمّصاً أخضرا ... تعجبّوا بالله كيف اندرس

وقد بسطت ترجمته في تاريخي الكبير أكثر من هذا، وهو الذي عمر الحمامين المليحين اللذين في الزريبة بالقاهرة، وعمر الربع العظيم الذي في الحريريين داخل القاهرة، وعمر حماماً حسناً بصفد، وقال بهاء الدين الرهاوي لما اجتمع بالفخري في دمشق:
قد أقبل الفخري في موكبٍ ... أعاذه الله من العين
والحمّص الأخضر في فرحة ... لأجلها صار بقلبين
طشتمر


طلليه، الأمير سيف الدين، بالطاء المهملة وبعدها لامان متحركان بالفتح وبعدما ياء آخر الحروف ساكنة وهاء، إنما عرف بهذا لأنه كان إذا تكلم بشيء قال في آخره: طلليه، كأنه يغني بها.
كان من المماليك الناصرية، وعظم أخيراً في أيام المظفر حاجي، وجعل أمير سلاح، وهو من أمراء المشور، والذين يكتبون إليهم نواب الشام قرين مطالعات السلطان.
ولم يزل في هذه الرتبة إلى أن صار ربع الحياة من طلليه طللا، وحمل إلى قبره وقد نشرت الرحمة عليه ظللا.
لأنه توفي - رحمه الله تعالى - في طاعون مصر في شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ططق



الأمير سيف الدين الأحمدي، نسبةً إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي؛ أمير جاندار، وقد تقدم ذكره في مكانه.
كان عارفاً خبيرا، درباً بالأمور لا كمن لا يعرف قبيلاً ولا دبيرا، يكتب فيكبت حساده، ويقرأ فيرقا ويعلو أضداده، استراح به أرغون الكاملي مدة نيابته لما كان له دوداراً، ورأى من العز والعظمة ما لم يره كسرى ولا دارا، وعمل النيابة بالرحبة جيدا، وكان من العربان منصوراً مؤيدا، فابتسم به ذلك الثغر بعد قطوبه، ومعاناة كروبه، ومداناة حروبه. إلى أن جاءه الأمر الذي لا تمنع منه الحصون، وأذاع من حينه السر المصون.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
كان المذكور من مماليك الأحمدي، أمير جاندار، ولما تأمر الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، أخذ جماعة من مماليك الأحمدي، فكان هذا ططق المذكور دواداره، وكان عاقلاً خبيراً مهذباً مدرباً، فاستراح به الكامل في نيابة حلب ودمشق، وكان بدمشق أمير عشرة، ولما عادوا إلى حلب ثانياً من دمشق أعطي إمرة طبلخاناه، ولما طلب الكاملي إلى مصر، توجه معه، وأمسك الكاملي على ما تقدم في ترجمته، بقي بطالاً مدة، ثم إنه أعطي طبلخاناه، وجهز إلى دمشق، فحضر إليها، وعرض جنده بدار السعادة في رابع عشر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وأقام بدمشق قليلا، ثم طلب إلى دمشق قليلا، ثم طلب إلى مصر، وعاد صحبة السلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن حاجي، لما وصل دمشق في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر، ولما كان بعد عيد رمضان ألبس الأمير ططق تشريفاً، وأعطي تقدمة ألف، وجهز إلى الرحبة في أوائل شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة. وكان بها نائباً، فسد ثغرها، وشد أمرها، ومنعها من أذى العربان إلى أن توفي، رحمه الله تعالى.
وكان يودني، ويثني علي ثناء كثيراً، ولم أجتمع به، وكتبت إليه، وهو بحلب لما أظفرهم الله تعالى بأحمد الساقي وبكلمش وبيبغاروس وقراجا بن دلغار قصيدةً وهي:
يا حسنه لمّا رمق ... لم يبق في جسمي رمق
أحوى اللّواحظ ناعس ... أنفى جفوني بالأرق
حلو المقبل باردٌ ... ملأ الجوانح بالحرق
حسد الصباح جبينه ... لضيائه حتّى انفلق
فالورد مثل خدوده ... وعليه كالطّلّ العرق
والثغر ليلٌ صبحه ... فرق وفي الخدّ الشّفق
شكري ليالي وصله ... شكر العفاة ندى ططق
فهو الدوادار الّذي اص ... طبح الفضائل واغتبق
أفعاله من حكمةٍ ... تجري على نسق اليسق
وسكوته لسكونه ... وإذا تكلّم قال حق
كم مسلمٍ بيراعه ... بين الأنام قد ارتزق
وإذا برى أقلامه ... أبدى الأزاهر في الورق
تغنى الملوك برأيه ... إن حان أمرٌ أو طرق
أثنى العدوّ عليه حت ... ى قال حاسده صدق
تشكو دمشق فراقه ... فنسيمها بادي القلق


يعتّل عند هبوبه ... وله الغدير صفا ورق
وكأنّ نشر رياضها ... منه استعار أو استرق
طوبى لمن بجنابه ... قد لاذ يوماً واعتلق
من يمن طلعته وهي ال ... أعدا وصاروا في وهق
أرأيت أحمد إذ غدا ... في نار بكلمش احترق
وأتى كذلك بيبغا ... فتلاهما عطف النسق
حزّت رؤوسهم وذ ... لك من عجائب ما اتفق
مرقوا من الدين الحني ... ف لذاك راحوا في المرق
وتمام كلّ مسرّةٍ ... إمساك من منهم أبق
هذا قراجا الغادر ال ... باغي على كل الفرق
وافى لمصرع حينه ... وبحبل طغواه اختنق
كم هز رمح رزيّة ... وسهام بغي قد رشق
مات الملوك بغصّةٍ ... منه وعمّهم الشرق
قد كان فرعون الوغى ... لكن تداركه الغرق
بسعادة سيفية ... أعطاكها رب الفلق
لم تسر قط لغارة ... إلا ونصرك قد سبق
وكأن ذكرك في الملا ... مسك تأرج وانفتق
فاسلم ودم في نعمة ... ما هب ريح أو خفق
طغاي


الأمير سيف الدين الكبير.
لم يكن في مماليك أستاذه من حاز جماله، ولا بلغ القمر كماله، ولا ملك الرمح قده، ولا رأى السيف مضاء جفنه ولا حده، وكان شاباً أبيض طويلا، لا تجد العيون لجماله نداً ولا مثيلا، قد فات الوصف، وفاق ثغره عقد الجوهر في الرصف.
وأما مكانته فما ملكها في وقته أحد ولا حازها، ولا داناها فضلاً عن أن يكون جازها. كان السلطان يكون مع خواصه يمزح، ويجول في ميدان خلوته ويمرح، حتى يقال: جاء طغاي، وكل منهم ينزوي، ويميل إلى مكانه المعروف به وينضوي، وكان يضع يده في حياصة أكبر الخواص، والذي لا يجد السلطان عنه مناص، ويخرج به إلى برا، ويرميه إلى الأرض، ويضربه مئتي دبوس، وهلم جرا. هذا والسلطان يرى ويسمع، وماله إلى خلاص ذلك نظر يطمح، ولا أمل يطمع، وحسبك أن تنكز ما كان يطير إلا بجناحه، ولا يتوصل إلى نيل مقاصده إلا بنجاحه.
ولم يزل على حاله إلى أن زالت سعادته، وفرغت من الإقبال عليه مائدته، فاستحال عليه وما استحيا، وأعرض عنه ولم يسمع فيه لوماً ولا لحيا، وأخرجه إلى صفد، وأحوجه بعد العطاء الجزيل والصفد، وبعد قليل أخذه من صفد في صفد، وعمد إليه سيفاً، فأغمده في جفن حبسه، وفقد الناس مثله في أبناء جنسه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في الإسكندرية.
وكان سبب تغيره عليه أمور منها أنه لما مرض السلطان احتاج إلى أن يحلق رأسه، فحلقه، وحلق مماليك السلطان رؤوسهم، ولم يحلق طغاي ذؤابته، وكانت سوداء طويلة، مليحة إلى الغاية، ثم إنه طلب كلاً منهم على انفراد، وقال له فيما بينه وبينه. يكون نظرك على أولادي وحريمي ومماليكي؛ فأنت الذي يتم لك الأمر بعدي. فكل منهم تنصل، وبكى، وقال: هذا أمر لا يكون أبداً، ولا أوفق عليه، والله يجعلنا فداء مولانا السلطان، ولم ير من أحد من هؤلاء المقربين إقبالاً على ما قاله، فلما قال مثل ذلك لطغاي؛ رأى منه إقبالاً، وشم من أنفاسه الميل إلى طلب الملك، فكتم ذلك في باطنه، وأخرجه إلى صفد نائباً في ثالث عشري صفر سنة ثماني عشرة وسبع مئة، فحضر إليها يوم الخميس ثاني شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وأقام بها تقدير شهرين، وحضر الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي على البريد، وقال له: قد رسم لك بنيابة الكرك، فبات على ذلك، وجهز إليه له، وكان مع مغلطاي كتب السلطان إلى أمراء صفد بإمساكه، فلما كان يوم الخميس، ركب عسكر صفد، ووقفوا في الميدان، فلما علم ذلك قال: يا خوشداش، عليك سمع وطاعة لمولانا السلطان. قال: نعم. وحل سيفه بيده، فأحضر له القيد، وقيد، وتوجه به إلى مصر، وقد رأيته وقد خرج من دار النيابة بصفد، ليركب البغل الذي أحضر له، وكلما هم بالركوب تعلق فيه مماليكه، ومنعوه من الركوب، وبكى هو، وبكوا، وفعلوا ذلك مرات، وهو من طول قامته ظاهر عنهم ببعض صدره، وكان وجهه مبدعاً في الحسن، بارعاً في الجمال.


وتوجه به إلى إسكندرية، وذلك في ثامن جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان آخر العهد به، وقبره ظاهر في إسكندرية في تربة يزوره الناس كما يزورون قبور الصالحين. وهو الذي عمر الخان الذي للسبيل بالقصير المعيني - رحمه الله تعالى - .
ولما وصل إلى صفد كان الأمير سيف الدين تنكز يجهز إليه كل يوم والثاني حملي فاكهة وحلوى وكذلك الصاحب شمس الدين غبريال، ما أخلا بذلك مدة مقامه بصفد، وحضر إليه يوماً بريدي وعلى يده كتاب من الأمير سيف الدين تنكز على العادة، فيما كان يكتب به إلى نواب الشام في مهمات الدولة، فلما رأى الكتاب رمى البريدي إلى الأرض، وضربه مئتي عصاً، وقال: والك ! أنا إلى الآن ما برد خدي من ركبة السلطان وفخذه، وصار تنكز يأمر علي، وينهي.
وقال يوماً للأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الديوان بصفد: والله، أنا مالي عند السلطان ذنب أخافه، ولا أخشاه، ولكن أخشى ممن يستشيره في أمري، فإنا كنا إذا استشارنا في أمر أحد قد غضب عليه نقول: يا خوند، اقتله. فأنا أخشى من مثل هؤلاء محاضر السوء.
وقلت - وقد داخلتني رقة عظيمة - وقد رأيته ومماليكه يودعونه:
تشفّى مماليك المليك بحادثٍ ... ألمّ بمن عنه الثّناء يطيب
وقالوا: طغى فينا طغاي وما طغى ... ومن أين للوجه المليح ذنوب
طغاي


ابن سوتاي، هو الحاج طغاي بن النوين سوتاي.
لما توفي سوتاي والده، وثب على الحكم على التومان الذي بديار بكر علي باشاخال بوسعيد، فحاربه الحاج طغاي غير مرة، وانكسر الحاج طغاي غير مرةً، ويعود إلى حرب علي باشا، وما يعود عنه إلى أن قال علي باشا: ما رأيت أقوى من وجه هذا، ولكن هذا حمار حرب.
ولم يزل بعد قتل علي باشا في محاربة قوم بعد قوم من التتار، وهو ملاحظ المسلمين متحيز إليهم، إلى أن قتله إبراهيم شاه بن بارنباي أخيه على ما تقدم في ترجمة إبراهيم شاه، وجاء الخبر بقتله من نواب الثغور والأطراف في يوم عاشوراء سنة أربع وأربعين وسبع مئة. وحز إبراهيم شاه رأسه بيده.
كان المذكور حمار حرب، وحمال طعن وضرب، لا يرجع عن القتال ولا ينثني، ولا يطأطئ رأسه لرزية ولا ينحني، إلى أن غدر به ابن أخيه، وشده في أواخيه، ولم تنفعه قرابه، وما جرد سيفه إلا أن يكون عنق عمه قرابه، فأصبح بين قومه مخذلا، وأمسى على التراب مجدلا، على أنه كان ردءاً للمسلمين، وبدءاً وعوداً في الذب عن المؤمنين، فالله يرحمه قتيلا، ولا يحرمه من أجره نقيراً ولا فتيلا.
طغاي



مملوك الأمير سيف الدين تنكز وأمير آخوره.
كان في آخر وقت قد تمكن من أستاذه تمكناً زائدا، وأصبح لولا الخوف من السلطان جعله للجيوش قائدا، وكان لا يخالفه في أمر، ولا يرجع إلى غير رأيه بخلاف زيد ولا عمرو، فكان هو وسيف الدين جنغاي المقدم ذكره - قد استحوذا على عقله، ومن سواهما عنده أخبر بنقله، على أن طغاي وجنغاي لم ير الناس منهما إلا ما أحبوه، ولم يحركا على أحد ساكناً، وإن كان الناس قد أوقدوا جمر الفتن، وشبوه.
وما زال عند مخدومه في مكانة تسفل زحل عن تربها، وتصغر الشمس عن أن تكون في رتبة تربها، إلى أن أمسك، وقيل له: بعيد بين يومك وأمسك، ففصل السيف جسده نصفين، وكان ألفاً واحداً فأصبح ألفين.
وكان ذلك في المحرم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
يقال عن هذا طغاي: إنه خلص من أستاذه من الإقطاعات في الحلقة الأويراتية والوافدية ألف إقطاع، والسلطان نقم عليه ما نسب إلى أستاذه، وكان أولاً إذا راح في البريد إلى مصر أكرمه، وعظمه، وخلع عليه الخلع السنية، وأنعم عليه الإنعامات الوافرة، ولكن سبحان من لا يتغير، ولا يحول ولا يزول.
وكان قد حصل أموالاً عظيمة، فأخذت ونهبت، ووسطه الأمير سيف الدين بشتاك في سوق الخيل يوم الموكب، ووسط خوشداشة جنغاي على ما تقدم.
طغاي



الخوندة الكبرى زوج السلطان الملك الناصر وأم ابنه آنوك المقدم ذكره، وكانت جاريته أولاً، ثم إنه أعتقها، وتزوجها، وقيل: إنها أخت الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد المقدم ذكره.
كانت بديعة الحسن، باهرة الجمال الذي لا يطيق وصفه القالة اللسن.


رأت من السعادة، ما لا يراه غيرها من زوجات ملوك مصر الذاهبات، وتنعمت في ملاذ ما وصلت إليها يد الناهبات، لم يدم على محبة أحد غيرها، ولا نأى قسه عن ديرها، ولا عقل مجنونه عن ليلاها، ولا وقفت به جمال غرامه إلا في عقبة إيلاها، لأن نياق أشواقه؛ كانت كثيرة الشرود، سريعة الانتقال والانفتال عن مراعي زرود، وكانت فيما بعده معظمةً في كل دوله، مكرمة في كل زمان أحال الله حوله.
ولم تزل كذلك إلى أن كسفت شمسها وهانت في الثرى بعدما عز على كف الثريا لمسها.
وتوفيت - رحمها الله تعالى - في شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
كانت هي الخوندة الكبرى بعد بنت نوكاي، وهي أكبر الزوجات، مقدمة حتى على ابنة الأمير سيف الدين تنكز.
حج بها القاضي كريم الدين الكبير، واحتفل بها، وحمل لها البقل في محائر طين على ظهور الجمال، وأخذ لها البقر الحلابات، تكون معها في الطريق؛ ليؤخذ لبنها ويجبن، ويصنع لها في الغداء والعشاء المقلو السخن، وناهيك بمن وصل إلى هذين النوعين البقل والجبن، وهما أحسن ما يذكر، فما عساه يكون بعد ذلك. ثم إنه حج بها الأمير سيف الدين بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، إلا أن هذه الحجة دون تلك.
أخبرني من لفظه القاضي علم الدين بن قطب الدين ناظر الجيوش، وكان أولاً مستوفي ديون تنكز، قال: إذا جهز الأمير - يعني تنكز - إلى مصر تقادم ما يكتب على أحد شيئاً، إلا على السلطان وعلى قوصون وعلى الخوندة طغاي. وبالجملة فقد رأت ما يراه غيرها، وعظمت بعد زوجها في أيام ملوك مصر أولاد زوجها كثيراً إلى الغاية، إلى أن توفيت - رحمها الله تعالى.
طغاي تمر


الأمير سيف الدين الناصري الساقي.
لم يكن بعد طغاي الكبير أحسن منه، ولا من يروي القمران الجمال البارع إلا عنه. وكان طغاي تمر هذا أظرف وأمشق، وما تدري إذا نظر إليك أسلبك فؤادك أم شق، وطغاي كان أبيض مشرباً حمره، وهذا مع حمرته تعلوه سمره، مع لطف الحركة إذا تثنى، وخفة الهيف، فلولا جوارح طرفه غرد الحمام على غصن قده وتغنى.
زوجه السلطان ابنته، وكان في وقته منيته ومحنته، فهو أحد الأربعة الذين يبيتون عند السلطان، وتخرب بهم الدور وتعمر بهم الأوطان. وكان ساكناً عاقلاً مهيبا، وادعاً للشر لبيبا، وما كان يلازم السلطان مثل غيره، ولا يتطرح عليه، ولا يرى الناس أنه ممن يشار إليه.
ولم يزل راقياً في مطالع سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن خسف قمره، وذوى من غصنه ثمره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، أو أواخر سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ولما زوجه السلطان ابنته، لم يعمل له زفة، لكنه رسم للقاضي تاج الدين إسحاق ناظر الخاص أن يعمل ورقه بمكارمة الأمراء لقوصون في عرسه، فعمل بها ورقة وأحضرها إلى السلطان، فقال: كم الجملة. قال: خمسون ألف دينار. فقال: أعط نظيرها لطغاي تمر، فإنا عملنا له زفة قال الأمراء: هؤلاء يصادروننا بحسن عبارة.
وكان أحد الأربعة الخواص المقرين هو وبكتمر الساقي وقوصون وبهادر التمرتاشي.
ولما توفي - رحمه الله تعالى - وجد السلطان عليه وجداً عظيماً، وكتب إلى تنكز يعرفه بموته في جملة كتاب، فذهل هو وكاتب السر عن الجواب عن هذا الفصل، فجاء الجواب من السلطان إلى تنكز بالإنكار عليه، وقال: أكتب إليك أعرفك بموت صهري، وما تجهز الجواب إلي عن ذلك، ولا تعزيني فيه.
طغاي تمر



الأمير سيف الدين النجمي الدوادار.
كان دوادار الصالح إسماعيل والكامل شعبان والمظفر حاجي. كان من أحسن الأشكال وأتمها، وأبدع الوجوه وأجملها في بسطها وضمها، مديد القامه، يكاد إذا خطا تسجع عليه الحمامه، تقدم في الدول؛ وصارت له وجاهة وعظمه، ونضد السعد دره على جيده ونظمه، وخدمه الناس وقدموا، وعكموا الحمول إلى بابه وقدموا.
ولم يزل على حاله إلى أن عبث به أغرلو فيمن عبث، ولم يقدر على دفع حادث حدث منه، ولا على إزالة خبث ولا خبث، فأخرجه إلى الشام، وألحقه بمن أخذه في غزة على غره، وأجراه على عادة سفكه المستمره، وفصل رأسه عن جسده، وشفى منه غلة غيظه وحسده، وذلك في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.

وطغاي تمر هذا أول دوادار أخذ إمرة مئة، وتقدمة ألف، وذلك في أول دولة المظفر، وعمر في الأيام الصالحية الخانقاه التي أنشأها برا باب المحروق ظاهر القاهرة، وهي مليحة إلى الغاية، وعمر الدار التي ... .
ولما كانت واقعة الحجازي وآقسنقر وأولئك الأمراء - على ما تقدم في ترجمة آقسنقر - رمى هو سيفه بنفسه، وبقي بلا سيف بعض يوم في أيام المظفر، ثم إن السلطان أعطاه سيفه واستمر به في الدوادارية على عادته، ثم لما كان بعد شهر أخرج هو والأمير نجم الدين محمود بن شروين الوزير والأمير سيف الدين بيدمر البدري على الهجن إلى الشام، ثم إنه لحقهم الأمير سيف الدين منجك، وقضى الله أمره فيهم هناك - رحمهم الله أجمعين - وذلك بتدبير أغرلو المقدم ذكره.
؟


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 18 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 07:02 AM ]


طغجي

بالطاء المهملة والغين المعجمة والجيم: الأمير سيف الدين الأشرفي مملوك الملك الأشرف خليل بن قلاوون.
كان خليل مولاه خليل، وحبيب مخدومه الجليل، أمره وقدمه، وخرب به ربع غيره وهدمه وحوله إلى الإمرة وخوله، ومد يده في الخزانة فمد باعه وطوله، وأعطاه النفائس، وكان به يفاخر القمرين ويقايس، ولكنه زالت سعادته العظمى بعد مخدومه الأشرف، وبالغ في التوقي والحذر وأسرف، إلى أن اعتورته الصوارم والذوابل، وهبرته وألقي على المزابل، وذلك في سنة ثمان وتسعين وست مئة في شهر ربيع الآخر.
كان قد استمر على إمرته بعد قتلة الأشرف في الدولة العادلية كتبغا، وفي الدولة المنصورية لاجين، فقام وقعد لحينه، وكان لما قتل كرجي الملك المنصور حسام الدين لاجين توجه طغجي إلى دار نائبه منكوتمر، ودق عليه الباب، فأخرجوه، فعلم أنهم قد قتلوا أستاذه، فاستجار بطغجي فأجاره، وحلف له، ثم إنهم توجهوا به إلى الجب، فاغتنم كرجي غفلة طغجي، وأطلع منكوتمر من الجب وذبحه. واتفقوا على إحضار الملك الناصر محمد من الكرك للملك، وأن يكون طغجي نائباً له، وحلفوا له على ذلك فبقي في النيابة أربعة أيام، فلما قدم الأمير بدر الدين بكتاش من تجريدة حلب ومن معه من الأمراء طلع طغجي وكرجي وغيرهما لملتقى الأمراء برا القاهرة، فلما التقوا تباله عليهم أمير سلاح وقال لطغجي: كان عادة السلطان يطلع إلينا ويتلقانا. فقال: وأين هو السلطان ؟ قد قتلناه. فعرج بفرسه عنه، وقال: إليك عني، أكلما قام للمسلمين سلطان، وثبتم عليه، وقتلتموه ! فاعتوره أعوان السلطان الذي قتل بالسيوف، وقتلوه ظاهر القاهرة، ورمي على مزبلة هناك، وحجه الخلائق للفرجة والعبرة، ثم إنه دفن بتربته، وقد نيف على الثلاثين.
ومن حلاوة شكله وظرفه ومحاسنه أطلع الناس تفاصيل قماش وسموها طغجي. ويقال: إنه كان بخدمة الأشرف في البلاد الحلبية، فمر السلطان بقرية جيلان، فقال له: ما اسم هذه القرية يا طغجي ؟ فقال له: جيلان، فقال له السلطان: اقعد. فنزل عن مركوبه، وقعد على الأرض، فقال له السلطان: قم، واركب. فقال: السلطان رسم بالقعود وما أقوم. فقال: قم، وخذها لك، فباس الأرض ورجله، وركب معه.
طقتمر



المير سيف الدين الصلاحي الناصري.
كان فيه عسف وجور، وله تسلسل على أموال الناس ودور، لا يرحم من بكى، ولا يسمع من شكى، تردد تكراره إلى الشام، وتحدد استكباره، واستكثاره في كل عام، إلى أن أراح الله من عتوه، وأزاح ما يكابده الناس من غلوه في الظلم وعلوه.
ومالت النوائب إليه وهو في حمص نائب، وأصابته المنية بسهم المصائب، وذلك في سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
كان أميراً في أواخر الأيام الناصرية محمد، وحضر في خدمة بشتاك لما قدم للحوطة على موجود تنكز، ثم توجه معه إلى القاهرة ولما خلع المصريون الناصر أحمد، وأقاموا الصالح، ورد هو في البريد للبشارة، وحلف العساكر. وعاد وتقدم في الأيام الصالحية، وحضر إلى الشام لتحصيل الهجن والنياق والشعير برسم الحجاز من دمشق وحلب وحماة، فثقلت وطأته على الناس، وبطل ذلك بموت الصالح - رحمه الله تعالى - ، فعاد إلى القاهرة، وتقدم عند الكامل شعبان، وحضر إلى دمشق، واستخرج منها ثماني مئة ألف درهم لأجل حج الكامل، وضيق على الناس، ومنع أن يصرف لأحد شيئاً من الأموال، وقبضها وتوجه بها إلى القاهرة، واختص بالكامل كثيراً، فلما خلع الكامل وملك المظفر حاجي أخرجه إلى حمص نائباً، فتوجه إليها، وأقام بها قريباً من أربعين يوماً، وتوفي - رحمه الله تعالى.


طقتمر

الأمير سيف الدين الأحمدي، يعرف في بيت السلطان بطاسه. لما أمسك الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد جعل هذا مكانه في الأستاذ دارية أيام المنصور أبي بكر.
كان رجلاً عاقلا، ناقماً على من نبذ عهده ناقلا، ولي نيابات عديدة، واستجلى من كل ناحية وجه خريده، وما فارق بلداً إلا وأهلها بالخير يذكرونه، ويدعون له ويشكرونه، فما كان إلا طاسةً بالخير تقلب، وتفرغ الحسنة على الناس وتغلب.
ولم يزل إلى أن نقر الموت طاسة فطن، وحقق العدم منه ما ظن.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وكان قد أخرج أولاً إلى نيابة صفد، فأقام بها مدة، وجهز بعدها إلى حماة نائباً بعد الأمير علم الدين الجاولي، وأقام بها إلى أن حضر الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي إلى دمشق نائباً، فتوجه هو إلى حلب نائباً عوضه، فأقام بها نائباً إلى أن برز اليحيوي إلى ظاهر دمشق في أيام الكامل، وجاء إليه جميع نواب الشام، إلا طقتمر طاسه، فإنه لم يحضر إليه، ونقم ذلك عليه، ولما انتصر يلبغا، وولى المظفر حاجي كتب يلبغا فيه، فعزل من نيابة حلب، وتوجه الأمير سيف الدين بيدمر البدري عوضه إلى حلب، وطلب الأحمدي المذكور إلى القاهرة، فأقام بها أميراً بقية السنة، وجاء الخبر بوفاته - رحمه الله تعالى - .
طقتمر



الأمير سيف الدين الشريفي السلاح دار.
كان المذكور بدمشق أميرا، ومحله بها يراه الناس أثيرا، أقام بها مدة وهو في عافية وصحة كافيتها شافية إلى أن ضعف بصره، ودخل تحت الشعاع قمره، وكان يمشي وبين يديه مملوك له يعرفه بالناس لأجل السلام ومشاغلتهم بما عنده من الكلام، إلى أن انكف ناظراه، ومحي قمراه، فانقطع بعد ذلك في بيته تقدير أربع سنين، وجاءه ما نسي به عماه، وود أهله لو دام لهم أنسه في حماه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر شوال سنة خمسين وسبع مئة. وكان يسكن جوا باب الصغير عند بيت الصاحب شمس الدين، وخلف ولدين، يخالهما الناظر في سماء الحسن فرقدين.
طقتمر



الأمير سيف الدين النائب ببهسنا.
كان من مماليك الأمير سيف الدين جركس نائب قلعة الروم، أفردت له نيابة الرها، وأقام فيها مدة، إلى أن ورد الأميران سيف الدين شيخو وسيف الدين طاز في واقعة بيبغاروس إلى حلب، فرسم له بنيابة بهسنا، فأقام بها نائباً إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - ببهسنا، وجاء البريد بموته إلى دمشق في شهر المحرم سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
وكان شجاعاً شهماً مقداماً، وفيه تودد وخدمة للناس.
طقصبا



الأمير سيف الدين المؤيدي، مملوك الملك المؤيد صاحب حماة.
وكان المذكور من بعض أمراء حماة، وصهر أستاذه الملك الأفضل، لأن المؤيد زوجه ابنته في حياته، لأنه اشتراه صغيراً، ورباه، وأحسن تربيته، فأنتشأ نشأة سعيده، وسلك طريقة حميده، وكان تام العقل، صادق النقل، جيد السياسه، كامل النفاسه، له وجه يستحي البدر من رؤيته، وتظهر على الغصن كسرة من خطرته، بعيون لو رقرقها لنوء الثريا لاستهل، أو رنا إلى الأسد لاستذل، مديد القامه، ظريف الهامه، من رآه أحبه بديها، وعلم أنه لا يجد له شبيها.
ولم يزل على حاله، إلى أن هصرت يد الموت ثمر غصنه، وأنزلته من منيع حصنه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
وكان محبوباً إلى أستاذه، يعظمه كثيراً، ويرسله في مهماته إلى السلطان، ويجهز تقادمه معه وأقواده، فيقبل السلطان عليه، وينعم عليه، ويؤثره، ويختاره، بخلاف باقي خوشداشيته، ولما مات المؤيد استمر على إمرته في خدمة الأفضل ابن أستاذه، وكان خوشداشه الأمير سيف الدين أرغون الأفضلي بطالاً بدمشق، فأنعم عليه بإقطاع خوشداشه طقصبا، فتوجه من دمشق إلى حماة.
طقزتمر



بضم الطاء المهملة والقاف وسكون الزاي وفتح التاء ثالثة الحروف وضم الميم وبعدها راء: الأمير الكبير المقدم سيف الدين الناصري.

كان أمير مئة مقدم ألف، قديم الهجرة في دولة الناصر، معظماً فيها يشار إليه بالأصابع، وتعقد عليه الخناصر، كثير الأدب والحياء، عديم المحاباة والرياء، لم يكن يتحيز في أيام أستاذه إلى فئة قط، ولم يمتد له لسان فضول فيحتاج لقط، لا جرم أنه تقدم من تقدم وتأخر، وسبق من سبق وعثر، وهو في ميدانه إمام البرق المتألق في السحاب المسخر، وحصل الأملاك العتيده، وأصل الأموال العديده، ولم يكن أحد يضاهيه، ولا يظاهره ولا يضافيه. صاهر ملكين، وظواهر بعلو مجده فلكين، ونص السلطان على أنه يكون بعده بمصر نائبا، ثقة منه أن الزمان يجيء إليه من الذنوب تائبا، وناب بمصر وحماة وحلب ودمشق، وأعمل أقلامه في العلائم بالمد والمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن لفته الأرض في ملاءتها وصحنته المنية في صلاءتها.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في تاسع جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
وكان الأمير سيف الدين طقزتمر أولاً مملوك المؤيد صاحب حماة، وقدمه للسلطان، وأقبل عليه، وقدمه، وأمره، وما كان يعد نفسه في بيت السلطان إلا غريباً، لأنه لم يكن له خوشداش يعتضد به. ولم يزل كبيراً معظماً من طبقة أرغون ومن بعده إلى آخر وقت، تقلبت عليه ثلاث أربع طبقات وراحت، وهو على حاله، لم يتغير عليه السلطان قط.
وهو الذي ينسب إليه حكر طقزتمر ظاهرة القاهرة، وفيه الحمام المليح، وله الربع الذي برا باب زويلة، وكان أولاً يعرف بدار التفاح، وله غير ذلك.
وزوج السلطان ابنته بابنه الملك المنصور أبي بكر، وتزوج ابنته الأخرى الملك الصالح إسماعيل، وجاء في خطبتها إلى دمشق الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، وأوصى السلطان بأن يكون بعده نائباً، فلما أحضر له المنصور التشريف بالنيابة اقتنع، فقال له: كنت امتنعت لما وصى السلطان بذلك ؟ ولم يزل بمصر نائباً ذينك الشهرين مدة سلطنة أبي بكر إلى أن جرى ما جرى وخلع.
ولما تولى الأشراف كجك طلب طقزتمر نيابة حماة، فأمروا له بها، وكان بها إذ ذاك الملك الأفضل محمد بن المؤيد، فأخرج الأفضل من حماة إلى دمشق، وحضر طقزتمر إلى حماة نائباً، فهو أول من خرج إليها نائباً بعد صاحبها الأفضل. ولقد سمعت الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب دمشق يقول في دار عدله، وقد جاء الخبر بذلك: كل شيء تزرعه تحصده، إلا ابن آدم إذا زرعته حصدك، هذا طقزتمر مملوك بيت أصحاب حماة قدموه لأستاذنا، وزرعوه بذلك فحصدهم، وأخرجهم منها.
ولم يزل بحماة مقيماً إلى أن تحرك طشتمر في حلب، وسأله أن ينضم إليه، فتوجه إليه إلى بعض الطريق، ولما خرج ألطنبغا من دمشق وعلم بذلك أرسل إليه، فعاد من أثناء الطريق إلى حماة ولما بلغ طشتمر ذلك ضعفت نفسه، وهرب إلى بلاد الروم - كما تقدم - ولم يزل طقزتمر بحماة إلى أن بلغه وصول الفخري إلى دمشق، ونزوله على خان لاجين، فأرسل إليه، فحضر إلى عنده، وقوي جأش الفخري بذلك، ولم يزالا على خان لاجين إلى أن حضر ألطنبغا، وهرب، ودخل الفخري وطقزتمر إلى دمشق، وتوجه هو والأمير بهاء الدين أصلم وغيرهما من الأمراء الكبار إلى الناصر أحمد بالكرك، ليحضر إلى دمشق، فامتنع من الحضور، ثم إنه توجه مع العساكر الشامية إلى مصر، وأقام بمصر إلى أن جرى للناصر أحمد ما جرى. وتسلطن الصالح إسماعيل، ورسم للأمير سيف الدين طقزتمر بنيابة حلب، ونقل الأمير علاء الدين أيدغمش منها إلى نيابة دمشق، وتوجه كل منهما لمحل نيابته، والتقيا على القطيفة.

ولما توفي الأمير علاء الدين أيدغمش، رسم لطقزتمر بنيابة دمشق، ونقل الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني من نيابة حماة إلى حلب، وحضر الأمير سيف الدين طقزتمر إلى دمشق، ودخلها في نصف شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وأقام بها نائباً إلى أن توفي الملك الصالح إسماعيل وتولى الملك الكامل شعبان، وحضر الأمير سيف الدين بيغرا، وحلف عسكر الشام له، وجاء معه تشريف باستقراره في النيابة على حاله بدمشق. وبعد ثلاثة أيام أو أربعة أيام ورد الأمير بيبغاروس، ليحضر إلى مصر، ويكون بها نائباً عوضاً عن الأمير سيف الدين ألملك، فلم تطب نفسه للخروج من دمشق، ومرض، وحصل له فالج وعدم نطق، وكتب مطالعةً، واستعفى فيها من التوجه إلى مصر، وأن يكون مقيماً بدمشق، وكتب إلى الأمراء، ودخل عليهم، وتشفع إليهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالخليل - عليه السلام - ، ثم إن جماعته خوفوه عقبى ذلك، فوجد من نفسه خفة، وجهز الأمير فخر الدين أياز الحاجب على البريد يسأل الحضور إن كان ولا بد في محفة لعجزه عن ركوب الفرس، ففرح السلطان بذلك، وخلع على فخر الدين أياز، وحضر بعده ثانياً الأمير سيف الدين بيبغاروس لطلبه، فخرج في محفة، وهو متثاقل مرضاً يوم السبت خامس جمادى الأولى، ووجد نشاطاً في الطريق.
ولما وصل إلى بلبيس سير ولده أمير حاج وأستاذ داره قشتمر يسألان له الإعفاء من النيابة، فأجيب إلى ذلك، ودخل إلى بيته، ولم يطلع إلى القلعة، وأقام في القاهرة ثلاثة أيام وقيل خمساً، وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
طقطاي


الأمير عز الدين الناصري الجمدار.
كان بدمشق أميراً من جملة أمرائها. وكبيراً في عداد كبرائها، فيه خير وسكون، وميل إلى أهل الفضل وركون، وجهز إلى نيابة الكرك والقيام بما فيها من الدرك، فأقام بها مدة، ثم عاد، ونسي من دمشق ما هو أقدم من عهد عاد، فجبر الله بعوده قلبه، وشد أزره وصلبه.
ولم يزل على حاله إلى أن جمدت عين الجمدار، ولم يعد له في مدى الحياة مدار.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشر شعبان سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
طقطاي



السلطان صاحب القبجاق، هو طقطاي بن منكوتمر بن سابرخان بن الطاغية الأكبر جنكزخان المغلي، ومنهم من يقول فيه: توقتقاي بتائين ثالثي الحروف بدل الطائين وزيادة قاف بعد التاء الثانية.
وكان مع كفره فيه عدل، وله جود على أهل الخير وبذل، وميل إلى من تدين من أهل الملل، ومن تظاهر بصلاح من أرباب النحل، إلا أنه كان يرجح الإسلام، ويحب الأئمة الأعلام، وكان له ميل عظيم إلى السحره، وله التفات إليهم، يعطر من الجو سحره، وكان يعظم الأطباء، ويقدم منهم الألباء. وممالكه واسعه، وحدوده شاسعه، وجيشه يربي على الرمل، ويفوق من النبات عد الخمل. جهز مرةً إلى بعض الجهات من كل عشرة واحداً، فبلغ ذلك مئتي ألف فارس، ممن يعاني الحروف ويمارس. وكان له ولد كان محياه البدر في التمام، أو الشمس إذا انجاب عنها الغمام، فأسلم، وكان يحب سماع القرآن، ولا يزال هو ومن يتلوه في قران، ومات - رحمه الله تعالى - ، قبل أبيه فذاق كؤوس العلقم لفراقه، ولم تطفئ دموعه غلة احتراقه.
ولم يزل طقطاي على حاله إلى أن أهلك الله نمروذه، وكف كف الموت مديته المشحوذه.
وكان هلاكه في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. وكانت مدة ملكه ثلاثاً وعشرين سنة، لأنه جلس على التخت وعمره سبع سنين.
ولما مات طقطاي تولى أخوه أزبك - وقد تقدم ذكره - ، وقيل إنه جرد من عسكره، من كل عشرة واحداً، فبلغ ذلك مئتي ألف وخمسين ألف فارس وكان ابنه ذلك المليح قد نوى أنه إن ملك لا يترك في مملكته غير الإسلام، فمات، وترك ابنه صغيراً، ولما مات طقطاي؛ أوصى لابن ابنه المذكور، فلم يتم له الأمر، وولي بعده ابن أخيه أزبك المذكور، وجلس على التخت في أواخر رمضان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. وهذه المملكة هي المعروفة ببلاد بركة ابن عم هولاكو، قال الفاضل علاء الدين النعمان: إن طول هذه المملكة ثمانية أشهر، وعرضها ستة أشهر. والله أعلم.
؟

طقطاي

الأمير عز الدين الدوادار.

كان من مماليك السلطان الملك الناصر، ولكنه أعطاه للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي في جملة ما أعطاه، وقال له: هذا يكون دوادارك، فحضر معه إلى حماة، وتوجه معه إلى حلب، وحضر معه إلى دمشق، ولم يفارقه إلى أن جرى ليلبغا ما جرى.
هو لطيف النفس، ثقيل الرأس، سهل القياد، صوفي الاعتقاد، حسن الأخلاق، منفعل للخير على الإطلاق، يرعى أصحابه، ويذكر أحبابه، ليس فيه شر ألبته، ولو رأى منه جزءاً حسم أمره وبته، كأنما ربي في الخوانق، ونشأ فيها، فهو شيخ العقل على أنه غرانق، كثير الرياضة والتأني، بريء من التكلف والتعني.
ولم يزل على حاله إلى أن قط عمره، وحط إلى الحضيض بدره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر المحرم سنة ستين وسبع مئة.
كان يلبغا يقول: هذا قرابتي وخوشداشي، وكان قد سلم قياده إليه، فهو النائب، وحديث الناس معه في سائر الأمور، ولم يكن يقرر شيئاً فيخالفه. أعطاه الملك الكامل شعبان. وهو بدمشق - إمرة عشرة، فكتبت إليه:
يا سيّداً ربّ العلى ... لكلّ خير يسّره
ومن حباه طلعةً ... بالبشر أمست مقمره
ومن له محاسنٌ ... ترضي الكرام البرره
تهنّ أمر إمرةٍ ... أنباؤها مشتهره
بها الوجوه قد غدت ... ضاحكةً مستبشره
تنالها كاملةً ... مضروبةً في عشره
وكان هذا القول مني تكهناً في حقه، لأنه صار فيما بعد أمير مئة مقدم ألف.
ولما خلع الكامل وجلس المظفر على كرسي الملك توجه إليه من دمشق على البريد، فرعى له حق خدمته، وأعطاه طبلخاناه، ولم يزل حظياً عند أستاذه إلى أن توجه معه في وقت خروجه على المظفر، وصارا في حماة، فأمسكه الأمير سيف الدين قطليجا الحموي نائب حماة، وجهز صحبة إخوة يلبغا إلى مصر، فجهز إلى الإسكندرية. ثم إن الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين صرغتمش شفعا فيه، فأفرج عنه، وذلك في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فأقام في مصر، وأعطي إمرة عشرة، وتزوج بالقاهرة بزوجة الأمير سيف الدين طغاي تمر الدوادار وهي أخت الأمير سيف الدين طاز، ثم أعطي طبلخاناه، وصار خصيصاً بالأمير سيف الدين شيخو.
ولما توجه الأمير سيف الدين طاز إلى الحجاز كان هو معه، وأمسكا بيبغاروس، وتوجها به إلى مكة، ولما عاد الركب، سبق هو وجاء إلى السلطان الملك الناصر حسن بخبره وبخبر إمساك المجاهد صاحب اليمن، فخلع عليه، ووصله. ثم إنه حضر مع الأمير سيف الدين بيغاروس ليقره في نيابة حلب، فأقره، وعاد، وقد شم من أنفاسه الخروج على السلطان الملك الصالح، وذلك في شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ولما عاد من حلب في هذه المرة؛ ولاه السلطان الملك الصالح الدوادارية عوضاً عن طشبغا، فكتبت أنا إليه:
هذا الدّوادار الّذي أقلامه ... تذر المهارق مثل روضٍ نافحٍ
تجري بأرزاق الورى فمدادها ... وبلٌ، تحدّر من غمامٍ سافحٍ
أستغفر الله العظيم، غلطت، بل ... نهرٌ جرى من لجّ بحرٍ طافحٍ
وإذا تكون كريهة فيمينه ... تسطو بحدّ أسنّةٍ وصفائحٍ
يا فخر دهرٍ قد حواه، فإنّه ... عزّ لمولانا المليك الصّالحٍ
ولما أراد بيبغا الخروج، وحلف الأمير سيف الدين العسكر للسلطان الملك الصالح حضر الأمير عز الدين إلى دمشق في شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وأقام قليلاً، وتوجه صحبة أرغون الكاملي إلى لد، وفارق أرغون، وتوجه إلى مصر، ثم إنه عاد في شعبان ومعه تقاليد للأمير بدر الدين بن خطير بنيابة طرابلس، والأمير سيف الدين طان يرق بنيابة حماة، وبنيابة صفد للأمير شهاب الدين أحمد بن صبح، ثم إنه توجه عائداً إلى مصر، وتوجه مع السلطان الملك الصالح إلى دمشق، ثم توجه مع الأمراء شيخو وجطاز وأرغون إلى حلب خلف بيبغا، ولما عادوا عاد معهم، وتوجه صحبة السلطان إلى مصر.

ثم إنه حضر في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة متوجها إلى حلب، ليجهز العسكر خلف بيبغاروس وأحمد وبكلمش، فاتفق من سعده أنه لما وصل إلى حلب جاء أحمد وبكمش ممسوكين في ثاني عشري الحجة، فحز رأسيهما، وجهزا إلى مصر، وأقام هو بحلب إلى أن وصل بيبغاروس في ثالث عشري المحرم سنة أربع وخمسين، فحز رأسه، وجهز صحبته إلى مصر.
ثم إنه عاد إلى حلب، وتوجه بالعساكر صحبة أرغون الكاملي إلى البلاد الرومية، ووصلوا إلى قيصرية، ولم يزالوا إلى أن أمسك ابن دلغار، وصار عند ناصر الدين محمد باك بن أرتنا، فعادت العساكر بعدما قاسوا شدائد ومشاق ومتاعب يعجز الواصف عنها، وعاد الأمير عز الدين بالخبر، فدخل إلى دمشق في خامس شهر رجب الفرد سنة أربع وخمسين وسبع مئة، ولما وصل إلى الأبواب السلطانية أعطي إمرة مئة وتقدمة ألف كانت بيد الأمير سيف الدين بلبان السناني، وقيل: إنه زادوه على ذلك بلدين آخرين من قرى مصر.
ولم يزل في عظمة ورفعة، إلى أن جرح الأمير سيف الدين شيخو في يوم الخميس ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، وكان هو في جملة من ركب إلى قبة النصر في السلاح، وتظاهر بالتعصب الزائد، وتحيز إلى تلك الفئة، فلما توفي الأمير سيف الدين شيخو في سادس عشري ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة أمسك هو والأمير صلاح الدين خليل بن قوصون، والأمير سيف الدين قطلوبغا الذهبي، والأمير سيف الدين قجا أمير شكار، وجهزوا إلى الإسكندرية، ليعتقلوا بها، ورسم للأمير سيف الدين علم دار أن يكون عوضه في الدوادارية.
من العجيب ما حكاه لي ناصر الدين محمد العلائي البريدي المصري؛ قال: كنا وقوفاً بين يدي الأمير عز الدين طقطاي الدوادار قبل إمساكه بسبعة ثمانية أيام، وقد سير إليه علم دار رسالةً يشفع عنده في بعض البريدية أن يجهزه في شغل عينه، فتأذى الأمير سيف الدين طقطاي، وقال: الأمير علم دار يجهزه من عنده، فما كان بعد ذلك إلا قدر يسير، وولي وظيفته، وجهز ذلك البريدي في الشغل الذي كان عينه، وأقام الأمير عز الدين والجماعة في ثغر الإسكندرية مدة يسيرة، ثم إنه أفرج عنهم، وحضر الأمير عز الدين إلى دمشق، ومعه علاء الدين ألطنبغا الأبو بكري مقدم البريدية متوجهاً به إلى طرابلس ليكون بها مقيماً في جملة بحرية القلعة بطرابلس، وأن يعين له إقطاع يعمل خمسة ستة آلاف درهم، وكان وصوله إلى دمشق في يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وسبع مئة، وتردد إليه أهل دمشق من أرباب السيوف والأقلام وغيرهم، ونزل في دار الأمير سيف الدين جوبان بالعقيبة، وتوجه إلى طرابلس، وأقام بها مدة تزيد على الشهرين، ثم رسم له بالحضور إلى دمشق، فحضر إليها، وأقام بها كذلك ثم رسم بعوده إلى طرابلس، فتوجه إليها وأقام بها كذلك؛ إلى أن ورد الخبر بوفاته بطرابلس المحروسة في أواخر شهر الله المحرم سنة ستين وسبع مئة - رحمه الله تعالى - فسبحان من لا يحول ولا يزول.
طلحة


الشيخ الإمام المقرئ النحوي الأصولي علم الدين الشافعي. كان في أصله مملوكاً، يدعى سنجر، فغير اسمه بطلحة.
قرأ بالسبع على الشيخ موفق الدين بن أبي العلاء ببعلبك، وتوجه بعدما تميز وتصدر، وقرأ الناس عليه علومه بعد العشرين وسبع مئة إلى الشيخ برهان الدين الجعبري، وأخذ عنه وأجازه.
كان يعرف الحاجبية معرفة من أتقن العربية، وأصبح كما تمنى الشاعر عالماً بما في ضمير الحاجبية، ويعرف مختصر ابن الحاجب ويشرحه، ويحل لفظه ويسرحه، وكان يقرئ القراءات السبع، ويتفيهق في التلفظ بها كما يزأر السبع، ونغمه في التلاوة طيب لذيذ، وصوته يكاد يحيا به الوقيذ، وكان يقرأ بالجوق في الختم فيطرب الناس بلحنه، وإذا قرأ في الجامع تحقق الناس أن حلاوة السكر في صحنه.
ولم يزل على حاله إلى أن عدم أهل حلب فوائده وفقدوها، وقال الناس: رحم الله أعظماً دفنوها.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وعشرين وسبع مئة بحلب وقد نيف على الستين.
قرأت عليه بحلب مدة مقامي قطعة جيدة من كتاب البيوع في التعجيز لأنه كان أخذه عن الجعبري. وكنت أسمع دروسه في الجاجبية وفي مختصر ابن الحاجب، وكان يراعي الإعراب في كلامه حتى في وقت بحثه وجداله، وكان شيخاً طوالاً، أزرق العين بلحية سوداء.
طلحة بن الخضر




ابن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حسن بن علي، الصدر شمس الدين القرشي الدمشقي.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن ابن علان، وسمع من الصدر البكري وجماعة. وكان من أعيان الشهود ومن أرباب البيوت والثروة بدمشق.
توفي - رحمه الله تعالى - في شهر رجب سنة تسع وتسعين وست مئة.
طلحة بن محمد


ابن علي بن وهب، الشيخ ولي الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
توفي بالقاهرة سنة ست وتسعين وست مئة، وكان موته وموت ابن الصاحب فخر الدين في يوم واحد.
طوغان



الأمير سيف الدين طوغان.
ولي الشد بدمشق مرات، وتولى نيابة البيرة، فأمسكه أهل قلعتها وقيدوه، لما أمسك أسندمر وجهزوه، فأمضى ذلك وهو في ذي الحجة سنة عشر وسبع مئة، ولكن أنكر السلطان عليهم فيما بعد، وتوجهوا به إلى مصر، ثم إنه أفرج عنه، وأعيد إلى دمشق، فشد أهل الدواوين في صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ثم أمسك في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وجهز إلى مصر هو وجماعة من الأمراء منهم بيبرس المجنون، وسنجر البرواني، وبيبرس التاجي، وكشلي، ثم أفرج عنه بعد مدة طويلة، وجهز نائب قلعة صفد، فجاء إليها، وعمرها، ورمها، ولم شعثها، وهو مع ذلك بطال، وفيما بعد مدة أظنه أعطي إمرة عشرة. وكان ينفق في الصناع والفعول من ماله، إلا أنه كان ظالماً عسوفا، عديم الرحمة عبوسا، لا يكاد يبتسم أبداً.
وكان آيةً في الكرم، وغاية في الجود، يخجل الغيث إذا احتد برقه واضطرم، لا يغسل قباءه أبدا، ولا يرى له في اقتنائه مستندا، بل يلبسه، فإذا استخ وهبه، ونزعه عن جسده لغيره وسلبه. وكان في أخلاقه حدة وشراسه، وشدة تقطع من الحلم أمراسه.
ولم يزل على حاله في قلعة صفد إلى أن طوي خبر طوغان، بعد ما كان سائراً من مصر إلى موغان.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة أربع وعشرين فيما أظن.
وكان يحكى عنه عجائب، منها أنه كان يوماً في قلعة البيرة جالساً وعنده المباشرون يعملون الحساب، فنعس هو لحظة وغفا وانتبه، فقال للناظر: اكتب على طوغان جناية مبلغ مئتي درهم لكونه يكون في شغل مولانا السلطان وينعس. فما أمكن الناظر والمباشرين إلا امتثال أمره، وقال لخزنداره: هات مئتي درهم، فأحضرها، ووضعها في صندوق الحاصل، فلما كان بعد أيام نعس الناظر، فجناه خمس مئة درهم.
وكان يوماً في صفد جالساً على البرج والهواء يتخفق في أعلى القلعة، فلعب الهواء بذيله، فوضعه تحت فخذه، فلعب الهواء به ثانياً، فشال فخذه ووضعه تحته، فلعب به ثالثاً فنزعه عنه وألقاه على الأرض، وضربه بالعصي إلى أن قطعه.
وكان الأمير سيف الدين أرقطاي كثير البسط والانشراح، فجاءه بعض أمراء العربان فانبسط عليه، وقال: أطلعوه القلعة، فجاؤوا به وهو واقف في عمارة القلعة، فلما رآه، قال: هات قيداً، وقيده به، وأداره في العمل تحت الحجارة والكلس، فقالوا: يا خوند إنما ملك الأمراء يلعب معه. فقال: والك، أنا عندي لعب !؟ وتعب الناس في خلاصه منه، إلى أن اجتمع به في الخدمة، وشفع فيه حتى أطلقه.
وكان يقف في عمارة القلعة من طلوع الشمس إلى مغيبها، وإذا كان الليل نام على قفاه، ورفع رجليه مع الحائط، وقد عصبها بالفصاديات، وقمطها، ويعطي الصانع الدراهم من عنده، وهو يضربه بالعصا التي في يده، وقلما ضرب أحداً إلا أجرى دمه، لأنه ما كان يكون في يده عصاً إلا ما تصلح أن تكون نصاب دبوس، رحمه الله.
وفيه يقول علاء الدين الوداعي - وقد كان عنده في البيرة كاتب درج - ، ومن خطه نقلت:
يا جيرةً قربهم مرادي ... وحظ قلبي ولحظ عيني
طوغان، طوفان راحتيه ... قد حال بينكم وبيني
فلا سبيل إلى لقاءٍ ... من بين لجين في لجين
اللقب والنسب



الطوسي: شارح الحاوي عبد العزيز بن محمد.
الطوفي: نجم الدين الحنبلي سليمان بن عبد القوي. ونجم الدين الرافضي عبد القوي بن عبد الكريم.
طوير الليل: تاج الدين محمد بن علي.
طيبرس بن عبد الله



الشيخ الإمام العالم الفقيه النحوي علاء الدين الحنفي المعروف بالجندي.
ذكر أنه قدم من بلاده إلى البيرة، فاشتراه بعض الأمراء بها، وعلمه الخط والقرآن العظيم. وتقدم عنده وأعطاه إقطاعاً وأعتقه.


فلما توفي أستاذه قدم إلى دمشق وقد جاوز العشرين سنة، وتفقه بها على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، واشتغل بالنحو واللغة والعروض والأدب والفرائض والأصلين حتى فاق أقرانه، وسمت همته، فصنف في النحو وغيره، ونظم كتاب الطرفة في النحو، وجمع فيه بين ألفية ابن مالك ومقدمة ابن الحاجب، وزاد عليهما، وهي تسع مئة بيت، وقرأها عليه جماعة، منهم الشيخ صلاح الدين البطايني، وشرحها. وكان الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي يثني عليهما. وكان مغرى بالنظم من صغره، وكان حسن المذاكرة، لطيف المعاشرة، مخبره أحسن من منظره، كثير التلاوة، يصلي بالليل كثيراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة بالصالحية في طاعون دمشق.
وكان مولده سنة ثمانين وست مئة تقريباً.
وأنشدني من لفظه المولى الشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف بن يعقوب الرحبي الشافعي، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ علاء الدين المذكور قال: وهو أول شيء نظمته بالبيرة قال:
وكلّما القلب ناجاني بهجرك لي ... وهل تعود فأقوالي: عسى وبلى
قد كان قربك عكس اللّفض مدّته ... كما مقامي اللّغط هري بلا
وبه قال: أنشدني المذكور لنفسه:
بكفر بطنا لقد طبنا على نزهٍ ... من مشمشٍ كنجوم غشّت الشّجرا
أحلى من الوصل لكن في لطافته ... أرقّ من نسمةٍ هبّت لنا سحرا
كدت تذوّبه الألحاظ من عجبٍ ... لما رأت قد بدت في لطفه الصّورا
وبه قال: أنشدني من لفظه لنفسه في كيال مليح له رفيق اسمه الشمس يلقب الثور لقبحه ويلقب أيضا بالدقن لطول لحيته:
نفسي الفداء لكيّال برى جسدي ... بأربعٍ زيّنتها أربعٌ أخر
في ردفه عظمٌ في خصره هضم ... في ريقه شهدٌ في طرفه حور
كأن وجنته في النّقع إذ غرقت ... ياقوتةٌ فوق تبرٍ تحتها درر
من أجله الشّمس من أنواره كسفت ... فمن رأى الشّمس غشّى نورها القمر
رفيقه الدّقن ثورٌ إنّ ذا عجبٌ ... خشفٌ ترافقه الثيران والبقر
وبه قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
قد بتّ في قصر حجّاجٍ فذكّرني ... بضنك عيشة من في النّار يشتعل
بقٌّ يطير وبقٌّ في الحصير سعى ... كأنّه ظللٌ من فوقها ظلل
وبه قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
قاربت ستين عاماً والشباب ظلا ... مه على شعري ما شيب بالنّور
وكان شاهد زورٍ للشباب فلا ... تستعجبوا من سواد الشّاهد الزّور
وبه قال: أنشدني من لفظه لنفسه في عطار:
احتجت إلى قطر نباتٍ وسنا ... فابتعتهما من ذي اعتدال وسنا
من وجهه ومنطقه كم سلبت ... أجفان متيّميّ هواه وسنا
طيب


الأمير سيف الدين.
كان من جملة الأمراء بصفد، ثم إنه نقل إلى دمشق وأقام بها قريباً من سنة، ثم إنه توجه صحبة العساكر إلى صفد لحصار أحمد الساقي، ولما سلم نفسه أحمد توجه به الأمير طيب إلى باب السلطان صحبة من توجه معه من الأمراء فرسم له السلطان في الديار المصرية بالإقامة فأقام بها، وذلك من أوائل سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة ولما خرج الأمير علاء الدين مغلطاي والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري على السلطان الملك الصالح أول دولته كان معهما، فرسم باعتقاله، وذلك في شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ثم إنه أفرج عنه وورد إلى صفد وأقام بها بطالاً.
ثم إنه توجه صحبة الأمير علاء الدين ألطنبغا برفاق نائب صفد إلى دمشق لما راح إلى بيبغاروس، وهرب معهم لما هربوا، ودخلوا البلاد الرومية، ثم إن الأرض أضمرته، ولم أسمع له خبرا إلى أن ورد مرسوم السلطان بتجهيزه من ثغر إسكندرية إلى تلك البلاد، أعني الشرقية من ولاية إلى ولاية وكان ذلك في شهر رمضان أو ما بعده، سنة ست وخمسين وسبع مئة.
اللقب والنسب



ابن أبي الطيب نجم الدين

وكيل بيت المال عمر بن أبي القاسم. وولده نجم الدين محمد بن عمر.
الطيبي: محمد بن بادي. وشمس الدين الطيبي موقع طرابلس: أحمد بن يوسف.
طيبرس




الأمير علاء الدين الساقي أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى في العشر الأول من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
طيبغا


الأمير سيف الدين السلاح دار الناصري المعروف بقوين باشي، بقاف وواو وياء آخر الحروف وبعدها نون وباء موحدة وألف وشين معجمة وياء آخر الحروف.
كان شكله تاماً طويلا، وخده أسيلا، ذقنه في حنكه سوداء، وعمته مليحة ووجنته مرداء، خيراً لا شر فيه، يحبه تنكز ويعظمه ويعرف له حقه ويوفيه، وولاه نيابة حمص فأقام فيها على حال شديده، وسيرة في العدل سديده، ثم إنه نقله إلى نيابة غزه، وأراد له بذلك التقدم والعزه، فأقام فيها مدة يسيرة مريضا، ورأى من السقم مدىً طويلا عريضا، إلى أن فارق وجوده، وأطال البلى تحت الأرض هجوده.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري ربيع الأول سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان له ولد كأنه القمر إذا بدر في أفقه، أو الغزال في لي عنقه، فمات في حياته، وجرعه كأس وفاته، وصبر هو والناس على فقده، وودوا لو شركوه في سكنى لحده.
طيبغا



الأمير علاء الدين طيبغا حاجي.
أعرفه بالقاهرة، وهو رأس نوبة الجمدارية، ثم إنه خرج إلى دمشق، واختص بالأمير سيف الدين تنكز، وكان يقربه ويدنيه، ولما أمسك تنكز، وحضر بعده بشتاك، أمسك الأمير علاء الدين طييبغا حاجي والأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي، وأودعا قلعة دمشق في الاعتقال، ولم يزالا إلى أن مرض السلطان مرض موته، وعوفي قليلاً فأفرج عنهما وعن غيرهما من الذين كانوا في الاعتقال بمصر والشام، وجهزه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري في أول دولة الناصر أحمد إلى حلب ليكون بها نائبا فتوجه إليها، وأقام بها نائبا بعد حمص أخضر إلى أن وصلها الأمير علاء الدين أيدغمش نائباً.
وكان قد جهز في سنة اثنتين وأربعين إلى حلب أميرا، فتوجه إليها، وبعد ذلك عمل النيابة بها، ولما عزل منها أقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة تقريباً، وحضر تابوته إلى دمشق ودفن بها.
وكان عاقلا ساكنا وافر الحشمة كثير الحياء.
طيبغا



الأمير علاء الدين الإبراهيمي.
كان أميراً بصفد من جملة الطبلخانات، ورسم له بنيابة قلعة صفد عوضا عن الأمير شهاب الدين بن لافي، وباشر ذلك مدة قليلة دون الشهر، وعزل بالأمير صلاح الدين بن الخشاب.
وتوفي الإبراهيمي بعد عزله بقليل في شهر شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة.
طينال



بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها نون وألف ولام.
الأمير سيف الدين الأشرفي الحاجب بمصر الناصري نائب السلطنة بطرابلس وغزة وصفد.
كان أميراً كبيرا، درباً بالأمور خبيرا، ما أقام ببلد إلا وأحبه أهلها وانتفع العرفان بها وانتفى جهلها.
أول ما ورد إلى طرابلس نائباً بعد الأمير شهاب الدين قرطاي قوى نفسه، وصوب رأيه وتخمينه وحدسه، وأخذ في معاكسة الأمير سيف الدين تنكز ومعاندته، ومنافسته في الأمور ومنابذته، فكتب به إلى السلطان وعزله، وأراه الذل في المنزل الذي نزله.
ورسم له بنيابة غزة، فتوجه إليها وقد جعل إصبعه فيها تحت رزه، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأقام بها قليلا، ثم طاوع أن يكون في الجنة لا في النار ذليلا، فأعيد إلى طرابلس ثانيا، ورجع إليها شاكراً حامداً ثانيا، ووطن نفسه على الطاعة لمن قهره، والخضوع لمن كان سائله فنهره، فمشت حاله، وارتفع خبره وانتصب حاله. ثم إنه عزل من طرابلس، ثم أعيد إليها ثالثا، ثم عزل وجهز إلى صفد نائبا، فأقام بها إلى أن تحتم الأجل، وتختم بالوجل.
وتوفي بصفد رحمه الله تعالى في نهار الجمعة خامس شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وكان في النيابة الثانية بطرابلس فلما أمسك تنكز عزل منها لما عزل نواب الشام وحضر إلى دمشق وأقام بها أميراً، ولما كان الفخري بدمشق جهزه إلى طرابلس نايبا، فتوجه إليها ثالث مرة نائبا، ولم يزل بها إلى أن رسم له الصالح بالتوجه إلى صفد، فتوجه من طرابلس إليها وأقام بها إلى أن توفي في التاريخ المذكور، ودفن في مغارة يعقوب عليه السلام بصفد في قبر كان طشتمر حمص أخضر قد أعده لنفسه.


ولما أتى في المرة الثانية إلى طرابلس في شهر ربيع الآخر في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة كان يجهز مطالعته إلى السلطان مفتوحة على يد البريدي الذي هو من جهته، ليقف عليها تنكز ويقرأها ويختمها ويجهزها.
وكان السلطان قد جهزه بمصر هو والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب إلى اليمن نجدةً لصاحبها، ومعهما ألف فارس في شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وكتب إليه مرة كتاباً من طرابلس يهنئ فيه الأمير سيف الدين تنكز بقدومه من صيد الطير، ويذكر فيه أنه هو كان أيضا غائباً في الصيد، فكتبت أنا الجواب إليه عنه ونسخته: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي المولوي الأميري السيفي، وجمع شمل المسرات إليه جميعا، وجعل حرمه على الخطوب محرما وزمنه كله ربيعا، وأظفره من الصيد بما يلقى لديه في الدو صريعا، ويخر له من الجو صريعا، المملوك يقبل اليد الكريمة التي أصبح الجود لها مطيعا، ويخدم بالدعاء الذي يظن لصدقه في رفعه أن الله يكون له سميعا، ويصف الولاء الذي إذا دعا الإخلاص لباه سريعا، ويبث الثناء الذي ملأ الأسماع جمره جوهرا، والصحف بديهاً بديعا، وينهي ورود المشرفة العالية، فوقف منها على أسطار البلاغة التي أخرج العي منها خائفا يترقب، واستجلى منها كواعب البيان التي إذا لمحها هلال الأفق غطى نوره بكمه الأزرق وتنقب، ورعى منها العبارة التي إذا أثنى البليغ عليها فقد قابل درها المنظم بالجزع الذي لم يثقب، فقابل ذلك بالشكر لله تعالى على عود مولانا إلى وطنه، وقرار قلبه وقرة عينه بما ناله من اجتماعه بمسكنه وسكنه، بعد أن عرضت صيوده على مواقد النيران، وضربت أطيارها قباب أشلائها على طريق الوحش تتقارع منها على قرى الضيفان، ونثر على سندس الربيع من ريشها الأزرق ياقوت ومن دمها الأحمر مرجان، وغدت وجنة الأرض وفمها من الدماء مضرج ومن الريش خيلان، فالله يكمل لمولانا المسرة التامه، ويبهج خاطره الكريم بأفراحه العامة للخاصة والعامه، ويجعل عداه في قبضة قنصه، ويجرع كلاً منهم كؤوس غصصه، حتى يكونوا كصيوده بين يديه طرحى معفرين في الثرى كأشلائها معقرين جرحى، وولدا مولانا الجنابان العاليان: المظفري موسى والناصري محمد مخصوصان بتحية تجاري لطفهما، وثناء يباري في الطيف وصفهما، إن شاء الله تعالى.
؟
طي الحوراني

كان قيماً بدار الحديث الظاهرية.
أمسك وضرب بدار الوالي، فاعترف بقتل الشيخ زكي الدين السمرقندي الحنفي، فشنقوه على باب الظاهرية بكرة الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبع مئة.
الطيوري الحاسب: علي بن عثمان.
حرف الظاء



ظافر بن أبي غانم

ابن سيف بن طي بن محمد بن سالم فتح الدين أبو الفتح الأرفادي الحلبي الطائي.
أخبرني العلامة أبو حيان قال: كان المذكور بالقاهرة، وله نظم منه قوله:
ولقد ظننت بأننا ما نلتقي ... حتى رأيتك في المنام مضاجعي
فوقعت في نومي لوجهك ساجداً ... ونثرت من فرحي عليك مدامعي
ظافر بن محمد



ابن صالح بن ثابت زين الدين الأنصاري الجوجري المحتد، العدوي، نسبة إلى فقراء الشيخ عدي، يعرف بالطناني، بفتح الطاء المهملة وبعدها نون مخففة وبعدها ألف ونون ثانية، وهي بلدة بالديار المصرية بها ولد.
أخبرني العلامة أثير الدين قال: كان المذكور رجلاً فقيراً، كثير الانبساط، يظهر الخرق. ويذكر عنه بعض من خالطه صلاحاً وديانه، وتنسب له كرامه. ورأيته بدمياط، وله نظم كثير، من ذلك قوله:
تميس فتخجل الأغصان منها ... وتزري في التلفت بالغزال
وتحسب بالإزار بأن تغطّت ... وقد أبدت به شكل الجمال
سلوها لم تغطّي البدر عمداً ... وتسمح للنّواظر بالهلال
ولم تصلي الحشا بالعتب ناراً ... وفي ألفاظها برد الزّلال
ولم فضحت بمعصمها اعتصامي ... وأطبقت العقيق على الّلآلي
ويبدي حالها أمراً عجيباً ... ظهوراً في خفاء مثل حالي
فإن حاكت بوفر الرّدف وجدي ... فقد حاكى بها الخصر انتحالي
حلالٌ في الغرام بها عذابي ... كما عذب اللّما منها حلا لي
اللقب والنسب



ابن الظاهري شهاب الدين


أحمد بن عبد الرحمن. والحافظ جمال الدين أحمد بن محمد.
وفخر الدين بن الظاهري: عثمان بن محمد.
ظهير بغا


الأمير سيف الدين أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية.
كان قريباً للسلطان الملك الناصر محمد.
حضر إلى الديار المصرية في سنة ست وعشرين وسبع مئة بعد خروج الأمير سيف الدين أرغون النايب إلى حلب، وأظنه أخذ تقدمته، وعظمه السلطان لما وصل وأعطاه إمرة مئة.
وكان الأمير سيف الدين يكتب بالمغلي، وكان إذا حضر كتاب من بوسعيد بالمغلي، ولم يكن الأمير سيف الدين أيتمش حاضراً يقرأه الأمير سيف الدين ظهير بغا، ويكتب جوابه بالذهب أو بالمداد، ولم أر أحداً أكثر من أقاربه بتلك البلاد، كانوا يفدون عليه في كل وقت طول السنة من مئتي نفس فما دونها إلى العشرة مدة مقامه في الديار المصرية، فمنهم من يقيم بالديار المصرية، ومنهم من يختار العود ويعود وقد بره ووصله وحمله وحمله.
ولم يزل على حاله بالديار المصرية إلى أن توفي في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ظهير بن أمير حاج بن عمر



الشيخ ظهير الدين الأرزنجاني، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وبعدها نون وجيم وبعدها ألف ونون وياء النسبة.
ورد إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى من مصر، لأنه كان يصحبه وهو في مصر إلى أن حضر إلى دمشق، وكان عنده عزيزاً مكرماً، ولكنه لا يدخل في أمر ولاية ولا عزل، وما أعرف أنه كان بيده شيء من الولايات غير نظر مسجد النارنج لا غير.
ولم يزل عنده معظما إلى أن قال عنه حمزة التركماني للأمير سيف الدين تنكز: إن القاضي جمال الدين ابن جملة رشا ناصر الدين الدوادار بألف دينار حتى سعى له في قضاء الشام، فتنكر له تنكز، فأنكر ذلك، فسلمه تنكز إلى قاضي القضاة ابن جملة، فبالغ في تعزيره وأركبه حماراً، وطاف به في الأسواق، وهو يضرب بالدرة إلى أن رق له الناس وأحضر إلى تنكز في تلك الحال، فرحمه، وجرى على القاضي بسببه ما يأتي شرحه في ترجمته، وعزل من منصبه وحكم بفسقه وباعتقاله.
ولم يزل الشيخ ظهير الدين على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة بدمشق.
حرف العين



الألقاب والأنساب

العابر الحنبلي شهاب الدين

أحمد بن عبد الرحمن.
والعابر الحنبلي زين الدين



علي بن أحمد الآمدي.
عامر بن محمد



ابن علي بن وهب: هو عز الدين ابن الشيخ الإمام العلامة أوحد المجتهدين تقي الدين بن دقيق العيد القشيري المصري.
سمع من العز الحراني، وابن الأنماطي، وغيرهما.
جلس بحانوت العدول لما تعدل، وأورق غصن فضله وتهدل، وأقام على هذه القدم مده، ورفض هذا الضابط الضاغط لما قاساه فيه من الشده، ثم إنه خالط أهل المعاصي، وتوقل معهم هضبات تلك الصياصي، فأثرت فيه تلك الخلطه، وأصبح في بيته الصحيح غلطه، وأخرجته عن طريق أهله تلك العشره، وأمسى كما يقوله الناس: إزليط العثره، حتى إن أباه جفاه، ولفظه من حسابه ونفاه، ولما تولى والده قدس الله روحه، القضاء أقامه وأنزله من حانوت العدول لعلمه أنه على غير الاستقامة، فيا ضيعة اسمه، ويا خيبة حدس أبيه ووهمه لأنه سماه باسم أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أمين هذه الأمة كما جاء في الأحاديث الصحاح.
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إنّ السماء نظير الماء في الزرق
وكان الشيخ تقي الدين قدس الله روحه قد سمى أولاده بأسماء الصحابة العشرة رضي الله عنهم.
ولم يزل عز الدين المذكور على حاله إلى أن هدم الموت ما عمر من عامر، وأضر به الداء المخامر.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى عشرة وسبع مئة في القاهرة.
العاقولي: جمال الدين عبد الله بن محمد.
عائشة بنت محمد



ابن المسلم بن سلام بن البهاء الحراني الشيخة الصالحة أم محمد.
سمعت من إسماعيل بن أحمد العراقي، ومحمد بن أبي بكر المعروف بابن النور البلخي، ومحمد بن عبد الهادي المقدسي، وإبراهيم بن خليل، وعبد الرحمن ابن أبي الفهم اليلداني.
أجازت لي بدمشق سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكتب عنها بإذنها عبد الله بن المحب.
وتوفيت رحمها الله تعالى في شوال سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وهي أخت المحدث محاسن، ومولدها سنة سبع وأربعين وست مئة.


وكان قد سمعها أخوها في الخامسة، وسمعت من فرج القرطبي، والبلخي، وابن عبد الدائم والعماد وعبد الحميد، وتفردت، وروت جملة صالحة، وكانت خيرة قانعة فقيرة، تعمل في الحياكة.
سمع منها أبو هريرة ابن شيخنا الذهبي، وأولاد المحب والطلبة، وروت فضائل الأوقات للبيهقي عن ابن خليل، وخرج لها ابن سعد.
عائشة أم محمد


ابنة العدل زين الدين إبراهيم بن أحمد بن عثمان بن عبد الله بن غدير الطائي الدمشقي المعروف بابن القواس.
حجت غير مرة وجاورت بمكة سنين، وهي زوجة علاء الدين بن صدر الدين بن المنجا.
أجازها ابن مسلمة، ومكي بن علان، والبهاء زهير القوصي، وابن زيلاق، وابن دفترخوان، والسليماني، والنور وعلي بن سعيد، والتلعفري، وهؤلاء السبعة أعيان الشعراء.
توفيت رحمها الله تعالى سادس ذي القعدة سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ومولدها سنة خمس وأربعين وست مئة تقريباً.
عبادة بن عبد الغني



الإمام المفتي زين الدين أبو سعد الحراني المؤذن الشروطي الحنبلي.
كان قد طلب الحديث في وقت، ودار على الشيوخ قليلاً، ونسخ جملة من الأجزاء سنة بضع وتسعين وست مئة، ثم إنه تقدم في الفقه وناظر، وتميز في الفروع وفاكر بها وحاضر، فرأى أنه ارتفع عن هذه الدرجه، وأعدم بذاك الناس من حسن ضرجه، وكان عنده صحيح مسلم، عن القاسم الإربلي.
ولم يزل على حاله إلى أن حكم الموت فساده في عباده، وأباده الله تعالى فيمن أباده.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وسبعين وست مئة.
اللقب والنسب



ابن عبادة الوكيل شهاب الدين أحمد بن علي

عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان

الشيخ الإمام الفاضل الزاهد الورع تقي الدين بن تمام التلي الصالحي الحنبلي.
سمع من يحيى بن قميرة، وخطيب مردا، والكفرطابي، وإبراهيم بن خليل، وجماعة، والمرسي، واليلداني، وقرأ النحو على ابن مالك، وعلى ولده بدر الدين.
كان رجلاً صالحا، دائم البشر لا يرى كالحا، ديناً خيرا، صيناً يرى وجهه في الظلمات نيرا، نزهاً محبوباً إلى القلوب، صلفاً طول عمره في الزهد على أسلوب، فقيراً لا يملك شيئا، ولا يجد له في الأرض فيئا، حسن الشعرة والمنادمه، مليح الذاكرة برئيا في المصادقة من المصادمه، ظريف البزة مع الزهد والقناعه، نظيف الملبس في الجمعة والجماعه، وله النظم الذي هو أسرى من النسيم وأسنى من العقد النظيم، يكاد يرشفه السمع راحا، ويداوي من قلوب أهل الكآبة جراحا، قد انسجم لفظه فهو صوب غمامه، ولذ تركيبه فهو صوت حمامه، تمكنت القوى في قوافيه، وطاب تلاف النفوس في تلافيه.
ولم يزل على حاله إلى أن كسف بدر ابن تمام في تمامه، وغرد الحمام بل ناح على كأس حمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة ليلة السبت ثلاث شهر ربيع الآخر.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
وسيأتي ذكر أخيه الشيخ محمد إن شاء الله تعالى في المحمدين.
أخبرني القاضي شرف الدين أبو بكر بن القاضي شمس الدين بن شيخنا أبي الثناء محمود، قال: كان جدي، يعني القاضي شهاب الدين محموداً، قد أذن لغلامه الذي نفقته معه أنه مهما طلب منه الشيخ تقي الدين من الدراهم يعطه بغير إذنه، قال: فما كان يأخذ منه إلا ما هو مضرور إليه انتهى.
قلت: وكان قد صحبه أكثر من خمسين سنة، وكان قد حج وجاور واجتمع بالتقي الحوراني وبقطب الدين ابن سبعين، وسافر وطوف البلاد، وأقام بالديار المصرية مدة، وصحب الفقراء والفضلاء، وتفرد عن ابن قميرة بالجزء الرابع من حديث الصفا، وخرج له فخر الدين بن البعلبكي مشيخة، قال: شيخنا البرزالي: قرأتها عليه، وكان زاهداً متقللاً من الدنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش ولا سراج ولا زبدية، وبيته خال من جميع ذلك، أنشدني شيخنا العلامة شهاب الدين محمود إجازةً لنفسه ما كتبه من الديار المصرية إلى الشيخ تقي الدين ابن تمام:
هل عند من عندهم برئي وأسقامي ... علمٌ بأنّ نواههم أصل آلامي
وأنّ جفني وقلبي بعد بعدهم ... ذا دائمٌ وجدهم فيهم وذا دامي
بانوا فبان رقادي يوم بينهم ... فلست أطمع من طيفٍ بإلمام
كتمت شأن الهوى يوم النّوى فنمى ... بسرّه من دموعي أيّ نّمام


كانت لياليّ بيضاً في دنوّهم ... فلا تسل بعدهم ما حال أيامي
ضنيت وجداً بهم والنّاس تحسب بي ... سقماً فأُبهم حالي عند لوّامي
وليس أصل ضنى جسمي النحيل سوى ... فرط اشتياقي إلى لقيا ابن تّمام
مولى متى أخل من برء برؤيته ... خلوت فرداً بأشجاني وأسقامي
نأى ورؤيته عندي أحبّ إلى ... قلبي من الماء عند الحائم الظامي
وصدّ عني فلن يسأل لجفوته ... عن هائمٍ دمعه من بعده هام
يا ليت شعري ألم يبلغه أنّ له ... أخاً بمصر حليف الضّعف من عام
ما كان ظنّي هذا في مودّته ... ولا الحديث كذا عن ساكني الشام
فكتب الجواب ابن تمام عن ذلك:
يا ساكني مصر فيكم ساكن الشام ... يكابد الشّوق من عامٍ إلى عام
الله في رمقٍ أودى السّقام به ... كم ذا يعلّل فيكم نضو أسقام
ما ظنّكم ببعيد الدار منفردٍ ... حليف همّ وأحزانٍ وآلام
يا نازحين متى تدنوا النّوى بكم ... حالت لبعدكم حالي وأيّامي
كم أسأل الطّرف عن طيفٍ يعاوده ... وما لجفني من عهدٍ بأحلام
استودع الله قلباً في رحالكم ... عهدته منذ أزمانٍ وأعوام
وما قضى بكم في حبكم أرباً ... ولو قضى فهو من وجدٍ بكم ظام
من ذا يلوم أخا وجدٍ بحبّكم ... فأبعد الله عذّالي ولوّامي
في ذمّة الله قومٌ ما ذكرتهم ... إلا ونمّ بوجدي مدمعي الدّامي
قوم أذاب فؤادي فرط حبّهم ... وقد ألمّ بقلبي أيّ إلمام
وما اتخذت سواهم عنهم بدلاً ... ولا نقضت لعهدي عقد إبرام
ولا عرفت سوى حبي لهم أبدا ... حباً يعبّ؟ر عنه جفني الهامي
يا أوحداً أعربت عنه فضائله ... وسار في الكون سير الكوكب السّامي
في نعت فضلك حار الفكر من دهشٍ ... وكلّ ظامٍ سقي من بحرك الطّامي
لا يرتقي نحوك السّاري على فلكٍ ... فكيف من رام أن يسعى بأقدام
منك استفاد بنو الآداب ما نظموا ... وعنك ما حفظوا من رقم أقلام
أنت الشّهاب الذي سامى السّماك علاً ... وفيض فضلك فينا فيض إلهام
لمّا رأيت كتاباً أنت كاتبه ... وأضرم الشّوق عندي أيّ إضرام
أنشدت قلبي هذا منتهى أربي ... أعاد عهد حياتي بعد أعوام
يا ناظريّ خذا من خدّه قبلاً ... مهو الحرير بتقبيلٍ وإكرام
ثم اسرحا في رياضٍ من حدائقه ... وقد زهي زهرها الزّاهي بأكمام
من ذا يوفّيه في ردّ الجواب له ... عذراً إليك ولو كنت ابن بسّام
فكم جنحت ولي طرفٌ يخالسه ... وأنثني خجلاً من بعد إحجام
يا ساكناً بفؤادي وهو منزله ... محلّ شخصك في سرّي وأوهامي
حقاً أراك بلا شكّ مشاهدةً ... ما حال دونك إنجادي وإتهامي
ولذّ عتبك لي يا منتهى أربي ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام
حوشيت من عرضٍ يشكى ومن ألمٍ ... لكنّ عبدك أضحى حلف آلام
ولو شكا سمجت منه شكايته ... إنّ الثمانين تستبطي يد الرّامي
وحيد دارٍ فريدٌ في الأنام له ... جيران عهدٍ قديم بين آكام
طالت بهم شقّة الأسفار ويحهم ... أخفوا وما نطقوا من تحت أرجام
أبلى محاسنهم مرّ الجديد بهم ... وأبعد العهد عنهم بعد أيام
فلا عداهم من الرّحمن رحمته ... فهي الرّجاء الذي قدّمت قدّامي
وكم رجوت إلهي وهو أرحم لي ... وقلّ عند رجائي قبح آثامي

فطال عمرك يا مولاي في دعةً ... ودام سعدك في عزٍّ وإنعام
ولا خلت مصر يوماً من سناك بها ... ولا نأى نورك الضّاحي عن الشّام
وأنشدني العلامة أبو حيان قال: أنشدنا لنفسه ابن تمام:
وقالوا: تقول الشّعر قلت أُجيده ... وأنظمه كالدّرّ راقت عقوده
وأبتكر المعنى البديع بصنعةٍ ... يحلّى بها عطف الكلام وجيده
ويحلو إذا كرّرت بيت قصيدةٍ ... وفي كلّ بيتٍ منه يزها قصيده
ولكنّني ما شمت بارق ديمةٍ ... ولا عارضٍ فيه ندى أستفيده
فحسبي إلهٌ لا عدمت نواله ... وكلّ نوالٍ يبتديه يعيده
وأنشدني أيضا قال: أنشدني لنفسه:
وقالوا صبا بعد المشيب تعلّلاً ... وفي الشّيب ما ينهى عن اللهو والصّبا
نعم قه صبا لمّا رأى الظّبي آنساً ... يميل كغصن البان يعطفه الصّبا
أدار التفاتاً عاطل الجسيد حالياً ... وفي لحظه معنىً به الصبّ قد صبا
ومزّق أثواب الدّجا وهو طالعٌ ... وأطلع بدراً بالجمال تحجّبا
جرى حبّه في كلّ قلبٍ كأنّما ... تصوّر من أرواحنا وتركّبا
وأنشدني، قال: أنشدنا لنفسه:
أُكاتبكم وأعلم أنّ قلبي ... يذوب إذا ذكرتكم حريقا
وأجفاني تسحّ الدّمع سيلاً ... به أمسيت في دمعي غريقا
أُشاهد من محاسنكم محيّاً ... يكاد البدر يشبهه شقيقا
وأصحب من جمالكم خيالاً ... فأنّى سرت يرشدني الطريقا
ومن سلك السّبيل إلى حماكم ... بكم بلغ المنى وقضى الحقوقا
ومن شعره:
طرقتك من أعلى زرود ودونها ... عنقا زرود ومن تهمامة نفنف
تتعسّف المرمى البعيد لقصدها ... يا حبّذا المرمى وما تتعسّف
ومنه:
معانٍ كنت أشهدها عياناً ... وإن لم تشهد المعنى العيون
وألفاظ متى فكّرت فيها ... ففيها من محاسنها فنون
ومنه:
تبدّى فهو أحسن من رأينا ... وألطف من تهيم به العقول
وأسفر وهو في فلك المعاني ... وعنه الطّرف ناظره كليل
له قدٌّ يميل إذا تثنّى ... كذاك الغصن من هيفٍ يميل
وخدٌّ ورده الجوريّ غضٌّ ... وطرفٌ لحظه سيفٌ صقيل
وخالٌ قد طفا في ماءٍ حسنٍ ... فراق بحسنه الخدّ الأسيل
تخال الخدّ من ماءٍ وجمرٍ ... وفيه الخال نشوانٌ يجول
وكم لام العذول عليه جهلاً ... وآخر ما جرى عشق العذول
قلت: وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
مالنا كلّنا جوٍ يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
كلّما عاد من بعثت إليها ... هام فيها وخان فيما يقول
وإذا خامر الهوى قلب صبٍّ ... فعليه لكلّ عينٍ دليل
أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهنّ العقول
وقال ابن سناء الملك:
راح رسولاً وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق
وعاد لا بالجواب بل بجوىً ... أخرسه والهوى به ناطق
وذكرت أنا بقول ابن تمام رحمه الله ما قلته أنا ومن مادته أخذت، وعلى منواله نسجت:
ألحّ عذولي في هواه وزاد في ... ملامي، فقلت: احتل على غير مسمعي
فلم يدر من فرط الولوع بذكره ... مصيبته حتى تعشقه معي
وقلت أنا أيضاً على هذه المادة:
بي غزالٌ لمّا أطعت هواه ... أخذ القلب والتّصبر غصبا
ما أفاق العذول من سكرة العذ ... ل عليه حتى غدا فيه صبّا
عبد الله بن أحمد بن عبد الله


ابن أحمد بن محمد، الشيخ الإمام الصالح المحدث أبو محمد بن الشيخ المحدث محب الدين السعدي المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي.

سمعه والده، وحفظه القرآن، وطلب بنفسه في سنة سبع وتسعين، ولحق ابن القواس، وابن عساكر الشرف، والغسولي، والناس بعدهم، وكان عنده عوال عن ابن البخاري وبنت مكي وعدة، وانتقى له شيخنا الذهبي جزءاً، وانتقى هو لبعض مشايخه ونسخ عدة أجزاء.
وخلف عدة أولاد، وكان من أهل الخير والصيانه، وأولي الصلاح والديانه، حسن الشكل واللحية السوداء، والوجه كأنه بدر في الليلة الظلماء، طيب الصوت لذيذ النغمه، إذا تلا كأنما صب على الآذان صوب نعمه، يقرأ سريعاً مع فصاحه، ويخيط بإيراده ما في القلوب من جراحه.
نفع الناس بمواعيده العامه، وأفاض عليهم فيها ملابس التقوى التامه، وكان له محبون وزبون يدفع بهم الحرب الزبون، وكان يقرأ في الحائط الشمالي ومجلسه حافل غاص، وسمعته غير مرة.
ولم يزل على حاله إلى أن طالت منه الرقده، وأذاق الله الناس فقده.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
عبد الله بن أحمد بن علي


ابن أحمد الشيخ الإمام الفقيه النحوي جلال الدين بن الشيخ فخر الدين بن الفصيح العراقي الكوفي الحنفي، قد تقدم ذكر والده في الأحمدين.
وكان هذا جلال الدين همته مباركه، وعنده في العلوم مشاركه، وقدم إلى دمشق، وسمع بها وسمع أولاده. إلا أنه عجل عليه حتفه، ورغم بالتراب أنفه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان قد سمع ببغداد من جماعة، وسمع بدمشق من شيخنا الذهبي، ومن الجزري.
عبد الله بن أحمد بن يوسف



ابن الحسن الفقيه الفاضل جلال الدين أبو اليمن الزرندي، بالزاي والراء المفتوحة وبعدها نون ساكنة، الشافعي.
سمع بالحرمين، وبحماة، وحلب، والساحل، وغير ذلك، وقرأ كثيراً، وله عدة محافيظ، وكتب المشتبه، وسمع أبا العباس الجزري، والمزي، والذهبي، وغيرهم من الموجودين.
وكان شاباً فيه يقظه، وطلب في كل لحظه، لا يفتر ولا يني، ولا يعدل عن الدأب ولا ينثني.
ولم يزل على حاله إلى أن قصف، ومحق بدره بعدما خسف.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأخير من شعبان سنة تسع وأربعين وسبع مئة. بالطاعون.
ومولده سنة عشرين وسبع مئة.
عبد الله بن أحمد بن محمد بن سليمان



القاضي تاج الدين بن القاضي الشيخ شهاب الدين بن غانم. تقدم ذكر والده رحمه الله تعالى.
كان شاباً غضا، طري البشرة بضا، كتب في ديوان الإنشاء بدمشق فأخجل الحدائق، وتعثرت وراء أشرعته البوارق، يكاد قلمه يفوت الطرف تسرعا، ويظن من يراه أنه لم يعمل أقلامه تبرعا، وكان الناس يتعجبون من كتابته البديعه، وحركة يده السريعه.
ولم يزل على حاله إلى أن عثرت قوائم جواده، وأصاب سهم المنية حبة فؤاده.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء سادس المحرم ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
ووجدت بخطه أبياتاً كتبها للقاضي علاء الدين بن الأثير:
ومثلك إن أبدى الجميل أعاده ... وإن جاد بالمعروف عاد كمّلا
وما زلت تغني بالنّدى كلّ مقترٍ ... مقلّ فتولي العالمين تطوّلا
وما جاءك المسكين قطّ مؤمّلا ... جميلك إلاّ نال ما كان أمّلا
لك اشتهرت يا بن الأثير مآثرٌ ... بآثارها الحسنى ملأت بها الملا
وجودك قد عمّ الوجود وأهله ... فما منزلٌ من فيض فضلك قد خلا
وأنت فلم تبرح تغيث ولم تزل ... تعين ذوي الحاجات منك تفضّلا
فلا زلت محروس المقرّ مبلّغا ... أمانيك مشكور الندى دائم العلا
ورثاه والده بشعر كثير، ومنه ما كتبه تحت خطه بعد وفاته:
آها لكاتبها وما ... فعلت بأنملها الظراف
نوب المنون العارضا ... ت لكلّ حيٍّ بالتّلاف
أفرطت في تفريطهنّ ... بما أفتن من التلاق
تجتاح أرواح الورى ... بظواهرٍ منها خواف
لتعيدهم كمرامدٍ ... بالريح تنسفها السّواف
أجّجن نيران الجحيم ... أسىً بقلبي والشّغاف
وأطلن سقماّ ماله ... إلاّ علاج الموت شاف


عبد الله بن أحمد

الوزير علم الدين بن القاضي تاج الدين بن زنبور.
كان كاتباً سعيد البدايه، متصرفاً له في التدبير عنايه، جمع له من الوظائف الجليلة ما لم يجمع لغيره، ودانت له الأيام حتى ذل الأُسود لعيره، وجمع له من الأموال ما تقصر عنه أمواج الأمواه، وتكل عن وصفه أفواج الكلم من الأفواه، واقتنى من الأملاك ما يحار له الأملاك، وحاز من الإنعام ما يقف السابح في ذكره إن عام، وأما المراكيب والمراكب والملابس التي تفخر بها الكواكب، فشيء زاد على المعهود مقداره، وضاقت في البر والبحر أقطاره.
وعاند أولاً وكاد يدركه العطب، ونهض من وهدة الخطب إلى ذروة المنبر من العز وخطب، ثم إنه استقل من يعانده، واستذل من يراوده، فوقع هو في هوة لا يصل من ينتاشه إلى قرارها، وتاه في موماة هلاك لا ينجيه الحذر من فرارها، فأخذ من مأمنه، وثار إليه الشر من مكمنه، فأصبح علمه منكسا، وقلمه مركسا، ونزلت به من الزمان بليه، وأمست حلية المنصب من ابن زنبور خليه، يطلب من ينصره فلا يجده، ويروم من يعضده فلا يعده ولا يعده، وتنوع له العذاب، وتفرع من الهوان ما أذله وأذاب، إلى أن تقطعت القلوب له رحمه، وجاءه الفرج فلم يخلص إليه من الزحمه، عادة من الزمان أجرى الناس عليها، وأجراهم بعد غاياتهم إليها.
ثم إنه جهز إلى قوص، مع حظه المنقوص، ففارق أربعة رق له فيها الحسدة: مناصبه ووطنه وماله وولده، فبات وزيراً سعيدا، وأصبح فقيراً في البلاد طريدا، فلا رغبة لعاقل في العليا، ومرحباً بإقبال هذه الدنيا، فقد:
تفانى الرجال على حبّها ... وما يحصلون على طائل
ولم يزل بقوص، والذل يغور به ويغوص، إلى أن اندفع إلى القبر واندفن، وخرج من دنياه وما معه غير الكفن.
وتوفي بقوص رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
أول ما علمته من أمره أن القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص استخدمه كاتب الإصطبلات بعد أولاد الجيعان في أواخر أيام الملك الناصر محمد، وبقي القاضي علم الدين على هذه الوظيفة إلى أن خرج القاضي علم الدين بن القطب من مصر إلى دمشق، فخلت عنه وظيفة استيفاء الصحبة، وخرج إلى حلب وكشف القلاع، وحصل أموالاً. وبقي على ذلك إلى أن أمسك جمال الكفاة في واقعته الأخيرة، ومات تحت العقوبة، فنقل القاضي موفق الدين إلى نظر الخاص، فبقي قليلاً، وطلب الإعفاء فأعفوه، وتولى علم الدين بن زنبور الخاص، وأضيف إليه من الجيش بعد القاضي أمين الدين، ولم يزل على ذلك إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير، فأضيفت الوزارة إلى ابن زنبور، وهذا أمر ما اتفق لغيره أبداً، ولا سمعنا به وإنما كان الجيش والخاص مع جمال الكفاة، وهذه الوظائف الثلاث، هي عبارة عن الدولة إلا كتابة السر، فعلم الدين بن زنبور، أول من جمع له هذه الوظائف.
وبقي على ذلك إلى أن خرج السلطان الملك الصالح صالح إلى الشام في واقعة بيبغاروس، فحضر معه إلى دمشق وأظهر في دمشق عظمة زائدة، وروع الكتاب ومباشري الأوقاف ولكنه لم يضرب أحداً، ولا كشف رأسه، وتوجه مع السلطان عائداً إلى مصر، في أوائل ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ولما وصل عمل السلطان سماطا عظيماً، وخلع فيه على الأمراء كبارهم وصغارهم، وكان تشريف الأمير صرغتمش ناقصاً عن غيره، وكان في قلبه من الوزير، فدخل إلى الأمير سيف الدين طاز وأراه تشريفه، وقال: هكذا يكون تشريفي، واتفق معه على إمساك ابن زنبور. وخرج من عنده وطلبه وأهانه وضربه ورسم عليه وجد في ضربه، ومصادرته، فأخذ منه من الذهب والفضة والقماش والأصناف والكراع والأملاك ما يزيد على الحد، ويتوهم الناقل لذلك أنه ما يصدق في ذلك، ويستحيي العاقل من ذكره. وبقي ف العقوبة زماناً، وكان الأمير سيف الدين شيخو يعتني به في الباطن، فشفع فيه وخلصه وجهزه إلى قوص فأقام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور، وقيل: إنه سم، وقيل: نهشه ثعبان، والله أعلم.
وتولى الوزارة بعده القاضي موفق الدين وتولى الخاص القاضي بدر الدين كاتب يلبغا، وتولى القاضي تاج الدين أحمد بن أمين الملك نظر الجيش.


وبلغنا أنه لما أعيد الملك الناصر حسن إلى الملك أعيدت المصادرة على من بقي من ذوي قرابة ابن زنبور، وأنه أخذ له، ومنهم جملة من المال، وأما ما أخذ منه في المصادرة في حياته فنقلت من خط الشيخ بدر الدين الحمصي من ورقة بخطه، على ما أملاه القاضي شمس الدين محمد البهنسي: أواني ذهب وفضة ستون قنطاراً. جوهر ستون رطلاً. لولو أردبان. ذهب مصكوك مئتا ألف وأربعة آلاف دينار، ضمن صندوق، ستة آلاف حياصة، ضمن صناديق زركش: ستة آلاف كلوته، وذخائر عدة، قماش بدنه: ألفان وست مئة فرجية. بسط: ستة آلاف. صنجة دراهم: خمسون ألف درهم. شاشات: ثلاث مئة شاش. دواب عاملة: ستة آلاف. حلابة: ستة آلاف. معاصر سكر: خمس وعشرون معصرة. وخيل وبغال: ألف، دراهم ثلاثة أرداب. إقطاعات سبع، كل إقطاع: خمسة وعشرون ألف درهم. عبيد: مئة. خدم: ستون. جواري: سبع مئة. أملاك القيمة عنها. ثلاث مئة ألف دينار. مراكب: سبع مئة. رخام القيمة عنه: مئتا ألف درهم. نحاس: قيمته أربعة آلاف دينار. سروج وبدلات خمس مئة. مخازن ومتاجر: أربع مئة ألف دينار. نطوع: سبعة آلاف. دواب: خمس مئة. بساتين: مئتان. سواقي: ألف وأربع مئة.
عبد الله بن أحمد بن محمد


ابن محمد بن نصر الله الشيخ فخر الدين بن الشيخ الإمام تاج الدين ابن المغيزل الحموي شيخ الشيوخ بحماة.
كان رجلاً مباركاً، ولي المشيخة بعد والده وأقام فيها أكثر من أربعين سنةً. ووليها بعده قاضي القضاة شرف الدين البارزي.
سمع بقراءة شيخنا البرزالي بحماة على والده سنة خمس وثمانين وست مئة. وكان منقطعاً يصوم دائماً ويتعبد، ولم يكن قد تأخر في بني المغيزل مثله.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشري شهر رمضان ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
عبد الله بن أحمد بن عبد الحميد



ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن إبراهيم بن خليل وغيره، وكان فقيهاً كتب الكثير وسمع وكتب الطباق: وصار نقيباً للقاضي الحنبلي قبل موته بشهر.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وله حضور على خطيب مردا، وهو في ثاني سنة من عمره، وسمع من جده وعم والده الفقيه محمد بن عبد الهادي وابن عبد الدائم وغيرهم.
عبد الله بن أحمد بن علي



ابن المظفر - وسيأتي تمام نسبه في ترجمة ولده القاضي فخر الدين محمد - القاضي الصدر الكبير الرئيس بهاء الدين ابن الحلي ناظر الجيوش بالديار المصرية.
كان من أعيان المصريين وصدورهم ونجوم مباشريهم وبدورهم، قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن النجيب عبد اللطيف الحراني.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة عاشر شوال سنة تسع وسبع مئة. ودفن بالقرافة. وتولى الوظيفة بعده القاضي فخر الدين كاتب المماليك.
عبد الله بن أبي بكر بن عرام



بفتح العين المهملة وتشديد الراء وبعدها ألف وميم: الأسواني المحتد، الإسكندراني الدار والوفاة.
سمع الحديث، وصحب الشيخ أبا العباس المرسي، وأمه بنت الشيخ الشاذلي.
كان يقرئ النحو بإسكندريه، ويألف به كل ذي نفس سنيه، وأفعال سريه، فأفات الجهل وأفاد العلم، وساد الناس لما ساسهم بالحلم، وكان يذكر عنه كرامات، ويشاهد له في الصلاح مقامات.
ولم يزل على حاله إلى أن عرى الموت ابن عرام حياته، وقدر له بالسوء بياته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده بدمنهور سنة أربع وخمسين وست مئة.
عبد الله بن تاج الرئاسة



الصاحب الرئيس الوزير الكبير أمين الملك وزير الديار المصرية والشامية.
لما استسلم الجاشنكير الأمير ركن الدين بيبرس النصارى اختبأ الصاحب أمين الدين هو والصاحب شمس الدين غبريال تقدير شهر، ولما طال الأمر عليهما ظهرا وأسلما. وهو ابن أخت السديد الأعز المذكور المشهور في الدولة الظاهرية المنصورية، وكان خاله مستوفياً، وبه تخرج، وعليه تدرب، ولما مات رتب هو مكانه ومال في الاستيفاء، السعادة الزائدة والدنيا العريضة، وزر بعد ذلك ثلاث مرات، وهو يتأسف على وظيفة الاستيفاء.


وكان رئيساً كبيرا، كاتباً منفذاً وزيرا، قد درب الأمور وباشرها، ورأى المناصب الجليلة وعاش بها وعاشرها، ولم أر من يكتب أسرع منه ولا أقوى، ولا أعرف بالمصطلح في الدولة ولا أحوز لمعرفة عوائدها ولا أحوى، يكون مرتفقاً على مدوره، والورقة في يده اليسرى مهوره، فيأخذ القلم ويكتب ما يريده ويلقيه أسرع من البرق، وأعجل من الشمس التي يكون ضؤوها في الغرب وهي في الشرق، وكان إذا وضع القلم في أول السطر وكتبه لا يرفعه إلى آخره قدرةً على الكتابة، كأنما يمد بسبب.
وكان مع جلالة منصبه كثير الأدب، زائد التواضع إذا أمر أو نهى أو طلب، وكتب بخطه المليح ربعة مليحه، واعتنى بأمرها فجاءت جيدة صحيحه، وكان يتغالى في أمداح النبي صلى الله عليه وسلم، ويكتبها بخطه ممن أنشدها أو تكلم.
ولم يزل بدمشق على نظر الدواوين إلى أن طلب إلى مصر ليعاد إلى الوزاره، فتوجه إليها، ولم يصل إلا وأمره قد نقصه من حسن العباره، فأقام في بيته بطالا إلى أن قبض عليه، وأخذ روحه قبل ما لديه.
وتوفي رحمه الله تحت المصادرة والعقاب، وطلب الأموال منه بلا حساب، وذلك في سنة أربعين وسبع مئة.
وكان قد ولي الوزارة عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بالديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ثم عزل منها وتولى الوزارة بعده الأمير بدر الدين بن التركماني في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وصودر وأفرج عنه، ثم إنه ولي الوزارة ثانياً، فعمل عليه القاضي كريم الدين الكبير وفخر الدين وأخرجاه إلى طرابلس ناظراً بمعلوم الوزارة في مصر، فوصل إليها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وأقام بها إلى أن حج فيما أظن واستعفى من المباشرة، وسأل الإقامة في القدس يعبد الله تعالى هناك، فأجيب إلى ذلك، فتوجه إليها في المحرم سنة عشرين وسبع مئة، وله راتب يكفيه، في كل مرة يعزل شاماً ومصراً.
ولم يزل بالقدس مقيماً، إلى أن أمسك القاضي كريم الدين الكبير في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، فطلب إلى مصر على البريد، ولما وصل في خامس عشري ربيع الآخر ولاه السلطان الوزارة مرة ثالثة.
أخبرني الصاحب أمين الدين رحمه الله تعالى قال: لو علمت أنه بقي في الدنيا وظيفة يقال لها نظر خاص ما خرجت من القدس، قلت: لم ذاك يا مولانا الصاحب ؟ قال: لأن ناظر الخاص يدخل إلى السلطان بكرة النهار فيتحدث معه بكل ما يريد أن يطلقه وينعم به على خواصه وجواريه ومن يختاره، ويدخل بعده ناظر الجيش فيتحدث معه في إقطاعات الأمراء والجند بالديار المصرية والشامية من الزيادات والنقصان والإفراجات، ويدخل كاتب السر فيقرأ البريد عليه وفيه من الولايات والعزل جميع ما بالشام، وأدخل أنا بعد ذلك، فيقول: اخرج احمل لناظر الخاص كذا وكذا فأنا فلاح لذلك المولى، وليس لي مع السلطان حديث إلا في فندق الجبن، دار التفاح، صناعة التمر، جهات القاهرة ومصر، فعلمت صحة ما قاله.
وأقام في الوزارة إلى أن كثر الطلب عليه، فدخل إلى السلطان وقال: يا خوند ما يصلح للوزارة إلا واحد من مماليك مولانا السلطان يكون أمير مئة مقدم ألف، واتفقا على الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، فقال له السلطان. اخرج نفذ أشغالك إلى آخر النهار وانزل إلى بيتك واسترح، وأعلم الناس أن الوزير فلان. فخرج ونفذ الأشغال، وكتب على التواقيع، وأطلق ورتب إلى آخر النهار، ونزل آخر النهار إلى بيته بالمشاعل والفوانيس على عادة الوزير، والنظار والمستوفون والمنشدون قدامه، ولما نزل على باب بيته قال: يا جماعة مساكم الله بالخير، ووزيركم غداً علاء الدين مغلطاي الجمالي، وكان ذلك عزلاً لم يعزله وزير غيره في الدولة التركية، وذلك يوم الخميس ثامن شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.

ثم لازم بيته يأكل مرتبه إلى أن عمل الاستيمار في أيام الجمالي، ووفر فيه جماعة، فطلب هو من السلطان أن يتصدق عليه بوظيفة، فقال السلطان تكون ناظر الدولة كبيراً مع الوزير، فباشر النظر في شوال سنة ثمان وعشرين وسبع مئة هو والقاضي مجد الدين بن لفيتة أربعين يوماً فكان حمله على الجميع ثقيلاً. فاجتمع الكتاب بأجمعهم عليه، وقاموا كتفاً واحدة، فما كان إلا أن كان يوماً وهو قاعد في باب الوزير لخدمة العصر، وإذا خادم صغير خرج من القصر وجاء إلى باب الوزير وأغلق دواته وقال: يا مولانا بسم الله الزم بيتك، فلزم بيته.
ولما أمسك الصاحب شمس الدين غبريال وجاء السلطان من الحجاز وطلب غبريال إلى مصر رسم السلطان للصاحب أمين الدين بمكانه ناظر النظار بدمشق، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأقام بها بعمل الوزارة إلى أن أمسك السلطان النشو ناظر الخاص في سنة أربعين وسبع مئة، طلب الصاحب أمين الدين إلى مصر ليوليه الوزارة، فعمل الكتاب عليه وسعوا في أمره إلى أن انثنى عزمه عنه، فأقام في بيته قليلاً، ثم أمسك هو ووالده القاضي تاج الدين ناظر الدولة والقاضي كريم الدين مستوفي الصحبة، وصودروا، وبسط عليهم العذاب إلى أ توفي هو رحمه الله تعالى تحت العقاب في سنة أربعين وسبع مئة.
وكان الصاحب أمين الدين كثير التواضع والأدب مع جميع الناس كبارهم وصغارهم، وكان قد أسن وكبر، ولا يدخل عليه أحد إلا يقوم له، ويحكى عقيب ذلك أن خاله كان إذا جاء إلى قوم يقول بالله لا تقوموا فإن هذا دين يشق علي وفاؤه.
ولما حضر إلى دمشق أحبه الأمير سيف الدين تنكز أخيراً محبة كبيرة، وكان يثني على آدابه وحشمته.
ولما عمل نظر الدولة مع الجمالي كنت بالديار المصرية فطلبني وقال: أشتهي أن تكتب عني المكاتبات والأجوبة، ورتب لي عليه شيئاً، وكنت أبيت معه وأصبح وأنا في جامكيته وجرايته وقماشه، فيعاملني بآداب كثيرة وحشمة زائدة، رحمه الله تعالى. إذا جاءته قصة أو كتاب قلب ذاك وكتب في ظهره: مولانا يتصدق ويكتب بكيت وكيت.
ولما رسم له بنظر النظار بدمشق كنت إذ ذاك في ديوان الإنشاء بالديار المصرية، وكتبت له توقيعاً شريفاً بذلك ونسخته: الحمد لله الذي جعل ولي أيامنا الزاهرة أمينا وأحله ضمائر من ضمائرنا الظاهرة مكانا أينما توجه وجده مكينا، وخصه بالإخلاص لدولتنا القاهرة فهو يقيناً يقينا، وعضد بتدبيره ممالكنا الشريفة فكان على نيل الأمل الذي لا يمين يمينا، وفجر خلاله نهراً أصبح على نيل السعود معيناً معينا، وزين به آفاق المعالي فما دجا أمر إلا وكان فكره صبحاً مبينا، وجمل به الرتب الفاخرة، فكم قلد جيدها عقداً نفيسا، ورصع في تاجها دراً ثمينا، وأعانه على ما يتولاه فهو الأسد الأسد الذي اتخذ الأقلام عرينا.
نحمده على نعمه التي خصتنا بولي تتجمل به الدول، وتغنى الممالك بتدبيره عن النصار والخول، وتحسد أيامنا الشريفة عليه أيام من مضى من الملوك الأول، وتحل السعود حيث حل إذ لم يكن لها عنه حول.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نستمطر بها صوب الصواب، ونرفل منها في ثوب الثواب، وندخر منها حاصلاً ليوم الحساب، ونعتد برها واصلاً ليوم الفصل والمآب.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده الصادق الأمين، ورسوله الذي لم يكن على الغيب بضنين، وحبيبه الذي فضل الملائكة المقربين، ونجيه الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حجة على الملحدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين صحبوا ووزروا، وأيدوا حزبه ونصروا، وبذلوا في نصحه ما قدروا، وعدلوا فيما نهوا وأمروا، صلاةً لهم تكون لهم هدىً ونوراً إذا حشروا، ويضوع بها عرفهم في الغرف ويطيب نشرهم إذا نشروا، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد:

فإن أشرف الكواكب أبعدها دارا، وأجلها سراً وأقلها سرارا، وأدناها مبارا وأعلاها منارا، وأطيب الجنات جناباً ما طاب أرجاً وثمارا، وفجر خلاله كل نهر تروع حصاه حالية العذارى، ورنحت معاطف غضونه سلافة النسيم فتراها سكارى، وتمد ظلال الغصون، فتخال أنها على وجنات الأزهار تدب عذارا. وكانت دمشق المحروسة لها هذه الصفات، وعلى صفاها تهب نسمات هذه السمات، لم يتصف غيرها بهذه الصفة، ولا اتفق أولو الألباب إلا على محاسنها المختلفة، فهي البقعة التي يطرب لأوصاف جمالها الجماد، والبلد الذي ذهب المفسرون إلى أنها إرم ذات العماد، وهي في الدنيا أنموذج الجنة التي وعد بها المتقون، ومثال النعيم للذين عند ربهم يرزقون، وهي زهرة ملكنا، ودرة سلكنا، وقد خلت هذه المدة ممن يراعي مصالح أحوالها، ويرعى نجوم أموالها، ويدبر أمر مملكتها أجمل تدبير، ويحمي حوزتها ويحاشيها من التدمير، فيسم منها غفلا، ويحلي عطلا، ويملأ خزائنها خيراً يجلى، إذا ملأنا ساحتها خيلاً ورجلا. تعين أن ننتدب لها من خبرناه بعداً وقربا، وهززناه مثقفاً لدناً وسللناه عضبا، وخبأناه في خزائن فكرنا فكان أشرف ما يدخر وأعز ما يخبا، كم نهى في الأيام وأمر، وكم شد أزراً لما وزر، وكم غنيت به أيامنا عن الشمس، وليالينا عن القمر، وكم رفعنا راية مجد فتلقاها عرابة فضله بيمين الظفر، وكم علا ذرى رتب تعز على الكواكب الثابتة، فضلاً عمن يتنقل في المباشرات من البشر، وكم كانت الأموال جمادى فأعادها ربيعاً غرد به طائر الإقبال في الجهات وصفر.
وكان المجلس العالي القضائي الوزيري الصاحبي الأميني هو معنى هذه الإشاره، وشمس هذه الهالة وبدر هذه الداره، نزل من العلياء في الصميم، وفخر بأقلامه التي هي سمر الرماح كما فخرت بقوسها تميم، وتحفظت الموال في دفاتره التي يوشيها فأوت إلى الكهف والرقيم، وقال لسان قلمه " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " ، و:
عقم الزمان بأن يجيء بمثله ... إنّ الزمان بمثله لعقيم
وتشبه به أقوام فبانوا وبادوا، وقام منهم عباد العباد، فلما قام عبد الله يدعوه كادوا.
أردنا أن ينال الشام فضله، كما نالته مصر فما يساهم فيه سواهما ولا يقول لسان الملك لغيره:
حللت بهذا حلّة بعد حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله وشرفه، أن يفوض إليه تدبير الممالك الشريفة بالشام المحروس ونظر الخواص الشريفة والأوقاف المبرورة على عادة من تقدمه في ذلك وبمعلومه الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت، وهو في الشهر مبلغ أربعة آلاف وست مئة وثلاثة وسبعين. تفصيله عن: نظر المملكة الشريفة بالشام المحروس: أربعة آلاف ومئة وثلاثة وثلاثين، مبلغ ألفان وسبع مئة وثلاثة وثلاثين: ثمن لحم وتوابل، ألف وثلاث مئة وخمسون، خارجاً عما باسم كتابة النظر، وهو في الشهر قمح غرارة ونصف، دراهم: مئة وخمسون. عن نظر الخاص الشريف، غلات عن الوظيفتين: تسع وعشرون غرارة، مبلغ وثمن لحم وتوابل: ثلاثة أرطال بالدمشقي: خمس مئة وأربعون درهماً، تفصيله: قمح تسع غرائر، شعير عشرون غرارة، أصناف المشاهرة: بالوزن الدمشقي، سكر بياض اثنان وعشرون رطلاً ونصف، حطب: تسعة قناطير. وفي اليوم بالدمشقي، خبز: خمسة عشر رطلاً، شمع: أوقية ونصف، ماء ورد: أوقية ونصف، صابون: أوقية ونصف، زيت طيب: نصف رطل، والكسوة والتوسعة والأضحية والأتبان على العادة لمن تقدمه في ذلك.

فليتلق هذه الولاية بالعزم الذي نعهده، والحزم الذي شاهدناه ونشهده، والتدبير الذي يعترف له الصواب ولا يجحده، حتى تثمر الأموال في ورق الحساب، وتزيد نمواً وسمواً فتفوق الأمواج في البحار وتفوت المطر في السحاب. مع رفق يكون في شدته، ولين يزيد مضاء حدته، وعدل يصون مهلة مدته، فالعدل يعمر، والجور يدمر ولا يثمر، بحيث إن الحقوق تصل إلى أربابها، والمعاليم تطلع بدورها كاملة في كل هلال على أصحابها، والرسوم لا تزاد على الطاقة في بابها، والرعايا يجنون ثمن العدل متشابها، وإذا أنعمنا على بعض أوليائنا بجمل فلا تكدر بأن تؤخر، وإذا استدعيناه إلى أبوابنا بمهم فليكن الإسراع إليه يخجل البرق المتألق في السحاب المسخر فما أردناك إلا أنك سهم خرج من كنانة، وشهم لا يثني إلى الباطل عيانه ولا عنانه، فاشكر هذه النعم على منائحها، وشنف الأسماع بمدائحها، متحققاً أن في النقل بلوغ العز والأمل، وأنه:
لو كان في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
فاستصحب الفرح والجذل بدل الفكر والجدل، وسر على بركة آرائنا الشريفة وقل: وفي بلاد من أختها بدل، واختر ما اختارته لك سعادتنا المؤبدة المؤيدة فطرفها بالذكاء مكتحل:
إن السعادة فيما أنت فاعله ... وفّقت مرتحلاً أو غير مرتحل
فما آثرنا بتوجهك إلى الشام إلا ليأتيك المجد من هنا وهنا، ولأنك إذا كنت معنا في المعنى فما غبت في الصورة عنا، وابسط أملك " إنك اليوم لدينا مكينٌ أمين " ، ونزه نفسك فقد أويت " إلى ربوةٍ ذات قرارٍ ومعين " ، والوصايا كثيرة وأنت ابن بجدتها علماً ومعرفة، وفارس نجدتها الذي لا يقدم على أمر حتى يعرف مصرفه، فما نحتاج أن نرشدك منها إلى علم، ولا أن نشير إليك فيها بأنملة قلم، وتقوى الله تعالى هي العروة الوثقى، والكعبة التي من يطوف بها " فلا يضلّ ولا يشقى " ، فعض بالناجذ عليها وضم يديك على معطفيها، والله يتولى ولايتك، ويعين دربتك في الأمور وعنايتك، والخط الشريف أعلاه الله تعالى وشرفه أعلاه، حجة بثبوته والعمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وأنشدني لنفسه إجازة ما كتبه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود عندما ولي الوزارة الأخيرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة:
تبلّجت الدّنيا وأشرق نورها ... وعاودها بعد النّفور سرورها
وماست بأعطاف الممالك نفحةٌ ... من العزّ عمّ الخلق طيباً مرورها
وردّت على دست الوزارة بهجةٌ ... إذا لم تكنها الشمس فهي نظيرها
فأربت على ماضي الدّهور لكونها ... أُعيدت إلى المولى الوزير أُمورها
وصاحبها حكماً فكلّ محكّمٍ ... يباشرها من عنده يستعيرها
وما رسمت من بعده باسم غيره ... فساوى الورود الآن منها صدورها
وهل يطرق الآمال أرجاء ربّته ... على مفرق الشّعرى العبور عبورها
أمين الدّنا والدين والملك والعلى ... ومعلي سنا آرائها ومشيرها
فأشرقت الأقطار بعد قطوبها ... بمرآه وافتّرت سروراً ثغورها
ولم لا ترى تلك الثغور بواسماً ... وآراؤه حول الممالك سورها
ولم يدر إن أثرى ثرى الملك بالنّدى ... أيمناه أحيت تربها أم بحورها
وقد كانت الآمال ماتت فردّها ... به نشر بشرى كان فيها نشورها
ولو نذرت من قبلها رتبةٌ علت ... لحقّ عليها أن توفّى نذورها
يلوح بأجياد التقاليد وصفه ... فتشرق بالدرّ الثمين سطورها
وتبدو معاني نفسه في مدادها ... كما تتبدّى في الليالي بدورها
إذا ما سطت أقلامه وضراغم ... لها الطّرس غابٌ والصّرير زئيرها
وإن أجرت الأرزاق فهي غمائم ... يسير إلى الآفاق منها مطيرها
وإن دبّحت طرساً فأبهج روضه ... يناظر زهر النيّرات نضيرها
وإن سجعت في مهرقٍ فحمائم ... لها الكتب دوحٌ والقلوب طيورها

أتانا به لطف الإله بخلقه ... وكلّ امرئ هادي العيون قريرها
إذا أجدبت أرضٌ وغاض معينها ... فمن راحتيه روضها وغديرها
فأخصب واديها وأمرع ربعها ... وأُصلح غاويها وأثرى فقيرها
بحجته معنى الجلالة سافرٌ ... وأضفى ستور الكاملين سفورها
ويدنيه منّا فضله في علوّه ... كشمس الضحى تعلو ويقرب نورها
وقد لحظ الأعمال أوّل نظرةٍ ... تساوى لديه نأيها وحضورها
ووافت حمول المال من كلّ وجهة ... ثقالا هواديها بطيّا مسيرها
ولم يك عن عسفٍ ولكن أثارها ... وقد خفيت من كل قطرٍ خبيرها
فأضحت بيوت المال ملأى برأيه ... تغصّ ولا يخشى انتقاصاً غريرها
وقد أخصبت منه الخزائن فاغتدت ... كروضة حسن والدلال زهورها
ولو لم تكن قد أصبحت وهي جنّة ... به ما علا الأبرار منها حريرها
أيا مالك النّعمى الذي لنواله ... مناهل لم يكدر لديّ نميرها
لقد كنت أخشى أن أموت وما أتى ... بما كنت أرجو من علاك بشيرها
وقد كنت بالعقبى من الله واثقا ... وإن أبطأت أيامها وشهورها
وإنك ما استنصرت إلاّ بربك الع ... ليّ ولم ينس العباد نصيرها
ومن يكن الرحمن حافظ نفسه ... فكيد أعادي نفسه لا يضيرها
فدونكها يصفي لك العزّ وردها ... ويضفي جبير السّعد منك جبورها
فقد يئست منها وقد آل أمرها ... إليك نفوس زال عنها غرورها
فأكرم بملكٍ أنت منه أمينه ... ودولة ملك أنت فيها وزيرها
وعش وابق ما غنّى الحمام بدوحه ... وبارى هديل الورق منها هديرها
يقبل الأرض التي يود لو فاز بلثم أعتابها، أو كحل ناظره الذي قذي بالبعد عنها بلثم ترابها، ويتمنى لو قام لديها بفرض التهنئة منشدا، أو مثل بها بين الأولياء منبهاً لهم على تكرار السجود لله تعالى ومرشدا. وينهي ورود البشرى التي كانت الآمال تترقب ورودها، والتهاني التي كانت الأماني تتنجز من الدهر وعودها، والنعم التي كانت الأولياء تخشى أن تجود بأنفسها قبل أن ترى وجودها، فالحمد لله على هذه المنن التي أجابت من سأل، وتركت المملوك وأمثاله من الأولياء يصحبون الدنيا بلا أمل، وأعادت على النواظر نضارة نورها وإضاءة نورها، وردت إلى القلوب ما بعد من آمالها أو نفر من سرورها، وفسحت للأولياء في أرجاء الرجاء مجالا، وأجرت سوابق الإحسان في مضمار المعنى فغدت لها المحامد غررا، والأثنية المشرقة أحجالا، ثم الحمد لله على هذه المنة التي لا يقدر الشكر قدرها، ولا يدرك سرار الانتهاء بدرها، ولا تزال الأقدار تعاضد نهيها وأمرها، والسعادة ترفه بيمن خياطتها الممالك بيض جيوشها المرهفة وسمرها، والمملوك فقد اجتنى ثمر دعائه الصالح، وأخذ من هذه التهنئة حظ المقيم الملازم بالأبواب العالية مع أنه النائي النازح، والله يجعل هذه المنة فاتحة ما يستقبل من أمثالها، ويمتع الأولياء كافة بما أنجزت لها الأيام من وعود آمالها بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
عبد الله بن جعفر بن علي بن صالح


محيي الدين الأسدي الكوفي النحوي الحنفي، ابن الصباغ.
أجاز له رضي الدين الصاغاني، والموفق الكواشي، وبالعامة من ابن الخير، وألقى الكشاف مرات دروسا، وجلا من آدابه، على الطلبة عروسا، وسقى من فضائله المتنوعة غروسا، وكانت له جلالة وأبوة وأصالة، عرض عليه تدريس المستنصرية فأبى، وصار له بهذا الإعراض حديث ونبا، وكانت فضائله موصوفه، وهو في ذلك الزمان فاضل الكوفه.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الموت بابن الصباغ صبا، وصبت الأحزان عليه سحائب الدموع صبا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة.
كان فيه عبادة وزهادة، وكتب عنه عفيف الدين المطري، وأجاز للشيخ تقي الدين بن رافع، ونظم الفرائض.
عبد الله بن جعفر




عفيف الدين التهامي أحد كتاب الإنشاء للملك المؤيد صاحب اليمن، كان دينا حسن السيره، طاهر السريره.
نقلت من خط الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليمني، قال: كان عفيف الدين يملي على أربعة قريضاً من فيه، على غرض طالبه ومستفتيه، من غير لعثمه، ولا فأفأة ولا تمتمه، في أوزان مختلفه، وقواف غير مؤتلفه، وبلغ السبعين، وهو مشتمل برداء الدين.
وقال: توفي سنة أربع عشرة وسبع مئة ببلده من أعمال الجثة.
قال يمدح المؤيد وقد سار إلى عدن من تعز، وعيد بها:
أعلمت من قاد الجبال خيولا ... وأفاض من لمع السيوف سيولا
وأماج بحراً من دلاصٍ سابحٍ ... جرّت أسود الغاب منه ذيولا
ومن القسىّ أهلةً ما تنقضى ... منها الخضاب عن النصول نصولا
وتزاحمت سمر القنا فتعانقت ... قرباً كما يلقى الخليل خليلا
فالغيث لا يلقى الطريق إلى الثرى ... والريح فيها لا تطيق دخولا
سحبٌ سرت فيها السيوف بوارقاً ... وتجاوبت فيها الرعود صهيلا
طلعت أسنّتها نجوماً في السما ... فتبادرت عنها النجوم أُفولا
تركت ديار الملحدين طلولا ... مما تبيح بها دماً مطلولا
والأرض ترجف تحتها من أفكلٍ ... والجوّ يحسب شلوه مأكولا
حطمت جحافلها الجحافل حطمةً ... تدع الحمام مع القتيل قتيلا
طلبوا الفرار فمّد أشطان القنا ... فأعاد معقلهم بها معقولا
عرفوا الذي جهلوا فكلّ غضنفرٍ ... في النّاس عاد نعامة إجفيلا
ملك إذا هاجت هوائج بأسه ... جعل العزيز من الملوك ذليلا
بحر إلى بحر يسير بمثله ... والملح أحقر أن يكون مثيلا
وقال: وقد أمر المؤيد أن تطرح دراهم في بركة صافية، وأن ينزل الخدام والحاضرون للغوص عليها:
أرى بركة قد طما ماؤها ... وفي قعرها ورقٌ منتثر
فيا ملك الأرض هذي السّما ... وهذي النجوم وأنت القمر
وقال: وقد أمر المؤيد أن يقطع الندامى عناقيد عنب، فقطع عفيف الدين عنقوداً وحمله إلى السلطان وهو يقول:
جاء ابن جعفر حاملاً بيمينه ... عنقود كرم وهو من نعماكا
يقضي الزمان بأنّ نصرك عاجلٌ ... يأتي إليك برأس من عاداكا
وقال: وقد حضر خروف المغني من الشام سنة ثلاثين وسبع مئة، وغنى بين يدي السلطان:
إن أيامكم لأمنٌ ويمنٌ ... وأمانٌ في كل بدوٍ وحضر
هيبةٌ منك صالحت بين سرحا ... نٍ وسنحلٍ وبين صقر وكدري
ومن المعجزات أنّ خروفاً ... يرفع الصوت وهو عند الهزبر
قلت: كذا نقلته من خط الشيخ تاج الدين اليمني قوله: أمن ويمن وأمان، والأمن والأمان واحد.
عبد الله بن أبي جمرة


خطيب غرناطة المالكي.
روى عن أبي الربيع بن سالم وأقام مدة بسبته لا يخرج عنها جمعته ولا سبته.
ثم إنه ولي خطابة غرناطه، وغدق به صاحبها ذاك وناطه، وكان ذلك في آخر عمره ونهاية أمره.
خطب يوم جمعة وسقط ميتاً من أعلى المنبر، وكان ذلك آية لمن عق ومن بر، وذلك بعد سنة عشر وسبع مئة.
عبد الله بن حسن



ابن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور، الشيخ الفقيه الإمام المحدث اللغوي المفتي قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد بن العلامة شرف الدين بن الحافظ جمال الدين بن الحافظ تقي الدين الدمشقي الصالحي الحنبلي.
سمع حضورا سنة ثمان وأربعين، وحدث عن مكي بن علان، والعراقي، والكفرطابي، ومحمد بن سعد، سمع منه صحيفة همام والعماد بن عبد الهادي، واليلداني، وخطيب مردا، وعلي بن يوسف الصوري، وإبراهيم بن خليل، وأبي المظفر سبط الجوزي، وطائفة. وحدث بصحيح مسلم عن ابن عبد الهادي، وطلب قليلا بنفسه، وقرأ على ابن عبد الدائم والشيخ شمس الدين، روى الكثير وتفرد، وكان يمل ولا يحتمل تطويل المحدثين، تفقه وبرع في مذهبه، وأفتى ودرس في حال تقلبه.


وكان خيراً وقورا، ساكناً صبورا، حسن السمت، لا يرى في حاله عوج ولا أمت، لين العريكه، من جالسه صار في أمره وما هو فيه شريكه، تقلد الحكم بعد عز الدين المقدسي فما غير زيه، ولا حول نديه، ولا ركب بغلة، ولا حضر المواكب ولا مشى في حفلة، بل كان يركب حماره، وجعل ذلك دليلاً وأماره.
وكان طويل القامة رقيقا، دقيق الصوت رفيقا. مليح الذهن حسن المحاوره، متع المحاضره، ولم يكن محذلقاً في أموره، ولم يكن عنده فطنة في غيبته ولا في حضوره.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه الأجل فبغته، ولم يخطه الذي وصفه ونعته، حكم بالبلد إلى العصر، وطلع إلى الجبل ففاجأه الموت وهو يتوضأ للمغرب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكانت ولايته سنة وشهرين.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.
وأجاز لي رحمه الله تعالى في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وكتب عنه بإذنه عبد الله بن أحمد بن المحب.
وكان وصول تقليده بالقضاء إلى دمشق يوم الثلاثاء سابع عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
عبد الله بن الحسين


ابن أبي التائب بن أبي العيش، الشيخ المسند المعمر الشاهد، بدر الدين أبو محمد الأنصاري.
سمع مع أخيه إسماعيل كثيراً من مكي بن علان، والرشيد العراقي، وابن النور البلخي، وعثمان بن خطيب القرافة، وإبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخشوعي، وعدة. وروى الكثير على ضعفه، وتفرد بالرواية، ولو طلب الإعفاء من الطلبة لم تعفه، وعمر دهرا، وخاض من العمر المديد نهرا، وكان لا يصدق في مولده في آخر عمره، ويزعم أنه تجاوز المئة، فما أصبره على جمره، ثم إنه شرع في الطلب على الروايه، وبان للناس منه الغوايه.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل بابن أبي العيش الموت، وحضره مع كثرة التسميع الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وست مئة.
وألحق مرة بخطه الوحش اسمه مع أخيه فيما لم يسمعه فما روى من ذلك كلمة واحدة، وأجاز لي بدمشق بخطه سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
عبد الله بن خطلبا



ابن عبد الله جمال الدين الغساني أحد مقدمي الحلقة بالقاهرة.
أخبرني العلامة أثير الدين من لفظه قال: مولده رابع عشر شعبان سنة سبع وعشرين وست مئة، وأنشدني: قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
أستغفر الله من أشياء تخطر لي ... من ارتكاب دنيّاتٍ من العمل
ومن ملاحظتي طوراً مسارقةً ... وتراةً جهرة للفاتر المقل
من كلّ أحوى حوى رقّي ورقّ له ... قلبي وقد راق لي في وصفه غزلي
من أحسن الناس وصفا قد شغفت به ... وهو الذي حسنه العصيان حسّن لي
فالشمس تفخر إن قيست ببهجته ... والبدر منه وغصن البان في خجل
فجلّ جامع ما في الناس من حسن ... ومن على كلّ قلب الجمال ولي
عبد الله بن ريحان



ابن عبد الله، الشيخ جمال الدين التقوى القليوبي.
سمع من ابن المقير، والساوي، وابن الصابوني، وابن رواج، وابن الجميزي، وسبط السلفي، وغيرهم. وقرأ بنفسه على بعضهم، وكان يسكن بالمدرسة الكاملية بالقاهرة، وينادي بقيسارية التجار، وكان عسراً في التحديث.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه جزء الصولي عن ابن رواج بجامع الحاكم.
وتوفي في نصف صفر سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين وست مئة بالقاهرة.
عبد الله بن سعيد الدولة



الوزير موفق الدين.
أول ما علمته من أمره أنه كان رحمه الله ناظر البيوت في آخر أيام الملك الناصر محمد، ثم إنه بعد ذلك تولى نظر الدولة، وأمسك مع القاضي جمال الدين جمال الكفاة، ونجاه الله من تلك الفتنة وكانت واقعة عجيبة، وصودر فيها جماعة، ومات آخرون وهلك جماعة من العقوبة.


ثم إنه تولى نظر الخاص بعد جمال الكفاة، ولما تولى نظر الخاص كتب اسمه: عبد الله، وقبل ذلك إنما كان اسمه: هبة الله، وكذا كان يكتبه، فلما ولي الخاص كتب: عبد الله، واستمر على ذلك إلى آخر وقت، ثم إنه طلب الإعفاء من نظر الخاص، وأعيد إلى نظر الدولة، وتولى علم الدين بن زنبور نظر الخاص، ولم يزل موفق الدين على نظر الدولة إلى أن أمسك ابن زنبور الوزير، فتولى موفق الدين الوزارة، وأقيم معه الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني مشيراً، وكان يجلس معه إلى آخر وقت.
وكان القاضي موفق الدين خيرا، باطنه لا يزال بمحبة الفقراء نيرا، يميل إلى الصلحاء ويبرهم، ويحسن إليهم بما يستروح إليه سرهم، ولا يرد فقيرا، ولو كان ما يعطيه نقيرا، ولا يزال على مصالحهم يثابر، وليس كمن يأخذ من نهاوش ويضعه في نهابر.
وكانت أخلاقه سهله، وغضبه مثل ثم تقتضي التراخي والمهله، دائم البشر، فائح النشر، وكان يحب الفضلاء ويدنيهم، ويود قربهم ويعينهم ويغنيهم، وخطه حسن جيد نقش، حلو الأوضاع رقش. وكان من غريب الاتفاق، أنه تزوج باتفاق، وهي جارية سوداء أظنها كانت من حظايا الصالح إسماعيل، اتصل بها بعده لأن صبره فيها عيل، ودخلت إليه بخدم كثير، وفرش وثير وجد منه عثير، وكان يتكلف في النفقة عليها كل يوم جمله، وينهض من ذلك بما لا يطيق غيره حمله، ولعله لمح منها ما هاله فحصل له الهلع، وأراد الله أن يختار له من السعود سعد بلع، وليس ذلك بدعاً فلولا الأغراض الفاسدة ما نفقت السلع، وما الوزير موفق الدين فرداً في هذه المسأله، ولا هو بأول من نصر حجة مبطله، فقد صنف ابن الجوزي كتاباً سماه تنوير الغبش في فضائل الحبش وقصيدة ابن الرومي القافية التي يصف بها السوداء تقارب المئتي بيت، وأحسنها:
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
وقال الشريف الرضي من أبيات:
وما كان سهم الطّرف لولا سواده ... ليبلغ حبّات القلوب إذا رمى
إذا كنت تهوى الظبي ألمى فلا تلم ... جنوني على الظبي الذي كلّه لمى
ولم يزل الوزير موفق الدين في الوزاره، إلى أن جاءه الأجل وزاره، وأبعد من اتفاق مزاره.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وتأسف الناس عليه وعدمه الفقراء، فإنه كان لهم ثمالاً، وبدعائهم له سلم من آفات أصابت غيره.
عبد الله بن أبي السعادات


ابن منصور بن أبي السعادات بن محمد، الإمام الفاضل أبو بكر نجم الدين بن الأنباري البغدادي البابصري شيخ المستنصرية، المقرئ، خطيب جامع المنصور.
سمع ابن بهروز الطبيب، والأنجب الحمامي، وأحمد المارستاني، ولي مشيخة المستنصرية، بعد العماد ابن الطبال، وتفرد بأجزاء وحمل عنه أهل بغداد.
وتوفي سنة عشر وسبع مئة في ثاني عشر شهر رمضان وله اثنتان وثمانون سنة.
ومن مسموعاته الإبانة الصغيرة لابن بطه على أحمد المارستاني بسماعه من ابن اللحاس، وموطأ القعنبي على ابن العليق عن شهده، ومسند عبد ابن حميد بفوت يسير من أوله، والجزء الثالث من ذم الكلام للأنصاري على ابن بهروز.
عبد الله بن سعد



ابن مسعود بن عسكر الماسوحي الفقيه المحدث الشافعي.
كان عارفاً بالفروع، جيد المشاركة يروق ويروع، كثير النقل، صحيح العقل.
تفقه بالشيخ برهان الدين، وسمع على الحجار، والمزي، والشيخ برهان الدين وغيرهم، وكتب الأجزاء والطباق.
وولده سنة اثنتي عشرة وسبع مئة تقريباً.
عبد الله بن شرف



ابن نجدة المرزوقي، علم الدين.
أخبرني الإمام العلامة أثير الدين قال: كان المرزوقي يحضر معنا عند قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين، وكان معيداً بالمشهد الحسيني. ألف شرحاً للتنبيه وأنفذه إلى الشيخ بهاء الدين بن النحاس، فكتب عليه نثراً يصفه، وأعاده فأنفذ المرزوقي أبياتاً يشكره على ذلك وهي:
يا مالك الرق والقياد ... ومن له الفضل والأيادي
ومن تحلّى التقى لباساً ... وأرشد الناس للسّداد
ومن علا ذروة المعالي ... وخلّف الناس في وهاد
ومن غدا في العلوم بحراً ... آذيّه الدهر في ازدياد
وصار مدح الأنام وقفاً ... على علاه إلى التنادي


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 19 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 07:05 AM ]


شرّفت ما قد نظرت فيه ... شرّفك الله في المعاد
وهو كتاب عنيت فيه ... ولم أنل منتهى مرادي
جمعت فيه غرّ المعاني ... من كتب جمّةٍ عداد
وعاند الدهر فيه حظي ... والدهر ما زال ذا عناد
فمهّد العذر فيه عنّي ... إن كنت قصّرت في اجتهادي
لا زلت للعرف ذا اصطناع ... ترأب ما كان ذا فساد
فأجابه الشيخ بهاء الدين عن ذلك:
يا فارساً في العلوم أضحى ... يزيد نظماً على زياد
وراويا للحديث أمسى ... يفوق فيه على المرادي
ومنسياً سيبويه نحواً ... بلفظه الفائق المفاد
من دونه الأصمعيّ فيما ... رواه قدماً عن البوادي
فمسند الفضل عنه يروى ... ونظمه جلّ عن سناد
شيّدت للشافعيّ ذكراً ... بمنطقٍ دونه الإيادي
فاسلم لتهدى بك البرايا ... فأنت للفضل خير هاد
إليك في معضلٍ مفرٌ ... وهل معادٌ سوى العماد
ومن يجاريك في قريضٍ ... يعارض البحر بالثّماد
قلت: رزق المرزوقي السعادة في شعره لما انتحس شعر ابن النحاس.
عبد الله بن الصنيعة المصري


الصاحب شمس الدين غبريال، بكسر الغين المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها راء وياء آخر الحروف وبعد الألف لام، المصري.
كان أولاً كاتب الخزانة في أيام المنصور حسام الدين لاجين، وكان يصحب الأمير شمس الدين قراسنقر، ثم إنه انتقل إلى الشام وولي نظر الجامع الأموي والأسرى والأوقاف في المحرم سنة عشر وسبع مئة عوضاً عن شرف الدين بن صصرى. ولما حضر الأمير سيف الدين كراي لنيابة دمشق عزله عن نظر الجامع والأوقاف، وولى عوضه القاضي شرف الدين محمد بن جلال الدين النهاوندي قاضي صفد، ولما أمسك كراي وحضر الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك عزل شرف الدين النهاوندي وولى القاضي تقي الدين عمر بن السلعوس.
ثم إن الصاحب شمس الدين تولى نظر الدواوين بدمشق في نصف المحرم سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. عوضاً عن الشريف أمين الدين وبدر الدين بن أبي الفوارس لما حضر السلطان إلى دمشق، وتولى شد الدواوين معه الأمير فخر الدين أياس مملوك الأعسر عوضاً عن القرماني، وباشر نظر الدواوين على القالب الجائر، وأمسى كل أحد وهو في أمره حائر، دخل في ناصر الدين الدوادار، وتسلسل سعده وما دار، وخدم تنكز وبالغ في الخدمه، وثبت له على طول المدة، قدم القدمه، وخدمته الأيام والليالي، وجرت أنهار دمشق له ذهباً، وأصبح حصاها لآلي، ووجه الناس بمباشرته السعيدة أماناً من الحوادث، وبقيت المناصب في أيدي مباشريها أوقافاً عليهم، تنتقل من وارث إلى وارث، وسد باب المرافعات والمصادرات، واغتنم أفعال الخير مع الناس بالمعاجلة والمبادرات، فكأنما كانت أيامه مواسم، وهبات هباته نواسم، وثغور الأيام فرحاً به في رحابه بواسم، والأرزاق بأقلامه قد أثقلت الغوارب وأعيت المناسم، وسعادات تدبيره لأدواء اللأواء حواسم، وربوع الجور والعدوان في مدة مباشرته طوامس ويقال: طواسم، وكأن أبا الطيب أراده بقوله:
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
ورأى دمشق وتمتع بمحاسنها، وتنعم في ظلالها الوارفة من مساكنها، واقتنى بها الأملاك النفيسه، وحصل بها الأموال التي تكون البحار الزاخرة عليها مقيسه.
ولم يزل في سعادة بعد سعاده، وزيادة بعد زياده، إلى أن نقض حبله، ونفض ويله، فتغير له تنكز وتنكر، وأكمن له وتفكر، فاتفق مع السلطان على عزله، وأن يريه جده بعد هزله، فقبض عليه في حادي عشر شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وبقي في الاعتقال إلى أن حضر السلطان من الحجاز فطلبه إلى مصر، فالتزم له بتكملة ألف ألف درهم.
ونزل إلى بيته وأقام بالقاهرة إلى أن أذنت شمسه بالغروب، وجرت الدموع عليه من الغروب.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة السبت ثامن عشر شوال سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.


وكان الصاحب شمس الدين سعيد الحركات خفيفاً ظريفاً، حلو النادرة مليح التنديب، كان في متعممي دمشق شخص يعرف بالقاق يندب الناس عليه، ويمزحون معه بذلك ويظهر هو التأذي بعض الأوقات، فاتفق أنه سرق مرة جملة من الخشب من شيء كان يباشره، وذكر أمره للصاحب شمس الدين، فبقيت، فلما كان في بعض الأيام جاءه فقال له: يا مشؤوم، الناس يقولون عنك قاق، طلعت أنت نقار الخشب.
وكان فيه ستر وحلم، لم يقع لأحد من أكابر دمشق واقعة إلا وسد خرقها وتدارك رمقها وتلافى عطبها على أحسن الوجوه ولم يكشف لأحد رأساً ولا ضرب أحداً بالمقارع، ولا صادر أحداً ولا عزل أحداً. وكان كلما انتشأ أحد من الأمراء خواص السلطان خدمه وباشر أموره بالشام وثمر له وأهدى، وكان أولئك يعضدونه ويقيمونه، وإذا جاء أحد من مماليكهم أو من جهتهم أنزله عنده وأزاح أعذاره وخدمه، وكان مرجع دواوينهم إليه وأموالهم تحت يده يتجر لهم فيها ويتكسب مثل بكتمر الساقي وقوصون وبشتاك وغيرهم، كل من له علاقة بالشام ولا يخرج الحديث عنه، وكان هو والقاضي كريم الدين الكبير متعاضدين جداً، ودامت أيامهما مدة.
وطلبه السلطان مرات إلى مصر، فراح على البريد وعاد بزيادة إكرام وإنعام وزيادة معلوم، ولما كان في سنة أربع وعشرين وسبع مئة طلبه السلطان إلى مصر وخلع عليه وباشر نظر الدولة مع الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير وذلك في شهر رمضان، فأقام بالديار المصرية على كره منه لأنه ألف دمشق واعتدال مزاجها، فسعى سعياً جيداً وعاد إلى دمشق على عادته وقاعدته في نظر الدواوين، ووصل إلى دمشق في يوم الاثنين ثامن عشري صفر سنة ست وعشرين وسبع مئة، وفرح الناس به واستبشروا، وعاد القاضي كريم الدين الصغير ناظر دمشق إلى مصر.
ولم يزل بدمشق على أكمل ما يكون من السعادة إلى أن قبض عليه تنكز بأمر السلطان في التاريخ المذكور، وجعل في المدرسة النجيبية ورسم عليه الأمير علاء الدين المرتيني، فكان يكون قدامه وإذا دخل إلى الطهارة وعاد منها يقوم الأمير يمسك له فرجيته ويلبسها له. ووزن في الشام أربع مئة ألف درهم ثم إن المرسوم ورد بطلبه إلى مصر فتوجه إليها ولما وصل نزل في الطبقة التي على دار الوزارة بقلعة الجبل وجاء إليه القاضي شرف الدين النشو، وقعد بين يديه، ولم يعرف من هو لبعد عهده بمصر، فقال: السلطان يسلم عليك، فلحظته أنا وغمزته، فعلم أنه كبير، فقام وقف له وأجلسه إلى جانبه فأسررت أنا إليه أن هذا هو النشو ناظر الخاص، فقام وقف وعامله بما يجب وحلف له أنه ما يعرفه، فقبل اعتذاره، ولما راح من عنده جاء إليه الأمير صلاح الدين الدوادار برسالة عن السلطان، وكان الأمير علاء الدين بن هلال الدولة مشد الدواوين يروح إليه في الرسائل عن السلطان هذا وهو قاعد على مقاعد سنجاب ومقاعد سرسينا، ولم أر أنا ولا غيري مصادراً مثله إلى أن قال له النشو: يا مولانا وزنت في الشام أربع مئة ألف فكمل لنا ألف ألف، فقال: السمع وألف طاعة، وكتب خطه بست مئة ألف درهم، ونزل إلى بيته، ولم يزل يحمل إلى أن بقي عليه مئتا ألف، فاستطلقها له الأمير سيف الدين قوصون من السلطان، ولو أن بكتمر الساقي يعيش له ما جرى عليه بعض ذلك، وكان أعاده لأنه شفع فيه عن طريق الحجاز وسير الإفراج عنه إلى الشام، ومات بكتمر بعد ذلك ثم إن أعداءه غيروا السلطان عليه، وقيل له: إن في دمشق ودائع فكتب السلطان إلى تنكز، فتتبع ودائعه وظهر له شيء كثير، فحمل ذلك إلى السلطان.
ولما مات رحمه الله تعالى وقع بين أولاده اختلاف في الميراث، فطلع ابنه صلاح الدين يوسف ولم يكن له ولد ذكر غيره ودخل إلى السلطان ونم على أخواته، فأخذ منهم شيء كثير من الجوهر، فيرى الناس أن الذي أخذ من ماله أولاً وآخراً ما يقارب الألفي ألف درهم، وما أظنه نكب ظاهراً غير هذه المرة، وسمعته ليلةً يقول: من حين باشرت الكتابة ما أعلم أنني اشتريت لي مركوباً ولا قماشاً ألبسه أنا ولا أهلي، وفي هذه المصادرة لم يشك أحد عليه ولا رفع فيه قصة لا في الشام ولا في مصر، ولما أفرج عنه خرج الناس له بالشمع وفرحوا به فرحاً عظيماً.

وعمل بعد موته في دمشق محضر بأنه خان في مال السلطان واشترى به أملاكاً، وشهد فيه كمال الدين مدرس الناصرية، وابن أخيه القاضي عماد الدين، وعلاء الدين بن القلانسي، وعز الدين بن المنجا، وغيرهم من الأكابر، وامتنع عز الدين بن القلانسي ناظر الخزانة من ذلك، ونفذ المحضر إلى مصر، وأراد السلطان بيع أملاكه فوقف له قوصون واستطلقها منه لأولاده.
وكان يسمع البخاري في ليالي رمضان، وليلة ختمه يحتفل بذلك، ويعمل في كل سنة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحضره الأكابر والأمراء والقضاة والعلماء ووجوه الكتاب، ويظهر تجملاً زائداً ويخلع على الذي يقرأ المولد، ويعمل بعد ذلك سماعاً للأمراء المحتشمين.
وعمر جامعاً حسناً، شرع فيه في شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة على باب شرقي عند دير القعاطلة، ووقف عليه وقوفاً، وعمر بالرحبة بيمارستاناً، وعمر بكرك نوح عليه السلام بالبقاع طهارة وأجرى إليها الماء في قناة هناك.
وكتبت أنا إليه من الرحبة:
يا سيّد الوزراء ذكرك قد علا ... وكأنّه حيث اغتدى كيوان
لك جامع بدمشق أضحى جامعاً ... للفضل فيه الحسن والإحسان
وأمرت أن يبنى برحبة مالك ... من جودك المبرور مارستان
أنشأت ذاك وذا فجئت بآيةٍ ... صحّت بها الأديان والأبدان
وكتبت إليه يوماً وأنا بدمشق ....
وكتبت إليه عن الأمير سيف الدين تنكز من الديار المصرية يعلمه بوصوله وتقبيله الأرض بين يدي السلطان وبحضور الإقبال الشريف عليه وإفاضة الإنعامات الشريفة عليه في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ونسخة الكتاب: أسبغ الله ظل المقر الكريم العالي المولوي الصاحبي الشمسي، وسر قلبه بأخبار أحبابه، وسرى همه الذي توهمه بسببهم لما تقمص من الدجا أسود جلبابه، وسير أنباءهم التي هي أطرب وأطرى من زهر الروض تحت وقع ربابه. المملوك يخدم بدعائه الذي يتمسك من القبول بأقوى أسبابه. وبثنائه الذي يجد الندمان منه نشوة لا يجدها في كأسه المرصع بدر حبابه، ويقبل اليد الكريمة التي تخجل البحر إذا طمى في عبابه، وينهي إلى العلم الكريم أنه سطرها من الأبواب الشريفه، خلد الله سلطانها، ونصر أعوانها، بعدما وصل إليها في يوم كذا وقبل الأرض بالمواقف الشريفه، وود لو استعار فم الثريا للثم تلك المواطئ التي هي على الكواكب منيفه، وفاز برؤية وجه مولانا السلطان الذي أخجل البدر في سعوده، وترقى على أوجه وهو في معارج صعوده، وود لو أن أعضاءه جميعها عيون، وكل جارحة فيها تطالب أشواقها بمالها في ذمة النوى من ديون، وشملت المملوك الصدقات الشريفة بتشريف أثقل كاهله، وجعل ربوع آماله بالمسرات آهله، وتوالى الإنعام الشريف في كل يوم على الأنعام، وأغرقته المواهب العميمة بأياديها إلى أن عام، وتزايد الجبر الشريف في كل ساعة يكون فيها بالمواقف الشريفة ماثلا، وفتح على المملوك بصالح أدعية ما ترك منها سهماً في كنانة ضميره إلا إذا كان له ناثلا، هذا إلى ما يتحف به في كل يوم من جمل التفاصيل التي يحار العقل في نقوشها، وتتأصل في المحاسن مباني عروشها، ومن الخيل التي ترى الشهب عند شهبها مستقله، ويود الأفق لو كانت تجعل مسيرها في مجرته لأنها تملأ الطرق بالأهله، ولم يصف المملوك أنواع هذه الصدقات الشريفة التي عمت، وكملت بدور بدرها وتمت، إلا إشعاراً لمولانا، بسط الله ظله، بأن نصيبه منها يحضر صحبة المملوك، ويناله منها ما يخجل القمر في التمام والشمس في الدلوك، وقد جهزها لمملوك على يد فلان ليطمئن خاطره الكريم، ويتحقق ما المملوك عليه من الأخبار التي تسره وتحل من قلبه في الصميم، وبعد قليل يأخذ دستورا بالعود، ويعلم أنها ساعة يشب لها الفؤاد ناراً ويشيب الفود، وإذا استخرج المراسيم الشريفة شرفها الله تعالى وعظمها بالرجوع، ورسم بذلك، وهو أمر يمنع الجفون من الهجوع، عجل المملوك إعلام مولانا بذلك على العاده، والله تعالى يجمع المملوك ومولانا دنيا وأخرى في دار السعاده بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
عبد الله بن أبي الطاهر


ابن محمد الشيخ الصالح أبو عبد الرحيم المقدسي المرداوي.

أول سماعه بمردا من خطيبها سنة ست وثلاثين، وسمع من الحافظ الضياء، واليلداني، وتلقن بمدرسة أبي عمر، ثم رجع وحدث في أيام ابن عبد الدائم.
روى عنه ابن الخباز.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وسمع منه الأصحاب، وكان معمراً من أبناء التسعين، وهو آخر أصحاب الضياء بالسماع.
وتوفي رحمه الله تعالى بمردا سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
عبد الله بن عبد الأحد


ابن عبد الله بن سلامة بن خليفة، الشيخ الصدر الكبير أمين الدين بن شقير الحراني.
كان محموداً مشكوراً، كل أحد يثني عليه ويعظمه، وهو على قدم الصدق والعدالة محترم معظم من أرباب الأموال، وله حقوق على الناس ووجاهة عند الدولة.
حدث عن يوسف بن خليل، وعيسى بن الخياط.
توفي رحمه الله بغزة ثالث عشري شهر رمضان سنة ثمان وسبع مئة.
ومولده بحران في نصف شعبان سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
كان قد توجه من دمشق في جماعة من أولاده وأقاربه يقصد القاهرة فأدركه الأجل بغزة.
عبد الله بن عبد الحق



ابن عبد الأحد المخزومي المصري الدلاصي.
تلا لنافع على أبي محمد بن لب سنة خمس وثلاثين وست مئة، ثم تلا بعده كتب علي بن فارس، وسمع القصيدة من قارئ مصحف الذهب.
وأقرأ دهراً بمكة، وتلا عليه بالروايات عبد الله بن خليل، والمجير مقرئ الثغر، وأحمد بن الرضي الطبري، والوادي آشي، وخلق.
وكان من أصحاب الحال والسقم والانتحال، له في ظلمات الليل أوراد، وركعات تكون في صحف حسناته كالأطواد، وفيه زيادة تأله، وفيه خشية من الله العظيم تحله، وقد أحيا الليل سنوات، وقطع ظلامه في ذكر وصلوات، وتفقه لمالك ثم للشافعي، فشرب من جلاب الحلات، ونصب راية الرافعي.
ولم يزل على حاله إلى أن ما حمت الدلاصي من الموت سابغة دلاص، ولكم يكن له من قدومه عليه مناص.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاثين وست مئة.
عبد الله بن عبد الحليم



ابن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية الحراني، الشيخ الإمام الفقيه المفتي القدوة العابد شرف الدين أبو محمد الدمشقي أخو الشيخ العلامة تقي الدين.
سمع حضوراً من ابن أبي اليسر، وسمع من الجمال البغدادي، وابن أبي الخير، وابن الصيرفي، وابن أبي عمر وابن علان، وابن الدرجي، وخلق كثير، وطلب الحديث في وقته، وسمع المسند والمعجم الكبير والدواوين، وسمع منه الطلبة.
قال شيخنا الذهبي: وما علمته صنف شيئاً.
كان لسناً فصيحا، جزل العبارة مديد الباع فسيحا، غزير مادة العلم كثير الإغضاء والحياء والعلم، بصيراً بالقواعد، حاوياً لكثير من غرائب المسائل الأباعد، كثير الإنصاف إذا بحث، إذا سكت خصمه حضه على الكلام وحث، زائد التعفف قادراً على التقشف مع الدين المتين، والإخلاص المبين، واسع قميص الزهد، مغتبطاً بما عنده من الجهد، منقبضاً عن الناس، منجمعاً عن مخالطة الأدناس، يتنقل في المساجد المهجوره، ويقيم فيها كثيراً لا لضروره، يختفي فيها أياما، ويهجر بها ما عساه أن يهجر دواما، مع ما أحكمه من الفقه والعربيه، والنكت الأدبيه، وبرع فيه من معرفة السيرة وكثير من التاريخ وأسماء الرجال، وما يتسع في ذلك من المجال، ورأيت كثيراً من الفضلاء يقول: هو أقرب من أخيه إلى طريق العلماء، وأقعد بمباحث الفضلاء، وكان أخوه العلامة تقي الدين يحترمه ويتأدب معه، ويحذر أن يخدعه.
ولم يزل على حاله المرضية إلى أن نزل به ما لا بد من نزوله، وظفر من الله تعالى بمرامه وسوله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، قبل أخيه العلامة تقي الدين بسنة، وكانت جنازته حافلة مشهودة، حمله الناس على الرؤوس.
عبد الله بن عبد الكافي



نور الدين بن ضياء بن الخطيب الكبير جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي الدمشقي الشروطي الأديب.
كان حسن الكتابه، جيد المعرفة بالإصابه، وكان فيه لعب وانطباع وعثرة وانخلاع.
ولم يزل على حاله إلى أن راح ليكون رميما، ويجد من فضل محبيه براً عميما.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وستين وست مئة.
عبد الله بن عبد الكافي



ابن عبد الرحمن بن محمد الحميري الصنهاجي المصري المالكي، زكي الدين أبو محمد المعروف بالمأمون.

سمع من الدواداري، وقيل: إنه سمع من النجيب.
وكان حسن الشكل والهيئة، لطيف الذات، تولى نظر الكرك والشوبك، وأقام هناك مدة وكان يعرف عروضاً وفقهاً ويشغل الناس وله نظم.
توفي رحمه الله تعالى في سابع عشري جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ودفن في مقابر باب النصر ظاهر القاهرة.
عبد الله بن عبد الله


أمين الدين الرهاوي الدمشقي تربية ابن الكريدي.
سمع وقتاً من ابن القواس، وابن عساكر، وطلب بنفسه وقتاً بعد السبع مئة، ونسخ الأجزاء وارتزق بالكتابة في زرع وغيرها.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وأربعين وسبع مئة بين العيدين.
ومولده سنة أربع وثمانين وست مئة.
عبد الله بن عبد الولي



ابن جبارة بن عبد المولى الإمام تقي الدين الحنبلي ابن الفقيه المقدسي الصالحي.
كان إماماً مفتياً مدرسا، مدلجا في الفضائل معرسا، صالحاً ديناً خيراً صيناً عارفاً بالفرائض والجبر والمقابلة، فارساً في بحثه، كم جدل من جادله، تبحر في الفرائض، وغرق فيها ألف رائض، وكان قد طعن في سنه، وقارب المئة على ما في ظنه.
ولم يزل على حاله إلى أن كسر ابن جباره، وسكنت منه تلك العباره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر.
وكان من أهل الفتوى والتدريس.
عبد الله بن عبد الوهاب



ابن حمزة بن محمد بن الحسين بن حمزة، الشيخ العدل ناصر الدين أبو محمد بن العدل كمال الدين النهراني الحموي.
وكان يجلس بين الشهود بحماة، وله مسجد وقراءة، حضر جزء لطيفاً وهو في أول سنة من عمره على والدة جدته صفية بنت عبد الوهاب القرشية، وحدث بالجزء مرات بحماة ودمشق.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمعت منه بهما، وهو من حديث أبي بكر بن زياد النيسابوري، وكان قد قدم دمشق سنة سبع وسبع مئة، وسمع منه جماعة من الطلبة، وكان جده قاضياً بحماة، وهو من بيت مشهور.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشر صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
عبد الله بن عبد الوهاب



ابن فضل الله صلاح الدين ابن القاضي شرف الدين العمري.
كان شاباً عاقلاً له فهم ومعرفة، وهو جندي، وهو والد الأمير ناصر الدين محمد بن فضل الله.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع عشر شهر رجب سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودفن بتربة له جوار المدرسة العزية التي عند الوراقة ظاهر دمشق.
عبد الله بن علي



ابن محمد بن سلمان القاضي الرئيس الكاتب المنشئ جمال الدين بن الشيخ علاء الدين بن غانم.
كان شاباً ظريفا، مليح الوجه نظيفا، عليه رونق الشباب ولطف السلافة إذا شف عليها الحباب، شكله أنيق، وصدغه في خده سحالة لازورد في زنجفر سحيق، يكتب خطا من أين للوشي رقومه، أو للأفق الصاحي نجومه، كأنه طرة ريحان، أو روض فيه الطل حيران، خصوصاً إذا كتب الدرج وعلق، وتأنى في تنميقه وتأنق، يأتيك بالعجب، ويريك كما يقال سلاسل الذهب، مع سرعة لا يلحقه فيها البرق إذا خفق، ولا النور إذا سطع وولد الشفق، يكتب الإنشاء من رأس قلمه، ويؤلف الدر الثمين من كلمه، وله غوص في نظم ونثر، وتلعب بالعقول إذا نفث قلمه بسحره.
إلا أنه قصف غصنه، ووقفت في أوائل حلبة العمر حصنه، فأذواه الموت ريحانه، وأراق منه بنت حانه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وكان قد مرض في عمره مرضا حاداً مرات، ونجاه الله منها وسلمه إلى أن حم أجله فمات عبطه، وكان به لديوان الإنشاء أي غبطه.
كتب هو إلي في بعض علته هذه ولم أعده، من أبيات:
مولاي كيف كسرتني فهجرتني ... علماً بأني كيف كنتم راض
أو قلت إني لأعود ممرّضاً ... ظنّاً بأني لا محالة ماض
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
أرسلتها مثل السهام مواضي ... نفذت من الأغراض في أغراض
فأتت وعتبك قد تخلّل لفظها ... مثل الأفاعي بين زهر رياض
دعني من الجبروت أو من أهله ... لا تجعلنّ سوادهم كبياضي
حاشاك أن تمضي وسعدك قد غدا ... مستقبلا فينا وأمرك ماض
وقلت أنا أرثيه رحمه الله تعالى:


تبكي الطروس عليك والأقلام ... وتنوح فيك على الغصون حمام
يا من حواه اللّحد غضّاً يانعاً ... وكذا كسوف البدر وهو تمام
يا وحشة الديوان منك إذا غدت ... فيه مهمّات البريد ترام
من ذا يوفّيها مقاصدها على ... ما يقتضيه النّقض والإبرام
هيهات كنت به جمالاً باهراً ... فعليه بعدك وحشةٌ وظلام
أسفي على الإنشاء وهو بجلّقٍ ... نثّاره قد مات والنظّام
كم من كتابٍ سار عنك كأنّه ... برد أجاد طرازه الرقّام
إن كان في شرّ فقد رد الرّدى ... وبه ترفّه ذابل وحسام
لم لا يردّ البأس ما ألفاته ... مثل القنا واللام منه لام
أو كان في خير فكلّ كلامه ... درّ يؤلّف بينهنّ نظام
وكأنما تلك السطور إذا بدت ... كأس ترشّف راحها الأقلام
يهتزّ عطف أُولي النّهى لبيانه ... فكأنّ هاتيك الحروف مدام
كم فيه وجهٍ سافر مثل الضحى ... وعليه من ليل السطور لثام
ولكم كتبت مطالعاتٍ خدّها ... قانٍ وثغر فصولها بسّام
وكأنما ألفاتها قضب اللّوى ... وكأنما همزاتهنّ حمام
ما كنت إلا فارس الكتّاب في ... يوم تفرّج ضيقه الأقلام
صلّى وراءك كلّ من عاصرته ... علماً بأنك في البيان إمام
وكأنّ قبرك للعيون إذا بدا ... قصرٌ عليه تحية وسلام
يا محنةً نزلت بعترة غانم ... هانوا وهم في العالمين كرام
لما تغيّب في التّراب جمالهم ... وقعدوا لهولٍ عاينوه وقاموا
يا قبره لا تنتظر سقيا الحيا ... حزني ودمعي بارقٌ وغمام
لي فيك خلّ كم قطعت بقربه ... أيام أُنسٍ والخطوب نيام
لذّت فلذت بظلّها فكأنها ... لقياد لذّات الزمان زمام
أسفي على صحب مضى عمري بهم ... وصفت بقربهم لي الأيّام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
بالرغم منّي أُفارق صاحباً ... لي بعده ضرٌّ ثوى وضرام
يا من تقدّمني وسار لغايةٍ ... لا بدّ لي منها وذاك لزام
قد كنت أحسبه يرثّيني فقد ... عكست قضيّته معي الأحكام
أنا ما أراك على الصراط لأنّه ... بيني وبينك في المعاد زحام
إذ قد سبقت خفيف ظهرٍ لا كمن ... قد قيّدت خطواته الآثام
فإذا المخفّ وقد تقدّم سابقاً ... وشفيعه لإلهه الإسلام
فاذهب فأنت وديعة الرحمن لي ... يلقاك منه البرّ والإكرام
ويجود قبرك منه غيث سماحةٍ ... بالعفو صيّب ودقها سجّام
ولقد قضيتك حقّ ودّك بالرثا ... والحرّ من يرعى لديه ذمام
خلّفتني رهن التندّم والأسى ... تعتادني الأحزان والآلام
لكنّ لي بأخيك نجم الدين في ... الديوان أُنساً ما عداه مرام
مهما توجّس أو توحش خاطري ... فيه تزول وتنقضي الأوهام
وكتب إلي من دمشق وأنا بالقاهرة:
ذكّرت قلبي حين شطّ مزارهم ... بهم فناب عن الجوى تذكارهم
وبكى فؤادي وهو منزلٌ حبّهم ... وأحقّ من يبكي الحبة دارهم
وتخلّق الجفن الهمول كأنما ... لمحته عند غروبهم أنوارهم
وذكرت عيني عند عين فراقهم ... لما أثارت لوعتي آثارهم
نذري الدموع عليهم وكأنهم ... زهر الرّبا وكأنها أمطارهم
ويئنّ منة حالي العواذل رحمةً ... لمّا بكيت وما الأنين شعارهم
ويح المحبيّن الذين بودّهم ... قرب المزار ولو نأت أعمارهم

فقدوا خليلهم الحبيب فأُذكيت ... بالشوق في حطب الأضالع نارهم
مولىً تقلّص ظلّ أُنسٍ منه عن ... أصحابه فاستوحشت أفكارهم
كم راقهم يوماً برّؤية وجهه ... ما لا يروقهم به دينارهم
ولكم بدت أسماعهم في حلية ... من لفظه وكذا غدت أبصارهم
كانوا بصحبته اللذيذة رتّعاً ... بمسّرةٍ ملئت بها أعشارهم
يتنافسون على دنوّ مزاره ... فكأنما بلقاه كان فخارهم
لا غيّب الرحمن رؤية وجهه ... عن عاشقيه فإنها أوطارهم
وجلا ظلام بلادهم من بعده ... فلقد تساوى ليلهم ونهارهم
يا سيّداً لي لم تزل ثقتي به ... إن خادعتني في الولا أشرارهم
أصرمت حبل مودتي ولصحبتي ... عرف الطريقة في الوداد كبارهم
أم تلك عادات القلى أجريتها ... فكذا الأحبّة هجرهم ونفارهم
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
أفدي الذين إذا تناءت دارهم ... أدناهم من صبّهم تذكارهم
في جلّق الفيحاء منزلهم وفي ... مصع بقلب الصبّ تضرم نارهم
قوم بذكرهم الندامى أعرضوا ... عن كأسهم وكفتهم أخبارهم
وإذا الثناء على محاسنهم أتى ... طربوا له وتعطّلت أوتارهم
وإذا هم نظروا لحسن وجوههم ... لم تبق أنجمهم ولا أقمارهم
فهم البدور إذا ادلهمّ ظلامهم ... وهم الشموس إذا استبان نهارهم
دنت النجوم تواضعاً لمحلّهم ... وترفّعت من فوقها أقدارهم
وبكفّهم وبوجههم كم قد همت ... ألواؤهم وتوقّدت أنوارهم
أهدى جمالهم إليّ تحيّة ... منها تدار على الأنام عقارهم
أفقٌ وروضٌ في البلاغة فهي إمّ ... ا زهرهم في الليل أو أزهارهم
لك يا جمال الدين سبقٌ في الوفا ... لو رامه الأصحاب طال عثارهم
وتودّدٌ ما زال يصفو ورده ... حتى تقرّ لصفوه أكدارهم
يا بن الكرام الكاتبين فشأنهم ... صدق المودّة والوفاء شعارهم
قوم إذا جاؤوا إلى شأو العلى ... سبقوا إليه ولم يشقّ غبارهم
صانوا وزانوا باليراع ملوكهم ... أسوارهم من كتبهم وسوارهم
ما مثلهم في جودهم فلذاك قد ... عزّت نظائرهم وهان نضارهم
ما في الزمان حلىً على أعطافه ... إلاّ مآثرهم به وفخارهم
تتعلم النّسمات من أخلاقهم ... وينوب عن زهر الرّبا أشعارهم
ولفضلهم ما ابن الفرات يعدّ في ... ه قطرةً لمّا تمدّ بحارهم
وحماهم يحمي النّزيل بربعه ... من جور ما يخشى ويرعى جارهم
بالرغم مني أن بعدت ولم أجد ... ظلاٍّ تفيّؤه عليّ ديارهم
لو كان يمكنني وما أحلى المنى ... ما غاب عنّي شخصهم ومزارهم
ويح النوى شمل الأحبة فرقت ... فمتى يفكّ من البعاد إسارهم
وكتب رحمه الله تعالى وقد دخلت الديوان بدمشق
يقول جماعة الديوان فيه ... فسادٌ لا يزال ولا يزاح
فقلت فساده سيزول عمّا ... قليل إذ بدا فيه الصّلاح
فكتبت أنا الجواب إليه:
هويت جماعة الديوان دهراً ... فلمّا ضمّنا بدمشق مغنى
نظرت إليهم نظر انتقادٍ ... فكنت جمالهم لفظاً ومعنى
وكتب إلي من دمشق، وأنا بصفد ضعيف:
كتابك قد أتى عيني وفيها ... فساد نوىً لشوقي وارتياحي
فجدّده فليس يزول إلاّ ... إذا عاد الصّلاح إلى الصّلاح
فكتبت أنا الجواب إليه:
كتابك جاءني فنفى همومي ... وآذن سقم جسمي بالزوال
وأذكر ناظري زمناً حميداً ... تمتّع بالجمال من الجمال
وكتب هو يوماً إلي:
قد أصبح المملوك يا سيّدي ... يختار أن يفترع الرّبوه

وقد أتى صحبتكم خاطباً ... فأسعفوا واغتموا الخلوه
فكتبت أنا الجواب إليه ارتجالاً:
ما لي على الربوة من قدره ... لأنني أعجز عن خطوه
وليس مركوبي هنا حاضراً ... فمرّ نحو الخلوة الحلوه
وكتب هو إلي وأنا بالقاهرة:
سار دمعي مني إليك رسولا ... حين أخليت ربعك المأهولا
وفؤادي استقرّ إذ أنت فيه ... يتراآك بكرةً وأصيلا
ونسيم الصّبا تحمّل من وص ... ف اشتياقي فيه حديثاً طويلا
ترك القلب في الأضالع يظما ... فيسقّيه الاشتياق غليلا
فاستمع ما يملّي النسيم بعلمٍ ... عن غرامي إذ كان مثلي عليلا
وقميص الكرى مزقٌ فإن زا ... ر خيالٌ وصّلته توصيلا
حبّذا قربك الذي كان أندى ... في فؤادي من النّسيم بليلا
وليالٍ كم غازل الطرف من أُن ... سك في جنحهنّ وجهاً جميلا
ومدام كأنّها لون دمعي ... عندما أزمع الحبيب رحيلا
كأسها في الدّجا تبدّى شهاباً ... وكسا المزج رأسها إكليلا
فتهدّيت للسرور برؤيا ... ه وإن كان للهدى تضليلا
كم ركبنا لها سوابق لهوٍ ... كان جرس الغناء فيها صهيلا
قرّب اللّه عهدنا من ليالٍ ... لم أكن لاقترابهنّ ملولا
أتلظّى جوىً وفرط حنين ... إن تذكرت ظلهنّ الظليلا
وإذا ما احترقت شوقاً فقولي: ... ليت لم أتخذ فلاناً خليلا
يا صلاح الدين الذي فسد العي ... ش لنا مذ نأى وساء مقيلا
قد أتتني أبياتك الغرّ تحكي ... نسمات الصّبا تجرّ ذيولا
أو نبات الربا يصافحه القط ... ر فيغدوا رطب الحيا مصقولا
فتذكرت منك جودا عميما ... ومحيا طلقاً وفضلاً فضيلا
ورأيت السطور تحكي ليالي ال ... قرب حسناً ورقّةً لا طلولا
حبذا عهدهن والعيش فيه ... إذ أنا مالك إليه وصولا
كنت أجني ثمار أنسك فيه ... نّ فبدلت بالنوى تبديلا
وكتبت أنا إليه من دمشق، وهو بغزة في الصيد جواباً عن كتاب فيه عتب:
حيث الخيام برمل غزّه ... لي سادةٌ عندي أعزّه
وأنا كثيّر حبّهم ... وهم كما أختار عزّه
سيما جمالهم الذي ... في فضله طرفي تنزّه
مولىً بعطف يراعه ... طربٌ يرنّحه وهزّه
أضحى يوشّي طرسه ... ويحوك بالأسجاع طرزه
يملي عليه بدائعاً ... يكسو المهارق خير بزّه
لو فاخر الروض البسي ... م بكتبه لأبان عجزه
ألفٌ حكت غصن النقا ... صدحت عليه حمام همزه
من ميم ميلي عنه لا ... أدخلت قلبي تحت رزّه
وظفرت منه بمعقلٍ ... لا تطرق الأحداث حرزه
وبه تبيّن لي الهدى ... وحللت من معناه رمزه
وبه ملأت يدي غنىً ... من فضله وفتحت كنزه
فالله يحرس مجده ... ويديم للآداب عزّه
يقبل الأرض، ويصف شوقه الذي شق الجوانح، وجرح الجوارح، وملأ الفؤاد فوادح، ويذكر حنينه الذي شغله عن ذاته، وأذهله حتى عن تمني اللقاء ولذاته، ونغص صفو عيشه بالبعد، وهذه أحسن حالاته. وينهي ورود المثال العالي فتلقى منه أكرم وارد، وحوى من ألفاظه الغر مصائد الشوارد، وشافهه منها ألسن عتب لها في القلب وقع السيوف، وإن كانت فصاحتها مثل المبارد، وأضرمت في الحشا نيراناً لها الزفرات دخان، والضلوع المحنية مواقد، فقابلها بأعذاره الملفقة، فقالت حرارة تلك السطور: دعنا من عذرك البارد، ونظر من تلك الحروف المنظمة إلى نونات كأنها براثن الأسود، وإلى ميمات كأنها عيون الأساود:
وكأن ذاك الطرس أصبح سلّة ال ... حاوي وهاتيك السطور أفاعيا

ثم إن المملوك كابر نفسه، وقال: ربما تصحف عليه ما تصفح، وترجى أن يكون هذا القدر هو الذي ترجح، وجانس بين آساته وعطفه، فذاك ترنم، وهذا ترنح:
ويدلّ هجركم على ... أنّي خطرت ببالكم
وعلل نفسه بقول الآخر:
.............................. ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
وقال: هذا هو العتب المحمود العواقب، وهذا التأديب الذي يعقب الرضى ولا يعاقب. وقد عاد المملوك إلى صوب الصواب، وتضرع من تلك السطور على عتبات العتاب، وظن أنما فتن، فاستغفر ربه، وخر راكعاً وأناب:
وهذا الذنب أوّل كلّ ذنب ... وآخره إلى يوم الحساب
فليغفر مولانا هذه الهفوه، وليقله عثرة هذه الخطوه، التي لم يلق فيها حظوه، والله يمتع العيون والنفوس بجماله وجلاله، ويزين الوجود بمحاسنه التي يخجل منها البدر في كمال بمنه وكرمه، إن شاء الله.
وحكى لي رحمه الله تعالى، قال: رأيت البارحة في المنام، كأن في بيتي نهراً عظيماً صافياً، وأنت من ذلك الجانب، وأنا من هذا الجانب، وكأني أنشدك:
يا خليلي أبا الصّفا لا تكدّر ... منهلاً من نمير ودّك أروى
فجميع الذي جرى كان بسطاً ... ولعمري بسط المجالس يطوى
فقلت لي: لا بل انظم في زهر اللوز شيئاً، فأنشدتك:
أيا قادم الزهر أهلاً وسهلاً ... ملأت البرايا هدايا أرج
فوقتك فضّ ختام السرو ... ر وعهدك فرجة باب الفرج
فكتبت أنا إليه عندما قص علي هذه الرؤيا:
حاشى للّه أن أكدّر عهداً ... لم يزل من وفائك المحض صفوا
وإذا ما حديث فضلك عندي ... ضاع مني في نشره كيف يطوى
وكنت وعدته بعارية رسالة لابن رشيق سماها ساجور الكلب، فتأخرت، فكتب هو إلي:
يا جواداً عنانه في يد الجو ... د تباخلت لي بساجور كلب
لا تضع رتبة التفضّل والإيث ... ار فالأمر دون بذل العتب
وإذا لم يكن من العتب بدّ ... فمرادي إن شئت غير الكتب
فجهزتها إليه، وكتبت الجواب:
أيها الأروع الي فاق مجدا ... لا تؤنّب من لا أتاك بذنب
أنت تدري أن الوفاء الموفّى ... لي طباعٌ في الودّ من غير كسب
أنا أخبا لو كان طوق عروس ... عنك حتى أصون ساجور كلب
وبيني وبينه مكاتبات كثيرة نظم ونثر، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.
عبد الله بن علي بن عمر


ابن شبل بن رافع بن محمود، الشيخ الصالح المحدث نجم الدين أبو بكر الصنهاجي الحميري الشافعي الصوفي.
اعتنى به والده، وأسمعه صحيح البخاري من الشيوخ الثلاثة: ابن عزون، وابن القاضي رزين، وابن رشيق، وسنن أبي داود من النجيب عبد اللطيف، ومسند الإمام أحمد من النجيب أيضاً، ورحل به إلى دمشق ومعهما فخر الدين بن النويري، فسمع بها صحيح مسلم من ابن عبد الدائم، ومن أصحاب الخشوعي وابن طبرزد، وسمع بالإسكندرية أيضاً من أصحاب ابن موقا.
وكان مكثراً صبوراً على التسميع، ذاكراً لمسموعاته، وحدث بالكثير، ومن جملة ما حدث به الكتب الستة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة بقرافة مصر الصغرى، ودفن بها.
ومولده في سادس عشر شهر رجب سنة ثمان وخمسين وست مئة.
عبد الله بن علي بن سليمان



الشيخ الإمام العالم كمال الدين أبو محمد الغرناطي المالكي.
كان رجلاً صالحاً عارفاً بالنحو والقراءات، وله مشاركة في الفقه، وأقرأ الناس بحلب نحو عشر سنين، وعاد إلى الغرب، وجدد عهده بأهله، وبعض شيوخه. ثم إنه رجع، وأقام بالقدس شيخ الإقراء، ومدرساً وإماماً للمالكية.
قال شيخنا البرزالي، سمع بقراءتي سنن أبي داود على ابن البخاري، وغير ذلك، وحدث بالقدس.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
عبد الله بن علي



ابن محمد بن عمر بن أبي عمر المسند الأصيل شهاب الدين أبو القاسم الأزدي الدمشقي.
حدث عن ابن أبي اليسر وغيره حضوراً، وسمع من ابن علان وطائفة.
وتوفي بدمشق رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وسبع مئة عن ثلاث وسبعين سنة.
عبد الله بن أبي عمر




ابن أبي الرضا الفارسي الفاروثي الشيخ الإمام العالم العلامة سيف النظر نصير الدين أبو بكر الشافعي، مدرس المستنصرية ببغداد.
كان من كبار المذهب، ورافعي لوائه المذهب، لو ناظر السيف الآمدي قطعه، أو الرازي ألقاه في هوة رزية ودفعه.
قدم دمشق، وتكلم، وجرح جماعة في بحثه وكلم، وبانت فضائله، وحكت الرياض الأريضه شمائله، وعاد إلى مدرج عشه، وأقام بها إلى أن حمل على نعشه.
وتوفي ببغداد رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة.
عبد الله بن محمد


ابن الصفي بن أبي المعالي أحمد المقدسي المعروف بابن الواعظ.
أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: لقيته بدمياط سنة ثمان وثمانين وست مئة، وأنشدني لنفسه:
سرت نسمةٌ مسكية العرف معطار ... لها أرج في طيّ مسراه أسرار
فملنا بها حتى الغصون كأنّما ... شذاها سلاف الراح والنشر خمّار
ألا هات عن نجد أحاديث غربةٍ ... فيا طيب ما خبرٌ أفدت وأخبار
أُهيل ودادي هل على أيمن الحمى ... أراكم وتقضى بالتواصل أوطار
وهل تسعف الأيام تسمح بالمنى ... بقرب مزار أو يوافق مقدار
خليليّ إن القلب والنفس والهوى ... لعينيه أعوانٌ عليّ وأنصار
قلت: شعر يقارب الجودة، ولو كان لي فيه حكم لقلت:
........................... ... فيا حبذا خبرٌ أفدت وأخبار
وكان يستريح من اللحن، ومن قلق هذا التركيب؛ لأن ما ههنا زائدة، وتقديره: فيا طيب خبر وأخبار أفدت، والمعنى عليه، وإن كانت نكرة موصوفة وتقديره: فيا طيب ما أفدته خبراً وأخباراً، فيتعين النصب حينئذ على التمييز.
عبد الله بن محمد بن هارون



ابن عبد العزيز بن إسماعيل الطائي الأندلسي القرطبي المالكي، نزيل تونس.
قرأ القراءات على جده لأمه محمد بن قادم المعافري، ولازم خال أمه إمام جامع قرطبة العلامة أبا محمد عصام بن أبي جعفر أحمد بن محمد بن خلصة، واستفاد عليه، وأخذ عن قرابته الحافظ أبي زكريا بن أبي عبد الله بن يحيى الحميري، وقرأ عليه الفصيح والأشعار الستة، وسمع منه الروض الأنف، وسمع قاضي الجماعة أبا القاسم بن بقي، وأخذ عنه الموطأ سماعاً، وقرأ عليه كامل المبرد، وسمع صحيح مسلم من عبد الله بن أحمد بن عطية، وسمع من أبي بكر محمد بن سيد الناس الخطيب صحيح البخاري، ولازمه وسمع الشمائل من الحافظ محمد بن سعيد الطرار، وسمع التيسير من النحوي أحمد بن علي الفحام المالقي، وأخذ كتاب سيبويه تفهماً عن أبي علي الشلوبين وأبي الحسن الدباج، وقرأ مقامات الحريري تفهماً على العلامة عامر بن هشام الأزدي، وانتهى إليه علو الإسناد.
وروى عنه شيخنا أبو حيان وأبو عبد الله الوادي آشي، وأبو مروان التونسي خازن المصحف وآخرون.
قال شيخنا الذهبي: وكتب إلينا بمروياته عام سبع مئة، كان قد جمع بين الرواية والدرايه، وتحقق عند الناس ماله بالعلم من العنايه، وأخذ عنه الكبار، وأعاد جدة ما قد خمل من هذا الفن وبار، إلا أنه كان يتشيع ظاهرا، ويطعن في معاوية وابنه ناظماً وناثرا.
ثم إنه في آخر وقته اختلط وانحطم، وسكن منه ذلك البحر الذي تموج والتطم، وبان هرمه، وخمد ضرمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وست مئة.
أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، قال: رأيت بخط ناصر الدين بن سلمة الغرناطي: شيخنا ابن هارون فيه تشيع وانحراف عن معاوية، وابنه يطعن فيهما نظماً ونثراً، اختلط بعد انفصالي عنه، وبان اختلاطه.
عبد الله بن محمد بن عبد الرزاق العراقي



الإمام البارع عماد الدين الحربوي الطبيب الأديب الحيسوب المتفلسف، أحد الأعيان ببغداد.
نبغ في فنون من العلوم العقلية والنقليه، وقرأ عليه جماعة في أنواع من المعارف الجدية والهزليه، وجالس الملوك، وحصل أموالاً تضيق بدررها السلوك، ودرس مذهب الشافعي بدار الذهب، وأغار على ما في كتب المذهب من الجواهر ونهب، ومنح الطلبة ما عنده من ذلك ووهب، وولي رئاسة الطب، ومشيخة الرباط، وعمل أشياء بالاحتيال والاحتياط.
ولم يزل على حاله إلى أن زال سلطانه، وفارقته مع الحياة أوطانه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.


ومولده سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
وهو الذي علم شرف الدين هارون بن الوزير وأولاد عمه علاء الدين صاحب الديوان فن الحساب، وكثرت أمواله، وكان قد أخذ فن المعقول عن النصير الطوسي وأنشأ داراً وقفها على إمام ومؤدب وعشرة أيتام، وله تصانيف وإنشاءات.
وأخذ عنه العز الإربلي، وله من التصانيف: القواعد البهائية في الحساب، ومقدمة في الطب، وغير ذلك.
قال في تفسير رشيد الدولة: هو إنسان رباني، بل رب إنساني، تكاد تجل عبارته بعد الله. فشهدوا عليه بعد موت الرشيد، فدخل على قاضي القضاة قطب الدين، فحقن دمه، ومات، ودفن في داره ببغداد.
عبد الله بن محمد بن علي


ابن حماد بن ثابت الواسطي الإمام المفتي بالعراق، جمال الدين بن العاقولي البغدادي، مدرس المستنصرية.
كان يقول: إنه سمع من محيي الدين بن الجوزي، وسمع من الكمال الكبير، وروى عن ابن الساعاتي شيئاً في تأليفه.
وكان إماماً عالما، سالباً غرة الكمال سالما، له مهابة وعنده شهامه، وإذا رمى أمراً أنفذ فيه سهامه، حميد الطريقه، مفتي العراق على الحقيقه، أفتى نحواً من سبعين سنه، وأعاد عينه في العلم رمداء، وغيره بالجهل عينه وسنه.
ولم يزل على حاله إلى أن زاد في هجر موضعه، وسار راكباً على شرجعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة، وعدل سنة سبع وخمسين وست مئة.
ورزق الحظ في فتاويه، ودفن بداره التي وقفها على ملقن وعشرة أيتام، وكانت جنازة عظيمة إلى الغاية، ما رؤي مثلها.
وخلف ولداً ذكياً، اشتغل بالحكمة والنظر، ودرس وعظم أيضاً بعد والده.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر



الإمام العلامة تقي الدين الزريراني، بزاي مفتوح، وراء بعدها، ياء آخر الحروف، وراء ثانية، وألف بعدها نون، العراقي الحنبلي مدرس المستنصرية.
برع في مذهبه، وسار منه في موكبه، واشتغل واشتعل، وحفي في طلب العلم وانتعل، وصنف وناظر، وذاكر بالعلوم وحاضر، وناب في الحكم فحمدت سيرته، وطهرت في القضاء سريرته، وقرأ الناس عليه، وحملوا المسائل والفتاوى إليه.
ولم يزل على حاله إلى أن التقى الموت بالتقي، وفني جسده، وذكره بقي وهو نقي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
وكان قد قدم دمشق في حدود سنة تسعين، وتفقه بها على المجد وغيره، وعاد إلى بغداد، وهو والد شرف الدين عبد الرحيم.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر



الفقيه شرف الدين أبو محمد بن الشيخ العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي، يأتي ذكره والده في مكانه.
كان شرف الدين هذا آيةً في الذكاء والحفظ. قرأ القرآن صغيراً وعمره تسع سنين، وختمه، وصلى به سنة إحدى وثلاثين بالجوزية، كان يتلقن في أكثر الأيام نصف جزء، وحفظ العراف في تلقينين، وحفظ الجرجانية والكافية الشافية لابن مالك، وحفظ المحرر للشيخ مجد الدين بن تيمية، وقرأ مختصر الروضة للشيخ مجد الدين الطوخي في أصول الفقه، وحفظ المحرر في الحديث لشمس الدين بن عبد الهادي، وسمع الحديث، وأكثر منه في الشام ومصر على أصحاب ابن عبد الدائم وأصحاب ابن النجيب الحراني وطبقتهم، وسمع على الحجار أكثر صحيح البخاري، وسمع الكتب الستة والمسانيد المشهورة، وشيئاً كثيراً من الأجزاء.
وأفتى ودرس، وأعاد، وحج مع والده مرتين، وأقام بينهما سنةً بمكة، ثم إنه حج بعد ذلك سبع حجات متواليات، وتزوج اثنتين.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شعبان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
ومولده في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
عبد الله بن محمد بن عبد القادر بن ناصر



قاضي القضاة زين الدين المعروف بابن قاضي الخليل الشافعي.
كان قاضي قضاة الشافعية بحلب، وكان حسن الشكاله، قادراً على نصب الحباله، وقوراً، له مهابة فاخر البزة، قد أوقد التعاظم فيها شهابه، عنده مشاركه، وله منابذة ومتاركه، عقله المعيشي جيد، وذكره بالقبول متأيد، محاضرته حلوه، ومذاكرته من الإملال خلوه، وله نظم قد صفا، ورف عليه ظل القبول وضفى.
ولم يزل على حاله بحلب إلى أن كمل شوطه وانقلب.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمسين وست مئة.


ولي بدمشق قضاء بعلبك في أول المحرم سنة سبع وتسعين وست مئة، وقضاء حمص، ثم إنه نقل إلى قضاء حلب، فأقام به نيفاً وعشرين سنة، وناب في الحكم بدمشق، وحج مرات، وتزوج بابنة الأمير علم الدين الزراق، وجرت له أمور مضحكة بسببها، لأن سمعه لحقه صمم، وكان الشيخ كمال الدين بن الزملكاني كثير الحط عليه، حكى لي عنه حكايات عجيبة، نسأل الله العفو والسلامة منها. وتوجه الشيخ كمال الدين بعده لقضاء حلب.
ومن شعره:
أحبّك حبّاً يمنع العين نومها ... ويمنعني عند الظّما بارد العذب
وما أنا راضٍ عن غرامي وإنني ... لأعتب في هذا الغرام على قلبي
قلت: هو مأخوذ من قول الأول ..
ومن شعره في سنة حجه:
ولما أتى سيلٌ عظيم عرمرمٌ ... بوادي القرى يعلو على السهل والوعر
علونا ظهور اليعملات تحصّنا ... وكانت لنا في البرّ سفناً وفي البحر
ومن شعره قصيدة يمدح بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قد بدت طيبةٌ ولاحت رباها ... فابتدر قربه بلثم ثراها
واحمد الله ذا المواهب والفض ... ل على النعمة التي أولاها
وافرش الخدّ والدموع على الأر ... ض وهذا شأن الذي يغشاها
ثم لاحت لنا القباب العوالي ... فاستنارت رحالنا من سناها
وأتينا مدينة العلم والو ... حي ومن تنف خبثها وأذاها
فرأينا جلالةً وبهاءً ... ما رأيناه في مكانٍ سواها
وأتينا سعياً إلى الحرم الأ ... شرف والحجرة التي نهواها
حبذّا ساعةٌ أتيناه فيها ... وصباحٌ وليلةٌ سرناها
ثم قلنا عليك يا أشرف الخلق ... صلاة ورحمة لا تضاهى
وعلى صاحبيك صهريك جاري ... ك سلامٌ يعطر الأفواها
يا رسول الإله يا أشرف الخل ... ق ويا أعظم النبيين جاها
يا مغيث الأنام في موقف الحش ... ر إذا أوثق النفوس رداها
حيث كلٌ يقول: نفسي نفسي ... ليس يرجو نجاة شيءٌ سواها
فتنادي أنا لها زادك الّله ... ارتقاءً ورفعةً ترضاها
فهناك الرسول يسجد لله ... لدى العرش مخبتاً أوّاها
ملهماً أشرف المحامد لله ... وما كان قبل ذاك دراها
فينادى ارفع واشفع تشفّع ... ثم سل كلّ حاجة تعطاها
ثم يؤتى بأمّة نظر الله ... إليها بأحمدٍ فهداها
ثم يمضي بهم سريعاً إلى الجنة ... يا فوزها ويا بشراها
قلت: نظم، مقبول، إلا أن فيه لحناً خفياً، ولحناً ظاهراً، فالظاهر في قوله: ومن تنف، فجزم بمن، توهمها شرطية، وليس كذلك، والخفي قوله: وسل كل حاجة تعطاها، جواب الأمر في: سل تعطها، ولكنه يجوز، وهو أهون من الأول.
عبد الله بن محمد


بن عبد الله بن ميمون
الشيخ تقي الدين الهرغي، بضم الهاء وسكون الراء، وبعدها غين معجمة، الزكندري، بالزاء والكاف والنون والدال المهملة، والراء المراكشي، قاضي الركب المغربي.
اجتمعت به بجسر اللبادين بدمشق في حادي عشر صفر، سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وسألته عن مولده فقال: في تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزاً في البربر:
وما أمّة سكناهم نصف وصفهم ... وعيش أعاليهم إذا ضمّ أوّله
ومقلوبه بالضم مشروب جلّهم ... وبالفتح من كلٌّ عليه معوّله
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
اسم الذي قد سبى قلبي تجنيّه ... وعزّ ملك جميع الحسن يطغيه
ما كل آخره عشرٌ لأوّله ... وعشر ثالثه شطرٌ لثانيه
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
قسماً بورد الوجنتين ونضرته ... وبقدرك السامي الرفيع وعزّته
لو لاح وجهك في الكرى لكثيّر ... ما اعتاده برح الخيال بعزته
أو لو رأى الضّليل بعض جمالكم ... ما ضلّ عن سبل الهدى بعنيزته
عبد الله بن محمد


أبو محمد المرجاني القرشي التونسي الشيخ الإمام العالم المفتي.
كان مشهوراً في الآفاق ذكره، مشهوداً في البواطن علمه وخبره، وكان إماماً مفتياً في مذهب مالك، عالماً بما فيه من المآخذ والمسالك، حلو العبارة مذكرا، خبيراً بعلوم القرآن مفسرا، ما كان أحد يقدر على إعادة ما يسرده، ولا حفظ ما يقوله ويورده، لأنه كان ربما يتكلم على الآية الواحدة ثلاثة أشهر، وتخيل الناس أن هذه المادة من بحر زاخر، فإنها تستكثر على الأنهر، وله يد طولى في الحديث ومعرفه، وقدم راسخ في العبادة والتصوف البديع الصفه، ولم يصنف شيئا، ولا ترك لشخصه فيئا، وترك مجلدات كثيرة إلى الغايه، وعلى الجملة فكان آيه.
توفي بتونس رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. وعاش اثنتين وستين سنة، وصلى عليه المستنصر أبو عبد الله محمد بن الواثق صاحب تونس.
قدم الإسكندرية والقاهرة، وذكر بهما، وتعجب الناس منه رحمه الله تعالى.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن خليل


بهاء الدين العسقلاني ثم المكي المقرئ الشافعي المحدث.
عني بالحديث، وارتحل له، وأخذ عن بيبرس العديمي بحلب، وعن ست الوزراء، والدشتي بدمشق، وعن التوزي، ورضي الدين بمكة، وعن طائفة بمصر، وقرأ المنطق، وقرأ بالروايات وأتقن المذهب.
وكان حسن القراءه، بديع المراجعة والبداءه، جيد المعرفة بعلومه، يضاهي الأفق في عداد نجومه، مليح المذاكرة إذا انشرح، بديع المحاضرة كأنه نسيم في السحر سرح، متين الديانه، مبين الصيانه، شديد الورع، عديم التسرع، يؤثر الانقطاع والخمول ويود أن لا يكون له بالخلق شمول. حصل المدارس والمعاليم، ثم ترك ذلك جميعه وانقطع، وآثر الحق الذي لاح له وسطع، ورابط بظاهر الإسكندرية في زاوية هناك، وخلص من الاشتراط والاشتراك.
وما زال على حاله إلى أن راح خفيف الحاد، وترك الفاني وأخذ ما ليس له من نفاد، وتوفي رحمه الله تعالى ... .
ومولده سنة أربع وتسعين وست مئة بمكة.
عبد الله بن محمد بن عسكر



ابن مظفر بن نجم بن شاذي بن هلال، شرف الدين أبو محمد القيراطي الشافعي.
سمع من الدمياطي، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وسمع بالإسكندرية من الأشياخ الموجودين في سنة سبع مئة، وقرأ الأصول على الباجي، والخطيب الجزري، والعربية على شيخنا أبي حيان.
كان فقيهاً أديبا، عارفاً لبيبا، محفوظه كثير، ومدده في التفسير غزير، ولي القضاء بنواحي عديده، ووجد فيها أموراً مفيتة ومفيده، ثم استعفى، وطلب لقضاء حلب، فاستخفى.
وحكى عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي أشياء دارت بينهما حسنة، دلت على أنه كان مطبوعاً.
ولم يزل على حاله إلى أن خلت منه القاهرة، وأوحش بفضله النجوم الزاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في بلبيس سنة اثنتين وسبعين وست مئة.
ولي القضاء بالمنوفية وبدمياط وبسيوط، ودرس بالسنجارية المجاورة لقبة الشافعي، وبالمشهد النفيسي، وأعاد بالقطبية وبقبة الشافعي، وترك القضاء، وطلب لقضاء حلب، فبكى بين يدي السلطان واستعفى، وسئل عن قضاء الغربية فلم يجب.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي، قال لي: ما بقيت أدخل في القضاء، فإني ما وجدت فيه خيراً، ومن شعره:
يا دارهم باللوى حيّيت من دار ... ولا تعدّاك صوب العارض الساري
ترى تعود ليالينا بقربهم ... قبل الممات وتقضى فيك أوطاري
ودّعت طيب حياتي يوم فرقتهم ... فالطرف في لجّة والقلب في النار
لله عيش مضت أيامه هدراً ... لم يبق فيها سوى أوهام تذكار
عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد



الشيخ الإمام الفقيه المحدث الفاضل شرف الدين أبو عبد الله الواني الدمشقي حفيد الشيخ برهان الدين المؤذن المقدم ذكره.
سمعه والده الشيخ أمين الدين من أبي بكر بن عبد الدائم، والمطعم حضوراً، ومن ابن سعد والبهاء بن عساكر، وبالقدس من بنت شكر، وبمصر وقوص والحرمين وحماة وحلب، وطلب هو بنفسه، وقرأ، وكان قارئاً مطيقا، فصيح اللفظ منطيقا، حاد الذهن، سريع الإدراك، بديع الاشتراك، لو عاش لكان عجبا، وأبقى له في الغابرين نبا، ولكنه مات عبطه، وأضاع الموت جمعه وتحصيله وضبطه.


وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان قد قرأ على شيخنا الذهبي وغيره، وكان فيه ورع، وعمل أربعين بلدية وغير ذلك.
وكتبت ورقة شهادة له باستحقاقه لما يتولاه من وظائف العلم، ونسختها ... .
عبد الله بن محمد بن محمد بن علي


الإمام القدوة شيخ المحرم، نجم الدين الأصبهاني المجاور، صحب أبا العباس المرسي تلميذ الشاذلي.
كان شيخاً مهيبا، وقوراً عجيبا، منقبضاً عن الأنام منجمعاً عن الناس في ذاته بالحطيم، زاهداً في الحطام.
تفقه في مذهب الشافعي فأتقنه، وبرع في علم الأصول وأثار معدنه، ودخل في طريق الحب، ونزل منه في جب، وصحبه الشيخ عماد الدين الحزامي.
ولم يزل على حاله إلى أن عدم الحرم أنسه، وأتاه العدم الذي يعم نوعه وجنسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده في ثلاث وأربعين وست مئة.
جاور بضعاً وعشرين، حج من مصر، ولم يزر النبي صلى الله عليه وسلم، فعيب ذلك عليه مع جلالة قدره، وكان لجماعة كثيرة فيه اعتقاد عظيم.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن



الصدر الفاضل جمال الدين بن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وسوف يأتي ذكر جماعة من إخوته، وذكر والده وعمه كل منهم في مكانه.
كان قبل ما يتعلج، ويدخل في السمن ويتولج، ذا صورة في الحسن بديعه، وطلعة تترك قلوب من رآها صديعه، تتيم فيه جماعة وهاموا، وغرقوا في دموعهم وعاموا، ولما طلب السلطان والده ليوليه قضاء الشام كتب فيه تنكز أن هذا ولده يتعب الناس بسببه، فقال السلطان: أنا أترك ولده عندي بالقاهرة، فجهز والده، وأقام عبد الله المذكور بالديار المصرية، فخدمه الناس، وتقربوا إليه بمجالس اللهو والإيناس، وصحب الناس وعرفهم، ورافقهم وألفهم.
ولما حضر والده قاضي قضاة الديار المصرية زاد وجاهه، وارتفع عظمةً ونباهه، وحصل أموالاً جمه، وأملاكاً لا تذم لها ذمه، واقتنى من الخيل ما كثار بعدته وعدته نجوم الليل، وكانت له خبرة في معرفة جيادها، ودربة تامة في اقتنائها واقتيادها، وذهنه في غاية الحسن، وذكاؤه تعرفه القالة اللسن.
وحفظ التنبيه في الفقه وغيره من كتب العلم، ودرب الأحكام الشرعية كما يراه أولو الحلم.
ولما توجه والده مع السلطان إلى الحجاز ناب عنه في إلقاء الدروس، وعجب الناس منه، وحركوا له الرؤوس، ثم إنه خرج مع والده إلى الشام، وترك وراءه ملكاً كم لمح بارقه، وكم شام.
ولما كان الفخري على خان لاجين بدمشق قرره في ديوان الإنشاء كاتبا، وأجرى له معلوماً على ذلك وراتبا.
ولم يزل على ذلك إلى أن برك جمله فما قام، وثوى بعد تنعمه في ذل التراب وأقام.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ومولده .. .
وكان قد حصل له فالج ووالده بدمشق خطيب، فتعب عليه وعالجه أمين الدين سليمان إلا بقايا منه.
وكان شكلاً ضخماً، كبير البطن، ثقيل الحركة، يتعذر عليه المشي إلا بكلفة.
وحضر إلى دمشق بخيول عظيمة، وجوار كثيرة مبدعات الحسن، وكان يحتاج لجماعته ومن حوله في كل يوم خمسة أرطال لحم بالدمشقي، وكان يبالغ في اقتناء الخيل المسومة، ويسابق عليها أولاد الأمراء والأمراء ومماليك السلطان، وأخرجه السلطان لذلك من مصر، وأقام بدمشق مدة، ثم سأل والده فيه السلطان، وضمنه، فأذن له في العود، ثم أخرجه، ثم أعاده مرتين، وأنا شاك في الثالثة، وعمر بمصر على النيل بالقرب من جزيرة الفيل عمارةً عظمى أنفق عليها ما يزيد على ألف ألف درهم، ولما خرجوا من مصر اشتراها الأمير سيف بشتاك بأربعين ألف درهم، وأباع له النشو منها شبابيكها النحاس بأربعين ألف درهم، وكانت له دار أخرى داخل القاهرة عند دكة المحتسب أباعها بدون العشرين ألف درهم، أقل ما أنفق عليها ستون ألف درهم.
وأما الجواري فذكر لي من لفظه بالقاهرة: هن ما يبرحن عشرة، أربع منهن أمهات أولاد، وست أبيعهن وأشتري بدلهن دائماً.
وأما عدد خيله ومراكيبه وما يحتاج ذلك من السروج المرصعة واللجم والفكوك باليشم واليصم والأقواس والبرذنبات والكنافيش عمل الدار والمقصبه والعبي، وغير ذلك فشيء كثير جداً، لكل فرس بذلتان وثلاث، وقال لي في وقت: عندي تسع عشره حجراً غير البغال والأكاديش والفحول الثمينة.


وأما الكتب المجلدة من الأدبيات والدواوين وغيرها من كل فن فكان عنده وحده خارجاً عن أبيه وإخوته فوق الثلاثة آلاف مجلدة، ولكن كل نسخة ما يقع مثلها في عمر مديد.
وأما الصيني من القطع النفيسة الجليلة الغريبة فشيء عظيم، إلى غير ذلك من سائر الأصناف النفيسة البديعة الثمينة.
وبالجملة فما كان إلا في عداد الملوك، وكان يحفظ ديوان ابن الفارض بكماله، ومن شعر الأرجاني وابن النبيه والحاجري والبهاء زهير وابن عربي والسراج الوراق وأبي الحسين وابن دانيال وابن النقيب، وفحول المتأخرين ما يقارب عشرين ألف بيت.
ولما مات كان قد ذهبت نعمته، ولم يبق منها إلا بقايا، وزالت بأجمعها، ولم يطرح الله فيها بركة، ووصل بعده أولاده إلى أن كانوا يستعطون من أصحاب أبيهم، ومن أكابر الناس، فسبحان العظيم.
عبد الله بن محمد بن عبد العظيم بن السقطي


الشيخ الإمام العالم فخر الدين أبو محمد الشافعي.
كان فقيهاً، وصنف منسكاً كبيراً، وناب في الحكم على باب النصر بالقاهرة، وأقام بمكة شاهداً على العمارة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وكان شاهداً بالخزانة في قلعة الجبل، وسمع من ابن خطيب المزة، وحدث، وقيل: إنه شرح التنبيه.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وهو ابن أخي القاضي جمال الدين ابن السقطي.
عبد الله بن محمدالمراكشي



بن عبد الله فخر الدين أبو محمد المراكشي كان فقيهاً مباركاً مشكوراً، اشتغل كثيراً بالعلم، ونسخ بخطه، وكان إمام المدرسة الرواحية، وفقيهاً بالمدارس. وقرأ بالروايات على الزواوي، وروى الحديث عن الرشيد بن مسلمة، وسمع من جماعة منهم شمس الدين محمد بن سعد المقدسي، وعبد الله بن الخشوعي، وابن طلحة، وإسماعيل العراقي، والعماد بن عبد الهادي، واليلداني، والكفرطابي، والسديد بن علان، والباذرائي، وعثمان بن خطيب القرافة، والنجم بن النور البلخي، وابن عبد الدائم.
وتوفي رحمه الله في مستهل شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وقد قارب الثمانين رحمه الله تعالى، دخل حمام السلاري فوقع ومات هناك، وغسل بالرواحية.
عبد الله بن محمد بن فضل الله



القاضي شمس الدين بن القاضي فخر الدين ناظر الجيوش.
نشأ في حياة والده، وتأهل للمناصب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وفقده والده، وكتب الأمير سيف الدين تنكز إلى والده وعزاه فيه.
عبد الله بن محمد بن أحمد



ابن خالد بن محمد بن نصر بن صغير، الصاحب الأثير الوزير فتح الدين القرشي المخزومي الخالدي الحلبي بن القيسراني.
سمع أبا القاسم بن رواحة، وابن الجميزي، ويوسف الساوي، وابن خليل، وأحمد بن الحباب، وجماعة.
كان من أعيان الوزراء، وأفاضل الكبراء، شارك في الفضائل والآداب، ودخل في عداد المحدثين والشعراء والكتاب، روى وروى الناس عنه، وأخذوا الفوائد منه.
كان ممن يزهى الزمان بوجوده، ويفخر بعلوه في علومه، ورقيه في جو جوده.
وكتب الإنشاء في الديار المصرية، وأطلع بدور المعاني في ليالي سطوره الحبرية، وكان كما قال ابن الساعاتي:
أشمّ عفيف العين واليد والمنى ... وغيب الحشا والسر والجهر والحلم
له قلمٌ يرجى ويخشى شراته ... فكم شدّ من أزرٍ وكم سدّ من ثلم
وفاق يد الغيث الصناع جلالةً ... بما بثّ من وشي بديع ومن رقم
ولم يزل بين صناعة البلاغة والتدبير، وتصريف الدول والتحبير، إلى أن فتح القبر له فاه، وقال كل من يعرفه: والهفاه ! وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
كان له اشتغال بالحديث وتحصيله، وصنف في أسماء الصحابة المذكورين في الصحيحين، وترجم لهم، وروى شيئاً من أحاديثهم بأسانيده في مجلديه، وهما وقف المدرسة الناصرية بدمشق.
وكان يذاكر بأشياء حسنة مفيدة اللفظ والمعنى، وكتب الناس عنه قديماً، وممن روى عنه في معجمه الشيخ شرف الدين الدمياطي من نظمه، وأخذ عنه أشياخنا: فتح الدين بن سيد الناس، وعلم الدين البرزالي، والذهبي.
أنشدني من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الصاحب فتح الدين بن القيسراني:


بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت فصحّت ... وها خطّ الكمال على الحواشي
وكان قد ولي الوزارة في دولة الملك السعيد بن الظاهر في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وست مئة بدمشق، وقبض عليه في تاسع عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وست مئة، ووليها أيضاً في دولة الكامل كتبغا فما أظن، وعمه عز الدين أبو حامد محمد كان وزيراً بدمشق للملك الناصر، وجده موفق الدين خالد وزير دمشق أيضاً للعادل نور الدين الشهيد، وكان عنده مكيناً، وقد ذكرت ترجمة موفق الدين مستوفاة في التاريخ الكبير.
وكان القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى قد نظم مرثية في الملك الظاهر، ومدح الملك السعيد، وضمن البيتين المشهورين، وهما:
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌ ... منهلةٌ في أوجه تتهلّل
ملكان ذلك راحلٌ وثناؤه ... باقٍ وذا باق ثناه يرحل
فكتب الصاحب فتح الدين إلى ابن عبد الظاهر لما وقف على المرثية:
يا ذا الذي أخذ الكتاب بقوّةٍ ... فأتى به وهو الأخير الأوّل
قد حاز فيه بدائع الحسن التي ... ما مثلها فهو الرئيس الأمثل
لا فاضلٌ ساواه فيه ولا مشى ... في مثل منطقه البليغ الأفضل
مستشهدٌ فيه بأحسن شاهد ... إذ قال بيتاً مثله لا ينقل
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌ ... منهلّةٌ في أدمع تتهلّل
وكذاك أنت خلفت فيه الفاضل ... الندب الجليل وأنت منه أفضل
أرهبت فيه فقد أتيت بمعجزٍ ... في كل سطر منه يبدو جحفل
قلت: ادعى بعضهم أن هذا البيت لابن قلاقس الإسكندري، يهنئ الأميرين محمداً وأبا السعود ولدي الداعي عمران بن سبأ صاحب عدن.
قلت: الصحيح أن ابن قلاقس ضمنه، فإني وقفت على مجموع لابن خلكان قاضي القضاة رحمه الله تعالى بخطه وقد أثبته لابن خفاجة الأندلسي، ومما وقفت عليه في هذه المادة وهي التعزية والتهنئة في بيت قول ابن شرف القيرواني:
بكينا عليه ضاحكين كأننا ... نهار عليه شمسه وهو ممطر
غراءً ممن زار القبور وغبطة ... بأبلج لبّاه سريرٌ ومنبر
وقد سبق الناس كلهم إلى هذا أبو دلامة زند بن الجون يعزي بالمنصور ويهنئ بالمهدي في كل بيت فقال:
عينان واحدةٌ ترى مسرورةً ... بأمامها جذلاً وأخرى تذرف
تبكي وتضحك مرة فيسوءها ... ما أنكرت ويسرّها ما تعرف
ويسوءها موت الخليفة محرماً ... ويسرّها أن قام هذا الأرأف
هلك الخليفة يال أمّة أحمدٍ ... وأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافةٍ ... ولذاك جنات النعيم تزخرف
وكتبت أنا إلى القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق أهنئه بولد ذكر جاءه، وأعزيه في ولد ذكر مات، كل بيت عزاء وهناء:
عزاؤك فيمن غدا راحلا ... هناءٌ بهذا الذي قد حضر
فأوحشنا ذاك لمّا مضى ... وآنسنا اليوم هذا وسر
وهذا به عيشنا قد صفا ... وجرّعنا ذاك كأس الكدر
إذا الشمس في جوّها أشرقت ... فما ضرّنا حين غاب القمر
عبد الله بن محمد بن بهادر آص


جمال الدين بن الأمير سيف الدين.
كان شاباً حسناً ومليحاً، يخجل البدر سناء وسنا، ذا وجه ناسب الأقمار، وجرى حديثه في الأسمار، يخطه بقد من أين للرمح هزته، أو للغصن بزته، يكاد ينعطف بالنسيم إذا سرى، وينقصف من لطف حركاته إذا انبرى:
رأى قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالاً فأضحى بين ذاك قواما
وكان رحمه الله تعالى يعمل بيده أشياء مليحة من آلات الجندية، قل من يعملها من حذاق الصناع، وعمل أشياء من أعمال الخرد فوشيه متقنة، ودخل بها إلى السلطان الملك الناصر حسن، وقدمها فاستحسنها منه.
وكان سعيد الحركات، له حظ وافر في المتجر، توجه مع والده الأمير ناصر الدين إلى الديار المصرية، وله إقطاع بالشام، فأقام بمصر عند والده، ومرض ثلاثة أيام، وكسف بدره.


وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري الحجة سنة إحدى وستين وسبع مئة، وترك شيئاً له صورة.
عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فيرو


الشيخ الإمام المحدث المفتي شيخ الإسلام زين الدين الفارقي، خطيب دمشق ومفتيها، أبو محمد الشافعي.
سمع من كريمة القرشية، وابن الصلاح، والسخاوي، وابن خليل، وطبقتهم، ثم إنه تحول إلى مصر، وقرأ على الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره.
وروى الكثير، وأبان عن فضل غزير، وفاز بذكر شهير.
وكانت فيه زعارة وحده، وهيبة عظيمة وشده، وكانت فيه قوة للحق، وجلادة على مخاصمة الخلق، وتسرع في الافتاء وقع معه في هوة الإثم إلى الحلق، أراق دماءً كثيره، وقطع أطرافاً أمورها في ذلك الزمان شهيره.
وكان فصيحاً في لفظه، بديعاً في خطه، متحرياً في ديانته، متجرياً إلى أمد صيانته.
ولم يزل على حاله إلى أن فارقت الفارقي حياته، وورد عليه بما أبكى الناس عليه مماته.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري صفر سنة ثلاث وسبع مئة.
ومولده في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكان شيخ دار الحديث الأشرفية، قدم من مصر بالمشيخة بعد الشيخ محيي الدين النووي رحمهما الله تعالى، ودرس بالشامية البرانية، والناصرية، وتصدى للإشغال. وكان قد باشر الإمامة والخطابة بالجامع الأموي في العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة، وحضر الأفرم لسماع خطبته، وصلى بالمقصورة، وفي هذا اليوم قرئ تقليد قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى بالمقصورة، قرأه الشيخ شرف الدين الفزاري.
وتولى مشيخة الحديث بالأشرفية سبعاً وعشرين سنة، وهو الذي اهتم بعمارتها بعدما احترقت أيام التتار، وعمرت أحسن مما كانت أولاً، وكان مقصوداً بالفتوى.
عبد الله بن موسى بن أحمد



الشيخ الصالح الجزري.
كان شيخاً مباركاً، كثير الخير والعبادة، وله مطالعة وفهم ومعرفة، وعليه هيبة ووقار، وأقام بجامع دمشق سنين بمشهد أبي بكر مجاوراً متعبداً منقطعاً. وسمع الحديث من ابن البخاري، وحدث عنه، وكان يلازم الحضور عند الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويسأله ويضبط عنه أشياء من العلم. وحج غير مرة، وجاور بمكة وتعبد.
وتوفي في يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ودفن بمقبرة الباب الصغير عند أولاد شيخه الشيخ عمر الجزري شيخ أرض نبات.
عبد الله بن موسى بن عمر



ابن يومن الزواوي، الشيخ المقرئ المحدث الصالح الزاهد العفيف.
قدم الحجاز قبل التسعين وست مئة، وأقام بمكة أكثر من المدينة، وجاور إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وصحب الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة، وسمع عليه وعلى التقي عبيد، ومن مؤنسة بنت الملك العادل السباعيات التي خرجها لها ابن الظاهري، وحدث بها عنها. وسمع منه جماعة، وكان يحفظ الموطأ، وكان كثير الأمراض.
عبد الله بن يوسف بن أبي بكر



الشيخ جمال الدين الإسعردي الإصطرلابي.
رأيته بدمشق في الحائط الشمالي بالجامع الأموي، وجالسته غير مرة، فوجدت إنساناً منحرف المزاج، محتاجاً إلى العلاج، قد ساءت أخلاقه من ضيق رزقه، وأدته إلى نوكه وحمقه، إلا أنه إذا ثاب عقله، وأناب فضله وجد الطالب منه في قواعد هذا العلم غرائب، وجعل للبه عنده رغائب، ولو جاءه بطليموس كتبه الجمل الكبير والصغير، وضيع زمانه في ما يعرفه الإنسان في الكتاب، حتى يستطيل أو يستطير، وما أظنه انتفع به أحد، ولا كان عنده لطالب ملتحد.
ولم يزل في جنونه، ودوران من جنونه إلى أن سقط من قيسارية محسي فدخل تحت الشعاع، ولم يكن له عن الطريقة المحترقة من دفاع.
وكانت وفاته عشية السبت عاشر شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وكان يعرف الإسطرلاب معرفةً جيدة، وله أوضاع جيدة، إلا أنه كان منحرفاً يسب الناس ويغتابهم، ولا يذكر أحداً بخير لفقره، وضيق رزقه، وضعف بصره قبل موته.
/الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم



بقية حرف العين

عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام

الشيخ الإمام العالم العلامة حجة العرب، أفضل المتأخرين، جمال الدين أبو محمد الأنصاري الحنبلي المصري.

شيخ النحو، ومن قام في أمره بالإثبات والمحو، أظهر فيه الإبداع وصنف، وقرط الأسماع وشنف، ونظر ودقق، وتعمد لأن تعمق وحقق، ورجح الأضعف، لذهنه المتوقد وأوهى الأقوى من الأقوال، وسهل المتعقد، وكد وكدح، وصد عن الباطل، وأطرب لما صدح، وناقض شيخنا أثير الدين وحجه، وعدل بمذاهبه عن المحجة، وكاد يميت ذكر أبي حيان، ويردي كل من جاء من جيان، فلو عاصره سيبويه لحاكم الكسائي إليه، وفصل أمر المسألة الزنبورية بين يديه، وفصل فصول كتابه وخلعها عليه، أو الفارسي لأجلب عليه بخيله ورجله، أو ابن جني لما كتم سر الصناعة من أجله، أو ابن مالك لكان له مملوكاً، وجعل به طريق التسهيل للناس مسلوكاً:
وأطلعه الفهم بعد النهي ... على مشكلات كلام العرب
ولم يزل بالقاهرة يصنف ويفيد، ويجود للطلبة بفوائده ويجيد، إلى أن نزلت به أم اللهيم الأربي، وفجعت به النحاة والأدباء.
وتوفي رحمه الله تعالى عشية الخميس خامس ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبع مئة.
مولده تقريباً بعد العشرة وسبع مئة.
وكان في أول عمره قد تفقه للشافعي، ثم انتقل أخيراً إلى مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه، وحضر مدارس الحنابلة، وحفظ مختصر أبي القاسم الخرقي في دون الأربعة أشهر، مع ملازمة المطالعة والاشتغال، وروى الشاطبية عن قاضي القضاة ابن جماعة، وغيرها.
وصنف وأفاد وتخرج به جماعة من أهل الديار المصرية، ومن أهل مكة لما جاور بها، وأقرأ كتاب سيبويه مرات، وصنف كتباً في العربية منها: تعليقه على مشكل ألفية ابن مالك، ومنها: مقدمة في النحو سماها الإعراب عن قواعد الإعراب، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وهو كتاب مفيد قد جود وبيضه فسوده، واشتهر في حياته في الشام ومصر، واشتغل به أهل العصر.
عبد الله بن أبي الوليد محمد


ابن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد محمد التجيبي بن الحاج القرطبي المالكي.
إمام محراب المالكية بجامع دمشق، حدث عن ابن الثمانين، وكان مشهوراً بالصلاح.
توفي رحمه الله تعالى في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة بظاهر دمشق.
وسيأتي ذكر والده في المحمدين.
عبد الله الفاتولة



بالفاء والألف والتاء ثالثة الحروف والواو واللام والهاء، الحلبي الدمشقي.
شيخ قد أسن، وبلي من الكبر فأشبه الشن، فقير حرفوش، مكشوف الرأس منفوش، عليه دلق رقيق، بالي الخرقة دقيق، قد تمكن منه الوسخ، وثبت فيه ورسخ، قد جمعه من عدة رقاع، والتقطه من متباعد البقاع، يعبث به الأطفال فيزط، وينهض لمناوشتهم وينط، له مجمرة يستدفئ بنارها، ويرتضي بعابها وعارها.
وكان عاقلاً، إلا أنه عن الصلاة لا يزال غافلاً، والناس مع ذلك يذكرون له كرامات، ويشهدون أنه يشهد في الملكوت مقامات.
ولم يزل على حاله إلى أن انحل فتل الحبل من الفاتوله، وأكلته أم دفر القاتوله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
وكان يجلس عند عقبة الكتان بدمشق.
أخبرني شيخنا الذهبي، قال: كان الفاتولة جيد العقل، لا يقرب الصلاة، ولا يسأل الناس شيئاً، فقلت أنا في ذلك:
يا معشر المسلمين هذا إبراهيم في غاية الضلال
ومن عجيب الزمان يبدو ... فاتولة العصر في انحلال
عبد الله الحاجب



الأمير جمال الدين الدمرتاشي.
كان رأس الميسرة في الحجبة بدمشق، ركابياً بخدمة دمرتاش بن جوبان المقدم ذكره، وحبس بعده في قلعة دمشق مدة مديدة، ثم أطلق، وتولى شد المسابك بدمشق، ثم تولى شد المواريث الحشرية بدمشق في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، فيما أظن، ثم إنه تولى مدينة دمشق في أيام الأمير يلبغا، وخدم الناس وأحسن إليهم، ثم تولى ولاية البر، وجمع له بين ولاية المدينة والبر زماناً، ولم يهتك مستوراً، ثم إنه تولى القبلية وهو على حاله في خدمة الناس ثم إنه ولي إمرة الحجوبية في الميسرة إلى آخر وقت وهو على حاله في خدمة الناس ومسايستهم إلى سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فعزل عن الحجبة، وأخرج إلى طرابلس بطالاً، فأقام بها قليلاً، ورسم له بعوده إلى دمشق، فأقام بها بطالاً إلى أن توفي في ثاني القعدة يوم الجمعة سنة اثنتين وستين وسبع مئة.


وكان قد حج في سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وكان يزعم أنه في ولاية المدينة دخل إليه في الليل شيخ من الجن واعترف عنده أنه شرب الخمر وسأله أن يحده، وأنه فعل به ذلك، وطلبه فلم يجده، سمعت ذلك من لفظه غير مرة.
عبد الأحد بن أبي القاسم


ابن عبد الغني بن خطيب حران الشيخ العدل بقية الأخيار، شرف الدين أبو البركات بن تيمية التاجر.
سمع من ابن اللتي في الخامسة، ومن ابن رواحة ومرجى بن شقيرة، وعلوان بن جميع.
وكان له حانوت في البز، ثم انقطع، وحدث زماناً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة في رابع شعبان.
ومولده بحران سنة ثلاثين وست مئة.
عبد الأحد بن سعد الله



ابن عبد الأحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الأحد بن عمر الفقيه شمس الدين أبو محمد الحراني الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً، كثير التنفل، يستحضر الكثير من المذهب، وسمع الكثير ببغداد وبدمشق، وحدث، ومن شيوخه: ابن البخاري، وابن شيبان، ورقية بنت مكي، وابن الواسطي، والعماد بن العماد، والنفيس بن الكمال، والشمس بن الزين بدمشق. ومن شيوخه ببغداد: الكمال الفويرة، والرشيد بن أبي القاسم، ويوسف بن كرم، وابن الطبال، وعبد الرحيم بن الزجاج، وابن الدباب، وابن المريخ، وعبد المنعم بن عرندا. وسمع أيضاً بحماة وحلب والإسكندرية.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن البغداديين وجزءاً عن الشاميين، وحدث بهما فيهما عن أكثر من مئة شيخ.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
مولده بحران سنة ثمان وستين وست مئة، وكان يعرف بابن نجيح.
عبد الأحد بن يوسف بن الرزيز



تصغير رز.
خطيب جامع القاضي كريم الدين الكبير الذي بالقبيبات ظاهر دمشق، خطب فيه أول يوم فرغ من عمارته في شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وضره جماعة من القضاة والعلماء وأرباب الدولة، وقصد الناس الصلاة خلفه لبركته وحسن خطابته.
عبد الباري بن أبي علي الحسين



ابن عبد الرحمن كمال الدين بن الأسعد الأَرْمَنْتي، بهمزة مفتوحة، وراء ساكنة، وميم مفتوحة، ونون ساكنة، وتاء ثالثة الحروف، القرشي البكري.
سمع من ابن النعمان وغيره.
كان متورعاً زاهداً، يقطع الليل هاجداً، عنده وسواس في النجاسات، وتخيل زائد في توهم القاذورات، بحيث إنه زاد أمره، وتغير مزاجه، وكاد يخيب فيه طبه وعلاجه، وغلبت عليه السوداء، وما يتبعها من فساد التخيل والأدواء، فطلع المنبر بقوص بعد صلاة الجمعة، وادعى الخلافة له في كل بقعة، ثم إنه صلح حاله بعد ذلك قليلاً، وبقي في عقابيل ذلك نزيلاً.
وكان فقيهاً مالكياً، ثم تحول شافعياً، وحفظ كتاب ابن الحاجب في الفروع، والتعجيز أكمله حفظاً بعد الشروع.
ولم يزل على حاله إلى أن لسعه ثعبان فمات من سمه، وعدم روح الحياة ولذة شمه، وذلك بقوص سنة ست أو سبع وسبع مئة.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: ذكر لي جماعة من قوص أن قاضي القضاة أبا الفتح القشيري قال له: اكتب على باب بلدك أنه ما خرج منها أفقه منك.
وكان عنده قمح قد انتقاه وغسله بالماء فيزرعه في أرض يختارها بنفسه يتولى زرعه وحصاده وطحنه، وعنده طين طاهر يعمل منه آنية ليأكل فيها ويشرب.
عبد الباقي بن عبد الحميد



ابن عبد الله بن أبي المعالي متى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن يوسف، الشيخ تاج الدين اليمني المخزومي.
كان أسمر اللون، ظريف الكون، شيخاً طوالاً، حسن العمة، بعيد الهمة، يدعي في الإنشاء أشياء لو صحت كانت معجزه، أو لو أتى ببعضها كانت من الغرائب الموجزة، لا يحقق شيئاً من العلوم، ولا مما يتصف به ذوو الألباب والحلوم، نعم كانت له قدرة على النظم والنثر، وهو فيهما كثير التردي في الردي والعثر.
وكان يقرئ في المقامات والعروض، ويحسن ما يدعيه بالتقادير والفروض، ونظمه أقرب إلى الجودة، ونثره يقال فيه كما قيل: قد عرفناك يا سوده، ويكتب خطاً نقشاً، ويجيد منه سطراً رقشاً، وعلى كل حال فكان من أشياخ الأدب، وجراثمه التي تقصد بالطلب.
وكان كثير الحط على القاضي الفاضل، وهذا دليلي على أنه لم يكن ممن يناظر أو يناضل، وكفته هذه الحطة، وحبسه بها سيئة أكفأته في هذه الورطة.


وكان يرجح كلام ابن الأثير، وهذا كلام من هو بين أهل الكلام عثير، وبينهما عند أرباب هذا الفن من الفرق، ما بين القدم والفرق، وبينهما من البعد والبون ما بين الفساد والكون، أو الأبيض اليقق والأسود الجون، علم ذلك من علمه، أو جهله من جهله.
ولم يزل على حاله إلى أن فني عبد الباقي، ورقد في البرزخ إلى يوم التلاقي.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وأربعين، أو أوائل سنة أربع وأربعين وسبع مائة.
ومولده بمكة ثاني عشر شهر رجب سنة ثمانين وست مئة.
وكان قد ورد في أيام الأفرم إلى دمشق، وعمل رسالة سماها: قلائد الحور في المفاخرة بين المنظوم والمنثور، وحكم فيها القاضي محيي الدين بن فضل الله، فتوسط له عند الأفرم، فرتب له على الجامع الأموي بدمشق في الشهر مئة ردهم، وقرأ عليه الطلبة في المقامات والعروض. ثم إنه توجه إلى اليمن، وكتب الدرج باليمن، وربما وزر، ثم إنه لما توفي المؤيد صاحب اليمن صادره ولده المجاهد، وأخذ منه ما حصله، فورد إلى مصر سنة ثلاثين، وقدم إلى دمشق، ورأيته بها في سنة إحدى وثلاثين، ثم عاد إلى مصر، وبها اجتمعت به سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وفوض إليه تدريس المشهد النفيسي، وشهادة البيمارستان المنصوري.
ثم إنه ورد إلى دمشق، ورتب مصدراً بالحرم في القدس، فأقام به مدة وتردد إلى دمشق وحلب وطرابلس، وعمل له راتب بطرابلس، ثم توجه إلى القاهرة وأباع وظائفه، وبها توفي رحمه الله تعالى.
وكانت له قدرة على النظم والنثر، إلا أنه لم يكن له فيهما غوص على المعاني.
وكان ظنيناً بنفسه، يدعي أنه يملي على أربع كتاب، أو قال: خمسة في مقاصد مختلفة نظماً ونثراً، ويظن مع ذلك أن كلامه خير من كلام القاضي الفاضل، وعارض الرسائل المختارة للفاضل، مثل الرسالة الذهبية، وفتح القدس، وغيرهما، فكان كمن عارض الزواهر بالذبالة، والجواهر بالزبالة وكان كلامه متوسطاً، وعمل تاريخاً لليمن، وتاريخاً للنحاة، وليسا بشيء، وذيل على تاريخ ابن خلكان بذيل قصير جداً رأيته لم يبلغ به ثلاثين رجلاً.
وكان يعظم نفسه، ويطريها، بل يطغيها، ولكن لكلامه وقع في النفوس، وديباجة إذا أطنب في وصف نفسه، وتعيش بذلك زماناً، وقمر عقولاً أغماراً.
وأنشدني من كلامه المنظوم والمنثور كثيراً، وكتب على أشياء وقف عليها من تصانيفي تقريظاً بالنظم والنثر، فمن ذلك ما كتبه على كتابي جنان الجناس:
جنان جناس فاق جنس جنان ... يعين المعاني فيه جل معان
لقد نوع الأجناس فيه مؤلف ... طرائق وشي أو سموط جمان
غدا ناهجاً فيه مناهج لم يكن ... قدامة قدماً جاءها ببيان
مقاصد ما نجل الأثير مثيرها ... بدائع فضل من بديع زمان
محررة الألفاظ لكن حسنها ... رقيق ينسينا جليل حسان
إذا ابن فتى نجل الحديد أرداها ... تقول له أقصر فلست بدان
وما أنت فمن يسبك التبر ناقدً ... ومالك في سبك الفضا ريدان
لقد أطربت أبياته كل سامع ... فرائد ما جاءت لهن ثوان
تفوح بأرواح الصبا نفحاتها ... حظيرة بان عند حضرة بان
لقد صير الحساد تذرف دمعها ... مدامع شأن في محاجر شان
أقول لنظمي حين حاول شأوها ... رفيقك قيسي وأنت يمان
بقيت صلاح الدين للفضل صالحاً ... لحسن بيان من يراع بنان
فكتبت أنا إليه ارتجالاً:
لآ لي غوالٍ من حلي غوان ... وترجيع بم عند خفق مثان
أم الشيخ تاج الدين نظم شعره ... فما زهر روض من حلاه بدان
إمام زمام الفضل أضحى بكفه ... يصرفه يومي ندى وبيان
وزير بتدبير الممالك عارف ... غدا الناس في أيامه بأمان
إذا هو جارى الغيث يوم سماحه ... فذاك أوان ليس فيه بوان
يشيد مباني المجد في حومة العلى ... بهز يراع أو بسل يمان
فأقسم ما أثنى على ما وضعته ... بشعر ولكن بالجنان حباني
جناس بديع لو تقدم عصره ... أبان لنا في ذاك عجز أبان

فشكري ما وفى حقوق صنيعه ... وكيف بشام شام برق يمان
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تجنب أن تذم بك الليالي ... وحاول أن يذم لك الزمان
ولا تحفل إذا كملت ذاتاً ... أصبت العز أم حصل الهوان
قلت: أخذ الأول من قول الأول، وهو أحسن:
جهل الفتى عار عليه لذاته ... وخموله عار على الأيام
وأنشدني من لفظه لنفسه:
بخلت لواحظ من رأينا مقبلاً ... برموزها ورموزهن سلام
فعذرت نرجس مقلتيه لأنه ... يخشى العذار لأنه نمام
قلت: أخذه من قول الأول، وهو أحسن، وأكمل:
لافتضاحي في عوارضه ... سبب والناس لوام
كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمام
وأنشدني من لفظه لنفسه في حمار وحش:
حمار وحش نقشه معجب ... فلا يضاهي حسنه في الملاح
فمذ غدا في حسنه أوحداً ... تشاركا فيه المسا والصباح
قلت: فيه إضمار قبل الذكر، ولا يجوز في الأفصح، ولغة أكلوني البراغيث مرذولة وأحسن من هذا قول القائل في فهد:
تنافس الليل فيه والنهار معاً ... فقمصاه بجلباب من المقل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا أعرف النوم في ليلى جفا ووفا ... كأن جفني مطبوع من السهد
فليلة الوصل تمضي كلها سمراً ... وليلة الهجر لا أغفى من الكمد
وأنشدني من لفظه لنفسه وقد زاد جمال الدين بن نباته الشاعر بدمشق، فرأى في بيته نملاً كثيراً:
مالي أرى منزل المولى الأديب به ... نمل تجمع في أرجائه زمرا
فقال لا تعجبا من نمل منزلنا ... فالنمل من شأنها أن تتبع الشعرا
عبد الحافظ بن عبد المنعم


ابن غازي بن عمر بن علي المقدسي، الشيخ المحدث أبو محمد.
سمع الكثير على الحافظ ضياء الدين ومن بعده من الشيوخ، ونسخ الكثير لنفسه وللناس، ثم إنه بعد ذلك كتب الشروط، وارتزق بذلك في أيام الشيخ شمس الدين ومن بعده من قضاة الحنابلة، وكان يكتب خطاً حسناً. ومن شيوخه: المرسي، ومكي ابن علان، وابن مسلمة، وخطيب مردا، والصدر البكري، واليلداني، وإسماعيل العراقي، وإبراهيم بن خليل، والعماد بن النحاس. وسمع بحلب والقدس، وكان يضبط أسماء السامعين، ويكتب الطباق.
وتوفي رحمه الله تعالى عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبع مئة.
عبد الحافظ بن بدران



ابن شبل بن طرخان الزاهد القدوة، المسند الرحلة عماد الدين أبو محمد النابلسي المقدسي، شيخ نابلس.
قدم دمشق في صباه، وسمع الكثير من الشيخ موفق الدين، وموسى بن عبد القادر، وابن راجح، وأحمد بن طاوس، وزين الأمناء، والبهاء عبد الرحمن، وابن الزبيدي، وجماعة.
وأجاز له أبو القاسم بن الحرستاني، وأبو البركات بن ملاعب.
تفرد بأشياء أسمعها، وأختص بمحاسن أجرى مياهها وأنبعها، قصد من البلاد للسماع والتبرك، وطلب لتسكين القلق والتحرك.
كان كثير الأوراد والتلاوة، والاجتهاد في الانجماع على ذلك علاوة، ملازماً بيته إلى جانب مسجده، مقبلاً على شأنه في تعبده، بنى بنابلس مدرسة، وجدد طهارتها، وتحيل كثيراً إلى أن أتقن عمارتها، إلا أن الكيمياء استحوذت على عقله، ورمت فؤاده منها بنبله، فعالج لواعجها، ونافح أكوارها، ولا أقول: نوافجها، ولم يصح له فيها كغيره تدبير، ولا علم فيها قبيلاً من دبير، ثم إنه ترك هذا الهوس، وقال له التوفيق: قد قصرت لما طولت فيها النفس.
ولم يزل على حاله إلى أن ضاع عبد الحافظ، وألقاه في حفرته اللافظ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين وست مئة، وقد شارف التسعين.
وأول سماعه سنة خمس عشرة وست مئة، رحل إليه ابن العطار وعلم الدين البرزالي، وسمع منه شمس الدين بن مسلم، وابن نعمة، وجماعة، وقرأ عليه الشيخ شمس الدين الذهبي عشرة أجزاء.
عبد الحق بن محمد



الشيخ الإمام المحدث مجد الدين أبو محمد.
سمع الكثير كأخيه من أصحاب ابن كليب، والبوصيري، وحدث، وهو أخو تاج الدين عبد الغفار السعدي.
أجاز لي بخطه بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وقد نيف على الثمانين.
عبد الحق بن أبي علي




ابن عمرو بن محمد بن عمرون الصدر أمين الدين المعروف بالفارغ الحموي.
كان فاضلاً عاقلاً كثير الأدب، جيد النظم والنثر، حسن الترسل والإنشاء متفرداً بحل المترجم.
توفي بالقاهرة في رابع عشري المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وبعضهم قال فيه: عبد الخالق، وسيأتي في مكانه.
عبد الحميد بن منصور


ابن علي بن عبد الجبار الأنصاري.
سمع من علي بن عبد الواحد، وإسماعيل بن أبي اليسر، وغيرهما.
وأجاز لي بخطه في السنة التي توفي بها رحمه الله تعالى، وهي سنة تسع وعشرين وسبع مئة في ذي القعدة.
ومولده في سنة ست وخمسين وست مئة.
عبد الحميد بن عبد الرحيم



ابن أحمد بن حسان، الشيخ المعمر الكبير تاج الدين أبو عبد الله الحريري الدمشقي.
أصله من وادي التيم، ذكر أنه يعرف الملك الأشرف والملك الكامل.
أقعد في أواخر عمره سنين، وكان مقبولاً عند القضاة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: ظهر سماعه لجزء ابن عرفة على ابن عبد الدائم، وحدث به غير مرة. قال: قرأته عليه قبل موته بقليل.
عبد الخالق بن عبد السلام



ابن سعيد بن علوان القاضي الإمام تاج الدين أبو محمد المعري، الأصل، البعلبكي، الشافعي، الأديب.
حدث عن الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والمجد القزويني، والكاشغري، والعز بن رواحة، والتقي أبي أحمد علي بن واصل البصري، وأحمد بن هشام اللبلي، والزكي أبي عبد الله البرزالي، وجماعة.
وأجاز له الكندي، وروى الكثير، وتفرد في وقته بالرحلة إليه والمسير، وحدث بدمشق بسنن ابن ماجة، وكان الطلبة إليه في جد حاجة. وكان صاحب أوراد وقيام في الدياجي وبكاء من خشية الله وخطاب وتناجي.
ودرس بالأمينية بدمشق، وولي قضاء بعلبك، وحمدت أحكامه، وشكرت سيرته وأيامه.
ولم يزل على حاله إلى أن راح عبد الخالق إلى من خلقه، وأوضح له من صبح الهدى فلقه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثلاث وست مئة. فأناف على التسعين.
وسمع شيخنا الذهبي منه سنن ابن ماجة وأكثر عنه، وهو من أكبر شيوخه، وحدث عنه أبو الحسين اليونيني والمزي.
ومن شعره... .
عبد الخالق بن أبي علي



ابن عمر بن محمد بن عمر الصدر الفاضل الكبير عفيف الدين أبو الفضائل بن الصدر علاء الدين بن زين الدين بن الفارغ الحموي الشافعي.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز جزء ابن عرفة، قرأه عليه في سنة خمس وخمسين وست مئة، وعن ابن عبد الدائم والنجيب عبد اللطيف، وسمع من الباذرائي وجماعة.
وكان موصوفاً بالمروءة والمكارم، وقضاء الحقوق، وهو ابن أخت قاضي القضاة تقي الدين بن رزين.
وكان تقدم له اشتغال، وحفظ التنبيه، وقرأ الحديث، ثم إنه خدم بعض الأمراء بالقاهرة، وولي نظر الصدقات بدمشق مدة، وسكن درب العجم.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سلخ رجب سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
وقد تقدم ذكر أخيه عبد الحميد في مكانه.
وبعضهم سماه عبد الحق، وقد تقدم في مكانه.
عبد الرحمن بن إبراهيم



ابن عبد الله بن أبي عمر المقدسي، الشيخ الإمام الفاضل الزاهد عز الدين أبو الفرج بن الشيخ الإمام عز الدين بن الخطيب شرف الدين بن الشيخ الإمام القدوة أبي عمر محمد بن قدامة. سمع من ابن عبد الدائم، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق.
وسمع من والده، ومن عم والده الشيخ شمس الدين، وعمر الكرماني، وعبد الولي ابن جبارة، وأحمد بن جميل، وأبي بكر الهروي وجماعة.
وكان رجلاً صالحاً كثير الخير مواظباً على أفعال البر فقيهاً فاضلاً، درباً مناضلاً، يعرف الفرائض، ويغوص في بحرها على الغوامض، ويده فيها طولى، ويورد فيها مذاهب عجيبة ونقولاً.
واشتغل عليه خلق كثير، وانتفع به جم غفير، وخرج له شمس الدين بن سعد مشيخة قرأها عليه شيخنا علم الدين البرزالي.
ولم يزل على خير إلى أن لقي الله ربه، ووجد عنده ما أحبه.
وتوفي رحمه تعالى في ثامن شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده تاسع جمادى الأولى سنة ست وخمسين وست مئة.
وحج مرة مع الشيخ شمس الدين، وكمل عليه كتاب المقنع بالمدينة، وحج بعد ذلك مرات.
عبد الرحمن بن أحمد




ابن محمد بن محمد بن نصر الله الحموي، الشيخ الفقيه الإمام الزاهد ناصر الدين بن المغيزل الحموي.
كان مدرس العصرونية، وكان فقيهاً صالحاً، متواضعاً ديناً متعبداً.
توفي رحمه الله تعالى في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة بحماة.
عبد الرحمن بن أيوب


تاج الدين مغسل الموتى.
أقام يغسل الموتى نحواً من ثمانين سنة. وكان رحمه الله تعالى تعافه النفوس، وتنفر منه لملازمة التغسيل والنزول في الرموس، لأنه اتصف بالقساوة، وعدم المبالاة بأمر بينه وبين الحياة اتضاد وعداوة.
رسم في وقت الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى بقتله بالمقارع فشفعوا فيه، فنقل حانوته من طريقه، وكان يمر عليه إذا توجه إلى دار الذهب، وكانت دكانهم في الكفتين، فنقلوا منها. وسئل قبل موته: كم غسلت من الأموات؟ فقال: ستين ألف ميت، وكان ذلك قبل موته بمدة.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الغاسل غسيلاً، وصبحته نائبات المنايا وكان لها رسيلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وكان من أبناء الثمانين.
عبد الرحمن بن أبي بكر بن أحمد



ابن عمر بن أبي بكر بن عبد الله بن الشيخ الفقيه الفاضل تقي الدين أبو محمد المقدسي الحنبلي.
كان فاضلاً في الفقه والحساب والفرائض والمساحة. وكان يوصف بالشجاعة والأمانة والهمة.
روى عن ابن عبد الدائم جزء ابن الفرات. قال شيخنا البرزالي: قرأته عليه بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتوفي في يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
عبد الرحمن بن أبي بكر



ابن محمد بن محمود القاضي كمال الدين البسطامي الحلبي الحنفي.
ناب في الحكم بالقاهرة، وكان إماماً بالقبة المنصورية، ومدرساً بالمدرسة الفارقانية.
كان قد عجز عن الحركة ولزم بيته. وكان قد سمع من النجيب عبد اللطيف من الموافقات المخرجة له، وحدث عنه بأكثر سنن أبي داود. وكان يحفظ كتاب الهداية في الفقه.
ونزل عن الفارقانية، والتربة الأشرفية لولده الفقيه سراج الدين عمر.
عبد الرحمن بن الحسن



الفقيه الإمام القدوة الرباني البركة نجم الدين اللخمي المصري القبابي، بالقاف والباء الموحدة وبعدها ألف وباء ثانية الحروف. والقباب قرية بناحية دمياط.
تفقه للإمام أحمد، وبرئ به طرف الزهد وكان أرمد، نزح من مصر بأهله، ونزل في حمص برحله، فانزوى بها، وخيم بين قبابها، وفتح حانوت فاخوري لأجل البلاغ، وتحصيل ما للعيال فيه مساغ، وكان ينبه المشتري على عيوب الآنية، ويجتهد في إعلامه خوفاً من أن يسقى من عين آنية. ثم إنه تحول إلى حماة، فعرف به صاحبها، فآواه وحماه، وأقبل عليه وكان يزوره، ويعد أن ذلك حبوره، فاشتهر أمره، وقصد بالزيارة مقره.
ولم يزل على حاله إلى أن لقي باب قبره القبابي مفتوحاً، وقال روحه الطيب لملكيه: روحا.
وتوفي رحمه الله تعالى بحماة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
وحمل على الرؤوس، وقبره الآن بحماة يزار.
حدث بشيء يسير عن عيسى المطعم، كان قد سمع منه مسند الدارمي، وترك المدارس بمصر، وتوجه إلى حمص. وكانت له جنازة عظيمة إلى الغاية.
عبد الرحمن بن رواحة



ابن علي بن الحسين بن مظفر بن نصر بن رواحة، الشيخ الجليل المسند زين الدين بن أبي صالح الأنصاري الحموي الشافعي نزيل مدينة سيوط.
سمع من جده لأمه أبي القاسم بن رواحة عدة أجزاء منها: القناعة لابن مسروق، وسمع من صفية بنت الحبقبق جزءاً من معرفة الصحابة لابن مندة وهو الثامن، وللبغوي، وله إجازة من ابن روزبة والشيخ شهاب الدين السهروردي، وطائفة.
وتفرد في زمانه، وتأخر عن أقرانه، واختفى ذكره مده، ثم إنه تنبه له من الطلبة عده، وحدث في آخره عمره وخاتمة أمره.
ولم يزل على حاله إلى أن خرج روح ابن رواحة، ولقي من الله جودة وسماحة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وكان كاتباً في سيوط.
عبد الرحمن بن عبد الرحيم



ابن عبد الرحمن بن إسماعيل بن رافع العثماني القوصي الكيزاني سديد الدين.

سمع من مجد الدين القشيري، ومن ابنه الشيخ تقي الدين، ومن عبد العظيم، ومن ابن برطلة، ومن ابن عبد السلام، وغيرهم وحدث بقوص.
سمع منه شرف الدين النصيبي وغيره. وحدث بالقاهرة، وقرأ الفقه على الشيخ مجد الدين.
وكان خفيف الروح مطبوعاً، سليم الصدر متبوعاً، إذا انشرح أضحك الثكلى، وتحقق السامع أنه لا يرى له شكلاً، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ينبسط معه، ويهش له إذا سمعه، وينشده، ويبره ويرفده.
ولم يزل على حاله إلى أن وقع السديد في الكرب الشديد، وراح إلى المبدي المعيد.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده بقوص سنة أربع وعشرين وست مئة.
وكان ابن دقيق العيد إذا رآه وخلا به أنشده:
بين السديد والسداد سد ... كسد ذي القرنين أو أشد
عبد الرحمن بن عبد اللطيف


ابن محمد بن عبد الله بن وريد المكبر البزاز، المعروف بالفويرة، الحنبلي المقرئ المحدث.
كانت له إجازة من ابن طبرزد، وابن سكينة، وأحمد بن الحسن العاقولي، والحسين بن شنيف، وعبد الملك بن مبارك قاضي الحريم، ومحمد بن هبة الله بن كامل الوكيل، وابن الأخضر، وأبي البقاء العكبري، وسليمان بن الموصلي، وعبد الله بن المبارك بن أحمد بن سكينة وغيرهم. وسمع من ابن صرما ومحمود بن مندة وعمر بن كرم، ويعيش بن مالك بن ريحان، وأبي القاسم بن علي بن يوسف بن أبي الكرم الحمامي، ومحمد بن الحسن بن أسلم الفرغاني، ومحمد بن أحمد بن صالح الجيلي، وزيد بن يحيى بن هبة، وأبي الحسن محمد بن محمد بن حرب النرسي.
وقرأ القراءات على الفخر الموصلي صاحب يحيى بن سعدون القرطبي.
وتوفي رحمه الله تعالى ببغداد في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وست مئة.
وكان شيخ المستنصرية في عصره لعلو إسناده، قارب المئة سنة.
قال شيخنا البرزالي: أجاز لي ولولدي محمد غير مرة، وهو آخر من روى بالإجازة عن ابن طبرزد، وابن سكينة.
عبد الرحمن بن عبد المحسن



ابن حسن بن ضرغام بن صمصام، العدل الفقيه المعمر، كمال الدين الكناني المصري المنشاوي الحنبلي.
سمع من سبط السلفي، والصدر البكري، وطائفة.
وسمع منه شيخنا الذهبي.
كان يخطب بالمنشأة التي لقناطر الأهرام، وصار عدلاً بالقاهرة دهراً، واختبل قبل موته بنحو من أربعة أشهر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده بالمنشأة سنة سبع وعشرين وست مئة.
عبد الرحمن بن عبد المحسن بن عمر



ابن شهاب، الإمام المفتي الشيخ تقي الدين أبو الفرج الواسطي الشافعي، محدث واسط.
قدم دمشق، وحج مرات، وسمع هو وشيخنا الذهبي، وأخذ عن المخزمي، وبنت جوهر، والموجودين.
وكان ذا مروءة، ومحاسن مخبوءه، متواضعاً لمن يلقاه، إذا رأى شراً بصاحبه توقاه، كيساً خيراً، ذا باطن بالإخلاص نيراً.
قال شيخنا شمس الدين: حصل كثيراً من مروياته، وحدثنا عنه ابن ثردة الواعظ، وصحب الشيخ عز الدين الفاروثي.
وتوفي رحمه الله تعالى ببغداد سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وسبعين وست مئة.
عبد الرحمن بن عبد المولى بن إبراهيم



الشيخ المسند أبو محمد اليلداني الصحراوي.
سمع الكثير من جده تقي الدين، والرشيد العراقي، وابن خطيب القرافة، وشيخ الشيوخ الأنصاري، وأجاز له العلم السخاوي، والحافظ ضياء الدين، وآخرون.
وتفرد بأشياء، وسمع منه الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام رحمه الله تعالى كتاب الآثار للطحاوي، ووصله ورتب له مرتباً. وكان فقيراً، ثم عمي.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة خامس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة، وهو سبط اليلداني.
عبد الرحمن بن عبد العزيز



ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد ابن هلال، فخر الدين أبو محمد الأزدي الدمشقي.
كان عدلاً ابن عدل ابن عدل، كان منقطعاً عن الناس ملازماً لبيته وعياله، ليس له تعلق بغير ذلك.
توفي رحمه الله تعالى في بستانه بالنيرب ظاهر دمشق، في صفر سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وكان قد روى شيئاً من الحديث عن ابن أبي اليسر، وسمع من جماعة. وحج وحدث بطريق الحجاز.
ومولده في المحرم سنة ثلاث وستين وست مئة بدمشق.
عبد الرحمن بن عبد الوهاب




ابن علي بن أحمد بن عقيل، الإمام الخطيب ضياء الدين بن الخطيب السلمي البعلبكي.
سمع من أبي المجد القزويني كتاب شرح السنة، وكان خاتمة أصحابه، وسمع من ابن اللتي، وابن الصلاح.
وكان خيراً متواضعاً، يخضب بالحمرة، وبقي في الخطابة بضعاً وخمسين سنة، وسمع منه شيخنا الذهبي.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث صفر سنة ثلاث وسبع مئة.
ومولده سنة أربع عشرة وست مئة.
عبد الرحمن بن علي


ابن إسماعيل بن يحيى بن البارزي، الصدر الكبير زين الدين بن علاء الدين المعروف بابن الولي الحموي.
كان متعيناً في بلده، وله مكانة عند الملك المؤيد، وعند ولده الأفضل، وكان وكيل بيت المال بحماة، وبنى بها جامعاً، وصلى فيه.
وتوفي رحمه الله تعالى خمس شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
عبد الرحمن بن عمر



الصدر الرئيس شرف الدين بن الصاحب فخر الدين بن الخليلي.
كان قد ورد إلى دمشق متولياً نظر ديوان سلار عوضاً عن القاضي عماد الدين بن ريان.
وكان شاباً عاقلاً، عنده سكون ومعرفة، وفيه رياسة وحشمة.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع صفر سنة تسع وسبع مئة.
وكان قد حضر بعده على نظر الدواوين المذكورة عز الدين محمد بن كمال الدين عبد القادر بن منهال، وسيأتي ذكره.
عبد الرحمن بن عمر بن علي



الهاشمي الجعفري الشنشتري، الطبيب نور الدين، الحكيم الطبيب.
كان فاضلاً في علوم، وكتب المنسوب الذي أخجل الدر المنظوم، وبرع في الإنشاء والأدب وأيام الناس من العجم والعرب، واتصل بعلاء الدين صاحب الديوان، فأجله مع أصحابه في الإيوان، وحصل بالطب أموالاً، وتقدم في الدولة فما يدري أعادى الناس أم والى، ثم إنه أقبل على التصوف، ودخل في التصون ورحل عن التشوف والتسوف، وخاض تلك الغمرات، وترنم بذكر البان وليالي السمرات، وعمر خانقاه، جعل نفسه شيخها المشار إليه، وكبيرها الذي يفد الناس عليه ، وعظم شأنه عند خربندا، وبقي دخله في العام سبعين ألفاً.
ولم يزل على حاله إلى أن دخل النور من الأرض في ظلماتها، وذكر الناس به أيام الفضل وطيب أوقاتها.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وقد أسن.
وكان قد قدم بغداد، ونزل بالنظامية، وتفقه ومهر في الطب، وتخرج بابن الصباغ، وابن القسيس، ونوه عز الدين الجعفري متولي البصرة بذكره، وهو والد الشيخ نظام الدين يحيى الذي كان شيخ الربوة بدمشق، وعاد إلى بغداد.
عبد الرحمن بن عمر بن صومع الدير قانوني



الشيخ الصالح أبو محمد سبط الشيخ زين الدين بن عبد الدائم.
سمع من ابن اللتي، والهمذاني، والحافظ ضياء الدين المقدسي وغيرهم.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمعت عليه مسند أبي بكر رضي الله عنه من أول مسند ابن حميد وغير ذلك.
ضرب التتار رقبته بالصالحية، ولم يتفق دفنه في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وست مئة. وكان صائماً عدة أيام.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة.
عبد الرحمن بن عمر بن الحسن



ابن علي كمال الدين التيمي الأرمنتي، يعرف بالمشارف.
كان جواداً كريماً، رئيساً حليماً، كثير المروه، غزير الفتوة، شاعراً أديباً ماهراً في فن الكتابة أريباً، تقلب في الخدم الديوانية، وتسلب ما في الجهات السلطانية.
ولم يزل على حاله إلى أن فارق الدنيا، ونزح عن السفلى إلى العليا.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وسبع مئة.
ومن شعره:
حبست جفني على الأرق ... نغمات الورق في الورق
وانعطاف الغصن صيرني ... واختلاف النور في نسق
هائماً لم أدر ما فعلت ... يد هذا البين بالأفق
ومنه:
ألحظك فيه سحر أم حسام ... وخدك فيه ورد أم ضرام
وثغرك فيه در أم أقاح ... دماً في فيك شهد أم مدام
خطرت فكاد في فرط التثني ... يغرد فوق عطفيك الحمام
أياً من خص بالتعذيب قلبي ... أما في الوصل بعدك لي مرام
قلت: شعر مقبول له ديباجة إلا أن في الأول فصلاً بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله: صيرني وصيرني متعلق ب؟ هائم، ومثل هذا لا يجوز، وقوله في الثاني: خطرت. أحسن منه قول أبي طاهر حيدر البغدادي:
خطرت وكاد الورق يسجع فوقها ... إن الحمام لمغرم بالبان


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 20 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 07:09 AM ]


عبد الرحمن بن محمد

بن محمد بن عمر

الشيخ الفقيه المسند الأصيل مجد الدين ابن الشيخ المحدث مجد الدين بن الصفار الإسفرايني.
سمع على كريمة، وابن الصلاح، والقرطبي، وإسماعيل بن ظفر، وعتيق السلماني، وشيخ الشيوخ ابن حموية، وعمر بن البراذعي، والصريفيني، وجماعة، وحدث بدمشق والقاهرة.
وكان رجلاً جيداً، قرأ كتاب التعجيز في الفقه وجود حفظه، وقرأ غيره.
وكان ملازماً للاشتغال، طاهر اللسان، حسن الأخلاق قنوعاً. وكان فقيهاً في المدارس، وتولى مشيخة الخانقاه الشهابية.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
عبد الرحمن بن محمد



الإمام القدوة العابد المتبع المذكر تاج الدين ابن الإمام أفضل الدين أبي حامد التبريزي الشافعي الواعظ، أحد من قام بالإنكار على رشيد الدولة وزير التتار، وطعن في نحلته وفلسفته، فما أقدم الرشيد عليه، وأعرض عنه لرفعة قدره في نفوس الناس من أهل بلد تبريز.
كان قوالاً بالحق، قواماً بالصدق، سلفي الاعتقاد، ذا سكينة وإخلاص واجتهاد، وعظ ذكر، وعظ بناجذ الصدق وفكر، وكانت له في النفوس مهابة، وعنده خشوع وإنابة. وقدم دمشق بنية الحج بأبيه وبنيه وجماعته وذويه، وسار وحج وعاد مع الركب العراقي، وأعمل اليعملات طمعاً في التلاقي، فأدركه أجله في بغداد، فانقطع بذلك السير والإغذاذ.
وكانت وفاته سنة تسع عشرة وسبع مئة، وله ثمان وخمسون سنة.
عبد الرحمن بن محمد بن عسكر



البغدادي المالكي، الشيخ شهاب الدين مدرس المستنصرية ببغداد، شيخ المالكية.
روى عن ذي الفقار محمد بن شرف العلوي مسند الشافعي بسماعه من ابن الخازن، وسمع من علي بن محمد الأسد آبادي، وعز الدين الفاروثي، والعماد بن الطبال، وسمع في الحجاز من زين الدين ابن المنير قصيدة.
وأخذ عنه الشرف بن الكازروني، وأبو الخير الدهلي، وولده الفقيه شرف الدين أحمد الذي درس بعده، تخرج به الأصحاب. وتلقي لعظمته بالترحاب. وبعد صيته وسمعته. وأوقدت في المحافل شمعته.
وكان صاحب أخلاق، ومواهب في الحال وإطلاق. وعنده تصور وتصديق وتصوف، وتطلع إلى الواردات وتشوف. يشهد السماع، ويكشف القناع، ويتواجد لطفاً، ويتعاهد ذلك ظرفاً، ولا يرعى ناموساً ولا يراعي ملبوساً. دخل اليمن، وفاز هناك بغلاء الثمن. وله مصنفات في المذهب وفي الدعوات، وله: عمدة السالك والناسك. وله غير ذلك.
ولم يزل على حاله إلى أن هزم جيش ابن عسكر، وأصبح فريداً في قبره كأن لم يذكر.
وتوفي رحمه الله تعالى اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين وست مئة.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن



ابن يوسف البعلبكي، ثم الدمشقي الحنبلي، الفقيه، المحدث، المفيد، فخر الدين أبو محمد.
سمع من الفخر في الخامسة، ومن ابن الواسطي، وابن القواس، ثم طلب بنفسه سنة خمس وسبع مئة، رحل وكتب، وتعب ودأب. وكان عين الطلبة، ومعين السامعين على بلوغ المأربة. وكان يقرأ على الكراسي، ويجلس في تلك المراسي، وفيه للعوام نفع، وبه في صدر الشيطان ضرب ودفع. وتميز ودرس الفقه على مذهبه، وتعب على تحصيل منصبه.
ولم يزل على حاله إلى أن حلت به الداهية، وأصبحت عينه شاخصة ساهية.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثمانين وست مئة.
عبد الرحمن بن محمد بن علي



أبو زيد الأنصاري الأسدي القيرواني، المعمر، صاحب تاريخ القيروان.
أخذ عن عبد الرحمن بن طلحة، وعبد السلام بن عبد الغالب الصوفي، وطائفة، وأجاز له ابن رواج، وابن الجميزي، وسبط السلفي، وجماعة. وخرج له أربعين تساعيات بالإجازة.
سمع منه محمد بن جابر الوادي آشي.
وكن مؤرخ بلده ومحدثها، ومانح فوائدها ومورثها. عمل هذا التاريخ المختص ببلده، وما رئي مثل صبره على ذلك ولا جلده.
ولم يزل على حاله إلى أن أدركه مكتوبه، وفرغ من عمره محسوبه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة خمس وست مئة.
عبد الرحمن بن محمد بن علي



الفقيه النبيه، تاج الدين ابن الإمام العلامة فخر الدين المصري الشافعي، وسوف يأتي ذكره والده في مكانه من حرف الميم.

حفظ المنهاج للنووي، ومنهاج البيضاوي في الأصول، وناب عن والده في تدريس العادلية الصغيرة وفي الرواحية. ونزل أبوه له عن تدريس الدولعية. وحج مع والده سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وجاور والده، وقدم هو صحبة الركب إلى دمشق.
وكانت فيه هشاشة، وله بمن يلتقيه بشاشة. وفيه تعصب مع الناس، ومروة توجب له الإيناس. وعنده كرم وجود، واعتراف بالجميل من غير جحود. وفي كل قليل يعمل للفقهاء ولأصحابه دعوه، ويرزق بالثناء عليه فيها حظوه.
ولم يزل على حاله إلى أن ذوى ينعه، وغاض من الحياة نبعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
ومولده في عشرين شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين وسبع مئة.
كان في الحمام، فبصق دماً، فخرج من الحمام، وقد أيقن بالهلاك، ودار على أصحابه وودعهم، ويقول لكل واحد منهم: لا أوحش الله منكم، قد بصقت، وأنا ميت. وتأسف الناس على فقده.
ومما قلت أنا في ذلك الوقت:
يا رحمتا لدمشق من طاعونها ... فالكل مغتبق به أو مصطبح
كم هالك نفث الدما من حلقه ... أوما تراه بغير سكين ذبح
عبد الرحمن بن محمد بن علي


ابن عبد الواحد الصدر الفقيه، القاضي تقي الدين ابن الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام كمال الدين بن الزملكاني الشافعي.
كان في حل المترجم آية، وفي حل الألغاز غاية. وما عدا ذلك فهو منه عري، ومما كان يعرفه والده بري. وخطه لا يرضى به تعيس أن يكون حظه، وذهنه في غير ما ذكرته لا يفهم به لفظه. على أنه كان ينظم ولكن خرزا، ويدع الطرس بذلك من خطه صعيداً جرزاً. ولكن كان سليم الطباع، جيد الصحبة لطيف الاجتماع. ينفعل لأصحابه، ويوافق كلاً منهم على آرائه. وجوده متدفق، وبذله لما في يده غير مترفه ولا مترفق.
ولم يزل على حاله إلى أن فارق الأوطان، ونزح من الأعطان.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة بدمشق.
وطلبت أنا من الديار المصرية في أيام الأمير سيف الدين تنكز بوساطة القاضي شهاب الدين بن القيسراني في المرة الثانية، ولما جئت رتبت مكانه في ديوان الإنشاء. وكان هو رحمه الله قد توجه صحبة والده إلى الديار المصرية، ولما توفي والده في بلبيس، دخل هو القاهرة ودفن والده عند قبر الشافعي رضي الله عنه.
وكان والده قد عمل سيرة مليحة للسلطان الملك الناصر محمد، فدخل وقدمها، وساعده الناس إكراماً لأبيه، وعضده الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار، فرسم له بتدريس المسرورية وبأن يكون في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، فدخل إليها وأهل دمشق إما أقاربه، أو تلاميذ والده، وإما أصحابه، فرعوه لذلك.
وكان قاصراً في كل ما يعرفه والده، إلا في حل المترجم، كان يحله بلا فاصلة في أسرع ما يكون، وكذلك الألغاز حتى إنني كنت أتعجب له في ذلك من جود ذهنه في غير هذين، وتوقد ذهنه فيهما. فسبحان الله العظيم والده شيخ الإسلام وكل ما يعرفه كان فيه آية، وهذا ولده هكذا، مع ما تعب عليه والده واجتهد.
عبد الرحمن بن أبي محمد



ابن محمد بن سلطان القرامزي، الشيخ الصالح، بقية السلف، أبو محمد الحنبلي.
كان شيخاً مشهوراً، يلازم الجامع أعواماً وشهوراً، كثير الصلوات، غزير الخلوات، له مريدون وأصحاب وخدام وأحباب. اشتغل بالعلم أولاً، وانقطع للعبادة والتلاوة، جعل ذلك معولاً، وللناس فيه عقيدة، ومحبة عتيدة.
ولم يزل على حاله إلى أن لحق بالباري تعالى، وتواتر البكا عليه وتوالى.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين وست مئة ببستانه بأرض المصيصة ظاهر دمشق.
وصلى عليه بجامع جراح، ودفن بمقبرة الباب الصغير في تربة له جوار القلندرية.
سمع من ابن أبي اليسر، والنجم بن النشبي، والشيخ حسن الصقلي، والجمال البغدادي الحنبلي، والمجد بن عساكر، وابن هامل، والكنجي، وجماعة. وسمع بالقدس من الخطيب قطب الدين، وبالخليل من الشيخ عبد الدائم بن الزين بن عبد الدائم.
وحدث بدمشق والقاهرة، وكان تلا بالروايات على الشيخ حسن الصقلي.
عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل



ابن محمد بن أحمد بن أبي الفتح، الخطيب عفيف الدين أبو محمد ابن الشيخ الخطيب المرداوي المقدسي خطيب مردا.

ورد دمشق مع والده، وقرأ الحديث بنفسه سنة ثلاث وخمسين، وسمع الكثير على والده وابن عبد الدايم. وخطب مدة طويلة بالقرية المذكروة، وحدث قديماً.
سمع منه ابن الخباز سنة خمس وستين وست مئة.
قال شيخنا البرزالي: قرأ عليه بدمشق وبمردا.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشر وسبع مئة.
ومولده تقريباً بمردا سنة ثلاثين وست مئة.
عبد الرحمن بن محمود


مجد الدين بن قرطاس القوصي الأديب.
سمع الحديث بالقاهرة على أشياخ عصره، وقرأ النحو على العلامة أثير الدين، وتأدب على الطوفي الحنبلي والشيخ صدر الدين بن الوكيل والأمير مجير الدين عمر بن اللمطي. وتولى الخطابة بجامع الصارم بقوص.
وكان يتصوف، ويجمع الدواوين وينتقي منها ويتصرف. وعلق تعاليق، وعمل منها مبتدآت وتغاليق. ووقف كتبه على المدرسة السابقية بقوص، وعلم الناس بذلك أنه صحيح غير منقوص.
ولم يزل على حاله إلى أن خرق سهم المنية قرطاسه، وأخمد الموت أنفاسه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ورثى مجير الدين بن اللمطي بقصيدة أولها:
كأس الحمام على الأنام يدور ... يسقى بها ذو الصحو والمخمور
منها:
يزهى به النعش الذي هو فوقه ... وكذاك يزهى بالأمير سرير
عبد الرحمن بن مخلوف



ابن عبد الرحمن بن مخلوق بن جماعة بن رجاء الربعي الإسكندري المالكي، الشيخ الإمام العالم العدل الخير المعمر المسند محيي الدين أبو القاسم.
سمع من جعفر الهمذاني، وعلي بن زيد التسارسي، سمع عليه الثالث من الثقفيات وسمع الدعاء للمحاملي على جعيفر، وسمع من ابن رواج.
وسمع منه الواني، وشيخنا أبو الفتح بن سيد الناس، وابن ربيع المصغوني، وسمع منه شيخنا الذهبي خمس مجالس تعرف بالسلماسية.
وكان له بصر بالشروط، وأمره في العدالة مضبوط، وله فيها تقدم وشهرة، وخبرة فيها قد جمل به دهره. وتفرد بأجزاء عالية سلفية رواها، وملك زمام أمرها وحواها، وشفى بروايتها من النفوس جواها.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ من حياته وعاؤها، وأجيب في منيته دعاؤها.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة.
عبد الرحمن بن مسعود بن أحمد



العلامة شيخ الحنابلة، شمس الدين ابن قاضي القضاة، سعد الدين الحارثي المصري الحنبلي.
سمع من العز الحراني، وغازي، وبدمشق من الفخر علي وجماعة. وأخذ النحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والأصول عن ابن دقيق العيد. وحج غير مرة.
وكان يدرس بمدارس كبار، وإذا جرى في حلبة المناظرة لا يعلق الريح له بغبار. مع الوقار الجميل، والسمت الذي لبس له فيه عديل. وصدق اللهجة، وعفاف المهجة، والديانة التي رأس بها وتصدر، والصيانة التي تصبب بها نوه وتحدر. و لم يزل على حاله إلى أن نبش من الحارثي قبره، وعدم من صاحبه عليه صبره.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة سادس عشري ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وسبعين وست مئة.
عبد الرحمن بن موسى



هو الملك أبو تاشفين، ابن الملك أبي حمو، بالحاء المهملة والميم المشددة والواو، ابن الملك أبي عمرو عثمان ابن السلطان يغمراسن بن عبد الواد الزناتي المغربي البربري صاحب تلمسان.
كان شجاعاً حازماً، موقناً بالشر جازماً، جبروته زاد عن الحد حتى كذبه العقل وأباه، وناهيك بمن تجرأ وما اتجرى وقتل أباه.
وكان قد نظر في فنون العلم مدة، وأنفق فيها من عمره عدة، وتفقه على ابني الإمام، وفدت سيرته ونسي ورد الحمام.
ويحكى عنه في دولته قبائح، أما الراوي لها فكاتم وأما التاريخ لها فبائح.
قصده سلطان المغرب أبو الحسن المريني وحاصره مدة طويلة وأنشأ في المنزلة مدينة كبيرة، وطال الأمر إلى شهر رمضان، فبرز أبو تاشفين في أبطاله لكبسه ومكيدة يعملها فانعكست عليه، وركب جيش أبي الحسن وحملوا حتى دخلوا من باب تلمسان وقتلوه على ظهر جواده في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. وكان الحصار نحو سنتين وأكثر. وطيف برأسه في المغرب، ثم دفن مع جسده عند آبائه بتلمسان.
وكان جد السلطان أبي الحسن قد نازل تلمسان أيضاً سنوات ومات وهو يحاصرها سنة بضع وسبع مئة.
عبد الرحمن بن موسى بن عمر




تاج الدين الناسخ، عرف بابن المناديلي، ووالده بدر الدين بن أبي الفضل.
كان ينادي يوم الجمعة على الكتب، ويأخذ رزقه فيها من بني الخطية السلب، ونسخ كثيراً من الدواوين الصغيرة الرائقة، والأشعار التي بالغزل والنسيب لائقة. وقطعت في غير جناية يمينه، وبقي رحمة لا يجد من يعينه. وكتب بعد قليل بشماله، وقاتل على ذلك لأن الخط كان رأس ماله. وكان يعتذر في آخر الكتاب أنه بيده اليسرى، ليعذره من كان بذكره مغرى. وكان خطه أبهج من خميلة، وأرهج من الطلعة الجميلة.
ولم يزل على حاله إلى أن غص بالشجى، ولم يجد من يد الموت مخرجاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة. ووصل إلى السبعين.
وكان قد وصل إليه القباري واليعفوري، وكتب لهما كتاباً، وكان ذلك مرافعة في حق الأفرم، فأمسكوا، وأفتى الشيخ زين الدين الفارقي بقطع يديه، وتوسيط الآخرين، فقطعت يده. وقد تقدم ذكر هذه الواقعة في ترجمة الشيخ أحمد القباري في آخر الأحمدين فتكشف من هناك. ولما قطعت يده قال للأفرم: يا خوند قطعت يدي لأجل درهمين، هذان دفعا إلي درهمين وقالا: اكتب هذا الكتاب، فرق له الأفرم، وأعطاه جملة دراهم، وأظنه رتب له شيئاً، وكان التاج المذكور مغرى بكتابة ديوان ابن الفارض والحاجري وغيره من هذه الدواوين الصغار، ويكتب كثيراً بكتاب الدرة المضية في اللغة التركية، وهذه الكتب موجودة بين ظهراني الناس، وخطه معروف. وكان يقول: عمري ما وقع في أذني ألذ من قول الأفرم: وهذا اقطعوا يده، لأنه رسم قبل ذلك بتوسيط القباري واليعفوري المذكورين.
وكان قد أسن، ووقعت أسنانه، وكان يمشي وفي جنبه جرن خشب، ويدق، حتى يدق الخيارة والقيثاءة والتفاحة والسفرجلة والكمثري وغير ذلك. ووجد بعد موته سماعه مشيخة العفيف محمد بن زكريا بن رحمة.
عبد الرحمن بن نصر


ابن عبيد المفتي الإمام زين الدين الفدمي السوادي الصالحي الحنفي.
سمع المرسي، وسبط بن الجوزي، وخطيب مردا، وإبراهيم البطائحي، والرشيد العراقي، واليلداني، وعدة.
كان له في الفقه بصر حديد، وفي الشروط نظر ما لخصمه عنه محيد. شهد تحت الساعات، وأنفق عمره في الطاعات، إلى أن عجز وانقطع، ولمع برق ضعفه وسطع. وكان يعبر الرؤيا، ويأتي في كلامه بما هو الغاية العليا.
ولم يزل إلى أن جف عوده، وزمجرت بالنزاع رعوده.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وله ست وثمانون سنة.
وانقطع بمدرسة الأسدية لما عجز عن التوجه إلى مكان الشهود.
عبد الرحمن بن يوسف



ابن محمد الشريف الخطيب الإمام العالم، الزاهد الفاضل جمال الدين أبو البقاء الحراني، خطيب المسجد الأقصى.
كان صاحب فضائل وفنون، ولي الخطابة بالأقصى بعد قاضي القضاة، بدر الدين بن جماعة.
توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبع مئة.
عبد الرحيم بن إبراهيم



ابن إسماعيل بن أبي اليسر التنوخي، تاج الدين أبو الفضل.
سمع من جده أبي محمد كثيراً، وأجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بدمشق.
عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله



قاضي القضاة نجم الدين الجهني البارزي الشافعي الحنفي، حفيد قاضي القضاة شيخ الإسلام شرف الدين، الحاكم بحماة، وسيأتي ذكر جده هبة الله في حرف الهاء في مكانه.
توفى القضاء نجم الدين هذا بحماة لما ترك قاضي القضاة جده المنصب وقد أضر. وقد كان إبراهيم والده توفي في حياة والده شرف الدين. ولم يكن في عصر نجم الدين هذا أحد من قضاة القضاة أقدم منه في هذا المنصب شاماً ومصراً مدة تزيد على الثلاثين سنة. وكان ساكناً خيراً قائماً بوظيفته على مات يجب. ورأيته بحماة غير مرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة.
عبد الرحيم بن أبي بكر



مجد الدين الجزري الفقيه النحوي الصوفي.
كان قائماً بمعرفة النحو، هائماً في محبة أدته سكرتها إلى عدم الصحو.


وكانت له حلقة اشتغال، يجالس إليه فيها من هو في محبته متغال. وفيه مع ذلك عشرة وانطباع زائد، وكيس لا يحتاج معه في المحبة إلى رائد. ولكنه ابتلي بحب شاب شيب فوده، وحسن إلى الهلاك قوده، فكان إذا رآه ترعد فرائضه عشقاً وصبابة، ويود لو نال من عظيم وصاله صبابة. فقويت عليه سوداؤه، وتحكم منها فيه داؤه. فأغلق الخانقاه الشهابية عليه، وطلع إلى سطحها وألقى بنفسه إلى الطريق فمات، وأنزل بنفسه من أعاديه الشمات. وكان يوم جمعة، وقت الصلاة، ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وست مئة.
عبد الرحيم بن عبد الرحمن


ابن نصر الموصلي، الشيخ الإمام نجم الدين بن الشحام الشافعي.
أكثر الأسفار، ومطالعة الأسفار. واشتغل ببغداد وتميز، وانزوى إلى سراي وتحيز. وأقام بها مدة، وأنفق فيها من العمر جده.
وقدم دمشق سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وولي مشيخة القصر. ودرس بالجاروخية والظاهرية البرانية.
ولم يزل إلى أن ذاب بالأسقام شحمه، وسبك في القبر لحمه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة. وله ثمان وسبعون سنة.
وكان فقيهاً طبيباً. وكان قد ولي تدريس الظاهرية البرانية، ثم أضيف إليه تدريس الجاروخية ومشيخة خانقاه القصر.
عبد الرحيم بن عبد العليم



الدندري، بدال مهملة أولى ودال ثانية بينهما نون وبعد الدال الثانية راء، المعروف بالفصيح.
مدح الأكابر، واستجدى بشعره، وسامحهم فيه بترخيص سعره.
وكان خفيف الروح، قانعاً بما تيسر من الفتوح.
ولم يزل على حاله إلى أن خرس الفصيح، وبكاه صاحبه بجفنه القريح.
قال الفاضل كما الدين الأدفوي: توفي سنة أربع وسبع مئة ظناً. وأورد له في تاريخ الصعيد قصيدة مدح بها الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، منها:
أيا سيداً فاق كل البشر ... ومن علمه في الوجود انتشر
ويا بحر علم غدا فيضه ... لوارده من نفيس الدرر
أيادي ندى عمنا جودها ... كما عم في الأرض جود المطر
وفي روض أيامك المونقات ... أنزه طرف المنى بالنظر
عبد الرحيم بن عبد المنعم



ابن عمر بن عثمان، الإمام المفتي الزاهد، جمال الدين، أبو محمد الباجربقي، بباء موحدة وبعد الألف جيم وراء وباء أخرى وقاف، الموصلي الشافعي.
شيخ فقيه محقق، نبيه مدقق، نقال، عارف بالوجود والطرق والأقوال. له حلقة اشتغال تحت قبة النسر إلى جانب البرادة، كل فاضل قد جعل إليها ترداده.
اشتغل بالموصل وأفاد، وبدأ بالفضل في دمشق وأعاد.
وكان طويلاً، عليه مهابة، ساكناً كثير الرجوع والإنابة، كثير الصلاة والذكر، والخشوع والفكر.
ولم يزل على حاله إلى أن بلغ عمره حده، وجعل اللاحد على الأرض خده.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة في شوال.
وكان قد خطب الجامع الأموي نيابة، ودرس بالغزالية نيابة. وولي تدريس الفتحية، وحدث ب؟ جامع الأصول لابن الأثير عن واحد عن المصنف. وله نظم ونثر ووعظ. وقد نظم كتاب التعجيز فعمله برموز. وهو والد الشيخ محمد الآتي ذكره في مكانه، إن شاء الله تعالى، صاحب تلك العجائب.
ومن شعره: ....
عبد الرحيم بن علي



ابن هبة الله الأسنائي الصوفي.
كان من أصحاب الحسن بن الشيخ عبد الرحيم القنائي.
وكان نحوياً شاعراً، لغوياً ماهراً. جمع في النحو كتاباً سماها المفيد، وقال: " هذا ما لدي عتيد " .
ولم يزل إلى أن نحاه البلى، وجر ذيله إليه مسبلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة.
ومن شعره:
أهاجك برق بالمدينة يلمع ... وبيض يعاليل سوار وطلع
تراهن يهمين الحيا فكأنه ... على وجنات الأرض در مرصع
كأن عراها عندما مسها الحيا ... سحيقة مسك نشره يتضوع
على جنبات الغدر زهر تفتقت ... لها في شعاع الشمس لون منوع
عبد الرحيم بن علي بن الحسن



ابن الفرات عز الدين الحنفي.
اجتهد في مذهبه واشتغل، ودخل في مضائقه ووغل، وبرع في الفقه وأفتى، وسلك طريقاً " لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا " وانتهت إليه رياسة الإفتاء والإشغال، ودرس وأعاد وأتى بكل نفيس غال.


وكان قد سمع من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وأبي عبد الله بن القماح، وعبد الله الصنهاجي. وتفقه على محيي الدين الدمشقي، وقاضي القضاة شمس الدين الحريري، والشيخ علاء الدين القونوي.
ودرس بالحسامية بالقاهرة وبتربة الحريري بالقرافة، وأعاد بالمدرسة المنصورية وغيرها، وناب في الحكم بمصر.
وبطل ذاك إلى أن أصبح ابن الفرات رفاتاً، وأمسى شخصه تحت الأرض كفاتاً.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في المدرسة الصالحية بين القصرين سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبع مئة.
عبد الرحيم بن محمد


ابن يوسف السمهودي، الخطيب بسمهود.
كان فقيهاً شافعياً، أديباً نحوياً.
رحل إلى دمشق، واجتمع بمحيي الدين النووي وحفظ منهاجه، وجعل إلى هذا الكتاب معاده ومعاجه. وكان لضيق رزقه. وما هو عليه من حذقه يتحيل على ما يتقوت به بأنواع من الحيل، ويقول إذا جاءه طوفان الحرمان: " سآوي إلى جبل " وكان يقرئ النحو والعروض والأدب بسمهود، ويأتي على ذلك بما هو من الشواهد مشهور ومشهود.
ولم يزل على حاله إلى أن رقا الخطيب منبر نعشه، وفسد ولم يعط جناية أرشه.
وتوفي رحمه الله تعالى بسمهود سنة عشرين وسبع مئة.
وكان قد قرأ الفقه على الزكي عبد الله السيرناوي. وأقام بالقاهرة مدة.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: حكى لي رحمه الله أن كان بالقاهرة تحصل له ضائقه، وتلجئه الحاجة والفاقة، فيأخذ ورقاً ويكتب فيه قلفطيريات ويعتقه ويبيعه بشيء له صورة. قال: وحكي لي ذلك أيضاً شيخنا أثير الدين وكان صاحبه. وكان ظريفاً لطيفاً جارياً على مذهب أهل الأدب في حب الشراب والشباب والطربق، وكان ضيق الخلق، قليل الرزق، اجتمعت به كثيراً.
وله خطب ورسائل، ومن شعره:
يا مالكي ذلي لحسنك شافعي ... فاشفع هديت الحسن بالإحسان
من قبل أن يأتي ابن حنبل آخذاً ... من وجنتيك شقائق النعمان
ومنه:
وافي نظامك فيه كل بديعة ... أخذت من الحسن البديع نصيباً
فلقد ملكت من البلاغة سرها ... وحويت من فن البديع غريبا
ونصبت من بيض الطروس منابراً ... أضحى يراعك فوقهن خطيبا
تبدي ضروب محاسن لسنا نرى ... بين الورى يوماً لهن ضريبا
ومنه:
وروض حللنا من حماه خمائلاً ... ينبه منه النشر غير نبيه
تغنت لنا الأطيار من كل جانب ... بمرتجل نختاره وبديه
وأضحى لسان الزهر فوق غصونها ... يخبر بالسر الذي هو فيه
ومنه:
كأنما البحر إذ مر النسيم به ... والموج يصعد فيه وهو منحدر
بيضاء في أزرق تمشي على عجل ... وطي أعكانها يبدو ويستتر
ومنه:
قال لي من هويت شبه قوامي ... وقد اهتز بالجمال دلالا
قلت: غصن على كثيب مهيل ... صافحته النسيم فمالا
ومنه قصيدة يمدح بها المظفر صاحب اليمن:
هم القصد إن حلوا بنعمان أو ساروا ... وإن عدلوا في مهجة الصب أو جاروا
تعشقتهم لا الوصل أرجو ولا الجفا ... أخاف وأهل الحب في الحب أطوار
وآثرتهم بالروح وهي حبيبة ... إلي، وفي أهل المحبة إيثار
وهل سحر ولى بنعمان عائد ... فكل ليالينا بنعمان أسحار
عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم



ابن علي تقي الدين البمباني - بالباء الموحدة. وبعدها ميم وباء أخرى، وألف بعدها، ونون - وبمبان قرية بأسوان.
قرأ النحو والأدب على الشمس الرومي.
وكان فاضلاً أديباً، نحوياً أريباً، خفيفاً ظريفاً، متعاً لطيفا، ينظم البلاليق، ويجيد الاختيارات والتعاليق.
ولم يزل على حاله إلى أن بلغ غايته، ونكس الموت رايته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس أو ست وسبع مئة.
ومن نظمه يمدح طقصبا والي قوص:
لعلا جنابك كل أمر يدفع ... وإليك حقاً كل خطب يرفع
ومنها:
ما كان يفعله الشجاعي سالفاً ... في مصر في أسوان جهراً يصنع
وضاعت له سكين فوجدها مع ابن المصوص الأسنائي، فقال فيه:


إنك قذارى في اللصوص ... يا بن المصوص
خنيجري كان في الطبق
ومنتصر في القول صدق
وأنت خذته بالسبق ... لعب الفصوص
عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحمن


ابن عمر بن أحمد القزويني الأصل، الدمشقي الدار، تاج الدين، خطيب الجامع الأموي، ابن قاضي القضاة جلال الدين تقدم ذكر أخيه جمال الدين عبد الله، وسيأتي ذكر أخيه الخطيب بدر الدين محمد وذكر والده وذكر عمه وجماعة من بيتهم إن شاء الله تعالى.
كان أعلم، وهو بمخارج الحروف من إخوته أعلم. فكنت أعجب من ألفاظه الفصيحة، وخطابته المليحة. وكان يخطب بلحن، ويورد خطبته بلا لحن. ويقرأ طيباً في محرابه، ويأتي من نعمة النغمة بما هو أحرى به. وكان يتعاجم في كلامه تشبهاً بأبيه، دون إخوته وذويه. وكان العوام يحبونه، ويؤثرونه على من سواه ويختارونه. وعزل من الخطابة، ثم أعيد إليها رحمة له وإطابة.
ولم يزل على حاله إلى أن صلي عليه، وامتدت يد البلى إليه. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء، ثامن ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق، بصق دماً على العادة. وخرج جنازته ومعها خمس جنائز من بيته فيما أظن أو أكثر، لأنه مات منهم في جمعة جماعة.
لما مات أخوه الخطيب بدر الدين محمد، ولي الأمير علاء الدين ألطنبغا الخطابة للعلامة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، وباشر الخطابة إلى أن ملك الفخري دمشق، فولي الخطابة لتاج الدين هذا.
وكتبت له توقيعاً من رأس القلم ارتجالاً، جاء أوله: " الحمد لله الذي رفع تاج الدين على رأس المنابر، وأنطق بأوصافه ألسنة الأقلام في أفواه المحابر.. " .
ولما طلب قاضي القضاة إلى مصر في أيام الصالح إسماعيل تولى الخطابة من هناك، وكان يطلع على المنبر ويجلس قبل الخطبة ويبكي ويقول: هذا السبكي قد أخذ الخطابة وقطع رزقنا، فكان يرق العوام له، ويبكون معه.
ولما جاء قاضي القضاة إلى دمشق نزل له عنها، فاستمر تاج الدين يخطب بالجامع الأموي من سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة إلى أن توفي في سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان خطيب جامع بشتاك الذي على بركة الفيل، وهو أول من خطب به، وكان معه بدمشق تدريس المدرسة الشامية الجوانية وتصدير بالجامع الأموي.
وقرأ كثيراً من العربية على الشيخ الإمام بهاء الدين بن عقيل وكثيراً من الأصول على العلامة الشيخ شمس الدين الأصبهاني.
ولم يكن له يد في شيء من العلوم، وتأسف الناس لموته، وكانت جنازته حافلة، ولم يبلغ الأربعين.
عبد الرحيم بن علي



ابن حسين بن مناع المعمر الصالح زين الدين التكريتي الدمشقي التاجر.
حدث بالصحيح غير مرة عن ابن عبد الدائم.
وكان مهيباً نبيلاً، منور الشيبة، كريم الأخلاق أقعد في أواخر عمره.
وتوفي رحمه الله تعالى بالصالحية في سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وست مئة.
عبد الرحيم بن يحيى



ابن عبد الرحيم بن المفرح بن المسلمة، الأموي، الشيخ الفقير أبو محمد بن المحدث الدمشقي الكوافي.
حضر السخاوي، وعتيقاً السلماني، وعمر بن البراذعي، وسمع كثيراً من عم أبيه الرشيد بن مسلمة، والسديد بن علان، وعدة.
وحدث وكتب في الإجازات في أيام ابن أبي اليسر، وحفظ القرآن. وكان يعمل الكوافي، ويقرأ على الترب.
وخرج له شيخنا علم الدين البرزالي مشيخة سمعها منه شيخنا الذهبي والجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
عبد الرزاق بن أحمد



ابن محمد بن أحمد بن الصابوني، الشيخ الإمام المحدث المؤرخ الإخباري النسابة الفيلسوف الأديب، كمال الدين الشيباني بن الفوطي البغدادي، صاحب التصانيف.
أفرد له شيخنا الذهبي ترجمة تخصه في جزء، ذكر أنه من ولد معن بن زائدة الأمير.


اشتغل في علوم الأوائل، وحظي منها بكل طائل. وعبث بالنظم وبالنثر وتأدب، وأتقن ذاك وتهذب. ثم إنه صنف التواريخ المفيدة، وكانت له يد في ترصيع التراجم مجيدة، وذهنه في جميع ذلك سيال، وإلى كل فن ميال. وأما خطه فلم أر أقوى منه ولا أبرع، ولا أسرى ولا أسرع، خط فائق، رائع رائق، بديع إلى الغاية في تعليقه، لو أنه ريح لسابق الرياح في يومه إلى تخليقه، وكان يكتب في كل يوم أربع كراريس، ويأتي بها أنقش وأنفس من ذنب الطواويس. أخبرني من رآه قال: ينام ويضع ظهره على الأرض ويكتب ويداه إلى جهة السقف. ولم أر له بعد هذا خطاً إلا وهو عجب، وقد أجاز لشيخنا الذهبي مروياته.
ولم يزل على حاله إلى أن فرط أمر الفوطي، وديس خده تحت الأرض ووطي.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
كان قد أسر في كائنة بغداد، ثم إنه صار إلى النصير الطوسي سنة ستين، واشتغل عليه بعلوم الأوائل، وباشر كتب خزانة الرصد بمراغة أزيد من عشرة أعوام، وهي على ما قيل أربع مئة ألف مصنف، والأصح أن تكون أربع مئة ألف مجلد. ولهج بالتاريخ، واطلع على كتب نفيسة. ثم إنه تحول إلى بغداد وصار خازن كتب المستنصرية، فأكب على التصنيف، وسود تاريخاً كبيراً جداً، وآخر دونه، سماه: مجمع الآداب في معجم الأسماء على الألقاب، في خمسين مجلداً، المجلد عشرون كراساً. وألف كتاب: درر الأصداف في غرر الأوصاف مرتب على وضع الوجود من المبدأ إلى المعاد، يكون عشرين مجلداً، وكتاب: تلقيح الأفهام في المختلف والمؤتلف مجدولاً، والتاريخ على الحوادث إلى خراب بغداد. والدرر الناصعة في شعر المئة السابعة. قال: ومشايخي الذي أروي عنهم ينيفون على الخمس مئة شيخ، منهم: الصاحب محيي الدين بن الجوزي، والأمير مبارك بن المستعصم بالله حدثنا عن أبيه بمراغة، وحلف ولدين. وله شعر كثير بالعربي وبالعجمي.
عبد الرزاق بن أحمد بن عبد الله


ابن الزبير، الخطيب، تقي الدين ابن الشيخ العلامة شمس الدين أحمد الخابوري، خطيب حلب وابن خطيبها.
توفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وسبع مئة، في أوائلها.
وولي الخطابة بعد قاضي القضاة شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام الشافعي المعروف بالدمشقي.
عبد الرزاق بن علي



ابن سلمي بن ربيعة الفقيه، المحصل جمال الدين بن القاضي ضياء الدين الشافعي.
كان اشتغل وتعب، وحفظ الوجيز وحفظ كتابين في الطب، وأقام مدة بالباذرائية.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
عبد السلام بن محمد



ابن مزروع بن أحمد، الإمام المحدث القدوة، عفيف الدين أبو محمد البصري الحنبلي.
حدث عن المؤتمن ابن قميرة، وفضل الله الجيلي، وجاور بالمدينة أكثر عمره، خمسين سنة، وحج أربعين حجة منها متوالية. وكان من خيار الشيوخ.
سمع منه شيخنا علم الدين البرزالي، وله نظم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة.
وكانت وفاته بالمدينة الشريفة.
وقرأ عليه علم الدين البرزالي مشيخة ابن شاذان الكبرى بدمشق ثم قرأها عليه بالحجاز في رابغ وخليص، وقرأ عليه بالمدينة ثلاثة أجزاء، وهي: الخامس من حديث الحمامي، والثاني والثالث من حديث أبي الأحوص.
الألقاب والنسب



ابن عبد السلام: خطيب العقيبة ناصر الدين أحمد بن يحيى.
ومحيي الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز.
عبد السيد بن إسحاق بن يحيى



الحكيم الفاضل بهاء الدين ابن المهذب، الطبيب الكحال.
كان من قبل ديان اليهود، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، وتعلم القرآن وجالس العلماء. وكان طبيباً فاضلاً.
توفي رحمه الله تعالى في سادس جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
عبد الصمد بن عبد اللطيف



ابن محمد بن محمد بن نصر الله، الصدر، الرئيس، الأصيل، بهاء الدين أبو القاسم بن الشيخ الخطيب بدر الدين بن المغيزل الحموي.
كان رجلاً جيداً، له ثروة وتجارة، وقد سمع على جماعة، وحدث ببلده وبطريق الحجاز وولي الوزارة بحماة، ثم تركها.
ولما مات أخوه الخطيب معين الدين ولي الخطابة بحماة مكانه، فبقي سنة ومات في ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
الألقاب والنسب




ابن عبد الظاهر: كمال الدين علي بن أحمد والقاضي علاء الدين علي بن محمد.
عبد العزيز بن أحمد


ابن عثمان، الإمام البارع، الرئيس عماد الدين، أبو العز الهكاري المصري الشافعي قاضي المحلة، ويعرف بابن خطيب الأشمونين.
كان من الرؤساء النبلاء، والفقهاء والعلماء، له معرفة وفهم، وحكم ينفذ نفوذ السهم، مع رياسة وسؤدد، وتؤدة وقعدد. له اعتناء بالحديث واهتمام، وله تصانيف مليحة الترتيب والنظام. وكان يتواضع مع رفعته، ويتدانى على سعة رقعته.
حج مرات، وفاز بما شاء من مبرات. وذكر لقضاء دمشق بعد ابن صصرى، ولم يرض بها لسكنه قصراً.
ولم يزل على حاله إلى أن ولي قاضي المحلة محلة الأموات، وأصبح وقد خلت بأهله المثلات.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان قد سمع من عبد الصمد بن عساكر، وغيره.
وله تصانيف وأدب وشعر، ومن تصانيفه الكلام على حديث الأعرابي الذي واقع أهله في شهر رمضان، واستنبط منه ألف حكمة.
عبد العزيز بن أحمد بن شيخ السلامية



القاضي الرئيس فخر الدين.
باشر الحسبة بدمشق في يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى تسع عشرة وسبع مئة عوضاً عن القاضي بدر الدين بن الحداد، وولي ابن الحداد نظر الجامع الأموي، ولبسا تشريفيهما.
عبد العزيز بن إدريس



ابن محمد بن أبي الفرج المفرح بن إدريس، الشيخ عز الدين أبو محمد، وأبو بكر أيضاً ابن الشيخ الإمام المحدث تقي الدين بن مزيز التنوخي الحموي، أخو الشيخ تاج الدين أحمد، وقد تقدم ذكره في الأحمدين.
روى جزء ابن عرفة عن شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز، وسمع بالقاهرة من إسماعيل بن عزون عدة أجزاء تفرد ببعضها في الشام.
وتوفي رحمه الله تعالى سلخ المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة بحماة.
ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة.
ولما توفي صلى عليه أخوه الشيخ تاج الدين، ودفن بمقبرة الباب القبلي ظاهر حماة.
عبد العزيز بن عبد الحق



ابن شعبان بن علي بن الشياح عز الدين أبو محمد الأنصاري الدمشقي.
روى عن ابن عبد الدائم، وسمع من عبد الله الخشوعي.
توفي بقرية يبرود، وحمل على الأعناق إلى تربة والده، وتوفي رحمه الله تعالى سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
عبد العزيز بن سرايا



ابن علي بن أبي القاسم بن أحمد بن نصر بن أبي العز بن سرايا بن باقي بن عبد الله بن العريض، الإمام العلامة، البليغ، المفوه، الفاضل، الناظم، الناثر، شاعر عصرنا على الإطلاق، صفي الدين الطائي السنبسي الحلي.
شاعر أصبح به راجح الحلي ناقصاً، وكان سابقاً فأصبح على عقبه ناكصاً. أجاد القصائد المطولة والمقاطيع، وأتى بما أخجل زهر النجوم في السماء، فما قدر زهر الأرض في الربيع؟ تطربك ألفاظه المصقولة ومعانيه المعلولة، ومقاصده التي كأنها سهام راشقة أو سيوف مسلولة. يغوص على المعاني ويستخرج جواهرها، ويصعد بمخيلته الصحيحة إلى السماء ويلتقط زواهرها. كلامه السحر إلا أنه خلال، ولفظه على القلب الظمآن ألذ من الماء الزلال. تلعب بالمعاني كما يتلعب النسيم بالأغصان اللدان، وولد بعضها من بعض كما يتولد الضرج من الخجل في خدود الولدان، مع بديع ما سمع بمثله البديع، وترصيع ما ألم به الصريع.
وشعره مع حلاوة الديباجة، وطلاوة التركيب التي ما فرحت بها طلاء الدن ولا سلافة الزجاجة، لا يخلو من نكت أدبية ترقص المناكب، وفوائد علمية من كل فن ينقص الكواكب. عالماً بكل ما يقول، عارفاً بغرائب النقول.
أجاد فنون النظم غير القريض، وأتى في الجميع بما هو شفاء القلب المريض، لأنه نظم القريض فبلغ فيه الغاية، وحمل قدامة جماعة من فحول الأقدمين الراية.
وكذلك هو في الموشحات والأزجال والمكفرات والبلاليق والقرقيات، والدوبيت والمواليا، والكان وكان والقوما، ليس له في كل ذلك نظير يجاريه، ولا يعارضه ولا يباريه.
وأما الشعر فجود فنونه، وصاد من بره ضبه ومن بحره نونه، لأنه أبدع في مديحه وهجوه، ورثائه وأغزاله، وأوصافه وتشبيهاته، وطردياته وحماسته، وحكمه وأمثاله، لم ينحط في شيء منها عن الذروة، ولم يخرج في مشاعرها عن الصفا والمروة.
وأما نثره فهو طبقة وسطى، وترسله يحتاج في ترويجه إلى أن يعلق في أذنه قرطاً. وعلى الجملة فإنه:


تملل الشعر حتى ما لذي أدب ... في الناس شين ولا غين ولا راء
وكان يسافر ويتجر، ويعف في بعض الأحيان عن الاجتداء ويزدجر. وكان منقطعاً إلى الملوك الأرتقية أصحاب ماردين، وشهر مدائحهم في الصادرين والواردين. وكانت فيه شجاعة وإقدام، وقوة جنان وثبوت أقدام.
ورد إلى مصر وامتدح السلطان الملك الناصر، وبز بمديحه كل متقدم ومعاصر. وعاد إلى البلاد الشرقية، إلا أنه كان شيعياً، وليس هذا الأمر في الحلة بدعياً.
وكان يتردد إلى حلب وحماة ودمشق، ويعد إلى ماردين، ويعرج على بغداد.
ولم يزل على حاله إلى أن كدر الموت على الصفي عيشه، وأنساه خرقه وطيشه.
وتوفي رحمه الله تعالى تخميناً سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
ومولده يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مئة.
وقلت أنا فيه:
إن فن الشعر نادى ... في جميع الأدباء
أحسن الله تعالى ... في الصفي الحلي عزائي
وأنشدني من لفظه الشيخ جمال الدين محمد بن نباته:
يا سائلي عن رتبة الحلي في ... نظم القريض وراضياً بي أحكم
للشعر حليان ذلك راجح ... ذهب الزمان به وهذا قيم
وكان قد دخل إلى مصر في سنة ست وعشرين وسبع مئة تقريباً، وأظنه وردها مرتين، ومدح القاضي علاء الدين بن الأثير بعدة مدائح، وأقبل عليه كثيراً، ودخل به إلى السلطان الملك الناصر، وقدم مديحه، واجتمع بالشيخ فتح الدين، وبأثير الدين، وبمشايخ ذلك العصر، ولما دخلت بعده، وجدتهم يثنون عليه.
وأما الصدر المعظم شمس الدين عبد اللطيف الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، فكان يظن بل يعتقد أنه ما نظم الشعر أحد مثله لا في المتقدمين ولا في المتأخرين مطلقاً.
واجتمعت أنا به في الباب وبزاعة من بلاد حلب في مستهل ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، كنا في الصيد مع الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، وأجاز لي بخطه جميع ماله من نظم ونثر وتأليف مما سمعته منه، وما لم أسمعه، وما لعله يتفق له بعد ذلك التاريخ على أحد الرائين، وما يجوز له أن يرويه سماعاً وأجازة ومناولة ووجاده بشرطه.
وأنشدني من لفظه لنفسه في التاريخ والمكان:
للترك مالي ترك ... مادين حبي شرك
حواجب وعيون ... لها بقلبي فتك
كالقوس يصمي وهذي ... تشكي المحب ويشكو
وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه:
وإذا العداة أرتك فر ... ط مذلة فإليك عنها
وإذا الذئاب استنعجت ... لك مرة فحذار منها
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا غرو أن يصلى الفؤاد بذكركم ... ناراً تؤججها يد التذكار
قلبي إذا غبتم، يصور شخصكم ... فيه، وكل مصور في النار
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يقبل الأرض عبد تحت ظلكم ... عليكم، بعد فضل الله، يعتمد
ما دار مية من أسنى مطالبه ... يوماً وأنتم له العلياء والسند
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض
أخشى عليه بأن يصاب بأسهمي ... مما يسابقني إلى الأغراض
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشارب الثمل
مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلاً باستراق السمع من زحل
ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عن الكفل
قلت: ولم يطل اجتماعنا به، لأنه كان قد قصد الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام رحمه الله، لأنه كان قد سرقت له عملة بماردين، وبلغه أن اللص من أهل صيدنايا، وسأل كتابه إلى متولي البريد بدمشق بأمساك غريمه.
وقوله: " كالقوس... " الأبيات، إشارة إلى قول ابن الرومي:
تشكي المحب وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وقوله: " وإذا الذئاب استنعجت ... " البيت، يريد بذلك قول القائل:
وإذا الذئاب استنعجت لك مرة ... فحذار منها أن تعود ذئاب

والذئب أخبث ما يكون إذا اكتسى ... من جلد أولاد النعاج ثيابا
وديوانه يدخل في مجلدين كبار أو ثلاثة صغار، وكله منتخب.
وله قصيدة ميمية في مديح النبي صلى الله عليه وسلم عارض بها البردة، أتى فيها بما يزيد على المئة والأربعين نوعاً من البديع، وشرحها وسماها: نتائج الألمعية في شرح الكافية البديعية. وجود في هذه القصيدة ما شاء.
وله مدائح ببني أرتق على حروف المعجم، مجلد. وله كتاب: العاطل الحالي والمرخص الغالي. وقال لي إنه وضع شيئاً في الجناس، ولم أره إلى الآن. وقيل: إنه عمل مقامات يسيرة.
والذي أقوله: إن الرجل كان أديباً كبيراً عالماً فاضلاً قادراً على النظم والإنشاء، مهما أراد فعل.
وأنشدني له إجازة:
سوابقنا والنقع والسمر والظبي ... وأحسابنا والحلم والبأس والبر
هبوب الصبا والليل والبرق والقضا ... وشمس الضحى والطود والنار والبحر
وأنشدني إجازة، وفيه استخدامان:
لئن لم أبرقع بالحيا وجة عفتي ... فلا أشبهته راحتي في التكرم
ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوغى ... إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم
قلت: استخدام الحيا في مفهومية، وهو: الحيا، نقيض الوقاحة، والحيا: المطر. واستخدم الجفن في مفهوميه، أحدهما: جفن السيف وهو قرابة، والجفن: غطاء العين، وهو من غريب النظم.
وأنشدني له إجازة في مثله:
لا يسمع العود منا غير حاضنه ... من لبة الشوس يوم الروع بالعلق
ولا يعاطي كميتاً غير مصدره ... يوم الصدام بليل العطف بالعرق
وأنشدني له إجازة في سبع تشبيهات:
وظبي بقفر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشاً بأسهم
كشمس بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جناً بأنجم
ونقلت من خطه وهو مما يقرأ مقلوباً: " كد ضدك. كن كما أمكنك. كرم علمك يكمل عمرك " .
ونقلت من خطه رسالة طويلة نظماً ونثراً، كل كلمة منها تصحيف ما بعدها، تكون أربع مئة كلمة، وهي: " قبل قبل يداك ثراك عبد عند رخاك رجاك، أبي أبي سؤال سواك. آمل أمك رجاء رخاء. فألغى فألقى جدة خده بأعتابك باغياً بك شرفاً سرفا. لاذبك لأدبك مقدماً مقدماً أمل آمل يزجيه يبشره بيسره وجودك وجودك. فاشتاق فاستاف. عَرف عرُف منك مثل عبير عنبر، وقَدم وقُدم، صَدقه صِدقه متجملاً متحملاً بصاعه بضاعة تبر نثر.
سند سيد حليم حكيم ... فاضل فاضل مجيد مجيد
حازم جازم بصير نصير ... زانه رأيه الشديد السديد
أمه أمة رجاء رخاء ... أدركت إذ زكت نقود تقود
مكرمات مكرمات بنت بي؟ ... ت علاء علا بجود يجود
وهي طويلة، ربما تزيد على الأربع مئة. وقد أوردتها بمجوعها في كتاب: حرم المرح في تهذيب لمح الملح.
وأنشدني له إجازة مضمناً.
تزوج جاري وهو شيخ صبية ... فلم يستطع غشيانها حين جاءها
ولو أنني بادرتها لتركتها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
وأنشدني له إجازة:
ليهنك أن لي ولداً وعبداً ... سواء في المقال وفي المقام
فهذا سابق من غير سين ... وهذا عاقل من غير لام
وأنشدني لنفسه إجازة:
وذات حر جادت به فصددتها ... وقلت لها: مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضا ... وفي قلبها مما تكابده وهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأت ... وذاك ضراط لم يتم له نضج
وأنشدني له إجازة:
خلياني أجر فضل برودي ... راتعاً في رياض عين البرود
كم بها من بديع زهر أنيق ... كفصوص منظومة وعقود
زنبق بين قضب آس وبان ... وأقاح ونرجس وورود
كجبين وعارض وقوام ... وثغور وأعين وخدود
وأنشدني له إجازة:
ولي غلام كالنجم طلعته ... أخدمه وهو بعض خدامي
تراه خلفي طول النهار فإن ... دجا لنا الليل صار قدامي
جعلته في الحضور مع سفري ... كفروة الحرث بن همام

قلت: يريد قول الحريري: فعمدت لفروة هي في النهار رياشي وفي الليل فراشي.
وأنشدني لنفسه إجازة:
لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد
قلت: أخذ هذا من واقعة شرف الدين بن عنين مع الملك المعظم لما كتب إليه وهو ضعيف:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما أحتاجه ... فاغنم ثنائي بالجيمل الوافي
فحضر المعظم إليه وقال له: أنت الذي وأنا العائد وهذه الصلة، وأعطاه صرة فيها ثلاثة مئة دينار. ولكن صفي الدين زاد هنا النقص، لأن الذي عند النحاة اسم ناقص يحتاج إلى صلة وعائد.
وأنشدني له إجازة:
وعود به عاد السرور لأنه ... حوى اللهو قدماً وهو ريان ناعم
يغرب في تغريده فكأنه ... يعيد لنا ما لقنته الحمائم
وأنشدني له إجازة يطلب مشمشاً:
يا جواداً أكفه في مجال الحر ... ب حتف وفي النوال غمامه
جد بتضعيف عكس مشطور تصحيف مثنى ترخيم مثل علامه
قلت: مثل علامة: سمة، فإذا رخمتها كانت: سم، فإذا ثنيتها كانت: سمسم، فإذا صحفتها كانت: شمشم، فإذا أخذت شطرها كان: شم، فإذا عكستها كانت: مش، فإذا ضعفتها كانت: مشمش.
ومثل هذا قول القائل يطلب حبراً:
تصدق علي بمعكوس ضد ... مصحف قولي خبت ناره
فتصحيف: خبت ناره: خسارة، وضدها: ربح، ومعكوسها: حبر. ولكن الشيخ صفي الدين زاده عملاً كثيراً.
وأنشدني إجازة لنفسه يستهدي راحاً:
جاد لنا الدهر بعد ما بخلا ... ومجلس الأنس قد صفا وحلا
ونحن في مجلس يزينه ... رشف طلى بيننا ولثم طلى
فاهد لنا لا برحت ذا نعم ... ما ضد تصحيف عكسه عدلا
قلت: ضد عدل: جار، وتصحيفه: حار، وعكسه: راح. والله أعلم.
وأنشدني له إجازة يطلب فلفلاً:
أعوزتنا إحدى العقاقير في الدر ... ياق فأتحف بها تكن خير تحفه
ضعف تصحيف ضد مشطور مثل ... لمثنى معكوس ترخيم دفه
قتل: ترخيم دفه: دف، ومعكوسه: فد، ومثتاه: فدفد، ومثله: مهمه، ومشطوره: مه، وضده: قل وتصحيفه: فل، وتضعيفه: فلفل.
وأنشدني لنفسه إجازة:
بأبي قذار منك وابن زرارة ... أدنيت حتف المستهام العاني
فلو أن كاسم أبي معاذ قلبه ... ما كان في البلوى أبا حسان
قلت: المعنى: بسالف منك وحاجب أدنيت حتفي، فلو أن قلبه جبل ما كان في البلوى ثابتاً، لأن سالفاً أبوه قذار، وحاجباً أبوه زرارة، ومعاذاً أبوه جبل، وحسان أبوه ثابت.
وأنشدني لنفسه أيضاً:
ما كان ودك إذ عتبتك في الجفا ... كابن الطفيل ولا أبي حسان
وجهي أبو المقداد منك من الحيا ... والقلب منك حكى أبا سفيان
قلت: المعنى: ما كان ودك عامراً ولا ثابتاً، وجهي منك أسود وقلبك صخر. لأن الطفيل ابنه عامر، وحسان أبوه ثابت، والمقداد أبوه الأسود، وأبا سفيان كنيته صخر.
وأنشدني لنفسه أيضاً رحمه الله تعالى موالياً:
تقول بسك مني يا شقيق البدر ... لقول ضدك عني بالخنا والغدر
وكان ظنك أني يا جليل القدر ... يكون ذلك فني عند ضيق الصدر
قلت: وهذان البيتان يقرأ شطر كل قفل منها فيصير بيتي قريض قائمة الوزن بذاتها، وهما:
تقول بسك مني ... لقول ضدك عني
وكان ظنك أني ... يكون ذلك فني
وإذا قرأت هذين البيتين بالهجاء حرفاً فحرفاً، خرج منهما بيتاً موالياً قائماً الوزن، وذلك:
تاء قاف واو لام باء سين كاف ميم نون يا ... لام قاف واو لام ضاد دال كاف عين نون يا
واو كاف ألف نون ظاء نون كاف ألف نون يا ... ياء كاف واو نون ذال لام كاف فاء نون يا
وهذا عمل صعب إلى الغاية، ولا يتأتى إلا لذي القدرة والتسلط على النظم. وقد أردت أن أعمل مثل ذلك، فأعان الله تعالى، وفتح علي، فقلت:
علمت أنك حبي يا رشيق القد ... وقلت: ودك طبي يا شريق الخد

فراع صدك لبي يا سعيد الجد ... عسى يردك ربي يا مديد الصد
فشطر كل نصف أول يقرأ فيكون قريضاً وهو:
علمت أنك حبي ... وقلت: ودك طبي
فراع صدك لبي ... عسى يردك ربي
وإذا قرأت هذين البيتين بالهجاء حرفاً فحرفاً، كانا بيتي موالياً وهما:
عين لام ميم تاء ألف نون كاف حاء باء يا ... واو قاف لام تاء واو دال كاف طاء باء يا
فاء راء ألف عين صاد دال كاف لام باء يا ... عين سين ألف ياء راء دال كاف راء باء يا
وأنشدني له إجازة:
وعدت في الخميس وصلاً ولكن ... شاهدت حولنا العدا كالخميس
أخلفت في الخميس وعدي وجاءت ... بعدما قبل بعد يوم الخميس
قلت: المعنى: أنها أوعدته الزيارة في يوم الخميس فرأت العدا كالجيش، فأخلفت الوعد في ذلك النهار، وجاءت في يوم الجمعة، وذلك لأن البعد والقبل متكافئان فسقطا، وفضل معه بعد والخميس بعده الجمعة. وهذا أخذه من قول القائل:
ما يقول الفقيه أيده الله ... ولا زال عنده الإحسان
في فتى علق الطلاق بشهر ... بعدما قبل بعده رمضان
وقد أوردت هذين البيتين في شرح اللامية وتكلمت عليه وعلى تقديم القبلات والبعدات، وهناك يظهر هذا أوضح من هنا.
وأنشدني لنفسه ما يقرأ مقلوباً:
أنث ثناء ناضراً لك إنه ... هنا كل أرض إن أنث ثناء
أمر كلاماً ألفته مظنه ... له نظم هتف لأم الكرماء
أهب لوصف لا لما هب آمل ... ملماً بها ملء الفصول بهاء
أروح أطيل الدأب أبرم همة ... مربى بإدلال يطاح وراء
أرق فلا حزن ينم بمهمل ... مهم بمن ينزح الفقراء
أخر لأني نائب لقضية ... تهيض قلبي أن ينال رخاء
أفوه أراعي قوته بتكلف ... لكتبة توقيع أراه وفاء
وأنشدني له إجازة مما يقرأ مقلوباً:
يلذ ذلي بنضو ... لو ضن بي لذ ذلي
يلم شملي لحسن ... إن سح لي لم شملي
وأنشدني لنفسه إجازة في الجناس:
كم قد أفضنا من دموع ودماً ... على رسوم للديار والدمن
وكم قضينا للبكاء منسكاً ... لما تذكرنا بهن من سكن
معاهد تحدث للصبر فناً ... إن هاجت الورق بها على فنن
تذكارها أحدث في القلب شجاً ... وفي الحشا قرحاً وفي القلب شجن
لله أيام لنا على منى ... فكم لها عندي أياد ومنن
شربت فيها لذة العيش حساً ... وما رأيت بعدها مرأى حسن
؟كم كان فيها من فتاة وفتى ... كل لقلب المستهام قد فنى
فما ارتكبنا بالوصال مأثماً ... بل بعتهم روحي بغير ما ثمن
وعاذل أضمر مكراً ودها ... فنمق العيش بنصح ودهن
لاح غدا يعرف للقلب لحاً ... إن أعرب القول بعذلي أو لحن
يزيدني بالزجر وجداً وأسى ... وكان ماء الود منه قد أسن
سئمت منه اللوم إذ طال مدى ... ولم أجبه بل بدوت إذا مدن
بجسرة تشد في السير قرى ... إذا لم تذلل بزمام وقرن
لا تتشكي نصباً ولا وجى ... إذا دجا الليل على الركب وجن
حنت وأعطت في السرى خير عطاً ... إن حن يوماً غيرها إلى عطن
وأصبحت من بعد أين وعناً ... للملك الناصر ضيفاً وعنن
ملك غدا لسائر الناس أباً ... إن سار في كسب الثناء أو أبن
الناصر الملك الذي فاض جداً ... فخلته ذا يزين وذا جدن
ملك علا قدراً وجداً وسناً ... فجاء في طرق العلا على سنن
لا جور في بلاده ولا عدى ... إن عد في العدل زبيد وعدن
كم بدر أعطى الوفود ولهى ... وكان يرضيهم كفاف ولهن
حنيت من إنعامه خير جنى ... وكنت من قبل كميت في جنن

فما شكوت في حماه لغباً ... ولو أطاق الدهر غبني لغبن
دعوته بالمدح عن صدق ولا ... فلم يجب يوماً بلم ولا ولن
أنظم في كل صباح ومساً ... كأنه لصارم الفكر مسن
يا مالكاً فاق الملوك ورعاً ... إن شان أهل الملك طيش ورعن
أكسبني بالمجد مجداً وعلاً ... فصغت فيك المدح سراً وعلن
إن أولك المدح الجزيل فحرى ... وإن كبا فكر سواي وحرن
لا زلت في ملكك خلواً من عناً ... وليس للهم لديك من عنن
ونلت فيه ما تروم من منى ... وعشت في أمن وعز ومنن
وأنشدني إجازة لنفسه:
سل سلسل الريق إن لم تروحر ظلما ... بل بلبل القلب لما زاده ألما
قد قدَّ قدُّ حبيبي حبل مصطبري ... إن آن أن أجتني جرماً فلا جرما
مذ مل ململ قلبي في تغنته ... لو كف كفكف دمعاً صار فيه دما
بل رب ربرب سرب ثغره شنب ... لو لؤلؤ رام تشبيهاً به ظلما
لو قابل الشمس لألأ لاؤها كسفت ... فإن يقل للدجازح زحزح الظلما
كم هَد هُدهد واشينا بناء وفاً ... غداة عنعن عن أعدائنا الكلما
مذ نم نمنم أقوالاً شقيت بها ... إذ زل زلزل طود الصبر فانهدما
لم لملم الوجد عندي بعد مصرفه ... عني وجمجم جم الغيث فالتأما
مدلج لجلج نطقي عن إجابته ... لو رق رقرق دمعاً ظل منسجماً
إن كان دعدع دع كأس العتاب وقل ... من مهمه العشق لا يطويه من سئما
إن قيل ضعضع ضع خديك معتذراً ... أو قيل قلقل قل أرضى بما حكما
أو قيل طحطح طح بالحب ملتجئاً ... أو قيل دمدم دم بالود ملتزما
سب سبسب الحب واشكر من احبتنا ... لكل منْ منَّ منْ أهل الوفا كرما
هم همهم حفظهم للخل حق وفا ... من حيث حصحص حص الهم منتقماً
إن قيل أح أحاح الغدر فارض بهم ... أولا فنفسك لمُ لمَ لمْ تفض ندما
وأنشدني لنفسه إجازة:
إنهض فهذا النجم في الغرب سقط ... والشيب في فود الظلام قد وخط
والصبح قد مد إلى نهر الدجى ... يداً بها در النجوم يلتقط
وألهب الإصباح أذيال الدجى ... بشمعة من الشعاع لم تقط
وضجت الأطيار في أوراقها ... لما رأت سيف الصباح مخترط
وقام من فوق الجدار هاتف ... متوج القامة ذو فرغ قطط
يخبر الراقد أن نومه ... عند انتباه جده من الغلط
والبدر قد صار هلالاً ناحلاً ... في آخر الشهر وبالصبح اختلط
كأنه قوس لجين موتر ... والليل زنجي عليه قد ضبط
وفي يديه للثريا ندب ... يزيد فرداً واحداً عن النمط
فأي عذر للرماة والدجى ... قد عد في سلك الرماة وانخرط
أما ترى الغيم الجديد مقبلاً ... قد مد في الأفق رداه وانبسط
كأن أيدي الريح في تلفيقه ... قد لبدت قطناً على ثوب شمط
يلمع ضوء البرق في حافاته ... كأن في الجو صفاحاً تخترط
وأظهر الخريف من أزهاره ... أضعاف ما يخفي الربيع إذا شحط
ولان عطف الريح في هبوبها ... والظل من بعد الهجير قد سقط
والشمس في الميزان موزون بها ... قسط النهار بعدما كان قسط
وأرسلت جبال دربند لها ... رسلاً صبا القلب إليها وانبسط
من الكراكي الخزريات التي ... تقدم والبعض بعض مرتبط
كأنها إذ تابعت صفوفها ... ركائب عنها الرحال لم تحط

إذا قفاها سمع ذي صبابة ... مثلي تقاضاه الغرام ونشط
فقم بنا نرفل في ثوب الصبا ... إن الرضا بتركه عين السخط
والتقط اللذة حيث أمكنت ... فإنما اللذات في الدهر لقط
إن الشباب زائر مودع ... لا يستطاع رده إذا فرط
أما ترى الكركي في الجو وقد ... نعم في أفق السماء ولغط
أنساه حب دجلة وطيبها ... مواطناً قد زق فيها وقمط
فجاء يهدي نفسه وما درى ... أن الجياد للحروب ترتبط
من كل سبط من هدايا واسط ... جعد التلاع منه في الكعب نقط
أصلحه صالح باجتهاده ... وكل ذي لب له فيه غبط
وما أضاع الحزم عند حزمها ... بل جاوز القيظ وللفصل ضبط
حتى إذا حر حزيران خبا ... وتم تموز وآب وشحط
وجاء أيلول بحر فاتر ... في نضج تعديل الثمار ما فرط
أبرز ما أحرز من آلاته ... وحل من ذاك المتاع ما ربط
ومد للصنعة كف أوحد ... مننره عن الفساد والغلط
وظل يستقري بلاغ عودها ... فنبر الأطراف واختار الوسط
وجود التدقيق في لحامها ... فأسقط الكرشات منه والسقط
ولم يزل ينقلها مراتباً ... تلزم في صنعته وتشترط
فعندما أفضت إلى تطهيرها ... صحح دارات البيوت والنقط
حتى إذا قمصها بدهنها ... جاءت من الصحة في أحلى نمط
كأنها النونات في تعريقها ... يعوج منها بندق مثل النقط
مثل السيور في يد الرامي فلو ... شاء طواها وحواها في سفط
لو يقذف أليم بها مالكها ... ما انتقض العود ولا الزور انكشط
كأنما يندقها نيازك ... أو من بد الرامي إلى الطير خطط
من كل محني الضلوع مدمج ... ما وهم الباري بها ولا فرط
كأنما لام عليها ألف ... وقال قوم إنها اللام فقط
فأجل قذى عيوننا ببرزة ... تنفي عن القلب الهموم والقنط
فما رأت من بعد هور بابل ... ومائه التيار عيشاً يغتب
ونحن من مروجه في نشوة ... عند التحري في الوقوف للخطط
من كل مقبول المقال صادق ... قد قبض القوس وللنفس بسط
يقدمنا فيها قديم حاذق ... لا كسل يشينه ولا قنط
يحكم فينا حكم داود فلا ... تنظر منا خارجاً لما شرط
لا يسبك الأسباق من جفته ... ولم يكن مثل القرلى في النمط
إذا رأى الشر تعلى وإذا ... لاح له الخير تدلى وانخبط
ما نعم المزهر والدف إذا ... فصل أدوار الضروب وضبط
أطيب من تدفدف التم إذا ... دق اكتسى الريش وهذا قد شمط
وذاك يرعى في شواطيه وذا ... على الروابي قد تحصى ولقط
فمن جليل واجب تعداده ... ومن مراع عدها لا يشترط
تعرج منا نحوه بنادق ... لم ينج منها من تعلى واختبط
فمن كسير في العباب عائم ... ومن ذبيح بالدماء يعتبط
وأنشدني له إجازة، ومن خطه نقلت:
كيف الضلال وصبح وجهك مشرق ... وشذاك في الأكوان مسك يعبق
يا من إذا سفرت محاسن وجهه ... ظلت بها حدق الخلائق تحدق
أوضحت عذري في هواك بواضح ... ماء الحيا بأديمه يترقرق
فإذا العذول رأى جمالك قال لي ... عجباً لقلبك كيف لا يتمزق

يا آسراً قلب المحب فد معه ... والنوم منه مطلَق ومطلَّق
أغنيتني بالفكر فيك عن الكرى ... يا آسري فأنا الغني المملق
؟وصحبت قوماً لست من نظرائهم ... فكأنني في الطرس سطر محلق
قولاً لمن حمل السلاح وخصره ... من قد ذابله أرق وأرشق
لا توه جسمك بالسلاح وحمله ... إني عليك من الغلالة أشفق
ظبي من الأتراك فوق خدوده ... نار يخر لها الكليم ويصعق
تلقاه وهو مزرد ومدرع ... وتراه وهو مقرط ومقرطق
لم تترك الأتراك بعد جمالها ... حسناً لمخلوق سواها يخلق
إن نوزلوا كانوا أسود عريكة ... أو غوزلوا كانوا بدوراً تشرق
قوم إذا ركبوا الجياد رأيتهم ... أسداً بألحاظ الجآذر ترمق
قد خلقت بدم القلوب خدودهم ... ودروعهم بدم الكماة تخلق
جذبوا القسي إلى قسي حواجب ... من تحتها نبل اللواحظ ترشق
نشروا الشعور فكل قد منهم ... لدن عليه من الذؤابة صنجق
لي منهم رشأ إذا قابلته ... كادت لواحظه بسحر تنطق
إن شاء يلقاني بخلق واسع ... عند السلام نهاه طرف ضيق
لم أنس ليلة زارني ورقيبه ... يبدي الرضا وهو المغيظ المحنق
حتى إذا عبث الكرى بجفونه ... كان الوسادة ساعدي والمرفق
عانقته وضممته فكأنه ... من ساعدي ممنطق ومطوق
؟حتى بدا فلق الصباح فراعه إن الصباح هو العدو الأزرق وأنشدني له إجازة يمدح الملك الناصر محمد بن قلاوون:
أسبلن من فوق النحور ذوائبا ... فتركن حبات القلوب ذوائبا
وجلون من صبح الوجوه أشعة ... غادرون فود الليل منها شائبا
بيض دعاهن الغبي كواعباً ... ولو استبان الرشد قال كواكبا
وربائب فإذا رأيت نفارها ... من بسط أنسك خلتهن رباربا
سفهن رأي المانوية عندما ... أسبلن من ظلم الشعور غياهبا
وسفرن لي فرأين شخصاً حاضراً ... شدهت بصيرته وقلباً غائبا
أشرقن في حلل كأن أديمها ... شفق تدرعه الشموس جلابيا
وغربن في كلل فقلت لصاحبي ... بأبي الشموس الجانحات غواربا
حلو التعتب والدلال يروعه ... عتبي، ولست أراه إلا غاتبا
عاتبته فتضرجت وجناته ... وازور ألحاظاً وقطب حاجبا
فأراني الخد الكليم وطرفه ... ذو النون إذ ذهب الغداة مغاضبا
ذو منظر تغدو القلوب بخسنه ... نهباً وإن منح العيون مواهبا
لا غرو أن وهب اللواحظ حظوة ... من نوره ودعاه قلبي ناهبا
كمواهب السلطان قد كست الورى ... نعماً وتدعوه القساور سالبا
ملك يرى تعب المكارم راحة ... ويعد راحات الفراغ متاعبا
؟لم تخل أرض من ثناه وإن خلت من ذكره ملئت قناً وقواضبا
بمكارم تذر السباسب أبحراً ... وعزائم تذر البحار سباسبا
ترجى مواهبه ويخشى بطشه ... مثل الزمان مسالماً ومحارباً
فإذا سطا ملأ القلوب مهابة ... وإذا سخا ملأ العيون مواهبا
كالغيث يسفح من عطائه نائلاً ... سبطا ويرسل من سطاه حاصبا
كالليث يحمي غابه بزئيره ... طوراً وينشب في القنيص مخالبا
كالسيف يبدي للنواظر منظراً ... طلقاً ويمضي في الهياج مضاربا
كالسيل يحمد منه عذباً واصلاً ... ويعده قوم عذاباً واصبا
كالبحر يهدي للنفوس نفائساً ... منه ويبدي للعيون عجائبا
فإذا نظرت ندى يديه ورأيه ... لم تلف إلا صيباً أو صائبا

أبقى قلاوون الفخار لولده ... إرثاً ففازوا بالثناء مكاسبا
قوم إذا سئموا الصوافن صيروا ... للمجد أخطار الأمور مراكبا
عشقوا الحروب تيمناً بلقا العدا ... فكأنهم حسبوا العداة حبائبا
وكأنما ظنوا السيوف سوالفاً ... واللدن قداً والقسي حواجبا
يا أيها الملك العزيز ومن له ... شرف يجر على النجوم ذوائبا
أصلحت بين المسلمين بهمة ... تذر الأجانب بالوفود أقاربا
ووهبتهم زمن الأمان فمن رأى ... ملكاً يكون له الزمان مواهبا
فرأوا خطاباً كان خطباً فادحاً ... لهم وكتباً كن قبل كتائبا
وحرست ملكك من رجيم مارد ... بعزائم إن صلت كن قواضبا
حتى إذا خطف المنافق خطفة ... أتبعته منها شهاباً ثاقبا
لا ينفع التجريب خصمك بعدما ... أفنيت من أفنى الزمان تجاربا
؟صرمت شمل المارقين بصارم ... تبديه مسلوباً فيرجع سالبا
صافي الفرند حكى صباحاً جامداً ... أبدى النجيع به شعاعاً ذائباً
وكتيبة تدع الصهيل رواعداً ... والبيض برقاً والعجاج سحائبا
حتى إذا ريح الجلاد حدت لها ... مطرت وكان الوبل نبلاً صائبا
بذوابل ملد يخلن أراقماً ... وشوائل جرد يخلن عقاربا
تطأ الصدور من الصدور كأنما ... تعتاض عن وطء التراب ترائبا
فأقمت تقسم للوحوش وظائفا ... فيها وتصنع للنسور مآدبا
وجعلت هامات الكماة منابراً ... وأقمت حد السيف فيها خاطبا
يا راكب الخطر الجليل وقوله ... فخراً بمجدك لا عدمت الراكبا
صبرت أسحار السماح بواكراً ... وجعلت أيام الكفاح غياهبا
وبذلت للمداح صفو خلائق ... لو أنها للبحر طاب مشاربا
فرأوك في جنب النضار مفرطاً ... وعلى صلاتك والصلاة مواظبا
إن يحرس الناس النضار بحاجب ... كان السماح لعين مالك حاجبا
لم يملؤوا فيك البيوت رغائبا ... إلا وقد ملؤوا البيوت غرائبا
أوليتني قبل المديح عناية ... وملأت عيني هيبة ومواهبا
ورفعت قدري في الأنام وقد رأوا ... مثلي لمثلك خاطباً ومخاطبا
في مجلس ساوى الخلائق في الندى ... وترتبت فيه الملوك مراتبا
وافيته في الفلك أسعى جالساً ... فخراً على من قال أمشي راكبا
فأقمت أنفذ في الأنام أوامراً ... مني وأنشب في الخطوب مخالبا
وسقتني الدنيا غداة وردته ... ريا وما مطرت علي مصائبا
فطفقت أملأ من ثناك وشكره ... حقباً وأملأ من نداك حقائبا
أثني فتثنيني صفاتك مظهرا ... عياً وكم أعيت صفاتك خاطبا
لو أن أعضانا جميعاً ألسن ... تثني عليك لما قضينا الواجبا
وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت، يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كفى البدر حسناً أن يقال نظيرها ... فيزهى ولكنا بذاك نضيرها
وحسب غصون البان أن قوامها ... يقاس به ميادها ونضيرها
أسيرة حجل مطلقات لحاظها ... قضى حسنها أن لا يفك أسيرها
تهيم بها العشاق خلف حجابها ... فكيف إذا ما آن منها سفورها
وليس عجيباً أن غررت بنظرة ... إليها فمن شأن البدور غرورها
فكم نظرة قادت إلى القلب حسرة ... يقطع أنفاس الحياة زفيرها
فواعجباً كم نسلب الأسد في الوغى ... ويسلبنا من أعين الحور حورها
فتور الظبى عند القراع يشينها ... وما يرهف الأجفان إلا فتورها

وجذوة حسن في الخدود لهيبها ... يشب ولكن في القلوب سعيرها
إذا آنستها مقلتي خر صاعقاً ... فؤادي وقال القلب لادك طورها
وسرب ظباء مشرقات شموسه ... على حلة عند النجوم بدورها
تمانع عما في الكناس أسودها ... وتحرس ما تحوي القصور صقورها
تغار من الطيف الملم حماتها ... ويغضب من مر النسيم غيورها
إذا ما رأى في النوم طيفاً يرودها ... توهمه في اليوم ضيفاً يزورها
نظرنا فأعدتنا السقام جفونها ... ولذنا فأولتنا النحول خصورها
وزرنا وأسد الحي تذكي لحاظها ... ويسمع في غاب الرماح زئيرها
فيا ساعد الله المحب فإنه ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
ولما ألمت للزيارة خلسة ... وسجف الدياجي مسبلات سورها
سعت بيننا الواشون حتى حجولها ... ونمت بنا الأعداء حتى عبيرها
وهمت بنا لولا حبائل شعرها ... خطا الصبح لكن قيدته ظفورها
ليالي يعديني زماني على العدا ... وإن ملئت حقداً علي صدورها
ويسعدني شرخ الشبيبة والغنى ... إذا شانها أفتارها وقتيرها
ومذ قلب الدهر المجن أصابني ... صبوراً على حال قليل صبورها
فلو تحمل الأيام ما أنا حامل ... لما كاد يمحو صبغة الليل نورها
سأصبر إما أن تدور صروفها ... علي وإما تستقيم أمورها
فإن تكن الخنساء إني صخرها ... وإن تكن الزباء إني قصيرها
وقد أرتدي ثوب الظلام بجسرة ... عليها من الشوس الحماة جسورها
كأني بأحشاء السباسب خاطر ... فما وجدت إلا وشخصي ضميرها
وصادية الأحشاء غصى بآلها ... يعز على الشعرى العبور عبورها
ينوح بها الخريت ندباً لنفسه ... إذا اختلفت حصباؤها وصخورها
إذا وطئتها الشمس سال لعابها ... وإن سلكتها الريح طال هريرها
؟وإن قامت الحرباء ترصد شمسها ... أصيلاً أذاب الحظ منها هجيرها
تجنب عنها للحذار جنوبها ... وتدبر عنها في الهبوب دبورها
خبرت مرامي أرضها فقتلتها ... وما يقتل الأرضين إلا خبيرها
بخطوة مر قال أمون عثارها ... كثير على وفق الصواب عثورها
ألذ من الأنغام رجع بغامها ... وأطرب من سجع الهديل هديرها
نساهم شطر العيش عيساً سواهما ... لطول السرى لم يبق إلا شطورها
حروفاً كنونات الصحائف أصبحت ... تخط على طرس الفيافي سطورها
إذا نظمت نظم القلائد في البرى ... تقلدها خصر الربا ونحورها
طواها طواها فاغتدت وبطونها ... تجول عليها كالوشاح ظفورها
يعبر عن فرط الحنين أنينها ... ويعرب عما في الضمير ضمورها
نسير بها نحو الحجاز وقصدها ... ملاعب شعبي بابل وقصورها
فلما ترامت عن زرود ورملها ... ولاحت لها أعلام نجد وقورها
وصدت يميناً عن شميط وحاذرت ... ربا قطن والشهب قد شف نورها
وعاج بها عن رمل عاج دليلها ... فقامت لعرفان المراد صدروها
غدت تتقاضانا المسير لأنها ... الى نحو خير المرسلين مسيرها
ترض الحصى شوقاً لمن سبح الحصى ... لديه وحياً بالسلام بعيرها
إلى خير مبعوث إلى خير أمة ... إلى خير معبود دعاها بشيرها
ومن بشر الله الأنام بأنه ... مبشرها عن إذنه ونذيرها
ومن أخمدت مع وضعه نار فارس ... وزلزل منها عرشها وسريرها

ومن نطقت توراة موسى بفضله ... وجاء به إنجيلها وزبورها
محمد خير المرسلين بأسرهم ... وأولها في المجد وهو أخيرها
فيا آية الله التي مذ تبجلت ... على خلقه أخفى الظلال ظهروها
عليك سلام الله يا خير مرسل ... إلى أمة لولاه دام غرورها
عليك سلام الله يا خير متشافع ... إذا النار ضم الكافرين حصيرها
عليك سلام الله يا من تعبدت ... له الجن وانقادت إليه أمورها
تشرفت الأقدام لما تتابعت ... إليك خطاها واستمر مريرها
وفاخرت الأفواه نور عيوننا ... بتربك لما قبلته ثغورها
ولو وفت الوفاد قدرك حقه ... لكان على الأحداق منها مسيرها
لأنك سر الله والآية التي ... تجلت فجلى ظلمة الشرك نورها
مدينة علم وابن عمك بابها ... فمن غير ذاك الباب لم يؤت سورها
شموس لكم في الغرب مدت شموسها ... بدور لكم في الشرق حفت بدورها
جبال إذا ما الهضب دكت جبالها ... بحور إذا ما الأرض غارت بحورها
فيا آل خير الآل والعترة التي ... محبتها نعمى قليل شكورها
إذا جولست للبذل ذل نضارها ... وإن سوجلت في الفضل عز نظيرها
وصحبك خير الصحب والغرر التي ... بهم أمنت من كل أرض ثغورها
كماة حماة في القراع وفي القرى ... إذا شط قاريها وطاش وقورها
أيا صادق الوعد الأمين وعدتني ... ببشرى فلا أخشى وأنت بشيرها
بعثت الأماني عاطلات لتبتغي ... نداك فجاءت حاليات نحورها
وأرسلت آمالاً خماصاً بطونها ... إليك فعادت مثقلات ظهورها
إليك رسول الله أشكو جرائماً ... يوازي الجبال الراسيات صغيرها
كبائر لو تبلى الجبال بحملها ... لدكت ونادى بالثبور ثبيرها
وغالب ظني بل يقيني أنها ... ستمحى وإن جلت وأنت سفيرها
لأني رأيت العرب تخفر بالعصا ... وتحمي إذا ما أمها مستجيرها
فكيف بمن في كفه أورق العصا ... يضام بنو الآمال وهو خفيرها
وبين يدي نجواي قدمت مدحة ... قضى خاطري أن لا يضيع خطيرها
يروي غليل السامعين قطارها ... ويجلو عيون الناظرين قطورها
وأحسن شيء أنني قد جلوتها ... عليك وأملاك السماء حضورها
تروم بها نفسي الجزاء فكن لها ... مجيزاً بأن تمسي وأنت مجيرها
فلا بن زهير قد أجزت ببردة ... عليك فأثرى من ذويه فقيرها
أجرني أجزني واجزني أجر مدحتي ... ببرد إذا ما النار شب سعيرها
وقابل ثناها بالقبول فإنها ... عرائس فكر والقبول مهورها
فإن زانها تطويلها واطرادها ... فقد شانها تقصيرها وقصورها
إذا ما القوافي لم تحط بصفاتكم ... فسيان منها جمها ويسيرها
بمدحك تمت حجتي وهي حجتي ... على عصبة يطغى علي فجورها
أقص بشعري إثر فضلك واصفاً ... علاك إذا ما الناس قصت شعورها
وأسهر في نظم القوافي ولم أقل ... خليلي هل من رقدة أستعيرها
عبد العزيز بن عبد الجليل


الشيخ الإمام الفقيه عز الدين النمراوي الشافعي.
كان من فقهاء القاهرة المشهورين. أفتى ودرس وصحب الأمير سيف الدين سلار مدة، وترقى بسببه.
توفي رحمه الله تعالى في تاسع ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة.
عبد العزيز بن عبد الغني




ابن أبي الأفراح سرور بن أبي الرجاء، سلامة بن أبي بن اليمن بركات بن أبي الحمد داود، ويتصل بالحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الينبعي المحتد، الإسكندراني المولد.
أخبرني العلامة أبو حيان قال: أنشدنا لنفسه بجامع عمرو بن العاص، ثاني عشر شهر رجب، ثمانين وست مئة:
وجدت بقائي عند فقد وجودي ... فلم يبق حد جامع لحدودي
وألفيت سري عن ضميري ملوحاً ... برمز إشاراتي وفك قيودي
فأصبحت مني دانياً بمعارف ... وقد كنت عني نائباً لجمودي
ومن عين ذاك الأمر حكم مبين ... لتحقيق ميراثي وحفظ عهودي
فمن مبتدا فرقي قنوتي ووجهتي ... إلى منتهى جمعي يكون سجودي
وعاكف ذاتي مطلق غير مطرق ... وبادي صفاتي قد وفا بعقودي
وإن أمرتني نشأتي غير نسبتي ... فصالح آبائي نذير ثمودي
سألقي عصاي في رحاب تجردي ... لتأتي من نحو القبول وفودي
وأخلد بلعامي إلى أرض طبعه ... لترفعني الآيات حال صعودي
إذا وردت من ماء مدين نشوتي ... لطيفة أسراري بطيب ورودي
فأنزل مني منزلاً بعد منزل ... وتنزل شمسي في بروج سعودي
فلا منهج إلا ولي فيه مسلك ... ولا موطن إلا وفيه شعودي
قال العلامة أبو حيان: قال شيخنا الرضي الشاطبي: هذا يعرف بالشيخ عبد العزيز المنوفي، وهو من أتباع ابن العربي، صاحب عنقاء مغرب.
قال الشيخ أثير الدين: وهو شيخ عبد الغفار بن نوح القوصي.
قلت: توفي هذا الشيخ، أبو فارس المنوفي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وسبع مئة.
وولده سنة سبع وست مئة.
عبد العزيز بن عبد القادر


ابن أبي الكرم بن أبي الذر الربعي البغدادي، الشيخ نجم الدين، أحد أشياخي الذين سمعت عليهم بالقاهرة.
أجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وسمعت عليه المقامات الجزرية التي لابن الصيقل، كان يرويها عن المصنف، قرأها عليه الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن العسجدي بالمدرسة القراسنقرية بالقاهرة في السنة المذكورة ونحن نسمع. وله رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في إنكاره صحة الكيمياء، وله مصنفات منها كتاب نتائج الشيب من مدح وعيب وهو كبير، ملكته بخطه.
وكان شيخاً قد أتقى واستمسك من الزهد بالعروة الوثقى، صوفياً قد تجرد، وانفرد عن الوظائف ومن فيها تمرد، طيلاً مهيباً، دانياً من القلوب قريباً.
لم يزل على حاله إلى أن ذر على ابن أبي الذر ترابه، وفارقه لداته وأترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى...
ومولده ببغداد سنة اثنتين وستين وست مئة.
عبد العزيز بن أبي القاسم



ابن عثمان، الشيخ عز الدين أبو محمد البابصري البغدادي الحنبلي الصوفي الأديب من أعيان الشميساطية.
سمع مشيخة الباقرحي على ابن الأجل، وسمع بدمشق من أصحاب ابن طبرزد.
وكان بالفقه بصيراً، وعلى الأدب لمن عاناه نصيراً، وله حظ من معرفة أيام الناس، وتراجم الأطهار والأدناس، وعلى ذهنه من الشعر جملة، وعلى ظهر قلبه من روايته حمله.
ولم يزل على حاله إلى أن شخص بصر البابصري وبرق، وغص بها الحلقوم وشرق، وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وثلاثين وخمس مئة.
وسمع منه ابن البرزالي، وابن الصيرفي، وضعف بصره أخيراً. وله شعر منه قوله: ...
عبد العزيز بن محمد



ابن عبد الله بن محمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صغير، الصدر عز الدين بن القيسراني، كاتب الإنشاء بالقاهرة.
سمع من الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، ومن الشريف موسى وغيرهما.
ودرس بالفخرية وغيرها على مذهب الشافعي.
وكان من بيت رياسة، وجماعة وصدارة ونفاسة، بزته جميلة، ومنظره آنق من خميلة، وكفه يسح بالنوال ولا يشح عن السؤال، ولطفه كالنسيم، وظرفه كطلعة الصبح البسيم.
ولم يزل على حاله إلى أن ذوى رطيباً، وركب أعواد النعش ولم يك خطيباً.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة تسع وسبع مئة، ودفن بالقرافة ولم يكمل الأربعين.


وكتب عنه شيخنا البرزالي وجماعة من المصريين. وله نظم ونثر، ومن نظمه ما قاله في قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وقد خطب بمصر:
تضوع نشر المسك من لفظك العذب ... وأظهرت من نهج البلاغة ما يصبي
وشنفت أسماع الأنام بخطبة ... نفخت بها الأرواح في ميت القلب
وقد عجب الراؤون من عود منبر ... تلامسه إذا لم يكن منبت العشب
ولكنه من حين لامست عوده ... تعرف حتى صار من مندل رطب
ومنه:
من طلب الأرزاق من عند من ... يطعمه الله ويسقيه
يكون قد ضل سبيل الهدى ... وحاد عن نيل أمانيه
لأن من يعجز عن نفسه ... يعجز عن إرزاق راجيه
عبد العزيز بن محمد بن عبد الحق


ابن شعبان بن علي، عز الدين أبو محمد الشياح بالشين - المعجمة والياء آخر الحروف وألف بعدها حاء مهملة - الأنصاري الدمشقي.
روى عن ابن عبد الدائم، وسمع من عبد الله الخشوعي.
كان رجلاً حسناً، لوذعاً فطناً. تعانى الخدم والتجارة، وكتب في الديوان طلباً للمعيشة وحسن الشارة. وتولى على عمارة الجامع السيفي بظاهر دمشق، ولما فرغ ولي إشرافه، واجتنى قطوفه وحاذر غيبته عنه وانصرافه. ثم إنه توجه للقدس وعاد فباشر مشارفة يبرود، وأقام بها إلى أن نشرت له من الموت مطويات البرود.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وحمل على الأعناق إلى تربة والده بسفح قاسيون.
عبد العزيز بن محمد بن أحمد



ابن هبة الله بن جرادة، قاضي القضاة، عز الدين أبو البركات بن الصدر محيي الدين الحنفي، ابن العديم قاضي القضاة بحماة.
كان شيخاً فاضلاً في عدة فنون. ولي قضاء حماة مدة تقارب الأربعين سنة. وكان مدرساً بعدة مدارس، وروى الحديث عن يوسف بن خليل الحافظ، وسمع من أخويه: يونس وإبراهيم، ومن الضياء صقر، وهدية بنت المغربي، وغيرهم.
وكان له اعتناء ب؟ الكشاف ومفتاح السكاكي وغير ذلك.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ودفن بتربتهم بعقبة نقيرين.
ومولده في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
عبد العزيز بن محمد بن علي الطوسي



ضياء الدين، مدرس النجيبية ومعيد الباذرائية والناصرية.
كان بصيراً بالفقه وأصوله، خبيراً بمنتخبه ومحصوله. أفاد وأفتى، وتميز بمحاسن شتى، وصيف في العلم وطلبه وشتى، وصنف التصانيف البديعة حتى، ووضع شرحاً للحاوي وأعان به الطلبة على الفتاوي. وشرح المختصر لابن الحاجب، وأتى فيه بكل مهم واجب.
ولم يزل على حاله إلى أن خرج من الحمام، فدخل في الحمام، ورثاه حتى ساجعات الحمام.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر جمادى الأولى سنة ست وسبع مئة، خرج من الحمام ومات، رحمه الله تعالى.
عبد العزيز بن محمد بن عبد الحق



ابن خلف بن عبد الحق، الفقيه الإمام العدل عز الدين الدمشقي الشافعي.
كان فاضلاً، عنده فقه وحديث، وله معرفة بالشروط وكان من أعيان الشهود، ودرس بالمدرسة الأسدية ظاهر دمشق.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن ابن الزبيدي، وابن صباح، والفخر الإربلي، وجعفر الهمداني، وغيرهم. وله إجازة من ابن القطيعي، وابن روزبة، وجماعة من بغداد.
وتوفي رحمه الله تعالى في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده في تاسع عشر شعبان سنة خمس وعشرين وست مئة.
عبد العزيز بن منصور



الصدر عز الدين الكولمي التاجر.
كان له أموال كالأمواه، أو الكلمات التي تخرج أفواجها من الأفواه، لا يضبطها حساب، ولا يحصل نظيرها اكتساب، فاتت العد، وتعدت الحد.
عبد العزيز بن يحيى بن محمد



القاضي الرئيس عماد الدين أبو محمد ابن قاضي القضاة محيي الدين بن الزكي القرشي الدمشقي الشافعي مدرس العزية والتقوية.
وكان أحد من ولي نظر الجامع الأموي غير مرة، ونول أهله ومن له به علاقة كل مسره، وكان شكله مليحاً، ونطقه في المقاصد السعيدة فصيحاً، فيه حشمة، وله همة، وعنده صدارة، وللرياسة عليه إحاطة وإدارة. وكان قد عين للقضاء، وقابله الناس بالارتضاء.
ولم يزل على حاله إلى أن حانت وفاته، ولانت للموت صفاته.


وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة.
وقرأ عليه شيخنا البرزالي مشيخة أبي مسهر بروايته حضوراً عن إبراهيم بن خليل.
عبد العزيز


المغني المعروف بالفصيح.
كان مشهوراً بالإجادة في صناعت، وأظن دخل اليمن رحمه الله.
وتوفي بالقاهرة في جمادة الأولى سنة عشر وسبع مئة.
وفيه يقول علاء الدين الوادعي - ومن خطه نقلت - :
قل للذي عشق الفصيح وعنده ... أن العيون إليه لم تتيقظ
يا من تحفظ في هواه عن الورى ... ليس الفصيح كفاية المتحفظ
ونقلت منه له:
عذلي في هوى الفصيح دعوني ... واسمعوا العذر واضحاً مشروحا
خفت لحناً في شرح مجمل حبي ... فلهذا قد حفظت الفصيحا
ونقلت منه له:
لحن هذا الفصيح أحسن من إع؟ ... راب ذاك الفصيح في كل حال
بين هذين في الفصاحة بون ... ذاك من ثعلب وذا من غزال
ونقلت منه له:
وليلة ما لها نظير ... في الطيب لو ساعفت بطول
كم نوبة للفصيح فيها ... أطرب من نوبة الخليل
؟

عبد العظيم بن عبد المؤمن

الشيخ زكي الدين بن الشيخ شرف الدين الدمياطي.
مات كهلاً سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وكان شيخ الظاهرية بالقاهرة.
عبد الغالب بن محمد



ابن عبد القاهر بن محمد بن ثابت بن عبد الغالب الماكسني.
سمع من إسماعيل بن أبي اليسر، وأبي بكر محمد بن علي النشبي، وإبراهيم بن إسماعيل بن الدرجي، وغيرهم.
أجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
عبد الغفار بن محمد



ابن عبد الكافي بن عوض السعدي المصري القاضي المفتي المتقن المجيد تاج الدين الشافعي.
روى عن إسماعيل بن عزون، والنجيب، وابن علاق، وعدة، وجع وصنف وقطع ورصف، ونسخ الكثير وجود، وأفاد الطلبة وعود، وعمل المعجم والتساعيات، وخرج المسلسلات، وكان موصوفاً بالفقه والإتقان والدين والإيقان.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح عبد الغفار عند الحفار، وتحدث بأخباره السفار.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمسين وست مئة.
وكان شيخ الحديث بالمدرسة الصاحبية بمصر، وأخذ عنه تقي الدين بن رافع، وشهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي، والواني، وابنه، والسروجي. وأجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ذكر في شعبان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة أنه كتب بخطه ما يزيد على خمس مئة مجلد ما بين فقه وحديث وغير ذلك.
وقرأ العربية على أمين الدين المحلي، وسمع منه، ومن ابن عزون، وابن علاق، والنجيب عبد اللطيف، وأخيه، والمعين بن القاضي الدمشقي، ومحمد بن مهلهل الجنبي وعبد الهادي القيسي والشيخ شمس الدين بن العماد الحنبلي، وأبي حامد بن الصابوني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، ومحمد بن إبراهيم الكلي الطبيب، وابن الخيمي الشاعر، والحافظ اليغموري، والفضل بن رواحة، وسمع بالإسكندرية من عثمان بن عوف آخر أصحاب ابن موقا وابن الدهان وابن الفرات وجماعة من أصحاب ابن البنا وابن عماد، وخرج لنفسه معجماً في ثلاث مجلدات، وأجازه من دمشق ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وجماعة من أصحاب الخشوعي وغيرهم.
وحدث بالكثير، واعتنى بهذا الشأن، وكان ذاكراً لشيوخه وسماعه، حسن الخط، جيد الضبط، عارفاً بهذا الشأن وناب في الحكم بمصر عن القاضي تقي الدين الحنبلي.
عبد الغفار بن أحمد



ابن عبد المجيد بن عبد الحميد، الذروي المحتد، الأقصري المولد، القوصي الدار، المعروف بابن نوح.
صحب الشيخ أبا العباس أحمد الملثم، والشيخ عبد العزيز المنوفي، وقد تقدم ذكره آنفاً، وتجرد زماناً، وتفرد بالمشيخة عياناً.
وكانت له قدرة على الكلام، وفصاحة يشهد بها الأئمة الأعلام، وله في السماع حال، وعنده قال من جعل له القال، وبه نزل من رقق شعره في المحبة والغزل، وكان ينكر من المنكرات كثيراً، ويأمر بالمعروف فيوقد به سراجاً منيراً، وله قوة جنان، وتصرف عنان في البيان.
ولم يزل على حاله بالقاهرة، بعدما جاء إليها من قوص إلى أن قامت النوائح على ابن نوح، وفارق جسده ما كان قد تعلق به من الروح.
وتوفي بمصر سنة ثمان وسبع مئة ومولده ...


وكان قد تعبد سنين، وسمع من الدمياطي بالقاهرة، وحدث عنه بقوص، وسمع بمكة من المحب الطبري، وصنف كتاباً سماه الوحيد، وله بظاهر قوص، رباط حسن، وله بقوص أحوال معروفة، ومقالات موصوفة، وينسب أصحابه إليه كرامات.
كان النصارى قد أحضروا مرسوماً بفتح الكنائس، فقام شخص في السحر بجامع قوص، وقرأ " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " ، وقال: يا أصحابنا الصلاة في هدم الكنائس، فلم يأت الظهر إلا وقد هدمت ثلاث عشرة كنيسة، ونسب ذلك إلى أنه من جهة الشيخ ابن نوح، ثم إن عز الدين الرشيدي أستاذ دار سلار حضر إلى قوص، فتوجه إليه نصراني يدعى النشو، كان يخدم عندهم، وتكلم في القضية، واجتمع العوام، ورجموا إلى أن وصل الرجم إلى حراقة الرشيدي، فأتهم الشيخ بذلك، ثم إنه بعد أيام حضر أمير إلى قوص وأمسك جماعة من الفقراء، وضربهم، واخذ الشيخ معه إلى القاهرة، ورسم له أن يقيم بمصر، ولا يخرج منها، فحصل بعد مدة لطيفة للرشيدي مرض، وتهوس وتلاشت حاله، واستمر في أنحس حال إلى أن توفي، وتوفي الشيخ بعده بمدة في تاريخ وفاته.
ومن شعره:
أنا أفتي أن ترك الحب ذنب ... آثم في مذهبي من لا يحب
ذق على أمري مرارات الهوى ... فهو عذب وعذاب الحب عذب
كل قلب ليس فيه ساكن ... صبوة عذرية ما ذاك قلب
عبد الغفار


قيل: عبد القاهر، الشيخ العالم الفقيه نجم الدين المعروف بابن أبي السفاح الحلبي، قاضي القضاة الشافعي بحلب.
توفي بحلب رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة خمسين وسبع مئة.
وقيل: اسمه عبد القاهر، وهو الصحيح.
عبد الغني بن يحيى



ابن محمد بن عبد الله الحراني القاضي شرف الدين أبو محمد الحنبلي.
ولي نظر الخزانة بالديار المصرية مدة طويلة، ثم أضيف إليه قضاء الحنابلة.
كان رئيساً جواداً، نفيساً لا يدخل العل له فؤاداً، فيه لمن يقصده تعصب، وقيام على من يعانده وتوثب، اشتهرت رئاسته، وظهرت للناس نفاسته، وشكرت في القضاء أيامه، وحمدت فيه أحكامه.
ودرس بالصالحية إلى أن فارق دنياه، وترك عليا.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة تسع وسبع مئة.
ومولده بحران في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وست مئة. وروى جزء ابن عرفة عن شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري، وسمع منه الطلبة، وتولى قضاء الحنابلة بمصر يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة عوضاً عن القاضي بدر الدين بن عوض.
عبد الغني بن محمد بن عبد الواحد



القاضي الفقيه تقي الدين بن الشيخ شمس الدين المقدسي.
كان مدرساً بالمنصورية بالقاهرة، وعنده فضيلة، وهو متعين في مذهبه.
توفي رحمه الله تعالى خامس جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن بالقرافة عند والده.
عبد الغني بن منصور



ابن منصور بن إبراهيم، جمال الدين أبو عبادة الحراني المؤذن.
روى عن عيسى بن الخياط الحراني، وسمع من مجد الدين بن تيمية، وغيرهما.
وكان من أعيان المؤذنين، طيب الصوت، فقيهاً فاضلاً مناظراً مشاركاً في العلوم، وله نظم.
توفي رحمه الله تعالى بقرن الحارة، وحمل إلى دمشق، وكانت جنازته حافلة في ثالث ربيع الآخر سنة خمس وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين بحران.
وحدث بعرفة ومنى.
عبد الغني بن عروة



ابن عبد الصمد بن عثمان، جمال الدين أبو محمد بن الشيخ الصالح الرأس عيني.
سمع بحلب سنة أربع وأربعين وست مئة على الشيخ عز الدين عبد الرزاق الرأس عيني المعروف بالمحدث.
وكان جمال الدين هذا حسن الخلق خفيف الروح، يتردد إلى الأعيان وغيرهم من الأفرم ومن دونه من جميع الطوائف، ويحاضرهم ويلاطفهم ويستجديهم، وكان يخرج من بيته من بكرة، ويدور على الناس دورة، وما تجيء الثانية أو الثالثة حتى يحصل له العشرون درهماً فما دونها.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وقد تجاوز الثمانين، ودفن بمقابر الشيخ أرسلان.


وكان كثيراً ما يحكي ويتعيش بوقائعه مع الأمير علم الدين أرجواش نائب قلعة دمشق، لأنه كان به خصيصاً، لا يكاد يصبر عنه. حضر إلى صفد في وقت، وكان الأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الديوان بصفد ووالي الولاة، وهو متزوج بابنة أرجواش فتركها في مخدع بحيث تسمع، وأحضر الشيخ عبد الغني واستحكاه، فأخذ يحكي عن أرجواش، ومما حكاه أنه لما توفي الملك المنصور، قال: يا عبد الغني، أحضر لي مقرئين يقرؤون ختمة للسلطان، قال: فأحضرت له جماعة، وجلس أمامهم وإلى جانبه دبوس، وأخذ أولئك يقرؤون على العادة، فقال: دعهم يقرؤون عالياً، ليسمع السلطان في قبره، فقلت لهم: ارفعوا أصواتكم بالقراءة، فقفزوا وما فرغوا منها إلى ربع الليل، فقلت: يا خوند فرغوا، فقال: دعهم ليقرؤوا ختمة أخرى فقال، فقلت لهم: ابدؤوا في أخرى فشرعوا في الثانية، وما فرغوا منها إلى نصف الليل، فقلت: يا خوند فرغوا بسعادتك، فقال: لا، السموات ثلاث، والأرض ثلاثة، والبحار ثلاثة، والمعادن ثلاثة، كل شيء في الدنيا ثلاثة ثلاثة، يقرؤون الأخرة تتمة ثلاثة، فقلت لهم: يا مساكين اقرؤوا أخرى، واحمدوا الله واشكروه كونه ما عرف أن السموات سبع والأرض سبع، فما فرغوا حتى أشرفوا على الهلاك، لأنهم من المغرب إلى بكرة في عياط، فقلت: يا خوند فرغوا، فقال: رسم عليهم إلى بكرة، فإذا تعالى النهار، اكتب عليهم حجة تحت الساعات بالله وبالقيامة الشريفة أن ثواب هذه الختمة لأستاذنا السلطان الملك المنصور، وهات الحجة إلي واعطهم مئة درهم. فما ملكت ابنة أرجواش نفسها، بل فتحت الباب، وخرجت إلى الشيخ عبد الغني ونتفت ذقنه، وخربت عمامته، فخرج منها، وهي تشيخه وتسبه، وأما زوجها؛ فقاسى منها شدة.
وقال: جئت يوماً إلى باب القصر الأبلق، فوجدت الملك الكامل، والصاحب عز الدين بن القلانسي جالسين فدروزتهما، فلم يعطياني شيئاً، فلطفت القول، وزدت فما رشحالي بشيء، فقلت: والله لأغرمنكما جملة كثيرة على هذه العشرة دراهم، وتركتهما، ومضيت، وشددت طبق فاكهة، وحملته حمالاً، وغطيته بفوطة مليحة، وجئت إلى باب الصاحب، ودققت الباب، فخرجت الجارية، فدفعت إليها الطبق، وقلت لها: قولي لمولانا الصاحب، الله يجعلها ساعة مباركة، وتركتها حتى مشت خطوتين، وقلت لها: يا ستي تعالي، هذا بيته الجديد وإلا العتيق؟ فقالت: ولي! إيش يكن بيته الجديد؟ فقلت: يا ستي هاتي الطبق، أنا أحسبه الذي دخل فيه عروساً، وأخذت الطبق ومضيت، فدخلت إلى ستها، وحكت لها الواقعة، فما شكت أن الصاحب تزوج بغيرها، فقعدت في حزن شديد، ولما حضر الصاحب؛ لم تقم إليه، ولم تأخذ شاشه، ولا فرجيته على العادة، فقال: خير ما لكم؟! قالت: روح إلى عروسك الجديدة، فضحك، فصممت، وصار كلما ضحك؛ تصمم، فحلف لها بالطلاق، أن هذا ما جرى منه شيء، فزادت في التصميم، فاغتاظ منها، وحلف بطلاقها، وباتت منه وبقيت مدة إلى أن ترضاها وسألها عن الموجب لذلك، فحكت له الصورة ، فعلم من أين أتي؟، وحكى لها الصورة، فصدقته، فجدد لها صداقاً، وزاده، وبذل لها شيئاً بجملة، وغرم في هذه الواقعة قريباً من خمسة آلاف درهم.
وأما الملك الكامل؛ فإنه كان يوماً عند الأفرم يحكي له، ويتلطف، فحضر الملك الكامل، فشكر الأفرم منه، فقال عبد الغني: والله يا خوند، ما في دمشق من يحب مولانا ملك الأمراء مثله، ولقد بلغ الملوك أنه من أيام اشترى خمس مئة غرارة شعير، ليحملها إلى اصطبل مولانا ملك الأمراء، فالتفت إليه الأفرم، وقال: يا ملك ليش تفعل هذا؟، أنا أعرف بحالك، والله ما تعود تفعل مثل هذا وأمثاله وأعود أقبل منك، فقال: يا خوند الكل من صدقاتك، وخرج فما أمكنه إلا حمل خمس مئة غرارة شعير إلى اصطبل الأفرم، وكان الصاحب عز الدين بعد ذلك والملك الكامل إذا رأيا عبد الغني بادراً بالمكارمة، وقالا له: اكفنا شرك، وله من هذا الضرب ألوان، وأنواع يضيق عنها هذا المكان، وهذا القدر كافي.
عبد القادر بن عبد العزيز


ابن السلطان الملك المعظم عيسى بن أبي بكر محمد العادل بن أيوب هو الملك أسد الدين أبو محمد.
سمع من خطيب مردا السيرة النبوية وحدث بها في مصر، وروى عنه عدة أجزاء، وله إجازة من محمد بن عبد الهادي والصدر البكري.


وله همة وجلادة، وقدوم على دمشق ووفاده، مليح الشكل لمن يراه، صبيح الوجه، يشهد بالقدرة لمن يراه، حسن الأخلاق من الرياضة، كثير البشر لمن قصد اعتراضه، شديد البنية والتركيب، عتيد القوى في الترغيب والترهيب، قيل: إنه ما تزوج ولا تسرى، ولا تبرم من ذلك ولا تبرى.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح أسد الدين مفترساً، ورسب شخصه في القبر ورسا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مائة.
ومولده بالكرك سنة اثنتين وأربعين وست مئة، وكانت وفاته بالرملة، ونقل إلى القدس، وأجاز لي بالقاهرة بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. واجتمعت به غير مرة.
عبد القادر بن محمد


ابن أبي الكرم عبد الرحمن بن علوي بن المعلى بن علوي بن جعفر القاضي تاج الدين بن القاضي عز الدين العقيلي البخاري الحنفي.
سمع الصحيح من ابن الزبيدي، وسمع من الإمامين جمال الدين الحصيري، وتقي الدين بن الصلاح، وولي قضاء الحنفية بحلب، ونظر الأوقاف والمدرسة العصرونية. وعاد إلى دمشق، وحدث بها بالمئة البخارية، وعاد إلى حلب.
ولم يزل بها إلى أن حلت به في حلب الداهية، وأصبح ذا قوة واهية.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده بدمشق سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
عبد القادر بن محمد بن تميم



الفقيه المحدث محيي الدين المقريزي، بالميم المفتوحة والقاف الساكنة والراء المكسورة وبعدها زاي، البعلبكي الحنبلي.
سمع ببلده من زينب بنت كندي، وبدمشق من ابن عساكر، وابن القواس، وبمصر من البهاء بن القيم وسبط زيادة، وبحلب والحرمين. ونسخ وحصل، وجمع وأصل، وميز وفصل، وتفقه ودأب، وجد واجتهد في الطلب، وصار شيخ دار الحديث للبهاء بن عساكر، وكان بها يحاضر ويذاكر.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل في الجدث، وأنس أصحابه ما قدم بما حدث.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، عن خمس وخمسين سنة أو نحوها.
عبد القادر بن أبي القاسم



ابن علي الأسنائي، القاضي ناصر الدين الشافعي.
كان كاتب الحكم العزيز الشافعي بالقاهرة.
كان فاضلاً ديناً، عاقلاً صيناً، عفيفاً ورعاً، خبيراً حفظ عهد القضاء ورعاه، عمر المدرسة الشهابية بميدان القمح ظاهر القاهرة، وعمر وقوفاً من ماله، ثم إنه استعاد ذلك من ربع الوقف قليلاً قليلاً، وكان معيد الشافعية بالمدرسة المنصورية، وشاهد الحواصل بها وبالبيمارستان، ومعيد المدرسة القطبية، وناب في الحكم خارج باب الفتوح عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في بعض الأعمال، وكان يحج كل سنة ويترك سنة، وجاور بمكة مدة، وكان يعيد بالسيفية.
وسمع من شهاب بن علي المحسني وغيره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر شهر رجب الفرد سنة ثلاثين وسبع مئة وقد جاوز السبعين، وخلف مالاً وثروة، وتصدق في مرضه بنحو من خمسة عشر ألف درهم، ودفن بالقرافة الصغرى.
عبد القادر بن بركات



ابن أبي الفضل: الشيخ محيي الدين الصوفي المعروف بابن قريش أحد الأخوة، تقدم ذكر أخيه الشيخ إبراهيم، وسيأتي ذكر أخيه الشيخ تقي الدين في حرف الميم.
أسن هذا محيي الدين وكبر وعجز عن المشي، وكان يركب حماراً، وكانت له خصوصية بقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، وكان من ذلك الطراز الأول، فبقي في آخر عمره غريباً. إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
عبد القادر بن يوسف



ابن مظفر، الصدر الجليل العدل المأمون أبو محمد شمس الدين بن الخطيري الدمشقي الكاتب.
سمع من عبد الوهاب بن رواج، وأجاز له أبو القاسم بن الصفراوي: وعلي بن مختار: وجماعة.
وسمع منه جماعة: الواني، والبرزالي، وابن شيخنا الذهبي، وولي نظر الجامع الأموي ونظر الخزانة.
وكان من الكتاب العقلاء، والرؤساء النبلاء، تنقل في المباشرات، وقابل بالمكاسرات المكاشرات. وساس دهره إلى أن زار قبره.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشري جمادى الأولى سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
عبد القادر بن أحمد



الفقيه الجدلي المناظر محيي الدين حينئذ، كان يكثر في بحوثه من قول حينئذ.
كان أصله من بغداد، ومن سمعه تحقق أنه أستاذ، مليح السمت عديم الصمت، له فضائل، وعنده شبه ودلائل.


لم يزل إلى أن سقط عن سلم فما تنفس وكان من الحياة في طريق مستقيم حتى تنكس.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في سن الكهولة.
عبد القادر بن مهذب


ابن جعفر الأدفوي قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: هو ابن عمي، كان ذكياً جواداً متواضعاً، وصل إلى قوص للاشتعال بالفقه، وحفظ أكثر التنبيه ولم ينتج فيه، وكان إسماعيل المذهب، مشتغلاً بكتاب الدعائم تصنيف النعمان بن أحمد، متفقهاً، وكان فيلسوفاً، يقرئ الفلسفة، ويحفظ من كتاب زجر النفس، وكتاب أثولوجيا، وكتاب التفاحة المنسوب لأرسطو كثيراً.
قال: وذكر لي بعض أصحابنا، ممن لا أتهمه بكذب، أنه تعسر عليه قفل باب، فذكر أسماء وفتحه، وأنهم قصدوا حضور امرأة، فهمهم بشفتيه لحظة فحضرت فسألوها عن ذلك، فقالت: إنها حصل عندها قلق عظيم، فلم تقدر على الإقامة. وكان مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم، منزلاً له منزلته، ويعتقد وجوب أركان الإسلام، غير أنه يرى أنها تسقط عمن حصل له معرفة بربه بالأدلة التي يعتقدها، ومع ذلك، فكان مواظباً على العبادة في الخلوة والجلوة، والصيام، إلا أنه يصوم بما يقتضيه الحساب، ويرى أن القيام بالتكاليف الشرعية يقتضي زيادة الخير، وإن حصلت المعرفة، وكان يفكر طويلاً، ويقوم ويرقص ويقول:
يا قطوع من أفنى عمرو في المحلول ... فاتوا العاجل والآجل ذا البهلول
قال: فمرض فلم أصل إليه، ومات فلم أصل عليه، وسار إلى ساحة القبور، وصار إلى من " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " .
وأظن وفاته ي سنة خمس أو ست وعشرين وسبع مئة، قال لي: جماعة سنة خمس لا غير.
عبد القاهر بن محمد



ابن عبد الواحد بن موسى القاضي الأديب الخطيب الشافعي جمال الدين أبو بكر البخاري ثم التبريزي.
كان ذا شكالة وعمه، وحركات وهمه، أبيض اللحية نقيها، أحمر الوجنة ورديها، عليه قبول: وللنفس إليه تشوق وبه ذهول، مغرى بالأدب، موفر الهمة في تحصيله والطلب، يشعر مثل الصبا إذا هبت، والقطر إذا نبت، وينثر الدر من فيه نثراً، ويكتب الرقعة كأن صغرى وكبرى، لم تخرج تبريز مثل كلمة الإبريز.
تولى القضاء بسلمية وعجلون، وقضاء القضاة بصفد، وختم ذلك بقضاء دمياط، وأقام بها إلى أن جاءه الأمر الذي لا يدفع بالأعلاط.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده بحران سنة ثمان وأربعين وست مئة.
واشتغل ونشأ بدمشق، وتفقه للشافعي، وجاءنا قاضي القضاة إلى صفد في أيام قاضي القضاة جمال الدين الزرعي لما كان بدمشق، ولم يزل تلك المدة، إلى أن عزل وتولى القضاء جلال الدين القزويني، فعزله من صفد، ثم إنني رأيه بالقاهرة مرات، وولي قضاء دمياط مرات، وآخر عهدي به في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.


قال شيخنا الذهبي: قال فيما ذاكرني به، يعني القاضي جمال الدين التبريزي، قال: ماتت أمي بنت عشرين سنة، وكان أبي تاجراً ذا مال، فقدم بي إلى دمشق، وأنا ابن ست سنين فمات، وكفلني عمي عبد الخالق، ورجع إلى حران، وباع أملاكنا بثمانين ألفاً ورد بي، ثم قال لي يوماً: امض بنا، فمضى بنا نحو ميدان الحصا، وعرج بي فوثب علي وخنقني، فغشيت، فرماني في حفرة، وطم علي المدر والحجارة، فأبقى كذلك إلى أربعة أيام، فمر رجل صالح كان برباط الإسكاف عرفته بعد ثلاثين سنة، فبكر يتلو، ومر بجسرا بن شواش ثم إلى القطائع، فجلس يبول، وكنت أحرك رجلي فرأى المدر يتحرك، فظنه حية، فقلب حجراً، فبدت رجلي في خف بلغاري، فاستخرجني، فقمت أعدو إلى الماء فشربت من شدة عطشي، ووجدت في خاصرتي فزاراً من الحجارة، وفي رأسي فتحاً قال الشيخ شمس الدين: ثم أراني القاضي أثر ذلك في كشحه، ووضع أصابعي على جورة في رأسه تسع باقلاة ودخلت البلد إلى إنسان أعرفه، فمضى بي إلى ابن عم لنا، وهو الصدر الخجندي، وكان مختفياً بالصالحية، وله غلامان ينسجان ويطعمانه، اختفى لأمور بدت منه أيام هولاكو، وكتب معي ورقة إلى نسائه بالبلد، وكانت بنته ست البهاء التي تزوج بها الشيخ زين الدين بن المنجا، وماتت معه، هي أختي من الرضاعة، فأقمت عندهن مدة لا أخرج، حتى بلغت، وحفظت القرآن بمسجد الزلاقة، فمررت يوماً بالديماس، فإذا بعمي، فقال: ها جمال الدين، امش بنا إلى البيت، فما كلمته، وتغيرت ومعي رفيقان، فقالا لي: ما بك، فسكت وأسرعت، ثم رايته مرة أخرى بالجامع، فأخذ أموالي، وذهب إلى اليمن، وتقدم عند ملكها، ووزر، ومات عن أولاد.
وجودت الختمة على الزواوي، وتفقهت على النجم الموغاني، وترددت إلى الشيخ تاج الدين، وتفقهت بابن جماعة، وقرأت عليه مقدمة ابن الحاجب وعلى الفزاري، ثم وليت القضاء من جهة ابن الصائغ وغيره، ونبت يوماً بجامع دمشق عن ابن جماعة، فقيل له: إن داوم هذا راحت الخطابة منك، يعني لحسن أدائه وهيئته.
وجالسته مرات، وكان يروي عن الشيخ مجد الدين بن الظهير قصيدته التي أولها:
كل حي إلى الممات مآبه
انتهى ما ذكر الذهبي.
قلت: ولما كان بصفد، قرأت عليه ديوان خطبه سماه تحفة الألباء وأجازني جميع ما يجوز له أن يرويه، وفي هذه الخطب مواضع خارجة عن الصواب من اللحن الخفي، فكتبت عليها طبقة، وهي: قرأت هذه الخطب المسرودة على حروف المعجم من أولها إلى آخرها على مصنفها وكاتبها العبد الفقير إلى الله تعالى القاضي جمال الدين عبد القاهر بن محمد التبريزي الحاكم بصفد المحروسة، لا زالت الطروس توشي وتوشع بكلامه وأقلامه، وترصف وترصع بحكمه وأحكامه، ومحاسن أيامه ولياليه تنشا وتنشد، ودرر نظمه ونثره تنظم وتنضد، قراءة من غاص اللجة من بحر حبرها، وعلم قيمة المنتقى والمنتقد من دراريها ودرها، واستشف معانيها المجلوة في حبر حبرها، وصدق معجز آياتها، وما شك في خبر خبرها، واستجلى وجوه عربها وتوجيه إعرابها، وتحقق أن القرائح ما لها من طاقة على مثلها في بابها، وتنزه في حدائقها التي ضربت عليها أوراق الأوراق، واجتلى أبكارها الغر، فكانت حقيقة فتنة العشاق، فسرحت سوام الطرف فيما أرضاه من روضاتها، ورشفت قطر البلاغة مما زهي من زهراتها:
وتشنفت أذني بلؤلؤ لفظها ... وتنزهت عيناي في جناتها
وتأملت أفهامنا فتمايلت ... بترشف الصهباء من كاساتها
وكأن همز سطورها بطروسها ... ورق على الأغصان من ألفاتها
وكأنها وجنات غيد نقطها ... خال على الأصداغ من جيماتها
لله ما أطرى وأطرب ما أتى ... في هذه الأوراق من سجعاتها
لا غرو أن عقدت لسان أولي النهى ... عن مثلها بالسحر من كلماتها
فكتب هو إلي:
شرفت غرس الدين حين قرأت ما ... أمليت من خطب أجدت شياتها
فصاحة لو أن قساً حاضر ... لرآك تسبقه إلى غاياتها
يا فخر دهر أنت من بلغائه ... وعلا ليال أنت من ساداتها
خطبي التي أنشأتها ما أنت من ... خطابها فتجاف عن علاتها

عظمتها وبررتها وجبرتها ... وغفرت ما قد كان من زلاتها
فلأنت أكرم فاضل لما بدت ... لعيانه غطى على عوراتها
فاسلم ودم ما رنحت ريح الصبا ... أعطاف غصن الروض في هباتها
وأنشدني لنفسه في شبابة، وقد وجدتها فيما بعد في ديوان جوبان القواس بخطه:
وناطقة بأفواه ثمان ... تميل بعقل ذي اللب العفيف
لكل فم لسان مستعار ... يخالف بين تقطيع الحروف
تخاطبنا بلفظ لا يعيه ... سوى من كان ذا طبع لطيف
فضيحة عاشق ونديم راع ... وعزة موكب ومدام صوفي
فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في الكمنجا:
ما اسم إذا خفت هماً ... رأيت لي فيه منجا
يشدو بلحن عجيب ... حروفه ما تهجى
كم قد شجاك بصوت ... من الحمائم أشجى
إن لم يجئ لك طوعاً ... في الحل فهو كمن جا
فأعجبه ذلك وزهزه وطرب.
وأنشدني من لفظه لنفسه، قال: حضرت صحبة الملك الظاهر بيبرس حصار قلعة صفد، فصنعت هذه الأبيات:
إذا القلعة الشماء باتت حصينة ... وبات على أقطارها القوم رصدا
ترى منجنيقاً يذهب العقل جسه ... يغدرهم بين الأسرة همدا
إذا ما أراها السهم منه ركوعه ... تخر له أعلى الشراريف سجدا
وأنشدني لنفسه من لفظه كثيراً من شعره فمن ذلك قصيدة طويلة أولها:
أنت الممنع والمحجب ... إلا على من ليس يحجب
ومع البعاد فأنت من ... حبل الوريد إلي أقرب
سر بسيط ظاهر ... يختال في شبح مركب
عبد القوي بن عبد الكريم


القرافي الحنبلي الطوفي، نجم الدين الرافضي.
له مصنف في أصول الفقه ونظم كثير، وعزر بالقاهرة على الرفض لأنه قال:
كم بين من شك في خلافته ... وبين من قيل إنه الله
وهو الذي يقول في نفسه:
حنبلي رافضي ظاهري ... أشعري هذه إحدى الكبر
توفي ببلد الخليل عليه السلام سنة ست عشرة وسبع مئة.
ويقال إنه تاب أخيراً من الهجاء والرفض.
عبد القوي بن محمد



ابن جعفر الأسناي، نجم الدين المعروف بابن مغني وبابن أبي جعفر.
قرأ على الشيخ النجيب بن مفلح، والشيخ بهاء الدين بن هبة الله القفطي، وناب في الحكم، ودرس بالمدرسة العزية بقوص.
وكان طيب الخلق، ضحوك السن لو نظر إلى الأفق، كثير الرياضة. لا يدخل من الغيظ في مخافة ولا مخاضه، خفيف الروح إذا جالس، ظريف الإشارة إذا خالس، وكان محباً للسماع، لا يؤثر عليه شيئاً في الانتفاع، يكاد إذا سمع شبابة يطير طرباً، ولا يبلغ من اللذة أربا، وكان التزم أنه لا يبحث مع قاض، ولا يجيبه عن تقريرات ولا إنقاض.
ولم يزل على حاله إلى أن عقر سمعه وطفي من نور الحياة شمعه.
وتوفي رحمه الله تعالى بأسنا سنة ثمان وتسعين وست مئة.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: بلغني أنه وصى أن تخرج جنازته بالدفوف والشبابة، وتمنع النائحات والباكيات عليه.
عبد الكافي بن عثمان



الشيخ جمال الدين المعروف بابن بصاقة الحيسوب كان كاتباً متصرفاً، يعرف صناعة الكتابة الديوانية، وهو من قدماء الكتاب، وعمر وضعف.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية، وصلي عليه في جامع الأمير سيف الدين تنكز.
وكان حسن الأخلاق.
عبد الكافي بن علي



ابن تمام بن يوسف، الشيخ الإمام القاضي زين الدين، أبو محمد السبكي الشافعي، والد قاضي القضاة شيخ الإمام تقي الدين السبكي.
توفي رحمه الله تعالى تاسع شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في حدود سنة تسع وخمسين وست مئة.
هو من أهل سبك العبيد من الديار المصرية. تفقه بالقاهرة على السديد، والظهير، وقرأ أصول الفقه على الشيخ شهاب الدين القرافي، وناب في القضاء ببعض أعمال القاهرة عن قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق اليد، وتولى أخيراً قضاء المحلة الغربية، وأقام بها إلى حين وفاته.
وسمع من ابن خطيب المزة وغيره، وحدث.
وسمع منه ولده قاضي القضاة تقي الدين.


وخرج له أقضى القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي مشيخة.
وحدث بالقاهرة والمحلة ومكة والمدينة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب جزء الغطريف وقطعة من سنن أبي داود وشيئاً من نظمه، وتوفي بالمحلة، ونقلت من خطه له:
قطعنا الأخوة عن معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا
فماتوا على دين رسطالس ... ومتنا على ملة المصطفى
الألقاب والنسب


جمال الدين بن عبد الكافي: اسمه سليمان.
عبد الكريم بن حسن



الشيخ المسلك العارف كريم الدين الآملي، بميم بعد الألف الممدودة، ينتمي إلى سعد الدين بن حموية شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة.
كان إلى الأعيان محبباً، ولم يكن حظه منهم مخيباً، له في النفوس صورة كبيرة، وله أبهة في الصدور، كأنما ألبس منها حبيره، وعنده شيء يغطي جراجات باطنه بجبيره، وفيه أمور لا يدريها ولا يدريها إلا العقول الخبيرة، وهو من كبار القوم الذين خاضوا تلك الغمرات، وعظموا تلك المشاعر ورموا بها تلك الجمرات، وقالوا في خلواتهم:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات
وكانت له رياضات عديدة، ومفاوضات للصوفية مديدة.
وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية كثير الحط عليه، غزير النط - على رأي العوام - إليه.
حكى لي الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأكفاني، قال: دخل الشيخ كريم الدين مرة إلى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وتكلم زماناً طويلاً والشيخ ساكت، فلما خرج من عنده؛ قال للحاضرين: هل فيكم من فهم عنه تراكيب كلامه، لأني أنا ما فهمت غير مفرداته.
وقال شيخنا الذهبي: أثبت الصوفية فسقه من ستة عشرة وجهاً، وأخرج من الخانقاه، ثم أعيد، وتولى مكانه بعد موته قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة.
ولم يزل على حاله إلى أن خاب من الآملي أمله، ووافاه بالوفاة أجله.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة عشر وسبع مئة، وتولى عوضه الشيخ علاء الدين القونوي.
عبد الكريم بن يحيى



ابن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز، الشيخ الإمام القاضي تقي الدين أبو محمد بن قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل بن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي بن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن بن قاضي القضاة منتخب الدين أبي المعالي القرشي الأموي العثماني المصري، ثم الدمشقي الشافعي.
ولد بمصر ليلة عرفة سنة أربع وستين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وقدم من مصر إلى دمشق، وتفقه بها، وسمع من ابن البخاري وغيره، وولي مشيخة الشيوخ، ودرس بأماكن، وكان من رجال الدهر عزماً وحزماً وسكوتاً ودهاء وغوراً ومكارم وإفضال.
عبد الكريم بن عبد الرحمن



ابن عبد الواحد، نجم الدين بن صدقة الكاتب، ابن عم النفيس واقف النفيسية.
قال شيخنا الذهبي: خدم في جهات الظلم، وكان سمع من الرشيد بن مسلمة وابن عبد الدائم وطبقته، وحفظ التنبيه.
قتل: وتوفي رحمه الله تعالى بصافيتا سنة ست وتسعين وست مئة.
عبد الكريم بن عبد النور



ابن منير، الشيخ الإمام الحافظ مفيد الديار المصرية، قطب الدين أبو علي الحلبي، ثم المصري الشافعي المعروف بابن أخت الشيخ نصر.
حفظ القرآن وتلا بالسبع على أبي الطاهر إسماعيل المليجي صاحب أبي الجود، وتلاه بالسبع على خاله الزاهد الشيخ نصر المنبجي، وانتفع بصحبته، وسمع من العز الحراني، وغازي، وابن خطيب المزة، والقاضي شمس الدين بن العماد، وطبقتهم بدمشق والحرمين من طائفة.
وكتب العالي والنازل، وسمع من السامي والسافل، وخرج وجمع، ونفع وانتفع، وشرح من البخاري شطره، وأثبت في طرسه سطره، وعمل بمصر بالرجال، ومجال بالفقه بعض مجال، وحج غير مرة، وأحرز من الأجر كل ذرة، وروى الكثير، وهو في حجنب ما سمعه قليل، وجالد وحد عمره فليل.
ولم يزل على حاله إلى أن دارت رحا الموت على قطبه، ونزلت بأهله مصيبة خطبه.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد سلخ شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وستين وست مئة.
علق في تاريخه عن شيخنا الذهبي، وما عنده عنه إلا الإجازة، وكان يحبه في الله.

وكان فيه تواضع زائد، وحسن سيرة، ولعل أشياخه تبلغ الألف، وخرج لنفسه أربعين تساعيات.
وأخذ عنه المحدثون تقي الدين بن رافع، وابن أيبك الدمياطي، وعمر بن العجمي، وعلاء الدين مغلطاي، والسروجي، وعدد كثير.
وأنا في شك هل سمعت منه أو لا؟ ولكنه أجاز لي، وأجزت له ولأولاده، واجتمعت به عند الشيخ فتح الدين بن سيد الناس غير مرة.
عبد الكريم بن علي الشهرزوري


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعيان, مكتبة, التاريخ, العشر, النصر, وأعوان


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل يعيد التاريخ نفسه؟! ملكة الحب لوما التاريخ والآثار العربية والعالمية 0 08-15-2011 05:35 PM
قصة التتار زهرة الاصدقاء التاريخ الاسلامي 50 08-09-2011 11:06 PM
ابو بكر الصّديق رضي الله عنه سعدالدين امين الصحابه والتابعين والسلف الصالح 27 08-05-2011 08:04 PM
التحيز في كتابة التاريخ - المستشار طارق البشري الامبراطور - عين دالة مقالات وتقارير وملفات هامة 0 05-06-2011 02:50 AM
عجائب التاريخ مسافر بلاحدود التاريخ والآثار المصرية 10 09-03-2009 08:36 AM


الساعة الآن 08:02 AM.

converter url html by fahad7



الآراء المنشورة في المنتدى لا تعبر الإ عن وجهة نظر كاتبها شخصيا فردا فرداً وكلُ يتحمل مسؤولية ما يكتبه