التسجيل   اجعل كافة الأقسام مقروءة





إضافة رد
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية زهرة الاصدقاء
 
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195
قوة التقييم : زهرة الاصدقاء has a spectacular aura aboutزهرة الاصدقاء has a spectacular aura about
افتراضي مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر
انشر علي twitter

كُتب : [ 08-28-2011 - 05:47 AM ]


لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا  فقم بتسجيل دخول بعضويتك للمتابعة وإذا لم تكن  فيمكنك تسجيل عضوية جديدة مجانا ً ( من هنا )
اسم العضوية
كلمة المرور



l;jfm hgjhvdo : Hudhk hguwv ,Hu,hk hgkwv l;jfm hgjhvdo hguav hgkwv


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 05:53 AM ]


بن محمد بن أحمد

الشيخ برهان الدين، أبو إسحاق الواني.
بواو بعدا ألف ونون، رئيس المؤذنين بجامع بني أمية.
سمع من إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطي، وأيوب بن أبي بكر بن الفقاعي، وابن عبد الدائم.


كان شيخاً حسن الشيبة، ظاهر الوقار، والهيبة، مطاعاً في قومه، مراعى في التقديم عليهم في ليله ويومه. أضر قبل موته بسنوات، وفقد لفقد نظره من المرئيات الشهوات، وكان يطلع المئذنة ويؤذن بعد الجماعة وحده، ويؤدي الأذان بصوتٍ لا تذكر نغمةُ الأوتار عنده، والناس يقولون: هو يودع الأذان، ويودع الدر صدف الأذان.
ولم يزل على هذه الحال إلى أن رأى الواني من الموت ألوناً، وجاءه بعدما توانى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس سادس صفر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وصلي عليه ظهر الخميس بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير، وأجاز لي سنة ثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الخزرجي


البناني الدمشقي

الشيخ الصالح العالم برهان الدين.
روى الحديث عن ابن عبد الدايم، وسمع من ابن النشبي، وابن أبي اليسر وجماعة، وكان من طلبة الشيخ يحيى المنبجي المقرئ.
انتقل إلى القدس، وكان إمام قبة الصخرة بالمسجد الأقصى. وتقدم له اشتغال كثير في الفقه. وكان يبحث ويناظر الفقهاء، ثم إنه تزهد، وصحب ابن هود مدة، وسافر معه إلى اليمن، وحج وعاد وأقام بدمشق مدة، ثم إنه عاد إلى القدس، وأقام به سنين إلى أن مات، رحمه الله تعالى، في يوم الأحد خامس شعبان سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد



الفقيه الفاضل برهان الدين المصري كان شاباً، لم يكمل الثلاثين. توفي في نصف شهر رمضان سنة خمس عشرة وسبع مئة، ودفن بمقابر الباب الصغير.
وذكر أنه حفظ الوسيط، وعرض منه نحو النصف، وحفظ أربعين الإمام فخر الدين الرازي.
أقام بالمدرسة الظاهرية مدة، وكان يلازم النسخ والاستنساخ.
إبراهيم بن محمد بن عيسى الأمير شمس الدين بن الأمير الكبير بدر الدين بن التركماني.
سمع الحديث، وحج وتوفي بالقاهرة بداره جوا باب البحر في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان فيه مروءة ومكارم أخلاق، وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب.
إبراهيم بن محمد بن يوسف



القاضي جمال الدين الحسباني يضم الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، وباء ثانية الحروف، وألف ونون.
نائب الحكم العزيز بدمشق لقاضي القضاة تقي الدين السبكي.
لما توفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة عن نيف وثمانين سنة، صلى نائبُ الشام الأمير علاء الدين المارداني عليه.
كان شديداً في أحكامه، سديداً في نقضه وإبرامه، ولا يراعي ولا يداهن مخلوقاً، ولا يعرف من كان مرموقاً بالأبصار أو موموقاً، قد تلبس بالصلابة، وتأنس بالتصميم دون اللين، فلا يجيب من دعا به إلى دعابة، وكان قاضي القضاة يعتمد في الأحكام المعضلة على حكمه المسدد، وتحقق أنه تفرد في عصره بهذا الخلق، وتفرد، إلى أن جاء الحسباني، ما لم يكن في حسابه، وانفرد بعمله تحت الأرض وخلا به ولم يخلف مثله، ولا من استظل بأنه وأثله، رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن محمد بن ناهض



الشيخ الإمام الأديب تقي الدين أبو إسحاق المعروف بابن الضرير - تصغير ضرير - الحلبي.
كان إمام الفردوس بحلب، ومعه أيضاً وظيفة في البيمارستان الذي أنشأه الأمير سيف الدين أرغون الكاملي بحلب. وهذا تقي الدين كان أديبَ حلب، وأحد من امترى أخلاف الأدب وحلب. وأهدى إلى بني الزمان نفائس القريض وجلب، وسلب الذهن بعبارته الفصحى وخلب. وجد في جمع الدواوين وكتبها، وذهبها بخطه وهذبها. كتب ما لا يحصى، ونقب عن مصنفات أهل عصره واستقصى.
ولم يزل يكتب ويجمع، ويسمو بهمته إلى تحصيل ما يسمع، إلى أن فتح الموت لابن الضرير عينيه، وخر صريعاً لليد والفم بين يديه.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبع مئة. ومولده أول سنة 695ه.
كان هذا تقي الدين أديب حلب، ومأوى من يرد إليها من الشعراء والأدباء الغرباء.
كبت بخطه شيئاً كثيراً من كتب الأدب ومصنفات أهل عصره، وكان له ذوق في الأدب، ويحفظ شعراً كثيراً للمقدمين والمتأخرين. ولم أسمع له نظماً.
ولما وردتُ إلى حلب في سنة ست وخمسين وسبع مئة كتب بخطه من تصانيف توشيع التوشيح، وكتاب نصرة الثائر على المثل السائر، وغير ذلك، وسمع كتابي الروض الباسم وغيره. وعلى الجملة كان فريد زمانه في بابه.
ورثاه علي بن الحسين الموصلي بقوله:


يا ابن الضرير كم عينٍ أضر بها ... مرآك فوق سرير الموت محمولا
قضيتَ عمرك في الفردوس مشتغلاً ... ومذ قضيت إليه كنت منقولا
إبراهيم بن محمود بن سلمان


بن فهد الحلبي

القاضي الرئيس الكاتب البليغ جمال الدين أبو إسحاق كاتب السر الشريف بحلب، أحد من كتب المنسوب الفائق، وأبرزه وهو أتقى من الأحداق، وأنقُ من الحدائق، كأنه طروسه خمائل، وسطوره أعطافُ غيد موائل، لا يشبع الناظر من تأملها، ولا تشكو القلوب من تحملها وتجملها، وإلى أخلاقٍ يتعلم منها نسيم الصبا، وتثني عليها النفحاتُ من زهر الربا، ومفاكهةٍ ألذ من مسامرةً الحبيبِ، وأشهى من التشفي بأذى الحسود والرقيب.
وكان يستحضر كثيراً من شعر المتأخرين، وتراجم أهل الآداب والصلاح من المعاصرين، وله نظم يروق ونثر يفوق.
ولم يزل يتولى ويعزل من كتابة السر، ويفعل ما تصل إليه مقدرته من البر، إلى أن حل به الحين، واتخذ له من باطن الأرض أين.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم عرفة سنة ستين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبعين وست مئة في شعبان.
وكان قد توجه مع والده إلى الديار المصرية، وباشر هناك كتابة الإنشاء، وسمع من الأبرقوهي وغيره في ذلك العصر، وكان القاضي علاء الدين بن الأثير يألف به ويأنس ويركن إليه، ولما عزل القاضي عمادُ الدين بن القيسراني من كتابة سر حلب: جهز القاضي جمال الدين إليها، فأقام بحلبَ قريباً من ست عشرة سنة، وعزله الملك الناصر محمد بن قلاوون بتاج الدين ابن زين.
حضر في واقعة لؤلؤ مع الحلبيين سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وطلب إلى القاهرة، ورسم عليه في دار الوزارة مُدة مديدة، ثم أفرج عنه.
ولما توجه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى إلى مصر في بعض سفراته، طلبه من السلطان، فرتب في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، وصاحب الديوان إذ ذاك ابن أخيه القاضي شرف الدين أبو بكر، فأقام بها إلى أن عزل ابن أخيه، وعزل هو بعزله، فأقام في بيته بطالاً إلى أن طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، فتوجه إليها، فأقام هناك بطالاً في سنة ثمان وثلاثين وما بعدها إلى أن توفي صلاح الدين يوسف بن عبيد الله فرتب عوضه في كتاب الإنشاء بمصر، وسلم إليه القاضي علاء الدين بن فضل الله ديوان الإنشاء بمصر، فكان ينوبه في ذلك، ثم إنه رتب في توقيع الدستِ قُدام السلطان، وقدام النائب.
ولما تلوى القاضي ناصر الدين بن يعقوب كتابة السر بدمشق في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، رسم للقاضي جمال الدين بعوده إلى كتابة سر حلب، فتوجه إليها مرة ثانية، ولم يزل بها إلى أن عزل بالقاضي زين الدين عمر بن أبي السفاح في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ورتبَ له ما يكفيه، ثم عزل ابن السفاح بالقاضي شهاب الدين الشريف، فأقام قليلاً، وعزل في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأعيد القاضي جمال الدين إلى كتابة سر حلب ثالث مرة، ولم يزل بها وابنه القاضي كمال الدين محمد يسد الوظيفة إلى أن عزل القاضي بدر الدين محمد ناظرُ الجيش بحلب، وهو ابن القاضي جمال الدين. وطلب هو ابنه وابن أخيه إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فرسم بعزله عن كتابة السر، ورتب له في كل شهر مبلغ خمس مئة درهم، ورسم لي أنا بالتوجه إلى كتابة سر حلب مكانه، وأقام هو في بيته على راتبه إلى أن توفي رحمه الله تعالى فكتبت أنا إلى ولده القاضي كمال الدين محمد إعزيه فيه:
مضى من كان للدنيا جمالاً ... فعزوا في مصيبته الكمالا
كمال الدين لا تجزع وسلم ... لأمر شاءهُ الباري تعالى
أبوكَ مضى ولم نعرف نظيراً ... لهُ فيما حواهُ ولا مثالا
تعالى في مناصبه ولكن ... تواضع عند ذاك وما تعالى
وكان له إلى الفقراء ميلٌ ... أنا لهم به جاهاً ومالاً
فما عرفوا سؤالاً منه إذ لم ... يكن من غيره لهمُ سوى لا
فما يوماً نوى لا في نداهم ... وبرهم وأولاهم نوالا
وما مالاً على أحد رآه ... عليه الدهرُ قد أخنى ومالا
وكم والى أخا ضعف وفقر ... وأولاه المبرة ثم والى


بود ما تغير قط يوماً ... على من يصطفيه ولا استحالا
ولطفٍ كالنسيم أتى رياضاً ... فهب على أزاهرها شمالاً
وعمر مدة يروي حديث ال ... رسول وكأن ذاك له اشتغالا
وكم من سيرة للمصطفى قد ... تأنق في كتابتها وطالا
أبرزها كخودٍ في حلي ... تهاوت في تثنيها دلالا
وما بالي بصربٍ أو بعزل ... ولم يشغل له في ذاك بالاً
توكل في الأمورِ على إله ... يدبر شأنه حالاً فحالا
تولى السر في حلبٍ زماناً ... فما احتاجت جلاداً أو جدالاً
وأغني الجيش عن حركات غزو ... لما ركبوا السهولة والجبالا
ووفرهم فما هزوا رماحاً ... ورفعهم فما سلوا نصالا
وكم قد ساس في سيس أموراً ... رأى تكفورها فيها الخبالا
فينظر يقظة خيلاً ورجلاً ... وتغروه مهابتهم خيالاً
برأي كالحسام الغضب ماض ... أفادته تجاربه صقالاً
وخط لو رآه الزهر غضاً ... لجود تحت أحرفه مثالا
ونثر تكرعُ الأسماع فيه ... على ظمأ فترشفه زلالا
وكم نظم ترقرق في انسجام ... فلولا الطرس يمسكه لسالا
فل نر مثل هاتيك السجايا ... ولا أزهى ولا أزكى خلالا
أفاض الله من كرم عليه ... مدى الأيام رحمه سجالاً
وكتبتُ مع هذه الأبيات نثراً ذكرته في الجزء السادس والأربعين من التذكرة لي.
وكتب هو إلي لغزاً، وأنا وهو في القاهرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة:
إن اسم من أهواه تصحيفه ... وصفٌ لقلب المدنف العاني
وشطره من قبل تصحيفه ... يقاد فيه المذنب الجاني
وإن أزلت الربع منه غدا ... مصحفاً لي منه ثلثانِ
وهو إذا صحفته ثانياً ... اسم المحبوب لنا ثاني
فكتبتُ أنا الجواب إليه عن ذلك وهو في غلبك:
لعزك يا من رؤيتي وجهه ... تكحل بالأنوار أجفاني
هذي ضميري لحمي حله ... وأيد القول ببرهاني
إن زال منه الربع مع قلبه ... فإنه للمذنب الجاني
عليك تصحيفُ الذي رمته ... فالقلب في تصحيفه الثاني
ويبني وبينه محاورات ومكاتبات ذكرتها في كتابي ألحان السواجع
إبراهيم بن هبة الله بن علي


القاضي نور الدين الحميري الإسنائي الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً أصولياً ذكي الفطرة.
أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين هبة الله بن عبد الله القفطي، والأصول عن الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأصبهاني، والنحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس وصنف في الفقه والأصول والنحو.
ولي القضاء بأقاليم منها قوص، وأسيوط، وإخميم، وولي منية زفتا ومنية ابن خصيب في أوائل عمره. وابتداء أمره.
وكان حسن السيرة في حكمه، مرضي السيرة في طيشه وحلمه. طلب منه كريم الدين الكبير مالاً من زكاة حاصل الأيتام، ودفع شيء من ذلك ليستعين به على تلك المهام، فلم يعطه شيئاً، وقال: العادة جرت بأن نصرف ذلك إلى الفقراء دون غيرهم، ومتى عدلنا به عنهم قصصنا جناح طيرهم. ولما عاد كريم الدين إلى القاهرة بالغ في أمره مع قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وبذل في صرفه جهد الاستطاعة، فما وافق على عزله، ولا نقض برم غزله، إلا أنه صُرف بعد ذلك بمدة وحضره إلى القاهرة، وأقام بها لأمرٍ ما أطاق رده.
وكان قد قرأ على الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفوني الجبر والمقابلة، ومن هذا النوع وما عادله، وقرأ الطب على شهاب الدين أحمد المغربي، واختصر الوسيط للغزالي، وصحح ما صححه الرافعي على التوالي، وشرح المنتخب في الأصول، وقرب المدخل إليه والوصول. ونثر ألفية ابن مالك وشرحها، وجعل فيها إطلاق الأذهان ومرحها.


ولم يزل بالقاهرة مقيماً بعد صرفه، وصبر قلبه على الأذى وغض طرفه، إلى أن حدث بعنقه طلوع، عدم معه الهجوعَ، ففارق أترابه، واستجن ترابه، ووصى للفقراء بشيء من ماله، وختم بذلك صالح أعماله، ووقف وقفاً على جهة البّر، وتقرب بذلك إلى عالم السر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
إبراهيم بن أبي الوحش


ابن أبي حليقة، علم الدين بن الرشيد.
رئيس الأطباء بمصر والشام.
عين، وهو نصراني قبل أن يُسلم، أن يكون بطريكاً للنصارى بمصر، فما وافق على ذلك، وأسلم.
كان المذكورُ يشارك في فنون الأدب، وينسل مع من نسل إليه من كل حدب. وهو الذي عمل شراب الورد الطري بالشام، ولم يعهد ذلك قبله على مرور الأيام.
ولما مرض الظاهر بيبرس بالخوانيق لازمه علم الدين في مرضه، وأتى إليه بما كان فوق غرضه، فاتفق نضج الألم الناتئ في حلقه، ولم يجسر أحدّ يمدّ يده غليه لشراسة خُلقه، فمدّ علم الدين يده إلى فيه، وأدخلها، وقرص الورم، فانفجر لوقته، وخرجت المواد التي حار اللبيب في وصف ألمها ونعته، فعوفي السلطان من ألمه المبرح، ووهبه الأمراء شيئاً يطول في ذكره الشرح، فما سمحت نفس السلطان له بمجموع ما وهب، وخصه ببعض ذاك الذي حصل ونهب، وشال الباقي إلى الخزانة، وقال: خروج هذا خفة وعدم رزانة.
ولم يزل علم الدين على حالته إلى أن نزلت به مصيبة ما لها علاج ولا رقى، ونزل حفرة لا يجد له منها مرتقى.
وقيل: إن تركته بلغت ثلاث مئة ألف دينار، وهذا أمر تجاوز الحد والمقدار.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
إبراهيم بن لاجين بن عبد الله



الشيخ الإمام العالم الفاضل البليغ برهان الدين الأغري، بفتح الغين المعجمة، الرشيدي الشافعي، خطيب الجامع الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر بك بحكر جوهر النوبي بالقاهرة.
أخذ القراءات عن الشيخ تقي الدين - الصائغ، والفقه عن الشيخ علم الدين العراقي، والأصول عن الشيخ تاج الدين الباربناري، والفرائض عن الشيخ شمس الدين الرواندي، والنحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، العلم العراقي، وأثير الدين أبي حيان، والمنطق عن سيف الدين البغدادي. وحفظ الحاوي والجزولية والشاطبية، وأقرأ الناس في أصول ابن الحاجب وتصريفه وفي التسهيل. وكان يعرف الطب والحساب وغير ذلك.
ولخطبته في النفوس تأثير، وللدموع لها على الخدود جري وتعثير، ترق له القلوب القاسية، وتتذكر النفوس الناسية. وعلى قراءته في المحراب مهابة وفصاحة، ولها إلى الجوانح جنوح وفي الجوارح جراحة. لم أرَ في عمري مثل اتضاعه على علو قدره، ولا رأيت ولا غيري مثل سلامة صدره. مطرح التكلف، راضٍ بالقعود عن الدنيا والتخلف، يحمل حاجته بنفسه، ولا يحتفل بمأكله ولبسه.
تخرج به جماعة وانتفعوا، ورد بمواعظة أهل الجرائم عن طريقهم واندفعوا.
وعرض عليه سنة خمس وأربعين وسبع مئة قضاءُ المدينة الشريفة وخطابتها فامتنع، وانخزل عن قبول ذلك وانجمع.
وله نظم إلا أنه ما أظهره، ولا كلف خاطره أن يؤلف جوهره، إما عدم رضى بما يأتيه منه، أو تورعاً عن قبوله ونفوراً عنه.
ولم يزل على حاله في أشغاله الطلبة، والإمامة والعمل على ما فيه خلاصه يوم القيامة، إلى أن سار إلى الآخرة، وصار بالساهره.
وكانت وفاته بالقاهرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وقلت أرثيه:
ملتُ بعدَ البرهان للتقليد ... في انسكاب الدموع فوق الخدود
ما أنا واثقاً بتسفاح دمعي ... خان صبري الأمينُ بعد الرشيد
كيف لا تسفح الدموعُ على من ... كان للطالبين خير مفيد
قال لما احتواه طاعونُ مصر ... كم قتيل كما قتلتُ شهيدِ
فهو في قبره مع الحُور يلهو ... ببياض الطلى وورد الخدود
ما تملت جفونهُ ببدور ... قبلها في براقع وعقود
يا عذولي على تعذر صبري ... في مُصاب عدمتُه في الوجود
كان إن قام في الأنام خطيباً ... علم الناس كيف نثر الفريد
ثم أجرى الدموع خوفاً ولو ... أن قلوب العُصاةِ من جلمود


بكلام مثل السهام مصيبا ... تٍ تشقّ القلوبَ قبل الجلود
حزنَ مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
ما على زهده وفضل تقاه ... علومس قد حازها من مزيد
أيها الذاهبُ الذي نحن فيه ... في لظى وهو في جنان الخلود
لا ترع في المعاد حيث وجوه ... الناس فيه ما بين بيض وسود
لك في موقف القيامة وجهّ ... يخجل البدر في ليالي السعود
وثناءً كأنما ضُربَ العن ... بر فيه بماء وردٍ وعود
قنتعت أنفسُ البرية إذ غبت بع ... يش مُعجل التنكيد
فسقى الله تربة أنت فيها ... كل يوم مضي سحائب جُود
إبراهيم بن يونس


ابن موسى بن يونس بن علي الغانمي البعلبكي.
رحل وسمع وعلق وكان جيد القراءة فصيحاً، حسن الود صحيحاً.
سمع بالبلاد أشياخ عصره، وعلق الفوائد وغيرها من أهل مصره، وارتحل إلى الحجاز، وسمع هناك وفاز، وجاور بمكة، وكتب بها من الفوائد شكه.
ولم يزل على حاله إلى أن حل به غريم أجله، وقابل مهله بعجله.
توفي، رحمه الله تعالى، في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. نقلت من خطه له:
قال لي العاذلُ يوماً: ... أنت بدري حنيني
قلت: لا، قال: فمصري، ... قلت: لا، إني حُسيني
إبراهيم بن يحيى



ابن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الشيخ الفقيه الإمام المحدث عمادُ الدين أبو إسحاق البصروي، ثم الدمشقي الحنفي.
قرأ القرآن وسمع الحديث في سنة ثلاث وسبعين وست مئة وبعدها. وقرأ على الشيوخ كثيراً من الكتب والأجزاء، وكان مشهوراً بحسن القراءة.
ومن شيوخه: ابن عبد الدايم، وابن أبي اليُسر، وأيوب الحمامي، ومظفر بن الحنبلي، وابن النشبي، ابن عبد.
قال شيخنا علم الدين: وجمعت له مشيخة عن نحو ثمانين شيخاً.
ثم إنه بعد ملازمته الطلبة والاشتغال بالعلم، ودخل في الجهات الديوانية، وخدم بديوان الحشر، ومهر في ذلك، وحصل أموالاً، ثم إنه رأى رؤيا أوجبت له التوبة والإقلاع، فحج وترك الديوان، ولازم المسجد والتلاوة، وبقي على ذلك نحو عشرين سنة، وحصل له صمم، وقوي به، فكان لا يسمح إلا بمشقة، وكان يحدث من لفظه.
ومما قرأه صحيحُ مسلم والترغيب والترهيب على ابن عبد الدايم وغير ذلك.
ومما انفرد به أنه قرأ الكافية الشافية على ابن مالك.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة خمس وأربعين وست مئة.
إبراهيم بن يوسف



القاضي الرئيس المؤتمن أمين الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية.
كان متصفاً بالأمانة المفرطة، ملتحفاً بالعفة التي من لم يطلع على أمره يعتقد أنها مغلطة.
حاول السلطان الملك الناصر محمد أن يأخذه من أستاذه مرات، وتحيل عليه بأنواع من وعود الإحسان والمبرات، فما وافق مخدومه، ولا هو على ذاك، وتحيد جهده، وتحيل، ولم يقع في تلك الأشراك.
وكان كاتباً خبيراً، عارفاً بأمور الديوان بصيراً، وعنده مشاركة في علوم، وممارسة لما يتصف به أهل العلوم والفهوم، وفيه سكون مفرط وعدم رهج، وانجماع سلك به في الدهر فرد نهج، وله عبارة إذا ترسل، ومقاصدُ بليغة بها يتوصل إلى مراده ويتوسل، ما خدم عند أحد إلا وسلم إليه قياده، ورأى أن بيده صلاحه وفساده.
ولي نظر الجيوش بالديار المصرية في أيام الملك الصالح إسماعيل، فباشره بقعدد وسكون، وتقرر في ذهن أولياء الأمر أنه مهما رآه هو الذي يكون. وكان محظوظاً في خدمه، والسلام والأمانة، نعم العونُ لأرباب السيوف والأقلام.
ولم يزل إلى أن بلغ نهاية أمده، وتفرد في قبر بمعتقده.
وتوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة.


وكان في أول أمره يكتب عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بدمشق، ولما توجه إلى مصر أخذه معه، وهناك أسلم، وكان أولاً سامرياً، وكان يميل إلى عقله، ويعتمد إلى تصريفه، ولما أمسك الحاجب أخذه الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار الناصري، فمال إليه، واعتمد عليه، ولما مات أرسلان أخذه الأمير سيف الدين طشتمر حمصّ أخضر عنده، فدخل إليه وعلى الأمير جملة من الديوان فما كان عن قليل حتى وفى ديونه وجعل في خزانته جملة من الحاصل، فأحبه وزاد في تعظيمه وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة صفد أراد عوده إليه، فتعذر ذلك، ودخل طشتمر إلى السلطان، وسأله في إبقاءه عنده، فرسم له بذلك، ولكن بقي أمين الدين. يتردد إلى باب الحاجب كل قليل، وما جسر على مقاطعته، وأراد السلطان الملك الناصر مراتٍ أن يأخذه ويستخدمه في نظر الدولة أو غير ذلك من الوظائف، فيدخل طشتمر على الخاصكية المقربين في ذلك، فيسألون له السلطان في ذلك، وكان طشتمر ما يفارقه، ولما أخرج لنيابة صفد أخذه معه. ولما توجه إلى حلب أخذه معه. ولما دخل البلاد الرومية أخذه معه إلى الروم. ولما عاد منها عاد معه إلى مصر، ولما مات طشتمر رحمه الله طلبه الأمير سيف الدين قماري أخو بكتمر الساقي، وكان في الأيام الصالحية أستاذ الدار فأقبل عليه إقبالاً زائداً، وعظمه، ولما مات جمال الكفاة، ولاه الصالح إسماعيل نظر الجيش، فأقام فيه إلى آخر أيام الصالح. ثم إنه حضر إلى القدس وأقام به، وأوقف عليه قرية تعمل في السنة بمبلغ، وحضر في أثناء ذلك إلى دمشق، ثم توجه إلى القدس. وأقام به، ولما أفرج عن الأمير سيف الدين شيخو، وأعيد إلى مكانه، طلبه إلى مصر، وجعله ناظر ديوانه، وكان عنده في الذروة من الوجاهة، واستمر عنده إلى أن مات رحمه الله في التاريخ، والله أعلم بسريرته، فإنّ الناس كانوا يتهمونه في دينه.
وكتبت إليه وأنا بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة أتقاضاه نجاز منشور بإقطاع لابن أختي:
عجب الناس إذ جعلتُك قصدي ... دُون قومٍ ما فضلهم بمبين
قلت رأي الرشيد للخير هادٍ ... إذ غدا واثقاً بخير أمين
إبراهيم القاضي جمال الدين


جمال الكفاة

ناظر الدولة والجيوش والخاص، وهو ابن خالة القاضي شرف الدين النشو، والنشو هو الذي استسلمه واستخدمه مستوفياً في الدولة، ثم إنه استخدمه عند الأمير سيف الدين بشتاك الناصري، فلبث عنده مدة، ثم إن الناس رموا بينه وبني ابن خالته النشو، فوقعت بينهم المعاداة الصعبة على سوء ظن من النشو وزيادة توهم، ولم يزل الأمير بينهما إلى أن أمسك النشو، ومات هو وجماعته تحت العقوبة على ما سيأتي في ترجمته.
وتولى جمال الكفاة نظر الخاص ونظر الجيش، ولم يتفق ذلك قبله لغيره، ولم يزل في عز وجاهٍ وتمشيةِ حالِ مخدومه بشتاك إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وولي الملك ولده أبو بكر، وخلع وولي الأشرف كجك، وخلع وهو على حاله، وأحبه قوصون، وبالغ في إكرامه، ثم حضر الناصر أحمد من الكرك، واستمر به على حاله، وأخذه معه إلى الكرك، وأقام عنده، فلما تولى الملك الصالح إسماعيل وهو في الكرك بقي مدة ووظيفتاه ليس بهما أحد، فتولى مكين بن قروينه الجيش، وبقي أخو جمال الدين - الكفاة - في الخاص يسده إلى حين حضور أخيه، فلما حضر جمال الكفاه من الكرك تسلم وظيفتيه في الجيش والخاص، وبقي كذلك مدة وأضيف إليه نظر الدولة أيضاً، وصار هو عبارةً عن الدولة، ثم إنه أمسك وحمل شيئاً من الذهب تحت الليل وأفرج عنه، وخُلع عليه، وأعيد إلى وظائفه، ثم إنه أمسك، وفعل كالمرة الأولى، ثم أخرج عنه، وأعيد، وتمكن من السلطان الملك الصالح إسماعيل، وعظم عنده، وكتب له الجناب العالي، ولم يكتب ذلك إلا للوزير، ثم رسم له بإمرة مئة، وتقدمة ألف، وأن يلبس الكلوته، ويلعب الكرة مع السلطان في الميدان، فما كان إلا وهو في هذا الشأن، هل يقبل ذلك أو لا حتى عمل عليه، وأمسك هو وجماعة من مباشري الدولة، فتوهمها كالواقعة التي قبلها، فقتل هو بالمقارع وولده إلى أن مات هو تحت العقوبة، ورموه بأمورٍ الله أعلم بصحتها من فسادها.


وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي كاتباً، ومدة مباشرته الخاص وما معه ست سنين.
وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي كاتباً، ومدة مباشرته الخاص وما معه ست سنين.
وكان رحمه الله تعال حسن الشكل، مليح القامة، حلو الوجه ظريف العمامة، يتحدث بالتركي جيداً، ونم في ذلك اللسان عن فصاحته متحيداً، وما كتب أحدٌ أقوى من علامته ولا أكبر ولا أحسن، ولا أقعد من حروفها ولا أمدّ ولا أمتن، بزته مليحة، وعبارته فصيحة، وفكرته متسرعة، وخبرته عن صحة ذهنه متفرعة، وشجاعته بالإقدام متدرعة، وهمته عن الرذائل متورعة، مع لطف عشرة، وظرف تنديب يرقص إذا أبدى بشره، يحب الفضلاء ويدنيهم، ويعينهم بالجود ويغنيهم، يقضي أشغالهم، ويحمل أثقالهم، وكان يولعُ بفن التصحيف، ويأتي فيه بالرائق الظريف، قال يوماً ونحن جلوس في دار ابن خالته، وهو ما هو في عظمته وجلالته، وقد جرى تصحيف عجيب، بين مبتدي ومجيب، فقال لي: هو بحبل يشنق، فما مرت بأذن أحد إلا وأطرق، وغاص في بحرها واستغرق، وقمت أنا إلى الطهارة لقضاء ما لا بد منه، ولا غنى لكل أحد عنه، وخاطري بما قاله متعلق، وبرقُ فهمها غير متألق، وفي ذهابي ملتُ إلى قلبها وتصحيفها فظهرت لي فائدة تأليفها، فعدت إليه قبل ذهابي ملتُ إلى قلبها وتصحيفها فظهرت لي فائدة تأليفها، فعدت إليه قبل ذهابي، وأسرعت إيابي، وقلت له ما ظهر لي في حلها، وسقيته من وبلها وطلها. فقال: يا مولانا! كنت صبرت إلى أن قضيت شغلك، وأتيت بما وسع فضاك وفضلك. فقلت: حلاوة الفهم، أذهلتني عن رشق هذا السهم.
وكان جمال الكفاة رحمه الله تعالى في آخر أمره، ونفاسة قدره، قد سلك مسلك كريم الدين الكبير في اقتناء المماليك الأتراك، وأكثر من جباتها في العقود والأسلاك، قد تأنق في ملابسهم الفاخرة وتجديدها، وتحلية مناطقهم التي علائقها يطرب تغريدُها، ولما هلك تحت العقاب، وحمل فوق الجنوية على الرقاب، حزن لذلك أوداؤه وشمت بمصابه أعداؤه، وذلك في أوائل صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
وقلت أنا فيه:
عجبتُ من أمر جمال الكفاه ... وكونه راحَ ثمال العفاه
في ليلة زالة سعادته ... عنه إلى أن رحمته عداه
تكلمت أجنابه وهو ما ... يقول في آلامه غير آه
وكيف لا يصرخ من جنبه ... فتحه ضربُ الغواني شفاه
إبراهيم الحايك


وقيل: المعمار. وقيل الحجار، غلام النوري، عامي ظريف، وشاعر عري من حلل النحو والتصريف، لكنّ قريحته نظامة، وطباعه لبرود الشعر رقامة، له ذوق قد شب عمرهُ فيه عن الطوق، وتوريات تسير الثريا من تحتها وهي من فوق، واستخدام له إلى تحريك الأعطاف وهزها شوق، ونكتّ أدبيه ما يبلّ الفاضل منها غلة الشوق، ومقاصدُ غريبة أحسنُ من روق الشباب وما أحسنه من روق إلا أن اللحنّ الخفي يخونه في بعض الأماكن وهو قليل، وتصريف الأفعال يعرض عنه بلا دليل، أما إذا ترك وعامّيته في الأزجال والبلاليق، ونفض يده من القريض لم يكن له فيه تعاليق، فإنه أتي بالعجائب، ويركب في طريق الإعجاب، والإعجاز متون الصبا والجنائب، فما يلحقه في ذلك مجار، ولا يرهقه مُبار، ولا يطمع لاحق له في شق غبار، ولا أعلم له في ذلك نظيراً، ولا استجليت في سماء فنه مثله قمراً منيراً.
وكان فقيراً متخلياً، وأميراً في نفسه بالخمول متحلياً، يعرض عن الأكابر، ويعد أهل الدنيا عنده في أهل المقابر، قد لزم القناعة، وأرخى على وجه الصبر قناعة، فهو في باب اللوق سابق غير مسبوق، وفي ساحات المناشر سلطان من ينادم أو يعاشر، قد هذبه زمانُه، وأطلق في الراحة عنانُه، يكتفي بالبلاغ، ويجتزئ بما له في الحلق مساغ.
ولم يزل على عالم إطلاقه ووميض برقة وابتلاقه، إلى أن خرب من المعمار ربع الحياة، وعفر التراب محيّاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبعمئة، بعدما نظم في الطاعون قبل موته، وأنشد قبل فوته:
يا من تمنى الموتَ قم اغتنم ... هذا أوانُ الموت ما فاتا
يا من تمنى الموت قم واغتنم ... هذا أوان الموت ما فاتا
قد رخُص الموتث على أهله ... ومات من لا عمرهُ ماتا


وكان قد كتب إلي لما وردت القاهرة في خمس وأربعين وسبع مئة في زمن الملك الصالح إسماعيل قدس الله روحه:
وافى صلاح الدين مصراً فيا ... نعم خليل حلها بالفلاح
فليهنها الإقبالُ إذ أصبحت ... بالملك الصالح دارَ الصلاح
فكتبت أنا الجواب إليه:
خليلٌ في الشام هلال بدا ... وبدرُ إبراهيم في مصر لاح
ذا كامل من حيث ذا ناقص ... وذاك بُرهان وهذا صلاح
ومن شعره، وفيه لحن يسير:
وصاحب أنزلَ بي صفعةً ... فاغتظت إذ ضيع لي حرمتي
وقال في ظهرك جاءت يدي ... فقلت لا والعهد في رقبتي
ومنه:
ومُفنن يهوى الصفاعَِ ... ولم يكن إذا ذاك فني
ملكته عنقي الدقيق ... فراح ينخله بغبن
ما كان مني بالرضى ... لكنه من خلف أذني
لولا يد سبقت ... له لأمرته بالكفّ عني
ومنه:
أيري إذا ندبته ... في حاجة تنزل بي
قام لها بنفسه ... ما هو إلا عصبي
ومنه:
عاتبتُ أيري إذ جاء ملتثماً ... بالخزي من علقه فما اكترثا
بل قال لي حين لمته قسماً ... ما جزت حمام قعره عبثا
كيف وفيها طهارتي وبها ... أقلب ماء وأرفع الحدثا
وفيه:
لما جلوا لي عروساً لست أطلبها ... قالوا ليهنك هذا العرسُ والزينه
فقلت لما رأيت النهد منتفشاً ... رمانة كتبت يا ليتها تينه
ومنه:
قال لي العاذلون أنحلك الح ... ب وأصبحت في السقام فريدا
أإذا صرت من جفاهم عظاما ... أبوصلٍ تعود خلقاً جديدا
ما رأينا ولا سمعنا بهذا ... قلت كونوا حجارة أو حديداً
ومنه:
قسماً بما أوليتُ من إحسانه ... وجميله ما عشتُ طول زماني
ورأيت من يثني على عليائه ... بالجود إلا كنتُ أو ثان
ومنه، وفيه لحن وتحريف:
كلفي بطباخٍ تنوع حسنه ... ومزاجُه للعاشقين يوافق
لكن مخافي من جفاه وكم غدت ... منه قلوبٌ في الصدور خوافق
ومنه وفيه لحن ظاهر:
في خد من أحببته ... وردّ جني أجنه
وشامةٌ ذقت لها ... حلاوة في صحنه
ومنه:
لجّ العذول ولامني ... فيمن أحبُّ وعنفا
فهممت ألطمُ رأسه ... مما مُلئت تأسفا
لكنها زلقت يدي ... نزلت على أصل القفا
ومنه، وفيه عيب التضمين:
هويتُ طباخاً سلاني وقد ... قلا فُؤادي بعد مارده
محترقاً ولم يزل بالجفا ... يغرف لي أحمضَ ما عنده
ومنه:
قالوا تسبب في الجنائز واكتسب ... رزقاً تعيش به أجل حياة
فأجبتهم رداً على أقوالهم ... أرأيتم حياً من الأموات
ومنه:
شكوت للحب منتهى حرقي ... وما ألاقيه من ضنى جسدي
قال تداوي بريقتي سحراً ... فقلت يا بردها على كبدي
ومنه:
وقزاز يغازلني ... بحاشية لها رقه
أبيتُ مُسهداً منه ... أنير من جوى الحرقه
أسدي تحت طاقته ... كأني حارسُ الشقه
ومنه:
يا أغنياء الزمان هل لي ... جرائُم عندكم عظام
فضتكم لا تزال غضبي ... فلا سلامٌ ولا كلام
والذهب العينُ لا أراه ... عيني من عينه حرام
ومنه:
يا قلبُ صبراً على الفراق ولو ... روعتَ ممن بالبين
وأنت يا دمعُ إن ظهرت بما ... يخفيه قلبي سقطت من عيني
ومنه:
متى أرى المحبوبَ وافى بالهنا ... ونحن في دار ولا واش لنا
أي ثلاثُ ما لهن رابع ... مثاله الدار وزيدٌ وأنا
ومنه مواليا:
يقل لها زوجها لا تختشي من لوم ... ولا ققي كل من في الأرض وأنا الكوم
وأتسيبي وأطعميني أبقَ من ذا اليوم ... أنعس وأرقد ومثلي ما ترى في النوم

الألقاب والنعوت

الإبراهيمي: الأمير سيف الدين بلبان الإبراهيمي. توفي بحماة.
الأمير حسام الدين لاجين أمير: خازندار. توفي بالقاهرة.
الأمير علاء الدين طيبغا الإبراهيمي: توفي بصفد.
الأبلوج: الواعظ محمد بن عمر.
الأبرقوهي: الشيخ شهاب الدين المسند أحمد بن إسحاق.
ابن الأثير: عماد الدين إسماعيل بن أحمد، وشمس الدين سعيد بن محمد، وحفيده شمس الدين سعيد بن محمد، والقاضي علاء الدين علي بن أحمد، وكمال الدين محمد بن إسماعيل، وتقي الدين يحيى بن عبد الرحيم، وابن الأثير الواعظ، شمس الدين الحسين بن أسد. وابن الأثير الأرمنتي، علي بن عبد الرحيم.
أحمد بن إبراهيم



ابن عبد الضيف بن مصعب الصدر نور الدين أبو العباس الخزرجي الدمشقي.
قرأ القرآن على السخاوي، وروى الحديث عن التقي اليلداني، وكان نحوياً لغوياً أديباً، له فضائل وعمل اشتغال، وكان من أرباب الأموال.
كان فيه رئاسة وحشمة، وله في المكارم عزمة وهمة، وعنده قوة نفس وزعارة، وشمم سرى فيه من نفس الوزارة، وله أدب وقريض، وفضل عريض.
لم يزل في حاله، على صحته وانتحاله، إلى أن هانت من بان مصعب حياته، وتسلطت عليه من ثمرة الموت جناته.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
ومن شعره ما كتبه في كمال الدين بن النجار وكيل بيت المال:
وكنا عهدنا أرض جلق روضة ... بها الحسن يجري مطلقاً في عنانه
خشينا بها عين الكمال تصيبها ... فما زال حتى ساءها بلسانه
أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن



الشيخ القدوة عماد الدين بن العارف الواسطي الشافعي الصوفي نزيل دمشق.
لقي المشايخ وتعبد، ترك الرئاسة وتزهد، وقطع العلائق وتجرد، وكتب المنسوب حتى أخمل الحدائق، وأتى في طرسه بكل سطر على العقد فائق.
وكان يرتزق بنسخه، ويتبلغ منه بصيد فخه، ولا يحب الخوانق، ولا الاحتجاز ولو في دانق.
وتفقه للشافعي، ونظر في الروضة والرافعي، وكان عنده أدب يتحلى بقلائده وتتجلى محاسنه في فرائده، واختصر دلائل النبوة، والسيرة لابن إسحاق مع القدرة والقوة، وتسلك به جماعة، ألف الضراعة من الرضاعة، ونابذ الاتحادية وأرباب المعقول، وقال فيهم ما أحبّ أن يقول.
عاش بضعاً وسبعين سنة، وعينه من الانقطاع عن الدنيا وسنة، ولم يزل على حاله إلى أن التقمته الأرض، وأودعته بطنها إلى يوم العرض.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى عشرة وسبع مئة بالبيمارستان الصغير.
ومولده في سنة سبع وخمسين وست مئة بواسط، ومن شعره..
أحمد بن إبراهيم



ابن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن عاصم.
الإمام العلامة المقرئ المحدّث النحوي الحافظ المنشئ، عالم الأندلس.
طلب العلم في صغره، وتلا بالسبع على الشيخ علي بن محمد الشاري، صاحب ابن عبيد الله الحجري، وعلى إسماعيل بن يحيى الأزدي العطار صاحب ابن حسنون.
وسمع من سعد بن محمد الحفار، ويحيى بن أبي الغصن، وإسحاق بن إبراهيم بن عامر الطوسي - فتح الطاء - ، ومحمد بن عبد الرحمن بن جوير البلنسي، وإبراهيم بن محمد الكماد، والوزير عبد الرحيم بن عبد المنعم بن الغرس، وأحمد بن محمد السراج، المؤرخ أحمد بن يوسف بن فرتون، ومحمد بن أحمد بن خليل السكوني الكاتب، والقاضي محمد بن عبد الله الأزدي، والقاضي يحيى بن أحمد بن عبد الرحمن بن المُرابط، والحافظ أبي يعقوب المحساي، وطائفة سواهم.
قال لي العلامة شيخنا أثير الدين رحمه الله: كان يحرر اللغة، ويعلمني المنطق، يعني النطق بها. وكان أفصح عالم رأيته، وأشفعه على خلق الله تعالى.
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي فيما أخبرني به: من مسموعاته السنن الكبير للنسائي سمعه من أبي الحسن الشاري بسماعه من أبي محمد بن عبد الله الحجري عن أبي جعفر البطروجي سماعاً متصلاً بينه وبين المصنف ستة، وعني بالحديث عناية تامة، ونظر في الرجال، وفهم وأتقن، وجمع وألف. أخذ عنه أبو حيان وأبو القاسم محمد بن سهل الوزير، وأبو عبد الله محمد بن القاسم بن رمان، والزاهد أبو عمرو ابن المرابط وأبو القاسم بن عمران السبتي انتهى.


قلت: كان المذكور علامة عصره، وفريد دهره، ووحيد قطره. هو في القراءات عالمها الدرب، وبحرها الذي يبعث درة للمغترب.


وفي الحديث حافظه، وجامعه إذا رأى غيره وهو لافظه.
وفي أسماء الرجال جهبذها الناقد والساهر في شأنها وطرف النجم راقد.
والتاريخ قيم هذا الفن، وقانص ما سنح منه وما عنّ. وجمع تاريخاً ذيل به على ابن بشكوال في الصلة، وجعل النسخة بذلك إلى زمانه متصلة.
وفي النحو فريد فنونه المتشعبة، أفانينه المتلعبة، نظر فيه ودقق، وبحث وحقق، وحذف كثيراً من الفضول ومزق، وغاظ قلوب مناظريه وحرق.
وله مشاركة في أصولي الفقه والدين، وقوة نظرية فتت في عضد الملحدين.
وكان صباراً على محنه، واقفاً على أطلال الجلد ودمنه، يضحك تبسماً، ويشارك أصحابه في الخير مقسما، وعنده ورع زائد، وله عقل إلى الصواب قائد. ارتحل الناس إليه لاتساعه في العلوم، ومدّ باعه في المعارف التي من شبههُ فيها بالبحر فهو غير ملوم.
ولم يزل على هذه الطريق المثلى، وحقيقته الفضلى، إلى أن راحِ ل كان خبراً، وشارك قوماً على البلى صبراً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة. وقيل: في شهر رمضان سنة سبع وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وعشرين وست مئة.
أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا أبو حيان رحمه الله تعالى من قصيدة يشير إليه فيها:
جزى الله عنا شيخنا وإمامنا ... وأستاذنا البحر الذي عم فائده
لقد أطلعت جيان أوحد عصره ... فللغرب فخر أعجز الشرق خالده
مؤرخه، نحويه، وإمامه، ... محدثه جلت وصحت مسانده
إذا جاهلٌ يغشاه فهوُ مفيده ... وإن آمل يعشو إليه فرافده
أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن راجح


الإمام نجم الدين ابن الشيخ عماد الدين ابن القاضي نجم الدين بن الشهاب المقدسي الحنبلي، سبط الشيخ شمس الدين بن أبي عمر.
تفقه واشتغل، ودأب ولكن ما أتم العلم، وحصل له جنون، وانخراط بلا عقل في فنون، وكان يقف في الطرق، وينشد أشياء مفيدة، ويحكي أشياء قديمة وجديدة ويخالط الجد بالهزل، ويساوي بانحرافه بين الولاية والعزل، وينبسط على المرد الذين ما تدبجت خدودهم، لا تسيجت بآس العذار ورودهم، ويشحذ في كفه ويحط في فكه، ويجوز زغل ديناره على من يجهله من غير حكه.
وكان له تلاميذه وربون، وحربه زبون، ثم إنه يثوب إليه عقله، ويجلو شيفه من صدإ به صقله، فعل ذلك مرات، واعتمده كرات.
ولم يزل على ذلك على أن خنقته يد منونه، في وسط جنونه، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة عشر وسبع مئة.
ومولده في نحو سنتين وست مئة.
وهو أخو المفتي شمس الدين الحنبلي نزيل مصر. قال الشيخ شمس الدين: كان يأكل الحشيشة.
أحمد بن إبراهيم بن صارو



شهاب الدين أبو العباس البعلبكي، نزيل حماة.
طلب الحديث في الكبر، وسمع من المزي، وزينب، وأبي العباس الجزري، وعدة. وتلا بالسبع على الجعبري.
كان له ذوق في العلم، وطوق تحلى به من الحلم، وله شعر يظن أنه سحر. نزل بحماة. وجعلها بعد بعلبك حماه.
ولم يزل يتقلب مع دهره، ويتبرض بحلوه وبمره، إلى أن حل به الموت، ونزل به الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وسبع مئة بحماة.
ومولده سنة عشر وسبع مئة.
ومن شعره:...
أحمد بن إبراهيم



ابن عبد الغني شمس الدين قاضي القضاة الحنفي بالديار المصرية، المعروف بالسروجي.
كان فاضلاً في المذهب، يغير ذهنه على المعضلات وينهب، والعدول يلتفعون به، ويتمسكون بسببه، عدل جماعة، وأغناهم عن المجاعة. ولم يُسمع أنه ارتشى، ولا راقب جاها ولا اختشى، ذا همة وافرة، وكلمة على الحق متضافرة، له مشاركة جيدة في النحو والتصريف، يطرز بها دروسه، ويجلي بها في المحافل عروسه.
شرح الهداية في مذهبه شرحاً كبيراً، وحشاها من الفوائد لؤلؤاً نثيراً، ولكن ما كمله، ولا غشاه بالتتمة ولا زمله، وكان فيه سماحة، وميل إلى الجود ورجاحة.


درس بالصالحية، والناصرية، والسيوفية، والأركسية، والجامع الطولوني، وعزل غير مرة بالقاضي حسام الدين وأعيد، وزان بذلك صناعة الترديد، ولم يزل حاكماً إلى أن عاد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، فعزله لما في نفسه من القضاة، وأظهر لذلك عذراً، وإنما كان قد أسر أمراً في نفسه وقضاه، فتألم السروجي، وبات بليل من الهم دجوجي، وأظهر القناعة بتدريس الصالحية والإقامة فيها، ومنى النفس بالعودة، وتلا آيات تلافيها، فأخرجه ابن الحريري منها بالنقباء، وأشمت به قلوب الحسدة والرقباء، فزاد به الألم، ومرض فجف من حياته ريق القلم.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر بيع الآخر سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
أحمد بن إبراهيم الخطيب


شهاب الدين السنجاري

خطب بكفر مديرا.
سمع بمصر وبالثغر من أصحاب السبط، وحصل من ذلك درر السمط، وسمع بدمشق أشياء، وأدرك بذلك منزلة علياء، وله نظم جوده، وفضل تعوده.
لم يزل على حاله إلى أن ذوى عوده، وتقلصت من الحياة بروده.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في سن الكهولة ومن شعره...
أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء



الإمام المقرئ النحوي، المفيد البارع، الخطيب شرف الدين أبو العباس الفزاري الصعيدي الدمشقي الشافعي خطيب الجامع الأموي بدمشق.
تلا القرآن بثلاث روايات على السخاوي، وسمع منه كثيراً، وتلا بالسبع على غير واحد.
وأحكم العربية على مجد الدين الإربلي، قرأ عليه المفصل.
وسمع من عتيق السلماني، والتاج القرطبي، ونجم الأمناء عبد الرحمن، وابن الصلاح، وطائفة. ثم طلب الحديث بعد سنة ستين وست مئة، وأكثر عن ابن عبد الدايم والكرماني وابن أبي اليسر، وقرأ الكتب الكبار، وقرأ المسند على شيخ الشيوخ، وحدث بالصحيح بإجازته من ابن الزبيدي.
وولي مشيخة الرباط الناصري، ومشيخة التربة العادلية مدة.
وولي خطابة الجامع بالشاغور، ثم نقل إلى خطابة الأموي، وكان قرأ على الكراسي، وحدث بالسنن الكبير للبيهقي، وسمع شرح الشاطبية من السخاوي.
وقرأ عليه العربية الشيخ برهان الدين ابن أخيه، والشيخ كمال الدين ابن شهبة، والشيخ نجم الدين القحفازي، وتلا عليه الشيخ بدر الدين بن بصخان والشيخ محمد بدر الدين البالسي.
وكان مليح القراءة، ظاهر الوضاءة، عذب العبارة، لطيف الإشارة، حسن النغمة، يعد الناس سماعه نغمة، سريع السرد، يشهد له الذوق أنه في فنه فرد، محرر الألفاظ مجودها، معلى قدر الخطابة مسودها، عديم اللحن والتحريف، بصيراً بالنحو والتصريف، تخرج به جماعة صاروا بعده أشياخاً، وكانوا وهو في فريضته فراخاً، وله في التواضع أخبار، وفي الأسماع منه أسمار، ومع التودد المفرد، والكيس والدعابة، والخشوع والزهد والإنابة، وصدق اللهجة والمروءة التي يسمح فيها ببذل المهجة، ولم يزل على هذه السبيل المرضية إلى أن انجزم فعله، وانصرم فضله.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة خمس وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاثين وست مئة.
وكان قد باشر مشيخة دار الحديث الظاهرية في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبع مئة عوضاً عن الشيخ شرف الدين الناسخ.
أحمد بن إبراهيم



ابن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز، الفقيه الفاضل شهاب الدين بن محمد الجزري الشافعي.
حصل تحصيلاً جيداً، ولم يكمل الثلاثين سنة. وأكثر من المحفوظات في الفقه والأصلين والنحو وغير ذلك.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمع بقراءتي كثيراً من الحديث، وكان يحفظ أسماء مسموعاته وشيوخه، ويذاكرني بها.
توفي رحمه الله تعالى في شهر المحرم سنة سبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الآخر سنة سبعين وست مئة.
أحمد بن إبراهيم بن معضاد بن شداد



الشيخ شهاب الدين الجعبري.
توفي ليلة الجمعة خامس جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبع مئة. وصلي عليه بجامع الحاكم بالقاهرة، ودفن عند قبر والده ظاهر باب النصر.
أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن شرف



القاضي الإمام العالم الفاضل جمال الدين أبو العباس العثماني الديباجي الملوي المعروف بالمنفلوطي.

كان رجلاً مباركاً صالحاً خيراً. اشتغل وحصل، ولازم الطريقة الحميدة، وحج وجاور، ولما قدم الشيخ علاء الدين القونوي إلى دمشق قاضي القضاة، قدم معه، فولاه قضاء بعلبك، فأحسن السيرة في أهلها، فأحبوه ورأوا من عفافه وأمانته وديانته وصيانته ما لم يروه من حكم قبله، ثم إنه نقله إلى نيابة الحكم بدمشق، فباشرها إلى أن توفي، واستمر به قاضي القضاة علم الدين الإخنائي، فباشر ذلك أياماً يسيرة ومات. وباشر أيضاً إعادة الشامية البرانية، وجلس بالجامع الأموي للإشغال وسمع صحيح البخاري على الحجاز.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر جمادى الأولى سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثمانين وست مئة، ودفن بالصوفية.
أحمد بن إبراهيم بن فلاح


بن محمد بن حاتم بن شداد

الشيخ الفقيه الإمام المقرئ ضياء الدين أبو الفضل ابن الشيخ الإمام الزاهد الورع شيخ القراء برهان الدين الإسكندري الشافعي إمام مشهد أبي بكر بجامع دمشق.
سمع من ابن عبد الدايم جميع صحيح مسلم حضوراً في الرابعة، سنة ست وستين وست مئة، ورواه عنه، وسمع من ابن أبي اليسر، والمجد بن عساكر، والقاضي ابن عطاء، وابن النشبي، وابن البن، والكمال ابن فارس، وطاهر الكحال، والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، وابن البخاري، وجماعة، وله ثبت وإجازات. كان يجلس مع الشهود.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: ورافقته في الحج، وقرأ عليه بعدة أماكن.
وتوفي رحمه الله تعالى تاسع عشري شعبان سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
مولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
أحمد بن أحمد بن محمد بن عثمان



الشيخ موفق الدين بن تاج الدين السعدي الشارعي.
سمع من جد والده جمال الدين أبي عمرو عثمان، وهو آخر من حدث عن جد أبيه بالسماع.
أخذ عنه الواني وابنه، وأقضى القضاة أبو الفتح السبكي، وشمس الدين السروجي، والشيخ تقي الدين بن رافع، وشهابُ الدين أحمد بن أيبك الدمياطي، وسعد الدين الدهلي. لحقه بآخر رمق. وله سماع من ابن البرهان أيضاً، لم يزل يسمع الطلبة عليه، ويجلس في دست المشيخة، وهو بين يديه. إلى أن وافاه أجله، وما أمهله أمله، وقد أجاز لي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
أحمد بن أحمد بن عطاء



القاضي شهاب الدين الأذرعي الحنفي وزير الشام.
حضر والده الحاج أحمد إلى دمشق، وأقام بجبل قاسيون، ونشأ ولده هذا بدمشق، وكتب للأمير بدر الدين بيلبك الجاشنكير الحلبي في دولة الظاهر. وحنا الأمير المذكور عليه، لأنه ماهر. ثم إن الأمير قطع خبزه، لأنه ظهر عجزه، ورمي بالبرص. وقل إن العبد منه يُفترص، فلازم شهاب الدين المذكور باب الأمير بدر الدين المسعودي نائب الأمير حسام الدين طرنطاي، فرتبه لمهمات الأمير زين الدين كتبغا. فخدمه، ونال بخدمته ما أمل وابتغى، فضمن له وابتاع، وارتاع بعض الناس منه ولتاع، ولما تولى كتبغا النيابة بمصر كان شهاب الدين ناظر ديوان النيابة بالشام، وأضيفت إليه الحسبة مع ذلك النظام، فشرع في المشترى والعمائر، وأدار على الناس بذلك الدوائر، وفي ضمن ذلك اشترى كثيراً لنفسه، وتعدى بذلك طور أبناء جنسه، فلما تملك كتبغا، وحضر إلى دمشق سنة خمس وتسعين وست مئة، والصاحب فخر الدين ابن الخليلي معه، رتب شهاب الدين المذكور في الشام وزيراً، وقدم على من كان كبيراً وصغيراً، فاقترح أن يكون المشد معه فتح الدين ابن صبرة، ولم يرض بشمس الدين الأعسر رفيقاً، وقال: هذا ثبتت خيانته فما يسلك معي طريقاً، فباشر الوزارة أياماً قلائل، وظهرت لخموله دلائل. ولما خُلع كتبغا وهرب إلى دمشق وأقام بالقلعة وانفصل الحال، وجهز إلى صرخد، ولم يكن له إلى غيرها في ذلك الوقت منفد، تولى الأعسر الشد، وصار الأمر له في الإعطاء والمنع، والقبول والردّ، فلم يقابل شهاب الدين إلا بالخير، ولم يلحقه منه ضيم ولا ضير، مع زيادة الإحسان الفضل باليد واللسان.
ولما نقل كتبغا إلى حماة توجه شهاب الدين إليها، ونزل بجملته عليها. ولما مات كتبغا التحق بالأمير جمال الدين الأفرم، وأحرق نفسه في خدمته وأراه أنه من غيره أقدرُ وأصرم، وأشار عليه بعمارة الجامع الذي بالجبل، وتولى من عمارته ما لا له به قبل.


ثم إنه مرض بالفالج، وغلب في أمره الطبيب والمعالج، إلى أن خطفته عقاب المنايا، وطأطأ في القبر لتلك الحنايا، وفرق ما حصله، ولم يلتئم شمل ما أجملهُ وفضله.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة.
أحمد بن أحمد بن الحسين


ابن موسى بن موسك بن جكو، الشيخ المحدث شهاب الدين الهكاري.
كان شيخ الإقراء بمدرسة المنصور بالقاهرة، ونال بذلك النجوم الزاهرة، ونزل له قاضي القضاة موفق الدين الحنبلي عن مشيخة الحديث بالمنصورية فباشرها، وحاش الفوائد للطلبة وحاشرها.
أخبرني الشيخ تقي الدين بن رافع أنه كتب الكتب الستة، وطبقات ابن سعد. وكثيراً من أجزاء الحديث، وعلق منها ما هو قديم، وما هو حديث.
ولم يزل على حاله إلى أن علق به مخلب الحمام، ونقل شهابه إلى الكسوف بعد التمام.
وتوفي رحمته الله تعالى ثاني عشر جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة بالقاهرة. وتوفي عن ست وسبعين سنة.
أحمد بن إدريس بن محمد



بن مفرج بن مزيز

الشيخ الإمام الفاضل الرئيس المعمر تاج الدين أبو العباس بن تقي الدين الحموي الشافعي الكاتب.
سمعه أبوه حضوراً سنة ست وأربعين وست مئة من صفية بنت عبد الوهاب القرشية. ارتحل به وسمعه من مكي بن علان، ومحمد بن عبد الهادي، واليلداني، والشرف الإربلي، والبكري، واليونيني. وسمع ببلده من شيخ الشيوخ، وبمصر من أصحاب البوصيري.
وأجاز له من بغداد إبراهيم بن الخير، وابن العليق، ويحيى بن قميرة، وأخوه أحمد.
وقرأ عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية وعلى أبيه جزءاً في سنة ثمانين، وحدث بأشياء تفرد بها. ورحل إليه الناس بسببها.
وكان ديناً، ورئيساً وقوراً صيناً. ذكر مرة لوزارة حماة، ولو أراد لبلغ من المنصب منتهاه، وكتب أبوه الخط الفائق، وطريقه في أحسن الطرائق. مليح الوضع والترتيب، جيد الضبط للمشكل والغريب، وقد رأيت بخطه أشياء كباراً، مثل صحاح الجوهري، والروض الأنف، وربما كتبهما مراراً.
ولم يزل على حاله إلى أن ذاق مزيز من الموت طعم العلقم، وجرعه الردى سم الأرقم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد



الشيخ الإمام المقرئ الصالح المحدث مسند العصر شهاب الدين أبو المعالي بن القاضي رفيع الدين قاضي أبرقوه الهمداني المصري القرافي الشافعي الصوفي.
حضر سنة سبع عشرة على عبد السلام السرقولي. وسمع في الخامسة سنة تسع عشرة من أبي بكر بن سابور بشيراز. وسمع ببغداد من أبي الفتح بن عبد السلام وابن صرما، ومحمد بن البيع، وأكمل بن أبي أزهر، والمبارك بن أبي الجود، وصالح بن كور، وأبي علي بن الجواليقي، وعدة. وبالموصل، من الحسين بن باز، وبحران من خطيبها فخر الدين بن تيمية، وبدمشق من ابن أبي لقمة، وابن البن، وابن صصرى، وبالقدس من الأوهي، وبمصر من أبي البركات بن الجباب، وسمع منه السيرة، وله معجم كبير، بتخريج القاضي سعد الدين الحنبلي.
حدث عنه أبو العلاء الفرضي، والمزي، والبرزالي، وابن سيد الناس، وأبو الفتح، والقاضيان القونوي والأخنائي، وخلق، أكثر عنه شمس الدين الذهبي، وخلق كثيرون.
عمر فتفرد، وتضرج خدّ الزمان به وتورّد، ألحق الأحفادَ بالأجداد، ورحل الناس إليه من أقاصي البلاد. وكان مباركاً خيراً ديناً، وصبره على الطلبة كثير وإن لم يكن ذلك هيناً، كان يزعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليهم وسلم في النوم، وأخبره أنه يموت بمكة، وكذا كان، فإنه حج، وفيها فض الله خاتم عمره وفكه، وبها فتح الموت له فاه وفكه.
وتوفي رحمه الله تعالى في عشري الحجة سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده بأبرقوه سنة خمس عشرة وست مئة.
أحمد بن إسماعيل بن منصور



نجم الدين الحلبي المعروف بابن التبلي وبابن الجلال.
سمع من ابن رواحة، وابن خليل، وجماعة. ولازم السماع مع الدمياطي فأكثر، وقرأ بنفسه، وتميز بذاك على أبناء جنسه، وكتب الطباق، وبرز في حلبة السباق.
قرأ عليه علم الدين البرزالي جزء ابن حرب رواية العباداني، وأجاز الذهبي مروياته.
ولم يزل إلى أن قضى، وترك دنياه ومضى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده بحلب سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم




ابن سليمان بن حمايل بن علي المقدسي المعروف بابن غانم، الفقيه العدل شهاب الدين بن عماد الدين.
كن أديباً فاضلاً له نظم ونثر، وله وظائف وشهادة، وكان خبيراً بالشروط، مليح الكتابة، وحج مرات، وكان مؤذناً بالجامع الأموي.
وسمع من ابن الواسطي، وحدث عنه بطريق الحجاز.
وتوفي رحمه الله تعالى خامس عشري شهر الله المحرم سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
أحمد بن أوحد


شهاب الدين ابن الأمير شرف الدين.
كان شهاب الدين من أمراء العشرات بدمشق. لما حضر الأمير علاء الدين إلى دمشق نائباً كان منحرفاً عنه لأجل والده، ثم إنه سعى وتدخل إلى أن رضي عليه، وأقبل بوجهه إليه، وولاه مدينة دمشق، فأقام في الولاية مدة، قاسى الناس منه بعض شدة، ثم إنه عزله وولاه شد غزة والساحل، فتوجه إليها وجسمه من فراق دمشق ناحل، فأقام هناك إلى أن قدم الفخري وحكم بدمشق فأحضره، وعزم على إهلاكه، ولكن الله أخره، لميله إلى المصريين على ما سيأتي فيما بعد، فسعى في إزالة ما في خاطره منه، واجتهد في رضاه عنه. فتم له ما أراد، ونال المنى والمراد، فقربه وأدناه، وولاه نيابة بعلبكَ وأقام بها قليلاً، وعاد إلى دمشق ولم يجد إلى غيرها سبيلاً، فأقام بها إلى أن أجاب الداعي، وقام به الناعي، وكان في عينيه فتل شديد، وله أمل في الدنيا مديد، وكان يخبر بأشياء قبل وقوعها، فتقع وفق ما قاله أو مقارباً، ولم أدرِ من أين له علم ذلك مستقيماً موارباً. وكان القاضي شهاب الدين بن فضل الله يتعجب من تلك الأخبار، ويقول: هذا علم النجوم عنده قد بار.
وتوفي رحمه الله تعلى شاباً في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
أحمد بن أيبك



ابن عبد الله الحسامي المصري الدمياطي شهاب الدين بن عز الدين الشافعي الجندي، وعرف بابن الدمياطي نسبة إلى جده لأمه.
سمع من الحجار، وأحمد بن عبد الرحمن بن دراده، وأبي علي الحسن بن عمر الكردي، ومحمد بن أحمد بن الدماغ ومحمد بن الحسين بن رشيق وشهدة بنت أبي الحسن بن عبد العظيم الحصيني، ووزيرة بنت عمر بن أسعد بن المنجا في آخرين. وسمع بالإسكندرية من إبراهيم بن أحمد بن الغرافي وغيره، وبدمياط من جماعة.
وكتب غني وسمع بقراءتي بالقاهرة على الشيخ أثير الدين وفتح الدين وحدث وهو شاب، وكتب بخطه، وقرأ بنفسه، وحصل الأصول والفروع، وانتقى على الشيوخ، وجمع مجاميع، وأرخ الوفيات ذيلاً على الشريف عز الدين، وقرأ الفقه، وحفظ ألفية ابن مالك، وجمع مشيخة للقاضي ضياء الدين بن الخطيب، فيها أربعون حديثاً، وتكلم على كل حديث وما يتعلق به، وقرأها عليه، وسمعناها منه في سنة خمس وأربعين.
ولم يزل يسمع وينتقي، ويرتفع في الانتخاب ويرتقي، يمتاح من قليب الدواة ويستقي، إلى أن تحدث الناس بوفاته، وذهبت ذاته بصفاته، وذلك طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكنت قد كتبت له على الأربعين حديثاً التي خرجها للقاضي ضياء الدين أبي بكر بن الخطيب تقريظاً، وهو، وقفت على هذا التخريج الذي لا يرده ناظر، ولا يدفع أدلته مناظر، ولا يستغني عنه مذاكر ولا محاضر، ولا يشبه حُسنه إلا الرياض النواضر، وعلى أنه لمعةٌ من شهاب، وهمةٌ من سحاب، وجرعةٌ من شراب، ودفعةٌ من عباب، لأن مخرجه شهاب زين ليل العلم الداج، وبحرُ ألفاظه دررٌ، وفوائده أمواج، فلو عاصره ابن عساكر لم يذاكر، أو الخطيبُ لما كان يطيب، أو ابن الجوزي لانكسر قلبه، وذهب لبه، أو ابن نقطة لغرق في بحره، وبله بقطره، أو الحاكم لقضى له بالتفضيل، ولم ينظر في جرح ولا تعديل، وخرجه لمولى جمل البلدين، ورئيس يوضع تاجَ سيادته على فرق الفرقدين:
كريمٌ سادَ بالأفضال حتى ... غدا في مجده بادي السناءِ
له ذكر يطبق كل أرضٍ ... فيملأ جوها طيبُ الثناء
فما يخفى علاه على بصيرٍ ... وإن يخف فذو حسد يرائي
وهبني قلتُ هذا الصبحُ ليلٌ ... أيعمى العالمون عن الضياء
فلا أعلم تخريجاً أحسن منه، ولا جزءاً غيره كل الفوائد تؤخذُ عنه، جمع فيه بين الرواية والدّراية، وبلغ فيه إلى غاية تدل على أنه آية، فالله يشكر سعيه، ويتولى بعينه رعيه، وبمنه وكرمه إن شاء الله تعالى..
أحمد بن بدليك



الأمير شهاب الدين الساقي المرعوف بمشد الشرابخاناه.

ورد هو وأخوته الأمير سيفُ الدين شادي، وسيف الدين حاجي، وركنُ الدين عمر إلى مصر من البلاد الشرقية، وخدم الأمير شهاب الدين أحمد عند الأمير سيف الدين بكتمر الساقي فجعله ساقياً، ولبث عنده مدة، ورآه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فأعجبه، فأخذه منه، والظاهر أنه أخذه بعد موت بكتمر، وجعله مشد الشرابخاناه، ولم يزل عند السلطان في أعداد الخاصكية، ولما توفي السلطان أخرج إلى صفد، إمّا في أيام قوصون أو بعده، أو أخرج إلى حلب، ثم أعيد إلى مصر لما انقلبت الدولة، ولما جهز الحاج أرقطاي إلى نيابة حلب الأولى خرج هو معه، أقره في النيابة على العادة ويعود، فورد المرسوم وهو في حلب أن يتوجه إلى صفد، ليقيم بها أميراً، فأقام بها إلى أن قتل الكامل، فتوجه إلى مصر، ولما خلع المظفر كان هو من جملة من قام بخلعه، وقتله، وكانوا ستة تكتب المطالعة إلى السلطان، ويطيرها إليهم، وكان أحمد منهم، وكانوا إذ ذاك: بيبغاروس، والأمير منجك، والأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طشتمر طلليه، وسيف الدين الجييغا، والأمير شهاب الدين أحمد المذكور، ووقع بين هؤلاء المذكورين خلفٌ، فقال الأمير شهاب الدين: أيش بنا هذه المرة ما فيها أحد من أولاد السلطان إلا نجرا بالسيف، ومن صح منا جلس على التخت، فأذعن الجماعة له الطاعة، وتركوه مدة أيام، وأخرجوه إلى صفد نائباً عوضاً عن الأمير سيف الدين قطز، فوصل إليها في ثاني شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير، فحضر إليه الأمير قماري الحموي السلحدار في الظاهر بسبب الحوطة على موجود الوزير وحواصله، وفي الباطن بإمساكه، وكأنه فهم القضية، فجهز إليه من تلقاه من الطريق، ولم يكن أحداً من الاجتماع به، ولا بمن معه، ولما أراد قماري يتوجه، قال له يا خُوند: السلطان يطلبك، فقال: لأي شيء؟ ما قلت هذا في الأول ولا في الكتاب الذي على يدك، أن معك مشافهة ولكن اطلبوا الأمراء، فحضروا ومعهم نائب قلعة صفد، وقال يا أمراء، السلطان قد طلبني وأنا أتوجه، فقالوا له: خير، فطلب مباشري ديوانه، وقال: كم لنا في القلعة من القمح، قالوا: مئة غرارة، ففرقها جميعها على مماليكه، وقال: اطلعوا اقبضوها، فلما طلعوا، وصاروا فيها أنزلوا كل من فيها من المستخدمين، وتملك القلعة مماليكه، وقال لقماري: أنا أكتب إلى السلطان. وأسير معك شخصاً من جهتي بمطالعة مني، وجهزها.
وبلغ السلطان ذلك، فكتب في الظاهر إلى سائر نواب الشام أن أحمد الساقي قد شق العصا، فاربطوا له الطرقات، وأمسكوه، وإن حارب حاربوه، وكتب إلى جميع عربان الطاعة بذلك، وكتب إلى الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام أن يتوجه إليه بنفسه في العسكر الشامي، فلما بلغ ذلك أحمد كتب هو نائب الشام يتشفع به، ويسأله أن يكون في جملة أمراء دمشق، فكتب له إلى السلطان، فأجيب إلى ذلك، وكتب له أمان شريف، فجهز ذلك إليه، فلم يذعن، وقال: لو علمت أن ذلك صحيح حضرت، وأصر على حاله.
فحضر المرسوم بأن يجهز له أربعة آلاف فارس من دمشق، ونائب غزة الأمير فارس الدين البكي بعسكر غزة، والأمير سيف الدين بكلمش ناظر طرابلس بعسكرها. فتوجه الجميع إليه في أوائل المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ولما وصل نائب غزة وهو والنائب الذي عيّن مكانه بصفد وهو الأمير علاء الدين الطنبغا برناق إلى قرية المجدل جهز إليهما أحمد الساقي يقول: أنا ما أنا عاص، ولكن هذه القلعة لا بد لها من نائب، وأريد أن أكون بها نائباً، فقالا له: إن كنت تريد ذلك، فأطلق الأمير عز الدين أيدمر الشمسي، والأمير عز الدين دقماق وكاتب السر وأخاه ناظر الجيش، وكان قد اعتقلهم بالقلعة، فقال هو: لا اعتقلهم أيام حكمي، والآن ما يخرجون إلى بمرسوم شريف، فطلع المذكوران بمن معهما إلى صفد، فرمي عليهم بالنشاب والبندق والرصاص والزيارات والنفط، وجرح بعض الخيل، وطلع القلعة وأغلقها، وشال الجسر.

ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر المحرم اتفق العسكر على الزحف على القلعة وإحراق الجسر، وجهزوا إليه يعلمونه أنهم في غداة السبت يفعلون ذلك، فاتق الله واحقن دماء المسلمين. فأطلق من كان عنده في الاعتقال، وقال للعسكر: احلفوا أن لا تؤذوني وأنا أتوجه إلى باب السلطان، فحلفوا له، وأخذوا سيفه، وجهزوه صحبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الكركي وجهز مملوكه الطنبغا إلى نائب الشام يطلب منه شفاعة، فكتب له ذلك، وجهزوا معه أميراً من الشام وأميراً من طرابلس، وأميراً من صفد، وأميراً من غزة، وساروا به إلى باب السلطان في ثالث عشري المحرم، ورجعت العساكر إلى أماكنها.
ولما وصلوا به إلى قطيا، تلقاه الأمير سيف الدين قماري، فأخذه في زنجير مقرم اليدين - على ما قيل - وتوجه به إلى ثغر الإسكندرية، ولم يزل بها معتقلاً، إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح، فأطلقت المعتقلين الذين في سجن الإسكندرية جميعهم، وولاه نيابة حماة، فوصل إلى دمشق في حادي عشري شعبان سنة اثنتين خمسين وسبع مئة، وصحبته الأمير سيف الدين جركتمر عبد الغني، ليقره في النيابة، ولم يزل في حماة نائباً حاكماً، إلى أن اتفق هو والأمير سيف الدين بيبغاروس نائب حلب، والأمير سيف الدين بكلمش نائب طرابلس، على الخروج على الملك الصالح، وراسلوا الأمير سيف الدين أرغون الكاملي نائب الشام على ذلك فما وافقهم. ولما تم أمرهم وهموا بالخروج حلف نائب الشام عسكر دمشق للملك الصالح في العشر الأولى من شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وجرى ما يأتي ذكره أن شاء الله تعلى في ترجمة أرغون الكاملي.
ولما وصل بيبغاروس ومن معه إلى دمشق نزل على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وتوجه أحمد الساقي ومعه ألف فارس، وأقام على المزيريب مدة أربعة وعشرين يوماً ولما وصل الأمير سيف الدينين طاز إلى لد هرب ابن دلغادر من دمشق، وجاء بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع وباتا ليلةً، ثم إنهما هربا بمن معهما من العساكر إلى حلب.
ووصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق، وجهز الأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى حلب، فهرب بيبغاروس ومن معه، واجتمعوا بابن دلغارين، وأقاموا هناك يعيثون في الأرض، إلى أن أمسك ابن دلغادر أحمد وبكلمش، وجهزها إلى حلب، فوصلا إليها، والأمير سيف الدين أرغون الكاملي بها نائب في ثاني عشر ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، فاعتقلا بقلعة حلب، وطلع بأمرهما، فعاد الجواب على يد سيف الدين طيدمر أخي طاز بأن يجهز رأسيهما، فحزّ رأس أحمد وبكلمش في حلب في العشر الأوسط من شهر الله المحرّم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وتوجّه بهما المذكور إلى مصر، وكان ذلك آخر أمر الساقي، والله الباقي.

وكان هذا أمير أحمد شاباً طويلاً رقيقاً، تراه بالإقدام والشجاعة حقيقياً، حلو الوجه خفيف اللحية، يعلوه رونق، وعليه قبول وحظّ ما فرح به السدير في أيامه ولا الخورنق، يميل إلى الصورة المليحة، ويتعبد بهواها كل بكرة وصبيحة، لا يملك نفسه إذا رأى وجهاً حسناً، ولا يرجع إلى عذل من يرده عن ذلك ولو كان لسناً، وكانت له في ذلك تراجم معروفة في أيام الشهيد، وأخباره فيها سار بها الركبان والبريد، إلا أنه كانت نفسه أبية، وعنده من ميعة الشباب نشوة السبيّة.
وكان يحدث نفسه بأمور عظيمة، وفتن لا تزال تصنع للشرور وليمة، وكان لذلك لا يقنع بغاية، ولا يرى إلا ما هو عنده نهاية، ولقد ثبت في واقعة صفد ثبوتاً دونه البال الرواسخ، وأسكن جماعة ممن خالفه البرازخ.
ويحكى عنه أنه لما نزل من القلعة ودّع صغار أولاده، وثمرات فؤاده، فقطع القلوب أسفاً، ورأى موته بعينه وهو في الحياة سلفاً، فقلت فيه:
عجبتُ من أحمد الساقي وقد برزت ... له العساكرُ في موضونةِ الزردِ
ساقٍ سقتهُ الليالي كاس حادثها ... وراحَ من صفدٍ للحتفِ في صفد
يعينُهُ ربه فيما ابتلاهُ بهِ ... فما على مثل ما لاقاه من جلد
وجاءت الأخبار بأن الأمير سيف الدين قماري لما التقاه في قطيا عامله بأنواع من الإهانة ساعة اللقيا، وأضاف زنجيراً إلى قيده، وقرم يده بشدة وأيده.

وقيل: إنه توجه به ماشياً، وكاد لذلك يصبح جسده متلاشياً، ولم يحسب له أحد في هذه المرة حساب السلامة، لأنه فعل ما يوجب العذل والملامة، ولكن " لكل أجل كتاب " ، وإذا قدر أمرٌ على المرء ما يفيده زجرٌ ولا عتاب، فأقام في سجنه تلك المدة، وفرّج الله عنه من تلك الشدة، ورسم له بنيابة حماه، فتوجه إليها، وقدم بعد الذل في عز دائم عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ومن يرسل رياح الفرج فينشق المحزون منها نشر العبير. وقلت أنا فيه أيضاً:
تلق حوادث الدنيا بصبرٍ ... ففي صرف الزمان ترى العجائب
فهذا أحمدُ الساقي توالى ... عليه من القضا مطر المصائب
وما أعطى له أحدٌ حياةً ... وها هو في حماةَ اليومَ نائب
وكان فيها نائباً قد تمكن لا ترد له إشارة، ولا يعطل السلطان مما يرومه عشاره كل ما يكتب به يجاب فيه بالقبول، وكل ما يأباه يتلاشى غصنه إلى الذبول، ولكن نفسه تريد بلوغ ما فيها، وإدراك أمانيها، وعقله من الصواب نفور، ودمه - كما يقال - يفور، إلى أن دبر ما دبر، وأثار من الفتنة ما عاد على وجهه وغبر، وكان هو الذي حرك ذاك الساكن، وعمل على خراب ما دخله من المنازل والأماكن، إلى أن خرب بيده بيوته، وطار خلف الشر إلى الروم خوفاً من أن يفوته، ولم يزل بتلك الخنزوانه، إلى أن غدر به ابن دلغادر وخانه، وما زال عليه إلى أن أماته ونسي أمانه، وأراه الله عقبى جناية الخيانة، وجز في حلب رأسه، وخرق من الحياة قرطاسه، ولم ينفعه ياقوته ولا ماسه وتبرأ من فعله القبيح وسواسه، ولم يرض له بالخنا خناسه، فسبحان من بيده الحياة والنشور، وإليه ترجع الأمور، لا إله إلا هو.
وقلت لما جز رأسه، وجهز إلى مصر:
إياك والبغي فشهبُ الردى ... في أفق البغي غدت ثاقبه
ما أحمدُ الساقي الذي مذ بغى ... ما أحمد الله لهُ عاقبه
أحمد بن بكتمر


أمير أحمد بن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي.
كان وجهه عليه لمحة من البدر، ومهابته تملأ الجوانح والصدر، مليحاً إلى غاية، جملاً في نهاية، وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في محبته متغالياً، ولم يره الناس في وقت منه خالياً، كان يوماً نائماً على فخذ السلطان وقد عزم على الركوب، وأحضرت الخيل والعساكر تنتظر قيامه والوثوب، وأبوه بكتمر واقفاً خجلاً، وقلبه يخفق وجلاً، وكلما هم بأخذه يمنعه، ويكابده في أمره ويخدعه، فقال: يا خوند، الناس في خدمتك وإلا في خدمته؟ فقال: ما أركب حتى ينتبه أحمد من نومته، وكان الناس يظنون أنه ابن السلطان يقيناً، ويقولن: ما رأينا مثله عنده مكيناً، وأمره مئة، جعل مقدم ألفٍ مع صغر سنه، وجعل بعد ذلك شخصه في قلبه في كنه، وكان هو صغير ضعيف القائمة، لا يستطيع النهوض لعلةٍ له ملازمة، فلم يزل السلطان عليه بالأدوية والعقاقير، والمعالجة بأنواع من التداوي والتدابير، إلى أن نهض غصنه قويماً، وانعطف قدّه من الميل سليماً، وزاد حسنهُ وبهاؤه، وذهب عنه داؤه واقبل دواؤه، وصح من خمر الشباب انتشاؤه، وثبت إلى القمرين انتماؤه.
وزوجه السلطان بابنة الأمير المرحوم تنكز نائب الشام، وجرى ذلك العقد على أحسن ما يكون من النظام، حسبك بهذه الدرة الثمينة، وما جُمع من هذا القرين وهذه القرينة، وكان عرسها عرساً ما فرحت به بوران، ولا كان للفك له دوران، ووقف السلطان بنفسه وفي يده العصار، ورتب السماط ترتيباً خالف فيه العادة وعصى، اختلف بذلك زايداً، وجعل هواه لنفسه قائداً، له العذر فيما توهمه في ذلك من الحسن والزين، لأنهما ولدا مملوكيه العزيزين.
وكان أمير أحمد المذكور يقضي عند السلطان أشغالاً لا يقضيها غيره، ولا يحوم في جوها إلا طيره، ولم يزل بدره في مطلع سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن توجه مع السلطان إلى الحجاز، وقضى فرضه وفاز من الأجر بما فاز، وعاد راجعاً، وبدره يُرى في سماء الملك طالعاً، فمرض مرضاً حداً، وزاد به جداً فأذوى ريحان شبابه، ونغص بموته حياة أترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز عائداً في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وعمره يقارب العشرين.
وقلت ذلك الوقت:
ورقيبٍ بليتي ... في الهوى منه ما تمر
ذاك قد طال عمره ... ويموتُ ابنه بكتمر


وكتب إلى أبيه تهنئة لما أعطي تقدمة الألف عن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى من جملة كتاب: وأما ما شملت به الصدقات الشريفة للمقر العالي المولوي الأميري الولدي الشهابي من تقدمة الألف، وخصه به من هذا الإنعام الذي صح قياسه ولم يكن قياسَ الخلف، فإنه بحمد الله واحد كالألف إن أمر عنا، وفردٌ يبلغ به مولانا - أعز الله أنصاره به - الأمان من الزمان والمنى، وبه يُحقق المملوك قول الأول الذي لم يحجده جاحد: والناسُ ألفٌ منهم كواحدِ.
ولم أرَ أمثالَ الرجالِ تفاوتوا ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد
والله تعالى يديم هذه الأيام الشريفة التي أرت مولانا فيه ما سره، وبلغت به رتبةً ذبالها النجوم وطريقُها المجرة، وتقر به عين مولانا الكريمة، فمثل هذا الولد من يكون للقلب قراراً، وللعيون قرة، وكان المملوك يودّ لو كان حاضراً في ذلك اليوم الذي هو تاريخ الهناء، وموسم الفرح المؤبد على مر الآناء، وإن كان المملوك قد غاب بقالبه، فقد حضره بقلبه وعرف قيمة إيجابه وسلبه، والله تعالى يديم لمولانا وله وللمملوك حياة مولانا السلطان خلد الله ملكه، وجعل أقطار الأرض ملكه بمنه وكرمه.
أحمد بن أبي بكر بن عرام


بهاء الدين، الأسواني المحتد الإسكندراني المولد قرأ القراءات على الدلاصي، والفقه للشافعي على الشيخ أبي بكر بن مبادر، وعلى علم الدين العراقي وقرأ عليه الأصولين على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، والنحو على محيي الدين حافي رأسه، وعلى الشيخ بهاء الدين بن النحاس.
وسمع على أبي عبد الله محمد بن طرخان، وأبي الحسن الخزرجي، وعلى تقي الدين بن دقيق العيد، وعلى الدمياطي وغيرهم.
وتولى نظر الأحباس بالإسكندرية، وصحب أبا العباس المرسي، وأخذ التصوف عنه، وعن والده، أمه بنت الشيخ الشاذلي.
وكان المذكور ينظم وينثر، ويجري في ميدان الأدب ولا يعثر، وكان مقداماً متديناً ، سالكاً نهج الخير صيّناً.
صنف في الفقه والعربية، وعلق على المنهاج للنووي تلعيقة أنوارها مضية، وله مناسك ما أشبه ذلك.
ولم يزل في شوطه إلى أن عثر فما قام، واتخذ بطن الأرض دار مقام.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة عشرين وسبع مئة، ومولده سنة أربع وستين وست مئة، ومن شعره:
وحقك يا مي الذي تعرفينه ... من الوجدِ والتبريح عندي باق
فبالله لا تخشي رقيباً وواصلي ... وجودي ومني وانعمي بتلاق
ومنه:
أيا طرسُ إن جئت الثغور فقبلن ... أنامل ما مدت لغير صنيع
وإياك من رشح الندى وسط كفه ... فتمحى سطور سطرت لرفيع
قتل: شعر نازل.
أحمد بن أبي بكر



ابن محمد بن محمود بن سلمان بن فهد، شهاب الدين، ابن القاضي شرف الدين، لبن القاضي شمس الدين، ابن القاضي شهاب الدين محمود.
كان القاضي شهابُ الدين المذكور من جملةِ موقعي الدست، وكان أولاً من جملة كتاب الإنشاء، فلما توفي والده القاضي شرف الدين بالقدس - على ما سيأتي - أعطي مكانَ والده. فباشره، فكان هشاً بشاً بمن يراه، مكرماً لمن أمه أو قصد ذراه. نفسه متسعة للجود، قائمةٌ بما يجبُ من حلق الوفود. لا يتكلم إلا وهو يضحك، ولا يفارقُ لجود طباعه نُصحك. يقضي حوائج الناس في قصصهم، ويزيحُ عنهم ما تجرعوه من غصصهم، فأحّبه الناسُ، وردّ عليهم ما كان حصل لهم في والده من الياس. ولم يزل على حاله، إلى أن عاجله حتفه، وصرف إليه من الموت صرفه.
توفي رحمه الله تعالى - يوم عاشوراء، سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وسبع مئة.
واحتفل الناس لجنازته، ودفن في تربة جده بالصالحية.
وعهدي به، وهو كما احتلم، يجري وراء الحية، ويحملها بذنبها، ويرفعها إلى فوق، ويقصعها إلى أسفل، ويرميها من يده، وقد انقطع وسطها، وأنخلعت فقرأتُ ظهرها.
وستأتي - إن شاء الله تعالى - ترجمة كل واحد من أبيه وجده في مواضعها اللائقة بها.
وقتل أرثيه من أبيات، التزمتُ فيها الفاء:
شهابُ بني محود أصبحَ أفلا ... وكان به صدرُ المجالس حافلاً
تيقظ طرفُ الدهر نحو جنابه ... وقد كان في إغفائه عنهُ غافلا
يحن إليه الجودُ من حيثُ ينتحى ... كما أنه من عزه راح جافلا


لقد كانَ في بردِ الشبيبةِ والعلا ... وبذل الندى ما زال يختالُ رافلا
سما بأصولٍ باسقاتٍ إلى العلا ... بحيث رأينا النجمَ عن ذاك سافلا
فيا ضيعةَ اللهقانِ بعد مصابه ... لقد كان في دفع الأذى عنهُ كافلا
أحمد بن أبي بكر


ابن محمد بن سلمان بن حمايل، القاضي شهاب الدين، ابن القاضي بهاء الدين، ابن القاضي شمس الدين بن غانم، كاتب الإنشاء بدمشق.
كان والده القاضي بهاء الدين صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وسيأتي ذكره في مكانه من حرف الباء - إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده بطرابلس، تركه صغيراً، فحضر إلى عند أقاربه بدمشق، ثم توجه إلى مصر، فرسم له بأن يكون من جملة كتاب الإنشاء بطرابلس، ثم إنه سعى وانتقل بمعلومه إلى دمشق، ورتب في جملة كتاب الإنشاء في سنة خمس وأربعين أو ما بعدها في غالب الظن، وأقام بدمشق إلى أن توجه في سنة ست وخمسين وسبع مئة إلى الديار المصرية، وسعى هناك إلى أن رتب في جملة كتاب الإنشاء في باب السلطان على معلومه الذي بدمشق، بزيادةِ في مصر.
ولم يزل هناك مريضاً متوعكاً، يقومُ ويقع، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان مولده بصفد تقريباً في سنة أربع وعشرين وسبع مئة أو في سنة ثلاث وعشرين.
وكان فيه سعي وحسنُ توسل ولطفُ توصل، وعلى أنفه في مارنه شامةٌ كبيرة حسناء خضراء. وكانت كتابته قوية، ولم يكن له نظم ولا نثر.
أحمد بن أبي بكر



شهاب الدين أبو جلنك - بالجيم واللام والنون والكاف - الحلبي الشاعر المشهور. بالعشرة والخلطة التي تركته بروة، وجردت قشره.
كان فيه همةٌ وعنده شجاعة، ولديه من الإقدام في المعارك أجزلُ بضاعة، نزل من قلعة حلب للإغارة، والتتار يتوقدُ من شرهم كل شرارة، فوقع في فرسه سهمٌ عقره، وفتق جنبه وبقره، فبقي على ضخامته راجلاً، وأمسك به عاجلاً، وجاؤوا به مقدم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين فرفع شأنهم، وأعلى في الفروسية مكانهم. فغاظه ذلك منه وضرب عُنقه في الحال، وشتمر للارتحال.
وأصل منادمته لصاحب ماردين أو الموصل تنديبة، بدت منه بغير قصد، وهي عجيبة. لأنه قصد الطهارة وعلى بابها خادمٌ، يناول كيلاً من الماء لكل قادم، فدخل على عادة البلاد، وما هي عليه من الأمر المعتاد، فصاح به الخادم قف خذ هذا الكيل. قال: لا، أنا أخرى جزافاً من الويل. فبلغت السلطان، فقال: هذا ظريف يصلح لأن ننادمه، ونزيد خوافي جناحه وقوادمه.
وأخبرني عنه الصاحب جمال الدين سليمان بن ريان، قال: لزمنا أبو جلنك مدة، ونام عندنا ليالي عدة، وكانت ينتبهُ نصفاً من الليل، ويكررُ علي محافيظه، ومنها مختصرُ ابن الحاجب، ثم يشببُ بشبابه يزمزم، وإذا أصبح توضأ وأتى بالواجب.
وما زال على حاله إلى أن ضربت عنقه، وخلا من كوكبه أفقه، وذلك سنة سبع مئة.
وأنشدني القاضي جمال الدين بن ريان قال: أنشدني من لفظه أو جلنك لنفسه لغزاً:
اسم الذي أهواه في حروفه ... مسألةٌ في طيها مسائل
خمساه فعل وهو في تصحيفه ... مبينٌ والعكسُ سمِّ قاتل
تضيء بعد العصر إن جئت به ... مكرراً من عكسك المنازلُ
وهو إذا صحفته مكرراً ... فاكهةٌ يلتذ منها الآكل
وهو إذا صحفته جميعه ... وصفُ امرئٍ يعجبُ منه العاقل
وفيه طيبُ مطربٌ جميعه ... هاجت على أمثاله البلابلُ
قتل: هذا لغز في مسعود وهو لغز جيد، ومقاصده جيدة، إلا أن قوله وصف امرئ يعجب منه العاقل فيه تسامح، فإنه لا يُقال: مشعوذ وإنما يقال مشعبذ بالباء مكان الواو.
وأنشدني شيخنا العلامة أثيرُ الدين، قال: أنشدنا علاءُ الدين علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه، وكان قد مدح قاضي القضاة شمس الدين بان خلكان، فوقع له بثلثي رطل خبزاً، فكتب أو جلنك على بستانه:
عجنا ببستانٍ حللنا دوحه ... في جنةٍ قد فتحت أبوابها
والبانُ تحسبُها سنانير رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها


قلت: بلغني أن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك وضع على هذين البيتين كراسة في البديع، وأنشدني بالسند المذكور أيضاً:
أتى العذارُ بماذا أنت معتذرُ ... وأنت كالوجد لا تُبقي ولا تذرُ
لا عذر يقبل إن تم العذار ولا ... ينجيك من خوفه بأسٌ ولا حذرُ
كأنني بوحوشِ الشعرِ قد أنست ... بوجنتيك وبالعشاقِ قد نفروا
ومن شعر أبو جلنك أيضاً:
جعلتك المقصد الأسنى وموطنك ال ... بيتُ المقدس من روحي وجثماني
وقلبك الصخرة الصماءُ حين قست ... قامت قيامة أشواقي وأحزاني
أما إذا كنت ترضى أن تقاطعني ... وأن يزورك، ذو زورٍ وبُهتان
فلا يغرنك نارٌ في حشاي فمن ... وادي جهنم تجري عينُ سلوان
قلت: ألطفُ من هذا وأحضرُ وأجمع، قول القال:
يا قدسُ حسنٍ قلبهُ الصخرة التي ... قست فهي لا ترثي لصب متيم
ويا سؤلي الأقصى عسى بابُ رحمة ... ففي كبد المشتاق وادي جهنمِ
وأنشدني العلامة أبو حيان، قال: أنشدنا علاء الدين علي بن سيف الدين تنكز، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه:
ماذا على الغصن الميال لو عطفا ... ومال عن طريق الهجرانِ وانحرفا
وعاد لي عائدٌ منه إلى صلةٍ ... حسبي من الشوقِ ما لاقيته وكفى
صفا له القلبُ حتى لا يمازجُه ... شيء سواه وأما قلبُه فصفا
وزارني طيفه وهناً ليؤنسني ... فاستصحبَ النومَ من جفني وانصرفا
ورمتُ من خصره بُرءاً فزدتُ ضنى ... وطالبُ البرء والمطلوبُ قد ضعفا
حكى الدجا شعره طولاً فحاكمه ... فضاع بينهما عمري وما انتصفا
قلت: شعر متوسط.
أحمد بن أبي بكر بن منصور


القاضي الإمام العالم شمس الدين، قاضي طرابلس.
كان فاضلاً في أنواع من العلوم.
قال شيخنا البرزالي: اجتمع به أصحابنا المحدّثون لما توجهوا إلى هناك في صفر قبل وفاته، وأثنوا عليه. وعاش ثلاثاً وسبعين سنة. وكان ذا مال وتجارة، وفيه شجاعة، وعنده عدة للقتال، ويقاتل الفرنج، وله محاسن كثيرة، ومرض مرضة طويلة. وحصل له عقيب المرض برسام، وتولى غيره القضاء.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أول ربيع الأول، سنة سبع وسبع مئة. وكان يعرف بالإسكندري.
أحمد بن أبي بكر بن حرز الله



القاضي الفقيه، الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس السلمي المغربي المعروف بالأزندي.
كان فقيهاً فاضلاً، اشتغل على الشيخ محيي الدين النووي، ولازمه وصحبه مدة، وكان الشيخ يحبه ويثني عليه، وزكاه في شهادة شهدها عند بعض القضاة وشفع له عند الشيخ برهان الدين المراغي لينزله في مدرسة.
وقرأ الأصول على القاضي عز الدين بن الصايغ، والقاضي بدر الدين بن جماعة. وقرأ النحو على ابن عبد القوي.
وولي القضاء ببلد الخيل - عليه السلام - وصرخد وبصرى وغيرها.
وعاد إلى دمشق، وحضر المدارس، وجلس مع الشهود، وولي تدريس الحلقة القوصية بالجامع. وكان يخطب أيضاً تارة نائباً وتارة مستقلاً.
وسمع الحديث من الشريف يحيى الحنبلي، والنجيب المقداد، وعمر بن عصرون، وأبي حامد بن الصابوني، والأمين الإربلي راوي صحيح مسلم، والرشيد العامري، وأبي بكر المزي، والشيخ نصر بن عبيد المؤذن وجماعة، وسمع بعض الكتب الحديث الكبار وكتب في الإجازات.
وكان كريم النفس لا يدخر شيئاً، وفيه تواضع، وأخلاقه حسنة، وكان يحب الفقراء، وصحب منهم جماعة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سادس ذي الحجة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شوال سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن برق



الأمير شهاب الدين متولي مدينة دمشق.
كان المذكور إنساناً حسن الأخلاق، يخدم الناس على حالتي الجدة والإملاق، ويحب الفضلاء ويبرهم ويلاطفهم في وقائعهم تحت يده ولا يضرهم. ساس الناس بدمشق سياسة جيدة، هرب مرات من الشر إذا وقع، وتحيده. وعلى ذهنه حكايات ووقائع، ونوادر إذا حكاها، قلت: جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع.


وأول ما عرف من أمره أنه أقام في ولاية صيدا زماناً، وأخذ به من ذلك الساحل في تلك المدة أماناً، ثم إن الأمير تنكز سيف الدين - رحمه الله تعالى - نقله إلى ولاية مدينة دمشق، فأقام بها مدة مديدة، وحركاتُه فيها مدة الولاية سديدة.
ولم يزل على حاله إلى أن انطوى برق ابن برق، فكأنه لم يلمع في غرب ولا شرق وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وتولى دمشق في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وكان الأمير سيف الدين - رحمه الله تعالى - قد جعله حكم البندقِ عوضاً عن الأمير صارم الدين صاروجا، فكتبت له بذلك توقيعاً، وهو: الحمد لله الذي لم يزل حمده واجباً، وفدهُ لكل خير واهباً، وشكره للنعم جالباً، وللنقم حاجباً، وذكره للبؤس سالباً، وللنعيم كاسباً.
نحمده على نعمه التي نصرعُ بالحمد أصناف أطيارها، ونقص بالشكر أجنحتها فلا قدرة لها على مطارها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا يكون لنا بها عن الفوز بالجنة عذرُ، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلا في حواصل طيورٍ خضر.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله. أفضلُ من قدم ذوي الرتب، وأشرفُ من حكم بالعدل العاري من الشبه والريب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا في الحروب عُقبانها الكواسر، وفرسانها الذي أشبعوا من لحوم العدا ذوات المخالبِ والمناسر، ما أحمد الرامي في المرام عزمه، وسعت له في الرتب قدمُ قدمه، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فلما كان الرمي بالندق فناً تعاطاه الخلفاءُ والملوك. وسلك الأمراء والعظماء طريقة لطيفة المأخذ ظريفة السلوك، يرتاضون به عند الملل لا سترواح نفوسهم، ويجنون ثمران المنى في التنزه من غروس عروشهم، ويبرزون إلى ما يروق الطرف ويروعُ الطير من برزاتهم، وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا ينالهُ سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم. وقد نبذوا في تحصيل المراتب العلية شواغل العُلق، وتدرعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحابُ الملق، ومنعوا جفونهم من ورود حياض النوم إلا تحله، وظهروا بوجوهٍ هي البدورُ وقسي هي الأهله، وتنقلوا في صيد النسور تنقل الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا حبات الطين من كل قوس هي كالفخ، وصرخوا على الأوتار فكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ومرعاها، احتاجت هذه الطريقة إلى ضوابط تُراعى في شروطها، وتحسبُ على الجادة أذيال مُروطها، ليقف كل رامٍ عند طورِ طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن التنازعُ في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب.
وكان المجلسُ السامي الأميري الشهابي أحمد بن برق هو الذي جر فيها على المجرة مطرفة، وأصبح ابن بجدتها علماً ومعرفة، تطرب الأسماعُ من نغمات أوتاره، وتنشق مرائرُ الطير من لون غُباره، وتودّ المجرةُ لو كانت له طريقاً، والشمس جواده، والسماء ملقه، تتمنى قوسُ السماء الملوّنة، لو كانت قوسه والنسرُ طائره والنجوم بندقه. كم جعل حُلل الروض المرقومةِ بما صرعه مصائره، وكم خرج في زمرٍ والطير فوقهم صافات، فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معركِ الجو من قتيلٍ ريشُه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهماً ماضياً لأنه " من حمئ مسنون " .

فلذلك رسم بالأمر العالي لا زال طائره ميموناً، ودر أمره في أدراجِ الامتثال مكنوناً، أن يفوضَ إليه حكم البندقِ بالشام المحروس على عادة من تقدمه في ذلك من القاعدة المستمرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق في طريقها الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها لعيون وكأنما عقدت أعالي كل جفن بحاجب، وليرعَ حق هذه الطريقة في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه الطائفة " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " ، بحيث إنه ينزلُ كل مستحق في منزلته التي لا يعدوها ويقبل من الرامي دعوى صيده، ويرد ما لا يعتدُ بها الرماة ولا يعدوها، ومتثبتاً فيما يحمل إليه من الرمي للحكم ولا يرخ على غيه ذيلاً، محرراً أمر المصروع الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جرياً في ذلك على العادة المألوفة والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة، وليتلقَ هذه النعمة بشكر يستحق به كل خير، ويتلُ آيات الحمد لهذا الأمر السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويُصلح ظاهر حكمه والسريرة، والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، الله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى.
أحمد بن أبي بكر بن ظافر الخطيب


الأمير الصدرُ الرئيس مجد الدين بن القاضي مُعين الدين الهمداني المالكي، خطيبُ الفيوم. كان أديباً لبيباً فطناً أريباً، عنده حشمة ورياسة، وصدارةً ونفاسة، وكان خطيبَ الفيوم، خاضعاً للحي القيوم، يبكي العيونَ إذا خطب، ويحذرهم البوائق والعطب، وكانت له فضائل، وفيه من الكلمة شمائل، قال شيخنا أثير الدين: كان أحد رجالات الكمال صورةً وكرماً، وعلماً وأدباً.
قلت: ولم يزل على حاله إلى أن ظفر على ابن ظافر من الموت ظافر، وأنشب فيه مخالبه والأظافر. توفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
وكان صاهر الصاحب تاج الدين بن حنا، وهو ابن بنت الشيخ مجد الدين الإخميمي، وهو أخو قاضي القضاة شرف الدين المالكي الحاكم بالشام، وسوفي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ومن شعره: .......
أحمد بن بلبان



الشيخ الإمام العالم الفاضل المفتن شهابُ الدين أبو العباس. ابن النقيب البعلبكي الشافعي، مفتي دار العدل وشيخ الإقراء بالشام.
فاضل زاد على الأفاضل، ومفتن قصر عنه من يناظرُ أو يناضل، أقرأ الجماعة للسبع، واحتفوا كأنهم أشبالٌ اجتمعوا على السبع، وكان نحوه يعذبُ في الأسماع منطقهُ، ويروقُ إلى القلوب رونقهُ، لو رآه ابن مالك كان له عبداً، أو ابن الحاجب لفداه بعينه نقداً، ولفقهه على درس منهاجه فيه روضة، وفتواه تمرعُ أرض السامع وتملأ حوضه. وأصوله باسقة، وسهامُه إلى الأغراض بالصواب راشقة، ينظم وينثر جيداً، لكنه مقل ولو شاء لم يكن عن الإكثار متحيداً. هذا كله إلى تواضُع زانه، وتضاؤلٍ رفع شأنه وما شأنه، وعلا به أقرانه، وحشا به فضله فما أسعد قرانه:
تلوح بين الدنيا فضائله ... كما تبرجت الأقمارُ في السدفِ
بادي التواضُع للأقوامِ من كرمٍ ... إن التواضع أقصى غايةِ الشرفِ
ولم يزل على حاله إلى أن نُقب القبرُ لابن النقيب، وأصابت كمالهُ عينُ الرقيب. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري شهر رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة.
ومولده في سنة أربع وتسعين وست مئة بقلعة بلعبك. وكان والده بها نقيباً، واجتمعتُ به بالديار المصرية بالشام غير مرة، وكان يتفضلُ ويجلسُ عندي بالحائط الشمالي من الجامع الأموي بدمشق وآخذُ من فوائده وألتقط من فرائده.
قرأ على الشيخ مجد الدين التونسي، وعلى الشيخ شهاب الدين الكفري بالسبع، وحفظ الشاطبية والمنهاج للنووي - رحمه الله تعالى - ، وقرأ على الشيخ كمال الدين الزملكاني، وعلى الخابوري، وعلى قاضي حماة وأذن له بالإفتاء بعد العشرين وسبع مئة وأذن له بذلك، وقاضي القضاة جلال الدين القزويني بالقاهرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وحفظ مختصر ابن الحاجب والطوالع، وبحثهما على الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وقرأ التقريب والتيسير في علوم الحديث، والعمدة على ابن العطار، وحفظ الحاجبية وألفية ابن مالك وبحثهما على قاضي القضاة ابن مسلم الحنبلي، وعلى ابن المجد البعلبكي.


وناب في القضاء بدمشق لقاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد، وتردد إلى القاهرة مرّات على فرس بريدٍ تارة، وتارة على خيله لزيارة القاضي علاء الدين ابن فضل الله، وأخذ له في بعض سفراته تدريس العادلية الصغيرة لما شغرت من فخر الدين المصري مضافاً لما بيده من تدريس القليجية الشافعية برحيبة خالد، وأخذ حلقة الاشتغال بالجامع الأموي في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بعد الشيخ برهان الدين الفزاري، وكان بيده الإقراء بالأشرفية جوار الكلاسة، ومشيخة الإقراء بتربة أم الصالح.
وكان أولاً يقرئ أولاد القاضي محيي الدين بن فضل الله، فحصل بذلك هذه الجهات، وأخذ له القاضي بدر الدين ابن فضل الله وظيفة الإفتاء بدار العدل في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر.
وكان له ذوقٌ جيد في الأدب وينظم وينثر في الأدب جيداً، ولكنه يتخيل في نفسه لما كان عنده من الانجماع لغلبة السوداء عليه، فما يعمل شيئاً.
وبيني وبينه مكاتبات مذكورة في الجزء الخامس من التذكرة التي لي، وكتبت إنا إليه وإنا بالرحبة وهو مقيم بالقاهرة أسأله عن أخبار الأصحاب:
رحلتُ وفي مصر لي سادةٌ ... يطولُ غرامي بهم واكتئابي
جفوني وضنوا بأخبارهم ... فأصبحتُ أطلبها من صحابي
عسى خبرٌ عنهم صادقٌ ... أطالعُه من كتابِ الشهاب
وكتبت له توقيعاً فإفتاء دار العدل بدمشق ارتجالاً، وهو: رسمَ بالأمر العالي المولوي السلطاني الصالحي العمادي، لا زال شهابه لامعاً، وسحابه بالنوال هامعاً، وجنابه لأرباب العلم جامعاً، أن يرتب في كذا ركوناً إلى ما أتقنه من العلوم، وسهر له والناسُ نيام بشهادة النجوم، وسكوناً إلى ما حصله في مذهبه وحرره، وأوضح دليله بالمباحث وقرره، لأنه المقرئ الذي قتل السبع بدربته خبراً، ونزل به أضيافُ التلاميذ وكان لهم من السخاوي أقرأً، والنحوي الذي لو رآه الفارسي ترجل له إعظاماً، ولو شاهده ابنُ مالك كان له غلاماً، والفقيه الذي لو عاينه صاحبُ التنبيه غدق به هذا الأمر ونام، ولو نظر الغزالي لما كان حاك برود تصانيفه ولا رقمها بالأقلام، والأصولي الذي لو تصدى له السيفُ قطعة بالقول المصيب، ولو تقدم عصره قليلاً قال الناس: ما ابن الحاجب في العين كابن النقيب، والحبرُ الذي تتفيأ الأقلامُ إلى ظل فتأويه، وتبدو وجوهُ المذهب وقد نضرها كأنها البدرُ في دياجيه. فليباشر ذلك على العادة المألوفة، والقاعدة المعروفة، مباشرةً تكون لدار العدل طرازاً، ولذلك الحفل إذا أرشدهم قوله إلى النجاة مجازاً، بدياً من فتاويه ما يقطعُ الحجج، ويقذفُ بحره الزاخرُ درها من اللجج، ويمضي السيف قوله فيقول له الحق: لا إثم عليك ولا حرج، فرب قضايا لا يكشف قناع إشكالها غير فتواه، وأمورٍ ينجلي فيها الحق ببيانه وينظرُ جدواه، وتقوى الله أفضلُ حليةٍ زانت أفاضل الناس، وخيرُ غنيمة تعجلها أو لو الحلم والبأس، فلتجعلها قائده حلمه، وفائدة علمه، فقد أصبح نجي الملوك، وقوله عندهما نفسُ من الدر المنظم في السلوك، وألفاظه عندهم حجةُ في الأوامر والنواهي، وفتاويه عندها المال وإليها التناهي، والله يسدد أقواله، ويوطدُ ركنَ أقواله بالتقوى فإنها أقوى له. والخط الكريم أعلاه حُجةٌ في ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.
أحمد بن بيلبك


شهابُ الدين ابن الأمير بدر الدين المحسني.
كان والده نائباً بثغر الإسكندرية، كتب طبقةً عليا، ونسخ بخطه أشياء، وعانى النظم والنثر، وأتى منها بحدائق الزهر، وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بكلامه وشنف وراح عند الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - في آخر أمره، وكان يسمر عنده في الليل لتفريج هم صدره، ويقرأ بين يديه في مجلدات كان يحضرها، ويريه أوائلها فينظرها، ونظم بعض مسائل التنبيه أتى بذلك على غالبها، وبرز في نظمها ولطف ما قال به في قالبها، وكان يعرضها أولاً فأولاً على العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى أن كملها، وختم عليه مُفصلها ومُجملها، وتوجه بعد تنكز رحمه الله تعالى - مرات إلى مصر وعاد، وألفت دمشقُ منه التداني والبعاد، وآخر ما فارقها، ونبذ عهدها وسارقها، وأنه توجه إلى مصر، وسعى في نيابة دمياط، وعمر هناك عمارة وقع منها في ألسنة العوام بين هياط ومياط.


ولم يزل بها نائباً إلى أن أساء الدهر إلى ابن المحسني، وذهب من حياته بالرائق السني، وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وتسعين وست مئة.
وهو أخو الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني، وذهب من حياته بالرائق السني، وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وتسعين وست مئة.
وهو أخو الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لله ساقٍ رشيقُ القد أهيفه ... كأنما صيغَ من در ومن ذهب
يسقي معتقةً تحكي شمائلهُ ... أنوارُها تزدري بالسبعة الشهب
حبابها ثغرُه والطعمُ ريقُته ... ولونُها لونُ ذاك الخد في اللهبِ
قلت: شعر متوسط.
وكتبت أنا إليه وقد وقفت له على قصيدة في هذا الوزن بهذا الروي يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أيا قاصداً في مدحه أشرف الورى ... وخير نبي في البرية أرسلا
جلوت علينا فيه وجه قصيدةٍ ... أجل من البدرِ المنير وأجملا
إذا نحن شبهنا به نظم شاهرٍ ... وكل قوافيها الحسانِ تقولُ: لا
أحمد بن أبي بكر


الأمير شهاب الدين ابنُ الأمير الكبير سيف الدين نائب الشام، وأحدُ الولدين الذكرين اللذين خلفهما الأميرُ سيفُ الدين تنكز، كانا بمصر من جملة الأمراء، وكان هذا أحمد هو الصغير، والأمير ناصر الدين محمد هو الكبير، وكان أسمر طويلاً، وقد اثر الجدري في وجه.
توفي - رحمه الله تعالى - في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
أحمد بن حامد بن عُصبة
القاضي، جمال الدين الحنبلي، قاضي بغداد.
تولى قضاء بغداد، وكان فيها بمنزلة الأستاذ إلا أن خربندا تغير عليه خاطرهُ، وتنكبَ عنه من نسيم إقباله عاطرهُ، فيقال إنه أخرق به وعزره، وكاد لولا قليلٌ أن يُرى وقد نقبَ جبنه وفزره.
ما زال في حاله إلى أن عاملته الحياة بالجفاء، وأعوزته الوقوف على ربوع الشفاء.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي



الإمام الحاكم بأمر الله، أبو العباس بن الأمير أبي علي القبي - بالقاف والباء الموحدة - وعلي المذكور ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر الهاشمي العباسي البغدادي، قدم مصر، ونهض ببيعته الملكُ الظاهر، وبويع سنة إحدى وستين وست مئة، وخطب بالناس، وعقد بالسلطنة للملك الظاهر بيبرس.
وكان ملازماً لداره، وكان شجاعاً له إقدام، وعنده ثباتُ جنان في الحرب وإقدام، لا يفر من الحين المجتاح، ولا يرى في وسط المعركة إلا هو إلى الموت يرتاح. هذا إلى ديانة متينة وصيانة مبينة. له راتب يكفيه من غير سرف، ويُقيم أوده إذا ماد أو انخرف.


امتدت أيامه قريباً من أربعين سنة، ثم إنه عهد بالخلافة إلى ولده المستكفي بالله أبي الربيع سليمان، وكان الحاكم قد نجا في كائنة بغداد، واختفى، ثم إنه سار مع الزين صالح بن البنا والنجم بن المشا، وقصدوا أميرَ خفاجة حسين بن فلاح، وأقاموا مدّة، ثم توصلوا إلى دمشق، وأقام بالبر عند عيسى بن مهنا، فعرف به الناصر صاحب حلب، فطلبه، وجاء هولاكو، ولما جرى ما جرى، ودخل المظفر دمشق بعد واقعة عين جالوت، بعث أميراً يطلب الحاكم، فاجتمع به وبايعه، وتسامع به عربُ الشام، فساروا معه، وآل فضل خلق، فافتتح بهم عانة وهيت والأنبار، وحارب القراؤول في سنة ثمان وخمسين وست مئة، فهزمهم، وقتل منهم ثمانية مقدمين، وأزيد من ألف، وما قُتل من عسكره سوى ستة، فأقبل التتار مع قرابغا، فتحيز الحاكم، وأقام عند ابن مهنا، ثم كاتبه طيبرس نائب دمشق، فقدمها، فبعث به إلى مصر، وصحبه الثلاثة الذين رافعوه من بغداد، فاتفق وصول المستنصر قبله إلى مصر بثلاثة أيام، فخاف الحاكم منه وتنكر، ورجع ماشياً وصحبته الزين الصالحي إلى دمشق، فاختفى بالعقيبة، ثم قصدا سلمية وصحبتهما جماعة أتراك، فقاتلهم قوم، ونجا الحاكم، وقصد الأمير البرلي، فقبل البرلي، فقبل البرلي يده وبايعه هو وأهل حلب، وساروا إلى حران فبايعه بنو تيمية بها، وصار معه نحو ألف من التركمان وغيرهم، وقصدوا عانة فصادفوا المستنصر الأسود، فعمل عليه، واستمال التركمان فخضع الحاكم وبايعه، والتقوا التتار، فانكسر المسلمون، وعدم المستنصر ونجا الحاكم، فأتى الرحبة ونزل على ابن مهنا، فكتب إلى السلطان، فطلبه، فسار إلى القاهرة، وبويع بإمرة المؤمنين، وسكن في برج القلعة ليس له في الأمر شيء سوى الدعاء في الخطبة، وطلب له إلى مصر الإمام شرف الدين بن المقدسي، فأقام معه نحو سنة يفقهه ويعلمه ويُكتّبه، وأجاز له ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر، ولم يحدّث.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وخرج له ابن الخباز بخطه الوحش وانتخابه العفش أربعين جزءاً بالإجازة، فبعث بذلك إلى الوراقة.
وكانت وفاته سنة إحدى وسبع مئة، في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، ودفن بمشهد السيدة نفيسة.
وتقدم ذكر حفيده أحمد بن سليمان، وسيأتي ذكر ولده سليمان - إن شاء الله تعالى - في حرف السين مكانه.
أحمد بن الحسن


ابن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي.
قاضي القضاة، شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ شرف الدين ابن الحافظ جمال الدين.
كان من أعيان الحنابلة وفرسانها المُقاتلة، جيداً في ذاته، خيراً في صفاته، درّس بالصالحية وبحلقة الحنابلة، وولي الإمامة بمحرابها، وولي القضاء بالشام نحواً من ثلاثة أشهر عوضاً عن قاضي القضاة تقي الدين سليمان في سنة تسع وسبع مئة في مستهل جمادى الآخرة، ولما جاء الملك الناصر من الكرك إلى دمشق عزله، وأعاد قاضي القضاة تقي الدين سليمان.
وكان فاضلاً، فقيهاً، مناضلاً نبيهاً، حسن العبارة، إذا جرى في ميدان علمه لا يشق أحدّ غباره.
وقرا الحديث، وروى عن ابن عبد الدائم.
ولم يزل على حاله إلى أن قضى إلى سبيل ربه، وعجز المداوي عن رقاه وطبه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في تاسع عشري شهر ربيع الأولى سنة عشر وسبع مئة.
ومولده ثاني عشر صفر سنة ست وخمسين مئة بسفح قاسيون.
أحمد بن الحسن بن محمد



مجير الدين الخياط الدمشقي.
كان المذكور شيخاً خياطاً، وناظماً في ليل جهالته خباطاً، وربما ندر له البيت والبيتان، ورمى بالدرة فلقفها من أقلامه الحيتان، مع ثقل في ألفاظه، ما تنوء به أذهان حُفاظه. وكان كثير الداوى في هذا الفن، غزير الإدلال على من يسمع الحمام، وينشد قصدية قد عارضها في وزنها، ويقول: هكذا تكون الدرر في خزنها.
والبارحة ضربت المتنبي بألف بابوج، وجعلت طرطوره مثل السراقوج، وينشد قصيدة يعتقد أنها نظيرُ شعر ذاك، ويقول: هكذا تكون الجواهر في الأسلاك.
وشعره في عدة مجلدات، وليس لها نظير في بابها ولا لدات. قال لبنته المسكينة قبل موته: لا تبيعي كل مجلد من هذه بأقل من مئتي دينار، وإياك أن يغرك أحد، فيأخذها بدون هذا المقدار. فكانت بعد موته تبيع كل مجلد منها بدرهمين أو ثلاث، وتتعجب من الناس كونهم ما لهم عليها إقبال ولا انبعاث.


ولم يزل على ذلك الحال إلى أن لم يجد لمجير من الموت مجيراً، وبطل ما كان له من العادة والهجيرى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقد قارب السبعين أو تجاوزها.
ومن شعره، ومن خطه نقلت:
إلى كم أيها الدهر الخؤون ... أهونُ وأنت صعبٌ لا تهونُ
ثكلتك لا خليل لديك يرجى ... صفاء الود منه ولا خدينُ
ولا سكن إليه من الليالي ... إذا اضطربت حوادثها سُكونُ
لا قرنٌ من الإخوانِ دمر ... به يحمى الذمار ولا قرين
ولا تربٌ يُصابُ ولا صديقٌ ... كما لم يجتمع ضب ونونُ
فدحضا ثم تعساً ثم عثراً ... لخطوكَ أيها الصعبُ الخؤون
فيا شر الدهور إلام ظمئي ... لديك ولا معينُ ولا معينُ
أكذبُ في لئام بنيك ظني ... فتصدقني المآربُ والظنونُ
وأسمح أهلِ هذا العصرِ نفساً ... بنائلِ خيره كزضنينُ
ولست فتى على وعك الليالي ... إلى غير المهيمن أستكينُ
وإن جار الزمان فلي قناةٌ ... على غمر الحوادث لا تلينُ
لأني من بني بيتٍ رفيعٍ ... عليه تنزلُ الروحُ الأمينُ
يغر ذوي الجهالةِ في حلمّ ... إذا طاشت حلومُهم رزينُ
وما علموا بأن جبال حلمي ... لهم من خلفها مقتي كمينُ
وألفاظّ أحدُّ من المواضي ... إذا شحذت مضاربها العيونُ
ومنها:
وفي متشاعري عصري أناسٌ ... أقل صفاتِ شعرهُم الجنون
يظنون القريضَ قوامَ وزنٍ ... وقافية وما شاءت تكون
وما علموا بأنّ الشعر مرقى ... دوينَ صعوده يندى الجبينُ
وعبء لو تحمله ثبير ... لأطاله ومنه بدا الأنينُ
وبحر نهى له غورٌ بعيد ... عزيزُ فيه لؤلوه الثمين
ومضمارُ فحولُ الشعر فيه ... لهم من وعر شقتهِ صفونُ
وقافيةٌ هي الذهبُ المصفى ... إذا امُتحن بل السحُر المبينُ
معانيها الثواقبُ والقوافي ... إذا يُفزعن أبكارٌ وعين
أحمد بن حسن


الأمير شهاب الدين بن المرواني.
كان أول متولي البر بالكرك، وأخوه علاء الدين بن المرواني متولي البر بدمشق، فأعرف في وقت أنه طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، وكتب الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - على يده مطالعةً، وكتبا إلى الأمير سيف الدين بكتُمر الساقي وغيره بالشكر منه والوصية به، فأخذ الكتبَ وتوجّه بها، ولم يفتقدها إلا وهو بين يدي السلطان، فمدّ يده ليخرجَ المُطالعة، فمل يجد لها أثراً، فسقط في يده ودهش، فتلافى أمره سيف الدين بكتمر الساقي، وكتب إلى تنكز في معناه، فاستأنف المكاتبة له ثانياً، وجهزها في البريد إليه، فاقبل السلطان عليه بعد ذلك وعاد مكرماً.
وتولى نيابة بعلبك، ولم يزل فيها إلى أن طلب أخوه الأمير علاء الدين إلى مصر، وولاه السلطان الوجه القبلي، فطلبه الأمير سيف الدين تنكز من بعلبك وولاه مكانه في ولاية البر، فأقام به إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة، وكان قد توجه إلى مصر، فحضر وهو مريض.
وكان فيه دين، يتلو القرآن ويتنفل وفيه خير وعبادة.
أحمد بن زكريا بن أبي العشائر



الشيخ شهاب الدين أبو العباس المارديني.
روى الجزء الثاني من مشيخة ابن سلمة عنه. وكان مقيماً بدمشق يصحب القاضي محيي الدين بن الزكي وأولاده، وينتمي إلى ابن العربي. ثم إنه سافر في الجفل إلى القاهرة واستوطنها.
قال شيخنا البرزالي: وأجاز لنا بدمشق، وتوفي - رحمه الله تعالى - بالفيوم في شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة بماردين.
أنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: أنشدنا المذكور، قال: أنشدنا الزين الجوبان لنفسه:
انظر إلى الشمس وقد عممت ... رؤس الهضاب الصلعِ بالأصفر
كأنها في الجو قلاعةٌ ... وجاء فلاحٌ عليها خري
أحمد بن خليل




شهاب الدين البزاعي التاجر الشاعر، له ديوان شعر، حدث بشيء منه، سمع منه الطوفي الحنبلي، وسراج الدين عبد اللطيف بن الكويك، والسديد بن كاتب المرج، وناصر الدين محمد بن الثقة الأسنائي.
كان المذكور سفاراً، يحمل من الفضل أسفاراً، له عناية بديوان أبي الطيب، وميل إليه كما يتحدر قطر الصيب، يراجعه ويكرر على أبياته، ويعتني بإظهار عجائبه ومخبآته، ولم يزل على حاله إلى أن مرغت بالموت صفاته، وشرعت وفاته.
توفي - رحمه الله تعالى - يوم عاشوراء سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وقد قارب المئة سنة.
ومن شعره: ....
أحمد بن سعد بن محمد


أبو العباس العسكري الأندرشي الصوفي.
شيخ العربية في زمانه بالشام، وبارقها الذي ينتجعُ قطره من شام، برع في النحو ودرسه، واقتطف أثمار ما علقه من الفوائد وغرسه. أقرأ التسهيل بدمشق لجماعة تخرجوا به وانتفعوا، وخرجوا من الجهالة واندفعوا. وشرح التسهيل، وجعل غامضة كثيباً هيل.
نسخ بخطه تهذيب الكمال واختصره، وشرع في تفسيرٍ كبيرٍ وفر وقته عليه وقصره، وكان ديناً، ورعاً صيناً، منقبضاً عن الناس إلى الغاية، ومنجمعاً عنهم ليس له بأمرهم عناية، لم أر في عمري ولا رأى غيري مثل انجماعه، ولا مثل اطراحه أمور الناس ودفاعه. حضرت يوماً عند العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وهو عنده بعدما أمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بخمس سنين، فذكر إمساك تنكز، فقال: وتنكز أمسك؟ قلنا: نعم، وجاء بعده أربعة نواب، الأمير علاء الدين ألطنبغا، الفخري، وأيدغمش، هذا الأمير سيف الدين طقزتمر! فقال: ما علمت بشيء من هذا، وما في ذهني أن تنكز أمسك! فتعجبنا منه ومن تخليه عن أ؛وال الناس والاشتغال بهم، ويقع في دمشق مثل واقعة تنكز، والفخري، وألطنبغا، وهو في دمشق ما يعلم بشيء من ذلك! هذا من أعجب ما يكون.
وكان له بيت في الجامع تحت المأذنة الشرقية ولم يزل مكباً على التسهيل حتى محقه الإسهال، وذكره الموت بعد الإمهال والإهمال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة سنة خمسين وسبع مئة، ومولده بعد التسعين والست مئة، ووقف كتبه على أهل العلم، وجعل أمره لقاضي القضاة.
أحمد بن سليمان بن محمد بن هلال



الصاحب تقي الدين، ابن القاضي جمال الدين، ابن القاضي أمين الدين، ابن هلال.
خرجت له شفاعة من دور السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - ونحن معه بالقاهرة في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة بأن يكون في جملة كتاب بدمشق، فوعدهن بذلك إذا عاد إلى دمشق، ثم إنه ذكر لأمره فما وافق، ثم إنه سعى بعد موت جمال الدين عبد الله بن غانم في زمن طقزتمر أن يكون عوه فما اتفق له ذلك، فتوجه إلى مصر، وسعى في أيام الملك الكامل، وبذل مبلغاً كثيراً في وكالة بيت المال والحسبة، وتوقيع الدست وبالشام، فرسم له بذلك، وبلغ مبلغاً كبيراً، ثم توقفت القضية، فلما تولى الملك المظفر، قام معه الأمير سيف الدين بن فضل والصواف تاجر الخاص فرسم له بنظر الشام عوضاً عن الصاحب علاء الدين بن الحراني، لأنه كان قد تصور من الوظيفة، وحضر إلى دمشق في زمن الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي بعد عيد رمضان سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وباشر الوظيفة مدة تقارب نصف سنة إلى أن عُزل بالصاحب شمس الدين موسى ابن التاج إسحاق، وحضر إلى دمشق في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.


وكان شاباً طويلاً حسن الصورة، مليح الشكل، حركاته على الظرف واللطف مقصورة، قد خط عذاره بقلم الريحان، وبسم عن ثغر كأنه الحُباب على بنت الحان، بعمة أنيقة اللف، دقيقة الصف، وقلُمه سريع الحركة، وحروفه أحسن في دُجى الحبر من النجوم المشتبكة، واستخف الناس به، وقالوا: هذا صغيرٌ على هذه الوظيفة، قليل الدربة بتنفيذ أمور الدولة العالية المنيفة، فلطف الله به، وجاءت الجهات من عيونها، وماتت نفوس حساده بغبونها، وكان قلمه رطباً لا يرد سائله، ولا يخيبُ من أمله وسائله، رأد معاليم جماعة، وأجرى قلمه بصلةِ الرزق ومد باعه، إلا أن الناس عبرت عيونُهم عليه، ولعبوا في التصريف بين يديه، وقلت حرمته، وحلت بذاك جرمته، ونهب المال وتمحق، ووقع في الضياع وتوهق، فكتب الأمير سيف الدين يلبغا، وطلب الصاحب شمس الدين موسى، فحضر كما ذكر أولاً، ولم يجد الصاحب تقي الدين عن دمشق متحولاً، فلازم داره، وأقام مكانه كالقمر في الدارة.
وكان قد استدان من الصواف مبلغ ثمانين ألف، واتفق في تلك المدة أن حضر الأمير سيف الدين صرغتمش إلى دمشق متوجهاً بالأمير فخر الدين إياس إلى نيابة حلب، فطالب تقي الدين المذكور مطالبةً فيها غلظة، وأراه مع مهابته أخلاقاً فظة، وجدّ له واكفهر، وجدّ له وازبأر، فشفع فيها غلظة، وأراه مع مهابته أخلاقاً فظة، وجد له عوده من حلب، وأنه ما يحوجه بعد هذا المجلس إلى طلب. فلما كان قبل وصول الأمير سيف الدين صرغتمش إلى دمشق بليلة واحدة، ثارت على تقي الدين حمى بالهلاك معترفة وللحياة جاحدة، وتبيع مع الحمى دمٌ كثير، وهيج كربٌ للتلاف مثير، أعجز الأطباء عن خلاصة أو فكاكه، وتركوا ابن هلال في دائره هلاكه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الجمعة سادس شهر رجب الفرد، سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان عمره خمساً وعشرين سنة.
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة ما كتبه إلى المذكور
هنيتَ ما أوتيته من دولةٍ ... حملتكَ في العينين من إجلالها
في مقلةِ الأجفان أنت فقل لنا ... أنت ابن مقلتها أو ابنُ هلالها
وانتقد الأفاضل عليه هذا المعنى، لأنه ما يستقيم له المعنى الذي أراده، فأنشدني بعد ذلك الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الخياط من لفظه لنفسه:
إن الوزارة والكتابة لم تجد ... أحداً سواك يزيدُ في إجلالها
جعلتك في العينين منها يا ترى ... أنت ابنُ مقلتها أو ابن هلالها
أحمد بن سليمان بن أحمد بن الحسن القبي


بضم القاف وتشديد الباء - ابن أبي بكر بن علي، ابن الفضل بن أحمد بن عبد الله ابن إسحاق ابن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الإمام العباسي المصري، أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، أبو القاسم ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم، وجده الفضل هو المسترشد بن المستظهر بن المقتدي بن القائم بن القادر بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور.
لما توفي والده المستكفي بالله بقُوص - كما سيأتي في ترجمته في حرف السين - عهد بالأمر إلى ولده هذا أحمد، فلم يوافق الملك الناصر محمد بن قلاوون على ذلك كراهية في والده، وبويع أبو إسحاق إبراهيم ابن المستكفي بيعة خفيّة لم تظهر، ولم تبد كواكبها في أفق الخلافة ولم تُزهر، واستمر الأمر على ذلك إلى أن تولى الأشرف كجك في أيام قوصون، فطلب أبا القاسم هذا وبايعه بيعة ظاهرة، سارية في الآفاق سائرة، وكان قد لقب أولاً بالمستنصر، فلقب الآن بالحاكم، وكني أبا العباس، واشتدت أواخي خلافته والأمراس.
ولم يزل خليفة بمصر من سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة إلى أن خمدت أنفاسه، ونقضت من الحياة أحلاسه، وتوفي - تغمده الله برحمته في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أحمد بن عبد الله



ابن أحمد بن إبراهيم بن المسلم.
بضم القاف وتشديد الباء - ابن أب بكر بن علي، ابن الفضل بن أحمد ابن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الإمام العباسي المصري، أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، أبو القاسم ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم، وجده الفضل هو المسترشد بن المستظهر بن المقتدي بن القائم بن القادر بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور.
لما توفي والده المستكفي بالله بقوص - كما سيأتي في ترجمته في حرف السين - عهد بالأمر إلى ولده هذا أحمد، فلم يوافق الملك الناصر محمد بن قلاوون على ذلك كراهية في والده، وبويع أبو إسحاق إبراهيم ابن أخي المستكفي بيعة خفيّة لم تظهر، ولم تبد كواكبها في أفق الخلافة ولم تزهر، واستمر الأمر على ذلك إلى أن تولى الأشرف كجك في أيام قوصون، فطلب أبا القاسم هذا وبايعه بيعة ظاهرة، وسارية في الآفاق سائرة، وكان قد لقب أولاً بالمستنصر، فلقب الآن بالحاكم، وكني أبا العباس، واشتدت أواخي خلافته والأمراس.
ولم يزل خليفة بمصر من سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة إلى أن خمدت أنفاسه، ونقضت من الحياة أحلاسه، وتوفي - تغمده الله برحمته في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أحمد بن عبد الله

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 05:56 AM ]


ابن أحمد بن إبراهيم بن المسلم.

القاضي النبيل الماجد، شهاب الدين ابن البارزي، ناظر الأوقاف بدمشق، حدث بالغيلانيات عن غازي الحلاوي.


ورد إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة من حماة، فأكرمه ورتبه في نظر الأوقاف، وكان في حماة في زمن الملك المؤيد عماد الدين صاحباً، وكان يحبه ويكرمه، وكان كثير البشر طلق الوجه، لا يعرف الرد ولا النجة، كثير التودد والتقرب إلى القلوب، ولا يعرف إلا إيجاب الحقوق على نفسه دون السلوب، يأخذ نفسه بالسيادة التي اعتادها، وأكرم الله له ولادها، وألف رضاعها فما أضاعها بختانة ولادها، يتحيل على أن يخدم الناس بما عنده، ويودّ أن كل أحد يستظل بأنه وزنده، ويختار أن المحتاج والمحتال لا يقتدي غلا به ولا يقتدحُ إلا زنده، ورد على أهل دمشق غريباً، فكان إلى كل القلوب قريباً، وإذا عاداه غر به، رده بالإحسان إليه حبيباً، بأخلاقٍ من أين للنسيمات لطفها، أو للغصون ميلها وعطفها.
ومناقبٌ بيضُ الوجوه مضيئةً ... أبداً تكاثرُ السنَ المدّاحِ
من قاس ذا شرف به فكأنما ... وزن الجبال الجبالَ القودَ بالأشباحِ
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن برز إلى لحده، وخلف السؤدد ينوحُ عليه من بعده. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وكان قاضي القضاة تقي الدين السبكي يعظمه ويحترمه ويبره.
أحمد بن سليمان



ابن مروان بن علي بن سحاب.
الشيخ العدل الفاضل، الأديب الصدر شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ نجم الدين البعلبكي.
كان تاجراً بالخواصين مدة، ثم ترك ذلك، وشهد على الحكام، ودخل في شهادة القيمة، وكان تقدم له اشتغال في العربية والأدب ونظم الشعر، وله قصائد.
وقرأ القرآن على علم الدين السخاوي، وعرض عليه الشاطبية قال شيخنا البرزالي: رواها لنا عنه مرات، وروى لنا أيضاً جزء سفيان، وجزء الصفار، والأربعين السلفية، وتاريخ هاشم بن مرثد، وروى لنا نسخة أبي مسهر عن المشايخ الأربعة: التاج الشيرازي، وابن علان، وابن ريش، وإبراهيم بن خليل، وغير ذلك.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سادس ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وعشرين وست مئة.
أحمد ابن سلامة



ابن أحمد بن سلامة. الإمام العلامة، قاضي القضاة بدمشق المالكي، القاضي فخر الدين أبو العباس ابن القاضي تاج الدين أبي الخير بن القاضي زين الدين أبي العباس الإسكندري.

كان جبلاً في علمه، وشعلةً في فهمه، بحراً يتموج فروعاً، وحبراً لا يرى في معرك الجدال مروعاً، هذا إلى تفسير وحديث، ومعرفة تواريخ من قديم وحديث، وأصول برز في معرفة مسائلها، وعرف مأخذ قربها من الحق ووسائلها، جلس ببلده مدة للإفادة، وكان للطلبة عليه في كل وقت قدومٌ ووفادة، وانتفع الناس بعلومه المتقنة، وفوائده المفتنة. وناب هناك في الحكم، وشرف نفسه عن قبول الهدية والشكم، فشكرت سيرته، وطهرت سريرتُه، وظهر بالوجاهة، فنقل إلى قضاء القضاة بدمشق فوردها بل وردها، وعراها من السوء إذ عراها وجردها، وأقام بها سنة ونصفاً، ثم دعاه خالقه، وقذف به في حفرة القبر حالقه.
وتوفي رحمه الله تعالى - بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
وكان قدومه إلى دمشق في سابع عشري جمادى الأولى سبعة عشرة وسبع مئة.
وكان محمود الطريقة، وجمع في قضائه بني العلم المتين والنزاهة والصرامة، وهو من بيتٍ كبير بالإسكندرية.
أحمد بن طيبغا


الأمير شهاب الدين المعروف بابن أخي الفخري، أحد أمراء الطبلخانات بالشام، توجه لنيابة الرحبة، ثم إنه طلب الإقالة منها، وحضر إلى دمشق في سنة سبع وخمسين وسبع مئة وأقام بها قليلاً، ثم توجه لنيابة حمص، فأقام بها، فلم توافقه، وماتت زوجته وجماعةٌ من ألزامه وأهله ومماليكه، وطال مرضهُ فيها إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الثلاثاء تاسع شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكانت نيابته بحمص قريباً من عشرة أشهر، وكان شكلاً حسناً فيه حشمةٌ ورئاسة، وحُمِدَت سيرتُه في النيابتين، وكان قد وليها بعد موت نائب حمص الأمير علاء الدين علي بن الملك الزاهر.
أحمد بن عباس



ابن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الماكسيني الأصل ثم الدمشقي، ناصر الدين أبو العباس بن ناصر الدين الماكسيني أبي الفضل.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن الأمير شرف الدين يعقوب بن محمد بن الحسن الهذباني، وحدّث والدُه عن حَنبَل، وهو من شيوخ الدمياطي. وروى جدّه عن الحافظ ابن عساكر.
روى لنا عنه ابن الصابوني. وهذا الشيخ كان جندياً في دولة الملك الصالح أيوب، وكان رجلاً جيداً ملازماً للصلوات في الجامع.
توفي " رحمه الله تعالى " في أوائل سنة إحدى وسبع مائة.
مولده سنة خمس عشرة وست مائة.
أحمد بن العباس بن جَعوان
الإمام الزاهد شهاب الدين الأنصاري الدمشقي الشافعي، أخو الحافظ شمس الدين محمد، وسيأتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى.
روى أحمد هذا " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم، وسمع مع أخيه كثيراً، وأقبل على الفقه فبرع فيه، ولم يكن من يوفيه قدره لما يوافيه، وأفتى الناس زماناً، وانقطع عنهم ينثر من العلم جماناً، وهو من تلامذة الشيخ محيي الدين النووي.
وتوفي رحمه تعالى سنة تسع وتسعين وست مائة
أحمد بن عبد الله



القاضي تاج الدين أبو الفضائل، ابن الصاحب أمين الدين.
كان قيماً بصنعة الحساب، إليه الانتماء والانتساب، يخدم جريدته بنفسه، ويتميز بذلك على أبناء جنسه، فلا يحتاج إلى كشف عامل، ولا يريد مع نفسه مشقة سيف ولا هِزّة عامل، يكاد يعمل محاسبة كلِّ أحد من ذهنه، ولا يحتاج إلى مساعد في ذلك، ذكاءً من فطنته وإتقاناً لفنّه، هذا إلى عفّة زانته، وأمانةٍ لا يعلم أحد أنها حابته ولا خانته. تنقّل في المباشرات العالية، وانفصل عنها وثناؤه فيها يرفض نفحات الغالية، إلا أن الأقدار لم تُصافه، ولم تعامله بما يحبُّ من إنصافه، وآخر ما مات تحت العقاب، ورأى الذل الزائد بعدما خضعت له الرقاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وسبع مائة أو في أواخر شوّال.


كان أولاً قد دخل هو وأخوه القاضي كريم الدين ديوان الإنشاء في وزارة أبيهم، واستمرا في جُملة كتاب الإنشاء مدة، ولما عرض السلطان ديوان الإنشاء في سنة تسع وعشرين وسبع مائة، أخرجهما، ثم أنه ولى القاضي تاج الدين استيفاء الصُّحبة وخرج القلاع الحلبية كاشفاً هو والأمير سيف الدين جَرَكْتُمر وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة، وبقي في استيفاء الصحبة على أكمل ما يكون، وترامى إلى النّشّو وأحبّه، فلما كان في سنة تسع وثلاثين وتولى نظر الدولة، وولي أخوه كريم الدين استيفاء الصحبة، فلم يزل فيه إلى أن أمسك هو ووالده الصاحب أمين الدين والقاضي شرف الدين النشّو، وعوقبوا. ومات والده تحت العقوبة والنشو، وصودر تاج الدين وأقام إلى أن أفرج عنه، فحضر إلى القدس وأقام فيه مجاوراً مدة، وعمل مجلداً في مساحته، أعني المسجد الأقصى والحرم وما فيه من المعابد والقباب والأبواب، وتعب عليه، وأجازني روايته عنه في سنة خمس وأربعين وسبع مائة فطلب من القدس وتولى نظر البيوت بالقاهرة، فاتفق له مع أرغون شاه لما كان يعمل الأستاذ داريّة ما أوجب أنه طلب الإعفاء، وأظنه بعد ذلك دخل إلى ديوان الإنشاء.
ثم إنه تولى نظر النظار بالشام، فحضر في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر، وثّمر وعّمر وأرضى الناس، ووصلت إليهم حقوقهم، وكان لا يحابي أحداً ولا يحاسنه، لكنه طلب الإقالة، فأُعفي من نظر الشام، وتوجه إلى مصر وأقام مدة، ودخل ديوان الإنشاء، وأقام به إلى أن أمسك الوزير علم الدين بن زنبور، فتولى نظر الجيش بالديار المصرية فحقّق ودقّق وما أرعى أحداً. ولما عُزل القاضي بدر الدين من نظر الخاص وقال: معلوم نظر الجيش يكفيني، وباشر ذلك وهو على قِدم العدالة فيه والأمانة وعدم الخيانة إلى أن تولى السلطان الناصر حسن ثانياً، فغيّروا خواطره عليه فأمسكه، وصودر وعوقب، وتنوّعوا في عقابه، ومن ذلك أنهم حلقوا رأسه وجرحوه بالموس، ثم جعلوا في قُبعِه نبات وردان وألبسوه فوجد لذلك ألماً مُبرّحاً، نسأل الله العفو والعافية. وكان ذلك من حقد الأمراء والخاصكيّة عليه، لأنه ما راعاهم بل راعَهَم، ولم يحفظ جانبهم وأضاعهم.
وكنت قد كتبت له رحمه الله وأنا بالقاهرة توقيعاً شريفاً باستيفاء المارستان المنصوري عوضاً عن أخيه شمس الدين، وهو: " أما بعد حمد الله الذي زان أيامنا الشريفة بتاجها، ومنحَة من السيادة طريقةً لا تنكبُ السعود عن منهاجها، وخصّه بمناقب فرائدها اتساق اللآلي المنظمة في ازدواجها، وأحله من المعالي رُتبةً تحسدها الكواكب المشرقة في شرف أبراجها، وصلاته على سيدنا محمد الذي حضّ على المعروف وحث، وأذاع الجميل للناس كافةً وبث، ونشر لواء الثناء على المُحسنين ونثّ، وتّمم مكارم الأخلاق، فجدّد منها ما كان قد بلي ورمَّ مارث، وعلى آله وصحبه الّذين ما منهم إلا من له الفضلُ المستوفى، والجود الأوفى، صلاة يكون الرضوان لها حِلفاً، وتبوّئهم عند الله منازل الزُّلفى، وسلامه " .

فإنه لّما كان البيمارستان المنصوري وقف والدنا الشهيد الملك المنصور قد الله روحه ونور بالرضوان ضريحه، أجلِّ القُرُباتِ نفعاً، وأخصبَ المثُوبات مرعى، يجري نفعُ أوقافه على الخاص والعام، وينفقُ من حواصله في اليوم ما يُنفقُ من غيرها في العام. وتخفق راياتُ الآيات الكريمة في أرجائه، وتُنشرُ أعلامُ العلومِ في أثنائه، ويزول به الإعدامُ والإيلام، فكان حاتماً في حيّه، والمسيح في إحيائه، إلى غير ذلك من وجوه المعروف وأنواع البر المصروف، وكان استيفاؤه يحتاج إلى من جُرّبَ سدادُه وعُلِم رشادُه، وعُرف اعتمادُه، وكان الحساب ميداناً وهو سابقهُ وجواده. والمجلس السامي القضائي التاجي ممن زانت أيامنا خدمة، ورسخت في ولائنا قدمُه، حتى أصبح بالمحامد مُتحلياً، ولأقسام المحاسن مستوفياً، يصحبه ركابُنا الشريف في الحضر والسفر، ويتصف بسيادةٍ أخجلت الأفق، فالشفق المحمرُّ فيه علامة الخفر، وقد رأينا أن لا تنبت في الروض إلا قبضه المرموقة، ولا تطلعُ في الأفقِ إلا شبُه المشرقة، ولهذا رجع إليه حقُ الشُّفة وانتهى، وأحسن ما خلقت الدرة في السلك أختها، فلذلك رُسم بالأمر الشريف أن يُرتب في اسيفاء البيمارستان المبرور وأوقافه عوضاً عن أخيه فلان، فليباشر ذلك مباشرة تجمع شتات الحزم، وتلزم ثبات العزم، حتى لا تفوت أوراقه ثمرةً تُجنى، ولا يغيب شيء من أموره عن نصره في الصورة ولا عن بصيرته في المعنى، متطلباً كل عامل بما يلزمه في وضع الكتابة، مُنكراً عليه إذا طاش سهمُ قلمه عن الإصابة، لتمشي الأحوال فيه على النهج القوي القويم، وتُصرف أمواله على الوجه الذي قصد به العلي العظيم، والوصايا كثيرة ، ومع كفايته لا بُد لّه منها علة وصاه، ولا ننبهه عليها بطرق حصاه، وتقوى الله " عز وجل " في هذا وغيره أوثقُ العُرى، وأعزُّ حصن يُتسنم منه الذرى. فالزم شعارها واقتف أثارها، والله يتولى عونك، ويُديم ثونك. والحظُّ الشريف أعلاه الله وشرفه أعلاه، حجة بثبوته في الذي اقتضاه، والله الموفق بمنّه وكرمه، " إن شاء الله تعالى " .
وكنت قد كتبت إليه عن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى كتاباً هنّأته فيه بنظر الدولة، وهو التذكرة التي لي. ؟
؟
أحمد بن عبد الله بن الزكي

المعروف بالقاضي شُقير، تصغير شقر، القاضي شرف الدين الدمشقي الجزري. تجرد للفقر خمسةً وستين عاماً، واجتلى الزهد في الدنيا قمراً تاماً، وأعرض عن الحطام الفاني، وتحقق أن الفراق من الدنيا داني، ثم إنه جاور بمسجد الكهف الذي هو أسفل جبل قاسيون، إلى أن أنفق جمامُه، وانمحق تمامهُ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة وسبع مائة في تاسع جمادى الآخرة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
أحمد بن عبد الله بن عبد الله بن مهاجر



شهاب الدين الأندلسي الوادي آشي الحنفي.
هو فاضل مشهور، وعدل مذكور، يعرف مع الفقه النحو والعروض، وجوادهُ في النظم الفائق مروض.
سكن طرابلس الشام مدة، واجتمع فيها مع الأكابر بعدّه، ثم إنه انتقل إلى حلب، وبها نفق من البضائع ما جلب، وكان ابن العديم قاضيها يواليه، ويطرب لأماليه، ويحثه على معاليه.
رأيته بحلب سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، وكتب إليّ نظماً يبل كبد من يظما، وأحببته عن ذلك، وذهبا مني في ليل الضياع الحالك، ثم إنه بعد ذلك ساد وثنى الوساد.
ولم يزل إلى أن وصل ابن مهاجر حينُه، وأغمضت بالممات عينُه وتوفي رحمه الله تعالى.
أنشدني من لفظه لنفسه بحلب في التاريخ:
ما لاح في دِرُعٍ يصولُ بسيفه ... والوجُه منه يُضيءُ تحت المغفرِ
إلا حسبتُ البحرَ بجدولٍ ... والشَّمس تحت سحائب من عنبرِ
قلت: جمع في هذا بين مقطوعين، أحدهما قول أبي بكر الرصافي:
لو كنت شاهده وقد حمي الوغى ... يختالُ في دَرْعِ الحديد المُسبلِ
والثاني قول المعتمد:
ولما اقتحمت الوغى ذارِعاً ... وقنعتَ وجهكَ بالمغفرِ
حَسبنا مُحيَّاك شِمس الضُّحى ... عليها سحائبٌ من العنبر
ومن شعره:
تُسعِّرُ في الوغى نيرانَ حربٍ ... بأيديهم مُهنَّدةٌ ذُكورُ
ومن عجبِ لظىً قد سهّرتها ... جداولُ قد أقلَّتها بُدورُ
ومنه لغز في قالب اللَّبن:


ما آكلّ في فمين ... يغُوط من مخرجين
مُغرى بقبضٍ وبسطٍ ... ومالهُ من يَدين
ويقطع الأرض سهياً ... من غير ما قدمين
قلت: نظم رائق، ولفظ يُخجلُ الحدائق، ولكن ليست مقاصده في هذا اللغز مليحة، ولا معانيه صحيحة. وأحسن منه قول محمَّد بن شرف القيرواني
وما بالغٌ في يومه ألفَ لُقمةٍ ... ولُقمتُه أضعافُ أضعافِ وزنه
إذا ملأ المأكول جنبيه لم يُقم ... سوى لحظةٍ أو لحظتين ببطنه
أحمد بن عبد الحليم
ابن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم.
الشيخ الأمام العلامة المفسر المحدّث المجتهد الحافظ شيخ الإسلام، نادرة العصر، فريد الدهر، تقي الدين أبو العباس بن الشيخ شهاب الدين بن الأمام مجد الدين أبي البركات بن تيمية.
سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر، والكمال بن عبد، وابن أبي الخبر وابن الصيرفي، والشيخ شمس الدين والقاسم الإربلي، وابن علاّن، وخلقٍ كثير.
وبالغ وأكثر، وقرأ بنفسه على جماعة، وانتخب ونسخ عدة أجزاء، وسنن أبي داود، ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر، مع التدين والتأله، ثم أقبل على الفقه ودقائقه، وغاص على مباحثه.
تحول به أبوه من حران إلى دمشق سنة سبع وستين وست مائة. و " تيمية " لقبٌ لجده الأعلى.
تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن أحد في مذهبه أنبه ولا أنبل. وجادل وجالد شجعان أقرانه، وجدّل خصومهُ في وسط ميانه، وفرّج مضائق البحث بأداةٍ قاطعة، ونصر أقوالهُ في ظلمات الشكوك بالبراهين الساطعة، كأن السُّنة على رأس لسانه، وعلوم الأثر مساقة في حواصل جنابه، وأقوال العلماء مجلوةٌ نُصب عيانه. لم أر أنا ولا غيري مثل استحضاره، ولا مثل سبقه إلى الشواهد وسرعة إحضاره، ولا مثل عزوه الحديث إلى أصله الذي فيه نقطةُ مداره.
وأما علم الأصلين فقهاً وكلاماً، وفهماً فكان عجباً لمن يسمعه، ومُعجزاً لمن يُعد ما يأتي به أو يجمعه. يُنزل الفروع منازِلها من أصولها، ويرد القياسات إلى مآخذها من محصولها.
وأما الملل والنحل، ومقالات أرباب البدع الأُول، ومعرفةُ أرباب المذاهب، وما خصوا به من الفتوحات والمواهب، فكان بحراً يتموج، وسهماً ينفذ على السواء لا يتعوج.
وأما المذاهب الأربعة فإليه في ذاك الإشارة، وعلى ما ينقله الإحاطة والإدارة. وأما نقل مذاهب السَّلف، وما حدث بعدهم من الخلف، فذاك فنُّه، وهو في وقت الحرب مجنُّه، قل أن قطعة خصُمه الذي تصدى له وانتصب، أو خلص منه مناظرهُ إلا وهو يشكو من الأين والنَّصب.
وأما التفسير فيدُه فيه طولى، وسردُه فيه يجعل العيون إليه حُولاً. إلا أنه انفرد بمسائل غريبة، ورجَّح فيها أقوالاً ضعيفة عند الجمهورُ معيبة. كاد منها يقع في هُوَّة، ويسلم منها لما عنده من النيّة المرجوة، والله يعلم قصده، وما يترجّح من الأدلة عند وما دمر عليه شيء كمسألة الزيارة، ولا شنّ عليه مثلها إغارة، دخل منها إلى القلعة مُعتقلا، وجفاه صاحبه وقلا، وما خرج منها إلا على الآلة الحدبا، ولا درج منها إلا إلى البقعة الحدبا، والتحق باللطيف الخبير، وولّى والثناء عليه كنشر العبير.
وكان ذا قلم يسابقُ البرق إذا لمع، والودق إذا همع، يُملي على المسألة الواحدة ما شاء من رأس القلم، ويكتب الكرَّاسين والثلاثة في قعدة، وجدُّ ذهنه ما كل ولا انثلم، قد تحلى بالمُحلى، وتولّى من تقليده ما تولى، فلو شاء أورده عن ظهر قلب وأتى بجملة ما فيه من الشناع والثَّلب.
وضيع الزمان في ردّه على النصارى والرافضة، ومن عائد الدين أو ناقضه؛ ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم.
وكان من صغره حريصاً على الطلب، مجدّاً على التحصيل والدأب، لا يؤثرُ على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظةٌ منه في البطالة فذّة، يذهلُ عن نفسه ويغيب في لذّة العلم عن حسه، لا يطلب أكلاً إلا إذا أحضر لديه، ولا يرتاحُ إلى طعام ولا شراب في أبرديه.

قيل: إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه، وتركه لاتباعهم وما انفرده من تكلُّفه، فقال: أنتم ما نزيد لكم شيئاً ولا تجدد، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد، وكان ذلك كتاب " جنة الناظر وجنّة المناظر " ، وهو مجلد صغير، وأمره شهير.
لا جرم أنه كان في أرض العلوم حارثاً وهو همام، وعلومُه كما يقول الناس تدخل معه الحّمام. هذا إلى كرم يضحك البرقُ منه على غمائمه، وجودٍ ما يصلحُ حاتمٌ أن يكون في فضِّ خاتمه، وشجاعة يفرّ منها قشورة، وإقدام يتأخر عنه عنترة. دخل على محمود غازان وكلمه كلاماً غيظاً بقوه، وأسمعه مقالاً لا تحملّه الأبوةُ من البنوّة.
وكان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مائة، قد قام عليه جماعة من الشافعية، وأنكروا عليه كلاماً في الصفات، وأخذوا فُتياه الحموية، وردوا عليه فيها، وعملوا له مجلساً، فدافع الأفرم عنه ولم يُبلّغهم فيه أرباً، ونودي في دمشق بإبطال العقيدة الحموية، فانتصر له جاغان المشدّ، وكان قد مُنع من الكلام، ثم إنه جلس على عادته يوم الجمعة، وتكلم ثم حضر عنده قاضي القضاة إمام الدين، وبحثوا معه، وطال الأمر بينهم، ثم رجع القاضي إمام الدين وأخوه جلال الدين وقالا: من قال عن الشيخ تقي الدين شيئاً عزّرناه.
ثم إنه كُلب إلى مصر، هو والقاضي نجم الدين صَصرَى، وتوجها إلى مصر في ثاني عشر شهر رمضان سنة خمس وسبع مائة، فانتصر له الأمير سيف الدين سلاّر، وحطّ الجاشنكير عليه، وعقدوا له مجلساً انفصل على حبسه، فحُبس في خزانة البنود، ثم نقل إلى الإسكندرية في صفر سنة تسع وسبع مائة، ولم يمكن أحد من أصحابه من التوجه معه، ثم أفرج عنه وأقام بالقاهرة مُدة. ثم اعتقل أيضاً، ثم أُفرج عنه في ثامن شوال سنة تسع وسبع مائة، أخرجه الناصر لمّا ورد من الكرك، وحضر إلى دمشق، فلما كان في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مائة جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير سيف الدين تنكز، وقرأ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فُتياه في مسألة الطلاق، وعُوتب على فُتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على توكيد المنع.
ثم إنه في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مائة عُقد له مجلس بدار السعادة وعاودوه في فتيا الطلاق وحاققوه عليها، وعاتبوه لأجلها. ثم إنه حُبس بقلعة دمشق، فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، فأخرج من القلعة بعد العصر بمرسوم السلطان، وتوجه إلى منزله. وكانت مدة سجنه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.
ولما كان في يوم الاثنين بعد العصر، سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبع مائة في أيام قاضي القضاة جلال الدين القزويني تكلموا معه في مسألة الزيارة، وكُتب في ذلك إلى مصر، فورد مرسومُ السلطان باعتقاله في القلعة، فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى في ليلة الاثنين عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة بقلعة دمشق في القاعة التي كان بها محبوساً.
ومولده بحرّان سنة إحدى وستين وست مائة.

وأول ما اجتمعت أنا به كان في سنة ثماني عشرة، وهو بمدرسته في القصاعين بدمشق المحروسة، وسألته مسألة مشكلةً في التفسير في الإعراب، ومسألة مشكلة في الممكن والواجب، وقد ذكرت ذلك في ترجمته في تاريخي الكبير. ثم اجتمعت به بعد ذلك مرّات، وحضرت دروسه في الحنبلية، فكنت أرى منه عجباً من عجائب البرّ والبحر، ونوعاً فرداً وشكلاً غريباً وكان كثيراً ما ينشد قول ابن صردر.
تموتُ النفوسُ بأوصابها ... ولم تشكُ عُوّادها ما بها
وما أنصفت مُهجةٌ تشتكي ... أذاها إلى غير أحبابها
وينشد أيضاً:
من لم يُقد ويُدسٌ في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميساً
رأيته في المنام بعد موته رحمه الله تعالى كأنه في جامع بني أمية، وأنا في يدي صورةُ عقيدة ابن حزم الظاهري التي ذكرها في أول كتاب المُحلَّى، وقد كتبها بخطي، وكتبت في آخرها:
وهذا نصُّ ديني واعتقادي ... وغيري ما يرى هذا يجوزُ
وقد أوقفته على ذلك، فتأملها ورآها وما تكلم بشيء.
ذكر شيء من تصانيفه
كتب التفسير



قاعدة في الاستعاذة، قاعدة في البسملة، قاعدة في قوله تعالى " إياك نعبد وإياك نستعين " ، قطعة كبيرة من أول سورة البقرة، وفي قوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " نحو ثلاثة كراريس، وفي قوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً " نحو كراسين، وفي قوله تعالى: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " سبع كراريس، وفي قوله تعالى: " إلا من سفه نفسه " كراس، آية الكرسي كراسان، وغير ذلك من سورة البقرة. " منه آيات محكمات " إلى آخرها نحو مجلد، " شهد الله أنه لا إله إلا هو " ستة كراريس، " ما أصابك من حَسَنة " عشر كراريس، وغير ذلك من سورة آل عمران.
تفسير المائدة مجلد كبير، " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " ثلاث كراريس، " وإذا أخذ ربُّك من بني آدم " سبع كراريس، قواعد سورة يوسف، مجلد كبير، سورة النور، مجلد لطيف، سورة تبت والمعوذتين، سورة الكافرين، سورة الإخلاص، مجلد، سورة القلم، وأنها أول سورة أنزلت، تضمنت أصول الدين مجلد، سورة " لم يكن " وغير ذلك من آيات مُفّرقة.
كتب الأصول



" الاعتراضات المصرية على الفُتيا الحموية " أربع مجلدات، أملاه في الجب، " بياتُ تَلبيس الجَهميّة في تأسيس بدَعن الكلامية " ، وربما سمّاه " تلخيص التلبيس من تأسيس التقديس " ، " شرح أول المحصّل " للرازي، بلغ ثلاث مجلدات، شرح بضعةِ عشر مسألة من الأربعين للإمام فخر الدين الرازي، " تعارض العقل والنقل " أربع مجلدات، " جواب ما أورده كمال الدين ابن الشريشي " مجلد، " الجواب الصحيح لِمّن بدّل دين المسيح " ، ثلاث مجلدات، " منهاج الاستقامة " " شرح عقيدة الأصبهاني " مجلد، " نقض الاعتراض " عليها لبعض المشارقة أربع كراريس، " شرح أول كتاب الغَزْنَوي " ، مجلد، " الرد على المنطق " مجلد، ردّ آخر لطيف، " الرد على الفلاسفة " مجلدات، " قاعدة في القضايا الوهمية " ، " قاعدة فيما يتناهى ومالا يتناهى " ، " جواب الرسالة الصفدية " ، " جواب في نقص قول الفلاسفة: إن معجزات الأنبياء قوى نفساني " ، " إثبات المعاد والرد على ابن سينا " ، " شرح رسالة ابن عبدوس " في كلام الإمام أحمد في الأصول، " ثبوت النبوات عقلاً ونقلاً " ، و " المعجزات والكرامات " ، " قاعدة في الكليات " ، مجلد لطيف، " الرسالة القبرسية " ، " رسالة أهل طبرستان وجَيْلان في خلق الروح والنور والأئمة المقتدى بهم " ، " مسألة ما بين اللوحين كلامُ الله " ، " تحقيق كلام الله لموسى " ، " هل سمع جبريل كلام الله أو نقله من اللوح المحفوظ " ، " الرسالة البعلبكية " ، " الرسالة الأزهرية " ، " القادرية " ، " البغدادية " ، " أجوبة الشكل والنقط " ، " إبطال الكلام النفساني " : أبطله من نحو ثمانين وجهاً، " جواب مَن حلف بالطلاق الثلاث " أن القرآن حرف وصوت. وله في إثبات الصفات وإثبات العلو والاستواء مجلدات، " المراكشيّة " ، " صفات الكمال والضابط فيها " ، " أجوبة في مباينة الله تعالى لخلقه " ، " جواب في الاستواء، وإبطال تأويله بالاستيلاء " ، " جوابُ من قال لا يمكن الجمعُ بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه " ، " أجوبة كونِ العرش والسموات كُرَويّة " وسبب قصد القلوب جهةَ العلو، " جواب كون الشيء في جهة العلوّ مع أنه ليس بجوهر ولا عرض معقول أو مستحيل " ، " جواب هل الاستواء والنزول حقيقة، وهل لازم المذهب مذهب " ، شمَّاه " الأربلية " ، " مسألة النزول " واختلاف وقته باختلاف البلدان والمطالع، مجلد لطيف، " شرح حديث النزول " في أكثر من مجلد، " بيان حل إشكالات ابن حزم الواردة على الحديث " ، " قاعدة في قرب الرب من عابديه وداعيه " ، مجلد، " الكلام على نقض المرشدة " ، " المسائل الإسكندرانية في الرد على الاتحاد والحلولية " ، ما تضمنه فصوص الحكم من الكفر والإلحاد والاتحاد والحلول، " جواب في لقاء الله " ، " جواب رؤية النساء رَبّهُنّ في الجنة " ، " الرسالة المدنية في الصفات النقلية " ، " الهلاوونية " جواب ورد على لسان ملك التتار، مجلد، " قواعد في إثبات القدر والرد على القدرية والجبرية " ، مجلد " رد على الروافض في الإمامة " لابن مُطهّر، " جواب في حُسن إدارة الله بخلق الخلق وإنشاء الأنام لعلّة أم لغير علّة " ، " شرح حديث: فخجَّ أدم موسى " ، " تنبيه الرجل الغافل على تمويه المجادل " ، " تناهي الشدائد في اختلاف العقائد " ، " كتاب الإيمان " ، " شرح حديث جبريل في الإسلام، والإيمان في عصمة الأنبياء فيما يبلغون " ، " مسألة في العقل والروح " ، " في المقرّبين: هل يسألهم منكر ونكير " ، " هل تعذيب الروح مع الجسد في القبر، وهل تفارق البدن بالموت أو لا " ، " الرد على أهل كسروان " ، " في فضل أبي بكر وعمر على غيرهما " ، " قاعدة في فضل معاوية وفي ابنه يزيد أن لا يُسب " ، " في تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس " " في كفر النُّصَيريّة " " في جواز الرافضة " ، " في بقاء الجنة والنار وفنائهما " ، وهو آخر ما صنّفه في القلعة. وقد رد عليه العلاّمة قاضي القضاة تقي الدين السبكي.
كتب أصول الفقه



" قاعدة غالبُها أقوال الفقهاء " ، مجلدان، " قاعدة كل حمد وذم من المقالات لا يكون إلا من الكتاب والسنة " " شمول النصوص للأحكام " ، " قاعدة في الإجماع وأنه ثلاثة أقسام " ، " جواب في الإجماع وخبر التواتر " ، " قاعدة في أن خبر الواحد اليقين " ، " قاعدة في كيفية الاستدلال والاستدراك على الأحكام بالنص والإجْمَاع " ، " في الرد على من قال إن الأدلة اللَّفظيّة لا تفيد اليقين " ، " قاعدة فيما يُظنُ مِن تعارض النص والإجماع " ، " مؤاخذة لابن حزم في الأجماع " ، " قاعدة في تقرير القياس " ، " قاعدة في الاجتهاد والتقليد في الأحكام " ، " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " ، " قاعدة في الاستحسان " ، " وصف العموم والإطلاق " ، " قواعد في أن المخطئ في الاجتهاد لا يأثم " ، " هل العاميّ يجب عليه تقليد مذهب مُعَيّن " ، " جواب في ترك التقليد فيمن يقول مذهبي مذهب النبي عليه السلام وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة " ، " جواب من تَفَقَّه في مذهب ووجد حديثاً صحيحاً، هل يعمل به أو لا " ، " جواب تقليد الحنفي الشافعي في الجمع للمطر والوتر " ، " الفتح على الإمام في الصلاة " " تفضيل قواعد مذهب مالك وأهل المدينة " ، " تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد منهم " ، " قاعدة في تفضيل الإمام أحمد " ، " جواب: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة نبياً " ، " جواب: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم ، متعبداً بشرع من قبله " ، " قواعد أن النهي يقتضي الفساد " .
كتاب الفقه


" شرح المحرر في مذهب أحمد " ولم يُبيّض، " شرح العمدة لموفق " ، أربع مجلدات، " جواب مسائل وردت من أصبهان " ، " جواب مسائل وردت من الأندلس " ، " جواب مسائل وردت من الصلت " ، " جواب مسائل وردت من بغداد " ، " مسائل وردت من زُرع " ، " أربعون مسألة لُقّبت الدرّة المضيئة، " الماردانية " " الطرابلسية " ، " قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها " ، " المائعات وملاقاتها النجاسة " ، " طهارة بول ما يؤكل لحمه " ، " قاعدة في حديث القُلّتين وعدم رفعه " ، " قواعد في الاستجمار، وتطهير الأرض بالشمس والريح " ، " جواز الاستجمار مع وجود الماء " ، " نواقض الوضوء " ، " قواعد في عدم نقض الوضوء بلمس النساء " ، " التسمية على الوضوء " ، " خطأ القول بجواز مسح الرجلين " ، " جواز المسح الخفين المتخرّقين والجوربين واللفائف " ، " فيمن لا يعطي أجرة الحَمّام " ، " تحريم دخول الحمّام بلا مُبرر " ، " في الحمّام والاغتسال " ، " ذم الوسواس " ، " جواز طواف الحائض " ، " تيسير العبادات لأرباب الضروريات بالتيمم، والجمع بين الصلاتين للعُذر " ، " كراهية التلفّظ بالنّيّة وتحريم الجَهْر بها " ، " في البسملة هل هي من السورة " ، " فيما يعرض من الوسواس في الصلاة " ، " الكلم الطيب في الأذكار " " كراهية بسط سجادة المصلي قبل مجيئه " ، " في الركعتين اللتين تُصلّيان قبل الجمعة " ، " في الصلاة بعد أذان الجمعة " ، " القنوت في الصبح والوتر " " قتل تارك أحد المباني وكُفره " ، " الجمع بين الصلاتين في السفر " ، " فيما يختلف حكمه في السفر والحضر " ، " أهل البِدَع هل يُصلّى خلفهم " ، " صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض " ، " الثلوات المبتدعة " ، " تحريم السماع " " تحريم الشبابة " ، " تحريم الشطرنج " ، " تحريم الحشيشة ووجوب الحد فيها ونجاستها " ، " النّهيُ عن المشاركة في أعياد اليهود والنصارى وإيقاد نصف شعبان والحبوب في عاشوراء " ، " مقدار الكَفّارة في اليمين " ، " في أنّ المطلقة ثلاثاً، لا تحل إلا بنكاح زوج ثان " ، " بيان الطلاق المُباح والحرام " ، " في الحلف بالطلاق متى تجيزه ثلاثاً " ، " جواب من حلف لا يفعل شيئاً على المذاهب الأربعة " ، " الفرق المبين بين الطلاق واليمين " ، " لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف " ، " الطلاق البِدَعي لا يقع " ، " مسائل الفرق بين الحلف بالطلاق وإيقاعه والطلاق البدعي والخلع نحو ذلك " ، تقدير خمسة عشر مجلداً، " مناسك الحج عِدة " ، " في حجة النبي صلى الله عليه وسلم " ، " في العمرة المكية " ، " في شهر السلاح بتبوك وشرب السَّويق بالعقبة وأكل التمر بالروضة وما يلبس المُحرم، وزيارة الخليل عُقيب الحج، وزيارة القدس مطلقاً " ، " جبل لبنان كأمثاله من الجبال، ليس فيه رجال غُيّب ولا أبدال " ، " جميع أيمان المسلمين مُكفّرة " .
كتب في أنواع شتى




جمع بعض الناس فتاويه بالديار المصرية مُدَّة سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلدة، " الكلام على بُطلان الفتّوة المُصطلح عليها بين العوام " ، وليس لها أصل يتصل بعلي عليه السلام. " كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية " ، " بطلان ما يقوله أهلُ بيت الشيخ عديّ " ، " النجوم هل لها تأثير عند الاقتران والمقابلة والخسوف والكسوف " ، " هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأهلّة " ، " تحريم أقسام المُعزّمين بالعزائم المُعجَمة وصرع الصحيح وصفة الخواتم " . " إبطال الكيمياء وتحريمها ولو صحت وراجت " ، " كشف حال المرازقة " ، " قاعدة العُبيديين " .
ومن نظم الشيخ تقي الدين على لسان الفقراء المُجردين وغيرهم:
والله ما فَقرُنا اختْيارُ ... وإنما فَقْرُنا اضْطْرارُ
جماعةٌ كلُّنا كَسالى ... وأكلُنا كله عيارُ
تسمعُ منّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كُلُّها فُشَارُ
وله قصائد مطوّلة، أجوبة عن مسائل كان يُسأل عنها نظماً، مثل مسألة اليهودي، وجوابه عن اللغز الذي نظمه الشيخ رشيد الدين الفارقي، وغير ذلك.
ومدحه جماعة من أهل مصر، منهم شهاب الدين أحمد بن محمد البغدادي المعروف بابن الأبرادي، والشيخ شمس الدين بن الصائغ، وسعد الدين أبو محمد سعد الله بن عبد الأحد الحرّاني، وأكثر من ذلك، ومنه قوله:
لئن نافَقَوه وه في السّجنِ وابتغَوا ... رِضاه وأبدوا رِقّةً وتودُّدا
فلا غَرْوَ إنْ ذلَ الخُصومُ لِنَأسِه ... ولا عَجَبٌ أن خاف سطوتَه العِدا
فمن شِيَمةِ العَضبِ المُهنَّدِ أنه ... يُخافُ ويُرجُى مُغمداً ومُجرّدا
وممن مدحه بمصر أيضاً شيخنا العلاّمة أبو حيان، لكنه انحرف عنه فيما بعد ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب؛ منها أنه قال له يوماً: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، وقد كان أولاً جاء إليه والمجلس عنده غاصٌّ بالناس، فقال يمدحه ارتجالاً:
لّما أتينا تقيَّ الدِّين لاحً لنا ... داعٍ إلى الله فَردٌ ماله وِزَرُ
على مُحيّاه من سِيما الأُولى صَحِبوا ... خَيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القمرُ
خَبرٌ تَسربَلَ منه دَهرُه حِبَراً ... تَقاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قام ابنُ تَيْميَّةٍ في نَر شِرعَتِنا ... مُقَما سَيِّدِ تيمٍ إذ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرً الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشرّ إذ طارت له الشرر
كُنّا نُحدَّث عن خبرٍ يجيءُ فها ... أنت الإمامُ الذي قد كان يُنتظرُ
وكتب الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني رحمه الله تعالى على بعض تصانيفه:
ماذا يقولُ الواصفون له ... وصفاتُه جلّتْ عن الحَصرِ
هو حُجّةٌ اللهِ قاهرِرَةٌ ... هو بيننا أُعجوبةُ العَصرِ
هو آيةٌ في الخَلقِ ظاهِرَةٌ ... أنوارُها أربَت على الفَجرِ
والذي أراه أن هذه الأبيات كتبها الشيخ كمال الدين في حياة الشيخ صدر الدين بن الوكيل، لأنه كان يخالفه ويريد أن ينتصر عليه بالشيخ تقي الدين بن تيمية، والله أعلم.
ولما توفي رحمه الله تعالى رثاه جماعة منهم الشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ، وبرهان الدين إبراهيم بن الشيخه شهاب الدين العجمي، ومحمود بن علي بن محمود الدقوقي البغدادي، ومجير الدين الخياط الدمشقي، وشهاب الدين أحمد بن الكرشت، وزين الدين عمر بن الحسام، ومحمد عبد الحق البغدادي الحنبلي، وجمال الدين محمود بن الأثير الحلبي، وعبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرومي الحريري. المعروف بالمُنيّم، وتقي الدين محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري، وجمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، وحسن بن محمد النحوي المارداني، وغيرهم.
أنشدني إجازة لنفسه الشيخ علاء الدين علي بن غانم:
أيُّ خَبرٍ مضى وأيُّ إمامِ ... فُجعتُ فيه مِلَّةُ الإسلامِ
ابنُ تيميَّةَ التَّقيُّ وحيدُ الد ... هْرِ من كان شامةً في الشَّامِ

بَحرُ علمٍ قد غاضَ من بعدما ف ... ضَ نداهُ وعم بالنعامِ
زاهدٌ عابدٌ تنّزه في دُن ... ياه عن كل ما بها من حُطامِ
كان كَنزاً لكلِّ كالبِ علمِ ... ولِمَنُ خافَ أن يُرى في حَرَامِ
ولعافٍ قد جاء يشكو من الفق ... ر لديه فنال كُلَّ مَرَامِ
حاز عِلماً فماله من مساوٍ ... فيه من عالمٍ ولا من مُسامٍ
لم يَكُنْ في الدنى له مِن نظيرٍ ... في جميعِ العُلومِ والأحكامِ
كان في علمِه وَحيداً فريداً ... لم ينالوا ما نالَ في الأحْلامِ
كل من في دمشق ناح عليه ... ببُكاءٍ من شدّة الآلامِ
فُجِعَ الناسُ في الشَّرقِ والغَر ... بِ وأضحَوا بالحُزنِ كالأيتامِ
لو يُفيدُ الفِداءُ بالرُّوحِ كُنّا ... قد فديناه من هُجومِ الحِمامِ
أوحدٌ فيه قد أصيبَ البَرايا ... فيُعزى فيه جميعُ الأنامِ
وعزيزٌ عليهم أن يَرَوْه ... غابَ بالرَّغمِ في الثّرى والرُّغامِ
ما يُرى مِثلُ يومهِ عندما سا ... رَ على النَّعشِ نحوَ دار السلامِ
حملوه على الرِّقابِ إلى القَب ... رِ وكادوا أن يَهلكوا بالزّحامِ
فهو الآن جارُ رَبِّ السماوا ... ت الرحيمِ المُهيمنِ العلاّمِ
قدّسَ الله روحَه وسقى قب ... راً حواه بَها طِلاتِ الغَمامِ
فلقد كان نادراً في بني الده ... ر وحُسناً في أوجَهِ الأيّامِ
وأنشدني أيضاً: إجازة لنفسه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي:
قلوبُ النّاس قاسيةٌ سِلاطُ ... وليس إلى العَليا نَشاطُ
أتنشطُ قَطُّ بعدَ وفاةِ خبرٍ جَوهَره التقاطُ
تقيُّ الدين ذو وَرَعٍ وعِلمٍ ... خُروقُ المُعضِلات به تُحاطُ
تُوفي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدّنيا انبساطُ
ولو حَضروه حين قضى لألفَوا ... مَلائِكةَ النَّعيمِ به أحاطوا
قضى نَحباً وليس له قرينٌ ... وليس يلفُّ مُشبِههُ القِماطُ
قتىً في علمه أضحى فريداً ... وحَلُّ المُشكلاتِ به يُناطُ
وكان يخافُ إبليسُ سطاه ... لوَعظِ للقلوبِ هو السِّياطُ
فيا الله ما قد ضم لَحدٌ ... ويا لله ما غطى البَلاطُ
وحَبسُ الدُّرِّ في الأصدافِ فَخرٌ ... وعِندَ الشَّيخِ بالسِّجنِ اغتباطُ
بنو تيميّةٍ كانوا فبانوا ... نجومُ العلمِ أدركها انهباطُ
ولكن يا نَدَامتَنا عليه ... فشكُّ المُلحدين به يُماطَ
إمامٌ لا ولايةٌ قطُّ عانى ... ولا وقفٌ عليه ولا رباطُ
ولا جارى الورى في كسبِ مالِ ... ولم يَشغلهُ بالناس اختلاطُ
ولولا جارى الورى في كسبِ مالٍ ... لكان به لقدرهم انحطاطُ
لقد خفيت عليّ هنا أمورٌ ... وليس يليقُ لي فيها انخراطُ
وعند الله تجتمعُ البرايا ... جميعاً وانطوى هذا البِساطُ
وقلت أنا أيضاً أرثيه:
إنّ ابنَ تيميّةَ لمّا قضى ... ضاق بأهلِ العِلمِ رَحبُ الفضا
فأيُّ بدرِ قد محاه الرَّدى ... وأيُّ بحرٍ في الثرى غُيضا
وأيّ شرِّ فتحت عينهُ ... وأيُّ خيرٍ طرفُه غُمّضا
يا وَخشَةَ السُّنَّةِ من بَعدِه ... فرَبعُها المعمورُ قد قُوِّضا
كم مَجلسٍ كان هشيماً من ال ... علم فلمّا جاءه رُوّضا
وكلُّ حَفلٍ أفقُهُ مُظَّلِمٌ ... تَراه إن وافى إليه أضا
ومُشكِلٌ لمّا دَجى ليلُه ... أعادَه يومَ هُدى أبيضا
تراه إن برهن أقواله ... فقلَّ أن تُدحَرَ أو تُدحَضا

وبحُه في مَددٍ طافحٍ ... وخصمُه في وقتِه انقضا
يودُّ لو أبلعَهُ ريقه ... وهنو بالحقِّ قد أجرضا
أغصَّه حتى غدا مُطرقاً ... مِن ندمٍ كفّيه قد عضّضا
ما كان إلا أسداً حادِراً ... أضحى له غابُ النُّهى مَربَضا
وهو يرى العِلمَ في بُردِه ... وخَصمُه قد ضمّ جَمرَ الغضا
سُبحان من سخَّر قَلبَ الورى ... لقوله طوعاً وقد قيضا
قد أجمعَ النّاسُ على حُبِّه ... ولا اعتبارَ بالذي أبغضا
كان سليمَ الصَّدرِ قد سلّم ال ... أمرَ لباريه وقد فوّضا
كم حثّ للخير وكم ذي كرى ... أيقظ من نومٍ وكم حرّضا
وأمرض الإلحادَ لمّا جلى ال ... حقّ وقلبُ الزِّيغِ قد أرمضا
وغادر الباطلَ في ظُلمَةٍ ... لمّا رأى بارقَةٌ أومضا
وهو عن الدنيا زوى نفسَه ... والله بالجنَّةِ قد عوّضا
فماله في منصبٍ رغبَةٌ ... وعزمُه في ذاك ما استنهضا
كان إذا الدّنيا له عرضت ... بزُخرفِ من نفسها أعرضا
ولو رأى ذلك ما فاته ... مناصبُ من بَعضهنَّ القضا
وبعد هذا حكُمه نافذذٌ ... في كلِّ ما قد شاءه وارتضى
بنفسه جاهدَ جهراً وكم ... سَلَّ حّساماً في الوغى وانتضى
ويوم غازان غدا عندما ... شدّدَ في القولِ ومت خفَّضا
شقَّ سواد المُغلِ زاهي الطُلا ... كالماء لما مَزقَ العَرمَضا
جاذل بل جالد مُستمسِكا ... بالحق حتى إنّه أجهَضا
ولم يكن فيه سوى أنه ... خالف أشياءَ كمن قد مضى
متبعاً فيه الدّليل الذي ... بدا ولله فيه القضا
وبعد ذا راحَ إلى ربه ... ما ادّان مِن لهوٍ ولا استقرضا
ثناؤه ما انقضَّ منه البنا ... وذِكرُه بين الورى ما انقضى
فجادَت الرَّحمةُ أرضاً ثوى ... فيها وسقَّتْها غُيوثُ الرِضى
وعلى الجملة، فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مئة سنة، وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية، والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي. وقلت في ذلك:
ثلاثةٌ ليس لهم رابعُ ... فلا تكنْ من ذاك في شكِّ
وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقى ... يقصًر عنهم وصفٌ من يحكي
فإن تَشَا قلت ابن تيمية ... وابن دقيق العيد والسبكي
أحمد بن عبد الحميد


ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قُدامة، الشيخ المُسنِد المبارك عز الدين أبو العباس بن العماد المقدسي الصالحي.
سمع من الموفق، وموسى بن عبد القادر، وابن راجخ، وابن أبي لقمة، والبهاء، وأبي القاسم بن صَصرى، وشمس الدين أحمد البخاري، وابن عسّان، وابن الزَّبيدي.
خُرّجت له مشيخةٌ في ثلاث مجلدات، وسمعها جماعة، وظهر، له أيام التتار سماعُ مُسند أبي داود الطيالسي من الموفق.
تفرد المذكور بأشياء أسمعها، وبرواية أجزاء في سماء السماع أطلعها، وصار من أعيان أهل الإسناد، وأشياخِ الرحلة إليه من البلاد.
ولم يزل على حاله إلى أن مال من ابن العماد عموده، وحان خموده من اشتعال الشيب وجموده. توفي - رحمة الله تعالى - سنة سبع مئة.
ومولده سنة اثنتي عشرة وست مئة بالجبل.
أحمد بن عبد الدائم



ابن يوسف بن قاسم بن عبد الله بن عبد الخالق بن ساهل أمره شهاب الدين الكناني الشارمساحي، أبو يوسف.

كان هجاماً هجا ، وجاماً للأعراض رجا ، أبى إلى دمشق في أيام القاضي الخوئي فيما أظن، ودفع إليه ورقة فيها هجوه، فلما رآها دفعها إليه وأعادها عليه، فردها إليه ثانياً ، فقال : يا مولانا كأنك ذاهل ؟ فقال : بل عالم غير جاهل ، فقال : ما الذي حملك على هذا ؟ قال : رأيت الناس قد أجمعوا على كرهك ، ووفود الشعراء على حرمك ، ولست مجيداً في النظم فأعرف ، واسمي أحمد فما أصرف ، ولو مدحتك أعطيتني قليلاً ولم يعلم بي أحد، ولم يكن لي في الشهرة مُلتَحَد، فإذا هجوتك عَزرتني، وطوّفت بي وشهرتني، فيقال: هذا الذي هجا قاضي القضاة، وقابله بما لا ارتضاه، فأحس القاضي رحمه الله تعالى صِلَتَه وأسناها، وعلم أن هذا له طِباعٌ لا ينتهي عن الشر ولا يتناهى.
ولمّا عُزل القاضي شمس الدين محمد بن عدلان عن القضاء عند ورد الملك الناصر من الكرك، صنع قصيدة، فتح فيها من الخجو القبيح وصيدَه، فاجتمع به وقال له: يا سيّدنا.
والله ما سرَّني عزلُ ابنِ عدلان.
فقال له الشيخ شمس الدين: حاشاكم يا مولانا جزاكم الله خيراً، فقال: من غير صَفعٍ ولا والله أرضاني.
فقال: قبَحك الله يا نَجِس. وله تلك القصيدة التي أولها:
متى يسمعُ السلطانُ شكوى المدارس ... وأوقافُها ما بين عافٍ ودارس
وكان الشيخ العلاّمة أثير الدين قد توجَّه إلى الإسكندرية، فوقع الشَّناعُ أنه غرق في النيل، ودفن بقربه " بولة " وهي قرية على شاطئ النيل، فقال أبياتاً منها:
وقَد دَفنوا ذلك الخراء ببولةٍ ... وحُقً لذاك المَيتِ تلك المقابرُ
أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا العلاّمة أبو حّيان، قال: أنشدني المذكور لنفسه بدمياط سنة أربع وتسعين من قصيدة:
فُحَجّبةً بين التَّرائب والحَشا ... فدمعي لها طلقٌ وقلبي بها رَهنُ
وحالُ الهوى ما ليس يُدرَك كُنههُ ... وهل هو وهمٌ يعتري القلب أو وهن
ومسلكُه بالطَّرفِ سَهلٌ وإنما ... له مَنهَج أعيا القُلوبَ به حُزنُ
لديه الأماني بالمنايا مَشُوَبةٌ ... وفيه الرّجا والخوفُ واليأسُ والأمنُ
وكم مَهلَكٍ فيه يقينٌ لعاشقٍ ... ومَطلبُه من دونهِ في الورى ظنٌ
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
تَخشى الظُّبى والظَّبا من فتكِ ناظره ... وإن تثنى فلا تسأل عن الأسلِ
ولا وَاخذَ الله عينيه فقه نشطت ... إلى تلاقي وفيها غايَةُ الكَسَلِ
ترمي القلوبَ فما تدري أقامَها ... هاروتُ أم ذاك رامٍ من بني ثُعَلِ
هذا الغزالُ الذي راقت محاسنُه ... فلا عجيبٌ عليه رقَّةُ الغَزَلِ
لما تواليتُ مِن وَجدٍ ومِن شغفٍ ... تَحقَّقَ النّاسُ أني مُغرَمٌ بعَلي
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
لا تعجبوا للمجانيقِ التي رَشقت ... عكّا بنارٍ وهدَّتها بأحجَارِ
بل اعجبوا للسانِ النار قائلة ... هدي منازلُ أهلِ النَّارِ في النَّارِ
قلت: أحسنُ منه ما أنشدنيه لنفسه شخنا العلاّمة أبو الثناء محمود:
مررتُ بعكا عِند تَعليقِ سُورها ... وزندُ أوارِ النَّارِ مِن تحتها وارِ
فعاينتها بعد التنصُّرِ قد غَدَت ... مَجوسيّة الأحجارِ تَسجُدُ للنَّارِ
قلت: وعلى الجملة فكان الشارمساحي شاعراً جيداً.
ولم يزل يمدح ويهجو ويسنح ويرجو إلى أن سكنت شقاشقُه، وركنت إلى الخَرَسِ رواشقُه، توفي رحمه الله تعالى في حدود العشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن


ابن عبد المؤمن بن أبي الفتح المقدسي، الشيخ الصالح المسند المقرئ تقي الدين أبو العباس الصُّوري ثم الصالحي الحنبلي.
سمع حضوراً من الموفق، وهو خاتمة أصحابه، ومن ابن أبي لقمة، وابن صصرى، والقزويني، والبهاء عبد الرحمن، وابن الزُبيدي، وخرَّج أبو عمُرو المقاتلي له مشيخةُ.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: سمعناها منه خاصّة.
وحدّث عنه ابن الخبّاز في حياة ابن عبد الدائم والبرزالي والوافي والمقاتلي وابن المحب وآخرون.
وقد روى المذكور فأكثر، وأسند عن جماعة، فأثّل في السند وأثّر.


ولم يزل على ذلك النهج، والإضاءة والرَّهج، إلى أن أصبح هامداً، ونقله حامِله إلى ضريحه عامداً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وسبع مئة، وعاش أربعاً وثمانين سنة من العمر.
أحمد بن عبد الرحمن بن ابراهيم


الهكَاري الصَرخدي ثم الصالحي القواس المُسند المعمر، شهاب الدين سمع من خطيب مرادا وغيره.
وسمع الناسُ منه لمّا تحققوا من خيره.
كان فيه دين، ولم يُر منه ما يَشين.
ولم يزل يسمع، ويلين جانبه للطلبة ويطمع إلى أن أصاب القواس سهم الموت وصرخ بالصرخدي داعي الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وسبع مئة وعاش تسعين سنة.
أحمد بن عبد الرحمن



ابن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور: الشيخ الإمام العابر الأعجوبة في هذا الفن شهابُ الدين المقدسي النابلسي الحنبلي مُفسَّر المنامات.
سمع من عّمه التقي يوسف سنة ست وثلاثين، ومن الصاحب محيي الدين بن الجوزي، وسمع بمصر من ابن زواج، والساوي، وابن الخمّيري وبالإسكندرية من السَّبط، وروى الكثير بالقاهرة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي سمعنا منه أجزاء، وكان عارفاً بالمذهب، وذكر التدريس بالجوزيّة لما قدمَ علينا ونزل بها. وقال: حدثني الشيخ تقي الدين بن تيمية أن الشهاب العابر كان له رئيِّ من الجن يخبره عن المغيّبات. ورجل كان صاحب أوراد وصلاة ومقامات.
قلت: وكان وافر الحُرقة لا تعرف له جرمة، للناس فيه عقائد، وهو إلى الخير قائد، وله عمر الطِّبرس المجنونة التي بجانب الفيل ظاهر القاهرة، وهي في مكانها ظاهرة.
أنشدني بعضهم قال: أنشدنا ابن الصَّاحب الماجن الذي كان بالقاهرة لما عمر الطِّبرسُ المجنونة:
ولقد عجبت من الطِّبرس وصحبه ... وعقولهم بعقود مفتونه
عقدوا عقوداً لا تصح لأنهم ... عقدوا لمجنونٍ على مَجنونه
وعزم الأمير الذكور عليها جُملةً، وحباه من الدراهم حملةً، وجعله بها مقيماً، وأظهر هو من فضله في كهفها رقيماً، وكان في تعبير الرؤيا آية، وفي الكلام عليها غاية، لم أسمع بمثل كلامه على المنام إذا فسَّره، ولا أدري ما الذي أدّاه إلى تلك العجائب وجسِّره، وكان غالب الناس يعدّ ذلك من باب الكرامات، لا من باب تأويل المنامات، وبعضهم يقول: نجامة أو كهانة، وبعضهم يقول: قوةٌ في النفس لا مهانة، لأنه ربما قال لصاحب الرؤيا أخباراً ماضية ومستقبله، وأحوالاً كان صاحب الرؤيا منها في غفلة أوبله، حتى يتعجب السامع ويهوله هذا الفيض الهامع، وقام له بدمشق سوق، وأما القاهرة فيكاد يركب فيها بالعَلم والبُوق، إلى أن رُسم بتحويله منها وإبعاده عنها، فأقام بدمشق على حاله مفخَّمة، ورتبةٍ في النفوس مُعظمة، إلى أن أصبح العابر غابراً، والمكاثر في تعظيمه لمصابه مكابراً.
أخبرني الحافظ أبو الفتح اليعمري قال: كنت عنده يوماً. فجاءه إنسان وقال: رأيت كأني قد صرت أترُجَّة. فقال. فقال: أترّجه، أ ت ر ج ه، وعدها على أصابعه خمسة أحرف، وقال لصاحب الرؤيا: أنت تموت بعد خمسة أيام، قال فقال لي بعض من حضر، ذكره هو وأنسيته أنا: القاعدةُ عند أرباب التعبير أنه من رأى أنه صار ثمرة تؤكل فإنه يموت، وهذه زيادة من عنده، يعني عَدّ حروف الأترجَّة.
وأخبرني الشيخ الحافظ علاءُ الدّين مغلطاي شيخ الحديث بالظاهرية بين القصرين قال: جاء إليه إنسان فقال: رأيت في منامي قائلاً يقول: إشرب شراب الهكاري، ففكر ساعة وقال: أنت فؤادك يؤلمك، قال: نعم: قال اشرب لك عسلاً تبرأ، قال: فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: فكرت في أنهم يقولون: شراب ديناري كذا، شراب كذا؛ شراب كذا، فلم أجد لهم شراباً يوصف بالهكاري، فرجعت إلى الحروف فوجدتها شراب الهك أري، والأري هو العسل وذكرت الحديث " كذب عليك العسل " أو كما قال وهذا ذكاءٌ مفرط وذهن يشوب التعجب بالتحيّر ويخلط.


وحكى لي عنه القاضي بهاء الدين أبو بكر ابن غانم موقع صفد وطرابلس قال: كنا عنده بدمشق وجاء إليه اثنان، فقال أحدهما: رأيت رؤيا، وقصّها، فقال: ما رأيت شيئاً وإنما تريد الامتحان، فخرجا بعدما اعترفا، فقلنا له: من أين لك هذا؟ قال لما تكلم رأيت في ذيل أحدهما نقطة دم فذكرت الآية: " وجاؤوا على قميصه بمٍ كذبٍ " . فاتفق أن رأيت أحدهما فيما بعد فسألته عن القضية، فقال: لما اجتزنا عليه ذكرنا أمره الغريب، وقلنا: نمتحنه وصنعنا رؤيا للوقت، فكان ما سمعت فقلت له: إنه قال: كذا وكذا فقال: صدق ونحن داخاون إليكم كان إنسان في الطريق يذبح فروجاً، فرمي به فلوثنا الدم.
وحكى لي عنه أيضاً قال: جاء إليه إنسان وقال: رأيت كأن في داري شجرة يقطين قد نبتت، فقال له: أعندك جارية غير الزوجة؟ قال: نعم، قال: يعني إياها، فقال: ما هذا؟ قال: الذي تسمعه، قال: إنها ملك زوجتي، قال: فقل لها تبيعني إياها، فراح وعاد يقول: إنها لم تبعها، فقال: تكسب مئتي درهم، فعاد وقال: لم تبعها، فألح عليها فقال: إنها لم تبعها، فقال: أما الآن فقد آن تعبير رؤياك، امض إلى هذه الجارية واعتبرها، فتوجه وعاد وقال: إنه كان عبداً وزوجتي تكتمني أمره وتلبسه لباس النساء.
وأخبرني غير واحد عنه أنه جاء إليه إنسان وقال له: رأيت كأني قد وضعت رجلي على رأسي، فقال له: أفسر لك هذه الرؤيا بيني وبينك أو في الظاهر؟ فقال بل في الظاهر، فقال له: أنت من ليالٍ شربت الخمر وسكرت ووطئت أمك فاستحيا ومضى.
وعندي عنه من هذا جملة وافرة، وأخبار على التعجب من أمره متضافرة، يضيق عنه الوقت ويؤدي سرده بعد المقة إلى المقت.
وأما خروجه من مصر، فأخبرني الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري عن علم الدين بن أبي خليفة رئيس الأطباء بمصر حكاية أخبره بها شخص من الهند، هي أغرب من سائر أمور شهاب الدين العابر وأعجب، ذِكرُها يهوّل العقل وأمرها ما يصدّقه أهل النقل.
وتوفي شهاب الدين رحمه الله تعالى في سنة سبع وتسعين وست مئة تاسع عشري ذي القعدة، وحضر جنازته ملك الأمراء وغيره من القضاة والأكابر.
وكانت واقعته في مصر وخروجه منها في ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن بن رواحة


نُور الدين الأنصاري الحموي الكاتب، كتب الإنشاء بطرابلس والفتوحات لما تولّى الأمير سيف الدين أسنَدْمَرُ نيابة طرابلس عزل نور الدين هذا وجعل أمره في طرابلس جُذَاذاً، وولّى مكانه تور الدين بن المغيزل، فتوفي بعد شهور، وأعيد النور بعد النور، واستمر في مكانه إلى بعض سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فرُتِّبَ عِوَضه ابن مقبل الحمصي، وعاد ابن رواحة إلى حماة، واستقر في أصل مخرجه ومنتماه، ولم يزل بها حتى طفِئ نوره، وبُهت لأمره حضوره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة سادس عشر شعبان.
أحمد بن عبد الرحمن



الشيخ الإمام الخطيب ابن العَجَمي خطيب جامع حلب.
اجتمعت به في حلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وأراني إجازة العلامة شيخنا شهاب الدين أبي الثناء لأخيه عبد المؤمن وهي بخطّه نظمّ ونثر، وقد أثنى عليه وعلى فضائله، وبرهن على شاهده، بنظم دلائله، وساقه في عداد الأدباء السّادة، والقالة القادة، وخطُّه يزري بوشي صَنْعَا، وحروفه تفوق النجوم جَمعَا، وطروسُه غادةٌ بالسطور فرعاً. وهو أخو الشيخ عز الدين بن عبد المؤمن، وسيأتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
لم يزل شمسُ الدين المذكور في دَرَج منبره، ويلتقط الناس درَّه من معبره، إلى أن كسف شمسه وضمه رمسه، وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله



الشيخ الإمام المفتي القاضي شهاب الدين فارس الظاهري الشافعي، أحَد المفتين والمدّرسين بدمشق.
أخذ العلم عن الشيخ برهان الدين الفزاري وغيره.


ولي قضاء الركب الحجازي مرات، وبرَّد شوقه برمي الجمرات، وكان حَسَن المحاضرة، لَسِنَ المذاكرة، قديم الهجرة في العلم، رأى أولئك السادة القدماء أهل الحلم، وله ثروة ومعه مال جم، وليس له غير التحصيل هَم، وملكه يدخل منه في اليوم جًمْله، ولا يؤدوده عند استخراج أجر أملاكه ما يروم حَمْله، وكان مع ذلك يجلس في حانوت الشهود بالمسمارية ويقاسم، ويُعملُ في تحصيل ذلك الأنيق الرواسم.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الظاهري في باطن الأرض مقبوراً، وترك ولده بماله الموروث مجبوراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد حادي عشر شعبان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة خمس وسبعين وست مئة.
أنشدني من لفظه لنفسه سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة:
رأت شيبتي قالت: عجبتُ مع الصبَا ... مشيبك هذا صِفهُ لي بحياتي
فقلت لها: ما ذاك شيبٌ وإنما ... سناكِ بقلبي لاح في وجناتي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عجبوا اخالِك كيف منك مُقَبِّلاً ... شفةً رَقَتْ عن لؤلؤ وجمان
فأجبتهم لا تعجبوا مازال ذا ... مستلزماً كشقائق النعمان
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
رَعَفَ الحبيبُ فقيل هل قبلتَه؟ ... شوقاً إليه ودمع عينك يَسجُمُ
فأجبتُ: لا، لكنه أخفى دمي ... في سفكه وعليه قد ظهر الدمُ
وكان يقول بعد ذلك: الشعر مزبلة الفقيه، فأقول: كذا هو.
أحمد بن عبد الرزاق الخالدي


كان المذكور وزير الممالك القازانيّة والبلاد القانيّة، ظالماً غاشماً، سفاكاً للدماء هاشماً، استصفى أموال الرعايا، وحاجَّهم في أخذها منهم بالباطل وعايا.
ولم يزل في ظلمهِ ظُلمِهِ خابطاً، وعمله بذاك عند الله حابطاً، إلى أع عضَه السيف بريقه، واختطفَ بَصَره من بريقه.
وقُتِلَ هو وأخوه القطبُ وأخوهما زين الدين وذلك في سنة سبع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عبد القادر



ابن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم القيسي، الشيخ الإمام العالم الفريد تاج الدين المعروف بابن مكتوم النحوي.
اشتغل بالحديث وفنونه، وأخذ الحديث عن أصحاب النجيب وابن علاّق، وهذه الطبقة.
كان فاضلاً في النحو قيماً بغرائبه، متيّماً ما تشعَّب من مذاهبه، جمع فيه وعلّق وفاض وغَلّق، وكَسر سدَّه وخلّق، وطار فيه إلى غايات النجوم وحلّق، وخطه كما يقال طريقه بذاتها، متفردة بلذاتها. وله نظم لا بأس به ولا لَومَ كاسبه.
ولم يزل على حاله إلى أن باح الموت بسرّ ابن مكتوم، وحل به الأجل المحتوم، وفُضَّ له قبرُه المختوم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين مئة في طاعونِ مصر.
ومولده في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
كنت قد سمعت بأخباره وطربت لأشعاره، فازددت له شوقاً، ولم أجد لقلبي على الصبر طوقاً، فقدر الله بالاجتماع، وزادت بُرُوق فضله في الالتمام، ورأيته غير مرة.
ثم إني اجتمعت به في القاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وسألته الإجازة بكل ما يجوز أن يرويه فأجازني مُتَلَفّظاً بذلك. وعمل تاريخاً للنحاة ولم أقف عليه إلى الآن، وملكت بخطه " الدر اللقيط من البحر المحيط " وهو في مجلدين، التقطه من تفسير شيخنا أثير الدين، وتكلم هو في بعض الأماكن وليس بكثر بعض شيء، فجاء كتاباً جيداً.
ومن شعره، ومن خطه نقلتُ:
ما على الفاضل المهذب عارٌ ... إن غدا خاملاً وذو الجهل سامِ
فاللَّباب الشهي بالقشر خافٍ ... ومَصُون الثمار تحت الكِمامِ
والمقادير لا تلام بحالٍ ... والأماني حقيقةً بالَملاَمِ
وأخو الفهم من تزوّد للم ... ت وخلَّى الدني لنهب الطغامِ
ونقلت من حطّه له:
عَرَتني هُمومٌ برَّحت وشواغل ... وأصبح دهري وهو بي متشاغِلُ
وبعّد عن قلبي المسرَّة أنني ... على فضلِ ما عندي من العلم خامِلُ
يمر بيَ الطلابُ لا يعرفونني ... ويأتون ذا الحظِ الذي هو جاهلُ
ويُقرئ عِلمَ النحو دونيَ معشرٌ ... منازلهم في المشكلات نوازلُ


إذا سُئِلوا أعياهم أن يجاوبوا ... كما عَيَّ لما سِيْلَ من قَبلُ باقلُ
قُصَارى عُلاَهم أن يقال: مشايخٌ ... وأقصى مناهم أن يُقال: أمَثشلُ
رَأوا صُحُفاً فاستقرؤوها وحاولوا ... بها مَعلماً فاستقبلتهم مجاهلُ
وأضحوا شيوخاً بالصحائف وَحدَها ... لهم رُتبٌ عند الورى ومَنَازلُ
وما لازموا شيخاً ولا حاولوا به ... وُصُولاً إلى علمِ له الشيخ واصلُ
ولم يُعَلّمه الشيوخ فرأيه ... على كثرة الأوراق والكتبِ قائلُ
وإني وإن أصبحتُ لارَبَّ رتبة ... لديهم ومنهم بي البرُّ نازلُ
ليَعرفُ حققي كلُّ ذي ألمعيَّة ... ويقدُرُ لي القَدرَ الجليلَ إلا فاضلُ
ويشهدُ لي بالفضل نظمٌ مٌهَذَبٌ ... ونَثرٌ يُحاكي الدُرَّ مِنهُ الفواصلُ
وأبكارُ أفكارٍ كَشَفتُ قناعَها ... وحَلَّيتُ منها ما غدا وهو عاطلُ
وأبرزتها في صُورة الدهر غُرَّةً ... كما حُلَّ عن وجهِ المليحةِ حائلُ
ولي في أفانين العلوم مَجَامعٌ ... بعا كل ما يهوى الحدَّقُ حاصلُ
سهرت عليها إذ أخو الجهل راقدٌ ... وفكرّت في تهذيبها وهو غافلٌ
ومن كان مثلي لم يكن هَمُّه الغِنى ... فيشغَلَهُ فيه عن العلم شاغلُ
ونقلت من خطه له:
ومُعَذِّرِ قال العذولُ عليه لي ... شَبِّههُ واحذر من قصورٍ يَعتَري
فأجبته هو بَانةً من فوقها ... بدرٌ يُحَفُّ بهالةِ مِن عَنبَرِ
ونقلت من خطه له:
نفضتُ يَدي من الدنيا ... ولم أضرع لمخلوقِ
لعِلمِي أن رزقي لا ... يجاوزني لمرزوقِ
ومَن عَظُمن جَهَالتُه ... يَرَى فِعلِي من المُرقِ
أحمد بن عبد القوي بن عبد الرحمن


ضياء الدين بن الخطيب الأسنائي.
اشتغل بأينا، ثم بالقاهرة، وأتى إلى دمشق وقرأ بها على النووي، وسمع الحديث، وصحب الشيخ إبراهيم بن مِعضَاد الجعبري، ثم اعتزل وأقام ببلده سنين، انقطع عن الناس، وأنف من ملاقاة الأدناس، يتعبد في مكانه، ويعتمد على الله في تحريكه وإسكانه، إلى أن انطفأ ضياؤه وخمد من الأسنائي سناؤه.
وتوفي رحمه الله سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم



ابن عبد العزيز بن جامع، شهاب الدين العزَّازي التاجر بقيساريةِ جَهاركس بالقاهرة.
كان شاعراً جيد المقاصد، لطيف الاقتناص للمعاني خفيَّ المراصد، لتراكيبه حلاوة، وعلى ألفاظه طلاوة، وله شيء كثير من الموشحات، وكلها بالصناعة البديعية مُوشَّعات، وكان قد أتقن فنّي القريض والتوشيح، وغني اشتهاره في ذلك عن التلويح بالتصريح. وكان تاجراً فهو ينشر البَّزين من نظمه وقماشه، ويجعل النظم لأدبه والمتجرَ لمعاشه.
ولم يزل على حاله إلى أن طُوِيت من الحياة شُقَّتُه، وعُدِمَ ما بين معاشريه لطفه ورقته.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشري شهر الله المحرم سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وحدَّث بشيء من نظمه، أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين أبو الفتح قال: أنشدني من لفظه شهاب الدين العزَّازي يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
دمي بأطلالِ ذاتِ الخال مطلولُ ... وجَيشُ صَبريَ مَهزُومٌ ومفلولُ
ومن يُلاقِ العيون الفاتكاتِ بلا ... صَبرٍ يدافعُ عنه فهو مخذولُ
قُتلتُ في الحب حُبَّ الغانيات وما ... فارقت ذنباً وكم في الحب مقتولُ
لم يدرِ من سَلَبَ العشاقَ أنفسهم ... بأنه من دم العشاق مؤولُ
وبي أغنُّ غضيضُ الطرف مُعتدلُ ال ... قوامِ لَدْنُ مَهَرِّ العطف مَجدُولُ
كأنّه في تثنّيه وخَطرتِهِ ... غُصنٌ من البانِ مطلولٌ ومشمولُ
سُلافةٌ منه تسبيني وسالفهٌ ... وعاسِلٌ منه يُصبيني ومعسُولُ


وكل ما تدّعي أجفان مقلته ... يصحُ إلاَّ غرامي فهو منحولُ
منها:
يا برق كيف الثنايا الغرُّ من إضَمٍ ... يابَرقُ أم كيف لي مُنهنَّ تقبيلُ
ويا نسيم الصّبا كرِّر على أذُني ... حَدِيثهنَّ فما التكرارُ مملولُ
ويا حُداةَ المطايا دُون ذي سَلَمٍ ... عوجوا وشرقيَّ بانات اللِّوى مِيلُوا
منها:
منازلٌ لأكفِّ الغيثِ توشيَةٌ ... بها وللنَور توشيع وتكليلُ
كأنما طِيبُ ريَّاها ونَفحتُها ... بطيبِ تُربِ رسول الله مجبولُ
أوفَى النبيين بُرهَاناً ومُعجزةً ... وخيرُ من جاءهُ بالوحي جبريلُ
لهُ يدٌ وله باعٌ يَزِيِنُهاما ... في السِّلم طِولٌ وفي يوم الوغى طُولٌ
منها:
سَلَ الإلهُ به سيفاً لملته ... وذلك السيفُ حتى الحشرِ مسلولُ
وشاد ركناً أثيلاً من نبوَّتهِ ... والكفرُ واهٍ وعرشُ الشرك مثلولُ
ويل لمن جحدوا برهانه وثنى ... عِنان رشدهم غيٌّ وتضليلُ
أولئك الخاسئون الخاسرون ومن ... لهم من الله تعذيبٌ وتنكيلُ
نَمَتهُ من هاشم أسدٌ ضَرَاغِمة ... لها السيوفُ نُيُوبٌ والقنا غيلُ
إذا تفاخر أربابُ العلا فهم ال ... غرُّ المغاويرُ والصَّيدُ البهاليلُ
لهم على العَرَبِ العَرباء قاطبةً ... به افتخارٌ وترجيحٌ وتفضيلُ
قومٌ عَمَائمهم ذلت لعزتها ال ... قعساءِ تيجانُ كسرى والأكاليلُ
وهي قصيدة جيّدة غراء.
وبالسند المذكور له:
منذ عشقت الشارعيَّ الذي ... بالحسن يغتال ويختالُ
لم يبق في ظهري ولا راحتي ... تالله لا ماءٌ ولا مالُ
وأنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين العزّازي:
ما عُذرُ مثلك والركاب تُساقُ ... ألاّ تفيض بدمعك الآماقُ
فأذِل مثوناتِ الدموع فإنما ... هي سُنَّة قد سنَّها العشاقُ
ولرُبَّ دمعٍ خانَ بعد وفائهِ ... مُذ حانَ من ذاك الفريق فراقُ
ووراء ذياك العُذيبِ مُنيزلٌ ... لَعِيت بقلبك نحوه الأشواق
خُذْ أيمن الوادي فكم من عاشقٍ ... فتكت به من سِربِهِ الأحداقُ
واحفظ فؤادك إن هفا بُرق الحِمى ... أوهَبَّ منه نسيمه الخفّاقُ
وكتب شهاب الدين العزّازي إلى ناصر الدين حسن بن النقي ملغزاً في " شبّابة " :
وما صفراءُ شاحبةٌ ولكن ... تُزَيَّنها لُّنضارة والشبابُ
مُكتبةٌ وليس لها بنانٌ ... مُنقَبةٌ وليس لها نِقابُ
تُصيخُ لها إذا قبَّلتَ فاهَا ... أحاديثاً تلذُّ وتُستَكابُ
ويحلو المدح والتشبيب فيها ... وما هي لا سعادُ ولا الربابُ
قلت: ما أحسن ما جاءت " الباب " هنا.
وأجاب ابن النقيب عن ذلك:
أتت عجميَّةٌ أعربتَ عنها ... لسلمانٍ يكون لها انتسابُ
ويُفهم ما تقولُ ولا سؤالٌ ... إذا حققت ذاك ولا جوابُ
يكاد لها الجماد يهوزّ عِطفاً ... ويرقص في زُجَاجته الحُبِابُ
قلت: الأول أجود وأحسن.
وقال العزّازي ملغزاً في القوس والنُشَّاب:
ما عجوز كبيرةٌ بلغت عُم ... راً طويلاً وتَتَّقيها الرجالُ
قد علا جسمَها صفارٌ ولم تَشْ ... كُ سَقَاماً ولا عراها هُزالُ
وأراها لم يُشبهوها، ففي الأ ... مِ اعوجاج وفي البنين اعتدالُ
قلت: ما أصنع البيت الثالث وأحسنه.
ومن شعر العزَّازي:
قال لي من أحبه عند لثمي ... وجناتٍ يُحدِّثُ الورد عنها
خلَ عني أما شبعت؟ فنادي ... ت: رأيتَ الحياة يُشبَع منها؟
ومنه:
جَعَلت يوم قارةٍ كلَّ وجهٍ ... شِدّةُ البرد وهو للقار يحكي

وأسالت منا الدموعَ وما زل ... نا بها في منازلِ النبك نبكي
ومن موشحات العَزّازي:
ما على من هام وجداً بذواتِ الحلى ... مبتلى بالحِدَقِ السود وبيض الطُّلَى
باللوى مُليُّ حُسنٍ لديوني لوى
كم نوى قتلي وكم عذبني بالنوى
قد هوى في حبه قلبي بحكم الهوى
واصطلى نارَ تجنّيه ونار القِلى ... كيف لا يذُوبُ من هامَ بريم الفَلاَ
هل ترى يجمعنا الدهر ولو في الكرى
أم ترى عيني محيّا من لجسمي برى
بالسُّرى يا حاديي ركبٍ بليل سرى
عَلِلاً قلبي بتَذكار اللُّقا علِّلا ... وانزلا دون الحِمَا حُيَّ الحمى منزلا
بي رشا دمعي بِسِرِّي في هواه فشا
لو يشا بَرَّد مني جمرات الحشا
ما مشى إلا انثنى من سكره وانتشى
عطلا من الحميّا يا مُدير الطلا ... ما حلا إذا أدار الناظرَ الأكحلا
هل يلام من غَلَبَ الحبُّ عليه فهَام
مستهام بفاترِ اللحظ رشيق القوام
ذي ابتسام أحسن نظماً من حباب المام
لو مَلا من ريقه كأساً لأحيا الملا ... أوجَلاَ وجهاً رأيتَ القمر المجتلى
لو عَفَا قلبك عَّمن زلَّ أو من هفا
أو صفا ... ما كان كالجلمد أو كالصفا
بالوفا سَل فتىً عذَّبتَه بالجفا
هل خلا فؤاده من خطرات الولا ... أو سَلا أو خان ذاك الموثق الأوَّلا
وكنت أنا في وقت قد نظمت موشحاً في هذه المادة وهو:
لي إلى ظبي الحِمى شوق وقد أنحلا ... إن حلا فإنه جرَّعني الحنظلا
بي قمر سبي الحشا مني وعقلي قَمَرْ
لو خَطر أمسى به أهل الهوى في خطر
مُذ سَحَر بطرفه اعتل نسيم السَّحر
واصطلى محبة تذكار عصر خلا ... وابتلا بالوجد حتى أتعب العُذَّلا
كم ألم من طيفه لما بَجَفنيَّ ألم
في الظُلم أنصف لكن عين وُلّي ظلَم
أو نَسَمْ مبسَمُه أحيا جميع النسَم
أوجلا طلعتهُ في دامس أليلا ... لا اعتلى على بُدُور التم بين الملا
إن قضى بقتلي طرفُ غزالي انقضى
إذ مضى في كبدي جفناه فيما مضى
لو أضا برق الرضى لي ذات الإضى
لا نجلى عني العَنَا أو قلّ عني العُلا ... وانسلا قلب عدوّ قال عني سَلاَ
إن صفا لي قلبه من هجره انصفا
إن تفاءلت لقلبي برضاه انتفا
أو طغا دمعي على جفن له أو طفا
أخجَلا قطر غوادٍ قد غدت حُفَّلا ... كيف لا وهو حَيا دمعي وقد أسبلا
بئس ما عاملني الحب الذي بي سَمَا
عندما أجرى دموعي بالجفا عندنا
لأجرَما غفرتُ للواشي الذي أجرما
فاختلى به وخَلى البال رهن البلا ... أمَّ لا دون نعم في كل ما أمّلا
أحمد بن عبد المنعم بن أبي الغنائم


ابن أحمد بن محمد القزويني الطاوُسي.
الشيخ الكبير المقرئ المعمَّر الصوفي بالخانقاه السميساطية.
روى عن ابن الخازن، وعن ابن خليل، والسخاوي، وغيرهم، وحدَّث بالإجازة العامة عن الصيدلاني وغيره.
وكان من أعيان الصوفية، حَسَنَ الأخلاق قاضياً للحقوق، من أهل القرآن.
قال شيخنا البرزالي: ذكر أنه قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وست مئة وسافر إلى بغداد سنة أربع وثلاثين مع ابن مرزق، كان يصلّي به، أرسله معه الشيخ علم الدين السخاوي ووصّاه به.
وذكر أنه سمع بقزوين " صحيح مسلم " على يد أبي بكر الشحاذي، وأنه اجتمع بالرافعي صاحب " الشرح الكبير " ، وأنه رأى السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه سنة خمس عشرة وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة أربع وسبع مئة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن بمقابر الصوفية.
أحمد بن عبد المحسن



بن الحسن بن معالي

القاضي الإمام نجم الدين أبو العباس الدمشقي الشافعي.
تفقَّه على الشيخ تاج الدين عبد الرحمن ولازمه، وأعاد بحلقته وولي إعادة الظاهرية والقيمريَّة وغيرهما. وولي قضاء القدس في أيام القاضي بهاء الدين ابن الزكي وناب في الحكم سنين عن ابن صَصَرى، ودرس بالنجيبيّة وغيرها.

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 05:58 AM ]


وسمع من ابن عبد الدائم، وروى عنه، وسمع من ابن أبي الخير، وابن علان، وجماعة. وحج غيره مرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر شعبان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
أحمد بن عبد المحسن بن الرفعة


ابن أبي المجد الشيخ الصالح المسند شرف الدين أبو العباس.
سمع من النجيب الحرَّاني، وابن عَزّون، والمعين أحمد بن القاضي زين الدين الدمشقي، وابن ملكويه المشرف البروجردي، وتاج الدين القسطلاني، وسمع مشيخة الرازي، والجمعة للنسائي على الشيخين المقدم ذكرهما.
وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين وست مئة، ودفن بالقرافة.
ونقلتُ من خطّ السَّراج الورّاق، ما كتبه إلى الشيخ، لما قدم من الحجاز:
لم لا أراك من الحِجَا ... ز وقد وصلتَ ولا أراكَا
طيِّب سواك فمي فلم ... يُعجِبهُ ذكرُ فتىً سواكا
أحمد بن عبد الواحد



ابن عبد الكريم بن خلف، الشيخ الأمين الفقيه العَدل الفاضل فتح الدين أبو العباس ابن الشيخ الأمام العلامة كمال الدين الأنصاري الزملكاني.
حدَّث عن خطيب مردا، والبكري، وابن عبد الدائم الزملكاني.
توفي رحمه الله تعالى ظهر يوم الاثنين ثالث عشر صفر سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن بمقابر الصوفية عند والده وأخيه الشيخ علاء الدين.
وفَتحُ الدين هذا هو عم الشيخ العلامة كمال الدين ابن الزملكاني قاضي حلب.
وكان مولد فتح الدين في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وست مئة.
قال شيخنا البرزالي: سمعت عليه خمسة عشر جزءاً.
أحمد بن عبد الوهاب



ابن خلف بن محمود بن بدر القاضي علاء الدين المعروف بابن بنت الأعز الشافعي.
حج ودخل اليمن، وعاد وقدم دمشق، وولي تدريس الظاهرية والقَيمَريَّة، وكان يركب البغلة ويتحنَّك على عادة المصريين، وهو أخو الأخوين قاضي القضاة محمد صدر الدين وقاضي القضاة عبد الرحمن تقي الدين.
وعاد من دمشق إلى مصر ودَرَّس بالكُهاريّه والقطبية، وتولى الحسبة باخرَة.
وكان مليح الشارة، فصيح العبارة، مليح النضارة، فيه كرم وإحسان وجود، ومحاسنٌ يتضوع من نشرها الوجود، مع لطف مزاج، واعتدالٍ لا يُؤديّه إلى انزعاج، كثيرَ التبسم، شديد الاسترواح إلى المكارم والتَنَسُّم، وكان فيه شهامة، وعنده بالأمور العظام كفالة وزعامة.
ولم يزل بمصر على حاله إلى أن أجاب الداعي، وقام به الناعي.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة.
أخبرني من لفظه شيخُنا العلامة أثيرُ الدين، قال: حَضَرنَا مع المذكور في الروضة فكتب إليّ، وَوَجَّهَهُ مع بعض غلمانه:
حَيَّيتُ أثيرَ الدين شيخ الأدبا ... أفضي حقاً له كما قد وَجَبَا
حَيَّيتُ فتىً بطاقِ آسٍ نَضِر ... كالقدِّ بدا مُلِئتُ منه طَرَبَا
قال: فأنشدته:
أهدى لنا غُصُناً من ناضر الآسِ ... أقضى القضاةِ حليفُ الجود والباسِ
لمّا رأى سقمي أهداه مع رشأٍ ... حُلوِ التثني فكان الشافي الآسي
وأنشدني قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
تعطلتُ فابيضّت دَوَاتي لحُزنها ... ومُذقلَّ مالي قلَّ منها مِدادها
وللناس مُسوَدُّ اللباس حدادهم ... ولكنَّ مُبيضَ الدواةِ حِدادها
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
في السُمر معانٍ لا تُرى في البيضِ ... تالله لقد نصحتُ في تعريضي
ما الشهد إذا طعمته كاللبنِ ... يكفي فَطِنا محاسنُ التعريضِ
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
قالوا بالعذارِ تسلَّ عنه ... وما أنا عن غزال الحسن سالِ
وإن أبدَت لنا خدّاه مسكاً ... فإن المسك بَعضُ دم الغزالِ
أحمد بن عبد الوهاب



بن عبد الكريم

شهابُ الدّين، النويريّ المحْتد، القُوصيّ المولد.
سمع على الشريف موسى بن علي بن أبي طالب، وعلى يعقوب بن أحمد، وأحمد الحجّار، وزينب بنت مُنجّا، وقاضي القضاة ابن جماعة، وغيرهم.


وكتب كثيراً، كتب البخاري مرَّات، كتبه ثماني مرات، وكان يكتب النسخة ويقابلها، وينقل الطباق عليها ويجلّدها ويبيعها بسبع مئة درهم وبألف، وباعَ تاريخه مرة للقاضي جمال الكفاة بألفي درهم، وكان يكتب في النهار الطويل ثلاث كراريس، وحَصل له قربٌ من الدولة في وقت، وجمع تاريخاً كبيراً في ثلاثين مجلدة رأيته بخطّه.
كان المذكور قد تقدَّم عند السلطان الملك الناصر، وعُقِدت عليه الخناصر، ووكَّلهُ في بعض أموره، وجعله في موضع سرَّه، وعمل عليه ولعب بعقله حتى رافَع ابن عُبادة، وهو الذي قربه إليه ورفع عندَه عِمَادَه، غضُربَ بالمقارع نكالاً وتخلّى السلطان عنه وأضحك منه الثكالى، ولكنَّ ابن عبادة عَفَا عنهُ وما انتقم منه.
وتقلَّب في خِدم الديوان، وباشر نظرَ الجيش بطرابلس في وقت، ونظر الديوان بالدقهلية والمرتاحيّة.
وكان حسن الشكل فيه مكارم وأريحيّة، يتودَّدُ لأصحابه، ويتردد لمن يتمسَّكُ بأسبابه، مع ذكاءٍ في فطرته واحتشام في عشرته. صام شهر رمضان وهو في كل يوم بعد العصر يستفتح قراءة القرآن إلى قريب المغرب، ثم حصل له وجع في أطراف يديه زار منه منازل البلى وترك الدمع عليه مُسبَلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومن شعره:....
أحمد بن عبد الله بن جبريل


كاتب الإنشاء من الأيام المُعِزيّة إلى آخر وقت القاضي شهاب الدين.
كان كاتباً مأموناً، مباركاً على الدولة ميموناً، تردد إلى الديوان زماناً، وأخذ من السعد فيه أماناً، إلى أن أضرَّ ولزم الجلوس في داره وأصرَّ. ولم يزل على ذلك إلى أن ودع أهله بالحزن بعد مسرَّة وهنا، وأصبح بعمله في القبر مرتهناً.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة تسع وسبع مئة.
وهو والد القاضي صلاح الدين بن عبد الله، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ودارهم بالقاهرة في حارة وزيلة.
أحمد بن عثمان بن قايماز



ابن أبي محمد عبد الله الفارقي التركماني الدمشقي شهاب الدين، والد شيخنا الشيخ شمس الدين الذهبي.
سمع صحيح البخاري سنة ست وستين على المقداد القيسي، عن سعيد بن الرزاز، عن أبي الوقت.
وأجاز له تقي الدين بن أبي اليُسر، وجمال الدين بن مالك، وجماعة.
وسمع مع والده ببعلبك من التاج عبد الخالق وزينب بنت كِندي، وجماعة. كان فيه دين وخبير ودفع الضرر عن غيره والضير، افتكَّ من عكا أسيرين، وأعتق جارية وغلامين، وبرع في صناعة الذهب، وكان في يده مثل اللهب. ولم يزل على حاله إلى أن انتهى شوطه، وفرغ من سَوْق الحياة سَوْطه، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
أحمد بن عثمان بن أبي الرجاء



شهاب الدين بن السَّلعُوس التنوخي الدمشقي، أخو الصاحب شمس الدين.
سمع من ابن عبد الدائم، وسمع بالإسكندرية في تجارته من عثمان بن عوف. وسمع منه البرزالي.
كان في سمعه ثِقل، وهو لأجل التجارة لا يزال في نُقَل، وفيه برّ وصدقة، وله تطلُّع إلى الإحسان لا يُطرق معه حدقَه، ونال الجاهَ العريض أيام وزارة أخيه، وولي نظر الجامع الأموي، إلا أنه ثبتت أواخيه، ولما قُتل أخوه عاد إلى حاله الأولى وانكفَّت يده الطولى.
ولم يزل كذلك إلى أن وقع ما لابُدَّ منه، ونفرت أوانس الحياة عنه، وتوفّي رحمه الله تعالى كهلاً سنة سبع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عثمان بن إبراهيم



ابن مصطفى بن سليمان، الشيخ الإمام الفقيه تاج الدين أبو العباس المارديني الحنفي، المعروف بابن التركماني، وسيأتي ذكره والده وأخيه في مكانهما إن شاء الله تعالى.

كان فقيهاً مُجيداً، وأدبياً مفيداً، ومُبدياً للفوائد في الفنون ومُعيداً، صنف في غير ما فن وأظهر ما بطنَ من الغوامض وما استَجَنَّ. له تعليقه على المُحَصَّل للإمام فخر الدين وشرحٌ على منتخب الباخي في أصول الفقه للحنيفة، وثلاث تعاليق على خلاصة الدلائل في تفتيح المسائل للحنيفة؛ الأولى: في حل المشكلات، وتبين المعضلات، وشرح الألفاظ وتفسير المعاني للحُفَّاظ. والثاني: في ذكر ما أهمله من مسائل الهداية. الثالثة: في ذكر أحاديثه والكلام عليها وعلى متونها وعلى تصحيحها وتخريجها. شرحُ الجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وشرح الهداية، أظنه لم يكمل، وكتابان في علم الفرائض مبسوط ومتوسط، وتعليق على مقدمتيَّ ابن الحاجب، وشرح المثّرب لابن عصفور أظنه لم يكمل، وشرح عرُوض ابن الحاجب، كتاب في أحكام الرماية والسبق والمحلل، وكتاب الأبحاث الحليّة على مسألة ابن تيميّة، وشرح الشمسية في المنطق، أظنه لم يكمل، وشرح التبصرة للخرقي، في الهيئة أظنه لم يكمل.
وله نظم جيّدُ المقَاصد ونثر يُعَدُّ في الفرائد، وخطّه أبهى من الحلل الموشاة والرياض التي بالأزهار مُغشاة.
لم يزل في خدمة العلم إلى أن سكن التراب، وفارق لداته والأتراب، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وسبع مئة بالقاهرة في أول جُمَادى الأولى.
ومولده بالقاهرة سنة إحدى وثمانين وست مئة.
نقلتُ من خطه له:
غرامي بكم بين البريَّة قد فشا ... فلستُ أبالي بالرقيب ومن وشى
ولا غَروَ أن غرّت صفاتك من حكى ... فما قدر ما حالكَ الربيع وما وشى
وإن قستُها بالدُرِّقال بي السُها ... أفق إن ذاك الدُر في بحره انتشا
فقُمت بها أشدو على كل مَشهدٍ ... فكلٌّ به عُجباً تواجَدَ وانتشى
مغارسُه طابت وطاب أبَّوةً ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا
وما أنبت الخَطيَّ إلاّ وشيجُه ... ولا بات إلا في مُطهَّره الحشا
فجاء فريد الدهر أوحَدَ عصره ... وكم بين ذي نورٍ ومن كان ذا غِشا
ونقلت منه أيضاً:
ملكتَ عذَارى الجامحات وعُونَها ... وفجَّرتَ مِن عُقم المعاني عيُونها
رددت وجوه الشاردات أوتنساً ... وذلَّلت باللفظ البليغ متونها
فلا غَروَ أن هزَّ الصَّبا ... وقبَّل من بان العُذيب غُصُونَها
وأسكر صبّاً مُغرماً بحديثكم ... وفرَّعَ من حُسن الحديث شجونها
أحمد بن عثمان بن مفرّج بن حامد
الشيخ الصالح أبو العباس البعلبكي القيّم بلغ من العمر سبعاً وثمانين سنة، وكان شيخاً صالحاً، خدم المشايخ وسافر إلى العراق.
قال شيخنا البرزالي: وروى لنا عن ابن المقير الأربعين للحاكم قرأتها ببعلبك، وسمع أيضاً من ابن رواحة في أول سنة إحدى وعشرين وست مئة وسمع من الشرف المرسي، وغيرهم، ولزم المسجد في آخر عمره والعبادة.
وكان حسن السمت كثير المروءة، ديِّناً عفيفاً.
توفي رحمه الله تعالى في ثالث شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عثمان
الأديب النظّام شهاب الدين الأمشاطي.
كان ينظم الشعر القريض، وهو فيه ذو طرفٍ غضيض، ولكنه في الأزجال والموشحات وما يحتاج الأدباء فيه إلى رأي العوام من الزيلجات قيّم في وقته بالشام، يعظمه أرباب هذا الفن بشهادة الحكام، أخذ على ذلك دراهم، واستعمل بها لحراجاتهم مراهم، لعب مراتٍ وغَلَب، ونُودي له بقيّم الشام من دمشق إلى حلب، وكان له قدره لنظمه الشعر، فإنه به غَلالة الشعر.
ولم يزل على حاله إلى أن سُرحَ الأمشاطي إلى البرزخ، وأقام به إلى يوم القيامة مرسىً ومرشح.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأول من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ومات في عشر الستين.
وكتب عنه ابن طغريل.
ومن شعره:
وفتَّاكِ اللواحظ بعد هَجرٍ ... حنا كرماً وأنعم بالمزار
وظل نهاره يرمي بقلبي ... سهاماً من جفونٍ كالشفار
وعند النوم قلت لمقلتيه ... وحكم النوم في الأجفان جار
تعالى من توفاكم بليلٍ ... ويعلم ما جرحتم بالنَهارِ

وكان الأمشاكي قد نظم هو وابن مقاتل زجلين، فقطع أرباب فنّهما للأمشاطي بأنه الغالب، وابن مقاتل يدعي أنه سافر إلى مصر وأخذ خطَّ الشيخ صدر الدين بن الوكيل وخط شخنا أثير الدين وغيرهما من المصريين بأنه هو الغالب والأمشاطي رحمه الله تعالى.
لك خَدْيا أح مذ حاز مُلح ... روضو اصطبح فيه واغتبق
خال من سبح أسبى المهج ... زهرٌ خرج وأظهرُ فَرج
من هام بيه ليسَ يُلاَمْ
مُعَيشِقي النادر ... ليس في الملاح ندُّو
وجهو المضي الزاهر ... يدر الكمال عبدو
ولو قوام ناضر ... في اللين أخذ حَدُّو
قام في الرياض خاطر ... رأى الغُصِين قدّو
عليه رَجَح مات وانطرح ... لما افتضح وفي الورق
صار مندرج ومُندمج ... وراح همج من العِوَج
حين قام ذاك القوام
جيت في الملامح نَدرة ... مطبوع حلو سُكّر
لك جفن بالكسرَة ... على الملاح يُنصَر
والريق لنا سَكرّة ... آه لو نطيق نسكرِ
وخد فيه خُضرَة ... أبيض شريق أحمر
نُورو اتضح لِمن لُمح ... كِنّو قَدَح رَاقَ للحدَق
صَفَا نتج لمّا ابتهج ... نار دون وهج أو امتزج
والتام ماء والمدَام
صادفت من عزَّر ... هجري في وَحد اليوم
دَنَا رقيق أصفر بحال هلال الصوم
شكيت لو كم نسهر ... قال لي: اكتحل بالنوم
فناديت وقد أبحر ... دمعي ولي فيه عوم
يا من قداح رق وجرح ... وما صفح ولي شُقَق
سُقمي نسج من صار نهج ... وَك مُتَّهج وفي لُجَج
قد عام كيف لو مُنام
ظهرَ وكان يخفي ... عني وصال حُبّي
وارتدَّ عن خُلفي ... ومال إلى قُربي
نحمد ونشكر ونشكر في ... كل الأمور ربّي
فقرَّ يا طرفي ... والتَذّ يا قلبي
وابدي الفرح واخفي الترح ... أمرك نجح كم بالقلق
تعمل حجج وتنزعج ... جاد بالفرج بعد الحرج
قسَّام رزق الأنام
معك قوَّام أرشق ... من الغصن وأنضرُ
بليل شعرو أورق ... وبالقمر أثمر
وخذ رُزضُوا عبق ... جنّانُو خال عبر
وكل من حقق ... في طلعتك يبصَر
لك خديا أح مذ حاز مُلح ... روضوا اصطبح فيه واغتبق
خال من سَبَح أسبى المهج ... زهرُ وخرج وأظهر فَرج
من هام بيه ليس يلام
والذي نظمه علاء الدين بن مقاتل:
طرفي لمح بدر اتضح ... لي فيه مُلَح ماعو حَدق
إذا اختلج فيها الدعج ... يسبي المهج ولو نسج
رَقام عذارو لام
جل الإله منشيه ... من بعض اياتُو
خَدّو المضرج فيه ... نارُو وجَنَّاتُو
والورد كاد يبديه ... في غير أوقاتو
ومن جنا عينيه ... لمى في وجناتو
وردُو اتّفح نشرُو انفضح ... وفيه نضح طلَّ العرق
وامتزج ذاك الوهج ... من الضَرَج فاح لو أرَج
نّمام على الخزام
واعظ هويت وعظوُ ... والخطبة والإنشاد
والختمة من حفظو ... والدرس والإسناد
ومزدوج لفظو ... قد أفرد العُبّاد
شبّهو من حَظوّ ... في ليلة الميعاد
حين قال صح في ما شرح ... وقد فَضَح لما نطق
بالمزدوج وابتهج ... وقد عَرَج على الدرج
وانقام بدر التمام
محبوبو لما احرَف ... عنُّو لشومِ قسمُو

سَقمو عليه أسرف ... حتّي محا رسمُو
وما بقي يُعرف ... مِنّو سوى إسمو
وعلى الممات أشرف ... ومن نحول جِسمُو
قد صار سَبَح ولا برح ... ولا انتزح عَّمن عشق
ولا انحرج ولا انزعج ... لو اندرج واندمج
لا لام ولا يُلام
سمع بأوصافي ... وما رويت عنّو
عمل على إنصافي ... ووصلي صار فنُّو
وعيشنا الصافي ... زال الكدَر عنّو
مع حظي الوافي ... وما احلا ما إنّو
معي مَزَح ولي فتح ... باب الفرح وقد غلق
باب الحرج وللفرج ... معي درج وجا الفر
والتام حفظ الذمام
ما ذي الملاّح إلا ... فتنة لمن يعشق
الله لهم حلَّى ... بالبهجة والرونق
بحالهم أصلاً ... في الجنة ليس يخلق
فكيف نطيق نسلا ... عنهم وفي جلَّق
طرفي لمح بَدرَ اتضح ... في فيه مُلح ما عُو حَدَق
إذا اختلج فيها الدعج ... يسبي المهج ولو نَسجَ
رقّام عذارو لاَم
قلت: أنا أحاشي الشيخ صدر الدين والشيخ أثير الدين رحمهما الله تعالى أن يكونا حكماً لابن مقاتل على الأمشاطي، وابن مقاتل قد جاء معه عدة عيوب منها قوله " جنا عينيه " مع قوله " منشية ومبدية " ، وهذا لا يجوز قريضاً ولا زجلاً، ومنها قطع همزة الوصل وهو غير جائز عند الزجّالة، ويسمون مثل هذا: " ركبة " ، ومنها أنه ذكر الواعظ وما لذكره هنا بمعنى، لأنهما ما تفقا على أن ينظما في واعظ، هذا إلى غير هذه الأشياء من العيوب.
أحمد بن عسكر بن شدّاد
الفقيه الفاضل كمال الدين.
كان رجلاً صالحاً فقيهاً نبيهاً متقشفاً مقلاً من الدنيا.
سمع كثيراً مع شيخه ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر، وغيرهما.
وحدَّث وحجَّ غير مرة، وكان يسافر إلى القدس ماشياً كلَّ سنة.
توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة اثنتين وسبع مئة. وحضر جنازته القضاةُ والعلماء.
أحمد بن علي بن عبد الوهاب


ابن يوسف بن منجا، شهاب الدين الأدفوي.
كان من الأذكياء العقلا، والدَّينةِ النبلا، صدوق اللهجة، ظاهرَ الوضاءة من الخير والبهجة، تفقه للشافعي، وقرأ النحو، وكان فهماً ذكياً ذا همة، وقريحة تخلو له الليالي المدلهمة، وفيه صدقه وبِرّ، وإخلاصُ باطنٍ وسِرّ، وإكرامٌ للفقراء والصالحين والضيوف الواردين.
حضر إلى القاهرة، وشرع في حفظ التسهيل، فقرأ منه القليل، ونزل به حادث المنايا، ووارث الرزايا.
وتوفي بالمدرسة الصالحية في صفر سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
أحمد بن علي بن عبد الله



ابن أبي البدر. المحدث جمال الدين أبو بكر البغدادي القلانسي.
كان مفيد بغداد، عُني بالرواية وهو ابن عشرين سنة، وسمع الكثير من عبد الصمد، ومحمد بن أبي الدينَّة وابن بلدخي وعدَّه. وخرّج وأفاد، وكتب وروى قليلاً.
وحدّث عنه التقي محمد بن محمود الكرخي وابنه أحمد، وأحمد بن عبد الغني الوفاياتي، وعبد الله بن سليمان الغراد، ومحمد بن يوسف بن منكلي.
وكان صدوقاً فما يدَّعيه وما يقوله ويعيه.
لم يزل يفيد ويطلب، ويزيد ويكتب عن المشايخ في الإجازات، ويكتب ما في الجزازات، إلى أن باخ جمره، وأناخ عليه بكلكله دهره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وسبع مئة.
ومولده في جمادى الآخرة سنة أربعين وست مئة
أحمد بن علي بن هبة الله



شمس الدين بن السّديد الإسنائي الشافعي.
قرأ الفقه على الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، وتولى الخطابو بإسنا، وناب بها في الحكم وبأدفُو بقوص، ودرس بها، وبنى بها مدرسة، ووقف عليها أملاكاً جيَّدة، ووقف على الفقراء.


وكان قويَّ النّفس يبذل الألوف ليقهر أعداءه ويذيقهم الحتوف، محافظاً على الرياسة ملازماً لطريق الخدمة للأكابر والسياسة، واقفاً مع هواه لا يحذر من مَهوَاه، مُمدَّحاً معطاءً مَهيباً، واجداً بالتقدم في الدنيا وجد المتيَّم إذا رأى حبيباً، انصرف منه عل نيابة الحكم بقوص ثمانون ألف درهم، وما دخل منه القلب ولا الصدر همّ وصادره الأمير سيف الدين كراي المنصوري في آخر عمره وأخذ منه مئة وستين ألف درهم.
وتوجه إلى القاهرة وتمارض فمرض، ونزل به الأمرُ المحتوم وأصبح وهو تحت الأرض في حرز مختوم.
وكانت وفاته في شهر رجب الفرد سنة أربع وسبع مئة.
أحمد بن علي


ابن الشيخ الزاهد يوسف بن علي بن إبراهيم سبط الشيخ ضياء الدين أبي المحاسن عبد الحق الواسط الحنفي، القاضي شهاب الدين أخو قاضي القضاة برهان الدين ابن عبد الحق بن خلف بن عبد الحق، تقدم ذكره في الأباره.
توفي رحمه الله تعالى في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
أحمد بن علي بن أحمد



الشيخ فخر الدين أبو طالب الهمداني الكوفي الحنفي المعروف بابن الفصيح، والفصيح جده لأمه.
نظم " الفرائض السراجية " و " كنز الدقائق " و " المنازل في أصول الفقه " و " نظم شاطبيةً " أظهر رموزها وجاءت أصغر من الشاطبية.
وسمع على الصغاني وروى عنه.
وكان له في البلاد العراقية ذكر وسمعة، وهناك له ضوء ونور يتوقد في شمعه.
حضر إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب الشام، وحصل له منه إقبال تام، وكان مدّرس المدرسة التي بالقصّاعين يُظهر فيها فوائده، وينظم في أجياد الدروس فرائده، وعاد بالريحانية إلى أن مات بها، وعمَّر بالإفادة زوايا جوانبها.
وكان مشكورَ الوداد، حَسَن الاعتقاد، أكبَّ على الاشتغال ليلاً ونهاراً، لا يردّ طالباً، ولا يَصُدّ مغالباً، إلى أن خرس ابن الفصيح وتبوأ بطن الضريح.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد سادس عشري شعبان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمانين وست مئة. أنشدني من لفظه الإمام شمس الدين محمد بن سند اللخميَّ قال: أنشدني الشيخ فخر الدين لنفسه:
لا تجزعنَّ فليسَ ذاك بنافعٍ ... وَقَعَ الذي قد كنتَ منه تحذرُ
فتلقَّهُ بالصبر أو متبصراً ... والصبرُ بالنفسِ الكريمةِ أجدرُ
أحمد بن علي بن عُبَادة
القاضي الرئيس شهابُ الدين الأنصاري الحلبيّ.
نش بالدّيار المصرية، وكتب واشتغل، وولي شهادة الخِزانة، واتصل بخدمة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وحظي عنده، وأورى السعدُ زندهُ، واشتهر في مصر بالوجاهة، وعاملهُ مخدومه بالدعابة والفكاهة، وكان معه في وقعة التتار سنة تسع وتسعين وست مئة، وتأخر بَعدَهُ بدمشق، وولي أمر التربة المنصورية بالقاهرة، والأوقاف والأملاك السلطانية، ولازمه، واتحد به، وشدَّ للموت حيازمه. وتوجه معه إلى الكرك وأقام بالقدس شهوراً، وجانب جدّاً كان في ذلك الوقت عثوراً، ولمّا عاد السلطان إلى مصر عاد معه إليها، وقدم بالسعد والإقبال عليها.
وعرض عليه الوزارة فما وافق، والظاهر أنه خادع في ذلك ونافق، وأطلق له في حلب ضيعَة، وجل مَغُلَها له وريعَة، وضيعةً أخرى بالسواد من دمشق.
وكان جيّد الطباع سهل الانقياد إلى الانتفاع، تعرَّف به أقوام فأفلحوا، وعاملوه بالوفاء فربحوا. ولما كان في خدمة السلطان لم يكن ذكرٌ لغيره، ولا لأحد قدره على سَيره.
ولم يزل على حاله إلى أن فقدته أوطانه، ولم ينفعه فيما نزل به سلطانه.
توفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة في سادس عشر جمادى الأولى.
أحمد بن علي بن وهب



العدل المعمِّر الدين أبو العباس بن محمد بن دقيق العيد، أخو الشيخ الآتي ذكره في المحمّدين إن شاء الله تعالى، القشيري، المنفلوطي.
سمع " الثقفيّات العشرة " وثاني " المَحَامِلِيّات " ، وثاني سعدان، وأربعين السلفي من ابن الجُميّزي، وسمع " جزء " الصولي من ابن رواج، وسمع من الزكي المنذري وغير واحد، وحدّث قديماً.
سمع منه البرزالي، وقطب الدين عبد الكريم وجماعة.


واشتغل بمذهبي الشافعي ومالك على أبيه، ودرّس بالنجيبية بقُوص مكان والده، وكان يُلقي الدروس في المذهبين، وتولى الحكم بغرب قمولا وبقوص عن قاضي القضاة الحنفي، ولكنه اختلط بآخرة، وكان يتساهل في الشهادة وما يجري في ذلك على العادة، إلا أنه كان كثير العبادة، يسرد الصوم إرادَه، مع أورّادَهُ، ويكفل الأيتام ويزين خنصر البر بخَيتَام، وطال عمره، وتفرد برواية أشياء، وألحق بالأموات الأحُيَاء.
ولم يزل على حاله إلى أن " أخنى عليه الذي أخنى على لُبَد " وعَدم الرواة عنده من الزّبَد.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده في أحد الربيعين ست وثلاثين وست مئة.
أحمد بن علي بن الزبير


ابن سليمان بن مظفر: القاضي الفقيه شمس الدين أبو العباس الجيلي أبُوه، الدمشقي الشافعي الشاهد من صوفة الطواويس.
سمع مجلدين من " سنن البيهقي " من ابن الصلاح.
وروى عنه سائر من طلب ورحل الناس إليه حتى من حلب.
وكان ديّناً منطبعاً، نازلاً بأكناف التلاوة متربعاً، حسن المنادمة حتى حص الإقلاق خوافيه وقوادمه، ولم يزل على ذلك إلى أن غُصَّ بالحِمام وما وفي له الأمل بالذمام.
وتوفي رحمه تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
أحمد بن علي بن نصر بن عمر



فخر الدين السوسي المصري الشافعي، نزيل القاهرة.
كان فقيهاً بارعاً في الأدب، حَسَن الخلق، مليح المحاضرة، محبوباً إلى الناس، له النظم والنثر.
توفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة ودفن بالقاهرة وله ثلاثون سنة.
ومن شعره:
شكت دارها فعل الهوى بقطينها ... وما استبدلته العَينُ من بعد عينِها
وكثرة أنصار النوى وانفرادها ... فأنجدتُها مِن غبرتي بكمينها
وما ادّخرت عيني مياهَ شؤونها ... لشيء سوى إنفاقه في شؤونها
جزاءً وفاقاً لو قنعت بنظرةٍ ... من الشمس لم يُرمِدكَ ضوءُ جبينها
أعد نظراً فالحسن في الكون كله ... مُعَارٌ له من كاف ليلى ونونها
يعانِقُك الغصن الرطيب بقدّها ... وتَسبيك غزلان النقا بعيونها
وقد حاق فيك السحر من ظبَياتها ... وقد ملت سكراً عند مَيل غصونها
فهل غيرُ ليلى فاعلٌ فيك فِعلَها ... إذن لست في دعوى الهوى بأمينها
وما شهد العشاق غيرَ جمالها ... ولا دانَ من دين الهوى غير دينها
ولا خَرِسُوا إلاّ لهيبة حسنها ... ولا نطقوا إلا بفضل فنونها
ولا دارَ في أفهامهم وعقولهم ... من السحر شيء غير سحر جفونها
ومن شرطها أن لا ينال محبُّها ... مُنى وصلها ما عاف طعم منُونها
ولا تكتفي من نُدَّعٍ فرط حُبّها ... بدعوى ولا أن أكِّدت بيمينها
لها شاهد منها تميَّزَ عندها ... صدوقُ الدعاوى في الهوى من ظَنينُها
فقم صادقاً أو نم فللحب أهله ... وبه زلفاً بيضَ الليالي بجونها
وها كلمات في النصيحة من فتىً ... فصيح بألفاظ العِظات مُبينها
خذ العفو ممن تصطفيه ولا تسل ... عن الغيب واعرف خلة بقرينها
وأخرى أضاء الحق في جنباتها ... وخرَّقَ ليلَ الشك صبحُ جبينها
إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن ... على حاله إلا رضيت بدونها
أحمد بن علي بن محمد



بن سلمان بن حمائل

القاضي الفاضل الكاتب البليغ الناظم الناثر، نجم الدين أبو العباس ابن الشيخ علاء الدين بن غانم.
أحد كتاب الإنشاء بدمشق، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته كل منهم في مكانه.


كان القاضي نجم الدين هذا أكبر من أخيه القاضي جمال الدين عبد الله الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى، ولكنه لم يتفق له الدخول إلى ديوان الإنشاء إلا بعد أخيه جمال الدين عبد الله بمدة، وكان نجم الدين ينظم القريض غيدَّعي سامعُهُ أنه أنقُ من الروض الأريض، وأنه للطافته يأسو به القلب المريض، وتنظر الزهر الثواقب إلى زهرة الغض بطرفٍ غضيض، ويكتب فيوشِّي برود المهارق بقلمه ويرصع تيجان الطروس بجواهر كلمه، كأنما طروسُه وجتات طرّز وردها أسُ العذرار أو قطعٌ من الليل الداجي جرت فيها أنهارٌ من النهار:
زهراء أحلى في النفوس من المنى ... وألذّ من ريق الأحبّة في الفمِ
وكان دخوله في الديوان بعد موت والده رحمهما الله تعالى في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة.
جاء إلى مصر وتوصّل بالأمير بدر الدين بن الخطير وتنجَّز له توقيعاً من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأقام إلى أن حضر القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء بدمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فجرت له معه كائنة خرج بسببها من الديوان، ثم إنه توجه إلى مصر وعاد بتوقيع ثان في زمن الملك الصالح إسماعيل.
وقد خرج القاضي شهاب الدين بن فضل الله وعزل، ولم يزل نجم الدين المذكور يكتب في ديوان الإنشاء إلى أن توجه في شهر رمضان سنة ثمانٍ وخمسين وسبع مئة إلى ثغر بيروت لضبط متحصل الموقَّعين من الميناء. فأقام بها تارة يمرض إلى أن مات بعِلَّة الذَّربِ في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، ولم يخلف ابناً غير ابنةٍ صغيرة عمرها تقدير سبعة أشهر.
وكنت قد كتبتُ إليه وأنا بمرج الغسُّوبلة:
مولاي نجم الدين يا من فضله ... قد عمَّني بخصائص الإحسانِ
أوحشتني في سفرة قضَّيتُها ... بالمرجِ منفرداً عن الخلان
فبكيتُ لما أن ذكرتك بالدِّمَا ... حتى مَلأتُ المَرجَ بالمرجان
فكتب هو الجواب إليَّ عن ذلك:
شوقي صلاحَ الدين نحوك لم يزل ... مع فرط وجدي آخذاً بعناني
أوحشت عيني منذ سِرت ولم تزل ... والله يا مولاي نصب عياني
راسلتني بلطائف يا حُسنها ... هي في الضمير رسائلُ الإخوانِ
لا كان هذا المرجُ أجرى عبرتي ... في الخد كالبحرين يلتقيان
لما بكيتُ الخلّ صار الدمع في ... عنق المحب " قلائد العقيان "
وكتبتُ أنا إليه وقد انقطع من الديوان:
أمولاي نجم الدين أوحشت خاطراً ... لبعدك بعد القرب والأنسُ دائبُ
فنار الجوى لم يطفِها من مدامعي ... لفقدك لما غبت عني السحائبُ
وقد أظلم الديوان بعدك وحشةً ... وما حال أفقٍ نجمُه عنه غائبُ
فكتب هو الجواب إليَّ عن ذلك:
أيا مالكاً لي من علاه رغائب ... وفي كل وقت من نداه غرائبُ
أتتني أبيات حسانٌ لطائفٌ ... فقلبي عليها دائم الوجد ذائبُ
وأنت الذي مازلت كالبحر للورى ... لنا من أياديكِ الكرامِ عجائبُ
وكتبت أنا إليه وقد وعدني أن يربط لي بغله على حشيشٍ عنده:
بغلتي هذه تريد حشيشاً ... ما أنا وزنه بعقلي المعيشي
فكتب هو الجواب عن ذلك:
يا إماماً قد حاز كل المعاني ... طول دهري إليه كُلّ هشيشي
إنّ ذاك الحشيش صار يبيساً ... فرغاه يا مالكي إكديشي
وكتبت أنا إليه ملغزاً في " تميم " :
مولاي نجم الدين يا من له ... خليلُ ودِّ وهو أزكى حميمٍ
ما اسمٌ رباعيٌّ له أوّلٌ ... إن زال عنه لم نجد غير ميم
فكتب هو الجواب عن ذلك:
مولاي قد قلدت جيدي حُليً ... من جوهر اللفظ بعقد نظيمٍ
أدَيته من مجر علم له ... ذخائر والقلب منها يهيم
موَّهتَ معناه فتم العنا ... والبدر يسبي منه تاء وميم
وكتب إليَّ وقد انقطعتُ عن الديوان، وهو ضعيفُ:
أصبحتُ في الديوان وحدي في عنا ... وأذى أراه بخاطري وبعيني
كُنَّا به مستأمنين ولفظنا ... من لطفه يدعى بذي السجعين

وبه صلاح لم يزل مع علمه ... تروى معاليه على السمعين
فنأى فصراُ على البلى مستوقفاً ... أبكي على ما فات بالدمعين
وبلوت أقواماً لبستُ لأجل ما ... أخشاه من تنكيدهم درعين
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
حاشاك تصبح في عنىً أو في ضنىً ... نفسي فداؤك في الردى من ذين
والقصد أن تمسي وتصبح دائماً ... في صحةٍ ثبتت قرير العين
فإذا سلمت ودُمت لي ما ضرني ... من رحت أفقدُه من الحيين
أدري محبتك التي صحت وما ... رُمينُ بشيء في الوفا من شين
من صدق ودِّك تشتهي وتودُّ لو ... أصلحتَ ما بين الزمان وبيني
ما هذه الفتن التي إن أُخمِدت ... نار أجدَّت بعدها نارين
فكأنها الفتنُ التي يُحكى لنا فيما مضى من فتنة الحكمين
ألقى العدى وحدي وما درعي سوى ... صبرٍ تتناهَبَه ظُبى الجمعين
يا دهر كفّ فقد كفيتُ فما أنا ... كابن الزبير ولا أبي السبطين
ومن الذي لم يهتضمه زمانه ... أر ما رماه عدوه بالمين
دع ذا فإقبالي على شأني غدا ... أولى لتبرأ ساحتي من دَيْني
ما بعد هذا الشيب والسنّ الذي ... أربت على الستين غير الحَيْن
والله أعدل حاكمٍ بين الورى ... وقضاؤه فَضْلٌ على الخَصْمين
أحمد بن عمر بن زهير


ابن عمر بن زهير بن حسين بن زهير بن عقبة الزرعي، الشيخ الأصيل الفاضل شهاب الدين أبو العباس الزُّرْعي الحنبلي.
كان جيّداً في قومه، معروفاً بالعدالة والأمانة، وله معرفة بالقسمة والمساحة، وفيه تودُّدٌ وكرم.
سمع من جده.
وروى عنه بدمشق وزُرّع وبصرى. وكتب عنه شيخنا البرزالي من نظمه، كان بينهما مودّة قديمة، وكان التتار قد أسَرُوا له ولداً نوبة " غازان " ، فتوجه إليهم في طلبه، وله قصائد في التشوق إلى زُرع، وله مراثٍ في ولده عمر، كان كثير التلاوة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
أحمد بن عمر بن عبد الله



ابن عمر بن يوسف بن يحيى بن عامر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن قابس، الشيخ الصالح أبو العباس بن الخطيب نجيب الدين ابن خطيب بيت الآبار.
كان رجلاً جيداً فقيراً مقيماً بالجامع ينوب عن أخيه في الأذان، ويذكّر يوم الجمعة.
سمع من جده لأمه الخطيب عماد الدين داود بن عمر، وهو عم والده، ومن إخوته الضياء يوسف، والموفق محمد، وغيرهم.
كان صائماً يوم الاثنين، وصلى المغرب في الجماعة وصعد إلى الجامع بالقرية فزلت رجله، فوقع فمات في رابع عشري ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
أحمد بن عُمر بن داود الصفدي
شهاب الدين كاتب الإنشاء بالديار المصرية.
توجّه مع والده زين الدين إلى القاهرة في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ولما توفي والده رحمه الله تعالى أقام هناك فقرّبه القاضي علاء الدين كاتب السر للعقل الذي كان رآه منه والسكون الذي كان فيه، وكان قد حفظ التسهيل لابن مالك وكتب المنسوب، ومرض مدة طويلة.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة إحدى وستين وسبع مئة.
وكان مولده بدمشق في سنة ثلاثين وسبع مئة.
وكنت أنا إذ ذاك بالرحبة، فكتبت إلى والده أهنيه بذلك، وأجابني والده عن ذلك، والابتداء والجواب سقتهما في كتابي ألحان السواجع وسيأتيان في ترجمة والده إن شاء الله تعالى، وبلغني أنه تَرَكَ موجوداً مبلغه مئة ألف درهم وأزْيَد.
أحمد بن عمر بن عبد الله



قاضي القضاة تقي الدين ابن قاضي القضاة بالديار المصرية، وكان وجهه جميلاً ومجده أثيلاً، بياض شيبه على خدّه كأنه الياسمين على ورده، له مُرَوَّةٌ زائدة، وكفٍّ بالنوال جائدة، وكان معه أيضاً نظر الخزانة الكبرى، وهو بالطلوع إلى القلعة مُغْزى.
وما زال قاضياً إلى أن عَزَل السلطان محمد بن قلاوون القضاة الثلاثة دون المالكي. فلزم بيته إلى أن تعذّرت وقاية التقي من الممات ودخل في باب مضى وقضى وفاتْ، وتوفي رحمه الله تعالى سنة..........


وأجاز لي بخطه سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة بمصر.
أحمد بن عيسى


صدر الدين بن الشيخ مجد الدين بن الخشّاب، وكيل بيت المال بالديار المصرية، وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى في مكانه.
نال الوجاهة والصدارة وأصبح والناملُ تُومي إليه بالإشارة.
لم يزل على حاله إلى أن نزلت به الداهية الصمّا وأنزلته من عزته الشمّا، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أحمد بن فَرْح
بالحاء المهملة، ابن أحمد بن محمد: الإمام الحافظ الزاهد، بقية السلف، شهاب الدين أبو العباس اللخمي الإشبيلي الشافعي.
أسره الفرنج سنة ست وأربعين وست مئة، وخُلّص وقَدِمَ مصر سنة بضع وخمسين.
وتفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام. وسمع من شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري الحموي، والمعين أحمد بن زين الدين، وإسماعيل بن عزون والنجيب بن الصقيل، وابن عِلاّن، بدمشق عن ابن عبد الدائم وخَلْق.
وعُني بالحديث وأتقن ألفاظه وعرف رواته وحفاظه، وفهم معانيه، وانتقد لآليه، وكان من كبار أئمة هذا الشأن وممن يجري فيه وهو طلق اللسان، هذا إلى ما فيه من ديانة، وورع وصيانة، وكانت له حلقة أشغال بُكرةً بالجامع الأموي يلازمها ويحوم عليه من الطلبة حوائمها.
سمع عليه الشيخ شمس الدين الذهبي واستفاد منه، وروى منه في تصانيفه عنه، وعُرضت عليه مشيخة دار الحديث النورية فأباها ولم يقبل حبَاها، وكان بزيّ الصوفية، ومعه فقاهة بالشامية.
ولم يزل على حاله حتى أحزن الناسَ ابنُ فرح، وتقدم إلى الله وسَرَح، وشيّع الخلق جنازته، وتولّوا وضْعَه في القبر وحيازته.
وتوفي رحمه الله تعالى تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة.
وله قصيدة غزلية في صفات الحديث، سمعها منه الدمياطي واليونيني، وسمع منه البرزالي والمقاتلي والنابلسي وأبو محمد بن الوليد. ومات بتربة أم الصالح بالإسهال. والقصيدة المذكورة:


غرامي صحيحٌ والرَّجا فيك مُعْضَلُ ... وحُزني ودَمعي مُطْلَق ومسَلسَلُ
وصَبري عنكم يشهَد العقلُ أنه ... ضعيفٌ ومتروك وذُلّي أجملُ
ولا حَسَنٌ إلا سَماعُ حديثكم ... مُشافهةً تُملى عليّ فأنقُلُ
وأمري موقوف عليك وليس لي ... على أحدٍ إلاّ عليك المُعوَّلُ
ولو كان مرفوعاً إليك لكنت لي ... على رغم عُذّالي ترق وتُعذَلُ
وعَذْل عَذولي منكرٌ لا أسيغه ... وزُورٌ وتدليسٌ يُرَدُّ ويُهمَلُ
أقضّي زماني فيك متّصل الأسى ... ومنقطعاً عمّا به أتوصّلُ
وها أنا في أكفان هَجرك مُدرج ... تكلّفني ما لا أطيق فأحملُ
وأجريتَ دمعي بالدماء مدبَّجاً ... وما هو إلا مُهْجَتي تتحلَّلُ
فمتفقٌ جفني وسهدي وعبرتي ... ومفترَقٌ صَبْري وقلبي المبلبل
ومؤتلِفٌ شجوي ووجدي ولوعتي ... ومختلفٌ حظي وما منك آمُلُ
خذ الوجد عني مسنداً ومعنعَنا ... فغيري موضوع الهوى يتحيّل
وذي نبذٌ من مبهم الحب فاعتبر ... وغامضه إن رمت شرحاً أحول
عزيزٌ بكم صبّ ذليلٌ لغيركم ... ومشهور أوصاف المحب التذلّل
غريبٌ يُقاسي البُعد عنكِ وما له ... وحقِّ الهوى عن داره متحوَّلُ
فرفقاً بمقطوع الوسائل ما له ... إليك سبيلٌ لا ولا عنك نعدلُ
فلا زلت في عز منيع ورفعةٍ ... وما ولت تعلو بالتجني فأنزل
أُورّي بسُعدى والرباب وزينبٍ ... وأنت الذي تُعنى وأنت المؤمَّل
فخذ أوّلاً من آخرٍ ثم أولاً ... من النصف منه فهو فيه مكمّلُ
أبرّ إذا أقسمت أني بحبّه ... أهيم وقلبي بالصبابة يُشغَل
وقد ذكرت شرحها في الجزء الثلاثين من تذكرتي.
أحمد بن محسِّن
بتشديد السين، ابن مَلِيّ بن حسن بن عتق أو عتيق بن مليّ: العالم الفاضل نجم الدين المعروف بابن ملّي الأنصاري البعلبكي الشافعي المتكلّم.


سمع من البهاء عبد الرحمن، وأبي المجد ابن القزويني، وابن الزبيدي، وابن رواحة، واشتغل بدمشق، وأخذ عن ابن الحاجب العربية، وعن ابن عبد السلام الفقه، وعن الزكي المنذري الحديث، والأصول عن جماعة، الفلسفة والرفض عن جماعة.
ودرّس وأفتى زماناً وناظَرَ وأورد بياناً، وكان متبحّراً في العلوم لا يعبأ بمن يشكر أو يلوم، كثير الفضائل قادراً على أجوبة المسائل، أسداً إذا ناظر، بحراً إذا حاضر، حاضِر الحجّة، خائض اللُّجّة، حادّ القريحة، رادَّ السهام التي تصيب مقاتَلَه وهي غير صحيحة.
دخل إلى مصر غير مرة، وتوجه إلى قوص وأسوان، وامتزج فيهما بالأحباب والإخوان، وولي بأسوان تدريس مدرستها مدة، وكابد من الرَّمضاء والحر شدّة، وكان من تمكنه في العلوم يقول عند الدروس: عيّنوا آية حتى نتكلم عليها، فإذا عينوا ما أرادوا تكلم حتى يذعنوا لما يقوله وينقادوا كأنما يقرأ من كتاب أو يستسقي من بر زاخر العباب.
وسمع منه الطلبة، وقرأ عليه البرزالي موطأ القعنبي، وكان عديم المبالاة بالناس، يَشتَلق على الأنواع والأجناس، مستهتراً بمن يراه، مشتهراً بترك أدب الكبار والسراة.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن مَلِيّ بالعجر ملياً، وأمسى وعذره عن الكلام حلياً، وتوفي رحمه الله تعالى بقرية بَخْعون من جبل الظنّية سنة تسع وتسعين وست مئة في جمادى الآخرة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة ببعلبك.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه الموطأ رواية القعنبي، وعدة أجزاء بسماعه من الشيخ بهاء الدين عبد الرحمن المقدسي، وجزء أبي الجهم بسماعه من ابن الزبيدي.
أحمد بن محمد بن إبراهيم


ابن عبد الواحد بن علي بن سرور: المسند عماد الدين أبو العباس بن قاضي القضاة شمس الدين ابن الشيخ القدوة عماد الدين المقدسي البغدادي ثم المصري الحنبلي.
سمع سنة اثنتين وأربعين من الكاشغري وابن الخازن، وسمع بمصر من عبد الوهاب بن رواح، وطائفة.
أخذ عنه الشيخ شمس الدين الذهبي، وكان يؤم بمسجد ولع مدارس، ولديه في التفرد بالرواية مغارس، وفاز بالعوالي وحاز من سندها اللآلي.
ولم يزل على حاله إلى أن مال عُمُدُهُ، واتصل بغيره سنده. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، كذا قاله شيخنا البرزالي، وقال غيره: سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
وكانت وفاته بالقاهرة.
أحمد بن محمد بن إبراهيم



ابن محمد يوسف: الفقيه الأديب المحدّث أبو العباس المرادي القرطبي المعروف بالعَشّاب.
روى " مسلسل الراحمون " عن أبي محمد بن بُرْطُلُه، وكان صاحباً للبَطْرَني، يسمعان معاً، وسمع الموطأ عن ابن هارون، وروى عن أبي القاسم بن البراء التنوخي، وأبي محمد بن السفر، وسمع الشفا من أبي إسحاق بن عياش التُّجيبي بسماعه من السَّقوري عن مؤلفه إجازة، وسمع من عثمان بن سفيان التميمي سنة خمس وست وفيها مات.
وَوَزَرَ الجَيّاني صاحب تونس، وقرأ النحو.
وسمع منه يسير من عرّام، والشيخ حسن البغدادي بقراءته وتلاوته به على أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الأعلى الشُّبارقي عن أبي جعفر الحصّار تلاوة وسماعاً بسنده.
ولم يزل في شأنه مشتغلاً بإخوانه وأخدانه إلى أن نول تحت الثرى وأمّ ربّه وترك الورى وَرَا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
أحمد بن محمد بن إبراهيم



الفقيه المسند، صفيّ الدين أبو العباس الطبري المكي، أخو الشيخ زين الدين.
سمع صحيح البخاري من عبد الرحمن ابن أخي حَرَميّ العَطّار صاحب ابن عمار، وسمع شعيباً الزعفراني، وأبا الحسن بن الجمَّيزي.
كان ديّناً خيّراً، وذا بصر بالصلاح لا يزال نيّراً، وحدّث مدة، وسمع منه عدّه، وأضرّ دهراً، وبقي إلى أن وقع من مكان جَهْراً، فانقدحت بذلك عيناه وأبصر، وغنم النظر من الحياة واستقصر.
ولم يزل إلى أن تكدّر لصفي الدين زمانه، وأتاه من الموت حَدَثانه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن إبراهيم



الشيخ الإمام الفقيه المقرئ المراغي الرومي الحنفي، إمام الحنفية، بجامع دمشق، ومدرس المدرسة العتيقة، وشيخ الخانقاه الخاتونية ظاهر دمشق وغير ذلك.

كان ذا نغمةٍ يقف لها، ويتلبّث بها البرق المتسرع في السير، من يسمعه لا يعود يُعرّج على نغمات العود، ويظنّ أنه أوتي مزماراً من مزامير داود، إذا أمّ في محرابٍ صلّت وراءه سوابق الألحان وسلم إليه الفضل ابن سُريج وقال: ما أنا من خيل هذا الميدان. كان يَؤم بالأفرم، فكان يدنيه ويقربه ويكرمه كأنه والده، يرشّحه لكل خير ويدرّبه، وكان قد عمّر زاوية على الشرف الأعلى يأوي إليها الناس ويقضي المحتشمون فيها بعد صلاة الجمعة أوقات أنس وسماع، لم يخلفها الزمان، وكان ذا مروءة وحميّة وقيام مع الضعيف وعصبيّة، ونفع أناساً كثيرين بجاهة عند الأفرم، وقُربه منه الذي كان لأجله يُبجّل ويُكرَم.
ولم يزل على حاله إلى أن بطلت ألحانه وعطَل من الأنس حانهُ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع عشرة وسبع مئة في شهر ربيع الأول.
وكان قد نزل عن وظائفه لولديه عماد الدين وشرف الدين إلاّ أن تلك السوق الأمرفيّة ذهبت، وأفلَت نجوم سعودها وغَربت، ودفن في مقابر الصوفيّة.
أحمد بن محمد بن أحمد


الشيخ الإمام العالم الرئيس كمال الدين أبو العباس البكري الشافعي، وكيل بيت المال بدمشق، وشيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرّس الناصرية.
سمع جزء ابن عرفة على النجيب، وحدّث به مرات، وسمع من جماعة من أصحاب ابن طَبَرْزَد وغيرهم بالقاهرة والقدس، وقرأ بنفسه الكتب البكار، وطلب مدة، ورحل إلى الديار المصرية والإسكندرية، وناب عن القاضي بدر الدين بن جماعة مدة، وترك النيابة بالشامية ودرّس بالشامية البَرّانية والناصرية، وولي وكالة بيت المال أكثر من اثنتي عشرة سنة، وولي دار الحديث الأشرفية ومشيخة تربة أم الصالح، وولي الرباط الناصري، وحج سنة ثلاث وسبع مئة.
كان حَسَنَ الشكل مهيباً، غزير الفضل لا يرى له فيه ضريباً، من بين علمٍ وكرم وحلم، لاقَ بقلب الأفرم، وكان لا يرى أنه في مُدّة معرفته خَرَجَ ولا أخْرم، هذا مع تشدّدٍ في دينه ومهابة كأنما استعارها من الليث في عرينه، أشعريّ الاعتقاد، جوهريّ الفَحص عن أمور مباشرته والانتقاد، وشعره عند الشعرى، صرّ منه دُرّاً، وغيره صرّ بَعْرا.
لم يزل على حاله إلى أن نقص كماله، وفارقه أهله وولده وماله، وتوفي رحمه الله تعالى بالكرك، وقيل: بمنزلة الحسا سنة ثماني عشرة وسبع مئة لأنه كان قد توجه إلى الحجاز.
ومولده بسنجار سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
ومن شعره ما اشتهر عنه أن كتب به إلى بدر الدين بن الدقاق، وقال لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله: إنما بدر الدين بن العطّار:
مولاي بدر الدين صِلْ مُدنَفاً ... صيّره حُبُّك مثل الخِلال
لا تخشَ من عيبٍ إذا زرته ... فما يُعاب البدرُ عند الكمالِ
فلما بلغ صَدر الدين بن الوكيل ذلك قال:
يا بدرُ لا تسمع كلام الكمال ... فكلّ ما نمّق وزرٌ محالُ
فالنقض يَعزو البدرَ في تمّه ... وربما يُخسَف عند الكمال
وكتب الشيخ كمال الدين إلى ابن الرقاقي ناظر النظار بدمشق يستعفيه من بيت المال وقد بلغه أنه سعى له فيها:
إلى بابك الميمون وجهت آمالي ... وفي فضلك المعهود قَصْدي وإقبالي
وأنت الذي في الشام ما زال محسِناً ... إليّ وفي مصرٍ على كل أحوالي
أتتني أيادٍ منك في طيّ بعضها ... تملّك رقّ الحُرّ بالثمن الغالي
وقمت بحق المكرُمات وإنما ... هو الرزق لا يأتي بحيلة محتال
عليّ لكم أن أعْمُر العُمُر بالثنا ... وبالمدح مهما عشتُ من غير إخلال
وأُهدي إليكم ما حييت مدائحاً ... يغنّي بها الحادي ويصبو بها السالي
وقد بقيتْ لي بعد ذلك حاجةٌ ... لها أنت مسؤول فلا تلغِ تَسْآلي
أرِحْني من واو الوكالة عاطفاً ... عليَّ بإحسانٍ بدأتَ وإفضالي
وصُنْ ماء وجهي عن مشاققة الورى ... فهذا على أرض وهذا على مالِ
ولا تتأوّلْ في سؤالي تركها ... فوالله ما لي نحوها وَجْهَ إقبال
ورزقي يأتيني وإني لقانعٌ ... لراحة قلبي من زماني بإقلالي


وحاليَ حالٍ بافتقارٍ يصونني ... ولبسي أسمالي مع العزّ أسمى لي
وتجبرُ وقتي كسرةُ الخبز وحدها ... وأرضى ببالي الثوب مع راحة البالِ
فهذي إليكم قصّتي قد رفعتُها ... لتغتنموا أجري ورأيُكم العالي
فقطّع الأبيات كلها من الورقة وأبقى البيت الأخير وكتب تحته: رأيُنا العالي أن تعود إلى شغلك وعملك.
وقال في القاضي حسام الدين لما عزل:
يا أحمد الرازي قم صاغراً ... عُزِلْتَ عن أحكامك المسرفة
ما فيك إلا الوزن والوزن وما ... يمنعك الصرف بلا معرفة
أحمد بن محمد بن أحمد


ابن عمر بن يوسف بن عبد المنعم الأنصاري البخاري القنائي، محيي الدين بن كمال الدين بن ضياء الدين القرطبي.
كان شيخاً ثَبتاً، يلزم عدالة وصمتاً، وله في بلده رياسة ظاهرة وأخلاق طاهرة.
سمع الحديث عن شرف الدين محمد بن عبد الله المرسي وغيره، وحدّث بقوص.
ولم يزل على حاله إلى أن غَمزت قناة القنائي يد الموت، وقام بنعيه إلى أصحابه الصوت، وتوفي رحمه الله تعالى ببلده قنا سنة تسع وسبع مئة.
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد



علاء الدين البيابانكي - بباء موحّدة، وياء آخر الحروا، وألف وباء موحدة، وبعدها ألف ونون وكاف - العلاّمة ركن الدين السمناني.
تفقّه وشارك في الفضائل، وبرع في العلم وأجوبة المسائل.
سمع من عز الدين الفاروثي، والرشيد بن أبي القاسم، ولبس منه عن السهروردي.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: أخذ عنه شيخنا صدر الدين إبراهيم بن حَمُّويَه، ونور الدين وطائفة.
وروى عنه سراج الدين القزويني المحدّث، وإمام علي بن مبارك البكري، وحدّث بصحيح مسلم وشرح السُّنة للبغوي وبعدّة كتب ألفها وهي كثيرة، قال البكري: لعلها ابلغ ثلاث مئة مصنف، منها كتاب الفلاح ثلاث مجلدات ومصابيح الجنان ومدارج المعارج.
كان من بيت وزارة ، وعلى وجهه من النسك والورع إنارة، مليح الشكل خاشعاً، ساكن الشر وادعاً، كثير التلاوة ، ظاهر الطلاوة ، يحط على ابن عربي ويكفره ، وعلى من تابعه ، ويعفره، ويحط على مصنفاته وينبه على محرفاته .
وكان كثير البر والإيثار ، هامي الجود على ذوي الإعسار ، يدخله من أملاكه نحو تسعين ألف درهم ينفقها في وجوه البر ويتصدق بها إما في الجهر وإما في السر.
زاره القان أبو سعيد واعتد بذلك أنه يوم عيد، وبنى خانقاه للصوفية، ووقف عليها وقوفاً مختلفة، وكان قد داخل التتار أولاً، واتصل بالقان أرغونبن أبغا، ونال من دنياه ما أمل وبغا، ثم إنه أقبل وأناب، ورجع وبات، ومرض بتبريز زماناً طويلاً، وامتد مرضه إلى أن كاد يأخذه أخذاً وبيلاً، ولما عوفي تعبد وتأله واختلى بعدما تجرد، وقدم بغداد، وصحت الشيخ عبد الرحمن وحج ثلاث مرات، ورد إلى الوطن ، وخرج عن بعض ماله لنفقة المبرات، تردد كثيراً إلى بغداد.
ولم يزل إلى أن دنا من قبره وتدلى، وأعرض عن هذا العرض الفاني وولى، وكانت وفاته ليلة الجمعة بعد أن أوتر في شهر رجب الفرد سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بقربة بيابانك.
أحمد بن محمد بن أحمد شهاب الدين الفار الشطرنجي، ويعرف بالجُرَّافة.
كان المذكور صغير الحبة لطيفها ، كبير النفس شريفها، عليه من لقبه إشارة لا يكاد يخطئ شكل الفارة، وكان في أكله آفة، فلذلك لقب بالجرّافة.
وكان في الشطرنج عالية، والناس في عشرته متغالية، اجتمعت به غير مرة، ولقيت بمحادثه كلّ مسرّة، وكان يحفظ من المواليا شيئاً كثيراً إلى الغاية، وينظم هو أيضاً ما هو في بابه نهاية، آخر عهدي به سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، ثم توجّهت إلى الديار المصرية سنة مس وأربعين وسبع مئة، ولم أره ولا سمعت خبره، والظاهر أن الفارَ وثب عليه من الموت سنَّوْرُه، وجاء من خمر المنيّة دَوْرُه.
وكان يوماً قد اقترح عليّ نظم بيتين مواليا يكون أول نصف كل بيت قلب القافية التي قبله، وكان في المجلس أكابر ورؤساء من أهل الأقلام والمحابر، وقال: إن هذا لا يقدر على نظمه ولا يعرف ناظم الوقوف على رسمه، فقلت له: إلى أن تفرغ من دستك هذا تسمع وتطمح بطَرفك إلى ما لا تطمع، وكان الأمر كما ذكرت، ولَطَفَ الله بما أشرتُ، وقلت والقافية على ما أراده:


عَمه عذولي علي قلبي لنار ولذَع ... عَذَلَ لبَرقة بآفاق التسلي لَمَعْ
عمل على نفه قلبي لو حصل لو نفع ... عُفْنَ الحبايب وصالي كم لدمعي همعْ
وأنشدني هو من نظمه لنفسه:
حبّي الذي ما حوت مثلو دمن سنجار ... ولا ثبت لِقَوامُو غصن في الأشجار
لو خَدّ أحمر وخال أخضر حكى الزنجار ... يَجبْ عليّ احتمل جورو فديتو جار
وأنشدني له أيضاً:
حبّي الذي في مديحو يعجز المحار ... أخفى الكواكب بحسنو حق في الأسحار
لو لحظ تركي فديتو بابلي سحار ... وجفن فاتر فؤادي في غرامو حار
وأنشدني له أيضاً:
جواد صبري لبعد الحبّ مني خار ... وبحر دمعي جَرى في عشقتو زخّار
ظبي يخير الجواهر وهو من فخار ... قد ادّخرته لأيام الوغى ادّخار
وأنشدني له أيضاً:
وهبت للحِبّ مركوبي وهو غدّار ... غضب وولى بوجهو صرت في أكدار
ناديت يا منيتي يا عالي المقدار ... خدلك بِدالو ودر وجهك فديتو دار
وأنشدني له أيضاً:
حبّيت عطّار لحظو في المهج جَزّار ... يغلب بحسنو ملاح الترك في البازار
صادق إذا قال هو في الوعد لا نزّار ... قصدي رضا انقطه عني الرجا أوزار
وأنشدني له أيضاً:
سلطان حسنو قد أرسل للمُهج أفكار ... يجرد البيض من لحظو بلا إنكار
نكّسْ بقدّو عصايب ساير الأبكار ... وطُلْبْ جيش عذارو دار بالبيكار
وأنشدني له أيضاً:
غنّت فأغنت عن المسموع في الأقطار ... ودقّت الدف أجرت أدمعي أمطار
وصِرتُ في حبّها لا أختشي أخطار ... لما استمع لُبّ قلبي من يديها طار
وأنشدني له أيضاً:
ترجّلوا من على نجبٍ غدت أطوار ... وحَولها من خدمها والحشم أدوار
فخلتُ تلك المعاطف في ضيا الأكوار ... قضبان فضه من انقضّت من الأكوار
وأنشدني له أيضاً:
بسالفو خِمْل ينمو مثل خضرة غار ... في ورد جُوري على قلبي بجُورو غار
رشا وفا لي على كيد العِدا في غار ... واكمد حسودي وضدي في الثرى قد غار
وأنشدني له أيضاً:
جاني بشير أتى مقبل وأطفا نار ... وبت مسرور مفلج والدجا قد نار
وارتجي إقبال ساعة نصر من خُنّار ... مختص بالحسن كم أرسلت لو دينار
وأنشدني له أيضاً:
من أُمها في القيادة أصبحت آفة ... وأختها في ربوع الحيّ وقافة
فكيف يمكن تجي في القصف خوّافه ... وستّها الأصل شامية وطوّافة
أحمد بن محمد بن الرفعة


الشيخ الإمام العلاّمة نجم الدين بن الرِّفعَةِ الشافعي.
شيخ المذهب، ونسيج وحده في طرازه المُذهَّب، لو عاصره المُزَنيّ لعُدَّ قَطْرةً من بحره، أو ابن سُريج لما عَلا في الذكر صهوة ظهره.
ولي حسبة مصر والوجه القبلي مُدّة، وناب في الحكم وعَزَل نفسه لِما عالجَهُ من الشدة.
وكان حَسَنَ الشكل بهيّاً فصيح الألفاظ ذكياً، كثير الإحسان إلى الطلبة، قائماً في قضاء حوائجهم بالتلطّف والغلبة، يجود لهم بعلمه، ومالِه ولا يبخل عليهم بجاهه وإضفاء ظِلاله.
شرح التنبيه في خمسة عشر مجلداً، وشرح الوسيط ولن يكمله، وهما شرحان يشهدان له بالرفعة في هذا الشأن وعلوّ الرتبة التي يسفل عن مكانها كيونا. ورأيت شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي يكثر الثناء عليه ويصفه بمعرفة فروع المذهب وإتقانها وإجرائها على قواعدها الأصلية في مكانها. ويكفيك أنه في زماننا لا يُطلق اسم الفقيه إلا عليه، ولا يشيرون بذلك في الدروس إلاّ إليه.
أخذ الفقه عن الظهير التَّزْمَنْتي، والضياء جعفر بن الشيخ عبد الرحيم القنائي وغيرهما.
وسمع من محيي الدين الدَّميري ودرّس بالمُعزيّة، وحدّث بشيء من تصانيفه، وله مصنف سماه النفائس في هدم الكنائس.
ولم يزل في اشتغال وتصنيف إلى أن عَطَلَ من كفه قلمه وفقد الناس ذلك الدر الذي يخرجه فمه، وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة عشر وسبع مئة، وقد شاخ.
؟

أحمد بن محمد بن سعد


ابن عبد الله بن سعد بن نفلج الشيخ الصالح الفاضل المسند عماد الدين بن الأديب العالم شمس الدين المقدسي الصالحي الجنبلي.
روى عن المجد القزويني، وابن الزبيدي، والإربلي، وابن اللَّتي، وابن المقيّر، وأجاز له الموفق وفتح الدين بن عبد السلام، ومسمار بن العويس.
وحدّث قبل الستين، وحجّ مرات، وحدّث بالحجاز وحماة ودمشق إلى أن ناحت به النوائح، وقامت في ناديه الصوائح.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في المحرّم.
أحمد بن محمد بن سالم


بن أبي المواهب

الحافظ الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن صَصْرى الرَّبَعيّ التغلبيّ الدمشقي الشافعي.
حضر على الرشيد العطار سنة تسع، والنجيب عبد اللطيف. وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وجدّه لأمه المسلم بن علان. وتفقّه على الشيخ تاج الدين.
ودخل ديوان الإنشاء في ذي الحجة سنة ثمانٍ وسبعين وست مئة هو وشهاب الدين أحمد بن غانم، ونظَمَ ونَثَر، وكتب المنسوب وبهر فيه لمّا مَهَر، وكان قلمه أسرع من رجع الطرْف، ومن الذين يعبدون الله في الشِّرعة على حَرْف.
قيل: إنه كتب خمس كراريس في يوم، وهذا أمر قلّ أن يُعهَدَ من قوم. شارك الناس في فنون، وكان عنده من المسائل عيون، له عبارة فُصحى، وحافظة لا تقبل ردّ السرد نصحاً. يحفظ أربعة دروس لمدارسه، ويلقيها من فمه ويطلع في آفاقها بدور سطور كأنما يكتبها بقلمه، ولا يكاد أحد يسبقه بسلام، ولا يسمع في العفو وبالصفح عمّن يؤذيه كبير عذل أو صغير مَلام. اشتهر بذلك وعُرف، وسار ذكره بذاك واسمه أحمد وصُرف.
وله أموال ضخمة ومماليك وخدم وحشم وحشمة، وينطوي على تعبّد وديانة وعِفّة في الأحكام وأمانة، وكان بصيراً بالأحكام مسعوداً فيها، قل أنْ أتى إليه زور إلا وعرفه بديهاً، وعرفه بذلك فلم يسلك معه أحد هذه المسالك، وكان يخدم القادمين ويزورهم ويتردد إليهم وغيرهم، وهداياه في أقطار الأرض إلى أعيان الدولة ومن دونهم من أرباب الصون أو الصولة، ولذلك طالت مُدّته وعلى كنفه كِبار المذهب وأشياخه، ومحذلقوه وأشراره وفراخه، وعصره ملآن الجوانح بالأنداد والأضراب، وفي وقته من يقول: لو أنصف لرآه وهو على بابه بوّاب، ومع ذلك فلم يتكدر عليه شرب ولا تنفر له بما لا تشتهيه سِرْب، وله أصحاب وأتراب منحدون، وعشراء وخلطاء لبلاغه أخبار الناس مُتَصدّون، يواصلونه في كل يوم ولا يصدّون، ويجتمع الناس عنده في بستانه اجتماعاً عاماً، ويمد لهم خواناً قد نوّع فيه طعاماً يرون فضله تامّاً، إلى غير ذلك من أنواع الحلوى، والمأكل التي لا منَّ فيها ولا سَلْوى. يقصده الشعراء في المواسم، ويرون ثغور جوده وهي بواسم، لا يخشون مع ذلك بَوّابه ولا عَيْنه ولا حُجّابه، ويعتدّ هو أن تلك الجائزة واجبة.
وكان قد اشتغل بمصر على الأصبهاني في أصول الفقه، ودرّس بالعادليّة الصغرى، وبالأمينية، ثم بالغزاليّة، مع قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ، وولي القضاء سنة اثنتين وسبع مئة، وأذن لجماعة في الإفتاء، وخرَّج له الشيخ صلاح الدين العَلائي مشيخة فأجاره عليها بجملة.
ولم يول على القضاء إلى أن نزل به القضا، وقضى نحبه، فأدّى حق العدم وقضى.
وتوفي رحمه الله تعالى فجاءة في نصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وكان مولده سنة خمس وخمسين وستمئة.
ورثاه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود وغيره.
ولشعراء زمانه فيه أمداح كثيرة. وكان العلامة شهاب الدين محمود قد كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري يهنّيه بفتح طرابلس، ويصف جراحة أصابته بقصيدة أولها:
ما الحربُ إلا الذي تَدْمى بد اللمَمُ ... والفخر إلاّ إذا زان الوجوهَ دمُ
ولا ثبات لمن لو تلقَ جبهته ... حدّ السيوف ولا تُثنّى له قدمُ
فكتب الجواب عن ذلك قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى:
وافَى كتابك فيه الفضل والكرمُ ... فجَلّ قدراً وجَلّت عنديَ النعَمُ
وجاء من بحرٍ قد سَما وطَمى ... دُرُّ المعاني في الألفاظ تنتظمُ
وصفتَ حالي حتى خلتُ أنك قَدْ ... شاهدتها ولهيبُ الحَرَب تضطرم


وما جرى في سبيل الله محتسَبٌ ... فهو الذي لم يزل تسمو له الهِمَمُ
وجاءنا النصر والفتح المبين فلو ... شاهدت نورَ الظُّبى تُجلى به الظلمُ
غدا العَدُوُّ ذليلاً بعد عِزّته ... حُليُّ أجيادهم بَعْدَ العُقود دمُ
قد فرّق الجَمعَ منهم عَزْمُ طائفة ... لم يثنِ همتها يوم الوغى سَأمُ
تُرْكٌ إذا ما انتضوا عزماً لهم تركوا ... أمامهم كُلّ جمع وهو منْهَزمُ
لَمّا بقَتْل العِدى خاضت سيوفُهم ... صَلَّت فقبّلها يوم الوغى القمَمُ
حازوا الثوابَ الذي راموا وبعضُهم ... فازوا بما كسَبُوا منها وما غنُموا
وكنت مشتغلاً في يوم كسبهم ... عنه بما كَسْبُه عندي هو النِّعَمُ
فكيف يُطلَبُ مني الأرفغان وقد ... شَهِدْتَ لي ولهذا بيننا حكم
ألستَ أنت الذي قد قال مبتدئاً ... وذاك قولٌ بحكم الحق مُلتزم
هَجَمْتَه وسيوفُ الهند مُصْلَتةٌ ... وعُدْتَ والسَّبْيُ والأموال تقتسم
وكان همُّك في الأرواح تكسبُها ... وهمُّ غيرك فيها المالُ والنَّعَمُ
ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم العلامة شيخنا أبو الثناء، أنشدنيها إجازة وهي قصيدة عُظمى يَرْوَى بها مَنْ يظما:
أترى دَرَى داعي المنيّة مَنْ دَعا ... أم أيّ ركن للشريعة ضُعضعا
أم أيّ طودِ حجىً ترفَع في العُلا ... عصفت به ريح الصبا فتصدّعا
أم أي نجمِ هدى هوى من بعدما ... ردّ الكواكب عن مداه طُلَّعا
أم هل درى ناعيه أن الدين وال ... تقوى ونَشْر العدل أوّلُ ما نعى
أصمى فؤادَ الحكم سهمُ فجيعةٍ ... لم يبقِ في قوس النكاية منزعا
وأعاد شرح الشرع أضيع سائم ... لمّا رماه بقصد أفضل من رعى
لله أي زريّةٍ أضحى بها ... قلب الهدي حين السكون مروّعا
طرقت جناباً بالفضائل آهلاً ... فثَنَتْه مِنْ ربّ الفضائل بَلْقَعا
وردتْ مَعين ندى ففاض وقد طمى ... ورنتْ إلى نَوْء النوال فأتلعا
ما خصَّ ما طرقت به خلصاءه ... بل عمّ فادُحها البريَّة أجمعا
قاضي القضاة ومَنْ حوى رتباً سَمَتْ ... عَنْ أن تُسامَ وبزّت مَنْ سعى
شيخ الشيوخ العارفين ومَن رقا ... رتب السلوك تعبّداً وتورُّعا
يأتمّ منه السالكون بعارفٍ ... بلغ العناء به المقام الأرفعا
وجرت له عين اليقين ففجّرت ... في حالتيه لكلّ ظام منبعا
حاوي العلوم فما تفرّق في الورى ... إلاّ الذي منها لديه تَجَمّعا
بَهَرت خلال كماله فسيادةٌ ... لا تُرْتَقى ومكارمٌ لا تُدّعى
وخلائق كالروض دبّجه الحيا ... أُصُلاً فوشّى حُلَّتَيْه ووشّعا
تواضعٌ أمسى سناه كَنَعْته ... يَدنو وقد سكن السماء تَرَفُّعا
ورياسة مُذ كان لم نعرف لها ... إلاّ إلى رتب الكمال تَطَلُّعا
ووفور حلن إن يضق عن مذنب ... عذرٌ أقام العذر عنه ووسّعا
وكتابة يكسو السجلّ جلالها ... تاجاً يزين النيّرات مُرَصَّعا
وبلاغة لا قلب إلاّ ودّ أن ... تُمْلَى وتنشَر لو تحوَّل مسمعا
وفصاحة في القول أتقن عِلْمَها ... نظماً ونثراً حين حازهما معا
وتثبّت في حكمه ومضاؤه ... تعنو له البيض القواضب خُضَّعا
وعبارة كالنيل نِيل بَيَانها ... مع أنها أروى وأعذب مشرعا
وعبادة في الليل يجزيه بها ... في الحشر مَنْ يجزي السعودَ الركّعا
مَنْ للأيامى واليتامى فارقوا ... بالرغم ذاك الكافلَ المتبرِّعا

مَنْ للجدال تضايقت طرق الهوى ... فيه يَبين به الطريق المَهْيعا
مَنْ للقضايا العقم أصبح وجهها ... إلاّ عن الذهن السليم مبرقعا
ولَكَمْ له مِن قَبْلُ غُرُّ رسائلٍ ... أبدى بها دُرَرَ البيان فأبدعا
من كل شاردةٍ ترفّعَ قَدرْها ... أن يُرتقى وسبيلها أن يُتْبَعا
الدهر أبخلُ حين جادَ بمِثله ... مِنْ أن يُديم به الوجود ممتَّعا
فأعاد وَجْهَ الأرضِ منه مُجْدِباً ... كَلْحاً وبَطنَ الأرض منه مُمْرَعا
يا مَنْ يَقِلّ له البكاء ولو غدا ... ذوبَ القلوب أسىً يَمُدّ الأدمُعا
لو سالم الدهرُ امرءاً لكماله ... لغدا لنا في خُلْد مثلك مَطعما
لكنّه الدهرُ الذي ساوى الردى ... فيه الأنامَ عصيّهم والطيِّعا
فَلأبكيّنك ما حييتُ وما البكى ... في فَقْدِ مثلكَ يا خليليَ مُقْنِعا
ولألبسنّ عليك ثوبَ كآبةٍ ... مهما تمادت مُدّتي لن يُنزعا
ولأبعثنّ من الرثاء قوافياً ... محزونةً تُبكي الحَمام السُّجعا
ولأمنَعَنْ عَيْنيَّ بعدك إن جفا ... طيفُ الخيال جُفونها أن تهجعا
ويَقِلّ ذام فإنها جهد الأخ ال ... محزون أن يُبكيك أو يتفجّعا
قلت: هذا القدر منها كافٍ، وقد بقي منها خمسة وعشرون بيتاً.
أحمد بن محمد بن سلمان بن حمايل


القاضي الكاتب الأديب شهاب الدين أبو العبّاس بن غانم، هو ابن بنت الشيخ القُدوة غانم، وكان يَذكُرُ نَسبَه إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، أملاه من فمه على الشيخ أثير الدين أبي حيّان.
سمع من ابن عبد الدائم، وقرأ على ابن مالك جمال الدين، وخرَّج له البِرزالي مشيخةً، منهم ابن أبي اليُسر وأيّوب الحمّامي، والزين خالد، وعبد الله بن يحيى البانياسي، ومحمد بن النُّشَّبي، ويحيى بن الناصح، وعرض على الشيخ جمال الدين بن مالك كتابه العُمْد، وبعده على ولده بدر الدين. وقرأ الأدب على مجد الدين بن الظهير.
وفارق أباه وهو صغير وتوجّه إلى السماوة، ونزل على الأمير حسين من خفاجة، وأقام عنده مدّة يصلّي بقي شيء من العلوم، وكان الوقت قريب العهد بخراب بغداد، وتشتَّت أهل بغداد في البلاد، فظُنَّ به أنه ابن المُستعصم الخليفة ببغداد، واشتهر ذلك عنه، واتّصل خبره بالظاهر بيبرس، فلم يزل في اجتهاد إلى أن أقدمه عليه لِما أهمّه من أمره، فلمّا بين يَدَيه قال له: ابن مَنْ أنت؟ فوفّق ذلك الوقت لمصلحته وقال: ابن شمس الدين بن غانم، فطلب والده من دمشق إلى القاهرة، وحضرا بين يديّ الظاهر فاعترف والده به، فقال له: خذه، فأخذه وتوجّه به إلى دمشق.
وكان قد كتب الإنشاء بدمشق وبمصر وبصفد وبغزة وبقلعة الروم، ثم توجّه إلى اليمن، وخرج منه هارباً، وقاسى شدائد من العُرْبان وتخطّفهم له حتى وصل إلى مكة، وكان سبب خروجه إلى اليمن أنه كان يكتب الدُّرْجَ بين يدي الصاحب شمس الدين غبْريال فاتّفق أنْ هربَ مملوكٌ للأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس، فكتب بسببه إلى الصاحب، فوَقَعَ عليه، فظفر به وجهّزه إلى مخدومه، وقال لشهاب الدين: اكتب على يده كتاباً إلى مخدومه واشفع فيه، فكتب شهاب الدين الكتاب وتأنّق فيه، وجاء من جملة ذلك: وإذا خَشُن المقرّ حَسُن المفرّ، وتوهّم شهاب الدين أن ذلك يُعجب الصاحب، فلمّا وقف عليها أنكرها دون ما في الكتاب، وقال: يا شهاب الدين غيِّر هذه فإنها وحشة، فطار عقل شهاب الدين، وضرب بالدواة الأرض، وقال: ما أنا ملزوم بالغُلْف القُلف، وخَرَجَ من عنده وتوجّه إلى الحجاز، ودَخَل من مكّة إلى اليمن، وتلقاه الملك المؤيَّد، وأحسن إليه إحساناً زائداً، وجعله كاتبَ سرّه، فلم يَطِبْ له المقام، وهربَ بعد خمسة أو ستة أشهر، وقلّما خرج من مدينة إلاّ وهو مختفٍ.


وكان كاتباً مترسِّلاً، عارفاً بمقاصد الكتابة متوسِّلاً، يَستحضر من اللغة جانباً وافراً، ويُبدي في المنادمة وجهاً بالمحاسن سافراً، ويُورِدُ من كلام المعرّي قطعة كبيرة قد حفظها غائباً، ويرمي منها سهماً في البلاغة صائباً، خصوصاً من اللُّزوميات، وما له من العِظات والزهديّات. وإذا تكلّم تَفَيْهَق، وتنطَّع في كلامه وتمنطق، ويأتي في ترسُّله بالغريب، والحوشيّ العجيب، وإذا فكّر بشيء فَكَّر، وغاص في المعاني وتذكّر، ووضع شَعْر ذقنه في فيه وقَرَضَه، وقال الشعر وقَرَضَه، ويحوم بكلامه على المعنى المقصود زماناً، وما يكسوه مع ذلك بياناً، وكان مَتِع الكلام، بريئاً من النَّقْض والملام، لا يعبأ بملبس ولا مأكل، ولا يتكلّف لشيء سِوى أنه يعقلها ويتوكّل، يلبس الجمجم القَطن الصوفي، والمُقَدَّرة الصوف، والطول المقفّص المعروف بأهل إسكندرية الموصوف، وخاتَمهُ كان سِواراً، وفصّه يعمل منه شواراً، وكان يتحدّث بالتركيّ والعجميّ والكردي، وإذا سافر خلع حُلّة الكُتّاب ولبس حلّة البدَوي أو الجندي، مع تندير وتنديب وتطاريب وتطريب.
وكان قد أحبه صاحب حَماة المنصور، وجعل ظِلّه ممدوداً غير مقصور، حضر يوماً سِماطَه وكان أكثرُهُ مَرَقاً، وقد أضرم منه الجوع حُرَقاً، فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم " نَويت رَفْعَ الحدثِ واستباحةَ الصلاة، الله أكبر. وكان المظفّر بن المنصور يكره ابن غانم، فاغتنم الوقيعة فيه وقال لأبيه: اسمع ما يقول ابنُ غانم يَعيب طعامك ويُشبّهه بالماء، فعاتبه المنصور على ذلك، فقال: هذا ما قَصَدْتُه! ولكنّ البسمَلة في كل أمر مستحبّة، والحدثُ الذي نويت رَفْعَه حَدَثُ الجوع واستباحة الصلاة في الأكل، فقال: فما معنى الله أكبر؟ قال: على كل ثقيل، فاستحسن المنصور منه ذلك. وخلع عليه.
وخرج مرّةً مع المنصور إلى شَجريّات المعرّة، وقد ضُربت الخيام وامتلأ الفضاء وما رأى الدخول إلى الخربشت، فصعِد إلى شجرة ليتحلّى والمنصور يراه، فأرسل إليه شخصاً ليرى ما يفعل، فلمّا صار تحت الشجرة وقد تهيّأ لقضاء شغله فقال له: أطْعِمني من هذه التِّينة، فقال له: خُذْ، وسلَحَ عليه سلحاً ملأت وجهه، وتركته عبرةً، فقال: ما هذا؟ قال: أطعمتك من التينة، فلمّا اطّلع المنصور على القضية خَرَّ مغشيّاً عليه من الضحك.
وكان ليلةً في سماعٍ، فرقصوا ثم جَلَسوا، فقام من بينهم شخص وطال الحال في استماعه وزاد الأمر، فظلّ شهاب الدين مُطْرقاً ساكناً، فقال له شخص آخر: ما بك مُطرِقاً كأنّما يوحى إليك؟ فقال نعم " قُلْ أُوحيَ إلَيَّ أنّه استمعَ نَفَرٌ من الجِنّ " .
واجتمع ليلة عند القاضي كريم الدين الكبير في موضع بعلاء الدين بن عبد الظاهر يتحدّث معه، فجاء إليه شخصٌ وقال له: معاوية الخادم يريد الاجتماع بك، فقال: وَاْلَك! مَنْ يفارق عليّاً ويروح إلى معاوية؟! وكتب إلى قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، وقد أقْعَدَه بحماة في مَكتبٍ عاقداً، وفيه السيف علي بن مُغِيْزل:
مولاي قاضي القضاة يا مَنْ ... له على العَبْد ألفُ مِنَّهْ
إليكَ أشكو قَرينَ سوءٍ ... بُليتُ منه بألف مِحنهْ
شَهرْتَه بيننا اعتداءً ... أغمِدْهُ فالسيف سيفُ فِتنَهْ
وكتب إلى قلعة الروم وقد جاءه ولد سمّاه أنساً واسمُ أبيه مبارك:
تَهَنَّ يا مباركاً ... بالوَلَد المبارك
بمن سَمَوه أنساً ... لأنه ابن مالكي
ومن نظمه:
تعجّبَ الناس للبطيخ حيت أتى ... بحيْن حَيْن وإذْ وافى بطاعُونِ
وكيف لا يقطعُ الأعمار مَقْدَمُهُ ... وليس يُؤكَلُ إلاّ بالسكاكين
ومنه:
ما اعتكافُ الفقيه أخْذاً بأجْرٍ ... بَلْ بحكمٍ قضى به رمضان
هو شهر تُغَلُّ فيه الشياط ... ينُ ولا شَكَّ أنه شيطان
ومنه:
طَرفْكَ هذا به فُتورٌ ... أضحى لقلبي به فُتُون
قد كنتُ لولاه في أمانٍ ... لله ما تفعلُ العيون
ومنه:
يا نازحاً عنّي بغير بعادٍ ... لولاك ما علقَ الهوى بفؤادي
أنت الذي أفردتني مني فلي ... بكَ شاغلٌ عن مَقْصَدي ومُرادي

سَهِرَتْ بحُبّكَ مُقلتي فَحَلا لها ... فيك السُّهَادُ فلا وجَدْتُ رُقادي
ورضيتُ ما تَرْضى فلو أقصيْتَني ... أيّامَ عُمري ما نَقَضْتُ وِدادي
أنت العزيز عليّ أن أشكو لك ال ... وجد الذي أهدَيته لفؤادي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
واللهِ ما أدعو على هاجري ... إلاّ بأنْ يُمحَنَ بالعشقِ
حتّى يَرى مقدارَ ما قد جرى ... منه وما قد تمَّ في حقّي
وأنشدني له أيضاً:
يا حُسْنَها مِن رِياضٍ ... مثلِ النضَار نَضارَهْ
كالزُّهر زَهْراً وعنها ... ريح العبير عِبارَهْ
وأنشدني له أيضاً:
بأبي صائغٌ مليحُ التَّتنِّي ... بقَوامٍ يُزري بخُوطِ البان
أمسكَ الكَلْبتين يا صاحِ فاعجب ... لغزالٍ بكفّه كلبتان
ومن شعره:
أيّها اللائمي لأكلي كُروشاً ... أتقَنُوها في غاية الإتقان
لا تلُمني على الكروش فحبّي ... وَطَني من علائمِ الإيمان
قلت أخذ هذا من قول النصير الحمّامي:
رأيت شخصاً آكلاً كِرشةً ... وعنده ذوق وفيه فِطَنْ
وقال ما زلتُ محبّاً بها ... قلتُ من الإيمان حُبُّ الوَطَنْ
ومن شعره في مقصوص الشَّعَرْ:
قالوا ذوائبه مَقصوصه حَسَداً ... فقلت قاطعُها للحسنِ صوّاغُ
صُدغان كان فؤادي هائماً بهما ... فكيف أسلو وكلّ الشَّعر أصداغ
وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيوش يؤثر قُربه ويحب كلامه، فاستخدمه في مصر في جملة كُتّاب الإنشاء، فأقام هناك، ولمّا توفي فخر الدين خرج ابن غانم وحضر إليه مع القاضي محيي الدين بن فضل الله سنة اثنين وثلاثين وسبع مئة.
ولم يزل بدمشق في جملة كتّاب الإنشاء إلى أن سكنت منه تلك الشقائق، وقُرطسَت تلك السهام الرواشق.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، وكان أكبر من أخيه الشيخ علاء الدين بأشهر، وكذلك توفي بعده بأشهر، وكان دائماً يقول: زاحمني أخي عليّ في كل شيء حتى في لَبَن أُمّي، واختلط شهاب الدين قبل وفاته بسنتين، وكان فيه تشبّعٌ من التشيُّع.
أحمد بن محمد بن عبد الله


الحافظ القُدوة الزاهد جمال الدين أبو العباس ابن الشيخ القدوة محمد الظاهري الحلبي مولى الظاهر صاحب حلب.
سمع سنة إحدى وثلاثين وبعدها من الفخر الإربلي، وابن اللَّتي، والموفق يعيش، وابن رَوَاحة، وابن خليل، وابن قُمَّيرة، وخلقٍ بحلب. وكريمة، والضياء، وابن مَسْلَمة، وخلق بدمشق. وصفيّة القرشيّة، وجماعة بحماة، وعبد الخالق بن أنجب النِّشْتَيري بماردين، وعبد الرزاق بن أحمد بن سَلامة الزّيات، وأحمد بن سَلامة النجّار بحرّان، وسمع من شُعيب الزعفراني، وابن الجُميّزي، والمُرْسي، وجماعة بمكّة. ويوسف الساوي، وأحمد بن الجَباب بمصر، وهبة الله بن روين الإسكندري.
وسمع بحمص وبعلبك والقدس وغير ذلك، وعني بهذا الشأن أتمّ عناية، وتعب وحصّل وكتبَ ما لا يوصف كثرةً. وكانت له إجازات عالية من أبي الحسين القطيعي وزكريا العلبي وابن روزَبة وأبي حفص السَّهْرَوَرْدي والحسين بن الزبيدي، وإسماعيل بن فاتكين والأنجب الحمّامي، وطبقتهم.
وخرّج لنفسه أربعين حديثاً في أربعين بلداً، وانتقى على شيوخ مصر والشام، وخرّج لأصحاب ابن كليب ثم لأصحاب ابن طبرزد والكندي، ثم لأصحاب ابن البنّ وابن الزبيدي حتى إنه خرّج لتلميذه ومريده الشيخ شعبان، وكان في حسن التخريج عَجَباً، وغي جَوْدَة الانتخاب آيةً لا يزال الطرف لها مرتقباً.
سمع على نحو سبع مئة شيخ أو ما يقارب ذاك، وأثنى عليه في هذا الفن حتى الحَمام الساجع على فروع الأراك، وتفقّه لأبي حنيفة، وحوى كل صفة في الخير مُنيفة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: " وبه افتتحت السمَاع في الديار المصرية، وبه اختتمت، وعنده نزلت، وعلى أجزائه اتّكلت " .
وسمع منه علم الدين البِرزالي أكثر من مئة جزء.
وقرأ هو القراءات على الشيخ أبي عبد الله الفاسيّ بحلب.
ولم يزل بالديار المصرية على حاله إلى أن عُطّل تسميعه وبَطَل تأصيله وتفريعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة.


ومولده سنة ستٍّ وعشرين وست مئة.
وكانت وفاته بزاويته الجمّالية في المقس بمصر.
أحمد بن محمد بن جبارة.


ابن عبد المولى المرداويّ الصالحيّ الحنبلي الإمام العلاّمة المقرئ النحوي شهاب الدين أبو العباس.
سمع على ابن عبد الدائم وطبقته، وقرأ القراءات على النبيه الراشدي، وأخذ عنه النحو وربّما حضر دروس الشيخ بهاء الدين بن النحّاس، وأجاد في النحو والقراءات، وسكن حلب مدة، وارتحل منها وأقام بالقُدس إلى أن مات به، وسمع السيرة حضوراً في الرابعة من خطيب مَرْدا، وسمع من الكَرماني وابن أبي عمر، وأخذ الأصول عن القَرافي، وجاور بمكّة.
وكان ذا زُهْد وقناعة وبلاغة ونصاعة، واشتهر بالقراءات، وهاجر الناس إليه، ووقع الاختيار من الطلبة عليه، وشرح الشاطبيّة شرحاً مطوّلاً، والرائيّة ونونيّة السخاوي في التجويد، وله تعاليق، وعنده من الفضائل جَمْلٌ وتفاريق، إلا أنه كان يتجارف، وينتقل بعد سَعادة علمه لأجل ذاك ويتحارف.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: في شرحه للشاطبية احتمالات واهية، قرأت بخطّه يقول في قول الشاطبي:
وفي الهَمْز أنحاءُ وعند نُحَاتِه ... يُضيء سناه كلّما اسودَّ ألْيَلا
يحتمل خمس مئة ألف وجه وثمانين ألف وجه. وقال: وسمعت منه.
ولم يزل على حاله إلى أن كُسِر ابن جُبَاره، وبطلت منه تلك الأمور والإشارة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة تقريباً.
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن



الشيخ الجليل المسند شمس الدين أبو بكر بن العجميّ الحلبي الشافعي.
سمع من جدّه لأمّه، وأبي القاسم بن رواحة وابن خليل، وحضر الموفّق بن يعيش، وروى الكثير.
وروى عنه المُقاتلي، وابن الواني، وابن الفخر، والمزيّ، والذهبيّ.
كان فيه غفلة، ولعقله عنه جَفْلة، إلا أنه ليس بقادحٍ فيه، ولا مُبْطل لما يسنده ويرويه. وقاسى من هولاكو عذاباً شديداً، وأخذ منه أموالاً كان أمره بها عنيداً.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ أجله، وأرهقه من الموت عَجَلُه.
وتوفي بحلب رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي



ابن محمد بن محمد الإمام الحافظ الشريف عزّ الدين أبو القاسم ابن الإمام أبي عبد الله العَلَوي الحُسيني المصري، ويعرف بابن الحلبي، نقيب الأشراف بمصر.
سمع من فخر القضاة ابن الجَبّاب، وسمع من الزكي المذنري فأكثر، ومن الرشيد العطّار، وعبد الغني بن بنين، والكمال الضرير وطبقتهم. وأجاز له ابن رَوَاج، وابن الجُمَّيزيّ، وصالح المدلجي، وخَلْقٌ كثير.
وطلب الحديث على الوجه، وكان ذا فهم وحفظ وإتقان وتخريج وكشفٍ للمعضلات وتفريج، وله ذَيْلٌ على وفيات المنذري إلى سنة أربع وستين.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن دار العمل، وبطل منه العمل، وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ستٍّ وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن عطاء الله



الشيخ العارف تاج الدين أبو الفضل الإسكندري.
كان رجلاً صالحاً له ذوق، وفي كلامه ترويح للنفس وسَوْق إلى الشوق، يتكلّم على كرسيّ في الجوامع، ويقيّد المارقين بأغلالٍ وجوامع، وله إلمام بآثار السلف الصالح، وكلام الصوفية، إذا هبّ نسيمه العاطر الفائح شوّق كثيراً من القلوب، ومحا بالدموع غزيراً من الذنوب، وله مشاركة في الفضائل، وعليه للصَّلاح سيماء ودلائل، وهو تلميذ الشيخ أبي العباس المُرْسي صاحب الشاذلي، وكان من كبار القائمين على الشيخ تقي الدين بن تيميّة، وله جلالة يف النفوس بنفسه القويّة.
ولم يزل على حاله إلى أن ركدت تلك العبارة، وانكدرت نجوم تلك الإشارة.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في المنصورية في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة.
ومن شعره:
مُرادي منك نسيانُ المراد ... إذا رُمْتَ السبيلَ إلى الرَّشادِ
وأنْ تَدَعَ الوجود فلا تَراهُ ... وتُصبح مالكاً حَبْلَ اعتمادِ
إلى كم غفلةٍ عنّي وإني ... على حِفظِ الرعاية والودادِ
وَوُدّي فيك لو تدري قديمٌ ... ويومُ السبت يشهد بانفرادي


وهل ربُّ سواي فتَرْتَجيه ... غداً يُنجيك من كَرْبٍ شداد
فوصف العَجز عمّ الكون طُرّاً ... فمفتقرٍ يُنادي
وبي قد قامت الأكوانُ طُرّاً ... وأظهرتُ المظاهرَ مِنْ مُرداي
أفي داري وفي ملكي وفُلْكي ... تُوجّه للسِّوى وَجْهَ اعتماد
وها خِلَعي عليكَ فلا تُذِلْها ... ومن وجه الرجاء عن العباد
ووصفَك فالزَمَنْهُ وكن ذليلاً ... ترى منّي المنى طَوْع القياد
وكن عبداً لنا والعبد يرضى ... بما تَقْصي الموالي من مُراد
قلت: شعرٌ نازلٌ، هو يجدُّ وكأنه هازل.
أحمد بن محمد بن علي بن جعفر


الصدر الأديب الرئيس سيف الدين السامَري، نسبة إلى سُرَّ من رأى، نزيل دمشق.
صادره الصاحب بهاء الدين بن حَنّا وأخذ منه نحواً من ثلاثين ألف دينار لَمّا قدم أخوه الدولة السامريّ من اليمن، وتنكب في دولة المنصور، وطَلَبه الشجاعي إلى مصر وأخذ منه قرية حَزْرَما وغيرها وتمام مئتي ألف درهم، وكان يسكن داره المليحة التي وقفها رباطاً ومسجداً ووقف عليها باقي أملاكه.
وروى عنه الدّمياطيّ في معجمه وذكر أنه يُعرف بالمقرئ.
وكان قد سافر مرّة مع وجيه الدين بن سُويد إلى الموصل فحضر المكّاسة وعفُّوا هم جشمال الوجيه ومكّسوا جِمال السامري، وأجحفوا به، فقال:
صحِبتُ وجيه الدين في الدهر مرّةٌ ... ليحمل أثقالي ويَخْفرَ أجمالي
فَوَزَّتني عن كل حقّ وباطلٍ ... وعن فرسي والبغل والجَمَل الخالي
فبلغ ذلك صاحبَ الموصِل فأطلق القَفْل بمجموعه.
وقال يشكر الأمير سيف الدين طوغان وأسندمرُ والي بدمشق ويشكو نائبيهما الشجاع هَمّام سَنْجر:
اسمُ الوزارة وما له ... فيها سوى الوزار والآثامُ
وجناية القتلى وكلُّ جنايةٍ ... تُجنى بأجمعها إلى همّامِ
سيفان قد وَلِيا فكلٌّ منهما ... في حفظ ما وُلّيه كالضرغامِ
وإذا غَرا خطبٌ فكلٌّ منهما ... أسدٌ يَصول ببأسه ويحامي
وبباب كلٍّ منهما عَلَمٌ غدا ... في ظُلْمه عَلاّمةَ الأعلام
فمتى أرى الدنيا بغير سَناجرٍ ... والكسرَ والتنكيسَ للأعلامِ
ومن شعره:
من سُرَّ مَنْ راءٍ ومَنْ أهلها ... عند اللطيف الراحم الباري
وأيُّ شيءٍ أنا حتى إذا ... أذْنَبتُ لا تُغفَر أوزاري
يا ربِّ ما لي غيرُ سَبِّ الورى ... أرجو به الفوز من النار
ولمّا طلبه الشجاعي إلى مصر اعتقله وقام له بِما طلبَ منه وطلب الإفراج عنه وثقّلوا عليه فقال: والله ما أُفرِجُ عنه حتى يمدحني بقصيدة، فإن هذا هجّاء، فلمّا مدحه أفرج عنه.
وكان الشيخ سيف الدين ظريفاً مزّاحاً، كثير التغرُّب نزّاحاً، وهو من سَرَوات بغداد ومحاضرته يَغْنى النديم بها عن حانةِ النبّاذ. قدم إلى الشام بأمواله وحظي عند الناصر بأقواله، ولمّا نظم تلك الأرجوزة السامرية التي أولها:
يا سائقَ العيس إلى الشآم ... مُدرَّعاً مَطارفَ الظَّلامِ
حطّ فيها على مباشري حلب وأغرى الناصر بمصادرتهم، وقد اشتهر أمرها، وأسكر الأسماع خَمْرُها.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن رُمي لسَنُه بالبكم، وقاده رسنة إلى ما قضاه الموت عليه وحكم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة وهو في عشر الثمانين، ودفن في داره.
أحمد بن محمد بن علي بن يوسف



ابن نيسّر، الصاحب عز الدين المصري، ولي النظر على النظّار بمصر والشام وغيرهما، وتولّى نظر الأوقاف بدمشق.
ولم يزل في سؤدده وتعاظمه وتمرُّده إلى أن تعسّر العيش على ابن ميسّر، وقلّ جمعه وكسّر.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده حادي عشري شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وست مئة.
تولّى نظر الدواوين بمصر، ونظر الإسكندرية، ونظر دمشق، ونظر طرابلس، ونظر الأوقاف بدمشق والحسبة، ومات وهو في نظر الأوقاف. وكان فيه محبّة لأهل الخير.
أحمد بن محمد بن أبي القاسم




ابن بَدْران، الشيخ الفاضل شهاب الدين أبو بكر الكردي الدَّشْتي - بالدال المهملة، والشين المعجمة الساكنة، وبعدها تاء ثالثة الحروف - الحنبلي المؤدّب.
حضر في الثانية على جعفر الهَمدذاني، وسمع من ابن رواحة وابن يعيش، وابن خليل، والنفيسي بن رواحة، وصفيّة القرشية، وابن الصلاح، والضياء.
وتفرّد وروى الكثير، حدّث بمصر بمسند الطيالسي، ورُتّب مسمِعاً بالدار الأشرفية، ومعلِّماً بمكتب الطواشي ظهير الدين، وأكثر الطلبة عنه، وخَرَّجَ له علم الدين البِرزالي مشيخةً، وكان في الرِّواية يتعزز، ويتحلّى بالطلب وتمزّز، ويطلب نسخَ عدة أجزاء لنفسه من السامع، ويرى أن ذلك له كالقامع.
ولم يزل إلى أن انقلب دست الدَّشْتي، وحار فيما نزل به الطبيب والمفتي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده بحلب سنة أربع وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن قُرْصة
شهاب الدين بن شمس الدين الأنصاري.
هو من بيت مشهور بالصعيد، منهم جماعة فضلاء رؤساء، تفرّد هذا شهاب الدين من بينهم بنظم القَرْقيّات وجوّدها، وأجراها على قواعد العذوبة وعوُدها، يأتي بها باكورة زَهْر أو كأسُ زُلال جُلي على الظمآن من نَهْر، خفيفةٌ على القلب لذيذة على السمع لِما لها في العقل من السَّلب، ونظم الشعر جيّداً، ودخل به في جملة الشعراء، ولم يكن متحيِّداً، وذاق منه كؤوس العلاقم، وجَرّعهم من هَجوه سُموم الأراقم، جاب الأقطار، وجلب الأوطار، ودخل الأمصار، واجتدى بالمدح والهجو أفات طَلبه أم صار، وكان شيخاً كاد الدهر يحني صَعْدَته ويُري العيون هزَته ورَعْدَته.
وكتب إليّ أشعاراً غلت عندي أسعاراً، ومنها:
ما لي أرى الشعراء تكسبُ عاراً ... بهجاتهم وتحمّلوا أوزارا
فلذاك طُفْتُ بباب كلِّ مهذَّبٍ ... وجعلتُ شعري في الكرام شعارا
مدحوا الأخساء اللئام فضيّعوا ال ... أشعار لَمّا أرخصوا الأسعارا
وجعلت في حلب الشمال إقامتي ... يا حبذا دار الكرام جِوارا
ولكم دعا مدحي نوالَ معظمٌ ... فأبَتْ عُتُوّاً عنه واستكبارا
حتى وجدت لها إماماً عالماً ... أوصافه تستغرق الأشعارا
لولا صلاح الدين لم أرَ جُلّقاً ... ولكنتُ مِمّن جانبَ الأسفارا
أسدى المكارم من أكفٍّ لم يزل ... معروفها يستعبدُ الأحرارا
وصنائعاً غرّاً أفَدْنَ منائحاً ... عُوْناً ولَدْن مدائحاً أبكارا
فوجدْتُ في إجماله وجَماله ... ما يملأ الأسماع والأبصارا
مولىً غدت يمناه يُمناً لامرئ ... يبغي نوالاً واليسار يسارا
حلّى الزمان وكان قِدْماً عاطلاً ... وأعاد ليل الآملين نهارا
وحوى معاليَ في دمشق قديمةً ... وحديثُها بين الورى قد سارا
بَلَغَتْ به رُتَباً فرُعن محلّه ... أمْسَتْ نجوم سمائها أقمارا
زانت فضائله بدائعَ نظمها ... كم مِعصَمٍ يَزين سوارا
ومظفّر الأقلام كم أردى بها ... ملكاً وخوّف جحفلاً جرّارا
عجباً لها تجري بأسودَ فاحمٍ ... يكسي الطروسَ ظلامُه أنوارا
تمضي بحيث ترى السيوف كليلةً ... وتطول حيث ترى الرِّماحَ قِصارا
تجري بواحدها ثلاثُ سحائب ... تحوي الصواعق والحيا المدرارا
وتمدّه بالفضل حين تمدّه ... ببديهةٍ لا تُتعب الأفكارا
غم رامَ نائله العفاةُ أمدّها ... كرماً وإن رام الخميسُ مُغارا
ملأ الكتاب تهدّداً فكأنما ... ملأ المتاب أسنّة وشفارا
تجني النواظرُ من محاسنِ خطّه ... رَوْضاً ومن ألفاظه أزهارا
خطٌّ رماحُ الخطّ من خُدّامه ... إن رام ذِمراً أو أعزَّ ذِمارا

وبلاغةٌ تَضحى بأدنى فقرةٍ ... تغني فقيراً أو تقُدُّ فَقارا
ويشيم روّاد الندى من بِشره ... بَرقاً ومن إحسانه أمطارا
بِشرٌ يبشّر بالجميل وعادة ال ... أزهار أن تتقدّم الأثمارا
وندىً يعمّ ولا يخصّ كأنّه ... هامي قِطار طبَّق الأقطارا
يستصغر الأمر العظيم إذا عَرا ... بعزيمةٍ تستهلُ الأوعارا
ويردّ غَرب الحادثات مغلَّلاً ... بسعادةٍ تستخدم الأقدارا
كم ذلّلت صعباً وردّتْ ذاهباً ... وحمَت أذلّ وذلّلت جبّارا
ولقد عرفت الناس من أزطارهم ... سبحان من خلق الورى أطوارا
يا من عرفتُ بجوده الغنى ... حقاً وكنتُ جهلته إنكارا
أغنيتني بمواهبٍ موصولةٍ ... لم تُبقِ لي عند الحوادث ثارا
لا زلتَ في عزٍّ يدوم ونعمةٍ ... ترقى على شُمّ الجبال وقارا
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك ارتجالاً:
يا شاعراً ملأ الطروس نهاراً ... وأسال فيه من الدجى أنهارا
لم تُهْدِ لي نظماً بديعاً إنما ... أهديتَ لي فلَكاً أراه مُدارا
في كل سطرٍ بُرج سعدٍ ثابتٌ ... تبدو معانيه به أقمارا
لا أرتضي بالروض تشبيهاً له ... إن الزواهر تفضُل الأزهارا
قلّدتني منه قلادة مِنّةٍ ... تستوقف الأسماع والأبصارا
يغنى النديم به فإن قوافياً ... فيه تُدير لمسمعيه عقارا
وترى اللبيب إذا تعاطى فهْمَه ... لم يذكر الأوطان والأوطارا
فكأن ذلك الطرسَ وجْنة أغيدٍ ... والسطرَ فيه قد أسال عذارا
فاعذر شهاب الدين من تقصيره ... أضحى يُلفّق عندك الأعذارا
أنا لا أطيق جوابَ منْ أشعاره ... تنهلّ حين تَرومها أمطارا
وإذا جرى في حَلبةٍ قصّرتُ عن ... غاياته بل لا أشقّ غُبارا
إن الغدير وإنْ تعاظمَ قاصرٌ ... عن أن يقاوم بحْرَك الزَّخارا
وكذا أخو النظم المزلزل ركنه ... لا يستكنّ مع الجبال قرارا
فخذ القليل إجابة وإجازةً ... واعذر فمثلك من أقال عثارا
واعتدَّ إنك لم تزر في جلّق ... أحداً وإنك جئت تقْبس نارا
فلأنت تعلم أنني لم أرضها ... لو أن درهمها غدا دينارا
ما قَدرُها مئة لو أني سقتها ... إبلاً يكون حمولهنّ بهارا
وكتب إليّ قصيدة الميزاب أوّلها:
كم سيفُ النظم أجرّده ... كم أُشهره كم أغمده
كم أنظم عِقد جواهره ... في مدح كريمٍ أقصده
كم أجمع من معنىً حسنٍ ... وبيان الشرح يقيّده
وقد سقتها بمجموعها في كتابي ألحان السواجع.
ولم يزل على حاله إلى أن أتى مرة من مصر ونزل بالتعديل ظاهر مدينة دمشق في بيت التحفَه جدرانه، وتأنس به جردانه، فنزل به ذباب السيف، وعمل من دمه وليمة لذباب الصيف، وأصبح ورأسه قد بان عن جسده وطاح، ودقيق ابن قُرصة تذروه الرياح، وكان مسكيناً يتحلّب أفاويق الندى، ويحتلب ببلاغته أهل زمانٍ لا يجدون على نار المكارم هدىً، إلا من يرتاح للامتياز في عدة الامتياح أو تهزّه نغمة العافين أو مدام المدّاح، وقليلٌ ما هم، وقد بعد حماهم، وكان المسكين يرمق عيشه على بَرَص، ويمسي كالفأرة في قَرض الأعراض بالقَرَض.
وكانت قتلته يوم الجمعة رابع عشر شهر الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه بدر الدين حسن بن علي الغزّي:
مات ابنُ قُرْصةَ بعد طول تعرُّضٍ ... للموت مِيْتةَ شرِّ كَلْب نابحِ
ما زال يشحذ مُديةَ الهَجو التي ... طلعت عليه طلوع سعد الذابحِ
حتى فَرى وَدْجَيه عبدٌ صالح ... عَقَرَ النطيحة عَقْرَ ناقةٍ صالحِ

فليحْيَ قاتله ولا شلّتْ يدٌ ... كفَتِ المؤونة كفَّ كلّ جرائحي
وقلت أنا فيه:
دع الهجو واقنع بما نلته ... من الرزق لو كان دون الطفيفِ
فقَرْضُ ابن قُرصة عمّ الورى ... وراعَ الدنيّ بهجْو الشريفِ
ومات ابنُ قَرُصة من جوعه ... وشهوته عضّة في رغيف
أحمد بن محمد


فتح الدين بن البَقَقيّ - بباء موحّدة وقافين مفتوحات - .
كان مقيماً بالديار المصرية يبحث ويناظر ويذاكر بالفوائد المنتقاة ويحاضر، قلّما ناظر أحداً إلا قطعه وأتى به إلى مضيق التسليم ودفعه، إلا أنه مع ذكائه وحرصه في البحث وإعيائه كان يبدو منه من الاستخفاف ما لا يليق، ويظهرُ منه في الظاهر ما لا يحسُن أن يكون في السرّ من الجاثليق، حتى ظهر أنه زنديق، ونبيّن أنه مرتدّ عن الإسلام عن تحقيق؛ لأنه كان يستخفّ بالشرع الذي شهدَت العقول بحسن وصفه، ويستهتر بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلْفه.
ولم يزل في جنونه ودَوَران مَنْجنونه، إلى أن أطاح سيفُ الشرع رأسه، وأطفأ ريح القتل نبراسه، وأصبح الفتح قُبحاً، وأورده الذبّ عن الدين القيِّم ذبْحاً، ضرب القاضي المالكي عُنقه بين القصرين سنة إحدى وسبع مئة في شهر ربيع الأول وطيْف برأسه، وكان قد تكهّل، ولما ضرب رأسه بالسيف لم يمضِ قطع رقبته، فتمّم حزّ رقبته بالسكين.
وأخبرني جماعة بالقاهرة عن ابن المحفّدار أنه قال له يوماً: كأني بك وقد ضربت رقبتك بين القصرين، وقد بقي رأسك معلقاً بجلدة، فكان الأمر كما قال.
ومن شعره:
جُبلتُ على حُبّي لها وألفتُه ... ولا بدّ أن ألقى به الله معلِنا
ولم يخلُ من قلبي بقدْر ما ... أقول وقلبي خالياً فتمكّنا
قلت: يشير إلى قول القائل:
أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى ... وصادف قلباً خالياً فتمكّنا
ومنه:
لحى الله الحَشيشَ وآكليها ... لقدْ خبُثتْ كما طاب السُّلاف
كما يصبي كذا تضني، وتُشقي ... كما يَشفي وغايتها الحُرّاف
وأصغر دائها والداء جمّ ... بغاء أو جنون أو نُشتف
ومنه:
يا منْ يخادعني بأسهم مكْره ... بسَلاسة نعُمت كلمس الأرقم
اعتدّ لي زَرَداً تضايق نسْجُه ... وعليَّ عُيونها بالأسهم
ومنه، وقد جلس عند بعض الأطباء ساعة فلم يُطعمه شيئاً، فلما قال:
لا تحسبوا أنّ الحكيم لبخله ... حمانا الغِدا ما ذاك عندي من البخل
ولكنه لمّا تيقّن أننا ... مرضنا برؤياه حَمانا من الأكل
ومنه:
أين المراتب في الدنيا ورِفعتها ... من الذي حاز عِلماً ليس عندهم
لا شكّ أن لنا قَدراً رأوه وما ... لمثلهم عندنا قَدرٌ ولا لهم
هم الوحوش ونحن الإنس حِكمتُنا ... تقودهم حيثما شِينا وهم نَعمُ
وليش شيء سوى الإهمال يقطعنا ... عنهم لأنهم وِجْدانهم عدم
لنا المريحان من علم ومن عدم ... وفيهم المتعبان الجهلُ والحشمُ
قلت: كأنه نظم هذه الأبيات لما سمع أبيات الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وهي مما أنشدنيه الحافظ أبو الفتح، قال: أنشدني لنفسه:
أهل المراتب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل مَرْذولون بينهم
فما لهم من تَوَقّي ضرّنا نظرٌ ... ولا لهم في ترقّي قَدْرينا هِممُ
قد أنزلونا لأنا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم
فليتنا لو قَدِرنا أن نعرفهم ... مِقدارهم عندنا أَوْلَو دَرَوهُ هم
لهم مريحان من جاه وفضل غنى ... وعندنا المتعبان العلم والعَدَم
ومن شعر ابن البَققيّ:
الكُسّ للجُحر غدا ... مُعانداً في القِدم
فانظره يبكي حَسَداً ... في كل شهر بدمِ
وما أحسن قول الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال:
لا تلُم البَقِّيّ في فعله ... إن زاغ تضليلاً عن الحقّ


لو هذّب الناموس أخلاقه ... ما كان منسوباً إلى البقّ
وقوله فيه لمّا سجن ليقتل:
يظنّ فتى البققي أنه ... سيخلص من قبضة المالكيْ
نعم سوف يُسلمه المالكيُّ ... قريباً ولكن إلى مالِكِ
وقيل: إنه استغاث يوم قتله بالشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد، وقال: أنا تردّدت إليك أربعة أشهر لازمتك فيها، هل رأيت مني شيئاً مما ذكر هؤلاء؟ فقال: ما رأيت منك إلا الفضيلة.
أحمد بن محمد بن محمد بن هبة الله


الشيخ الإمام العالم الكاتب المفتي، كمال الدين أبو القاسم بن الصدر الكبير عماد الدين ابن القاضي الكبير شمس الدين أبي نصر بن الشيرازي الدمشقي الشافعي.
تفقه بالشيخ تاج الدين الفزاري، والشيخ زيْن الدين الفارقي، وقرأ الأصول على الشيخ صفيّ الدين الهنديّ، وسمع من الفخر عليّ ووالده وغيرهما، وحفظ كتاب المزنيّ.
وتميّز وبرع، وأخذ في طلب التدريس وشرع، ودرّس بالباذرائية في بعض الأوقات، بالشامية الكبرى مرات، ثم استمر بتدريس الناصرية مدةً، وذُكر لقضاء الشام في عِدّه، وكان خيّراً متواضعاً، ديّناً لأفاويق الرفاق راضعاً، حَميد النشأة، جميل البدأة، خبيراً بالأمور، ذَرِباً بأحوال الجمهور، أثنى علي قاضي القضاة بدر اليد محمد بن جماعة، وقاضي القضاة ابن الحريري، وقالا للسلطان: يصلح للقضاء.
وكان فيه حياءٌ وسكون وميل إلى التخلّي ورُكون، حاقَقه مرّة ابن جَملة بحضرة الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - وأراد مناظرته فتألّم، وأضرب عنه وتحلّم، وترك السعي في الشامية لذاك.
وكان بديع الكتابة، جميع سهام أقلامه فيها للإصابة، كتب الريحان والمحقق، وزاد في ذلك على ابن البوّاب ودقّق، وكان خطّه قيد النواظر، ونزهة من يرتع في الرياض النواضر، كل سطر كأنه سُبحةَ جوهرٍ راق نظمها، وفاق على الكواكب وَسْمُها.
ولم يول على حاله إلى أن نزل بكمال الدين مُحاقه وفات إدراكه وإلحاقه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وسبع مئة في ثالث عشر صفر، ودُفن بتربتهم.
وموله سنة تسعين وست مئة.
أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله



القاضي الرئيس جمال الدين التميميّ القلانسي الدمشقي، وكيل بيت المال، وقاضي العسكر ومدرّس الأمينية والظاهرية وموقّع الدّست.
روى عن ابن البخاري وبنت مكّي، وأذِن لجماعةٍ في الإفتاء.
كان جميل الشكل مليح العِمّة، بهيّ المنظر متّسع الهمة، وكتابته مثل الروض الذي عَرْفُه باسم، أو العقود التي تفترّ عنها المباسم، يخاله الناظر سُطور ريحان أو حباباً قد كلّل لؤلؤه ياقوت خدٍّ من بنت الْحان.
ولم يزل راقياً في بروج سُعوده، باقياً في اقتبال صعوده، إلى أن هتف به داعي حتفه، وفرّق بينه وبين أُلاّفه وإلفه.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عُشْريّ ذي القَعدة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وعاش نيّفاً وستين سنة.
وبلغتنا وفاتُه ونحن مع الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - على حمص، فكتبتُ إلى ولده القاضي أمين الدين نظماً ونثراً:
أيُّ خطب أصمى الحشا بنَباله ... حين راعَ الوُجودَ فقدُ جِمالهْ
يا لَدمعِ الغَمام ينهلّ حُوناً ... ولنَوْح الحِمام من فوق ضاله
أسعِداني فإنّ خَطْبيْ جليلٌ ... وأعينا مَنْ لم تكونا بحاله
منها:
كيف لا يُظلِم الوجود بمن كا ... ن الثريّا معدودةً في نِعالهْ
وإذا ما النسيمُ أهدى عبيراً ... فتِّش الطيبَ تلْقَه من خلالهْ
وإذا ما احتبى بمجلسٍ حفلٍ ... أطرق القوم هيبةً من جَلالهْ
يا جمالاً مضى فأورث وجه ال ... دهر قُبحاً لما ارتضى بزَوالهْ
ولعمري ما غاب ليثٌ تقضّى ... وحَمى غابهُ بقا أشبالهْ
أيّ شبل أبقيت إذْ غِبْت عنّا ... صَبرُهُ للخطوب من أحمالهْ
وهو عند الملوك خيرُ أمينٍ ... قد سَما في الورى بفقْد مِثالهْ
وإذا أتحف الأعادي بدَرْج ... كان قطْعُ الأعمار في أوصالهْ
أيها الفاضل المهذّب لا تج ... زع لذاك الجليل عند انتقالهْ


كلّنا في المُصاب رهْنَ التأسّي ... بالنبيِّ والغُرّ آلِهْ
أحمد بن محمد بن محمد


الشيخ زين الدين بن المغَيْزِل الحموي الخطيب، أبو عبد الله بن الشيخ تاج الدين خطيب الجامع الأسفل.
سمع من شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز.
لم يزل في مَرقى درج منبره، وإلقاء العقود النفيسة من جوهره، إلى أن سكت فما نَبَسْ، ونزل من مِنبره إلى الأرض وارْتَمس.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسعٍ وتسعين وست مئة.
قال شيخنا علم الدين البِرزاليّ: أجاز لنا من حماة، وكان قد سمع من شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز جزء ابن عَرَفة.
أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكّي
القاضي نجم الدين القَمولي - بالقاف وضم الميم وبعدها واو ساكنة ولام - .
من الفقهاء الفضلاء والقضاة النبلاء، وافر العقل، جيّد النقل، حسَنُ التصرُّف، دائم البِشر والتعرّف، له دين وتعبُّد، وانجماع عن الباطل وتفرّد.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: قال لي يوماً: لي قريبٌ من أربعين سنة أحكم ما وقع لي حكم خطأ، ولا أثْبَتُّ مكتوباً تُكُلِّم فيه أو ظهر فيه خلل.
سمع من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وغيره. وقرأ الفقه بقوص وبالقاهرة، وقرأ الأصول والنحو وشرح الوسيط في مجلدات كثيرة، وفيه نُقولٌ غزيرة، ومباحث مفيدة سمّاه البحر المحيط، ثم جرّد تُقوله في مجلّدات وسمّاه جواهر البحر، وشرح مقدمة ابن الحاجب في مجلدتين، وشرح الأسماء الحسنى في مجلد، وكمّل تفسير الإمام فخر الدين.
وكان ثقة صدوقاً. تولّى قضاء قَمولاً عن قاضي قوص شرف الدين إبراهيم بن عتيق، ثم تولّى الوجه القبلي من عمل قوص في ولاية قاضي القضاة عبد الرحمن ابن بنت الأغرّ، وكان قد قسَم العمل بينه وبين الوجيه عبد الله السُّمرباوي، ثم تولّى إخميم مرتين، وولي أسيوط والمنية والشرقية والغربية، ثم ناب بالقاهرة ومصر، وتولّى الحِسبة بمصر، واستمرّ في النيابة بمصر والجيزة والحسبة إلى أن توفي.
ودرّس بالفخرية بالقاهرة، وكان الشيخ صدر الدين بن الوكيل يقول: ما في مصر أفقه منه، يقال: إن أصله من أرْمَنت.
ولم يزل يفتي ويحْكم ويدرّس ويُصنّف وهو مبجَّلٌ معظَّم إلى أن غرب نجمه ومُحيَ من الحياة رَسمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وولي نيابة الحكم بعده الشيخ نجم الدين بن عقيل البالسيّ، وولي حُسبة مصر ناصر الدين فار السقوف.
أحمد بن محمد بن أبي بكر



ابن عماد الدين أبي الحرم مكّي بن مسلّم بن أبي الخوف المعروف بعكوك شهاب الدين.
كانت له مطالعات، وعنده منها ابتداءات ومراجعات، ويحفظ للمتأخرين شيئاً عظيماً، ويُورِد لهم من جواهرهم عِقداً نظيماً، وكان لا اشتغال له ولا عِلم عنده من غير المطالعة وتصفُّح الدواوين الناصعة، وهو جيّد النقد في القريض، عارفٌ بما هو صحيح منه أو مريض. وجمع من شعر المتأخرين مجاميع، وقصَرها دوت القصائد على المقاطيع.
وكان له وَقفٌ يُحصّل منه في الصيف ما يكون له مؤونة في الشتاء، وكان في غالب السنين يصيّف في الشام ويُشتّي في مصر، إلا أنه كان متمزّقاً إلى الغاية، متخرّقاً في نهاية، يكابد شدائد الفقر، ويصبر من القلة على ما لها في حاله من العَقر، قد زَوَته الحشيشة في حُشّ، وروَتْه من الطيش في طشٍّ.
ولم يزل على حاله إلى أن جاء الطاعون فغسله في جملة ذلك الماعون، وذلك في سنة تسع وأربعين وسبع مئة بدمشق في مستهل شهر رجب، وكان له من العمر تقريباً أربعون سنة.
أنشدني من لفظه لنفسه:
ناظرُ الجامع الكب ... ير ظَلومٌ إذا قَدَرْ
ابْلُهُ ربِّ بالعمى ... وأرِحْه من النظرْ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قلتُ له إذْ بَدا وطلعتُه ... قد أشرقَت فوق قامةٍ تامّهْ
هبْ لي مناماً فقال كيف وقد ... رأيت شمس الضحى على قامهْ
قلت: هو مأخوذ من قول شمس الدين التلمساني:
بدا وجهه من فوق أسمر قَدّه ... وقد لاح من سود الذوائبِ في جُنحِ
فقلتُ عجيبٌ كيف لا يذهب الدُّجا ... وقد طلعت شمسُ النهار على رُمْحِ
وأنشدني من لفظه في العايق الطبّاخ:
قد غلب العايق في قوله ... لمّا أتى الطاعون بالحادثِ


قمحيَّتي تقتل من يومها ... وأنت في يومين والثالث
وكتب إليّ ونحن بالقاهرة:
أيا فاضلاً ساد الورى بفضائل ... تناهت فما أضحى لهنّ بديلُ
تقمّصتَ ثوبَ العلم والحلم والندى ... فأنت صلاحٌ للورى وخليلُ
ولستَ خليلاً بل خليجاً لواردٍ ... غلِظتُ فسامحني فنيْلُك نيلُ
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
أيا ابن أبي الخوف الذي أمنتْ به ... طرائق نَظْمٍ واستبان دليلُ
لقد فُتَّ غايات الأولى سبقوا إلى ... نهايات فضلٍ ما إليه سبيلُ
فأنت على هذا الزمان كُثيِّرٌ ... ورأيُك في النظم البديع جميلُ
أحمد بن محمد


شهاب الدين المعروف بالحاجبي - بحاء مهملة، وبعد الألف جيمٌ وباءٌ موحّدة - .
شابٌّ جنديّ، ذهنه أمضى من الهندي، يتخيّل المعنى الغامض، ويورد اللفظ الحُلو لا الحامض، مقاطيعه رائقة، ومعانيه بالقلوب لائقة. اجتمعت به في شوق الكتب بالقاهرة في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أقول شبه لما جيْد الرشا ترفاً ... يا معمِلَ الفكر في نظْمٍ وإنشاءِ
فظلّ يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه الماء بعد الجهد بالماءِ
فقلت له: أطلقت الرشا ههنا، ولو قلت الرشا الذي سباني، أو جيد معذّبي لكان أقعد في التوطئة، ثم أنشدته فيما بعد لنفسي:
أقول شبّه لنا كأساً إذا مزج ال ... ساقي طلاها اهتدى في ليله الساري
فظل يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه النار بعد الجهد بالنارِ
فقال: إلا أنني أنا أتيت بالمثل السائر، فأنشدته فيما بعد لنفسي:
أتى الحبيب بوجهٍ جلَّ خالقه ... لما براه بلطف فتنة الرائي
فلاح شخصً عذولي وَسْط وَجْنته ... فقلت شبّهه لي في فرط لألاء
فراح يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه الماء بهد الجهد بالماء
قلت: وأصل هذا المثل أن الوجيه ابن الذروي دخل يوماً إلى الحمّام ومعه ابن وزير الشاعر، فقال ابن وزير:
لله يومي بحمّامٍ نعمتُ بها ... والماء ما بيننا من حولها جارِ
كأنه فوق شفّاف الرخام ضحىً ... ماءٌ يسيل على أثواب قصّارٍ
فقال ابن الذَّروي:
وشاعرٍ أوقدَ الطبع الذكيُّ له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يُعمل أياماً قريحته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
وكان هذا شهاب الدين الحاجبي كثيراً ما يتّبع كلامي، ويقصد إصابة مراميْ ولما سمع قولي قديماً:
قالتْ لأيْري وهو فيها ضائع ... كالحبل وسط البير إذ تلقيته
قد عشت في كسّ كبير قلت ما ... كذَبتْ لأنّ الكاف للتشبيه
قال هو واختصر وأجاد:
ربّ صغيرٍ حين ولّفتُه ... أيقنتُ لا يدخل إلا اليسيرْ
ألفيته كالبير في وُسعه ... حتى عجبنا من صغيرٍ كبير
وكذا لمّا سمع قولي:
يا طيب نشر هبّ لي من نحوكم ... فأثار كامنَ لَوعتي وتهتُّكي
أدّى تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إنّ ذا نشر ذكي
نظمه أيضاً فقال:
لا تبعثوا غير الصَّبا بتحيّة ... ما طاب في سمعي حديثُ سواها
حفظتْ أحاديث الهوى وتضوّعتْ ... نشْراَ فيالله ما أذكاها
ولما أنشدنيهما قلت له: إلا أنك نقصتها صفة عما وصفتها به، فاعترف.
ولم يزل الحاجبي على حاله إلى أن ذهبتْ عينُهُ وأثرُهُ، وأقام في لحده إلى أن يشقّه الله يوم القيامة ويبعثره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وأنشدني الشيخ ناصر الدين محمد بن يعقوب المكتِّب المصري من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين الحاجبي، رحمه الله تعالى:
قيل لي إذ لثمت وَرْداً على الخ ... د جنيّاً من دونه الجلّنارُ
هل لورد الخدود يا صاح شوكٌ ... مثل وِرد الرياض قلت العذار
وبه قال: أنشدني:
عودوا لصبٍّ بكى عليكم ... يا جيرةً ودّعوا وساروا


فدمْعُ عينيه عاد بَخْراً ... وقلبه ما له قَرارُ
وبه قال: أنشدني:
ودّعتهم ودموعي ... على الخدود غِرارُ
فاستكثروا دمعَ عيني ... لما استقلّوا وساروا
وبه قال: أنشدني:
إلى الله أشكو من عليَّ فإنني ... شرحتُ له شَوقي وفَرْطَ تألّمي
وأحوجني للغير بيني وبينه ... ويحتاج مَنْ يَهوى عليّاً لسُلَّمِ
وبه قال: أنشدني:
قلتُ هل لي من دواءٍ ... قد غدا جِسمي عليلاً
قال تسْلو عن عليَّ ... قلتُ أمّا عنْ عليْ لا
أحمد بن محمد بن قلاوون


السلطان الملك الناصر ابن الملك الناصر ابن الملك المنصور.
كان أحسن الأخوة شكلاً، وأرجحهم ثباتاً في أول أمره وعقلاً، شديد البأس، مفرط القوة من غير التباس، ولم ير أحدٌ ما اتفق له من السعد، ولا سمع أحدٌ بما قُدّر له من التعاسة فيما بعد، ذهبت أموال الناس وأديانهم وأرواحهم بسببه، وأجلسوه على كرسي المُلك، فما طلع في صُعد شأنه حتى انحطّ في صببة، ولم يزل في خمول وخمود، وجدود عُفّرت منه الخدود، وأنزلته بعد الثريّا إلى أخدود، إلى أن فرّق الحسام بين جسده ورأسه، ونقله بعد عزّ غابه إلى ذلّ كُناسه، وما برح في محبّة الكرك، إلى أن وقع منها في وسط المعترك، وكان في عالم الإطلاق فأوقع نفسه منها في الشَّرَك، وحطّه الناس في دَرَج الملك فما أراد إلا أن يكون في دَرَك؛ وذلك لأنّ والده أخرجه في أوّل صباه إلى الكرك، والنائب هناك الأمير سيف الدين ملكتمر - رحمه الله تعالى - السرجواني فأقام بها قليلاً، وجهّز إليه أخويه إبراهيم وأبا بكر المنصور، فأقاموا بها إلى أن ترعرعوا، وطلبهم والدهم فأقام إبراهيم وأبو بكر بالقاهرة، وعاد أحمد إلى الكرك، ثم إنه طلبه إلى القاهرة، وزوّجه بابنة الأمير سيف الدين طاير بغا خال السلطان، وأقام قليلاً، وأعاده بأهله إلى الكرك، فوقع بينه وبين الأمير سيف الدين ملكتمر السرجواني، فأحضرهما السلطان، وغضب عليه والده، وتركه مقيماً بالقاهرة مُدَيدة. ثم إنه جهّزه إلى الكرك وحده بلا نائب، فأقام بها إلى أن توفي والده، ولم يسند الأمر بعده إليه، بل أوصى بالمُلك للمنصور أبي بكر، فقام بشتاك في ناصره، وقام قوصون في ناصر أبي بكر، وغلب قوصون على إقامة أبي بكر فأقام المنصور المُلك مدة شهرين، وخلعه قوصون، وأقام الأشرف كُجك وسيّر قوصون يطلب الناصر أحمد إلى القاهرة، فلم يوافق، وكتب في الباطن إلى نواب الشام ومقدّمي الألوف يستجير ويستعفي من الرواح إلى مصر، وأظهر الذلّة والمسكنة الزائدة، فرّقوا له في الباطن وحملوا الكتب إلى قوصون خلا الأمير سيف الدين طشتمر حمّص أخضر، فإنه رقّ في الباطن والظاهر، فخرج على قوصون وتعصّب لأحمد، وكتب إلى نوّاب الشام وقام قياماً عظيماً علة ما سيأتي في ترجمته، وأمّا قوصون فإنه لما وقف على كُتُبه إلى النوّاب طلب الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وجهّزه لحصار الكرك، وجهّز معه ألفي فارس، فتوجّه إلى الكرك وحصرها أياماً، ثم إنه رقّ لأحمد، وبلغه أن ألطنبغا نائب الشام قد توجّه بعسكر دمشق إلى حلب خلف طشتمر، فترك حصار الكرك وجاء إلى دمشق وتسلّمها، ودعا الناس إلى بَيعة أحمد، وسمّاه الناصر، وجرى له ما جرى على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة قطلوبغا الفخري، ولما عاد ألطنبغا من حلب والتقاه الفخري وانهزم ألطنبغا إلى مصر وخامر عسكره عليه ودخلوا في ركاب الفخري إلى دمشق ونزل بالقصر الأبلق وحلّف الناس جميعاً لأحمد الفخري جهّز الأمير سيف الدين قماري وسليمان بن مهنّا وغيرهما من الأمراء إلى الكرك، وقصد منه الحضور إلى دمشق، فلم يحضر وتعلّل بحضور طشتمر، وكان قد تسحّب إلى الروم، وكتب الناصر أحمد إلى الأمير سيف طقزتمر نائب حماة وإلى الأمير بهاء الدين أصلم نائب صفد وإلى صفد وإلى مُقدّمي الألوف بدمشق يقول لهم: إن الفخريّ هو نائبي، وهو يولّي النيابات من يراه.


ولما وصل طشتمر من بلاد الروم إلى دمشق، وكان أمراء مصر قد خرجوا على قوصون واعتقلوه في سجن الإسكندرية، بعث الفخري وطشتمر إلى الناصر أحمد وسألاه الحضور إلى دمشق ليتوّجها في خدمته بالعساكر إلى الديار المصرية، فدافعهما إلى بعد مضيّ شهر رمضان، وتوجّه إليه أكابر مقدّمي الألوف من مصر مثل الأمير بدر الدين جنكلي وأمثاله، وسألوه التوجُّه معهم إلى مصر، فلم يوافق وعادوا خائبين، وترك أهل الشام ومصر في حَيرة بعدما حلف الجميع له، ثم إنه بعد ذلك توجّه وحده إلى القاهرة، ولم يشعر المصريون إلاّ وقد جاء خبرُه بوصوله، وصعد إلى القصر الأبلق بقلعة الجبل، ولما وصل الخبر إلى دمشق توجّه الفخري وطشتمر بعساكر الشام وقضاته إلى مصر، وكانت سنة الأوحال كثيرة الثلوج والأمطار، وجُبيت الأموال من كبار الناس وصغارهم لنفقات العساكر ولعمل شعار المُلك وأبّهة السلطنة، فهلك الناس.
ولما وصلوا إلى مصر جلس الناصر أحمد على كرسيّ المُلك وإلى جانبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو القاسم أحمد - وقد مضى ذكره - وحضر قضاة مصر والشام الثمانية، واجتمعت عساكر مصر والشام، وعهِد الخليفة إليه بحضور العالمين، وحلف المصريون والشاميون، ولم تتفق مثل هذه البيعة لأحد من ملوك الأتراك، لاجتماع أهل الإقليمين في يوم واحد بحضور الخليفة، وكان يوماً مشهوداً عظيماً.
ثم إنه ولّى طشتمر نيابة مصر، وقطلوبغا الفخري نيابة دمشق، وإيدغمش أمير آخور نيابة حلب، والأحمدي بيبرس نيابة صفد، والحاج آل ملك نيابة حَماة، والأمير شمس الدين آقسنقر نيابة غزّة، ولما فعل ذلك بهؤلاء الأكابر خافه الناس وهابوه وأعظموا أمره، وبعد أربعين يوماً من ملكه أمسك طشتمر وأخذه معه إلى الكرك، وبعض إلى إيدغمش بأم يُمسك الفخري، فأمسكه وجهّزه إليه مع ابنه، فلما وصل به إلى الرمل جاء من عند الناصر أحمد مَنْ أخذه منه وتوجّه به إلى الكرك، وأخذ الناصر أحمد معه من مصر سائر الخيول الثمينة الجيّدة التي في إصطبل السلطنة، وجميع البقر والغنم التي بالقلعة، وأخذ الذهب والدراهم وسائر الجواهر وما في الخزائن، وتوجّه بجميع ذلك إلى الكرك، وجعل الأمير آقسنقر السلاري نائباً بمصر، وأخذ معه القاضي علاء الدين بن فضل الله كاتب السر والقاضي جمال الدين جمال الكفاة ناظر الجيش والخاص وجعلهما عنده في قلعة الكرك، واستغرق هو في لهوه ولعبه وما سوّله له الشيطان، واحتجب عن الناس مطلقاً، وسيّر من يمسك الأحمدي بصفد، فلما أحسّ بذلك هرب من صفد وجاء إلى دمشق، وجرى ما سيأتي ذكره في ترجمة الأحمدي، ثم إنه أحضر الفخري وطشتمر يوماً وضرب عنقيهما صَبراً، وأخذ حريمهما وسباهُنّ وسلّط عليهنّ نصارى الكرك، ففعلوا بهنّ كلّ قبيح، فحينئذ نفرت منه القلوب، واستوحش الناس منه، ولم يعد يحضر من الكرك كتاب ولا توقيع بخطّ موقَّع، إنما يرد ذلك بخط نصراني يُعرف بالرضي، وإذا توجّه أحد إلى الكرك لا يرى وجه السلطان، وإنما الذي يدبّر الأمور واحدٌ من أهل الكرك يعرف بابن البصّارة، فماج الناس لأجل ذلك في الشام ومصر، وجهّز المصريون إليه الأمير سيف ملكتمر الحجازي ليرى وجه السلطان، فلما بلغه وصوله جعله مقيماً بالصافية أياماً، ولم يستحضره ولا اجتمع به، فرُدّ على حاله إلى مصر، فأجمع المصريون رأيهم على خلعه وإقامة أخيه إسماعيل مكانه، فخلعوه، وحلفوا للصالح إسماعيل، وحضر الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي للبشارة إلى دمشق، وحلّف عساكر الشام، وكان يوم خلعه يوم الخميس ثاني عشر شهر الله المحرَّم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وكان مدّة ملكه بالقاهرة والكرك دون الأربعة أشهر.
ولما استقرّت الأحوال وثبت ملك الصالح أمر بتجهيز العساكر من مصر والشام لحصار الكرك، فتوجّه الناس، وكلما حضرت فرقة توجّهت فرقة من مضر والشام، فيُجرح من هؤلاء ومن هؤلاء ويقتل منهم جماعة، وهلك الناس أجمعون بسببه من التجاريد، وسُخّر الناس لحمل الأتيان والشعير والمؤن للعساكر، وجرّ المجانيق والأثقال والسلاح وآلات الحصار من الدبّابات وغيرها، وطال الأمر ولم يبق أمير في مصر والشام حتى تجرّد إليه مرة ومرتين.

قال لي الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا رحمه الله تعالى الذي خصني على الناصر في كلفة قدومه من التقدمة له ومن النفقة على التجاريد والتوجّه إليه ألف ألف وأربع مئة ألف، وأمسك بسببه جماعة من أمراء مصر، ثم أمسك نائب مصر السلاري، ووُسِّط الأمير سيف الدين بكا الخضري ومعه جماعة من المماليك السّلطانية، وأمسك أخوه رمضان وأخوه يوسف، وقضى الله أمره فيهما، وأخذ أمرُ الناصر أحمد في التلاشي، وهلك مَنْ عنده من الجوع، وذبح تلك الخيول الثمينة والأبقار والأغنام وقدّدها، وضرب الذهب دنانير وخلط فيها الفضة والنحاس، وكان يباع الدينار بخمسة دراهم، وهرب الناس من عنده.
ثم إن الأمير هام الدين سنجر الجاولي جدّ في حِصاره لأنه وقف يوماً من القلعة وسبّه ولعنه وشيخه، فقال له: الساعة أفرّجك كيف يكون الحصار، ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه، ورمى القلعة فوصل الحُجر إليها وأنكى فيها وخرّب السور، وطلع الناس إليها وأمسكوه في يوم الاثنين ثاني عشر صفر سنة خمس وأربعين وشبع مئة وجزّوا رأسه، وجهّزوه مع الأمير سيف الدين منجك إلى القاهرة.
وقلت أنا فيه:
أعوذ بالله مما راح يعكسه ال ... باري تعالى وما يُجري به الفلكا
كأحمد الناصر بن الناصر انعكست ... سعوده عنه حتى راح ما ملكا
فما تمتع بالملك المعظم في ... مصر وزال وما أبقى له الكركا
أحمد بن محمد بن عثمان


القاضي صفيّ الدين بن قاضي القضاة شمس الدين الحريري الحَنَفي، وسيأتي ذِكر والده في المحمدين إن شاء الله تعالى.
كان هذا القاضي صفيّ الدين شكِلاً ضخماً مفرطاً يخطئ العاقل إذا جاء في الاستفهام عنه ب مَنْ، له نوادر مُضحكة ما قَرِحَ بمثلها جُحا، ومتى سُمعتْ كان الثاني على الأول مرجَّحاً، أعجوبة من الأعاجيب، وأحدوثة لم يُسمع بمثلها إلا وظنّ أنها من الأكاذيب، يتداول الناس أخبارها، ويتشوَّفون إلى أن يَسمعوا علماءَها بذلك وأحْبارها، إلا أنه كان يَنطوي على ديانة، ويجعل الخوف من ربّه عِيانه.
ولم يزل على حاله إلى أن حلّت به الدُّرخمين، وصدق في عدمه الحَدْس والتخمين.
وتوفي رحمه الله تعالى في نهار السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
كان مدرّساً بالمدرسة الصادرية بباب البريد بدمشق، وبيده، على غالب ظنّي، إمامة الظاهرية داخل دمشق الحنفية.
طلبة السلطان إلى مصر وولاّه التدريس فقال والده: هذا ابني ما يصلح، فقال السلطان: لهذا الملاك أنا أولّيه، وألبسه تشريفاً، وأعاده إلى دمشق.
وله غرائب تُحكى عنه؛ منها: انه تأذّى من بغلةٍ كانت عنده يركبها، فقال للغلام: لا تعلّق عليها شيئاً هذه الثلاثة أيام، فجاء إليه وقال: هذه البغلة إذا لم تأكل عليقها تحمَرُ، فقال له: علّق عليها ولا تقل إنك قلت شيئاً.
ولامه بعض الناس في كبرها وأن يستبدل بها، فقال: لا والله هذه أشمّ فيها روائح الوالد، يعني أنها من خَيْله.
ومناه أنه كان في يوم طينٍ راكب البغلة وهو مارّ في الطريق، فرأى قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرى متوجّهاً إلى الجامع الأموي ماشياً، فرجع بين يديه بالبغلة يحجُبه وهو يقول له: يا مولانا ارجع حسبنا الله، فيقول: الله الله يا مولانا قاضي القضاة، ولم يزل حتى وقع حافر البغلة في طين وفَقَس عليه، فطلع من ذلك ما جعل ثياب قاضي القضاة شهرة، فقال له: ارجع يا مولانا فقد حصل المقصود.
ومنها أن والده أحضر له شيخاً يقرئه النحو، فلازمه مُدّة، فأراد والده امتحانه يوماً، فقال له: " قنديل " اسم أو فعل أو حرف؟ فقال: فعل، فقال: لمَ قلت إنه فعل؟ قال: لأنه يحسن دخول قد عليه. فقال له: كيف يكون ذلك؟ فقال: لأنك تقول قِد قنديل يعني بكسر القاف مِنْ قِد يُريد فعل أمر من الوقيد.


ومنها أنه أراد أن يُشغّله في الحساب، فأحضر إليه من يقرئه ذلك فقال له الشيخ: أحد في أحد أحد، فقال هو: لا نُسلّم، أحدٌ في أحد اثنين. فقال الشيخ: يا سيّدي أحد مرّة واحدة، فقال: نعم، ظهر، فقال الشيخ: اثنان في أحد اثنان، فقال: نُسلّم. اثنان في أحد ثلاثة، فقال الشيخ: لا نسلم، أحد في ثلاثة أربعة، فقال الشيخ: يا سيّدي المراد أحد ثلاث مرّات، فقال: نعم ظهر، ولم يزل الشيخ إلى أن قال: اثنان في اثنين أربعة، فقال: هذا مسلَّمٌ، فقال له الشيخ: اثنان في ثلاثة سنة، فقال: لا نُسلّم، اثنان في ثلاثة خمسة، فقال الشيخ: يا سيدي المراد اثنان ثلاث مرات، فقال: نعم ظهر، فقال الشيخ: اثنان في أربعة ثمانية، فقال: لا نسلّم، اثنان في أربعة ستة، فنفر الشيخ وقال: إنْ سلّمت وإلا، الله لا يُقدّر لم تسلّم، ومضى وتركه.
ومناه أنه دخل يوماً إلى المدرسة الصادرية، فرأى الشيخ نجم الدين القحفازي خارجاً من بيت الطهارة، فقال له: يا مولانا آنستم محلّكم، فقال الشيخ نجم الدين: قبحك الله.
ومنها أنه شكا لطبيب يوماً سمنه، وما يجده من البلغم، فقال له: يا مولانا تعانَ الرياضة كل يوم بُكرةً إما أن تعالج بشيء ثقيل، فقال: ما أقدر فقال: خذ قوس كُبّاد ومُدّه كل يوم بكرة عشرين ثلاثين مرّة، فقال: هذه نعم، ومضى إلى القوّاسين وطلب قوس كبّاد، فأحضر إليه ذلك، فذاقه بلسانه وردّه، وقال: هذا ما هو الغرض، قيل له: لأي شيء، قال: ما هو حامض مثل الكبّاد.
وحكاياته كثيرة، وهذا القَدْر منها كافٍ.
أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان


الواسطي الأصل الأُشْمُومي المولد والدار، الشيخ الإمام الفقيه جمال الدين أبو العباس المعروف بالوَجيزي لحفظه كتاب الوجيز واعتنائه به.
كان من الفقهاء القدماء والأئمة الذين هم للعلم في الليل والنهار من الندماء. تولّى قليوب والجيزية، ثم ضعُف عن الحركة لبرد الحرارة الغريزية، فلزم بيته حتى فَنيَ ذبولاً، ولقي من الله تعالى قُبولاً.

وتوفي رحمه الله تعالى في خامس شهر رجب الفرد سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكان يَذكُر أنه أسنّ من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بسنةٍ أو سنتين، ودفن بالقرافة.
أحمد بن عباس بن جَعْوان
الشيخ الإمام الزاهد الورع شهاب الدين بن كمال الدين الأنصاري الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً متقشّفاً منقطعاً عن الناس، سمع الكثير بإفادة أخيه شمس الدين وحدّث ب جزء ابن عرفة عن ابن عبد الدائم، وكان يكتب في الفتوى، ويُعتمد عليه في نقل المذهب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة بالمدرسة الناصرية، ودفن برّا الباب الصغير.
أحمد بن محمد بن قطّينة
الشيخ الجليل العَدْل شهاب الدين الزَّرعي التاجر.
كان تاجراً مشهوراً بدمشق، ذا أموال ومتاجر وسعادة وبضائع في كل صنف. ذكر أنه في سنة قازان بلغت زكاة ماله خمسة وعشرين ألفاً، والله أعلم يما تجدّد له بعد ذلك.
توفي رحمه الله تعالى في بستانه المعروف بالمدفع في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وكان في شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبع مئة قد أُمسك هو وعبد الكريم الحريري لمرافعة وقعت في حقهما وأنهما يكاتبان قراسنقر، وأن لهما تجارة في السلاح إلى البلاد الشرقية، ثم ظهر كذبُ المرافع، فقطع لسانه وعُزّرَ، ثم ضرب ضرباً كثيراً ومات وأُفرج عنهما. وفي سابع عشري ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة خُلع على الصاحب عزّ الدين بن القلانسي باستمراره على نظر الخاص، وعلى الصاحب شمس الدين غبريال بتولية الأوقاف المنصورية، وعلى شهاب الدين بن قطّينة بوكالة الخواص السلطانية.
أحمد بن محمد بن محمد بن علي



ابن محمد بن سليم الصدر الرئيس الفاضل شهاب الدين بن قُطب الدين بن الصاحب تاج الدين بن فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنّا الشافعي العَدْل.
كان فاضلاً رئيساً كبير الهِمّة نفيساً، مليح المحيّا من بيتٍ يتضوّع في السيادة ريّاً، حسن العبارة جميل الشارة لطيف الإشارة. لم يزل إلى أن حنّ الموتُ إلى ابن حنّا، وجعل جَسده في البلى شنّاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ودفن عند أهله بالقرافة، وكان في عُشر الأربعين.
أحمد بن محمد بن إسماعيل الإربلي




الشيخ شهاب الدين المعروف بالتعجيزي، لأنه كان يحفظ التعجيز، وحفظ شيئاً من الحديث وعلومه، ومعه خطوط الأشياخ بذلك.
كان نوعاً غريباً وشخصاً عجيباً، وعقله أعجبُ من كل عجب، وشعره كما قيل في المثل: " ترى العجَبَ في رجَب " ، ألفاظ لا يقدر الفاضل الذكيّ على أن يأتي لها بنظير، ولا يتكلّف البارع النحرير على أن يجيء بمثلها إلاّ إن كان في باشة وزنجير، شعرٌ في غير الوزن، وألفاظٌ ما تحدّث بها أهل سَهلٍ ولا حَزن، فإذا أنصف العاقل وفكّر فيه جدّ الفكرة علم أن هذا في الوجود فذّ، وهو مما ندر وجوده في العالم وشذّ، وهذا لو لم يكن طباعاً منه بلا تكلّف وسجيّة يوردها على رسله من غير تخلّف، لقدر الفضلاء على محاكاته وتكلّفوا المشابهة له في بعض حركاته، هذا مع صورة جَلّ مَنْ خلقَها، ولحيةٍ ما ظلم مَنْ أخذ الموسى وحلقها، رأيتُه مرات عديدة، ولقيته في مظاهر جديدة، فما كنت أقضي العجب من كلامه، وأتطفّل على سلامه.
ولم يزل على حاله إلى أن مرض مرضاً طويلاً وبقي مدة يُرى عليلاً، وهو مع ذلك يتحامل وينعكس ويتخامل، فأصبح وما أمسى، وبطل من كلامه ما كان جَهْراً وهَمْساً.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عُشريْ شعبان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
أنشدني من لفظه الشيخ الإمام العالم العلاّمة صلاح الدين العلائي قال: أنشدنا التعجيزي لنفسه:
سُنّ يا شيعَ إني بينكم وسطٌ ... مذبذبٌ لا إلى هَوُلا ولا ثَمَةِ
وفي القيامة في الأعراف منقعدٌ ... وانتظرْ منكم مَنْ يدخل الجنةِ
فإنْ دخلتم فإني داخل معكم ... وإن صُفعتم فإني قاعد سَكِتِ
ومعنى هذه الأبيات أنه قال: يا أهل السنّة ويا شيعة أنا في أمري بينكم متوسط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وفي القيامة أكون على الأعراف قاعداً، فمن دخل الجنة دخلتُ معه، ومن صُفع منكم كنت في مكاني قاعداً ساكتاً. فأنت ترى هذه الألفاظ كيف أخذها وبتَر تراكيبها وغيّر أبنيتها وجعلها من المهملات التي لا معنى تحتها " ويخلق ما لا تعلمون " النحل:16 8.
وكان يحب شخصاً فعمل فيه أبياتاً وأوقف عليا الشيخ نجم الدين القحفازي، وأول الأبيات:
أيها المعرضُ لا عَنْ سببا ... أصلحكَ الله وصالي الأربا
فكتب له الشيخ نجم الدين، ونقلت ذلك من خطّه:
يا شهاباً أهدى إليّ قريضاً ... خالياً من تعسُّف الألغاز
جاءني مؤذِناً برقّة طبعٍ ... حين رشحته بباب المجاز
إن تكن رُمتَ عنه منّي جزاءً ... فأقلْني فلست ممن يجازي
أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد


شهاب الدين ابن الشيخ الإمام أبي عمرو بن سيد الناس، أخو شيخنا الحافظ فتح الدين.
توفي رحمه الله تعالى بالمنكوتمريّة بالقاهرة في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن عند والده بالقرافة.
ومولده منتصف شعبان سنة ثمانين وست مئة.
أحمد بن محمد بن إبراهيم

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:06 AM ]


بن علي الرقي

الشافعي الفقيه محيي الدين ابن الشيخ شمس الدين.
كان شابّاً فاضلاً، حفظ عدة كتب، وكتب جيّداً ونظم الشعر، وجلس بين الشهود ولم يُكمِل ثلاثين سنة.
وتوفي رحمه الله تعالى بالعذراويّة في رابع عشر شهر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أحمد بن محمدالزقاق


بن أحمد بن محمود بن الزقاق

المقرئ القاضي بدر الدين بن الجوخي العارض بديوان الجيش، مسند الشام.
أحمد بن محمد بن يوسف


ابن محمد بن عبد الله الإمام شهاب الدين بن ناصر الدين ابن الإمام المحدّث مجد الدين بن المهتار الدمشقي.
سمع من شمس الدين بن أبي عمرو، وفخر الدين بن البخاري، وابن الزين، وابن الواسطي، ومن جماعة.
وكان يكتب كتابة حسنة، وجوّد عليه الخطّ جماعة، وكان يشهد تحت الساعات، ويؤمّ بالمجاهدية المجاورة لباب الفراديس، ويحضر دار الحديث مع الجماعة، وعنده وسكون ومداراة واحتمال.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع عشر المحرّم سخن خمس وثلاثين وسبع مئة، وبلغ من العمر سبعين سنة.
أحمد بن مسلم بن أحمد


ابن بعيثان البصروي، الشيخ الإمام الفقيه العدل شهاب الدين أبو العباس الحنفي.
كان موصوفاً بالعدالة والفضل الذي ما انثنى عن ربوعه ولا بداله، حجّ مرات وفاز بالخيرات والمبرّات، وكل يواظب على الشهادة، وله إلى القضاة بالتردّد عادَهْ، ودرّس بالدماغية في وقت، وحصَل له بها المِقَة لا المقت، وكان كثير الاشتغال والمطالعة والمبادرة إلى الأجوية والمسارعة.
ولم يزل على حاله إلى أن حان حَينه، وآن أن يكون تحت الأرض أيْنُه.
وتوفي رحمه الله تعالى سادس عشري ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده بالكفر من أعمال بُصرى سنة أربع وأربعين وست مئة.
وحدّث عن القاضي شمس الدين بن عطا بأحاديث من المسند والغيلانيات. قرأ عليه شيخنا البِرزالي في طريق الحجاز لابنه محمد بالزرقاء، وبوادي القُرى.
أحمد بن محمود


الإمام الأديب، الكاتب البليغ، الناظم الناثر كمال الدين أبو العباس بن أبي الفتح الشيباني الدمشقي، المعروف بابن العطار.
أجاز له ابن رُوزبة، وسمع من ابن المقيّر، وأبي نصر بن الشيرازي، والسَّخاوي، وخُرِّجَت له مشيخة، وسمعها الشيخ شمس الدين الذهبي، وحدّث ب، صحيح البخاري بالكرك بالإجازة سنة سبع مئة.
وكان ديّناً وقوراً، عارفاً بفنّ الترسُّل خبيراً، هو والقاضي محيي الدين بن فضل الله يكتبان الأسرار ويحفظانها من استراق الشياطين الأشرار، يقرأان البريد، ويُدبّران الأمر في دمشق بالرأي السديد. ولم يزل كذلك إلى أن تفرّد القاضي محيي الدين بصحابة ديوان الإنشاء، وهو كبير الديوان يجلس فيه كأنّه كِسرى في الإيوان، وخطّه يُزري بالحدائق، والمطالعة تروح إلى باب السلطان بخطه كالريحان فوق الشقائق، وكان قد أتقن كتابة المطالعة، وعرف البداءة في ذاك والمراجعة، وكتب النسخ من أحسن ما يُرى، وأبرز سطوره كأنما قد رصّعه جوهراً.
له ردّ على المعاني المبتدعة لابن الأثير، وله رسالة سمّاها رصف الفريد في وصف البريد، نظماً ونثراً.
ولم يزل على حاله إلى أن ورد النقض على كماله، ورُدّ بدره إلى أسرار هلاله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وعشرين وست مئة.
وكانت وفاته في ذي القعدة ثالث عشري الشهر المذكور من السنة المذكورة.
ومن شعره:
ولما بدا مُرخى الذوائب وانثنى ... ضحوك الثنايا مسبل الصدغ في الخدّ
بدا البدر في الظلماء والغصن في النَّقا ... وزهر الربا في الروض والآس في الوردِ
أنشده يوماً القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر:
لا تنكرنّ على الأقلام إنْ قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أبصرتَها وخُطَا
فعارض الطَّرْس في خد الطروس بدا ... من أبيض الرمل شيبٌ منه قدْ وخطا
فقال كمال الدين بن العطّار:
أقلام فضلك ما شابتْ ولا قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أنصفتها وخُطا
بل عارض الطَّرْس لما شاب عنبره ... بعشبه قيل شيبٌ فيه قدّ وخَطا
وكتب هو إلى القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
سقى وحيّا الله طيفاً أتى ... فقمت إجلالاً وقبّلتُه
لشدّة الشوق الذي بيننا ... قد زارني حقاً وقدْ زرتُهُ
فكتب الجواب عن ذلك:
في النوم واليقظة لي راتبٌ ... عليك في الحالين قرّرْتُه
تفضّل المولى إذا زاره ... طيفي خيالي منه أنْ زُرتُه
أحمد بن محمود بن عبد السيد


القاضي نظام الدين بن الإمام العلاّمة الشيخ جمال الدين الحَصيري الحنفي.
كان يدرّس بالنورية إلى حين وفاته.
قال شيخنا علم الدين البِرزالي: لا أعرف له رواية. وتاب مدة في الحكم بدمشق، وكان يكتب في الفتاوى، وله ذهنٌ جيّد وعبارةٌ طَلْقة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
أحمد بن محمد بن مري


الشيخ الإمام الفاضل شهاب الدين البعلبكي.
كان في مبدأ حاله منحرفاً عن الشيخ تقي الدين بن تيمية، وممن يحطّ عليه، فلم يزل من أصحابه إلى أن اجتمع به فمال إليه، وأحبّه ولازمه وترك كل ما هو فيه، وتلمذ له ولازمه مدة، وتوجّه إلى الديار المصرية، واجتمع بالأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، فأذن له في الجلوس والكلام على الناس بجامع الأمير شرف الدين حسين بن جندر بحكر جوهر النوبي، لأن الأمير بدر الدين كان الناظر في أمر الجامع المذكور، فجلس وتكلم مدة، إلى أن تكلم في مسألة الاستغاثة والوسيلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه قاضي القضاة المالكي من الجلوس في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ثم إنه أُحضر بيد يديّ السلطان، وأُحضر بعد ذلك عند النائب في خامس شهر ربيع الآخر وحبسه القاضي المالكي، ثم غلَّظ عليه، وقيّده، ثم إنه ضربه نحو خمسين سَوطاً في تاسع عشري جمادى الأولى، وتسلّمه والي القاهرة وأقام عنده يومين، وسفّره هو وأهله إلى بلد الخليل عليه السلام، ثم إنه حضر وحده إلى دمشق في شهر رمضان من السنة المذكورة. وكان قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قد أثنى عليه هو والأمير بدر الدين جنكلي وغيره من الأمراء قدّام السلطان.
أحمد بن مسعود بن أحمد


ابن ممدود بن برشق، شهاب الدين أبو العباس الضرير السنهوري - بالسين المهملة والنون والهاء والواو والراء، على وزن منصور - المعروف بالمادح، لأنه كان يكثر من أمداح سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اجتمعت به غير مرة عند الصاحب أمين الدين في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالديار المصرية، وكان قد أضرّت عيناه، وجعلت قلبه الذكي ميناه، حفَظة لُفَظة، يتأثّر بكلامه كلّ من وعظَه، له قدرة زائدة على النظم، والنفَس الذي يذوب له اللحم، وينخر العظم من الالتزام الذي يأتي به، ويبدع في أسلوبه، فينظم قصيدة في كل بيت منها حروف المعجم، أو في كل بيت في كل كلمة منه ضاد أو حرف ظاء، أو غير ذلك من الحروف التي ما لها في دور الكلام اعتضاد.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن جلده التراب، وفارق من يعزّ عليه من الأتراب.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أنشدني من لفظه لنفسه:
إن أنكرتْ مقلتاكَ سفكَ دمي ... فوردُ خدّيك لي به تشهدْ
يُجرّحه ناظري ويشهد لي ... أليس ظلماً تجريحي الشاهدْ
أطاعك الخافقان تِهْ بهما ... قلبي المعنّى وقُرطك المائد
قلت: هو من قول ابن سناء الملك:
ملكتِ الخافقين فتُهتِ عُجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
وأنشدني له:
يا من له عندنا أيادٍ ... تعجز عن وصفها الأيادي
فيك رجاءٌ وفيك يأسٌ ... كالحرّ والبرد في الزِّناد
أحمد بن المسلم بن محمد


ابن المسلّم، الأجلّ عز الدين ابن الشيخ شمس الدين بن علاّن القيسي الدمشقي.
سمع من أبي نصر بن الشيرازي، وشيخ الشيوخ ابن حَمّوُيَه والسخاوي، وإبراهيم الخشوعي، ولم يُرَ له سماع من ابن اللتي، ولا من ابن الزبيدي. وحفظ كتاب التنبيه، وخدم في الجهات السلطانية، وولّي نظر بعلبك مرات.
ولم يزل على حاله إلى أن هبط ابن علاّن إلى حضيض قبره، ولحق بمن يعامله بلطفه وجَبره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وعشرين وست مئة.
أحمد بن مظفر بن مزهر


القاضي فخر الدين النابلسي، الكاتب المشهور أخو الصاحب شرف الدين بن مُزهر.
رُتب أول الدولة المظفر قُطر مقابل الاستيفاء بدمشق، ولما ولي الأمير علاء الدين طَيبُرس النيابة في أول الدولة الظاهرية عزله وجعله ناظر بَعْلبك.
قال ابن الصُّقاعي: فحصل له من جهة الأمير ناصر الدين بن التبنيني النائب بها صداع وإخراق لأمر تعرّض إليه بسبب الحريم، وأرسله مُقرَّما إلى النائب بدمشق، وكان طَيبُرس يكره بني مزهر من أجل نجم الدين أخيه لملازمة علاء الدين البندقدار، وكان طيبرس راكباً فلما أقبل من الركوب ورآه أمر برمْيه في البركة وأن يدوسه المماليك بأرجلهم وأن يحمل عشرة آلاف درهم، ثم إنه عاد بعد ذلك إلى مقابلة الاستيفاء ورتّبه الأفرم صاحب الديوان بدمشق.

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن مزهر وقد ذوى، وأمسى فخره المُشمخر وقد هوى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة.
أحمد بن مظفر بن أبي محمد


ابن مظفّر بن بدر بن الحسن، الشيخ الإمام الحافظ الثبت المسند الحجة شهاب الدين أبو العباس النابلسي الأشعري.
كان ثبتاً، حافظاً متقناً تخاله بالدر لافظاً، متحرّياً لا متجرّياً، متحلياً بالقناعة عن الدنيا متخلياً، لا يزاحم الناس في دنياهم، ولا يسعى مسعاهم، قد قنع من العيش بالبَرْص، وتخيّل أنه قد ملك الأرض، وكان لا يحدث إلا من أصوله، ولا يتكل إلا على محصوره في محصوله، وكان جَلْداً في أشعريته، مبالغاً في الانتصار لعقيدته، قيل: إنه لم يحدّث حنبلياً، ويرى أنه لو فعل ذلك كان بالدم مليّاً، وبه تخرّج شيخنا الحافظ الذهبي، ومنه أصبح في علْم الرواية وهو غير غبي، على أن ابن مظفر ما سلم من جَرْح الذهبي ولا طعنه، وساقه في ركب مَنْ جَرّحه وظَعَنَه، وروماه بما الله به عليم، وتحمّل من إثمه ما يثقله " يوم لا ينفع مالٌ ولا بَنونَ إلاّ مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ " .
ولم يزل ابن مظفّر إلى أن علقت به أظفار شُعوب، وآذن شهابه بعد الطلوع بالغروب.
وتوفي في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع، وقيل: سنة خمس وسبعين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ولم يكن عنده في بيته أحد، ففُقد بعد ثلاثة أيام وأربعة، ففُتح عليه الباب ودخلوا إليه، فوجدوه ساجداً وهو ميّت.
أخبرني نور الدين أبو بكر أحمد بن علي بن المقصوص الحنفي، وكان به خَصيصاً، قال: كان دائماً يقول: أشتهي أن أموت وأنا ساجد، فرزقه الله ذلك، وصُلّي عليه بالجامع الأموي في العشر الأواخر من شهر ربيع الأول.
وهو سِبط الزين خالد الأشعري، وكان قد سمع من خلْق كأبي الفضْل بن عساكر، وزينت بنت مكّي، وعبد الخالق القاضي، وسمعتُ عليه أنا وولدي محمد أبو عبد الله جزء ابن عرفة والمائة حديث انتزاع ابن عساكر من ثُلاثيات أحمد بن حنبل بقراءة مولانا قاضي القضاة تاج الدين بن نصر عبد الوهاب السبكي الشافعي، وأجازنا رواية ما يجوز له روايته.
وكان منجمعاً عن الناس، مجموع ماله في الشهر ما يزيد على العشرين درهماً، رحمه الله تعالى.
أحمد بن مكي قبجق


الأمير شهاب الدين ابن الأمير سيف الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان من فرسان الخيل، ومن أبطال يزدحمون على المعارك ازدحام السيل، لم يُر على ظهر الفرس أخفّ من حركاته ولا أسرع من انتقالاته، كأنما رُكّب من زئبق، أو وُجد ليباري البرق، وهو على كل حال يفوته ويَسبق، وله أعمال عجيبة على ظهر الفرس إذا جرى وانتقالات إذا رآها المحبّ تذكّر بها قول القائل:
ماذا على برق المُصلّى لو سرى
وكان أعجوبة زمانه ونادرة أوانه إلى أن عمّ السكون حركاته، وجاء الأمر الذي لا نجاء من دركاته.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
كان شهاب الدين هذا على ما ذكر غير واحد أنه يُصفّ له ثلاثة أجمال أحمالها تبن، وأنه يقف من هذا الجانب ويثبُ في الهواء فيتعدّاها إلى ذلك الجانب الآخر، وأنه كان يسوف الفرس فإذا كان في وسط جَرْيه وثب قائماً على السرج ثم يسلّ سيفه ويضرب به في الهواء يميناً وشمالاً وخلفاً وأماماً، ثم يمسكه بين أصبعيه، ويأخذ القوس ويوتره على ما قيل، ويرمي به عدة سهام، وهذا لم أره بعيني، ولكنه حكاه لي غير واحد، وهذا أمرٌ خارق باهر، سيأتي ذكر أخيه ناصر الدين محمد بن مكي قبجق في المحمدين.
أحمد بن منصور بن أسطوْراس
بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، وضمّ الطاء المهملة، وسكون الواو، وراء بعدما ألف وسين مهملة، شهاب الدين المعروف بابن الجبّاس.
اجتمعت به في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل بالديار المصرية سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وكان به صمم، وأنشدني من لفظه لنفسه:
إنْ قلّ سمعي إنّ لي ... فهْماً توفّر منه قِسمُ
يدني إليّ مقاصدي ... ويروقك الرَّمح الأصمّ
ولربّ ذي سمع بع ... يد الفهم عييّ النطق فَدْمُ
زادوا على عيب التصا ... مُم أنهم صُمٌّ وبُكمُ
قلت: في البيت الثالث نظر.

وكان مقيماً بدمياط، وهو خفيف الحركة، جمُّ النشاط لأنه كان خطيب الورّادة، يجيء إليها كل جمعة، ويخطب بها على العادة، ثم يعود إلى دمياط.
ولم يزل على حاله إلى أن صار ابن الجبّاس في الجبّان، وانتقل إلى رحمة الملك الديّان.
وتوفي رحمه الله تعالى... .
وسألته عن مولده فقال: في سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وأجاز لي بخطه ما يجوز لي تسميعه، وأنشدني من لفظه لنفسه يصف المور:
كأنما الموز في عراجنه ... وقد بدا يانعاً على شجرهْ
فروع شعرٍ برأس غانيةٍ ... عُقصن من بعد ضمّ منتشره
وفي اعتدال الخريف أحسن ما ... تراه في وَردِه وفي صدره
كأنّ مَنْ ضمّه وعقّصه ... أرسل شُرّابةً على أثره
كأن أشجاره وقد نُشرتْ ... ظلال أوراقه على ثمره
حاملةٌ طفلها على يدها ... تظلّه بالخِمار من شَعره
كأنما ساقُه الصقيل وقد ... بدت عليه نقوش معتبره
ساقُ عروسٍ أُميط ميزرُها ... فبان وشيُ الخضاب في حبره
يصاغ من جدولٍ خِلاخلها ... فتنجلي والنشار من زهره
حدائقٌ خفقت سناجقُها ... كأنها الجيش أمّ في زُمره
زُهي فَراق العيون منظره ... فما تملُّ العيونُ من نظره
وكل آياته فباهرةٌ ... تَبين في وِرده وفي صدره
كأنما عمره الحقير حكى ... زمان وصل الحبيب في قصره
كأن عرجونه المشيب أتى ... يخبر أنْ خانه انقضى عمره
كأنه البدر في الكمال وقد ... أصيب بالخُسف في سنا قمره
كأنه بعد قطعه وقد اص ... فرّ لما نال من أذى حِجره
متيّمٌ قد أذابه كَمدٌ ... يبيت من وَجْده على خَطَره
معلّقٌ بالرجاء ظاهره ... يخبر عمّا أجنّ من خَبره
يطيب ريحاً ويُستلذّ جنىً ... على أذىً زاد فوق مُصطَبره
كأنه الحُرّ حالَ محنته ... يزيد صبراً على أذى ضرره
قلت: قد تكرر معه لفظ في وِرده وفي صدره في موضعين وهو عيب جائز، وفي بقية الأبيات لا يجوز من حيث العربية، ولكن لهذه الأبيات ديباجة لحلاوة هذه القافية.
وأنشدني من لفظه لنفسه في رمّانة:
كتمتْ هوىً قد لجَّ في أشجانها ... وحشَتْ حشاها من لظى نيرانها
فتشقّقتْ من حبّها عن حبها ... وجداً وقد أبدى خَفا كِتمانها
رُمّانةٌ ترمي لها أيدي النوى ... من بعدما رُمّا على أغصانها
فاعجبْ وقد بكت الدموع عَقائقاً ... لا مِنْ محاجرها ولا أجفانها
ومن نظمه أيضاً، والتزم الهاء الأولى.
أفنيتُ ماء الوجه من طول ما ... أسأل مَن لا ماء في وجهه
أُنهي إليه شرحَ حالي الذي ... يا ليتني متُّ ولم أُنهه
فلم يُنلني كرماً رَفْدُه ... ولم أكد أسلم من جبهه
الموت من دهرٍ جهابيذه ... ممتدّة الأيدي إلى بُلْهه
ومن نظمه أيضاً وقد اشتهر:
وقائلةٍ ما بالُ دمعك أسوداً ... وقد كان محمرّاً وأنتَ نحيلُ
فقلت دمي والدمع أفناهما البكا ... وهذا سوادُ المقلتين يَسيل
وأنشدني من لفظه قطعةً خمَّس بها قصيدة شيخنا العلاّمة أبي الثناء في مدح سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أولها:
هذا اللقاء وما شِفيتُ غليلاً ... كيف احتيالي إن عزَمتُ رحيلا
وكتب بخطّه على كتابي جنان الجناس:
أتطنّ قلباً منك يوماً قد خلا ... وهواك ما بين الضلوع تخلّلا
وكتابك البحر المحيط بفضل ما ... عَقَد الجمان معقداً ومفصّلا
بهر العقول جِناسه فجنانه ... تُدني جَناه يانعاً ومذلَّلا
روض تفتّق زهره وتكهّلا ... أفقٌ تألّق بدره فتكمّلا
يهدي المعاني من مغانيها التي ... غَنيت فأغنت كلّ فهْم أمحلا

إن قال غرٌّ مثله فيما مضى ... فلقد تأوّل باطلاً وتقوّلا
فليهني العلياء ما تجري به ... أقلامك الغرُّ الميامنة العُلا
وليهنئ القرطاس ما قلدته ... يا ابن الكرام من المآثر والحُلا
كتبتْ عليه من الأفاضل سادةٌ ... مدْحاً يروق مدبَّجاً ومسلسلا
ورأيتُ أني عن مداهم قاصرٌ ... فقعدتُ ثم أتيتهم متطفّلا
أين الثريّا والثرى أين السهى ... ممن سها أن التداني والقلا
دُم في سعودك يا خليل فلا خلا ... منك المكان ولا سلا عنكَ الملا
أحمد بن مهنا بن عيسى


الأمير شهاب الدين أمير آل فضل، يأتي ذكر أبيه وإخوته في مكانهم.
لم يكن في أولاد الأمير حسام الدين مهنّا أدين منه، ولا أكثر رجوعاً إلى الحق فيما استفاض عنه، وهو شقيق موسى وسليمان، وكان يرجع في المعاملة إلى أمان وإيمان، ويستدين على ذمته بلا حجة ولا رهن ولا أيمان، ويفي لمن عاهده، ويعجب في أحواله من شاهده، وكان يُباري الغمائم بكرمه، ويجير الخائف في حَرَمه، حُمل إليه يوماً من أنعامه وهو في مشهد عثمان بالجامع الأموي بدمشق مبلغ سبعين ألف درهم، ففرّقها جميعها بعصىً في يده، ولم يلمس منها درهماً في منتقاه ولا منتقده.
حكى لي نائبه على سَلَمية قال: لما جئنا في أيام الصالح إسماعيل إلى دمشق جاءه رجل ونصحه، وقال له: إن كتاب السلطان جاء إلى طُقُرتُمر وفيه أنه يمسك كل من حضر من أولاد مهنّا، ومتى دخلت أمسكك، قال: فقلت له: يا أحمد لا تعبر دمشق، وعُد من ههنا إلى بيوتك، فقال: ما أروح، والسلطان حبسه ثلاث ليال، والباقي بعد ذلك حبسُ الله، ولا أعصي الله، ولا أعصي السلطان، وإنْ أخذ خبزي أكلتُ من أملاكي، وإن أخذ أملاكي بعت أباعري وخيلي وأكلت منها إلى أن أموت.
قال لي أيضاً: وهو لا يتداوى من مرض يكون به، ولا يأكل من أحد شيئاً فيتّهمه، ولو قيل له: هذا طعام مسموم تناوله منه، وقال: " بسم الله " وأكله، ولمّا ورد في آخر أيام الصالح سنة خمس وأربعين وسبع مئة في أحد شهري جُمادى أمسكه الأمير سيف الدين طُقزتمر واعتقله بقلعة دمشق، فبقي فيها مدّة، ثم إنه نُقل إلى قلعة صَفد وأقام بها مُعتقلاً إلى أن توفي الملك الصالح إسماعيل، وتولّى أخوه الكامل، وطلب أحمد بن مهنّا إلى مصر، وأعطاه الكامل إمرة آل فضل، ولم يزل فيها إلى أن تولّى الإمرة سيف بن فضل ابن عمّه في أيام المظفّر حاجي، ولما كان في آخر أيام المظفّر أعيدت الإمرة إلى أحمد بن مهنّا، فتولاّها بعدما طُلب إلى مصر، ولم تزل الإمرة بيده إلى أن نزل به القضاء، وضاق به الفضاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان ذكر لي أن مولده سنة أربع وثمانين وست مئة.
ووفاته بمنزلة كواتل، ونقل منها إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند رحبة مالك بن طوق، ودفن هناك.
أحمد بن موسى بن عيسى


بن أبي الفتح

أبو العباس البَطَرْني المالكي الأنصاري، شيخ القراءات والحديث بتونس.
أخذ القراءات عن أبي محمد عبد الله بن عبد الأعلى الشُّبارتي صاحب بن عون الله، وعن أبي بكر بن مَشلْيون وطائفة. وروى عن صالح بن محمد بن وليد، ومحمد بن أحمد بن ماجه، وعلي بن محمد الكِناني.
وكان صالحاً مباركاً فاضلاً مشاركاً، له صيت وسُمعة ولخشوعه تنفس ودمعه.
ولم يزل على حاله إلى أن أتاه اليقين ودرج إلى المتّقين.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة، وتبرك الخلق بجنازته، وتوهموا أنهم في كنفه وحيازته.
أحمد بن موسى بن محمد بن أحمد


عز الدين بن قُرصة الفيّومي المولد القوصيّ الدار.
تولّى نظر قوص والإسكندرية، وكان من تلاميذ الشيخ ابن عبد السلام، وكان قليل الكلام، بريئاً من الملام، لا يتكلم إلا بإعراب، ولا يأنس إلا بمن هو عامر الباطن غير خراب.
أمسكه الأمير علم الدين الشُّجاعي واستحضره، فقال له: المال، قال: مبتَدأ بلا خبر، فقال له: تعال إلى هنا، قال: أخاف أن تضربني بهذه العصا التي في يدك، فتبسّم منه.
وله كتاب سمّاه نتف المحاضرة، وله مسائل فقهية ونحوية ولغوية وأدبية، ودرّس بالمدرسة الأفْرميّة ظاهر قوص.

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح تحت جندل وصفائح، وأقام فيه إلى أن تبعثر الضرائح.
وتوفي رحمه الله إحدى وسبع مئة.
ومن شعره:
إذا تزوج شيخ الدار غانيةً ... مليحة القدّ تزْهى ساعة النظر
فقد ترافع في أحواله وأتتْ ... قاف القيادة تستقصي عن الخبر
ومنه:
لا تحقرنّ من الأعداء من قصُرتْ ... يداه عنك وإن كان ابن يومينِ
فإن في قَرصة معتبراً ... فيها أذى الجسم والتسهيد للعين
ومنه:
الشيب عيبٌ ولكن عينه قُلعت ... بالشين من شدّة فيه وتعذيب
والشيب شينٌ ولكنْ نونُه حذفت ... بباءٍ بُعدٍ عن اللذّات والطيب
ومنه:
يا من يعذّب قلبه في صورة ... سوداء مظلمةٍ مفحم النار
أتعبتَ نفسك في سوادٍ مظلمٍ ... إن السواد يُضرّ بالأبصار
وإذا عدلتَ عن البياض وحُسنه ... ماذا تؤمِّل في سواد القار
ومنه:
نحن نسعى والسعيُ غيرُ مفيدٍ ... إنْ أراد الإلهُ منعَ المغانم
وإذا ما الإله قدّر شيئاً ... جاء سعياً إلى الفتى وهو نائم
قلت: شعر جيّد.
أحمد بن نصر الله بن باتكين


محيي الدين القاهري.
سمع حرز الأماني على سديد الدين عيسى بن أبي الرحم إمام جامع الحاكم.
كان شاعراً قادراً، ناظماً في فن الأدب ماهراً، كتب إلى أدباء عصره، وراجعه شعراء دهره، وكانت تدور بينهم كؤوس الأدب، لا كؤوس الجَنَب.
وأنشدني من لفظه العلاّمة أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
أقسمتُ بالله وآياته ... يمينَ برٍّ صادق لا يمينْ
لو زِدْتَ قلبي فوق ذا من أذىً ... ما كنت عندي غير عيني اليمين
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
يا حفنَ مقلته سكرتَ فعربد ... كيف اشتهيتَ على فؤادي الكمد
ورميتَ عن قوس الفتور فأصبحت ... غَرَضاً لأسهمكَ القلوب فسدّدِ
لم تغضضِ الجفْن الكحيل تغاضياً ... إلاّ لتقتلنا بسهم مغمَدِ
من لم يَبتْ بعذاب حُبّك قلبه ... متنعّماً لا فاز منك بموعدِ
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنه ... متنعّمٌ في جَمره المتوقّد
قلت: هذا يشبه قول عفيف الدين التلمساني:
قلبي المنعّم في هواك بناره ... إنْ كان غيري في الهوى متألّم
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنه ... في جمره متوقّداً متنعِّم
وكتب أبو الحسين الجزار إليه مُلغزاً:
وما شيءٌ له نقشٌ ونفسٌ ... ويؤكل عَظْمه ويحكّ جلده
يؤدّبه الفتى إدراك سُؤْلٍ ... وقد يلقى به ما لا يؤدّه
ويأخذ منه أكثره بحقٍّ ... ولكن عند آخره يردّه
فكتب الجواب إليه محيي الدين المذكور:
أمولاي الأديب دعاء عبد ... ودود لا يحول الدهرَ ودّه
يرى محض الثناء عليك فَرضاً ... ولا يثني عِنان الشكر بُعده
لقد أهديتَ لي لغزاً بديعاً ... يضلّ عن اللبيب لديه رُشده
وقد أحكمتَه دُرّاً نَضيداً ... يُشنِّف مسمعي بالدُّرّ عقده
فشطرُ اللغز أخماسٌ ثلاث ... للغزكَ إنْ تُردْ يوماً أحدُّه
وباقيه مع التصحيف كسْبٌ ... إذا ما زدته حرفاً تعُدّه
هما ضدان يقتتلان وهْناً ... ويضطجعان في فرْش تمدُّه
هما جيشان من زنجٍ ورومٍ ... يُقابل كل قرنٍ منه ضدُّه
تقوم الحرب فيه كل حينٍ ... ولا تَدْمى من الوقعات جُندُه
ويشتدّ القتال به طويلاً ... ويحكم بالأصاغر فيه عقدُه
ويقتل ملكه في كل حينٍ ... ويبعثه النشاط فيستردُّه
وما يُنجي الهمامَ به حُسام ... وقد ينجي من الإتلاف بنده
ونصر الله في الهَيجا سجالٌ ... فمن شاء الإله به يمدُّه
وهذا كلُّه حَسْبَ اجتهادي ... وغاية فكرة الإنسان جُهْدُه

ونقلت من خطِّ الحافظ اليغموري قال: أنشدني محيي الدين أبو العبّاس الكاتب المصري لنفسه:
يا ناظراً في البيوت أعمى ... عن كل خيرٍ وكل برِّ
أسود كالفحم فهو مأوى ... كل شرار وكل شرِّ
ونفخ هذا الوزير فيه ... أحرقَ كل الورى بجمرِ
ولم يزل محيي الدين المذكور على حاله إلى أن فرّق الموت بينه وبين ذويه، وتصرّف الوارث فيما كان يحتويه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة.
وكان المذكور قد تناثرت أطرافه وحاق به تبذيره وإسرافه، فأصبح لأعدائه رحمة، وأنار الحزنُ عليه كل قلب قد قسا وصار كالفحمة. وهذا محيي الدين هو الذي نظم ذينك البيتين في ابن بنت الأعز، يكتب في الكتب اسمه وحده، وقد ذكرتهما في ترجمة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت العز.
أحمد بن نعمة بن حسن البقاعي


الديرمقري الدمشقي

الصالحي الحجّار الخياط الرحالة المعمَّر، شهاب الدين أبو العباس المعروف بابن الشِّحْنة.
خدم حجّاراً بقلعة دمشق سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وكان لما حاصرها جند هولاكو، ولم يظهر أمره للمحدّثين إلى أثناء سنة ست وسبع مئة، فسألوه، فقال: كنا سمعنا، فوجدنا سماعه في أجزاء على أبي المنجا ابن اللتي.
وسمع منه جماعة جزء ابن مَخلد، ومسند عمر النجّاد، ثم ظهر اسمه في كراس أسماء السامعين بالجَبَل صحيح البخاري على ابن الزبيدي سنة ثلاثين، فحدّث بالجامع بضعاً وسبعين مرة بالبلد، وبالصالحية وبالقاهرة وبحماة وبعلبك وكفر بطنا وحمص.
وطلبه الأمير سيف الدين أرغعون الناصري نائب مصر، وسمع منه. وسمع منه القاضي كريم الدين الكبير، والأمير سيف الدين رحمه الله تعالى، والقضاة والأئمة.
وروى بإجازة ابن رُوزبة وابن بهروز وابن القطيعي والأنجب الحمامي وياسمين بنت البيطار، وجعفر الهَمْداني، وخلق كثير.
وكان صحيح التركيب، دمويّ اللون أزهر، له همّة، وفيه عقل، يطيل الإصغاء بلا ضجر، ويصبر كأنّ قلبه مما لازمه حَجَر.
ألحق الأحفاد بالأجداد، وساوى بالسماع عليه بين الآباء والأولاد، رحل إليه الناس من الأطراف، وأخذهم بالسماع عليه الأشراف في الإسراف، وحصّل الذهب والدراهم والخلع، ورُتّب له معلوم فانجبر به وانتفع.
وكان فيه دينٌ وملازمة للصلوات الخمس، ومحافظةٌ في اليوم على ما كان فيه أمس، لا يمل من الإسماع وطوله ولا ينعس، وهو مشغول بإقباله على القارئ وقبوله، ويحفظ ما يصلّي به من القرآن، وربما أخّر الصلاة في السفر على رأي العوام لاستيلاء الشيطان، وصام وهو ابن مئة عام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال عملاً بسنة الإيمان.
قال الشيخ شمس الدين: حُدّثتُ أنه في هذا السنّ اغتسل بالماء البارد.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه قاطع الأعمار، والموت الذي ساوى بين أولي التجارب والأغمار، ونزل الناس بموته درجة في الرواية، وحصل للطلبة عليه من الأسف النهاية.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين خامس عشري صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة نيف وعشرين وست مئة.
ولعله حصل له بركة رواية الحديث ما يقارب المئة ألف درهم. وسمع هو وأخوته الثلاثة في سنة ثلاثين وست مئة. وأجاز لي بخط شيخنا علم الدين البرزالي سنة ثلاثين وسع مئة، ولم أسمع منه فخُرِمتُه، وعنَّفتُ حظي لذلك ولمتُه.
وقلت عند موته:
عِلْم الراوية حِصنٌ للحديث وبال ... إسناد قدْ سدّ أشياخُ الورى فُرَجَهْ
وكان شاد لنا الحجّارُ منزلةً ... وحين مات تزلنا بعده دَرَجَهْ
ا بن هبد الله بن أحمد بن عساكر


بن نح بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر

الشيخ الجليل المسند شرف الدين أبو الفضل. كان شيخاً مسنداً.
سمع من زَين الأمناء ابن عساكر، والحسين ابن صصْرى، وأبي المجد القُزويني، وعز الدين بن الأثير، ومكْرم بن الصقر، وابن صبّاح، وابن الزبيدي، وابن اللتي، وفخر الدين بن الشيرجي، وأبي نصر بن الشيرازي. وأجاز له أبو رَوح اللتي، وفخر الدين بن الشيرجي، وأبي نصر بن الشيرازي. وأجاز له أبو رَوْح عبد المعزّ الهروي والمؤيّد الطوسي، وزينب الشَّغْرية، وقاسم بن الصفّار، وعبد الرحيم بن السمعاني، وجماعة.

قال شيخنا علم الدين: قرأت عليه صحيح مسلم، والزهد للبيهقي، ومسند أبي يعلى الموصلي، وموطأ أبي مصعب، ومسند السراج أربعة عشر جزءاً، ومشيخة ابن السمعاني سبعة عشر جزءاً أو أكثر من مئة وعشرين جزءاً، وسمعت عليه أكثر تفسير البغوي من قوله تعالى في سورة النساء: " لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول " إلى آخر التفسير.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وست مئة. قال: وجنازته أول جنازة خرجت على العادة من دمشق.
قلت: يعني أنه بعد رحيل التتار عن دمشق في أيام قبجق.
أحمد بن ياسين الربّاحي
قاضي القضاة المالكي بحلب


شهاب الدين قاضٍ فاضَ جوده وما غاض، وغاظ النفوس بشره لمّا استراب وما استراض.
أقدم على تفسيق العدول. ولك يكن له عن ذلك خروج ولا عُدول، ثم تجرّأ بعد الإسقاط، إلى الضرب بالسياط، وحكم بفسق رفاقه الحكام، وعدل عن العَدْل إلى التعدّي في الأحكام، وكفَّر جماعة، ووفّر على الشرّ ومدّ باعه، فضاقت به أرجاء حلب، ولم يلق الناس به زبدةً لما مخضَ مَحْضَ ما حلب، فعُزل عن القضاء، وانتصف الناس منه بالقدَر والقضاء، ثم إنه توجّه إلى مصر، وسعى فأعيد قاضياً مرة ثانية، وعاد إلى ما كان من الإكباب على جمع حطام هذه الدنيا الفائتة الفانية، ولم يرجع عن عادةٍ ألفها، ومادّة استمد منها وعَرَفها، ففسّق وكفّر، وفرّق شمْل العَدْل ونفّر، إلى أن استفتى نائب السلطنة بحلب عليه، ووجّه وجه اللوم والذم إليه، وجهّز الفتاوي بذلك إلى دمشق، وتوجّهت سنّة الطعن عليه والمشَقْ، فحكم بخطابه الواضح، وتبيّن أنه من أهل الفضائح، في القبائل والقبائح، هذا مع ضيق عطن وعَيْن، وملاءة من الشين وبراءة من الدين، ولثغة قبيحة إذا بدّل راء الورد بالغَيْن، وما كان أحقه بقول سلامة الزرّاد السنجاري:
ضاق بحفظ العلوم ذَرْعاً ... ضيقة كفَيْه بالأيادي
قاضٍ ولكن على المعالي ... والدين والعقل والسَّداد
يعدل في حكمه ولكن ... إلى الرُشا أو عن الرشاد
فعُزل مرة ثانية، وتوجّه إلى القاهرة، وأقام يسعى بالعين إلى أن أصبح بالساهرة، فأكلت الأرض منه خبثاً، ورأى بالموت أن جدّه كان عبثاً.
وتوفي رحمه الله تعالى وعفى عنه في شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة، توفي هو وولداه في يوم واحد في طاعون مصر.
كان في أول أمره تاجراً بسوق الرمّاحين في دمشق، ثم إنه سعى في قضاء حلب، وأظنه أول مَنْ وليها من القضاة المالكية، فأساء السيرة، وظهر أنه خبيث السريرة، ففسّق العدول وأسقطهم، وضرب بعضهم بالسياط وحكم بفسق رفاقه الحكام، وحضرتْ كُتبهم إلى شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وحضَر كتاب النائب بحلب إلى الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام، فقال قاضي القضاة للنائب: الرأي أن تجهّز واحداً له دُرْبة يتوجه إلى حلب ويُصلح بينهم، وعيّنني قاضي القضاة لذلك، ثم لم يتم ذلك، وبطّله مَنْ بطّله، فكتب النائب إلى حلب بمطالعة السلطان، فكتب، فورد المرسوم بعزله، وتولى القاضي زين الدين أبو حفص بها إلى أن مات. ثم إنّ الرباحي سعى في العَود إلى حلب فأعيد، ولم يرجع عن غيّه، وأقام في قضية الدنَيْسري وكفّره، وهمّ بقتله، وحضرت الفتاوي عليه إلى الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الخوارزمي نائب دمشق من الأمير شهاب الدين القشتمري نائب حلب، فأحضر القضاة إلى دار العدل بدمشق، ووقفوا على ما كتب في حقّه فوجوده مُبْطلاً، وكتبوا إليه بالإنكار عليه، وتوجه غرماؤه إلى مصر، فسعى، ولم ينجح مسعاه إلى أن طُعن هو وولداه وماتوا في يوم واحد، عفى الله عنه وسامحه.
ولقد كنا يوماً في دار العدل بحلب في أوائل قودم الأمير بكتمر المومني، فقال النائب يوماً كلاماً فيه بعضُ إنكار على القضاة، فخرج هو دون رفاقه، وقال لنفرة وزعارَة: أيش بالقضاة يا أمير؟ فنفر فيه النائب، وقال له: ما تتكلم بأدب!؟ ووضع يده على السيف، وتوعّد، فشغلتُه أنا بقراءة القصص عليه، فاشتغل بذلك لحظة، وقال لنقيب النقباء: ناد في الناس، مَن له على هذا القاضي شكوى، بحضر. فحضر في الوقت الحاضر ثلاثة عشر نفراً، وشكوا عليه، فقال له: يا قاضي، مّن يكون هذه سيرته ما يكون هذا نَفَسه. ثم عقد له ولهم مجلساً، ووزّنه لهم مبلغ أربعة عشر ألف درهم.

ولما زاد شرّه في المرة الأولى بحلب، صنع فيه القاضي زين الدين عمر بن الوردي رسالة، سمّاها الحُرقة للخْرِقة، ووصّى ابنه، قال: إن رجع القاضي عن فعله، اكتمها، واستمر، فأظهرها. فلم يرجع عن غيّه، فأظهرها. وهي نظم ونثر، أبدع فيها، وأتى فيها بكل معنى بديع. منها قوله رحمه الله تعالى:
حاكمٌ يصدُر منه ... خلْفَ كل الناس حَفْرُ
يتمنّى كُفْرَ شخص ... والرضا بالكفر كُفْرُ
وقوله:
امتلأت من ذهب أكياسه ... وقلبه ممتلئٌ من دَغَلْ
ما هو إلا حيّةٌ بَزْقُها ... بالسمّ، هذا المغربي الزَّغَلْ
وقوله:
قاض عن الناش غير راضٍ ... مباهتٌ غالظٌ مخالط
يكذب عن مالك كثيراً ... ويُسقط الناس وهو ساقط
وقوله:
تلِفَت مكاتيب الأنام بفعله ... وأبان عن عكس وكَثرة مَخْرَقهْ
ورمى الأكابر والأصاغر كاذباً ... بالكفر أو بالفسق أو الزندقه
وقوله:
لا واخذ الرحمنُ مصراً ولا ... أزال عنها حُسنَ ديباجه
ولّوا علينا قاضياً ثالثاً ... ما كان للناس به حاجه
وقوله:
كثير الجنون مسيء الظنون ... عدوّ الفنون لظىً محرقُ
فيصبغُ أصبغ من بهته ... وأشهبُ في عينه أبلق
وقوله:
إن الرياحيْ على جَهْله ... وجَوْره في حلب يحكُم
إنْ لم يكن في حلب مُسْلم ... فمصر ما كان بها مسلم
وقوله:
يحبّ مِنْ كل علم ... السين والقاف والطا
حاشى الرسالة منه ... ما خُلقُه بالمَوطّا
وقوله:
بالله يا أولياء مصر ... خذوه من عندنا بستر
متى رأيتم وهل سمعتم ... بأنّ قاضي القضاة جَمْري
وقوله:
يحبس في الردّة مَن ... شاء بغير شاهد
لا كان من قاض حكى ... الفقاع حَدّ بارد
وقوله:
في حلب قاضٍ على مالك ... قد اجترا ما فيه توفيق
ومن تلكّا معه قال نعم ... قد قيل لي إنك زنديق
وقوله:
قاضٍ من السوق أتى ... معتادُ بيع الأكسيهْ
ذا الموصّى يا مايعي ... كيف يعي للأقضيه
وقوله:
يا ساكني مصر ما عهدنا ... منكم سوى رحمة وأُلفه
فكيف ولّيتم علينا ... من لا تصح الصلاة خلفه
وقوله:
الألثغ الطاغي تولّى القضا ... عدمت هذا الألثغ الطاغي
إن سبّح الباري حكى سبّه ... فقال: سبحانك يا باغي
وقوله:
ولّيتم جاهلاً جريئاً ... ألثغ بالمسلمين ضار
مقلقلاً من بني رُبَاح ... نحن له من بني خُسار
وقوله:
كم أسقط شاهداً وعدْلاً ضابِطْ ... فالعالم كلهم عليه ساخط
من كثرة ما يُسقط خافت حلب ... أن يكتب ظاء حظها بالساقط
أحمد بن يحيى السُّهْرَوَرْدي
الكاتب المشهور ببغداد، حفظ القرآن، وتفقّه للشافعي، وقرأ العربية، ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية.
وسمع من رشيد الدين أبي عبد الله المعرّي، وأبي البركات بن الطبّال. وأجاز له جماعة.
وكان علماً مشهوراً في الكتابة وعِلم الموسيقا، فكتب على الشيخ زكي الدين عبد الله، وفاق شيخه في الكتابة. وأخذ علم الموسيقا عن الشيخ صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع جماعة من أرباب هذا الفن أنه ما أتى بعده مثله.
وكان الشيخ شمس الدين المذكور حسن الأخلاق، كريم النفس في حالتي الغنى والإملاق، كثير الحيا، غزير الحُبَا. شريف النفس كثير الاتضاع، ذا مروءة يخاف مدى الدهر ألاّ تُضاع، كثير البشاشة سديد المقال، شديد الحرص على الأشغال والاشتغال، صاحب رأي وعزم، ونأيٍ عن الدناءة وحَزْم، بليغاً فصيحاً، مليَّ المحيّا بالقبول مليحاً، لطيفاً في حركاته وسكناته، كثير الرحمة لا يزعج الطير في وَكُناته، إماماً في الكتابة، رأساً لهذه العصابة.

كتب المصاحف في القطع الكبير والصغير، وأتى بها كأنها قطع الروض النضير. رأيت منها أنا جملة وافية، ودلّتني على محاسنها العينُ الصافية، فشاهدت منها ما يودّ فم الثريا لو كان له لاثماً، وشهد عندي أن كاتبه يكون فوق الكواكب جاثماً، لا يُطلَق اسم الكاتب إلا عليه إجماعاً نصاً، ولا يرضى أن يكون ياقوت في خاتمه فَصّاً، فقد زعم كثير أنه كتب أحسن من ياقوت، وأنه لو كان في زمانه لعذُر عليه القوت. وقالوا إنه كتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفاً وخَمْس ربعات، كل ربعة وَقْر بعير. وكتب بخطه أيضاً إحياء العلوم للغزالي، كتب كتاب المصابيح ثلاث نسخ، وعوارف المعارف لجد أبيه ثلاث نسخ، ومشارق الأنوار للصغاني ثلاث نسخ، كتاب الشفا لابن سينا في مجلد، والمقامات ثلاث نسخ، ومفصل الزمخشري نسختين، ونهج البلاغة أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئاً كثيراً.
وكتب عليه جماعة، منهم القان أبو سعيد، والسلطان أتابك والوزير غياث الدين بن الرشيد، ونظام الدين بن يحيى بن الحكيم، وجماعة من أولاد الأئمة والقضاة والوزراء والفضلاء.


وقُصد من البلاد لحُسن خطّه، ولعلم الموسيقا. وطبقت مصنفاته الأرض في هذا العلم تطبيقاً. لأنه كان فيها لا يُبارى، ولا يُباده ولا يجارى. إذا وقّع أغرب، وإذا تنحنح، قيل إنه من الأوتار أطرب. قد ألطف لجسّه إبْريسَمُه، وطُبع على هذه الصناعة مِيسَمُه، إلا أنه أخيراً أنِف من نسبة هذا الفن إليه، ونفض منه يدَيْه.
وكان حظيّ الذِّكر عند الملوك، تكاد أنباؤه تنخرط مع الدرّ في السلوك. كاتبه سلطان الهند وصاحب اليمن وجماعة ليمضي إليهم فما وافق ولا رافق، ولا نافى في الظاهر ولا نافق.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الكسوف بشمسه، وجعل الموت قُربه أبعد من أمسه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وصُلّي عليه بجامع الخليفة، ودفن عند جدّه.
ومولده ببغداد سنة أربع وخمسين وست مئة. ومات وما في لحيته من الشيب إلا شعرات يسيرة.
ومن شعره:
بدا نجم السعادة في الصعود ... وبَشَّر بالميامن والسعود
وحقق فيك آمالَ البرايا ... بما أولاك من كرمٍ وجود
فلاح لنا الفلاحُ وحلّ فينا ... محلَّ الروح من جسم العميد
وأبقينا النفوسَ بظلّ أمن ... يعمّ الخلق في مُدُن وبيد
بعدلٍ شامل في كل أرضٍ ... لسلطان الزمان أبي سعيد
قد قنعنا بخمولٍ عن غنى ... وبعزّ اليأس عن ذلّ التمني
فكريم القوم لا أسأله ... فلماذا يُعرض الباخل عنّي
قلت: إلا أن هذا شعر نازل، وهو اقرب إلى التوسّط.
أحمد بن يحيى بن فضل الله


بن المجلّي بن دعجان
ينتهي إلى عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. القاضي شهاب الدين أبو العباس ابن القاضي محيي الدين القرشي العدويّ العمري الدمشقي.
الإمام الفاضل البليغ المفوّه حجة الكتّاب، غمام أهل الآداب، الناظم الناثر، أحد رجالات الزمان كتابة وترسُّلاً، وتوصلاً إلى غايات المعالي وتوسّلاً، وإقداماً على الأسود في غابها، وإرغاماً لأعاديه بمنع رغابها، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهّب، ويتحدّر سَيْله ذاكرةً وحفظاً ويتصبّب، ويتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألّق إنشاؤه بالبوارق المتسرعة نظاماً، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عبارته انسجاماً وصياغة، وينظر إلى عيب المعنى من سترٍ رقيق، ويغوص في لجّو البيان فيظفر بكبار الدُّرّ من البحر العميق، استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيّته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه بديهاً ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أنْ يدانيه تشبيهاً، وينظم من المقطوع والقصيدة جَوْهراً، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهراً، جبل كتابة وأخبار، وبحر إصابة في المعاني التي لا يشق له فيها غبار.
وأما نثره فقلْ من يُجازيه، أو يقارب خطو قلمه في تنسيق دراريه. وأما نظمه ففي الثريّا، وأبياته تطول في المحاسن ريّاً، وتضَوّع ريّاً.

قرأ العربية على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم على قاضي القضاة شمس الدين بن مُسلّم، والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وعلى الشيخ برهان الدين قليلاً، وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين بن تيمية، والعروض على شمس الدين الصايغ، وتأدّب على علاء الدين الوداعي. وقرأ جملة من المعاني والبيان على شيخنا العلامة شهاب الدين محمود، وقرأ عليه تصانيفه، وجملة من الدواوين وكُتب الدب، وقرأ بعض شيء من العروض على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. والأصول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني. وقرأ بمصر على الشيخ أثير، وسمع منه. وسمع بدمشق والقاهرة والحجاز والإسكندرية وبلاد الشام، ونظم كثيراً من القصائد والأراجيز والمقطعات ودو بيت وأنشأ كثيراً من التقاليد والمناشير والتواقيع والأصدقة.
كتب الإنشاء بدمشق أيام بني محمود، ثم ولي والده كتابة السرّ بدمشق، ثم طُلب إلى مصر هو ووالده في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وباشر والده كتابة السر بمصر، ثم خرج مع أبيه إلى دمشق، ثم عاد إليها معه في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وأقام إلى بعض سنة ست وثلاثين، وهو في المرة الأولى والثانية يدخل يقرأ البريد على السلطان، وفي الثانية جلس في دار العدل ووالده القاضي محيي الدين كاتب السر.
وجرى له ما جرى مع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولزم بيته. ثم حجّ وحضر، وغضب عليه السلطان واعتقله بقلعة الجبل، وأخذ منه مئة ألف درهم، ولما أُمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - ولاّه السلطان كتابة السرّ بدمشق، فحضر إليها يوم عاشوراء، فيما أظن، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وباشر ذلك إلى آخر أيام أَيْدَغْمشُ نائب الشام، وتوجّه إلى حماة ليتلّقى الأمير سيف الدين طُقْز تَمُر من حلب، فجاءه الخبر في حماة أنه قد عزل بأخيه القاضي بدر الدين محمد، فجاء إلى دمشق، وذلك سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وبقي في الترسيم بالفلكية قريباً من أربعة أشهر، وطلب إلى مصر فما وصل إلى مصر حتى شفع فيه أخوه علاء الدين كاتب السر بمصر وردّه من الطريق، فقال: لا بد من أن أرى وجه أخي، فدخل مصر، وأقام أياماً، وعاد إلى دمشق بطّالاً، ولم يزل بها مقيماً في بيته إلى أن حدث الطاعون بدمشق فقله منه، وتطاير به، وعزم على الحج، ثم أبطله، وتوجّه بأهله إلى القدس، فتوفيت هناك زوجته ابنه عمه، فدفنها هناك، وما به قلَبَة غير أنه مروع من الطاعون، فحصل له يوم وصوله حتى ربع، ودامت به إلى أن حصل له صَرْع، فمات منه، وسكن ذلك الهدير، ونضب ذلك الغدير، وكان يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ودفن بتربتهم بالصالحية وكانت جنازته حافلة.
ومولده بدمشق ثالث شوال سنة سبع مئة.
وصنّف فواضل السمر في فضائل آل عُمر أربع مجلدات، وكتاب مسالك الأبصار في أكثر من عشرين مجلداً، ما أعلم لأحد مثله، تراجمه مسجوعة جميعها، ولي فيه عمل كثير في اختيار شعره، والدعوة المستجابة، وصبابة المشتاق، مجلد في مدائح النبي صلى الله عليه وسلم، وسفرة السفر، ودمعه الباكي ويقظة الساهر، وقرأتهما عليه بمصر، ونفخة الروض، وغير ذلك.
كتب إليّ ملغزاً:
أيها الفاضل الذي حاز فضلاً ... ما عليه لمثله من مزيد
قد تدانى عبد الرحيم إليه ... وتنادى إليه عبد الحميد
أي شيء سمّي به ذات خدر ... تائه بالإمام أو بالعبيد
هو وصف لذات سرٍ مصون ... وهي لم تخف في جميع الوجود
مذ مضى حينها بها ليس يأتي ... وهو يأتي مع الربيع الجديد
وهو مما يبشر الناس طراً ... منه مأتى وكثرة في العديد
وحليم إرادة لا لذات ... بل بشيء سواه في المقصود
ذاك شيء مَنْ ارتجاه سفيةٌ ... وهو شيء مخصّص بالرشيد
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في " زبيدة " :
يا فريداً ألفاظه كالفريد ... ومجيداً قد فاق عبد المجيد
وإمام الأنام في كل علم ... وشريكاً في الفضل للتوحيد
علم العالمون فضلك بالعل ... م وقال الجهّال بالتقليد
من تمنى بأن يرى لك شبهاً ... رام نقضاً بالجهل حكم الوجود

طال قدري على المساكين لمّا ... جاءني منك عقد درّ نضيد
شابه الدر في النظام ولمّا ... شابه السحر شاب رأسُ الوليد
هو لغز في ذات خِدْر منيع ... نَزَلَتْ في العلى بقصر مشيد
هي أمّ الأمين ذاتُ المعالي ... من بني هاشم ذوي التأييد
أنت كنت الهادي لمعناه حقاً ... حين لوّحْتَ لي بذكر الرشيد
دمت تُهدي إليّ كل عجيب ... ما عليه في حسنه من فريد
وكتبت أنا إليه ملغزاً في " نجم " :
يا سيّداً أقلامُه لم تزل ... تُهدي لآلي النظم والنثر
قل لي ما اسمٌ قلبه لم يزل ... معذَّباً بالبيض والسُّمر
وكلّه في الأرض أو في السما ... وثلثه يَسبح في البحر
فكتب هو الجواب عن ذلك:
دمتَ خليلي سائر الذكر ... مثلَ الذي ألغزتَ في القَدْر
بعثتها نجميّة قد حلَتْ ... لكنها مِنْ سُكّر الشكر
تطلع بالنجم فأما الذي ... في مطمح الُّهر أو الزَّهر
عجبتُ منه كيف شقّ الدجا ... وما أتى إلا مع الفجر
من صنعة البَرِّ ولكنه ... قد جاءني في راحة البَحْر
أقسمت منه قسَماً بالغاً ... بالفجر والليل إذا يسر
لقد أغرتَ الغيد إذ لم تجدْ ... شبهه في الجيد والثغر
بعقد دُرّ ما له قيمةٌ ... يا حُسنه للكوكب الدرّي
مُسهّد تذكى له مقلةٌ ... مقلوبة كالنظر الشَّزْر
وهو إذا ما حقّقت تعريفه ... عَرَفْتَ منه منزل البدر
بواحد عَدُّوا له سبعةً ... تقيسُ ذيلَ الليل بالشَّبر
فاعر أخيَّ اليوم إن قصرت ... بديهتي واقبل لها عذري
فليس بالألغاز لي قدرة ... ولا غزا في جيشها فكري
وكتبت أنا إليه مع ضحايا أهديتها:
يا سيداً أرجو دوام ظلاله ... علينا وأن يمسي بخيرٍ كما يُضحي
وحقك ما هذي ضحايا بعثتها ... ولكنني سقت الأعادي للذبح
فكتب هو الجواب إليّ عن لك:
أتتني ضحاياك التي قد بعثتها ... لتصبح كالأعداء في بكرة الأضحى
وحقك أعدانا كلابٌ جميعهم ... وحاشاك لا تُجزي الكلاب لمن ضحّى
وكتبت إليه أتقاضاه إنجاز ما وعد به من قلع شجرة ليمون مختم وتجهزها، والتزمت الياء قبل النون:
يا سيداً فيه لي ولاء ... عند جميع الورى تَعَيّنْ
لله ليمونه أراها ... لي مونةً غُصْنُها تزيّنْ
كأعين الحاسدين بغياً ... لأجل ذا قلعها تعيّنْ
فكتب الجواب، والتزم نوناً قبل النون:
يا فاضلاً ما له عديل ... لأنه في الورى تفنّنْ
وكل شيء عاناه فينا ... على طريق الهدى تفنّنْ
أمرك حكم في كل عقلٍ ... ما عاق إلا من قد تجنّنْ
وكان قد أهدى إليّ - رحمه الله تعالى - عندما عمرت الدويرة التي لي بدمشق عشرة أحمال رخاماً، فكتبتُ إليه أشكره على ذلك، وطلبت ذلك فلم أجده وقد عرفته الآن عند تعليقي هذه الترجمة وهو:
لَعَمري لقد أهدى سماحُك والندى ... حُمول رُخام مثل روض تنمنما
فأمسيتُ منها في رخاء وفي غنى ... فيا من رأى قبلي رخاماً مرخّما
وكتب هو الجواب عن ذلك، ولكنني لم أجده تلآن.
وأنشدني لنفسه ونحن على العاصي بحماة:
لقد نَزَلْنا على العاصي بمنزلة ... زانت محاسنَ شطّيه حدائقُها
تبكي نواعيرها العَبرى بأدمعها ... لكونه بعد لقياها يفارقها
فأنشدته أنا أيضاً لنفسي:
وناعورة في جانب النهر قد غَدَتْ ... تعبّر عن شوق الشجي وتُعرب
ترقص عطف الغصن تيهاً لأنها ... تُغَنّي له طول الومان ويشرب
وأنشدني هو أيضاً لنفسه:
إنّا نقيم على حماة حجّة ... في حسنها ولها جمال يبهت
من النواعير الفصاح خصومنا ... ولها لسان ناطق لا يسكت
فأنشدته أنا أيضاً لنفسي:

ناعورة أنّت وحنّت فقد ... شوّقت الداني والقاصي
قد نبهتني للهدى والتقى ... لمّا غدت تبكي على العاصي
وأنشدته أنا لنفسي، وقد طال علينا المركز من شمسين إلى حمص:
محبوب فلبي مثل بدر السما ... أدنيه عمري وهو لي يقصي
بيني وبين الصبر في حبّه ... ما بين شمسين إلى حمص
فأنشدني هو أيضاً لنفسه:
لقد تماديت مدىً يا رستن ... كأنما قربك ما لا يمكنُ
لما جعلناك ضمير قصدنا ... غدوت ممّا لا تراك الأعين
وكتب إليّ من دمشق وأنا بالقاهرة سنة 741:
رحلتم فلا والله ما بَعْدَكم قلبي ... بقلبي ولا والله عقلي ولا لُبّي
هجرتم زماناً ثم شطّ مزاركم ... فأهاً على بُعدي وآهاً على قربي
وبدّلتم غيري ووالله ما رأت ... سوى حسنكم عيني ولا غيركم قلبي
لئن كان ذنبي أن قلبي بحبّكم ... فيا ربّ زدني منه ذنباً على ذنبي
ولا تحسبوا أني تغيّرتُ مثلكم ... فما قلبكم قلبي ولا خبّكم حبي
رحلتم وما كنتم سوى روح مغرم ... قضى بكم وجداً وما غاب في الترب
نأيتم فلا والله ما هبّت الصبا ... فنمتُ مع النّوام جنباً على جَنْبي
لئن عُدْتُم عاد السرور جميعُه ... وإلاّ فما لي بالرسائل والكتب
دَعوا عنكم التعليل باليوم أو غد ... فلست بمن يبقى إلى البعد والقرب
ولا تعجبوا إنّ متّ حين فراقكم ... إذا بان حبّي كيف لا ينقضي نحبي
أأحبابنا كيف استقلت ركابكم ... وما علقتها العين في شرك الهُدب
وطرتم سراعاً كالطيور مشقة ... فهلاّ وقعتم في القلوب على الحَبّ
ووالله ما حدّثت نفسي بمجلس ... سوى ما أفاض الدمع فيه من الجبّ
ولا كان شرق الدمع من طبع مقلتي ... إلى أن تغربتم ففاض من الغَرْب
ونغّصتم طِيبَ الحياة ببعدكم ... وهيهات أن ترجى حَيَاةُ فتىً صَبِّ
أأبغي سواكم في الهوى أو أريده ... وهجركم سقمي ووصلكم طبّي
دعوني وأطلال الديار أُنحْ بها ... وأندبها إن كان ينفعها ندبي
فكتبت أنا الجواب إليه:
دعوتم علة بعد فلبّاكم لبّي ... وناجاكم قلبي على البعد والقرب
وما لي وذكر الدار يا ساكني الحشا ... وداركم عيني وداركم قلبي
وأقسم أنّ الجفن فيكم جفا الكرى ... وأحرق قلب الصب من دَمعه الصَّبِّ
إذا قلتُ هُبّي يا نُسيمةَ دارِهم ... يقول الجوى يا نارَ أشواقه شبّي
أيا جيرة بالقلب لا الشام خيّموا ... محاسنكم تصبي القلوب فلم تسبي
لأنتم وإن أضرمتم النار في الشحا ... ألذّ إلى قلبي من البارد العذب
رفعتكم جَرّاً إلى نصب ناظري ... فيا حبّذا رفعٌ يجر إلى نَصْب
أحاشيكم أن يألفَ القلبُ غيركم ... فقلبي لا يرضى بهذا ولا ربّي
وحقكم ما راقني غيرُ حُسنكم ... وإحسانكم حسبي بما راقني حسبي
رحلت ولي قلب مقيم على الوفا ... لعهدكم حنى أوسّد في التُّرْب
أحاول عَودي نحوكم ويصدّني ... خيانة دهر راح حربي لا حزبي
أليس من الأنكاد أن لا مخبّر ... يبلغكم عني سلامي ولا كتبي
ولولا المنى أن يجمع الله شملنا ... قريباً لما فارقت نَوحي ولا نَدْبي
سأجهد في عَوْدي لمطلع حبكم ... ولو أن لي قي مصر مملكة الغرب
بُعثتم على بخل الزمان لأنكم ... كرام بنظم فاق منسجم السُّحب
غدا خارجاً في النظم عن قدرة الورى ... ولكنّه في حُسنه داخل الضرب

فقلت لدهري زِد عليّ قساوة ... فقد ظفرت كفاي باللؤلؤ الرطب
وكتب هو إليّ وقد تواترت الثلوج والأمطار سنة 744: كيف أصبح مولاي في هذا الشتاء الذي أقبل يُرعب مَقْدَمُه، ويُرهب تقدّمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسّمه، وكيف حاله مع رعوده الصارخة، ورياحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وشرر لياليه التي لا نبيت منها بليلة صالحة، وسحابه وأمواجه، وجليده والمشي فوق زجاجه، وتراكم مطره الأنيث، وتطاول ليل فرعه الأثيث، ومواقده الممقوته، وذوائب جمره، وأهون به لو أنّ كلّ حمراء ياقوته، وتحدّر نوئه المتصبب، وتحيّر نجمه المتصيّب، وكيف هو مع جيشه الذي ما أطلّ حتى مدّ مضارب غمامه، وظلّل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه، هذا على أنه حلّ عُرى الأبنية، وحلل ما تلف في ذمّة سالف الأشتية، فلقد جاء من البرد بما رضَّ العظام وأنخرها ودقّ فخّارات الأجسام وفخّرها، وجمّد في الفم الريق، وعقد اللسان إلا أنه لسان المنطيق، ويبَّس الأصابع حتى كادت أغصانها تُوقد حطباً، وقيّد الأرجل فلا تمشي إلاّ تتوقع عَطَباً، وأتى الزمهرير بجنودٍ ما للقويّ بها قَبَل، وحمّل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصم منه مَنْ " قال سآوي إلى جبلٍ " ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى، واجتحف ما أتى عليه وأوّل ما بدا الدمع بالكرى، فكيف أنت يا سيّدي في هذه الأحوال؟، وكيف أنت في مقاساة هذه الأحوال؟، وكيف رأيت منها ما شيّب بثلجه نواصي الجبال، وجاء بالبحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصيّ، وخيوط السحب من حبال؟. أمّا نجن فبين أمواجٍ من السحب تزدحم، وفي رأس جبلٍ لا يُعصم فيه من الماءُ إلاّ من رُحِم، وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح، وهمِّ ودقها الفادح، وقوس قزحها المتلوّن ردّ الله عليه صوائب سهامه، وبدّل منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه، وجعل حظّ مولانا من لوافحه ما يذكيه ذهنه من ضرامه، ومن سوافحه ما يولده فكره من توأمه، وعوّضنا وإياه بالصيف، والله يتقّل، وأراحنا من هذا الشتاء ومَشْي غَمامه المتبختر بكمّه المسبل، بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
فكتب أنا الجواب: يقبّل الأرض، وينهي وُرُود هذه الرقعة التي هي طرازٌ في حلّة الدهر، وحديقة ذكّرت بزمن الربيع، وما تهديه أيامه من الزهر، فوقف منها على الروض الذي تهدّلت فروعُ غصونه بالأثمار، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموسٌ وأقمار، فأنشأت له أطرابه، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا يفعله نغمة الشبآبة، وأرشفته سُلافاً كؤوسها الحروف وكل نقطة حبابَه، وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم المتصلة الظلام، فلا أوحش الله من طلعة الشمس وحاجب الهلال وعيون النجوم، فما لنا ولهذه السحائب السحابة، والغمائم السكّابة، والرعود الصخّابة، والبروق اللهابة، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصابة، والبرد الذي أمست إبَرُه لغصون الجلود قَطّابة، والزُّميتا التي لا تروي عن أبي ذرّ إلاّ وتروي الغيث عن أبي قلابة، كلّما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق شرار جمرتها، وكلّما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت مرهاء لما أسبلته من عبرتها، فما هذا شهر طوبة إنْ هذا إلا جبل ثهلان، وما هذا كانون إنْ هذا إلا تنّور الطوفان، وإلى متى قُطْنُ هذه الثلوج يُطرَح على جباب الجبال، وإلى متى نُقاضُ دلاص الأمطار، ويرشقها قوس قزح بالنبال؟!، وإلى متى تشقق السحاب وما لها من الحلل والحبر، وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجوّ وفي أطرافها على الغدران إبر، وإلى متى تجمد عيون الغمام وتكحّلها البروق بالنار، وإلى متى نثار هذه الفضّة وما يُرى من النجوم دينار؟، وإلى متى نحن نَحْنو على النار " حُنُوَّ المرضعات على الفطيم " ، وإلى متى تبكي الميازيب:
بكاء الأولياء بغير حزنٍ ... إذا استولوا على مال اليتيم

وإلى متى هذا البرق تتلوّى بطون حياته وتقلب حماليق العيون المحمرّة من أسود غاباته؟، وإلى متى يزمجر غيث هذه الرياح العاصفة، وإلى متى يرسل الزمهرير أعواناً تصبح حلاوة الوجوه بها تالفة، أترى هذه الأمطار تقلب بالأذيار أم هذه المواليد التي تنتهي فيها الأعمار، كم جليد يذوب به قلب الجليد، ويرى زجاجهُ الشفّاف أصلب من الحديد، ووحل لا تمشي فيه هريرة الوحى، وبردٍ لا تنتطق به نؤوم الضحى، " اللهم حوالينا ولا علينا " ، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كلٍّ عن إلفه، وإغلاق باب القباب، وتحلّل الضباب زوايا البيوت، فالأطفال ضباب الضباب، كل ضَبّ منهم قد ألِف باطن نافقائه، وقدم بين يديه الموت بداية بدائه، قد حُسد على النار مَنْ أمسى مذنباً وأمسى عاصياً وتمنّى أن يرى من فواكه الجنات عنّاباً من النار وقراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر مكارم مولانا فيا طول ما تسْفح، وإن كانت العواصف تتشبّه ببأسه فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرّع فيا طول ما تتألق، وإن كانت قوس قزح تتلوّن خجلاً من طروسه فيا طول ما تتألق، وإن كانت الرعود تحاكي جوانح أعدائه فيا طول ما تشهق وتفهق، وإن كانت السيول تجري وراء جوده فإنها تجري على طول المدى وما تلحق، والأوْلى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي، والأليق بهذا الفضل أن لا يتعرّض، فرحم الله مَنْ عرف قدْره، وتحقّق أنّ مولانا في الجود نّدْرَه، أنهي ذلك.
فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك، وكتبت جوابه نظماً، وكتب هو الجواب عن ذلك نظماً.
وكتب إليّ وأنا بالقاهرة وهو يومئذٍ في دمشق رسالة في الثلج، وكتبت جوابه، وكتب هو إليّ رسالة يصف كثرة المطر نظماً ونثراً، وكتبت جوابه أيضاً كذلك.
وبيني وبينه مكاتباتٌ كثيرة، وقد أوردت ذلك في كتابي " ألحان السواجع " .
ولمّا توفي رحمه الله تعالى كتبت إلى أخيه القاضي علاء الدين صاحب دواوين الإنشاء أعزيه، ونسخته: يقبّل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي برّح، والسقم الذي جرّ ذيول الدمع على الخدود وجرّح، لما قدّره الله تعالى من وفاة القاضي شهاب الدين:
سَقَتْه بألطف أندائها ... وأغزرها ساريات الغمام
فإنا لله وإنا إليه راجعون، قَولَ من غاب شهابه، وآب التهابه، وذاب قلبه فصار للدمع قليباً، وشهاب فوده لمّا شبّ جمر فؤاده، ولا غروَ فيومه جعل الولدان شيباً، فيا أسفي على ذلك الوجه الملّي بالملاحة، واللسان الذي طالما سحر العقول ببيانه، فصاحت: يا ملك الفصاحة، واليد كم روّضت الطروس أقلامها، وأنشأت أسجاعاً لم تذكر معها بانات الحمى ولا حمامها، وكأنّ أبا الطيّب ما عنى سواه بقوله:
تعثرت بك في الأفواه ألسنها ... والبُرْد في الطُّرق والأقلام في الكتب
فرحم الله ذلك الوجه، وبلّغه ما يرجوه، وضوّاه بالمغفرة يوم تبيضّ وجوهُ وتسودّ وجوه. لقد فقد المجد المؤثل منه ركناً تتكثر به الجبال فما تقلّه ولا تستقلّه، وعدمت الآداب منه بارعاً لو عاصره الجاحظ ما كان له جاحداً، أو البديع علم أن ما فُضّ له فضله، وغاب من الإنشاء منه كاتب ليس بينه وبين الفاضل لولا أخوه مثله، أتُرى ابن المعتزّ عناه بقوله:
هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال
وما يقول المملوك في البيت الكريم، ألاّ إنْ كان قد غاب بدره وأفل شهابه، أو غاص قطره وتقشّع سحابه فإنّ نيّره الأعظم باقٍ في أَوْجه، وبحره الزاخر متلاطمٌ في موجه، وفي بقاء مولانا خَلَفٌ عمّن سلف، وعِوَضٌ عما انهدم ركنه وانقضّ، وجبرٌ لمن عدك الجلد والصبر، والله يمتع المسلمين بحياته، ويجمع لديه بين ثوابه وثباته، لأنه قد عاش الدرّ المفدّى بالذهب وأضاءت شمس المعالي إن كان قد خمد اللهب:
علَم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحلّ الجليل من سلطانه
جعل الدين في ضمانك والدن ... يا فعش سالماً لنا في ضمانه
وقد نظم المملوك قصيدة في رثاء المشار إليه، وجعلَ قوافيها تبكيه، وألفاظها تنوح عليه، وهي:
الله أكبرُ يا بن فَضْل الله ... شغلَتْ وفاتُك كلّ قلبٍ لاه
كلٌّ يقول وقد عرته كآبة ... واهاً لفقدك إنّ صبري واه

فقدتْ بك الأملاكُ بحرَ ترسلٍ ... متلاطمَ الأمواج بالأمواه
يا وحشة الإنشاء منكَ لكاتبٍ ... ألفاظه زهرَ النجوم تباهي
وتوجّع الأشعار فيك لناظمٍ ... من لطفه لشذى النسيم يضاهي
كم أمسكتْ يمناكَ طِرْساً أبيضاً ... فأعدْنه في الحال طرزاً باهي
كم قد أدَرْتَ من القريض قوافياً ... هي شهوة الناشي وزهو الزاهي
ورسالة أنشأتها هي حان ... ه النبّاذ حازتْ حضرة الفَكّاه
ووضعتَ في الآداب كلّ مصنّف ... قالتْ له البُلَغاء زاهٍ زاهِ
كم قد خطرْت على المجرّة رافلاً ... يوم الفخار بمعطفٍ تيّاهِ
شَخَصت لعَلْياكَ النجومُ تعجباً ... ولك السَّهى يرنو بطرفٍ ساهِ
ما كنتَ إلا واحدَ الدهر الذي ... يسمو على الأنظار والأشباهِ
من بعدك الكتّاب قد كتبوا فما ... يجدون منجاةً لهم من جاهِ
أقلامهم قد أملقت ورمى الردى ... أدواتهم ودواتهم بدواهِ
وطروسُهم لبست حداد مدادها ... أسفاً عليك مؤكداً بسفاهِ
أمّا القلوب فإنها رهنُ الأسى ... تردُ القامة وهي فيك كما هي
أبداً يخيّل لي بأنك حاضر ... تُملي الفوائد لي وأنت تجاهي
فتعزَّ فيه واصطبر لمُصابه ... يا خير مولى آمرٍ أو ناهِ
فدوام ظلك في البرية نعمةٌ ... ولشكرها حتمٌ على الأفواهِ
لا زال جدّك في المعالي صاعداً ... رتباً سعادتها بغير تناهِ
أحمد بن يعقوب بن أحمد بن يعقوب


الإمام جمال الدين أبو العباس بن شرف الدين بن الصابوني. هو من ذريّة عبد المحسن بن حمّود الأديب، وقد ذكرته في تاريخي الكبير.
كان جمال هذا نزيلَ القاهرة، وبها رأيتُه. وكان بالحديث قد عني، وحصّل الأصول المليحة فغني، ودأب واجتهد، وبلغ الذروة واقتعد. وأسمعه والده من ابن البخاري وطبقته، وطلب هو بنفسه مع لِداته ورفقته، ومهر وتميّز، ومال إلى فئة الأشياخ وتحيّز.
ولم يزل على حاله إلى أن غُسل ابن الصابوني بماء الحِمام لا الحمّام، ورثاه حتى الساجعات على القضب من الحَمَام.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهلّ شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
أجاز لي بخطّه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة. وكان مولده بدار الحديث النورية بدمشق، ومنها كانت على وجهه أنوار، وفي روض الطروس في خطّه أنوار.
أحمد بن يوسف


بن هلال بن أبي البركات

الشيخ الطبيب شهاب الدين أبو العباس الصفدي.
مولده بالشُّغر وبَكاس، ثم إنه انتقل إلى صفد، وبها سمّي. ثم إنه انتقل إلى مصر، وخدم في جملة أطباء السلطان والبيمارستان المنصوري.
رأيته بالقاهرة غير مرّة، واجتمعت به، وأنشدني من لفظه لنفسه أشعاراً كثيرة. وكان شيخاً طوالاً، أبيض اللحية والحاجب، لا يُرى له عن الفضل حاجب، قادراً على النظم المحكم السّرد، قد أثبت على لغم النُّظّام الجوهر الفرد، وله قدرة على وضع المشجّرات فيما ينظمه، ويؤسس بنيانه ويُحكمه، ويُبرز أمداح الناس في أشكال أطيار، وعمائر وأشجار، ومآذن وعقد وأخياط، وصورة مُقاتلٌ ونَفّاط، بحيث إنه له في ذلك اليد الطولى، والقدرة على إظهار الأعاجيب التي تترك النواظر إليها حُولا.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل بالطبيب الداءُ الذي أعجزه طِبّه، وفارقه بالرُّغم خليله وحِبُّه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن.
ومولده سنة إحدى وأربعين وست مئة.
أنشدني من لفظه فيما يكتب على سيف:
أنا أبيضٌ كم جئتُ يوماً أسوداً ... فأعدتُه بالنصر يوماً أبيضا
ذَكَرٌ إذا ما استلّ يوم كريهة ... جعل الذكور من الأعادي حُيّضا
أختال ما بين المنايا والمنى ... وأجولٌ في وسط القضايا والقضا
ومن شعره:
حُجيتُ وقد وافيت أول قادم ... بأول شهر حلّ أول عامه

وكان خليل القلب في نار شوقه ... وكنت المنى في بَرُده وسلامه
ومنه:
وما زلتَ أنت المشتهى متولعاً ... بكثرة تردادٍ إلى الروضة الصغرى
إلى أن بلغتَ القصد في كل مشتهى ... من المصطفى المختار في الروضة
وكتب إليّ وقد وقف على شيء كتبته وزمّكته:
ومزمّكٍ باللازورد كتابةً ... ذهباً فقلت وقد أتتْ بوفاق
أأخذتَ أجزاء السماء حَلَلْتَها ... أم قدْ أذبْتَ الشمس في الأوراق
أكتبتَ بالوجنات حُمْرتها كما ... مخضَّرها بمرائر العُشّاقِ
وكتب هو إليّ أيضاً:
معانيك والألفاظُ قد سَحَر الورى ... لكلّ من الألباب قد أعطيا حظّا
فهبّك سَبَكْتَ التبرَ معنىً وصغته ... فكيف أذبْتَ الدّرَّ صيَّرته لفظا
فكتبتُ أنا إليه:
وحقِّك لم أكتبْ بتبرٍ كما ترى ... سطوراً غدا في وضْعها منية النفسِ
ولكنما هذي أشعّةُ وجهك ال ... كريم غدتْ على صفحة الطّرسِ
أحمد بن يوسف بن يعقوب


القاضي الكاتب الفاضل الناظم الناثر شمس الدين الطِيبيّ - بكسر الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة - .
كان فاضلاً أديباً، عالماً لبيباً، سامعاً على البديهة مجيباً، ينظم الدُرَر، ويطلع في طِرسه الزُّهر، وإن تنازلنا قلنا الزَّهَر، قادر على النظم، نتزل سكين فيه إلى العظم، ويأتي منه بما يشرف الأسماع ويشنفها، ويحكم على المعاني فيتنزل على مُراده ويصرّفها، يترسّل فلا يعثر له جواد قلم في ميدان إنشائه، ويستقي المعاني الغويصة من قَليب الفكر على قِصَر رشائه، رأيت بخطّه الحاجبية، وقد علق في آذان حواشيها أقراطاً، وأتى فيها بفوائد تدلّ على أنه من أئمة هذا الفن فيما تعاطى.
أخبرني القاضي شهاب الدين فضل الله قال: أخبرني جمال الدين بن رزق الله قال: كان عندنا ليلة في مجلس أُنس، وقد أخذت السُّلاف منه مأخذها إلى أن صار في غيبةٍ عن وجوده، وذكرنا له واقعة المسلمين على شَقْحب، ونصرتهم على التتار، وقلنا له: لو نظمت في هذا شيئاً، فأخذ الدواة، ونظم قصيدة تتجاوز التسعين بيتاً فائية، ومدح فيها السلطان. قال: فأعجبتنا وقمنا آخر الليل ورحنا إلى الحمّام، فلما أفاق وصحا وأجرَيْنا له ذكر القصيدة، فأنكر وقوعها، وحلف أن هذا أمر لم يبدُ منه، فقلنا له: هذه قصيدة فائية أوّلها:
برق الصوارم للأبصار يختطف
فقال: أروني إيّاها. فأوقفناه عليها، فأعجبته، وزاد إعجابنا بها. قال ابن رزق الله: وقمت وأخذتها وأتيت بها إلى والدك القاضي محيي الدين، فلما وقف عليها أعجبته، وأوقف عليها أخاه عمّك القاضي شرف الدين بن فضل الله فأعجبته، وكانت سبباً لأن استخدمه كاتب إنشاء بطرابلس، انتهى.
قلتُ: وهذه قصيدة بديعة في بابها، وسوف أوردها إن شار الله تعالى في ترجمة السلطان الملك الأعظم الناصر محمد بن قلاوون.
ولم يزل الطيبي في طرابلس على حاله إلى أن صار الطيبي في قبره جيفة، ولم يجد الحمام من حدّ لسانه خيفة.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس في شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولده في عشري الحجة سنة تسع وأربعين وست مئة.
ومن شعره:
لست أنسى الأحباب ما دمتُ حيّاً ... إذا نَوَرا للنوى مكاناً قصيّاً
وتلَوا آيةَ الدموع فخرّوا ... خِيفة البينِ سُجّداً وبُكيّا
فبذكراهم تسحّ دموعي ... كلما اشتقت بُكرةً وعشيّا
وأناجي الإله من فرط حزني ... كمناجاة عَبْدِه زكريّا
واختفى نورُهم فناديت ربي ... في ظلام الدجى نداءً خفيّا
وَهَنَ العظم بالبِعاد فهَبْ لي ... ربَّ بالقرب من لِدنك وليّا
واستجب في الهوى دعائي فإني ... لم أكن بالدعاء رَبِّ شقيّا
قد فرى قلبي الفراقُ وحقاً ... كان يومُ الفراق شيئاً فرّيا
ليتني متّ قبل هذا وأني ... كنتُ نِسياً يوم النوى منسيّا
لم يك الهجر باختياري ولكن ... كان أمراً مقدّراً مقضيّا

يا خليليَّ خلّياني وعشقي ... أنا أولى بنار وَجْدي صلّيا
إن لي في الفراق دمعاً مُطيعاً ... وفؤاداً صبّاً وصبراً عَصيّا
أنا في هجرهم وَصَلْتُ سُهادي ... فصِلاني أو اهجُراني مليّا
أنا في عاذلي وقلبي وحبّي ... حائرٌ أيّهم أشد عِتيّا
أنا شيخ الغرام مَنْ يتّبعني ... أهدِهِ في الهوى صراطاً سويّا
أنا مَيْتُ الهوى ويومَ أراهم ... ذلك اليومُ يومَ أُبعث حيّا
أنا لو لم أعش بمقْدَمِ مولى ... هو مولى الوجود لم أك شيّا
الفتى الباسطُ الجميلَ جمال ال ... دين من زار من نداه النديّا
سيّد مرتضى الخلائق أضحى ... راضياً عندّ ربّه مرضيّا
صادق الوعد بالوفاء ضمين ... كالذي كان وَعْدُه مأتيّا
أوحدٌ في الصفات لم يجعل الله ل ... ه قطّ في السموّ سَميّا
لا يُرى في الصدور أرحبَ صدراً ... منه إذ تحضر الصدور جثيّا
ما جد أولياؤه في رشادٍ ... وعِداه فسوِف يَلقَون غَيّا
وفتى بالسّماح صبّ رشيد ... أوتي العلَم حين صبيّا
بلَبَان الكمال غُذّيَ طفلاً ... ونشا يافعاً غلاماً زكيّا
لم يزل منذ كان برأ تقياً ... وافياً كافياً وكان تقيّا
جعل الله في ادّخار المعالي ... لعلاه لسانَ صدْق عليّا
كم عديم الثراء أثنى عليه ... وانثنى واجداً أثاثاً وريّا
وأولو الفضل حينَ أمّوا قِراهُ ... أكلوا روقَه هنيّاً مريّا
قلت: قد اقتبس شمس الدين الطِّيبي هذه من سورة مريم، كما اقتبسَ ابن النبيه قوله:
قمت ليل الصدود إلاّ قليلاً ... ثم رتّلتُ ذكركم ترتيلا
من سورة المزمّل.
وكما اقتبس سيف الدين بن قزل المشد قوله:
شِمتُ في الكأس لؤلؤاً منثوراً ... حين أضحى مزاجها كافورا
من سورة الإنسان.
والاقتباس إذا كان من آية من آيتين لا بأس به. وأما سورة بكمالها ففي هذا من إساءة الأدب ما فيه.
ومن شعر الطيبي رحمه الله تعالى:
النهر وافى شاهراً سيفَه ... ولَمْعُه يحتبس الأعينا
فماجت البركة من خوفه ... وارتعدت وادّرعت جَوشنا
ومنه يصف ثوبَهُ:
لو أنّ عيني على غيري تُعانيه ... بكيته أحمراً أو متّ بالضحك
ومن رآني فيه قال واعجباً ... أرى على البَرِّ شيخَ البحر في الشبك
ومنه في العود:
اشربْ على العودِ من صهباء جاريةٍ ... في المُنتَشي جريان الماء في العود
ترنّم العودُ مسروراً ومن عجبٍ ... سرورُه وهْوَ في ضربٍ وتقييد
من أينَ للعودِ هذا الصوتُ تُطربنا ... ألحانُهُ بأطاريفِ الأناشيد
أظنُّ حين نشا في الدوح علّمهُ ... سجعُ الحمائمِ ترجيعَ الأغاريد
ومنه لما أُلبس الذمّة العمائم الملوّنة:
لا تعجبوا للنصارى واليهودِ معاً ... والسامريين لمّا عُمّموا الخِرقا
كأنما باتَ بالأصباغ مُنسَهلاً ... نسرُ السماء فأضحى فوقهم ذَرِقا
ومنه:
وأصفرٍ أرزق العينين لحيتُه ... حمراءُ قد سقطت من كفّ دبّاغ
ألوانه اختلفت لا تعجبوا فعسى ... قد كان في اسْت أُمّه دكانُ صباغ
أحمد بن يوسف بن عبد الدايم


الشيخ الإمام العلاّمة شهاب الدين الحلبي المعروف بابن السمين.
سمع بآخرة من يونس الدبّوسي. وقرأ على ابن الصائغ، وصنع تفسيراً للقرآن في عشرين سفراً والإعراب. وله شروح على كتب.
وتوفي بالقاهرة في سنة ست وخمسين وسبع مئة كهلاً، رحمه الله تعالى.
أحمد شهاب الدين الفاضل المغربي


رئيس الأطباء بالديار المصرية، وهو والد الرئيس جمال الدين رئيس الأطباء بالديار المصرية.
أسلم سنة تسعين وست مئة، وكان اسمه في اليهودية سليمان. قال الشيخ علم الدين البِرزالي: ضَبطَ ذلك عز الدين الإربلي، ونقلته من خطّه.
كان رجلاً فاضلاً، إلى الجدّ مائداً، عن اللهو مائلاً، يَعرِفُ الطب وبه رأس، وجنى به من ثمر الجاه ما غرسْ. وله يد طُولى في المنطف والهندسة، وعنده في ذلك فوائد تجلو بذورها من ظلمة الليل حُندُسه. وأما النجوم فكان في علمها إماماً، ويده تصرف من أحكامها زماماً.
ولم يزل على حاله إلى أن أعيا داؤه، وفقده أصحابه وأودّاؤه. وقيل: إنه خلّف من الذهب العين ما قيمته مئة ألف درهم.
ووفاته في أواخر صفر سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
أحمد هو الشيخ أحمد القَبّاري
الإسكندراني


زعم أنه ابن أخت الشيخ الكبير أبي القاسم.
قدم دمشق، وتمشيخ فيها، وأظهر الصلاح، ومشّت له الأيام تمويهاً، واعتقد الناس ولايته، واغتنموا رعايته، وجمع عليه الزَّبون، ولفّ الناس له المحبون. ثم إنه ظهر بَهْرَجُه، وانفتح مَدْرجْه، فساءت عقباه الخاسرة، وضيّع دنياه قبل الآخرة، فوُسّطَ في سوق الخيل، وجُعل دَلْوين، وكان جَسَداً واحداً فأصبح شِلْوَيْن، وذلك في سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان قد صادقه الشيخ محمد اليعفوري فقير مشهور، فاتفقا على مكرٍ حاقَ بهما، ووقع بيد الأفرم ورقة فيها نصيحة على لسان قطز مملوك قبجق لما كان بالشوبك فيها: أن ابن تيميّة وابن الحريري يكاتبان أميرنا قبجق في نيابة دمشق، ويعملان عليك، وأن ابن الزملكاني وابن العطار يطالعان أميرنا بأخبارك، وأن جماعة من الأمراء معهم، فتنمرّ الأفرم لذلك، وأسرّ إلى بعض خواصّه، وبحث عمّن اختلق ذلك، فوقع الحدس على الفقيرين، وأمسك اليعفوري، فوجدوا في حجرته مسودّة النصيحة، فضُرب بالمقارع، فأقرّ على القباري، فضرب الأخر، فاعترف، فأفتى الشيخ زين الدين الفارقي بجواز قتلهما، فطيف بهما، ثم وُسّطا بسوق وقطعت يد التاج ابن المناديلي الناسخ، لأن المسودّة كانت بخطّه، وسيأتي ذكره في موضعه من حرف العين، وهو عبد الرحمن بن موسى.
إدريس بن علي بن عبد الله


الأمير عماد الدين الحَسَني الحَمْزيّ اليمني.
كان أحد أمراء اليمن في دولة الملك المؤيد بصنعاء، وكان فاضلاً، فارساً مناضلاً، أتقن علوماً، وأنشأ منثوراً ومنظوراً، وكان زيديّ المَذهب، ناشر العلم المُذهب، همّ أهلُ مذهبه بتلك الناحية أن يقلدوه الزعامة، ويرشّحوه للإمامة، لأنه جمع بين الشجاعة والكرم، ونفخ من السيادة في ضَرَم، ونزع يده، فعظّمه لذلك الملك المؤيد وأيّده.
ولم يزل على حاله إلى أن حُمّ من الحمزي أمرُه، وضُمّ عليه قبره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومن شعره:
عوجا على الرسم من سلمى بذي قار ... واستوقفا العيسَ لي في ساحة الدار
وسائلاها عسى تُنبيكما خبراً ... يشفي فؤادي فيقضي بعض أوطاري
منها:
يا راكباً بَلِّغَنْ عني بني حَسَن ... وخصّ حمزة قومي عصمة الجار
إن المؤيّد أسماني وقرّبني ... واختارني وَهْوَ حقاً خيرُ مختار
أعطى وأمطى وأسدى كل عارفة ... يقصّر الشكر عنها أيّ إقصار
وخصّني بولاءٍ فزَتُ منه به ... فأصبح الزندُ مني أيّما وار
قلت: شعر متوسط.
الألقاب والأنساب


الأحمدي الأمير ركن الدين بيبرس. الأحمرملك الأندلس محمد بن محمد. وابن الأحمر نصر بن محمد بن القاضي. أخوين محمد بن عمر. الأدفوي شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الوهاب. الأدفوي كمال الدين جعفر بن تغلب الدفوي شمس الدين الحسين بن هبة الله، وعبد القادر بن مُهذّب.
أذينة


شحنة بغداد، أقام بها من جهة المغل مدة، كان مشكور السيرة مسلماً يتوجّه إلى صلاة الجمعة ماشياً.
توفي بالكوفة في أوائل سنة تسع وسبع مئة.
النسب والألقاب


الأذْرعي الصاحب شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عطا. وضياء الدين علي بن سليم. وقاضي القضاة شمس الدين الأذرعي الحنفي محمد بن إبراهيم.
أراي الأمير سيف نائب الكرك.

هو في الأصل مملوك الأمير سيف الدين أرغون الدَّوادار نائب حلب، ثم إنه تنقّل بالديار المصرية إلى أن حصل له إمرة الطبلخانة، وهو الذي ورد على الأمير سيف الدين يَلبغا، وهو بالقصر الأبلق. وقد خرج بدمشق في المرة الثانية على الملك المظفر حاجي، والأمراء قد التفوا عليه، فلما جاء قال له: السلطان رسم بطلبك لتتوجه إلى مصر، والتفتَ إلى الأمراء وقال لهم: يا أمراء! نائبكم الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب حلب، فلما سمع الأمراء ذلك تفلَلت عزائمهم عن يلبغا، وتحللت عُقد ضمائرهم عنه، وعاد إلى مصر.
ثم إنه جُهّز لنيابة الكرك في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها نائباً إلى أن طُلب إلى مصر في شهر رجب الفرد سنة ست وخمسين وسبع مئة، فتوجّه إليها وأقام بها، وما لبث أن جاء الخبر إلى دمشق بوفاته في صفر سنة سبع وخمسين وسبع مئة، رحمه الله تعالى.
وأظنه كان قد باشر أولاً بالديار المصرية آخوريه الصغرى، وكان عاقلاً ساكناً ديّناً، يحب العلماء، وله رغبة في العلم واقتناء المجلدات. ولما طلب من الكرك إلى مصر باشر أمير آخور كبيراً، وتوجّه عوضه نائباً بالكرك الأمير سيف الدين قشتمر الحاجب.
أَرْبَكَوون بفتح الهمزة وسكون الراء، وفتح الباء الموحّدة والكاف وبعدها واوان ونون، سلطان العراق وأذْرَبيجان والروم، من ذريّة جنكزخان.
نشأ في غمار الناس، وكان أبوه قد قتل أولاً. ولما توفي القان بوسعيد رحمه الله تعالى شاور الوزير غياث الدين محمد مُقَدّمي التتار، وقال: هذا الرجل من العظم، فبايعوه وأجلسوه على التخت.
يقال: إنه كان نصرانيّ الاعتقاد، لا يثبت إيمانه على محكّ الانتقاد، ألبس التتار السراقوجات الأولى، وجال في الفتك عرضاً وطولاً، وأنكر على كبار المغل مهادنة أهل الإسلام، ومليء قلبه من الظلم والإظلام، وقتل الخوندة بغداد رحمها الله تعالى، وجَبى الموال، وخبط الأحوال، وقاسى الناس منه أمرّ الأهوال.
وكان قد قصد دخول الشام، وانتجع برق خرابه وشام، فكفى الله أمره، وأخمد جمره.
وجرت أمور يطول شرحها، ويعظم سرحها، إلى أن قتله النوين علي باشا، وحاز من الثناء النافح ما شاء، وأعصّه السيفُ بريقه، وذلك في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت مدة ملكه شُهيرات.
أرَتْنى بفتح الهمزة وسكون التاء ثالثة الحروف، وبعدها نون وألف مقصورة.
الحاكم بالبلاد الرومية من جهة القان بوسعيد، كاتَبَ السلطان الملك الناصر بعد وفاة بوسعيد، وطلب منه أن يكون نائبه، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه الخلع السنيّة، وكتب له تقليداً بنيابة السلطنة بالبلاد الرومية، ولم تزل رسله تتردد إلى آخر وقت، ووقع بينه وبين أولاد تمرتاش، فجمعوا العساكر وجاؤوا إليه، ومعهم القان سليمان، فكسرهم بصحراء أكرنبوك - بكافين، وبينهما راء ونون وباء ثانية الحروف وواو، قبل الكاف الأولى همزة - وأسر جماعة من أمرائهم، وغنم أموالهم وهزمهم أقبح هزيمة، ومنها خمل القان سليمان، وعظُم بذلك أرتنى في النفوس. وكانت هذه الواقعة في إحدى الجُمَادين سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان خيّراً فيه ديانة، وله ميل إلى المسلمين في الظاهر والباطن من غير جناية ولا خيانة، ولا يزال أهل العلم عنده، وبهم يُوري زَنْده، وخاتونه تجلس وراءه تسمع كلامهم، وترى جدالهم، وتشاهدهم إذا راموا سهامهم، ولم يجد المسلمون منه إلاّ خيراً، ولا عَدِمَ قاصدهم منه كرماً وميراً.
ولم يزل على حاله إلى أن بَرَق منه البصر، وجزم الموتُ حياته واختصر، فعدم الإسلام منه مؤازراً، ورأوا من بَعده من العدوّ طرفاً متخازراً، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وقلت أنا فيه:
بمملكة الروم حلّ الردى ... أجل النَّويْن الذي قد فَقَدْنا
فتبّاً لصرف الليالي التي ... أرَتْنا أَرَتْنى كما لا أردنا
أرسلان الأمير بهاء الدين الدَّوادار.

كان أولاً عند الأمير سيف الدين سلاّر أيام النيابة خصيصاً به، خطيّاً لديه. ولما جاء السلطان الملك الناصر من الكرك بعساكر الشام، ونزل بالرَّيْدانية ظاهر القاهرة، أطلع بهاء الدين أرسلان على أن جماعة قد اتفقوا على أن يهجموا على السلطان، ويفتكوا به يوم العيد أوّل شوّال، فجاء إليه وعرّفه الصورة، وقال له: اخرج الساعة، واطلع القلعة واملكها، ففتحوا له شرج الدهليز، وخرج من غير الباب، وصعد القلعة ونجا من أولئك القوم، وجلس على تخت الملك، فرعى له السلطان تلك المناصحة. ولما خرج الأمير عز الدين أيدمر الدوادار من الوظيفة رُتّب بهاء الدين أرسلان فيها.
وكان حسن الشكل ظريفاً، حُلْو الوجه، لا يزال به الإقبال من القلوب مُطيفاً، خطّه أبهجُ من الرياض اليانعة، وآنقُ من النجوم الساطعة، يكتب سريعاً، ويخرج الطِّرس من تحت قلمه روضاً مَريعاً، بعبارة سادّة، وإشارة في تنفيذ المهمات حادّة. رأيت له أوراقاً بخطه، قد كتبها إلى كتّاب السرّ بما يرسم به السلطان، ويفتقر إلى كتابتها تدبير المُلك لبلوغ الأوطار في الأوطان، وهي عبارة مسدّدة، وافية بالمقاصد المؤكّدة، لا يفوته فيها فخرٌّ مخِلّ، ولا يأتي فيها بقول مملّ. وكان القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر قد درّبه، وخرّجه وهذّبه، ويقال: إن الرسالة التي وسمها ب مراتع الغزلان أنشأها فيه. وكان قد استولى على السلطان في أيامه وغلب عليه في يقظته ومنامه، ولم يكن لغيره في أيامه ذِكْر، ولا يُسمع في تلك المدة ثناء على غيره ولا شكر، ولم يكن لفخر الدين وكريم الدين عظمة إلاّ بعده، واجْتهدا فما نالا طَردَه ولا بُعده.
وكان قد أنشأ خانقاه في المنشأة المنسوبة للمهراني. وكان كلّ ليلة ثلاثاء ينزل من القلعة يبيت فبها، ويحتفل الناس للحضور إليها، والمقام بنواحيها. وترسّل عن السلطان إلى مهنّا، وتعيّن لتلك الرسالة وتعنّى، ونفع الناس نفعاً عظيماً، وقلّدهم من مِننه عقداً نظيماً.
ولما مات وُجد في تركته ألف ثوب أطلس، ونفائس منى رآها غيره أفرد حيرة وأبلس، وتواقيع جملة، ومناشير حملة، مُعَلّم عليها، فأنكر السلطان معرفتها وعلمها، ونسب إليه اختلاسها وظلمها.
ولم يزل على حاله إلى أن أطفأ الموت شرارته، وأبطل من التواقيع والمراسيم رسالته وإشارته.
ونوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع عشرة وسبع مئة. وتوفي هو والقاضي علاء الدين بن عبد الظاهر والقاضي شرف الدين بن فضل الله بدمشق في شهر واحد. ووفاة أرسلان المذكور في ثالث عشري شهر رمضان من السنة المذكورة.
كتب إليه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود ما أنشدنيه إجازة لنفسه:
بك ماسَ عطفُ الدهر في حُلل البها ... وسما مكان الفضل منه إلى السُّها
ولديك أدركَ كلُّ راجٍ مارَجا ... كرماً وأحرز كلّ عافٍ ما اشتهى
بَشَرٌ يُبشِّر آمليه بسؤلهم ... منه ويبدأ هم إذا قيل انتهى
وكما أوصاف تُعلّم من رأى ... تلك المهابة كيف تُكتسب النهى
يحمى حمى الملك الشريف برأيه ال ... عالي فيغدو للسيوف مرفّها
ويصون أطراف الثغور يراعُه ... فيشَيدها ويسدّ منها وما وهى
متيقّظ للبر والإحسان لا ... يحتاج في كَسْب الثناء منبّها
ضَلَّ الذي لنواله ولباسه ... بالليث أو بالغيث ظلَّ مشبّها
فالليث ما يُردي الجيوشَ زئيره ... والغيثُ ما يروي الممالك كلّها
يا سيّد الأمراء دعوة مخلصٍ ... أضحى بشكرك والثناء مفوّها
أنت المؤمَّلُ للمطالب حين لا ... يُدعى سوى إحسانك الوافي لها
وإذا تعقّدت الأمور فما سوى ... معروفك المعروف يُحسِنُ حلّها
لا زلتَ تَقْني الأجر في البر الذي ... تولي وترجو الله في بذل اللّهى
أرسلان الأمير بهاء الدين ابن الأمير علاء الدين مَغْلطاي أمير مجلس، سيأتي ذكر والده مغلطاي في حرف الميم.
كان بهاء الدين هذا أمير عَشَرة بدمشق، كان بها إلى أن توجّه إلى إقطاعه بنواحي نابلس.
وتوفي رحمه الله تعالى هناك في ثامن شعبان سنة ست وأربعين وسع مئة.

أرغون الأمير سيف الدين الدوادار الناصري كافل الممالك الإسلامية.
اشتراه الملك المنصور قلاوون وهو صغير لولده الملك الناصر، فربي معه، وألِفَ به، وكان معه في الكرك، ولم يفارقه، وولاه السلطان نيابة مصر بعد الأمير ركن الدين الدوادار في جمادى الأولى سنة اثنتي عشر وسبع مئة.
كان بيبرس تولاها بعد الأمير سيف الدين بكْتُمر الحاجب أمير خازن دار.
سمع البخاري من الحجار بقراءة الشيخ أثير الدين، وكتبه بخطه في مجلد في الليل على ضوء القنديل.
ولم يزل في بيت أستاذه كبيراً، موقراً أثيراً، هو رأس الحزب، وكبش ذلك الرحب، والذين يقولون بقوله، ويبطشون بقوته وحَوْله، هم أكابر الخاصكية وأعيانهم، وأمراؤهم المذكورون وشجعانهم مثل: قجليس والجمّالي ومنكلي بغا وطُرحي وطشتمر والفخري.
وكان فقيهاً حنفياً، فاضلاً في مذهبه مُفْتياً، يعرف دقائق مذهبه ويناظره، ويذاكر بغرائبه ويحاضر. لما توجه إلى حلب نائباً، ونزل بجامع تنكز وصلى العصر خلف الشيخ نجم الدين القحفازي جذبَهُ وأخرجه من المحراب، وقال: ما هو مذهبك يا فقيه؟ يعني بذلك صلاة الطاق، وهي مسألة معروفة في مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.
وكانت عنايته بالكتب إليها النتهى، وبلغ من جَمْعها ما أراد واشتهى. لمّا مات قجليس بمصر، وهو بحلب، أرسل ألفي دينار ليُشترى له بهما كتب من تركته، وجهّز إلى بغداد، واستنسخ فتاوى ابن قاضي خان، وعلم الناس رغبته في ذلك، فحملوا إليه حملاً من أطراف الممالك.
وكان له معرفة بعلم الميقات، وعنده من ذلك بناكيم وآلات. ولم يُرَ في الترك مثله سكوناً ووقاراً، وهيبة وشعاراً، ومَلَكَةً لنفسه عن الغضب واقتداراً، قلّ أن عاقب، وطالما خاف إلهه وراقب، لم يسفك دماً في حلب مدة إقامته، ولا ظلم أحداً من الرعايا في نيابته، واجتهد في حلب على سياقة نهر الساجور، وبذل فيه أموالاً يتحقق بها أنه عند الله مأجور، وما زال إلى أن أدخله حلب، وساق به إليها كل خير وجَلَب.
وكان يؤثر أهل العلم ويدنيهم ويخصهم بالذكر ويعنيهم، له حنو زائد على الشيخ أثير الدين، وعلى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، ولم يمكن أستاذه مدة مقامه بمصر من خروجٍ عن الواجب، وأمراء الدولة والخواصّ كلهم يهابونه ويخافونه، وللملك به جمال، ولبدر الدولة بنيابته كمال، وعلى الوجود إضاءة، وللنيابة قعدد وأناءة، ولما تولاها أجراها على السداد، وقررّ قواعدها ووطد مجدها وساد، وذلك من أواخر سنة إحدى عشرة فيما أظن إلى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وهي تدجري بريح طيبّة الهبوب، سالمة من شرر الشر والألهوب.
وكان قد توجه إلى الحجاز في سنة ست وعشرين، وفي قلب القاضي فخر الدين ناظر الجيش منه قلوب، هو يؤدّ أن يرمي أسده في أقلوب، فاغتنم غيبته، وجدد في كل وقت غيبته، مع ما كان في نفس السلطان منه، لأمر ندبه إليه في الباطن لم يُر اعتماده، وخاف فيه حشره إلى الله ومعاوده، ولما عاد من الحجاز لم يدعه بكتمر الساقي يدخل إلى السلطان، ولم يساعد في أمره على ما سوله الشيطان، وبقي عنده في بيته ثلاثة أيام بلياليها، والفكرة في أمره تشتبك عواليها، إلى أن جهز السلطان الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار إلى حلب لإحضار نائبها علاء الدين ألطنبغا، وأكد عليه في سرعة التوجه والعود لما أراده في ذلك وابتغى، ثم إنه رسم لأرغون بنيابة حلب، أخرجه مع الأمير سيف الدين أيتمش إليها، وأرسل منه سحائب الرحمة عليها، فاجتمع تنكز وألطنبغا وألجاي وأرغون في دمشق في المحرم سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فغرّب ذلك وشرق هذا، ونفذ سهم القدر بما أراده الله تعالى من ذلك نفاذاً، فوصل حلب وأقام بها نائباً إلى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وطلب الحضور إلى مصر في أواخر هذه السنة، فأذن له في ذلك، ولما رآه بكيا طويلاً، وأبدي كل منهما تأسفاً وعويلاً، وأقام أياماً، ثم أعاده إلى نيابة حلب على حاله، فعاد عود الغيث إلى الروض الذي صوح، أو البدر الذي ابتدر نُوره إلى الساري ولوّح.

فلم يزل بها على حاله إلى أن أرغم الموتُ من أرغون أنفه، وعدم السمع من ذكر حياته شنفه.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكان عمره تقديراً بضعاً وأربعين سنة، ودفن بتربة اشتريت له بحلب، وكان قد طول في مرضه، وحدس الناس على سهم أصاب مرمى غرضه، وجهز السلطان إليه صلاح الدين محمد بن البرهان الطبيب من مصر، فما وصل إلى دمشق حتى مات، نزل به من عدوه الشمات.
وهو الذي كمل سياقة نهر الساجور إلى حلب بعد ما كان في ساقه الأمير سيف الدين سودي، ولم يتفق وصوله على ما سيأتي في ترجمته، ويوم دخوله خرج لتلقيه هو والأمراء وأهل البلد مشاة، وشعارهم التكبير والتهليل حمداً لله تعالى، ولم يمكن أحداً من المغاني والمطربين الخروج معهم، وكان يوماً مشهوداً، وخرج الناس بوصوله، وأحكم عمله وسياقه في الجبال والسهول واتفق في طريقه واديان وجبلان، فبنى على كل واحد من الواديين جسراً يعبر الماء عليه، وأما الجبلان فكان الأول منهما سهلاً نقب في مدة يسيرة، والآخر كان صخراً أصم، وطول الحفر في هذا الجبل ثلاث مئة ذراع وستون ذراعاً، وأغمق موضع فيه من الجباب طوله ستة عشر ذراعاً، وبعضه محفور على هيئة الخندق، وبعضه جباب مفقرة، وكان من هذا القدر نحو عشرين ذراعاً لا يمكن حفره إلا بعد حرقه بالنار مدة أيام، وانتهى عمل هذا الجبل في ثمانية أشهر، وكان بعد هذا الجبل سهل، فظهر بالحفر فيه حجارة سود مدوّرة، لا يمكن كسرها إلى بالمشقة، ولما رجع الأمير سيف الدين أرغون إلى المدينة حصل له تشويش ومرض، ومات رحمه الله تعالى. وقيل: إنه قيل له يا خوند! بالله لا تتعرض إلى هذا النهر فإنه ما تعرض له أحد إلا ومات، فقال: أنا أكون فداء المسلمين فيه، وجعل مشده شخصاً من ممالكه اسمه أرغون فاتفق ما جرى.
؟أرغون الأمير سيف الدين العلائي.
رأس نوبة الجمدارية من أيام أستاذه. أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى صفد، فورد إليها جندياً - فيما أظن - وعاد من الفخري إلى مصر. وهو زوج والدة الصالح إسماعيل والكامل شعبان. فأقام بمصر إلى أن خُلع الناصر أحمد كما تقدم، وجلس الصالح إسماعيل على كرسي المُلك، فكان هو مدبّر تلك الدولة، وحوله ذاك الجو مدار الجوله. ولما قتل أحمد زاد تمكنه، وعظم تعيّنه، وظهر تبينه، وزهر تزيّنه، وكثرت إقطاعاته وأمواله. وضماناته وأملاكه وأثقاله، وأنعامه وأنفاله، فكان أكبر من النواب، وأعظم من المقيم والجوال والجواب، ودبر الأمر بسعد قد اطمأن، وركن حظه واستكن.
وتوفي الملك الصالح إسماعيل، وولي الملك أخوه الكامل شعبان، وأرغون في سعادته ريّان شبعان، إلى أن خرج أمراء مصر على الكامل وخلعوه، وضُرب أرغون العلائي في وجهه ضربة مهولة بطبر، إلا أنه ثبت لها وتجلد، واحتمل وصبر، وكانت جراحةً نجلاء واسعة، رأى الأرض منها خافضة رافعة، قيل: إن الذي جرحه أرغون شاه. وقيل: على ما ذكره النقلة والوشاة.
ثم إنه اعتقل في إسكندرية أول دولة المظفر حاجي، فأقام في الاعتقال مدة إلى أن قتل الحجازي واقسنقر، فطلب من إسكندرية، وخرج إليه الأمير سيف الدين منجك، فقيل: أنزله العلائي بطن الأرض، واستعاد العدمُ ماله عند وجوده من القرض، وكانت قتلته في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكانت سعادته قريباً من خمس سنين.
؟أرغون شاه الأمير سيف الدين الناصري كان رأس نوبة الجمدارية أيام أستاذه الناصر، وكان هو وأرغون العلائي شريكين في هذه الوظيفة، لكنه هو المقدم، وكان في أول أمره قد جلبه الكمال الخطائي إلى القان بوسعيد من بلاد الصين وهو وسبعة من المماليك وثمان مئة ثوب وبر خطائي من أملاك بوسعيد الموروثة عن أبيه وجده من جدهم جنكز خان بتلك البلاد، فنم على الكمال الخطائي لبوسعيد فصادره، وأخذ منه مئة ألف دينار، ثم إن بوسعيد كرهه لذلك، فأخذه منه دمشق خواجا بن جوبان، فكأن ذلك لم يهن عليه، فنم إلى بوسعيد أيضاً بأمر دمشق خواجا مع الخاتون طقطاي، وجرى من أمرهما ما جرى من حزّ رأسيهما وخراب بيت جوبان، ودكه.

ثم إن بوسعيد ارتجع أرغون شاه، ثم إنه بعثه إلى الملك الناصر هو والأمير سيف الدين ملكتمر السعيدي، فحظي الأمير سيف الدين أرغون شاه عند الناصر، وأمره وجعله رأس نوبة، وزوجه بابنة الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، ولم يزل بمصر إلى أن خرج مع الفخري لحصار الكرك، ثم توجه مع العساكر الشامية إلى القاهرة، وجرى منه في نيابة طشتمر ما أوجب أن ضربه وأراد إخراجه إلى طرابلس، ثم إنه شفع فيه.
ولما تولى الملك الكامل حظي عنده، وجعله أستادار السلطان. ثم تولى الملك المظفر، فزادت حظوته عنده، فما كان بعد ثلاثة أشهر حتى خرج مع النائب الحاج أرقطاي من عند السلطان، وأخرج له تشريف، فلبسه، وطلب الاجتماع بالسلطان، فمنع.
وأخرج لنيابة صفد، فوصل إليها على البريد في خمسة أرؤس في أوائل شوال سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فدبرّها جيداً، وأقام الحرمة والمهابة، وآمن السبل.
لم يزل بها إلى أن طُلب إلى مصر في العشر الأواخر من صفر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين بيدمر البدري، ودخل دمشق في سادس شهر ربيع الأول من السنة دخولاً عظيماً، جاء على البريد، وأقام على القصير المعيني إلى أن جاءه طلبه من صفد، ودخل برخت وأبهة زائدة بسروج معرقة مرصعة، وكنابيش زركش، وغير ذلك من البرك المليح الظريف، والجميع باسمه ورنكه. وتوجه إلى حلب، وأقام بها نائباً.
ولما جرى للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي ما جرى - على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته - رسم بنيابة الشام، فحضر إليه الأمير سيف الدين أقسنقر أمي رجاندار، فدخل إلى دمشق بكرة الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولما عاد أقسنقر المذكور أعطاه خمسة عشر فرساً، منها خمسة عربية بسُرجها ولجمها وكنابيشها، وعشرة أكاديش، وجارية بخمسة آلاف درهم، وأربعين ألف درهم ومئة قطعة قماش، والتشريف الذي لبسه للنيابة بالكلوتة والطراز والحياصة، والسيف المُحلى، وألف إردب من مصر، وكان قد أعطاه ألف وخمس مئة دينار، وغير ذلك، وشرطه له كل شفاعة يشفعها من حلب، وفي الطريق، ومدة مقامه بدمشق، واقام بها قريباً من ثلاثة اشهر ولم يسأله من عزلٍ وولاية إلا أجابه إلى ذلك. وقدم إليه يوماً وهو في سوق الخيل بدمشق نصراني من الزبداني رمى مسلماً بسهم، فمات، فأمر بقتله وتفصيله على أعضائه، قطعت يداه من كتفه، ورجلاه من فخذيه، وخر رأسه، وحملت أعضاؤه على أعواد، وطيف به، فارتعب الناس لذلك، فقلت له أنا:
لله أرغون شاه ... كم للمهابة حصل
وكم بسيف سُطاهُ ... من ذي ضلال تنصل
ومجملُ الرغب خلى ... بعضَ النصارى مفصّل
واختطف الحرافيشُ يوماً في الغلاء الخبز من الجوع، فأمسك جماعة من الحرافيش وقطع أيدي ثمانية عشر رجلاً، وأرجلهم، وسمر على الجمال سبعة عشر وهو واقف بسوق الخيل، وذلك في تاسع عشر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فقلت أنا في ذلك:
كان الغلا يغلو فأما إذا ... أصبح ناراً قلت ذا يغلي
وأصبح الحرفوش ذا كسرة ... عن طلب الكسرة في شعل
من يطلب الخبز ومن يشتهي ... وهو بقطع اليد والرجل

ولم ينل أحدٌ من السعادة ما ناله، ولا حصل ما حصله في المد القريبة من المماليك والجواري، والخيل والجوهر والأمتعة والقماش، ولا تمكن أحد بعد الأمير سيف الدين تنكز تمكنه، يكتب إلى مصر بكل ما يريده في حلب وطرابلس وغيرها، وحماة وصفد وسائر ممالك الشام من نقل وإضافة وإمساك، ونق لإقطاعات وغيرها، فلا يرد في شيء يكتبه، ولا يخالفُ في جليل ولا حقير إلى أن زاد الأمر، وأفرط هو في معارضة القضاة الأربع، وعاكسهم، وثقلت وطأته على الناس إلى أن حضر الأمير سيف الدين الجيبغا من طرابلس في ليلةٍ يسفر صباحها عن يوم الخميس ثلاث عشري شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، اتفق في الليل هو والأمير فخر الدين أياز السلحدار، وجاء إليه إلى باب القصر الأبلق، وهو به مقيم نائم في فراشه، فدقا الباب عليه الثلث الأخير من الليلة المذكور وأزعجاه، فكانا كلما خرج طواشٍ أمسكاه، وسمع هو الغلبة، فخرج وبيده سيف، فلما رآها سلم نفسه، فأخذاه على الحالة التي خرج عليها، وتوجّها به إلى دار الأمير فخر الدين أياز، وقيداه بقيد ثقيل إلى الغاية، ونقلاه إلى زاوية المنيبغ، ورسم عليه الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي، فأقام هناك يوم الخميس إلى العشاء الآخرة، ودخل مملوكه الذي يخدمه فوجده مذبوحاً والسكين في يده، والدم قد سال ملئ مرقده، فوقف عليه في الليل بالقاضي جمال الدين الحسباني، والشهود، وكتب بذلك محضر شرعي، وجهز إلى الديار المصرية صُحبة الأمير سيف الدين تلك أمير علم، ودفن بمقابر الصوفية.
وكان شخصاً لطيف الجثة. مختصر الحبة أسمر الوجه أحمر اللثة، أبيض اللبة، ظريفاً حسن العمة، شديد العزمة عالية الهمة، ذهنه يتوقد، ونفسه تزاحم الفرقد، يقترح في الملابس أشكالاً غريبة، ويعمل بيده منها صنائع عجيبة، إلا أنه جبار سفاك، طالب لثأره دراك، يده والسيف يمتشقه، وغيظه يوديه إلى العطب وخلقه. لا يشرب الماء إلى من قليب دم، ولا يتنسمُ الهواء إلى بشم سم، ومع ذلك إذا ظهر له الحق رجع في الحال، وندم على ما فرط منه واستحال، لكنه تروح في ذلك الغضب أرواح، وتُجبّ مذاكير وتقطع أحراج.
وكان في دمشق زمن الطاعون فما طُعن على عادة الملوك، وإنما طعن بالسيف الذي يذر الدم، وهو مسفوك. وقلت أنا فيه:
تعجبتُ من أرغون وطيشه ال ... ذي كان فيه لا يفيق ولا يعي
وما زال في سكر النيابة طافحاً ... إلى حين غاضت نفسه في المنيبع
؟أرغون السلحدار الأمير سيف الدين توجه أمير الركب الشامي في سنة ست عشرة وسبع مئة، وداره عند دار الطراز داخل مدينة دمشق.
لم أعرف من حاله شيئاً فأذكره، ولا اتصل بي ما يتعلق به فأعرفه به أو أنكره، خلا أنه رحمه الله تعالى توفي في مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
أرغون الأمير سيف الدين مشد الزكاة، ومشد الدواوين بدمشق، ونائب بعلبك. مملوك الأمير سيف الدين سمز، وسيأتي ذكره أستاذه في مكانه.
كانت فيه سياسية، وعنده حشمة ورياسة، تقرّب إلى الأمير سيف الدين تنكز بالكفاية والنهضة، وساعده القدر لما أحكم إبرامه ونقضه، فولاه بعد شدّ الزكاة شدّ الدواوين، قام فيه مدّة لينقذ الهاوين، ويصدّ الغاوين، ثم إنه بعد مدة ولاه نيابة بعلبك فسدّها، وعرف رسمها وحدها. ثم إنه بعد ذلك توجه إلى طرابلس أميراً، وأقام بها.
ولم يجد لعيشه في دمشق نظيراً إلى أن نزل في رمسه، واستوحش أحبابه من أنسه، وتوفي رحمه الله تعالى في...
كان قد باشر الشدّ على الزكاة مدة، وخلا شد الدواوين في دمشق مدة زمانية، فولاه الأمير سيف الدين تنكز شد الدوواوين في آخر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة هو وعماد الدين بن صصرى، ثم إنه ولاه نيابة بعلبك في سادس عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكتبت له مرسوماً بنياب بعلبك، ونسخته: أما بعد حمد الله الذي نصر هذا الدين بالسيف، ورفع بولاة الأمور عن ضعيف الرعية ثقل الخيف والحيف، وأمر الحق في أهله بحسن نظرهم الذي ينتقي الزين وينتقد الزيف، وعرم البلاد بعدلهم الذي إذا طلعت شموسه النيرة، وكان الظلم معها سحائب صيف. وقمع المفسد بمهابتهم التي منعت جفونه أن تجد رجعة هجعة أو ضيف طيف، وجمع حكمة الإيمان ببأسهم الذي إذا دعاهُ مُهمّ لم يقل له متى ولا كيف.
وصلاته على سيدنا محمد خير من أطعنا نهيه وأمره، وأشرف من كحل سواد أمته طرفُ الزمان وكان أمره، وأفضل من ساد بشرفه زيد الخلق وعمره، وأكرم من كان له من الناس على العدل أفضل قوة، وعلى الإحسان إليهم تمام قدره، وعلى آله وصحبه الذين أمضوا فضله وأعزوا نصره، وأطاعوا من جعلوا له عليهم الأمر والإمرة، وجبلوا على محبته فما نهى أحدهم عن شيء فكره أن لا يكون فيه فكره، وهجروا الأهل والوطن في طاعته فكم صبروا على هجير هجره، صلاةً يرسلُ غيثها في كل قطر من الأرض قطره، وينبت روضها الأنف في السماء بين الأنجم الزهر زهره، وسلم ومجد وكرم.
فإنه لما كانت مدينة بعلبك والبقاعان أنموذج الجنة، وغاية إذا جرت جياد الأفكار في ارتياد نزهة ثنت إليه الأعنة، وبقعة إذا تمنت النفوس نفائس شيء كانت لتلك الأماني مظنة، فهي أصح البلاد لأولي الذوق والظرف، وأحسنُ مكان سرح في مدى ميدانه طرف الطرف، قد ركبت على الصحة فما خطبت بخطب، وعلى قول النحاة فقد منعت من الصرف. أهلها أطع رعية، وأكثر خيراً وألمعية، ينقادون لأميرهم، وينادون لمشيرهم، ويتأدب صغيرهم بأدب كبيرهم، وقد خلت هذه المدة من نائبٍ يستقر بها أو يستقل، ويستمد من محاسن هذه الدولة الشريفة أو يشتمل، وكان المجلس السامي الأميري السيفي أرغون الناصري هو السيف الذي حُمدت مضاربه، وشكرت على اختلاف أحواله تجاربه، وأرضت، وأين من ترضى عزائمه؟، وجرد وجرب فلا المجدُ مخفيه، ولا الربُ ثالبه، واصبح وما كل سيف على عاتق الملك الأغر نجاده، وفي يد جبار السموات قائمه، هذا إلى ما اتصف به من كرم الخلال التي قد فغم الخافقين رياها، والتحق به من علو الهمم التي ملء فؤاد الزمان إحداها، وظهر عنه من عز عزم ببعضه يجر طولى القنا وقصراها، واشتهر به من سجايا لو كفر العالمون أكثرها لما عدت نفسه سجاياها، فلذلك وقع الاختيار عليه، ورسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري لا زالت أوامره بالسيف ماضية، ويجد حجته قاضية، أن يفوض إليه نيابة بعلبك المحروسة والبقاعين على عادة من تقدمه في ذلك وقاعدته، فليتول ما فوض غليه ولاية تحمد منها العواقب، ويشخص لها طرف الشهاب الثاقب، ويتساوى في أمنها منها أهل المراقد والمراقب، وينهض بهمته في أمور الدولة المهمه، ويشمر عن ساعد كفايته في الأوقات التي حراسته في جيدها تميمة، وسياسته لحسنها تتمة، وليقم منار الشرع الشريف، ويعضد حكمه، ويعمل في تنفيذ أمره المطاع فكرهُ وعزمه، فإنه الطريقة المثلى، والحجة التي من نكب عنها لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، حتى يكون هو الذي أقام الحق، وكان على الذي أحسن تماماً، وجلا بشمس العدل الشريف من أفق الظلم ظلاماً، وأعلى المحق على المبطل، لأنّ له مقالاً ومقاماً، وليردع المفسد بنكاله، ويقمع المعتدي بجلاده، ولا يقال بجداله، وليجتنب أخذ البريء بصاحب الذنب، ويحذر الميل على الضيعف، الذي لا جنب له، ويترك صاحب الجنب، وعمارة البلاد، فهي المقدم من هذا المهمّ، والمقصود بكل لفظ تم له المعنى أو لم يتم، فليتوخ العدل فإنه أنفع للبلاد من السحب الماطرة، والذ لأهل القرى من ولوج الكرى في الأعين الساهرة، فإنه لا غيث مع العيث، ولا حلم مع الظلم، وليصل باعَ من لا له إلى الحق وصول، وليتذكر قوله عليه السالم والسلام: " كلكم راع وكل راع مسؤول " ، فإنه إذا اتصف بهذه المزايا، والتحف بهذه السجايا تحقق الملك الأمجد لو عاصره أنّ المجد للسيف، وقال تعجباً من سيرته: من أين اتفقت هذه المحاسن وكيف، وملاك هذه الوصايا تقوى الله عز وجل، فليكن ركنه الشديد، وذخره العتيد وكنزه الذي ينمى على الإنفاق ولا يبيد، والله تعالى يوفق مسعاه، ويحرس سرحه ويرعاه والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، إن شاء الله تعالى.
أرغون الأمير سيف الدين الكاملي


توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:19 AM ]


نائب حلب، ونائب دمشق، ذو وجه طبعَ البدرُ على سكته، وقد لا شك أن قلب المحبّ يذوب من شكته، وعيونٍ سبحان من أبدعها، عروة ليس لها زر سوى السحر، وثغر يتمنى لو كان مثله ما يرضع في التاج أو يتحلى به النحر، ويفتن من يراه، ويعترف بالبوبية لمن براه، وحفظ لإيمانه، وخاف ربه فما نكث عهده ولا خانه، ورعى من ورعه سلطانه، وقمع بالمروءة شيطانه، لأن بيبغاروس لما خرج على السلطان وبغى، وطف ماءُ تمرده، طغى، راسله في الباطن بالباطل مراراً، وقتل في ذروته والغارب نهاراً جهاراً، ووعده بأنه لا يغير عليه في دمشق أمراً من النيابة، وأن يكون شريكه في المهانة والمهابة، وطالت الرسائل بينهما، ولم ير فيه مغمزاً يلين، وتحقق بيبغا أنه من الصابرين عليه والصائلين، فأعياه انقياداً لمرامه، وعلم أنّ بازيه لا يحوم حول حماه ولا يسف على حمامه، فنكص عنه خائباً، وكر نجمه عنه كاسفاً غائباً.
وكان كثير السكون، وراجح الميل إلى العدول والركو، ولا يدخله في أحكامه غيظ ولا حرج، ولا يبالي أدخل الحق على نفسه أو خرج، يعرف القضية من أول ما ينهى إليه أمرها، ويستشف الحقّ في فضلها إذا أشبّ الباطل جمرها، لا يغيب عن ذهنه واقعة جرت، ولا يسير عن ذهنه قضية انقضت أو سدت:
يُحدث عما بين عادٍ وبينه ... وصُدغاه في خدي علامس مراهق
وما الحسنُ في وجه الفتى شرفاً هل ... إذا لم يكن في فعلهِ والخلائقِ
ولم يزل أرغون الكاملي في محاق وكمال، وزيادة وزوال إلى أن:
قصدت نحوهُ المنية حتى ... وهبت حسنَ وجههِ للتراب
أول ما أنشأه الملك الصالح إسماعيل، وزوجه أخته من أمه بنت الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وذلك في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وجهزه عقيب زواجه إلى الأمير بدر الدين جنكلي، وقال: انزل إلى الأمير بدر الدين، وقبل يده، فحضر إليه وكنت جالساً عنده، فلما دخل إليه أعظمه وبجله وبش له وهش، وأجلسه، وأحضر له قبا بطرز زركش وألبسه إياه ولم يكن الأمير بدر الدين ممن يهوى المرد، ولا يميل إليه، فلما خرج من عنده، قال لي: أرأيت ما أحسن وجه هذا وعيونه، فقلت له: نعم، رأيت، ونعم ما رأيت.


وكان يعرف في حياة الصالح إسماعيل بأرغون الصغير، فلما مات الصالح رحمه الله تعالى، وتولى الملك أخوه الملك الكامل شعبان أعطاه إمرة مئة وتقدمة ألف، ونهى أن يدعى أرغون الصغير، وسمي أرغون الكاملي.
ولما مات الأمير سيف الدين قطليجا الحموي في نيابة حلب، رسم الملك الناصر حسن له بنيابة حلب، فوصل إليها يوم الثلاثاء خامس عشر شهر رجب الفرد سنة خمسين وسبع مئة، وعمل النيابة بها على أحسن ما يكون من الحرمة والمهابة، وخافه التركمان والعرب، ومشت الأحوال بها، ولم يزل بها إلى أن جاءه الأمير سيف الدين كجُك الدوادار الناصري، بأن يخرج ويربط الطرقات على أحمد الساقي نائب صفد، فبرز إلى قرنبيا، فأرجف بإمساكه، فهرب منه الأمير شرف الدين موسى الحاجب بحلب وغيره، ثم إنّ جماعة من الأمراء لحقوا بالحاجب، وأوقدوا النيران بقلعة حلب، ودقوا الكوسات، ونادوا في الناس لينهبوا طلبه، وما معه، فتوجه إلى المعرة، وكتب إلى الأمير سيف الدين طاز يرق نائب حماه، فلم يجد عنده فرجاً، فرد طلبه، ونقله إلى حلب، وتوجّه على البرّية إلى حمص في عشرة مماليك، وقاصى من التركمان شدة.
ثم إنه ركب من حمص هو ونائبها الأمير ناصر الدين محمد بن بهادر آص في ثلاثة مماليك، ودخل دمشق يوم الجمعة سابع عشري الحجة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فجهز نائب الشام الأمير سيف الدين أيتمش الحاجب إليه، وابن أخته الأمير سيف الدين قرابغا بقباء أبيض فوقاني بطرز زركش ومركوب مليح، ودخل غليه، وأقام عنده بدار السعادة إلى بكرة السبت ثاني يوم، وجهزه إلى باب السلطان على يدهما مطالعة بالشفاعة فيه، ولما وصل إلى لد تلقاه الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار، ومعه له أمان شريف مضمونه أنه ما كتبنا في حقك لأحد، ولا لنا نية في أذاك، فغن اشتهيت تستمر في نيابة حلب، وإن اشتهيت نيابة غيرها، وإن أردت أن تحضر إلينا كيفما أردت عملنا معك، فعاد معه طشبغا الدوادار إلى مصر، وأقبل السلطان عليه، وأنعم عليه، وأعاده إلى حلب.

فوصل إلى دمشق ومعه طشبغا الدوادار، واصبح يوم الاثنين جلس في دارس العدل إلى جانب قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وظهر نائب حلب إلى قاضي القضاة الحنفي وغيره، وقام من الخدمة، وتوجّه إلى الجامع الأموي، وصلى فيه ركعتين، ودخل إلى خانقاه السميساطي. ولما كان عصر الخدمة خلع نائب دمشق عليه قباء بطرز زركش، وفرساً حسناً بسرجه ولجامه، وكنفوشة الذهب.
وتوجّه بكرة الثلاثاء إلى حلب وصحبته ابن ازدمر مقيداً لأنه كان طُلب من حلب لما شكاه للسلطان، فرد معه من الطريق، ولما وصل إلى حلب تلقاه الناس بالشموع إلى قنسرين وأكثر، ودخلها دخولاً عظيماً، ووقف في سوق الخيل، وعرى زكري البريدي، وأراد توسيطه، ونادى عليه هذا جزاء من يدخل بني الملوك بما لا يعنيه، فنزل طشبغا وشفع فيه، فأطلقه، وأحضر ابن أزدمر النوري، وقال: قد رسم لي السلطان أن أسمرك وأقطع لسانك، ولكن ما أواخذك، وأطلعه إلى قلعة حلب، وأقام على ذلك إلى أن عزل الأمير سيف الدين أيتمش من نيابة دمشق في أول دولة الملك الصالح صالح، فرسم للأمير سيف الدين أرغون بنيابة الشام، فدخل الشام بطلبه في نهار الاثنين حادي عشر شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وكان قد قدم من مصر لإحضاره الأميرُ سيف الدين ملكتمر المحمدي، فأقام في نيابة دمشق، وهو منكد الخاطر، ولم يصفُ له بها عيش، وجهز دواداره الأمير سيف الدين ططق يستعفي من النيابة، وأن يكون في باب السلطان من جملة الأمراء، فما أجيب إلى ذلك.
ولم يزل بدمشق مقيماً إلى أن خرج بيبغاروس وأحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس على السلطان الملك الصالح، واجتمعوا وجروا العساكر وجاؤوا إلى دمشق، فلما بلغه حركة المذكورين حلف عسكر دمشق للسلطان الملك الصالح ولنفسه في العشر الأولى من شهر رجب، وهو مقيم في القصر الأبلق، وكتم أمر نفسه وما يفعله، وأظهر أنه يتوجه بعسكر دمشق، ويقيم بهم على خان لاجين، فوصل إليه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار ومعه ملطفات إلى أمراء دمشق وحلب وطرابلس وحماه بعزل نوابها، وأنهم إن حضروا إلى دمشق مخفين يجهزهم نائب الشام إلى باب السلطان، وإلا فليمسكوا ويقيدوا، وكان وصول الدوادار في سادس عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وفي حادي عشر شهر رجب نادى في العسكر بالخروج إلى خان لاجين، وأنهم في بكرة النهار يجتمعون في سوق الخيل، وليتوجهوا أمامه، وكان هذا رأياً صالحاً حميداً، ولم يعلم أحد بما في ضميره، فلما اجتمع الناس خرج لهم الأمير علاء الدين علي بن بيبرس الحاجب، وقال: بسم الله، توجهوا إلى مصر، فسُقط في أيدي الناس، وتوجهوا أمامه إلى جهة الكسوة، هو ساقه لهم، ولم يزل بهم سائراً ليلاً ونهاراً إلى أن وصل بهم إلى لُد، فخيم بها وأقام.
وقتل أنا وقد خرجت معه بغتة:
خرجنا على أنا نلاقي عسكرا ... أتى بيبغا فيها على خان لاجين
فلم ندر من تعتيرنا وقطوعنا ... فأنفسنا إلا بأرض فلسطين
وقلت أيضاً أتشوق إلى ولدي:
أيا ولدي وافاني البينُ بغتةً ... وبدد شملاً قد تنظم كالعقدِ
فسرتُ وما أعددتُ عنك تجلداً ... لقلبي ولا حدثتُ نفسي بالبعدِ
وفي رابع عشري شهر رجب نزل بيبغا بمن معه على خان لاجين، ودخل دمشق مُطلباً، ونزل على قبة يلبغا بمن معه بأحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، وألطنبغا برناق نائب صفد، وقراجا بن دلغادر ومن معه من التركما، وحيار بن مهنا. وبعد ثالثة أيام توجه أحمد الساقي بألف وخمس مئة فارس، وأقام على المزيرب، وجرى في دمشق ما لا جرى في أيام غازان، نُهب المرج والغوطة وبلادهما، ونهبت بلاد حوران، ونهبت البقاع، وسبيت الحريم، وافتضت الأبكار، وقطعت الآذان بحلقها، وأخذت الأموال.
ولم يزل الأمير سيف الدين مقيماً على لد بعساكر دمشق إلى أن وصل الأمير سيف الدين طاز في خمسة آلاف من عسرك مصرن وأقام على ظاهر لد، وكثرت الأراجيب بما يفعله من مع بيبغا من التركمان من الأذى في دمشق، فقلت أنا أذكر أولادي:
أخرجني المقدور من جلق ... عن طيب جنات جنيات
فإن أعد يوماً لها سالماً ... فهو بنيّات بُنياتي
وقلت وقد زاد الإرجاف بأن بيبغا تقدم بمن معه من العساكر إلى الكتيبة:

قد ضجرنا من المقامِ بلدٍ ... بلدٍ ما طباعه مثل طبعي
كلما قيل لي كتيبةُ جيش ... قد أتت للكتيبة اصطكَ سمعي
فتراني مغيراً من سقامي ... ونحولي وفي المزيريب دمعس
وقلت، وقد زاد الذباب علينا بلدّ من طول مقامِ العساكر في منزلتها:
لقد أتانا ذباب لُد ... بكل حتفٍ ولك حيف
وقل: هذا ذبابُ صيف ... فقلت: لا بل ذبابُ سيف
وفي يوم الجمعة ثاني عشري شعبان وصل السلطان الملك الصالح صالح بالعساكر المصرية إلى منزلة بدعرش، وتلقاه الأمير سيف الدين أرغون بالعساكر إلى قرية يُبنى.
وفي يوم السبت توجهت العساكر الشامية إلى دمشق في ركاب أرغون الكاملي، وخرج الأميران سيف الدين شيخو، وسيف الدين طاز على أثرهم، ودخل النائب إلى دمشق يوم الثلاثاء.
وفي يوم الخميس مستهل شهر رمضان دخل السلطان إلى دمشق، وكان بيبغا ومن معه لما تحققوا خروج السلطان من مصر انقلبوا على عقبهم ناكصين - على ما تقدم في ترجمة أحمد، وعلى ما سيأتي في ترجمة بيبغا - ثم إن شيخو وطاز وأرغون الكاملي توجهوا بالعساكر إلى حلب. وورد بعد ذلك كتاب ابن دلغادر يقول فيه: إن بيبغا وأحمد وبكلمش جاؤوا عندي على فرس فرس، ولم يكن معي مرسوم بإمساكهم، وباتوا عندي ليلة، وتوجهوا إلى البلاد الرومية، ثم إنّ العساكر أقامت على حلب، واتفق الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز على إقامة الأمير سيف الدين أرغون الكاملي في حلب نائباً لسدّ هذا الثغر في هذا المهم، وكتباً إلى السلطان بذلك، فكتبت له تقليده بذلك من دمشق، وجهز إلى حلب، وأمّروا جماعة من مماليكه طبلخاناه، وجماعة عشرة، وذلك في خامس عشري شهر رمضان، وعادت العساكر إلى دمشق، ودخل شيخو وطاز إلى دمشق يوم الجمعة سلخ شهر رمضان، وأصبح العيد يوم السبت.
وفي سابع شوال توجّه السلطان بالعساكر المصرية إلى مصر، ولم يزل الأمير سيف الدين أرغون بحلب نائباً إلى أن حضر أحمد وبكلمش إلى حلب مقيدين، وحزت رؤوسهما، وجُهزت إلى باب السلطان - على ما تقدّم في ترجمة أحمد، وسيأتي في ترجمة بكلمش - ثم إنه بعد ذلك حضر بيبغاروس مقيداً إلى حلب، وخز رأسه، وجهز إلى باب السلطان على ما سيأتي في ترجمته - ثم إن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي توجه بعسكر حلب، ومعه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار خلف ابن دلغادر، ووصل إلى الأبلستين وحرقها، وحرق قراها، ودخل إلى قيصرية، وهرب ابن دلغادر، واتصل بمحمد بك بن أرتنا، وعاد الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى حلب، ودخلها يوم الثلاثاء خامس شهر رجب سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وقاسى هو والعساكر شدائد وكابدوا أهوالاً، ومشى هو بنفسه في تلك المضائق، ثم إن ابن دلغادر وصل إلى حلب، وجهز منها إلى مصر مقيداً، وجرى له ما جرى، على ما يأتي ذكره في ترجمته.
ولم يزل الأمير سيف الدين أرغون على حاله نائباً بحلب إلى أن خلع الملك الصالح صالح، وأعيد الملك الناصر حسن في بكرة الاثنين ثاني عيد الفطر سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وطلب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى باب السلطان، وحضر الأمير سيف الدين طاز عوضه نائباً بحلب، وذلك في أواخر شوال. وأقام أرغون الكاملي بالديار المصرية أمير مئة، مقدم ألف تاسع صفر سنة ست وخمسين وسبع مئة فأمسك بالقلعة، وجُهز إلى الإسكندرية، واعتقل هناك. ولم يزل هناك معتقلاً وعنده زوجُه إلى أن أفرجَ عنه، ورُسم له بالحضور إلى القدس الشريف ليكون به مقيماً، وحصل له ضعف، وأثقل في المرض، وعوفي بعد مدة. وبنى بالقدس تربة حسنة.
وكان قد عز على الحج في سنة ثمان وخمسين، فمرض أيضاً، وأفطر شهر رمضان، فبطل الحج، ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس خامس عشري شوال، ودفن في تربته، ولم يكمل عمارتها، وخسف الموت من أرغون الكاملي بدره الكامل، وبت شمل سعده الشامل.
وأظن مولده في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكنت قد كتبت إليه قصيدة، وهو بحلب أذكر فيها انتصاره على بيبغا وأحمد وبكلمش، وهي:
قد توالى النصر الذي قد تغالى ... في مليكٍ أرضى الإله تعالى
وحمى الملك والممالك والدي ... ن وقاد الجيوش والأبطالا

الأمير المهيب أرغون ذو البا ... س الذي عزمه يدك الجبالا
سار منجلق إلى لدّ لما ... أن بغى بيبغا ورام القتالا
لم يسر خيفةً وكيف يخاف الل ... يثُ يوماً إذا تراءى الغزالا
خاف سفكَ الدماء في رجب الفر ... د، وسفكُ الدماء كان ضلالاً
وتأتي في لدّ يرجو لقاهم ... بثبات لا يعرف الترحال
فهو فيها ليثٌ بغاب سلاحٍ ... كان بيضاً بُترا ومسرا طوالاً
وهم عاجزون لم يتنحوا ... عن مكانه فيه أقاموا كُسالى
فتخلى الشيطان عن كل غاوٍ ... وانثنى خائباً وولى القذالا
من يخون الإيمان كيف يلقى ... بدرهُ في دجى النفاق كمالاً
نكث العهد مائلاً لفجور ... هو عندي لو استحى ما استحالا
أضعفَ الرعبُ قلبهم فتولوا ... خوراً ثم زلزلوا زلزلا
ثم باتوا ما أصبحوا مثل ظلٍ ... نسختهُ أيدي الضياء فزالا
قطعوا البيد لا يُديرون وجهاً ... ليردّوا الغضنفر الرئبالا
تركوا المال مائلاً لسواهم ... وأضاعوا الحريم والأموالا
أمطرتهم قسيهُ وبل نبل ... ملأت سائر الوهاد وبالا
ما استقروا في منزل قطّ إلا ... وبهم قد نبا وضاق مجالا
شبعوا غربة وفقراً وذلا ... وهواناً وروعة وسؤالا
وأتوا خاضعين ذلاً وعجزاً ... يحملون القيود والأغلالا
بوجوه قد سودتها المعاصي ... نحو وجهٍ من نوره يتلالا
ثم حُزت رؤوسهم بسيوف ... ليس يدري المضاءُ منها كلالا
فاشتفي المسلمون منهم وقرت ... أعينٌ ما رأت زماناً خيالا
إن رباً أعطاك نصراً عزيزاً ... وكسا وجهكَ الجميل جمالاً
هو يُوليك ما تحاول منه ... في المعالي وتبلغ الآمالا
أوحشت منك جلق فهي تشكو ... فيك شوقاً تراه داء عُضالا
أنت باهيت حسنها بمحيّا ... جعل البدرَ من حياء هلالا
ثم كاثرت شهبها بالأيادي ... فلما جُودك الأكف نوالا
وكستها أخلاقُك الغر لطفاً ... منه مادَ القضيب لطفاً ومالا
وهي ذاقت من حكمك الفصل عدلاً ... صار في قامة الرماح اعتدالا
فلك الله حافظ حيثما كن ... ت لتُفني من العدا الآجالا
أرقطاي الأمير سيف الدين المعروف بالحاج أرقطاي. من مماليك الأشرف. جعله الملك الناصر جمداراً، وكان هو والأمير سيف الدين أيتمش نائب الكرك بينهما أخوة. وكانا في لسان الترك القبجاقي فصيحين، وكانا يرجع إليهما في الياسة التي هي بين الأتراك.
ولما خرج الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - خرج معه الحاج أرقطاي والأمير حسام الدين البشمقدار، فحضر الثلاثة على البريد، ولما كان بعد قليل بلغ تنكز أن الأمراء بدمشق يتوجهون بعد الخدمة إلى دار الحاج أرقطاي ويأكلون على سماطه، فما حمل ذلك تنكز، وكبت إلى السلطان فأخرجه إلى حمص نائباً في يوم الأحد سابع شهر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة، وأعطي خبز بيبرس العلائي ومماليكه وحاشيته، فأخذهم عنده، وأقام بحمص مدة، ثم إنه رسُم له بنيابة صفد، فحضر إليها في ثمان عشرة وسبع مئة في جمادى الأولى بعد إمساك طغاي الكبير بها فيما أظن، فأقام بها، وعمر بها دوراً وأملاكاً، وتوفيت زوجته ابنةُ الأمير شمس الدين سنقرشاه المنصوري. بنى لها تربة شمالي الجامع الظاهري، وهي تربة حسناء بالنسبة إلى عمائر صفد، وصار بها للجامع رونق لم يكن له أولاً.
وأعطي ولده أمير علي طبلخاناه، وولده إبراهيم أمير عشرة بعد ما طلبهما، السلطان بسفارة الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - أمرهما عنده بدمشق، وأقاما عنده مدة، ثم إنه جهزهما إلى صفد، وكان في الآخر قد حنا عليه حنواً كثيراً.

ولما كان في سنة ست وثلاثين وسبع مئة طلب الأمير سيف الدين أرقطاي إلى مصر، وجهز الأمير سيف الدين أيتمش أخوه مكانه نائباً بصفد، وأقام الحاج أرقطاي بمصر مقدم ألف.
ولما توجه العسكر إلى أياس جهز إليها في جملة الأمراء، وحضر من هناك، وأقام بالقاهرة يعمل نيابة الغيبة إذا غاب السلطان في الصيد، فلما قدر واقعة تنكز وإمساكه، حضر مع من حضر من الأمراء صحبة الأمير سيف الدين بشتاك، ثم إنه رسم بنيابة طرابلس عوض الأمير سيف الدين طينال، فتوجه إليها، ولم يزل بها مقيماً إلى أن توجه ألطنبغا إلى طشتمر نائب حلب، وكان الحاج أرقطاي بعسكر طرابلس مع ألطنبغا، وتوجهوا إلى حلب، وعادوا، وجرى ما جرى من هروب ألطنبغا إلى مصر، وكان الحاج أرقطاي معه، فأمسكا واعتُقلا بالإسكندرية. ثم أفرج عن الحاج أرقطاي في أول دولة الصالح إسماعيل بوساطة الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، وجُعل كما كان أولاً بالقاهرة من جملة الأمراء المشايخ المقدّمين، واقام على ذلك إلى أن توفي الملك الصالح، وتولى الملك الكامل شعبان، فرسم له بنيابة حلب عوض الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة، فأقام بها تقدير خمسة أشهر، ثم طلب إلى مصر، وجهز إلى حلب الأمير سيف الدين طقتمر طاسه نائب حماة. فتوجه الحاج أرقطاي إلى مصر، واقام بها قليلاً إلى أن خلع الكاملي، وتولى الملك المظفر حاجي، فرسم له بنيابة مصر.
ولمن يزل في نيابة مصر إلى أن خلع المظفر، وتولى الملك الناصر حسن، فطلب الإعفاء من مصر، وأن يعود نائباً، فرسم له بذلك، فوصل إلى دمشق في رابع عشر شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن قتل أرغون شاه، فرسم للحاج أرقطاي بنيابة دمشق، ففرح أهل دمشق به، وتوجهوا إليه إلى حلب وما دونها، فاستعد لذلك، وخرج في طلبه وحاشيته، وكان قبل ذلك قد حصل له حمى، ثم إنه حصل له إسهال، فنزل إلى منزلة عين المباركة ظاهر حلب، مرة يركب الفرس، وإذا أثقل في المرض ركب في المحفة، إلى أن حم له الأجل، وتلون له وجه الحياة تارة بالوجل وتارة بالخجل.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - عصر الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة بعين المباركة. فعاد الناس خائبين، وعاجوا بعد الفرح بالترح آيبين.
وكان - رحمه الله تعالى - ذكياً فطناً، محجباً لسناً، مع عجمة في لسانه، وعقدة في بيانه. وله التنديب المطبوع، والتندير الذي فيه الظرف مجموع، مع ميل شديد إلى الصور الجملية، والقامة المديدة مع الوجنة الأسيلة، لا يكاد يملك نفسه إذا رأى العين النفاثة، والجفون الخوّانة النكاثة، والمباسم الفلج، والحواجب البلج. ونفسه زائدة الكرم في المأكول، وسماطه دائماً ممدود لمن أمره إليه موكول. وأظنه عدى السبعين.
وأنشدني بحماة من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين محمد بن علي الغزي بحماة تاسع جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة:
قالوا: أرقطاي مات، قلت: هل ... في الموت بعد الحياة من عجب
ما مات من فرحةٍ بنقلته ... بل مات من حزنه على حلب
اللقب والنسب


الأرمنتي الحسين بن الحسين.
وكمال الدين عبد الباري وكمال الدين عبد الرحمن بن عمر وتقي الدين عبد الملك بن أحمد وجمال الدين محمد بن الحسين وشرف الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي محمد بن إبراهيم.
وصدر الدين محمد بن الحسن.
وصفي الدين محمود بن أبي بكر.
آروم بغا الأمير سيف الدين الناصري.
لما توفي الملك الناصر، ووفر الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي من وظيفة أمير جاندار، أقيم الأمير سيف الدين أروم بغا مكانه أمير جاندار، ولم يزل كذلك إلى أن ملك الصالح إسماعيل، فرسم له بنيابة طرابلس، فحضر إليها عوضاً عن الأحمدي المذكور، وأقام بطرابلس قليلاً، تقدير أربعة أشهر، إلى أن بات في الثرى موسداً وأصبح على رحمة ربه محسداً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وجاء بعده الأمير سيف الدين طوغاي الجاشنكير، الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في حرف الطاء مكانه.


وكان الأمير سيف الدين أروم بغا شكلا كاملاً، إلى الخير مائلاً، محسناً إلى من يعرفه، مجتهداً على مالٍ ينفقه ويصرفه. محبوب الملتقي، قريب المستقى، باراً بأصحابه، فأراً من الأذى اقترابه. وأحمد الناسُ أمره في وظيفته بمصر لما باشرها، وخالطها بالحسنى وعاشرها، إلى أن توجه لنيابة طرابلس على ما تقدم.
أزبك بن طقطاي القان بن القان، صاحب بلاد أزبك، مملكته شمالينا بشرق، وهي من بحر قسطنطينية إلى نهر أربس مسافة ثمان فرسخ، وعرضها من باب الأبواب إلى مدينة بلغار وذلك نحو ست مئة فرسخ، ولكن أكثر ذلك مراعي وقرى. ولها في أيديهم ما ينيف على المئة سنة.
كان ذا بأس وإقدام، وعبادة في الليل في المحراب، وصف أقدام. لما أسلم أسلم بعض رعيته، وعاملهم بحُسن ألمعيته. لم يلبس سراقوجا ولا شيئاً من شعارهم، ولا رغب في درهم ولا دينارهم. يلبس حياصة فولاذ متغير ذهب، ويقول: الذهب حرام على الرجال وقد وجب. وكان يؤثر الفقراء يوحبهم، ويجانب من يُعرض عنهم ويسبهم، يتردد إلى بعض الصوفية ويقول له: أشتهي لو قُتلت، فيقول له ذلك الصوفي: لأي شيء؟ قال: لأنكم تقولون: إن جميع من في ملكي أذاه متعلق بعنقي.
كان السلطان الملك الناصر قد خطب ابنته، وقيل: أخته، وأجاب إلى ذلك، وجهزها في البحر إلى إسكندرية، وتوجه القاضي كريم الدين لملتقاها إلى الإسكندرية، وعمل لها ضيافة في الميدان تحت القلعة، وبعد ذلك طلعت إلى القلعة، وجرى في أمرها ما جرى، وتوهم السلطان أنها ليست من بنات أزبك فهجرها وزوجها بالأمير سيف الدين منكلي بغا السلاح دار، فتوفي عنها، فزوجها بالأمير سيف الدين صوصون أخي قوصون، فتوفي عنها، فزوجها ابن الأمير سيف الدين أرغون النائب.
ولم يزل القان أزبك على حاله إلى أن خانته أم دفر، وامتلأ فمه وعينه بالعفر.
وكانت وفاته سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة.
أزدمر الأمير عز الدين العلائي.
كان أميراً كبيراً، أثيلاً في المكانة أثيراً، عديم المعرفة والفهم، فارس الخيل ما مثله شهر، شرس الأخلاق، صعب المراس على الإطلاق.
لم يزل بدمشق على حاله إلى أن ظفرت به اليد الغالبة، والداهية التي هي للنعم سالبة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة سنة ست وتسعين وست مئة. وصلي عليه بجامع بني أمية. وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء، ودفن داخل دمشق عند مسجد ابن فريدون من نواحي مئذنة فيروز.
وهو أخر الحاج علاء الدين طيبرُس.
اللقب والنسب


الأزرق مملوك العادل كتبغا، اسمه بكتوت. ابن الأزكشي الأمير بدر الدين موسى بن أبي بكر. إسحاق بن ألمي التركي المصري الشاعر قال الشيخ شمس الدين الذهبي - رحمه الله تعالى - : طلب قليلاً، وارتحل إلى الغرافي وغلى سنقر الزيني والأبرقوهي، وأخذت عنه: وهو من أقراني، ودخل العراق وبلاد العجم، وأضمرته البلاد بعد العشرين وسبع مئة.
إسحاق بن إسماعيل



ابن أبي القاسم بن الحسن بن أبي القاسم المقدادي الكندي، الفقيه الفاضل نجم الدين أبو الفداء بن القاضي مجد الدين بن الرحبي.
كان رجلاً فاضلاً صالحاً، ولي قضاء الرحبة سبعةً وثلاثين سنة، ووليها والده وجده.
قدم إلى دمشق، ولازم الشيخ تاج الدين الفزاري، وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وغيرهما، وكان مشكور السيرة، يحبه أهل بلده من تقدم إلى الرحبة من الأجناد والفقراء. وقدم إلى دمشق قبل موته بسنة وأشره، وولي بها نيابة الخطابة، وخطب في العيدين، وسر الناس به لصلاحه وانقطاعه وعفته، وروى بدمشق وبالرحبة.
وتوفي بدمشق في ثاني شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم



بن هبة الله بن طارق

الشيخ الفقيه الفاضل المسند المكثر كمال الدين أبو الفضل الأزدي الحلبي الحنفي النحاس.
سمع الكثير من الموفق يعيش، والعزّ بن رواحة، والمؤتمن بن قميرة، وابن خليل، وأخيه الضياء صقر الكلبي وابن أخيه شمس الدين الخضر بن قاضي الباب وأبي الفتح البارودي وهدية بنت خميس ومحمد بن أبي القاسم القزويني والكمال بن طلحة والنظام محمد بن محمد البلخي، وعدة.


وخرج له جزءاً عنهم المحدّث أمين الدين الواني، وعنده عن ابن خليل نحو من ست مئة جزء. وقد أكثر عنه المزني والبرزالي وقاضي القضاة العلامة تقي الدين السبكي والمحب والواني وشمس الدين الذهبي.
وكان له حانوت وبطله، وشغله بمعاشه وعطله. وله مدارس كان يحضرها وأوقاف يحصرها، وفيه تعسر على الطلبة وشُح، وعنده بخل بمسك الإفادة على الطلبة ولا يسمح.
وكان قد تنبه شارك، وقالب الأشياخ وعارك، ونسخ بخطه أجزاء كثيرة تركها بعده، وأولاها بعد الموت بعده.
ولم يزل على حاله إلى أن انطبق جفناه على قذى الحين، وصبر على أذى البين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سن ثلاثين وست مئة.
وكان له دكان بسوق النحاسين، ثم إنه تركها أخيراً.
إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم


الشيخ العالم الفاضل المسند المعمر عفيف الدين أبو محمد الآمدي ثم الدمشق الحنفي، شيخ دار الحديث الظاهرية بدمشق.
سمع من عيسى بن سلامة، ومجد الدين بن تيمية بحرّان، ومن ابن خليل بحلب، وأكثر من الضياء صقر وجماعة بحلب، وسمع بدمشق والمعرة، وحصل أصول وأجزاء، وحضر المدارس، وحج غير مرة، وشهد على القضاة.
وخرج له ابن المهندس عوالي سمعها الشيخ شمس الدين الذهبي والجماعة منه سنة ثمان وتسعين وست مئة. وأخذ عنه القاضي عز الدين بن الزبير، وابنه، وعدة.
وكان طيب الأخلاق ينطبع، ويتلطب البشاشة ويتبع. سهل القياد، واري الزناد، متسماً بالعدالة، محتشماً عن الإزالة. تفرد بأشياء عالية، وأحيا أسانيد بالية.
ولم يزل على حاله إلى أن تعفى أثر العفيف، وضمه الموت في ذلك اللفيف.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
إسحاق القاضي الكبير الرئيس



تاج الدين عبد الوهاب ناظر الخاص

كان من جملة نظار الدولة، ولما أمسك السلطان القاضي كريم الدين الكبر سير إليه يقول له: من يصلح لنظر الخاص؟ فنص على القاضي تاج الدين إسحاق، فأحضره السلطان، وألبسه تشريفة، وباشر الخاص من يومئذ إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - بسكون زائد، وانجماع عن أهل الفتن الذين يرمون الناس من المصابين في مصائد. وساس السلطان بعقله الراجح، وسد الوظيفة بحُسن مقصده الناجح، ولم يختل عليه نظام، وقام في تلك المدة بمهمّات عظام. وجاء بعد كريم الدين ورهجه، واتساع طريقه ونهجه، فكان لا يدير به، ولا يعدم العافي قطر سحابه، وهو على أنموذج واحد وطريق واحدة، وسنة من السكون جارية على أكمل قاعدة.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل به من الموت داؤه العضال، والأمر الذي لا يرده طعان ولا نضال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة.
وكان قد ولي نظر الخاص سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وهو والد القاضي علم الدين إبراهيم ناظر الدولة. والصاحب شمس الدين موسى ناظر الشام. والقاضي سعد الدين ماجد.
وتولى ولده الصاحب شمس الدين موسى نظر الخاص بعده أشهراً، ثم نُقل إلى نظر الجيش لما توفي القاضي فخر الدين.
إسحاق الأمير علم الدين الحاجب



كان بحلب حاجباً، فترامى إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - فولاه نيابة حمص، وأحضر تقليده من مصر، وألبسه تشريفة بدمشق في ثالث جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وتوجه إليها فلم تطل مدته في هذه النيابة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - وكان قد تولى نيابة حمص بعد الأمير علاء الدين طيبغا قوين باشي، الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في مكانه.
أسدالحكيم اليهودي المعروف



بالسيدة، تصغير أسدة.

كان ذكياً، له مشاركات في المعقول، وخير ما يعرفه الإلهي والطبيعي ، ولم يكن يعرف رياضياً ولا منطقياً، وحرفته التي يتكسب بها لجراح مع مشاركة في الطب والكحل وغير ذلك من الطبيعي. ولم يُر أقدم منه على الجراحة في جبر ما يكسر من العظم ويُهاض. باشر الجراحات العظيمة للأمراء الكبار مثل الأمير بدر الدين بيدرا ناظر الأشرف على عكا، ومثل الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وفيه يقول علاء الدين الوداعي، وقد عالج سنجر الدواداري، ونقلته من خطه:
يا قوم إن الدواداري مبتع ... في فضله أنبياءَ الله مجتهد


كأنه دانيال في كرامته ... ذلت له الأسد حتى طبّه أسدُ
وكان الملك المؤيد صاحبكم حماة يحبه ويقربه. وبلغني أنه - رحمه الله تعالى - أوصى له بشيء من كتبه، وكان يتردد إلى العلامة تقي الدين بن تيمية، ويجتمع بالشيخ صدر الدين بن الوكيل، ويبحث معهما.
وكان السلطان الملك الناصر قد طلبه إلى القاهرة ليعالج ما بالأمير عز الدين أيدمر الخطيري من الفالج. ورأيته هناك في سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وهو آخر عهدي به، ولم أرّ من يعرف علم الفراسة أحسن منه بعد الشيخ شمس الدين محمد بن أبي طالب الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في المحمدين.
وقال لي: جبرت رجلاً وداويتها بقدوم ومنشار ومثقب.
ولم يزل على حاله إلى أن هلك، وذاق مرارة الموت وعلك.
وكأنه هلك بعد الثلاثين وسبع مئة، واجتمعت به مرات بصفد ودمشق وحلب والقاهرة.
أسعد بن حمزة أسعد


الصدر الرئيس مؤيد الدين، ابن الصاحب عز الدين بن القلانسي. وسيأتي ذكر والده في حرف الحاء مكانه.
سمع في صغره من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، منهم الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن البخاري، وغيرهما.
ولم يحدث.
وكان رئيساً، وكفه على الإحسان حبيساً.
له جماعة من أصحابه وندمائه، وعدةٌ ممن يفتخر بارتمائه إليه وانتمائه، وقطف عيشه غضاً، وتناول نقده من لذة الشبيبة نضاً.
ولم يزل إلى أن غص بكأس حتفه، وذهب من يد والده على رغم أنفه، وجرعه حسرة أكوى لقلبه من الجمرة، وتدلى بعد ظهور الأسرة إلى بطن الحفرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سابع شهر صفر سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
وحصلت له قبل موته إنابة وإخبات، نفه ذلك بعد الممات. وكان ناظر ديوان الزكاة بدمشق.
الألقاب والأنساب



الأسعردي زين الدين محتسب القاهرة أبو بكر بن نصر. ونبيه الدين حسن بن نصر المحتسب والموقت عبد الله بن يوسف.
أسماء بنت محمد بن الحسن



ابن هبة الله بن محفوظ بن الحسن ، الشيخة الصالحة أم بنت الشيخ عماد

الدين بن صصرى، أخت قاضي نجم الدين.
سمعت من السيد ميك بن علان، وهو عم جدها للأم، خمسة أجزاء، وهي الأول والثاني من بغية المستفيد لابن عساكر، ومجلس في فضل رمضان من أماليه، وحديث إسحاق بن راهوية، ونسخته أبي مسهر. وحدثت بها مرات، وتفردت بثلاث منها، وهي الثاني من البغية والمجلس وحديث إسحاق بن راهويه.
قال شيخنا البرزالي: ولم يقع لنا من روايتها سوى الأجزاء الخمسة المذكورة. قال: قرأت عليها مجلس شهر رمضان في رمضان سنة ثلاث وثمانين، وقرأت عليها قبل موتها بأربعة أيام. فبين التاريخين أكثر من خمسين سنة.
وكان امرأة مباركة متيقظة، كثيرة البر والصدقة والمعروف، وأصيبت بأولادها وأولاد أولادها وأقاربها. وحجت مرات، وأنفقت كثيراً من مالها في الطاعات، ووقفت وقوفاً، ولم يكن بقي من أعيان البلد ورواة الحديث أسنّ منها. وكانت تقرأ القرآن في المصحف. ولها أوراد وسُبح، تذكر الله عليها.
وتوفيت - رحمها الله تعالى - يوم الاثنين حادي عشر الحجة، سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولدها في آخر سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
ودفنت بجبل قاسيون.
إسماعيل بن إبراهيم بن سالم



بن بركات الأنصاري

الشيخ الإمام الفاضل المحدث نجم الدين أبو الفداء الدمشق، الصالحي الحنبلي المؤدب المعروف بابن الخباز.
سمع سنة سبع وثلاثين وست مئة وبعدها من عبد الحق بن خلف والحفاظ الضياء، وعبد الله بن أبي عمر. وسمع من المرس، والبكري، وإبراهيم بن خليل، وابن أبي الجن، وابن عبد الدائم، وأصحاب الخشوعي، وأصحاب الكندي، وابن ملاعب، وابن الزبيدي، وابن اللتي، ثم أصحاب الكريمة، والسخاوي، وسمع من المزي، والبرزالي، وعلاء الدين الخراط، والقاضي شمس الدين بن النقيب، والمقاتلي، وابن المظفر، وابن المحب، وابن حبيب.


وكان يؤدب بمكتب ابن عبد داخل باب توما. وعلى الجملة فقد كتب عمن دب ودرج وما ترك أحداً يفوز منه بالفرج، وخرج وحصل الأجزاء وتعب، ومع عمله الكثير ما أنجب، وساوى من لعب، ولا أتقن شيئاً من العلوم، ولا شارك أهل الفهوم. ولا له إلمام بنحوٍ ولا لغت، ولا له مادة إلى جهة علم مفزعة، بل درب ولم يكن بين أهل هذا الشأن في غربة، مع الخطأ الكثير فيما خرجه وجمعه، وحدث به أسمعه.
وكان يؤدب في مكتب، ولم يكتب خطاً غير خطا، ولا كان له في صورة الكتابة ما يرى وسطاً، وخرج لابن عبد الدائم وغيره، وعلم سيرة لشيخنا شمس الدين الذهبي، وطولها.
ولم يزل على حاله إلى أن درج إلى البلى، وأدبر إلى مسكن الأرض مقبلاً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر صفر سنة ثلاث وسبع مئة.
إسماعيل بن إبراهيم


مجد الدين الشارعي المصري المحدث.
كان شاباً فاضلاً، سمعت بقراءته على الدبابيسي وغيره من أشياخ القاهرة، وسمع هو أيضاً بقراءتي كثيراً. وكانت له عناية بتحصيل الكتب النظيفة، وإكبابُ على ذلك، فهي له وظيفة. وعنده ذكاء ونباهة، وله تقدم بني أهل هذا الشأن ووجاهة.
ولم يزل على حاله إلى أن قصف، وضع المدر عليه ورصف.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة يوم عيد الفطر عشاء.
ورثاه الشيخ تاج الدين بن مكتوم بقصيدة.
وكان سمع بمكة من رضي الدين الطبري، وبالقاهرة في الواني والختني، ورحل مع قاضي القضاة عز الدين بن جماعة. وسمع من ابن الشحنة، ورحل إلى الإسكندرية، وسمع من وجية، وقرأ على تقي الدين الصائغ.
إسماعيل بن إبراهيم بن سليمان المقدسي



ابن الحراني، الإمام الفاضل الطبيب عماد الدين أبو الطاهر المقدسي المصري.
سمع من العز الحراني، وابن خطيب المزة، وابن الأنماطي، وقاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وقاضي القضاة مجد الدين بن العديم، والشيخ قطب الدين بن القسطلاني.
ولم يحد.
وقرأ الطب على العماد النابلسي. وكان طبيباً فاضلاً يعالج علاجاً حسناً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقبرة باب النصر بالقاهرة.
إسماعيل بن إبراهيم



بن سعد الله بن جماعة

عماد الدين أخو قاضي القضاة

بدر الدين بن جماعة.
كان رجلاً جيداً.
سمع من ابن البرهان بالقاهرة، وجلس مدة مع الشهود بدمشق.
وتوفي بحماة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبع مئة.
إسماعيل بن إبراهيم



القاضي عماد الدين الحلبي المعروف بابن الفرفور.
وأول ما علمت من أمره أنه كان في ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار بالشام، ولما مات أرغون في حلب انتقل هو إلى مصر، وخدم أولاده بها - فيما أظن - ثم إنه توفي سنة سبع أو أول سنة ست وثلاثين وسبع مئة، حضر إلى دمشق، وخدم في ديوان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - عاملاً، ولما أمسك تنكز، خدم هو في ديوان الأمير علاء الدين الطنبغا نائب الشام، ثم عند الأمير علاء الدين أيدغمش نائب الشام، ثم من بعده عند الأمير سيف الدين طقزتمر، ثم من بعده عند الأمير سيف الدين يلبغا، وهو عند هؤلاء الأربعة، ناظر ديوان النيابة.
وحصل وثمر وعمر واقتنى الأملاك بدمشق وبحلب.
ثم إنه توجه إلى القاهرة، وعاد مع الأمير سيف الدين ايتمش نائب الشام، وهو على توقيع الدست، وعلى أن يكون ناظر ديوان النيابة، فما اتفق ذلك. ثم إنه باشر الحسبة بدمشق ونظر الخاص المرتجع وغير ذلك.
ثم طلب إلى مصر هو وفخر الدين بن عصفور، وغرما جملة، ثم عاد وتوسع في المباشرات.
ولما مات علاء الدين بن الفويرة، رُسم له من مصر هو وفخر الدين بن عصفور، وغرما جملة، ثم عاد وتوسع في المباشرات.
ولما مات علاء الدين بن الفويرة، رُسم له من مصر بتوقيع الدست بدمشق مكانه، فأقام فيه إلى أن توجه إلى حماة، وعاد منها مريضاً، وطالت به العلة إلى أن توفي - رحمه الله تعالى إلى حماة، وعاد منها مريضاً، وطالت به العلة إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في يوم الخميس حادي عشر صفر سنة سبع وخمسين وسبع مئة. ودفن بتربة له أنشأها في مقابر الصوفية.
وكان كاتباً جيداً في الحساب، حسن العمة، فيه خير وصدقة وملازمة للجامع الأموي إذا كان بمدينة دمشق، وهو أكبر الأخوة.


إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل

ابن بُرتق بن بزغش بن هارون بن شجاع، الشيخ جلال الدين أبو الطاهر القوصي الحنفي.
أخبرني العلامة شيخنا أبو حيان من لفظه، وقال: كان المذكور رفيقنا في المدرسة الكاملية. اشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وأقرأ النحو والقراءات بجامع بان طولوهن. أنشدنا من لفظه لنفسه:
أقولُ له ودمعي ليس يرقا ... ولي من عبرتي إحدى الوسائل
حرمت الطيفَ منك بفيض دمعي ... فطرفي فيك محرمٌ وسائل
وأنشدنا لنفسه:
أقولُ ومدمعي قد حالَ بيني ... وبينَ أحبتي يومَ العتابِ
رددتم سائل الأجفانِ نهراً ... تعثر وهو يجري الثيابِ
وأنشدنا لنفسه:
تخطر في القباء مع القبائل ... فقام بدله عندي دلائل
غزالٌ كم غزا قلبي بعضبٍ ... يُجردهُ وليسَ له حمائل
وأبلى جدتي والبدرُ يبلي ... ومال مع الهوى والغصن مائل
وحال لم أحل عنه ولوني ... بما ألقى من الزفراتِ حائل
فيرتع ناظري برياض حسنٍ ... وأسكر بالشمول من الشمائل
وكم سمع الخيالُ له بليل ... ألم به بأصبح كالأصائل
وضاع تمسكي بالنسك فيه ... وضاع المسك من تلك الغلائل
قلت: شعر جيدٌ صنع.
وكان متصدراً بالجامع الطولوني لإقراء القراءات. وكان له حظ من العربية وإفادات، ومشاركة في الأدب الغض، وما ينفقه فيه بين أهله نض. وجمع كراسة في قوله صلى الله عليه وسلم: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .
ولم يزل على حاله إلى أن تبدد شمله من الجامع، وفقد شخصه الناظر ولم يفقد ذكره السامع.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
إسماعيل بن أحمد بن سعيد بن الأثير



الحلبي الكاتب

هو القاضي الرئيس عماد الدين.
ولي كتابة الدّرج بعد والده تاج الدين بالديار المصرية مدة، ثم تركها تديناً وتورعاً وإقبالاً على الآخرة وتسرعاً، وهو الذي علق الشرح من الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد على العمدة، وهو الذي أبرز إلى الوجود عقده. وشرح قصيدة ابن عبدون الرائية التي رثى بها بني الأفطس - فيما أظن - .
وكانت له رياسة، وعنده سيادة ونفاسة، وترك كتابة السر تورعاً، ورفضها وخلاها تبرعاً، واشتغل بما هو الأولى، والتزم بالتقصير ولم يستطع طولى. وله ديوان خُطب.
ولم يزل على حالته إلى أن عُدم في الوقعة، وقتل شاه مات في وسط الرقعة.
وتوفي في شهر ربيع الأول تسع وتسعين وست مئة.
وكتب إليه سراج الدين عمر الوراق، نقلته من خطه:
مخيلة إسماعيل صادقة الوعد ... وفت بشروط المجد مذ كان في المهد
وكان لأملاك الزمان ذخيرةً ... كما ادخر السيف المهند في الغمد
فعز بزند الأشرف الملك الذي ... يُرى سيفُه يوم الوغى واري الزند
فهذا صلاح الدين كاتب دسته ال ... شريف عماد الدين وقفاً على سعد
فلا زال يوليه الخليل محّبة ... ولا زال إسماعيل يُفدى ولا يفدي
إسماعيل بن سعيد الكردي المصري



تظاهر بالزندقة، وتجاهر بالمعاصي وصلابة الحدقة. وسمعت منه كلمات سيئة في حق الأنبياء والبررة الأصفياء، ورمي بأمور عظام، يذوب منها اللحم والجلد وتفتتُ العظام. ولا جرم له أطاح السيف رأسه، وجرعة من الموت الأحمر كأسه.
وكان المذكور عارفاً بالقراءات، قرأ على الشطنوفي، والصائغ. واشتغل بالفقه والنحو والتصريف، وكان يحفظ قطعة من التوراة والإنجيل، وكان طلق العبارة، سريع الجواب، حسن التلاوة. وكان لا يزال الحاوي في الفقه والعمدة في الحديث والحاجبية في كمه.
ولكن الله - تعالى - مكر به، فاجتمع له القضاة الأربعة يوم الاثنين سادس عشري صفر سنة عشرين وسبع مئة، وضربوا رقبته بين القصرين، والذي حكم بقتله قاضي القضاء تقي الدين المالكي، وكان يوماً مشهوداً.
إسماعيل بن عبد القوي



ابن الحسن بن حيدة الحميري، فخر الدين الأسنائي المعروف بالإمام.
اشتغل بالفقه على الشيخ النجيب بن مفلح، ثم على الشيخ بهاء الدين القفطي.


كان إمام المدرسة العّزية بأسنا، وناب في الحكم بمنشية إخميم وطوخ والمراغة. واتفق له بالمراغة أن بعض أولاد الشيخ أبي القاسم المراغي وقع بينه وبين أولاد الفقراء، كان شديد البأس، فطلبه الفقير إلى القاضي، فأعطاه القاضي قلمه، فقال الفقير ما يحضرُ بهذا، فتوجه إليه، فحضر، فادعى عليه الفقير أنه ضربه ستين جمجماً بهذا الجمجم، فأخذ القاضي الجمجم، وقال للفقير: حرر دعواك من ثلاثة بهذا، ما تعرفُ كم ضُربت؟ فتبسم الفقير غريمه، واطلحا، وانفصلا على خير.
ونزل مرة في مركب بصحبة الشيخ بهاء الدين والشيخ النجيب، فزمر بها زامر، فقال الشيخ بهاء الدين: اسكت، فقال الإمام: الشيخ إمام في هذا وأنت استقبلت خارجاً، فرجع وزمر ثانياً، فقال له الشيخ بهاء الدين: اسكت، فأعاد عليه الإمام الكلام، فأخذ الزامر المزمار وقدمه للشيخ، وقال: ما يُسحن المملوك غير هذا، فعرف الشيخ أنها من الإمام.
وكان قد عمل بنو السديد عليه، فانتقل إلى قوص، وأقام بها سنين.
وكان ضريفاً له نوادر، وحكايات عجيبة أجوبة بوادر، وكف بصره أخيراً، وأظلم نهاره عليه، وقد كان منيراً.
ولم يزل على حاله إلى أن صلى الإمام على الإمام، ودعاه البلى إلى مأدبة الحمام.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في حدود عشرين وسبع مئة.
إسماعيل الأمير عماد الدين بن الملك المغيث


شهاب الدين أبي الفتح عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل

أبي بكر محمد بن أيوب.
كان جندياً بجما، وسمع من خطيب مردا، وحدّث. وأجاز لشيخنا علم الدين البرزالي في سنة ثمان وسبع مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري شهر ربيع الآخر سنة أربع عشر وسبع مئة.
إسماعيل بن عثمان بن محمد



الإمام رشيد الدين أبو الفضل بن المعلم التيمائي الحنفي.
سمع من ابن الزبيدي ثلاثيات البخاري، وقرأ بالروايات على السخاوي، وسمع منه، ومن العز النسابة وابن الصلاح وابن أبي جعفر.
وكان بصيراً بالعربية، إماماً في مذهب الحنفية. حدث بدمشق والقاهرة.
وفيه زاهد وعفة وإباء، وعنده جودٌ وحياء، دينه متين، وفضله مبين، يقتصد في لباسه، ويتقيه خصمه في الجدال لباسه. ساء خلقه قبل موته، وتوحش من أنس الناس قبل فوته.
انهزم وتكر تدريس البلخية لابنه تقي الدين. وكان قد انجفل من التتار، واستوطن القاهرة. وكان قد عُرض عليه القضاء، فامتنع، وانكمش عن الولاية وانجمع، إلى أن افترش التراب أربع عشرة وسبع مئة.
إسماعيل بن علي بن أحمد بن إسماعيل



المسند عماد الدين أبو الفضل الأزجي الحنبلي ، شيخ الحديث بالمستنصرية من بعداد، المعروف بابن الطبّال.
سمع حضوراً من أبي منصور بن عفيجة سنة أربع، وسمع جامع الترمزي من عُمر بن كرم بإجازته من الكروخي، وسمع ابن أبي الحسن القطيعي وابن روزبه وجماعة.
وأخذ عنه الفرضي، وابن الفوطي، وابن سامة، وسراج الدين القزويني، ابن خلف، وأجاز لشمس الدين الذهبي، وسمع البخاري من ابن القطيعي، ولم يزل يُسمع ويُفيد، وينيل فوائده القريب والبعيد، إلى أن أسمعه داعيه بالرحيل، وأقام ناعيه بالبكاء والعويل.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة في سابع عشر شعبان.
إسماعيل بن علي



السلطان الإمام والعالم الفاضل الفريد المفنّن الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء بن الأفضل بن الملك المظفر بن الملك المنصور صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي.
وكان أولاً أميراً بدمشق، وخدم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون لما كان في الكرك آخر مرة، وبالغ في ذلك، فوعده بحماة، ووفى له بذلك، وأعطاه حماة لما أمر لأسندمر بنيابة حلب بعد موت نائبها قبجق، وجماله صاحبها سلطاناً يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره، ليس لأحد معه كلام فيها، ولا يرد عليه مرسوم من مصر بأمر ولا نهي لأحد من نائب أو وزير اللهم إلاّ إن جرد عسكر من مصر والشام جرد منها.


وتوجه من دمشق إليها في جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، وأركبه في القاهرة بشعار الملك، وأبهة السلطنة، ومشى الأمراء والناس في خدمته حتى الأمير سيف الدين أرغون النائب، وقام له كريم الدين بكلّ ما يحتاج إليه في ذلك المهمّ من التشاريف والإنعامات على وجوه الدولة وغيرهم، ولقبه بالملك الصالح، ثم إنه بعد قليل لقبه بالملك المؤيد، وذلك لما حج معه في سنة تسع عشرة وسبع مئة، وعاد معه إلى القاهرة، وأذن له أن يُخطب له بحماة وأعمالها على ما كان عليه عّمه المنصور، وكان في كل سنة يتوجه إلى مصر ومعه أنواع من الرقيق والجواهر والخيول المسوّمة وسائر الأصناف الغريبة، هذا إلى ما هو مستمر في طول السنة مما يهديه من التحف والطرف.
وتقدم السلطان إلى نّوابه بالشام بان يكتبوا: يقبل الأرض، وكان الأمير سيف الدين تنكر رحمه الله تعالى يكتب إليه: يقبل الأرضَ بالمقام الشريف العالي المولي السطلاني الملكي المؤيد العمادي، وفي العنوان صاحب حماة، ويكتب السلطان إليه أخوه محمد بن قلاوون أعز الله تعالى أنصار المقام الشريف العالي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي، بلا مولوي. وكان الملك المؤيد يقول: ما أظن أني أكمل من العمر ستين سنة فما في أهل بيتي، يعني بيت تقي الدين من كملها.
وكان الملك المؤيد رحمه الله تعالى قد نزل في مكان المكارم، وعمر في الشجاعة بيتاً في اقنا والصوارم، يتصبَّب جوداً سماحه، ويتضببُ بالبأس ذبله وصفاحُه، له حنوّ زائد على أهل الفضائل، وتطلع إلى إنشاء الفوائد وإثارة ذُبله وصفاحُه، له حنو زائد على أهل الفضائل، وتطلع إلى إنشاء الفوائد وإثارة المسائل، آوى إليه أمين الدين الأبهري فبهره جوده، وغمره نائله وعمته وفوده، وتصدر في مجلسه قاعداً، ووقفت لديه جنوده، ولوى الحظ المدبر جيده إليه، ونشرت بُروده، ومدحه شعراء عصر، وحملوا أبكار أفكارهم إلى قصره، ففازوا بالمهور الغالية، وحازوا الأجور العالية، ورتب لجماعة منهم في كل سنة شيئاً قرره، وبذلاً رتبه في ديوانه وحرره، منهم شاعره الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة، وكان رابته في السنة عيه مبلغ ست مئة درهم لا بد من وصوله ودخوله في حوزته وحصوله، غير ما يهديه إليه في أثناء السنة، وتتضاعف فيه الحسنة، ورتب لأسد اليهودي الذي تقدم ذكره راتباً كفاه، وملأ كف رجائه وسدَّ فاه.
وكان قد امتزج من العلوم بفنونها، وأخذ منها نخبة فوائدها وحاسن عيونها، فنظم الحاوي في الفقه، ولو لم يعرفه جيداً ما تصرف معه في نظمه، ولا اقتدر على تسيير نجمة. وله تاريخٌ جوده، وبيض به وجه الزمان لما سوده. وكتاب الكناش مجلدات، وفوائد العلم فيه مخلدات، وكتاب تقومي البلدان، قال الإحسان بقوله فيه ودان، وجدوله وهذبه، وجد له فأتقنه لما وضعه ورتبه، وقد أجاد فيه ما شاء، ونزل تجويده في الأفاضل في صميم الأحشاء. وله كتاب الموازين وهو صغير، وصوب إفادته غزير، وله غير ذلك.
ونظم القريض والموشح، واستخدم المعاني وأهلها ورشح. وكان يعرف علوماً جمة، وفضائل يستعير البدر منها كماله وتمه، وأجود ما يعرفه الهيئة، فإذا اشتبك الجدال عليه فره إليها وفيئه.
وكانت عنده كتب نفيسة ملوكية قد حوتها خزانته، وأمده على اقتنائها انتقاؤه وفطانته، فملك منها الجواهر اليتيمة، والزواهر التي هي في أفقه مقيمة، وعلى كل حال فكان لسوق الفضل عنده نفاق، وللعلم عنده تحقيق وصدق دون نفاق، وللزمان به جملة جمال انساقت باقيا، وبدُرٍ لا يزال في مطالع السعود راقياً، وسلف سُلافه من الجود يطوب بها إحسانه على العفاة ساقياً، وفضلات فضل طالما أنشدها مؤملوه:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنانّ كل الظن أن لا تلاقيا
ولم يزل في ملكه ومسير فلكه إلى أن أصبح المؤيد وقد تخذل، ورئي في معرك المنايا، وقد تجدل.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة، سحر يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم، ودفن ضحوة النهار عند تربة والده ظاهر البلد، في الكهولة، ولم يكمل الستين.
ولما مات رحمه الله تعالى فرق كتبه على أصحابه، ووقف منها، ورثاه الشعراء.
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة:
ما للندى لا يلبي صوت داعيه ... أظن أن ابن شادٍ قامَ ناعيه

ما للرجاء قد اشتدت مذاهبه ... ما للزمان قد اسودت نواحيه
نعى المؤيد ناعيه فيا أسفا ... للغيث كيفَ غدت عنّا غواديه
ومن شعره، وقد غنى الناس به مدة:
اقرأ على طيب الحيا ... ة سلامَ ذابَ حزنا
واعلم بذاكَ أحبةً ... بخلَ الزمانُ بهم وضنّا
لو كان يُشرى قربهم ... بالمال والأرواح جُدنا
متجرّع كاسَ الفرا ... قِ يبيتُ للأشجانِ رهنا
صب قضى وجداً ولم ... يُقضى لهُ ما قد تمنى
ومنه أيضاً:
كم من دمٍ حللت وما ندمت ... تفلُ ما تشتهي وما عُدمت
لو أمكنَ الشمس عند رؤيتها ... لثم مواطي أقدامها لثمت
ومنه:
سرى مسرى الصبا فعجبتُ منه ... من الهجرانِ كيف صبا إليا
وكيفَ ألم بي من غيرِ وعدٍ ... وفارقني ولم يعطف عليا
وأنشدني من لفظه جمال الدين محمد بن نباتة، قال: أنشدني معزا لدين محمود بن حماد الحوي كاتب السر بحماة لمخدومه السلطان الملك المؤيد، ونحن بني يديه، وهو مليح غاية:
أحسن به طرفاً أفوتُ به القضا ... إن رمته في مطلبٍ أو مهرب
مثل الغزالةِ ما بدت في مشرقٍ ... إلا بدت أنوارُها في المغرب
قال: وأنشدني له هذا الموشح أيضاً له:
أوقعني العُمرُ في لعل وهل ... يا ويحَ من قد مضى بهل ولعل
والشيبُ وافى وعنده نزلا ... وفر منهُ الشباب وارتحلا
ما أوقح الشيبَ الآتي ... إذا حل لا عن رمضاتي
قد أضعفتني الستونَ لا زمني ... وخانني نقصُ قوةِ الزمن
لكن هوى القلبِ ليس ينتقصُ ... وفيه مع ذا من حرصهِ غصصُ
يهوى جميعَ اللذاتِ ... كماله من عاداتِ
يا عاذلي لا تطل ملامكَ ... لي فإن سمعي ناءٍ عن العذل
وليس يُجدي الملام والفندُ ... فيمن صبابات عشقه عددُ
دعني أنا في صبواتي ... أنتَ البري من زلاتي
كم سرني الدهرُ غير مقتصر ... بالكاسِ والغانياتِ والوترِ
يًمزج في طيبِ عيشنا الرغد ... طرفي وروحي وسائر الجسد
وكم صفت لي خطراتي ... وطاوعتني أوقاتي
مضى رسولي إلى معذبتي ... وعادَ في بهجة مجدّدة
وقال: قالت: تعالَ في عجلِ ... بمنزلي قبل أن يجي رجُلي
واصعد وجز من طاقاتي ... ولاتخف من جاراتي
قلتُ: وهذه الموشحة جيدة في بابها، ومتحيّدة عن طلاّبها، وقد عارض بوزنها موشحة لابن سناء الملك رحمه الله تعالى وأولها:
عسى ويا قلما تفيدُ عسى ... أرى لنفسي من الهوى نفسا
مذ بانَ عني من قد كُلفتُ بهِ ... قلبي قد ذاب في تقلبه
وبي أذى شوقِ عاتي ... ومدمعي يومٌ شات
لا أترك اللهو والهوى أبداً ... وإن أطلتُ الملامَ والفندا
إن شئت فاعذل فلستُ أستمعُ ... أنا الذي في الغرامِ أتبعُ
وتُحذى صباباتي ... وبدعي وعاداتي
بي ملك في الجمال لا بشرُ ... يُظلمُ إن قيل: إنه قمرُ
يحسنُ فيه الولوع والوالهُ ... وعز قلبي في أن أذل لهُ
خدي حذا لمن يأتي ... ويرتعي حشاشاتي
لست أذم الزمان معتديا ... كم قد قطعتُ الأيامَ ملتهيا
وظلتُ في نعمةٍ وفي نعمِ ... يلتذ سمعي وناظري وفمي
ولا قذى في كاساتي ... ومرتعي في الجناتِ
وغادةِ ديُنها مخالفتي ... ولا ترى في الهوى محالفتي

وتستبيني ولستُ أسمعُها ... فقلتُ قولاً عساهُ يخدعُها
ما هو كذا يا مولاتي ... اجري معي في مأواتي
وموشحة السلطان رحمه الله نقصت عن الموشحة ابن سناء الملك قافيتين، وهي الذال في كذا، والعين في معي، وخرجة ابن سناء الملك أحر من خرجة السلطان وأحلى.
وشيخا العلامة شهاب الدين محمود فيه أمداح طنانة، فمنها ما أنشدنيه إجازة:
ميعادًُ صبري وسلوي المعاد ... فالحُ امرأ يُسليه طولُ البعاد
ولا تلم من دمع أجفانه ... إن ظن صرفَ الدهر بالقربِ جاد
فبينَ جفني والكرى نفرة ... وبنيَ قلبي والغرامِ اتحاد
فلا تعد بالنومِ جفني فما ... يرجعُ يوماً برقاك الرُقاد
إن ترد علم بديع الهوى ... فأتِ لي عندي فعندي المراد
جانس رعي النجم مُستيقظاً ... لي في الدجا بين السها والسُّهاد
وطابقَ الشوقُ لهيبي فما ... دمعي فظلاً بينَ خافٍ وباد
وقسم الوجدُ غرامي كما شادَ أعضائي على ما أراد
فمقلتي للدمعِ والجسمِ للأس ... قامِ والقلبِ لحفظِ الوداد
وفرغ الحب الضنى في الحشا ... عن مقلس فيها منايا العباد
فما ظبى أرهفها فينُها ... ليومِ حربٍ من سوفٍ حداد
وقلتُ بأمضى من جفونس بدت ... من كحلٍ خالطها في حداد
فهو كما قالوا ولكنه ... يعرف ممن ودّه في ازدياد
يا راكباً يفري جوادَ الفلا ... على أمُون جسرةٍ أو جواد
يسري فتبديه ظهورُ الربا ... طوراً وتخفيه بطوف الوهاد
مدرعاً فوق الربا بالدجا ... مثلَ خطيبٍ في شعار السواد
معتسفاً ليسَ له إن خبت ... أشعةُ النجم سوى الشوق هاد
بلى ونشرٌ عاطرٌ مر من ... حماة في المسرى إلى خير ناد
قبل ثراها إذ تراها وكرّ ... ره فأحلى اللَّم لثمٌ مُعَاد
حيثُ الندا والفضل بادي السنا ... والعدل والمعروف واري الزناد
أضحت وقد شيد أرجاءها الم ... ولى عماد الدين ذات العماد
حمى حماها بأسه والندى ... فأهلها من عدله في مهاد
وإن يطل عهدُ الرّبا والحيا ... جدد بالجودِ عهودَ العُهاد
من حاتم يوم القرى والندا ... من عامرٌ يومَ الوغى والجلاد
من أحنفٌ في الحلمِ دع ذكره ... ولا تقس قساً به في إياد
عالي المدا داني الندى باسلٌ ... أروع بسامٌ طويلُ النجاد
كأنما أسيافه إن سطا ... على العدا في وقعها ريحُ عاد
رؤوسهم توقنُ إن عاينت ... سمر قناهُ بعصودِ الصّعاد
من أسرةٍ أعلوا منارَ الهدى ... وذللوا أعناقَ أهلِ العناد
واسترجعت أسيافهم عنوة ... ما استودعت أعداؤهُم من بلاد
وشيدوا دينَ الهدى فاعتلى ... بين جهادٍ منهمُ واجتهاد
وحكمت أيديهمُ وفدهم ... فيما رجوا من طارفٍ أو تلاد
قد أنشرَ اللهُ به ذكرهم ... فقيلَ عاشَ الفضلُ والعدلُ عاد
وازن أيامهُم فضله ... وجودُته الهامي فأربى وزاد
يسري على البُعد مديحي له ... فيلتقيه الفضل من كل واد
ما بين فضل وندى سائغ ... مع كرم يؤمنُه الانتِقاد
يا ملكاً أفحمني فضله ... فمال بي العجز إلى الاقتصاد
عذراً فلو أستطيعُ سطرتُها ... في أبيضِ الطرفِ بنقشِ السّواد
تهنّ عيدُ النحرِ واسعد بهِ ... وصل وانحر بالسطا كل عاد
دم ثمالاً لعفاةٍ كفوا ... ببحر نعمانَ ورودَ الثماد
مهما أتوا بابك ألفوا بهِ ... عين ندى يُروى بها كل صاد
واجتلِ غيداً من ثناً زفها ... في حلتي إنشادها كل شاد

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:22 AM ]


ما مال عطف الغصن أو غردت ... لهُ قيان الورقِ زهواً ومات
إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل


بن يوسف بن نصرالسلطان أبو الوليد الغالب بالله الأرجوني صاحب الأندلس.

استولى على الأندلس ثلاث عشرة سنة، فأبعد الملكَ أبا الجيوش خاله، وقرر له وادي آش.
وكان أبوه الفرج متوالياً لمالقة مدة، فشب إسماعيل، وعزم على الخروج، فلامه أبوه فقبض على أبيه مكرماً، وعاش الأب في سلطنة ولده عزيزاً إلى شهر ربيع الأول سن عشرين وسبع مئة، وقد شاخ. والذي نهض بتمليك إسماعيل أبو سعيد بن أبي العلاء المريني وابن أخيه أبو يحيى.
وكان الغالب للناس غالباً، شجاعاً محارباً، ناهضاً بأعباء ملكه، رافضاً لمن لا ينخرط في سلكه، عديم النظير، عظيم النكير، مؤيداً على عدو الدين، مشيداً لدين الغسلام بإهلاك الملحدين، هزم الله جيوشَ الكفر على يده، وأبادَ ملوك الصليب، وأحرقهم من توقده، وكانت وقعة عظيمة، فتح الله بها، وأذل الفرنج للمسلمين بسببها.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الغالب القدر مغلوباً، وراح ظفره مقلوباً، وصبغ شقيقُ دمه سوسنَ الحسام، وصالت على وحدته المنايا الجسام، لأن ابن عمه، وثبت عليه وقتله، ورده عن الحياة وفتله، ثم إن أعوانه وخدمه أخذوا بثأره في يومه، ونبهوا لذاك الدهرَ من نومه، وملكوا ولده محمداً، فكان شهماً مُمجداً، وذلك في ذي القعدة سنة عشرين وسبع مئة.
إسماعيل بن عمرو بن المسلم



بن الحسن بن نصرالشيخ الصدر الكبير العدل الراضي العابد ضياء الدين أبو

الفداء ابن الصدر عزّ الدين ابن الشيخ رضي الدين أبو الفضل الدمشقي المعروف بابن الحموي.
سمع من عثمان بن علي بن خطيب القرافة كتاب المصافحة للبرقاني، والمجالس السلماسيّة، وأخبار النحويين لابن أبي هاشم، وهو جزء لطيف، وتفرد برواية ذلك عنه. وسمع جزء ابن عرفة من شيخ الشيوخ الأنصاري، وسمع على جماعة من المتأخرين.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن ثلاثين شيخاً. وكان شيخاً مباركاً كثر التلاوة، يصوم الاثنين ويفطر هو وجماعة من الفقراء وغيرهم. وحج أربع مرات، وجاور بمكة سنة، واقام بالقدس مدة. وكانت له كتب جيدة يطالع فيها.
وقال: لم أرَ حماة لا أنا ولا والدي. وكان مستوفي الخزانة.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشر صفر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة. ومتعه الله بجميع حواسه إلى أن مات رحمه الله، وقد جاوز التسعين.
إسماعيل بن محمد بن عبد الواحد



ابن إسماعيل بن علي بن صدقة، العدل الرئيس نفيس الدين الحرّاني ثم الدمشقي، ناظر الأيتام.
سمع الموطأ من مكرم. وحدث. وسمع بنفسه من ابن مسلمة وغيره.
كانت له دار مليحة بدمشق، فوقفها مدرسة، وجعل الوقف على أهل الحديث وحبسه، وهي بدمشق في الرصيف من سوق الكفت مشهورة، وحسنات واقفها في صُحُفه مسطورة، ولي مشيختها تاج الدين الجعبري، وقرأ بها الشيخ علم الدين البرزالي، ونزل بها الشيخ أبو الحسن الختني وجماعة.
ولم يزل نفيس الدين على حاله إلى أن فاضت نفسه، وضمه رمسُه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة.
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل



الشيخ الصالح مجد الدين الحرّاني الحنبلي.
قدم دمشق شاباً، واشتغل وبرع في المذهب. وأخذ عن ابن أبي عمر، وابن عبد الوهاب، والفخر البعلبكي، وابن المنجّا. وسمع من ابن الصرفي وغيره.
وكان في الفقه رأساً. تخرج به جماعة، وكان العلم به في إذاعة من غير إضاعة. وكان يهضم قدره، ولا يعرف الناس أمهر، فإنه كان في مدارس تلاميذه معيداً، وقد جعل الله بينهم وبينه بوناً بعيداً. وعنده إخلاص وورع، وما ترك هضبة من الخشوع حتى اعتلاها وفرع.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ الأجل، وجل به أمر الله عز وجل.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وعاش ثلاثاً وثمانين سنة، وشيعه خلق كثير، وجمعٌ غزير.
إسماعيل بن محمد بن عبد الله



القاضي الكبير الرئيس، أبو الفداء، ابن القاضي شرف الدين ابن الصاحب فتح

الدين بن القيسراني.

كان موقع الدست بالقاهرة، ثم إن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون أخرجه إلى حلب كاتب سرّ في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا. وصل إليها في أوائل شوال سنة أربع عشرة وسبع مئة، فباشر الوظيفة على القالب الجائر، وأجرى الله بسعده فيها الفلك الدائر، وضاق بالنائب عطنُه، وصار فيها الغريب معه وهي وطنه، وكثر له الحسدة، وجاءه كيد أعاديه وحشده، وأوهموا الأكابر الذين في مصر منه، وبلعُوهم ما اختلقوه عنه، فساعدوا الحلبيين على عزله، ونقض غزله.
وحضر هو وأولاده إلى دمشق، ورُتب فيها موقع الدست كبيراً، وجُعل ولداه في كتاب الإنشاء سراجاً وقمراً مُنيراً، ومال إليه آخر الأمر تنكز وأحبه، وملكه خاطره ولبه.
وكان يدناً خيراً صيناً، يعصب لمن يقصده، ويراقب عونه ويرصده، يُؤثر الفقراء ويودّهم، ويقوم معهم إلى أن يُقبل حظهم وجدهم.
وكان حسن المحاضرة، متعَ المذاكرة، يستحضر من حكايات الصالحين جُمله، ويتولى من أمرها حمله، لو جلست معه ثلاثة أيام بلياليها لأورد عليك جملة من أماليها.
وكان وهو بالديار المصرية يحضر السماع، مع ما عنده من العزلة والانجماع، وعليه فيه أنس وحركة، ويرى الناس منه في ذلك خيراً وبركة.
وروى عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وغيره. وحدث بدمشق.
ولم يزل بدمشق إلى أن نزل الموت بابن القيسراني قسراً، وجعل العيون بالحزن عليه حسرى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حفلة، ودفن بمقابر الصوفية.
اجتمعت به - رحمه الله تعالى - بدمشق غير مرّة، والتقطتُ من إنشاده غير درّة، وأولاني من خيره وجبره الإحسان والمبرة. ولما توفي - رحمه الله تعالى - كنت بالديار المصرية، فكتبت إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى - رحمه الله تعالى - أعزيه فيه، يأتي ذكر ذلك فيما بعد.
وكان قد كتب إلي وأنا بالقاهرة:
إليك صلاح الدين شوق امرئ غدا ... وقد صح دونَ الجسمِ فيكَ ودادُهُ
ترحلتَ عن مغنى دمشق فشوقُنا ... إليك طوالَا لدهرِ تجري جيادُهُ
إن كنتَ في أرضٍ يحل صلاحُها ... وإن كنتَ في مغنىً يزولُ فسادُهُ
فكتبت أنا الجواب إليه:
أتاني مثالٌ منك يُفدى سواده ... بعيني بل يعلو عليها مدادُهُ
أمنتُ به دهري وصُلتُ بوصلهِ ... على الخطب حتى خافَ مني عتادثهُ
وصرفتُ في صرفِ الزمانِ أناملي ... إلى أن غدا في حُكم أمري قيادُه
وأطفأ جمراً في الجوانحِ كلما ... تذكركم قلبي يزيدُ اتقادُهُ
ولو لم يرد هذا المثال لما بقي ... من الخاطر المشتاقِ إلا رمادُهُ
لقد أصبحَ المملوكُ عبداً مكاتباً ... وتم لهُ مما يرومُ مرادُهُ
فلا غرو أن يبنى على الأفق مجدُه ... لأنك من دُون الأنامِ عمادُهُ
وإن صلاحاً نالك عطفك في الورى ... عيه بعيد أن يراه فسادُه
أيا من له سبقُ المعالي إذا جرت ... لينلِ العلا يوم الفخارِ جيادُهُ
ومن يتحلى الدهرُ منهُ بماجدٍ ... تكمل فيه حلُمه وسدادُهُ
ومن لاق في غينِ الكمالِ انتقاؤهُ ... وصح على زيفِ الأنامِ انتقادُهُ
ومن فرعته دوحةٌ خالديةٌ ... فطارفُه مجدٌ علا وتلادُهُ
ليهني بني مخزومَ فخرٌ غدا إلى ... عمادُهم دون الأنام معادُهُ
وفاحت خُزامى مجدِ مخزومَ في الورى ... فطالت روابيهِ وطابت وهادُهُ
ولم لا وسيفُ الله خالدُ منهمُ ... على عاتقِ الملكِ الأغر نجادُهُ
فكم طالَ منهُ للعدى صدرُ أبترٍ ... وما قصرت في الدراعين صعادهُ
بقيتَ عماد الدين ذخر أمرىء صفت ... وما قصرت في الدارعين صعادُهُ
وأخلصَ فيكم حُبه وولاءه ... وصحَّ على طولِ البعادِ ودادُهُ
ونسخة الكتاب الذي كتبته إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى أعزيه في والده من القاهرة:

أي خطبٍ به تلظّى فؤادي ... وأسال الدموعَ مثل الغوادي
وأعادَ الحمامَ يندُبُ شجواً ... فوقَ فرعِ الأراكة الميّاد
وكسا الأنجم الزواهر طرأ ... في ظلامِ الدجى ثيابَ الحداد
وأباحَ الأسى حملَ كل صبرٍ ... من رُبا كل بلدةٍ أو وهادِ
قد أصمَّ الأسماعَ نعيُ عماد الدي ... ن فالناسُ بعده في جهادِ
آه كيفَ القرارُ فوقَ فراشٍ ... ملأتهُ الأحزانُ خرط القتادِ
كيف تلتذ بالمنامِ جفونٌ ... قد محاها البكا وطولُ السهاد
أين ذاكَ الجلالُ في الحفلِ لما ... يكتسيه من أنفس الأبرادِ
والوقارُ الذي يقر رسوخاً ... حين تهفو الرياحُ بالأطوادِ
كم حمى باليراعِ مُلكاً في يحت ... ج لبيض الظّبا وسمر الصعادِ
ولكم قد أتى بصدعةِ حقٍّ ... خيفَ من بأسها على الأكبادِ
هكذا من يكونُ عند ملو ... كِ العصر يهديهم سبيلَ الرشادِ
حملوهُ فوقَ الرقابِ ولكن ... بعدما أثقل الورى بالأيادي
من كرامٍ راقت معاني عُلاهم ... وتغنّي بمدحهم كل شادِ
نسبٌ باهرُ السنا خالدي ... قد تساوت غاياتُهُ والمبادي
يا دموعي باللهِ روي ثراهُ ... إن تخن قبرهُ عهودُ العهادِ
آه واوحشتا لذاك المحيّا ... افتقاري لنورهِ وافتقادي
لم يعب من نأى وأبقى شهاباً ... لم يزل دائم السنا وسؤددٍ وسدادِ
يتراءى في الدست بني جمال ... جلالٍ وسؤددٍ وسدادِ
فتواقيعُه تراها طرازاً ... رمي الروضُ عندها بالكسادِ
وبألقالمه يُسر الموالي ... أن براها كما يسوء الأعادي
قد تلقيتُ راغماً يا شهابَ ال ... دين خطباً يفض صم الصلادِ
لستُ في هذه المصيبة فرداً ... وهي قد أنكأت قلوبَ العبادِ
فاصطبر واحتسب على الله أجراً ... تلقهُ عدةً ليومِ المعادِ
لم يخفف وجدي به غيرُ ظني ... أنهُ في المعادِ خيرُ مُعاد
ملئت صُحفُه من البر والتق ... وى فولى منها بأفضل زادِ
فهو عندَ الإلهِ جل مقيمٌ ... في نعيمِ ما إن لهُ من نفادِ
فالبكا في الورى على مثل هذا ... غير مجدٍ في ملتي واعتقادي
يقبلُ الأرض، وينهي ما بلغه من النبأ الذي سق قلبه، وزاد كربه، وأذهل لبه، وأضعف جلده، وقوّى من الحزن حزبه، وأغارَ على الصبر فلم يدع عند حبة القلب حبه، وشن على الفؤاد حربه لما أغمد فيه حربة.
لم يبقَ من بدني جزءٌ علمت بهِ ... إلا وقد حله جزؤٌ من الحزن
كان اللحاقُ به أولى وأحسن لي ... من أعيش سقيم الروحِ والبدنِ
" فإنا لله وإنا إليه راجعونَ " قولهُ من وهى عمادُه، وفقد من كان على الله تعالى وعليه توكله واعتمادُه، وذهب من كان يفديه من القلب سويداؤه، ومن الطرف سوادُهُ، وعدم من أحزن الوجود فقده حتى نُشر من الليل حدادُه، وذر من الصباح رمادُه:
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقى بقعةٌ ... غداةَ ثوي إلا اشتهت أنها قبرُ

فرحم الله تلك الروحَ الطاهرة وكاها، وشكر لها برها المتنوع وتقواها، ورفع أعمالها إلى درجات الأبرار ورقاها، وأجزل لها موادَ الغفران وأنماها، ونوّلها من الرضوان ما لا ينقطع أمده ولا يتناهى، وجعل دار المقامة مقامها، وفي جنة المأوى مأواها، فإنه كان زكاها وهذبها في طول مدته بالعلم والعلم، وما بقي لمولانا - أعظم الله أجره - غير الأخذ بسنة الصبر، والتأسي بكل فرعٍ تثنى على الأرض، وأصله قد ذوى على القبر، وهذا أمر لا بد لنا من شرب كأسه وبلوغ أنفاسه، ونفوذ سهم المنية في قرطاسه، وهو - أحسن الله عزاءه - أعلمُ بما يقال وأخبر وأجل من أن ينبه لمثل هذا وأكبر:
أنت يا فوق أن تُعزى عن الأحباب فوقَ الذي يعزيكَ عقلاً
ومن كان مولانا خلفه فما غاب شخصه عن غابه، ولا ظعن سؤدده عن جنان جنابه، فيا هنا دستٍ أنت صدرهُ، وأفق منصب أنت بدره، ويا انتصافات ظلامات أقلامك الحاكمة بفضلها، ويا بشارة دار عدلٍ تواقيعك أربابُ عقدها وحلّها، فإنا معشر الأولياء لنضع الجباهَ شكراً على الثرى:
إنا لنتلو الحمدَ فيكَ مكرّرا ... وإنّا لنرجو فوقَ ذلك مظهراً
والله يهب مولانا عمراً مديداً، وعزاً أكيداً، ويجعله كجده خالداً يرى كل يوم وليداً، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
إسماعيل بن محمد بن عبد الكريم


ابن عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، الشيخ الجليل العدل الفقيه الأصيل، الصدر شرف الدين أبو الفداء الأنصاري الحرستاني الدمشقي.
روى عن السخاوي، والقرطبي، والعزّ بن عساكر، وعتيق حضوراً. وسمع من جده، وعبد الله بن الخشوعي، وإسماعيل العراقي، وعثمان خطيب القرافة، وجماعة.
وكان جيداً حسن الخلق يخدم في الدواوين، ويحضر درس الأمينية، وله ملك.
توفي رحمه الله تعالى يوم السبت رابع المحرم سنة تسع وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب الفرد سنة تسع وثلاثين وست مئة بالجويرة بدمشق.
إسماعيل بن محمد بن ياقوت



الصدر الخواجة مجد الدين السلامي.

كان من تجار الخاصَ في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، يدخل إلى بلاد التتار، ويتجر ويتبضع، ويعود بالرقيق وغيره من أنواع المتاجر وغرائب البلاد. واجتهد في النوين جوبان - رحمه الله تعالى - إلى أن اتفق الصلح بني السلطان الملك الناصر وبني القان بوسعيد، فانتظم ذلك بسفارته وحسن سعيه، وازدادت وجاهته عند الملكين، وكان يسفره الملك الأنصار، ويقرر معه أموراً يريدها، فيتوجه ويقضيها على وفق مراده بزياداتس فأحبه وقربه، ورتب له الرواتب الوافرة في كل يوم من الدراهم واللحم والعليق والسكر والحلوى والكّماج والرقاق مما لعله يبلغ في اليوم مئة وخمسين درهماً، وأعطاه قرية أرّاق ببعلبك، وأعطى مماليكه إقطاعات في الحلقة، وكان يتوجه إلى الأرد ويقيم فيه الثلاث سنين والأربعة، والبريد لا ينقطع عنه، وتُجهز التحف والأقمشة وغيرها إليه لفرقها هو على من يراه من أعيان الأردو وخواص بوسعيد ثقة بمعرفته ودربته.
وكان النشو ناظر الخاص لا يفارقه ولا يصبر عنه، ومن أملاكه ببلاد الشرق السلامية والماحوزة والمراوزة والمناصف. ولما توفي الناصر تغير عليه الأمير سيف الدين قوصون وأخذ منه مبلغاً يسيراً.
وكان ذا عقل وافر، وفكر على الإصابة متضافر، خبيراً بأخلاق الملوك وما يليق بخواطرها، درباً بما يتحفه بها من ريقها وجواهرها، نطقه سعيد، وخلقه من الانحراف بعيد، حسن الكشالة، بهي الطلعة، تضيء كالذبالة.
ولم يزل بمصر في آخر الأمر إلى أن افترش الرغام، وتشعث صفوُ سمائه بالموت وغام.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وسبعين وست مئة.
ودفن بتربته بَرا باب النصر بالقاهرة.
إسماعيل بن محمد بن قلاوون



الملك الصالح بن الملك الناصر بن الملك المنصور عماد الدين، أبو الفداء.


اختلف الناس من أربابح العقد والحل عندما توجه الناصر أحمد أخوه إلى الكرك، وأقام به وأعرض عن مصر - على ما تقدم في ترجمته - وأرادوا إقامة ملكٍ غيره، فاجتمع المشايخ من مقدمة الألوف والأمراء الخاصكية وأصهار السلطان، فقال الأمير جنكلي بن البابا: يا أمراء! أنتم أصهار السلطان، وأنتم أخبر بأولاده، فمن علمتموه صالحاً ساكناً عاقلاً ديناً وله الملك. فقالوا: هذا سيدي إسماعيل. فأقامه الأمير بدر الدين وأجلسه على التخت، وبايعه، وحلف له، وحلف بعده الأمراء على مراتبهم العساكر. وجُهز الأمير سيف الدين طقتمُر الصلاحي إلى دمشق في البشارة، وكان ذلك يوم الخميس ثاني عشري شهر المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وكان شكلاً حسناً، وله رونق وسنا، حلو الوجه أبيض بصفرة يسيرة، تعلوه هيبة الملك المنيرة، له في خده شامة، تزيده حُسناً في طلعته السافرة، كأنها في ذلك الخد نقطة من ند، أو يوم وصال جاءت فيه ساعة من صد.
وكانت أيامه بالسعادة آلهة، وبصلة الأرزاق كافلة، وكلنه لما تولى استولى النساء عليه، ومال إليهنّ، وتزوج ابنة الأمير شهاب الدين أحمد بن بكتمر الساقي التي من ابنة تنكز، ثم تزوج ابنة الأمير سيف الدين طقزتمر الناصري نائب الشام، وحضر الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي إلى دمشق خاطباً لها من أبيها، وكان يميل إلى السودان من النساء ويؤثرهن، والمدبر لدولته الأمير سيف الدين أرغون العلائي المقدم ذكره.
ولما تولى الملكَ أقر الأمير شمس الدين أقسنقر السلاري في النيابة بمصر، ثم أمسكه وولى النيابة الأمير سيف الدين الحاج آل ملك. وكانت أيامه سعيدة.
ولم يزل على حاله إلى أن ذوى غصن شبابه وقُصف، ونضد الجندل فوقه ورصف.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة.
وقتل أنا مضناً:
مضى الصالحُ المرجو للباسِ والندى ... ومن لم يزل يلقى المنى بالمنائح
فيما ملكَ مصرَ كيف حالك بعده ... إذا نحنُ أثنينا عليك بصالح
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل



بن سعد الله، الحموي

الشيخ الفقيه المقرئ النحوي جمال الدين أبو الفداء الحنفي، المعروف بابن الفقاعي.
كان شيخاً فاضلاً، مناظراً مناضلاً، مفتياً مفّنناً، محرراً مقنناً، عارفاً بالقراءات والتجويد، وحسن الأداء والترتيل والترديد، مع المعرفة بالفقه والنحو والأدب، وإليه ينسلون من كل حدب.
ولم يزل بحماة إلى أن طرق الموت حماه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
وكان مدرساً بمدرسة الطواشي بحماة، وليها بعده قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم، ومن شعره:...
إسماعيل بن محّمد بن إسماعيل
بن علي الأمير عماد الدين بن الملك الأفضل بن الملك المؤيد.



أحد أمراء الطبلخانات بحماة، تقدم ذكر جده الملك المؤيد صاحب حماة. وسيأتي ذكر والده الأفضل في المحمدّين في مكانه.
كان شكلاً حسناً، وذا صورة تخجل الأقمار منها سناء وسنا، أشقر يتلألأ وجهه كالبدر، ويحكي نبت عذاره زعفران الشعر، عليه خفر أولاد الملوك، وسلوكه في طريق التجمل والحشمة أحسن السلوك.
ولم يزل على إمرته بحماة حتى اعتبط، وانحل من نظام حياته ما كان قد ربط.
وتوفي - رحمه الله تعالى - شاباً، ولم يكمل الخمس والعشرين، والعشر الأواخر من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان قد حج في سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
إسماعيل بن نصر الله



ابن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الشيخ فخر الدين أبو محمد بن تاج الأمناء.
روى عن ابن اللتي، ومكرم، وعم والده عبد الرحيم بن عساكر، وإبراهيم الخشوعي، وإسماعيل بن ظفر، وسالم بن صصرى، وشيخ الشيوخ ابن حمويه، وعبد العزيز الصالحي، والمخلص بن هلال، والعز ابن عساكر النسابة وهو عمه، وعتيق السلماني، وابن المقير، والسخاوي، وعمر بن البراذعي، والقاضي أبي نصر بن الشيرازي، ومكي ابن علان، والقاضي شمس الدين بن سني الدولة، وكريمة القرشية.
وكانت له إجازة من الحسن بن الأمير السّيد، وإسماعيل بن باتكين، والشهر وردي وابن القطيعي، وابن روزبة، وزكريا العُلبي، ويا سيمن بنت البيطار، وأبي بكر بن كمال الحرب، وعلي بن الجوزي، وابن بهروز وجماعة.


قال شيخنا البرزالي: قرأت لابني محمد عليه الصحيحين، وسنن ابن ماجة، ومسند الدرامي، ومسند عبد بن حميد، وكتاب العوارف للسهر وردي، وأكثر من سبعين جزءاً.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين عاشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بمنزله بباب الناطفيين، وحضر جنازته الأعيان والوزير والخطيب.
ومولده في صفر سنة تسع وعشرين وست مئة بدمشق.
إسماعيل بن هارون


نفيس الدين العبسي الدشناوي الصوفي المعروف بابن خيطية.
كان صوفياً بالجامع الناصري بمصر، وكانت له بالقراءات معرفة، ومشاركة في النحو والأدب يعرف بها مقدمه ومصرفه.
لم يزل على حاله إلى أن نُزعت نفسُه، وكسفت بعدما بزغت شمسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في حدود الثلاثين وسبع مئة.
ومن شعره:
قل لظباء الكثبِ ... رفقاً على المكتئب
رفقاً بمن بُلي بكم ... شيخاً وكهلاً وصبي
دموعُهُ جاريةٌ ... كالوابل المنسكبِ
على زمانٍ مر في ... لذةِ عيشٍ خصبِ
لذةُ أيام الصبا ... يا ليتها لم تغب
قضيت فيها وطراً ... ونلت منها أربي
بين حسان خُرد ... مُنعمات عُربِ
وشادن مبتسم ... عن دُرّ ثغرٍ شنبٍ
ألفاظهُ تفعلُ ما ... تفعلُ بنتُ العنبِ
قلت: شعرٌ مقبول غير مردود.
إسماعيل بن هبة الله بن علي بن الصنيعة



القاضي عز الدين الإسنائي، أخو نور الدين، وهو الأكبر.
سمع الحديث من قطب الدين بن القسطلاني، واشتغل ببلده على الشيخ بهاء الدين القفطي، ثم إنه جرى بينه وبين شمس الدين أحمد بن السديد ما فارق إسنا بسببه. ودخل القاهرة، وقرأ الأصول والخلاف والمنطق والجدل على الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأصفهاني، ولازمه سنين.
وولي الحكم من جهة ابن نبت الأعز، ثم ولي من جهة ابن دقيق العيد، وعمل عليه، وحصل منه كلام، فجره ذلك إلى أن انتقل إلى حلب، ناظرَ الأوقاف، ودرس بها، وظن الشيعة بحلب أن يكون شيعياً كلونه من إسنا، فصنف كتاباً في فضل أبي بكر رضي الله عنه. وأقام بحلب مدة يستدل على فضل أبي بكر وصحة إمامته، والشيخ نجم الدين بن ملي إلى جانبه معيد لا يتكلم. وصنف كتاباً ضخماً في شرح تهذيب النكت. وكان في ذهنه وقفة، إلاّ أنه كان كثير الاشتغال.
وكان بحلب إلى أن وصل قازان إلى البلاد، فعاد إلى القاهرة، وأظنه جاء إلى صفد قاضي القضاة أيام نائبها الأمير سيف الدين كراي، فما مكنه من الإقامة بها.
وكان كريماً جواداً خيراً، كم بلغ آمليه مراداً، محسناً إلى أهل بلاده، ومن ورد من تلك الناحية، واستظل من أقلامه بصعاده. اشتهر بالكرم، وآوى من الفضل إلى حرم.
ولم يزل بالقاهرة مقيماً إلى أن نزل به الأمر المكتوب على الرقاب، وأفضى إلى محل الثواب والعقاب.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن جهبل



القاضي محيي الدين الحلبي، ثم الدمشقي الشافعي.
ربي هو وأخوه الإمام شهاب الدين أحمد المقدم ذكره يتميين فقيرين، فاشتغلا وتفقها وتميزا.
وسمع محيي الدين من القاضي شمس الدين بن عطا، وجمال الدين بن الصيرفي، وجماعة. وخرج له عنهم علم الدين البرزالي، وتفقه بابن المقدسي، وبالشيخ صدر الدين بن الوكيل. ودرس وأفتى، وناب في القضاء بدمشق، وولي تدريس الأتابكية، وندب لقضاء طرابلس فباشرها.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: ولم يُحمد.
قلت: إلا أنه كانت له معرفة بالمكاتيب والأحكام، ودُربة بفصل القضايا المعضلة بين الأنام. نقي بياضِ الشيب، ممسكّ لما في يده والجيب، مليح البزة، مليح الشكل، عليه وقار، وله في النفوس عزة، حصل أملاكاً، وملك دنياً حاولها دراكاً.
ولم يزل على حاله إلى أن قرع الموت صفاته، وخانه أملُه وفاته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وستين وست مئة.
إسماعيل بن يوسف بن نجم



ابن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم، الشيخ المقرئ الفقيه المُسند المعّمر، صدر الدين أبو الفداء السويدي الدمشقي الشافعي.
سمع من ابن اللتي كثيراً، ومن مكرم، وأبي نصر بن الشيرازي، وإسماعيل بن ظفر، والسخاوي، وعدة. تفرد بأشياء.


تكاثر عليه الطلبة، وتلا على علم الدين السخاوي بحرف أبي عمرو، وابن كثير، وعاصم. ونزل في المدارس، وكان آخر من قرأ على السخاوي.
حج سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وحدث بالحرم الشريف.
وسمع منه إبنا شمس الدين الذهبي، والشيخ صلاح الدين العلائي، والعلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والوافي، وابن الفخر، وخلق كثير.
وكان حسن الأخلاق، مائلاً إلى الانقياد والاتفاق، وله عقار يرتزق منه، وملك إذاً عرض له الملك استغنى به عنه.
ولم يزل على حاله إلى أن اشتهرت وفاة ابن مكتوم، وصح أنه نزل به الأمر المحتوم.
وتوفي رحمه الله تعال ثالث عشري شوال سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
إسماعيل بن يوسف بن نجم


ابن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم، الشيخ المقرئ الفقيه المسند المعمّر، صدر الدين أبو الفداء السويدي الدمشقي الشافعي.
سمع من ابن اللتي كثيراً، ومن مكرم، وأبي نصر بن الشيرازي، وإسماعيل بن ظفر، والسخاوي، وعدة. وتفرد بأشياء.
تكاثر عليه الطلبة، وتلا على علم الدين السخاوي بحرف أبي عمرو، وابن كثير، وعاصم. ونزل في المدارس، وكان آخر من قرأ على السخاوي.
حج سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وحدث بالحرم الشريف.
وسمع منه اثنا شمس الدين الذهبي، والشيخ صلاح الدين العلائي، والعلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والوافي، وابن الفخر، وخلق كثير.
وكان حسن الأخلاق، مائلاً إلى الانقياد والاتفاق، وله عقار يرتزق منه، وملكٌ إذا عرض له الملك استغنى به عنه.
ولم يزل على حاله إلى أن اشتهرت وفاة ابن مكتوم، وصح أنه نزل به الأمر المحتوم.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شوال سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه مسند الدرامي، والمنتخب من مسند عبد بن حُميد، وجزء أبي الجهم، والثاني من حديث المخلص، والمئة السريجيّة بسماعه لذلك من ابن اللتي، وطأ مالك رواية يحيى ابن بكير بسماعه له من مكرم بن أبي الصقر، وكان قد تفرد به بدمشق. وروى لنا أيضاً عن السخاوي.
أسنبغا



الأمير سيف الدين المحمودي نائب طرابلس.
هو الذي جاء بجلوس الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد على تخت الملك بعد أن قُتل المظفر حاجي، ووصل إلى دمشق في رابع عشري شهر رمضان المعظم سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحلف الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام والعساكر، ورسم له الناصر حسن بنيابة طرابلس عوضاً عن الأمير سيف الدين أقتمُر فيما أظن، وذلك في صفر سنة وسبع مئة. ولم يزل بها نائباً إلى أن عزل بالأمير زين الدين أغلبك الجاشنكير أمير حاجب حلب.
ثم إن الأمير سيف الدين أسنبغا أمسك وجُهز إلى الإسكندرية معتقلاً، ولما أفرج عنه بعد خلع الناصر حسن، ووصل الملك المنصور محمد إلى دمشق في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي إلى دمشق رسم للأمير سيف الدين أسنبغا بطلبلخاناه في حلب، فتوجه إليها في شوال سنة اثنتين وستني وسبع مئة، وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
أسندمر



الأمير سيف الدين نائب طرابلس.
كان أولاً فيما أظن والي البر بدمشق، ولما جاء العادل كتبُغا إلى دمشق في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وست مئة عزله من ولاية البر بدمشق، وولى مكانه علاء الدين بن الجاكي، وكان قد وليها في سنة اثنتين وتسعين وست مئة عوضاً عن طوغان لما جُهز إلى قلعة الروم نائباً، وفي المحرّم سنة ست وتسعين أمسكه، وقيده واعتقله بقلعة دمشق، ونقل إلى طرابلس نائباً في أيام الأفرم عوضاً عن الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير في سنة إحدى وسبع مئة، فمهد طرابلس، وأقام الحرمة، وسفك الدماء بأنواع من الإزهاق، ولما جاء السلطان من الكرك حضر إليه وتوجه معه إلى مصر فولاه نيابة حماة.


ولما توفي الأمير سيف الدين قبجق نائب حلب نقله السلطان إلى نيابة حلب، فأقام فيها مديدة، وجهز السلطان الأمير سيف الدين كراي المنصوري في عساكر الشام مجرداً، فأقام على حمص مدّة، ولما كان عصر نهار آخر شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة - فيما أظنّ - ساق كراي بالعسكر جريدة من حمص إلى حلب في ليلة واحدة، وما خرج أسندمر من داره لصلاة العيد إلا وقد أحاطت العساكر بدار النيابة، ووعروا الباب عليه بالأخشاب وغيرها، وأمسكه كراي بكرةً نهار عيد رمضان، وجهز إلى باب السلطان على البريد مقيداً، وكان ذلك آخر العهد به رحمه الله تعالى.
وقيل: إنه جهزه إلى الكرك هو والجوكندار وبتخاص وغيرهم. وجاء الخبر إلى دمشق بوفاة بتخاص وأسندمر في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وكان جباراً يسفك الدماء جهاراً، ويُجري منها على الأرض أنهاراً، نوع الإزهاق، وعاجل تلاف النفوس بالإرهاق. سلخ وسلق، ووسط وشنق، وكحل وقطع الأطراف، وبالغ في هلاك الأجساد، وتعدى حد الإسراف.
وكان منهوماً في الأكل الذريع، وكأنّ ما يأكله نوع من الضريع. قيل: إنه كان يُعمل له بعد العشا خروف مطجن، سمين موجن، فيأكله جميعه، ولا يؤثر به ضجيعه، ثم إنه بعد ذلك يعمل له بيده من الحلاوة السكب صحناً، ويأكله سخناً.
وكان يحبّ الفضلاء، ويؤثر النبلاء، ويسأل عن غوامض، ويعترض ويناقض، حضرت من عنده مرةً فتيا إلى دمشق يسأل فيها: أيما أفضل الولي أو الشهيد، والملك أو النبي؟ فصنف له الشيخ صدر الدين بن الوكيل في ذلك مجلداً، وصنف له الشيخ برهان الدين الفزاري في ذلك جواباً فيما أظن، وصنف كمال الدين بن الزملكاني في ذلك مجلداً مصنفين. وصنف له الشيخ تقي الدين بن تيمية مجلداً.
ولما كان بحلب طلب الشيخ صدر الدين بن الوكيل - وكان ذلك قبل صلاة الجمعة - وسأله عن تفسير قوله تعالى: " والنجمِ إذا هوى " فقال: هذا الوقت يضيق عن الكلام على هذه المسألة.
ووهبه أسد الغاب لابن الأثير في نسخة مليحة، وقال له: لازمني. وكان بعد ذلك لا يفارقه إلى أن جرى ما ذكرت من إمساكه، وما قدره الله تعالى من هلاكه، ورحمه الله تعالى.
وكان قد عمر بطرابلس جماماً جعل الكواكب في سمائه جاماً، وأحكمه نظاماً حتى طار في البلاد ذكره، وضاع في الرياض شكره.
وفيه يقول الشيخ شمس الدين أحمد بن يوسف الطيبي:
زر منزلَ الأفراح واللذات ... دار النعيم ومرتعَ اللذات
دار النعيم وفي الجحيم أساسُها ... تجري بها الأنهارُ في الجناتِ
فلكٌ ومن بيض القبابِ بُروجه ... ونجومه من زاهر الجامات
معنى لهُ معنى يمازج ماؤه ... للنهار فهو مؤلف الأشتات
كالخلد مرتفع البناء فضاؤه ... رحبٌ يُسافر فيه باللحظات
يحيك بخور العود طيبُ بخارها ... والمسك والكافور ممتزجات
وتضيء في غسق الدجا أكنافها ... كإضاءةِ المصباحِ في المشكاة
فرشت بأنواع الفصوص ورصعت ... بجواهرٍ من فاخر الآلات
برك كأفوا الملاح رضابُها ... عذب شهي الرشف في الخلوات
ومنابع قد فجرت بحدائق ... ترخيمها يغني عن الزهرات
وجرت أنابيب الحياض بفضةٍ ... محلولة تنصبُ في مرآة
تلقى الربيعَ من اعتدالِ هوائها ... ومياهها في سائر الأوقات
ويشم منها من يمر ببابها ... ريا نسيمِ الروض في الغدوات
حمامنا يشفي السقام وماؤه ... عينُ الحياة تُزيل كل شكاة
بيت تُزان به البيوت كأنّه ... بيتُ القصيد لسائر الأبيات
وبرسمِ مولانا الأمير وأمره ... بنيت على اسم الله والبركات
المالك المخدوم سيف الدين وال ... دنيا أسندمر الكريم الذات
قد ساد بانيها فشاد بناءها ... بأوامرِ سيفيةِ العزمات
في دولة الملك الرحيم محمدٍ ... الناصرِ المنصورِ في الغزوات

تمت لخمسٍ قد غدت من هجرة الم ... ختار مع سبع كملن مئات
أسندمر


الأمير سيف الدين العمري، نائب السلطنة بحماة والطرابلس.
كان شكلا كاملاً مهيباً هائلاً، حسن الوجه، يشبه البدر، ويملأ برؤياه العين والصدر.
باشر نيابة حماة مرات، ووجد فيها المسرات. وناب في طرابلس مرة، وكان في وجه الملك غرة.
ولم يزل إلى أن دخل إلى العدم بعد الوجود، وقُبض وهو بعد الإطلاق في القيود.
وكانت وفاته في أوائل سنة إحدى وستين وسبع مئة، بمحبسه في الإسكندرية.
كان من مماليك السلطان محمد بن قلاوون. وتزوج ابنة الأمير سيف الدين الحاج بهادُر المعزي.
ولما توجه الأمير الدين طقتمر الأحمدي إلى نيابة حلب خلت عنه حماة فجهز إليها أسندمر العمري، فكان بها نائباً إلى أن برز يلبغا بظاهر دمشق في دولة الكامل، فحضر العمري إليه دمشق، وأقام عنده، ولما ملك المظفر حاجي نُقل أسند مر من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس بوساطة يلبغا له، فتوجه إليها، وأقام بها إلى أن حضر إلى طرابلس الأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري، ومع ما سيأتي في ترجمته.
وتوجه أنسد مر إلى مصر في أواخر سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وأقام بها إلى ذبح أرغو شاه بدمشق، ورسم بنيابة دمشق للأمير سيف الدين الحاج أرقطاي، ورسم للأمير سيف الدين قطليجبا نائب حماة بنيابة حلب، فرسم لأسندمر العمري بالعود إلى حماة نائباً، فحضر إليها في العشر الأوسط من جمادى الآخرة سنة خمسين وسبع مئة.
وتوجه بالعساكر الإسلامية إلى سنجار في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وكان هو المقدم عليها، وأقام بحماة إلى أن عزل عنها بالأمير سيف الدين طان يرق في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
وعاد أسندمر إلى مصر على عادته مقيماً إلى أن خُلع السلطان الملك الصالح صالح في ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب، وعزل طان يرق من حماة، ورُسم لأسندمر العمري بنيابة حماة، فعاد إليها ثلاث مرة نائباً، فحضر إليها في العشر الأولى من ذي الحجة سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وصحبه الأمير سيف الدين طيبغا المارجاري ليقرّه في النيابة بحماة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن رسم بعزله، وتولى النيابة الأمير ركن الدين عمر شاه فوصل العمري إلى دمشق بكرة الأحد سابع عشري جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فوجد طلب الأمير ركن الدين عمر شاه خارجاً من دمشق أميراً إلى أن أمسك هو والإسماعيلي وابن صُبح، وجهز إلى الإسكندرية سنة ستين وسبع مئة، فأقام بالحبس إلى أن توفي به في التاريخ.
أسندمر



الأمير سيف الدين العمري.
كان أمير خمسين فارساً بالقاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ورثه ابنته وبيت المال، وكان نصيب بيت المال من تركته خمسة وعشرين ألف دينار.
الألقاب والأنساب



الإسنائي القاضي نور الدين إبراهيم بن هبة الله.
وضياء الدين أحمد عبد القوي.
وفخر الدين إسماعيل بن عبد القوي.
وعز الدين إسماعيل بن هبة الله.
وعبد الرحيم بن علي.
وتقي الدين عبد الملك بن الأعز.
نور الدين ابن الشهاب الإسنائي علي بن هبة الله.
الأصفوني: علاء الدين علي بن أحمد.
أصلم الأمير بهاء الدين لسلاح دار.
كان من جملة المشايخ مقدمي الألوف في أواخر الدولة الناصرية وإلى أواخر دولة الصالح إسماعيل.
كان قد جرد إلى اليمن، فلما توجه وعاد ونقل عنه كلامّ إلى السلطان، فاعتقله، وبقي في الحبس مدة تقارب الحسم سنين، ثم أخرجه وأعاده إلى منزلته.
ثم إنه في آخر أيام الناصر جهزه إلى صفد نائباً. وتوفي الملك الناصر وهو بها نائب. ثم إن الأمير قوصون جرده مع ألطنبغا نائب الشام إلى حلب لإمساك طشتمر، فلما كان في أثناء الطريق رد من قارا، وانضم إلى الفخري، واقام عنده على خان لاجين، ، وتوجه معه صحبة عسكر الشام إلى مصر، فرسم له الناصر أحمد بالإقامة في مصر على عادته أمير مئة مقدم ألف، وعمر في البرقية عند إصطبله مدرسة مليحة إلى الغاية، وتربة وربعاً وحوضاً للسبيل.
وكان من الأشكال الحسنة، قد ألقى إلى سلامة الصدر سنه، ذا شيبة تقية، وهمة فيها من الشبيبة بقية، بوجه مشرب الحمرة، كأنما أريق عليها كأس خمرة.


ولم يزل على حاله إلى أن لبس أكفانه، وغمض الموت أجفانه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وأربعين وسبع مئة.
أصلم الأمير بهاء الدين بن دمرتاش كان من أمراء دمشق، يسكن العقيبة.
توفي رحمه الله تعالى في رابع ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة. وحضر جنازته نائب الشام، ودفن بالصالحية.
أصيل الدين الصدر الكبير بان الشيخ ابن الشيخ الإمام نصر الدين محمد بن محمد الطوسي.
كان الكبير ابن الشيخ الإمام نصر الدين محمد بن محمد الطوسي.
كان ناظر الأوقاف، ومنجماً عند ملوك التتار، وله جامكية كبيرة. وحرمة وافرة.
توفي رحمه الله تعالى في صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة ببغداد، دفن عند والده بمشهد موسى الجواد رضي الله عنه.
آصوج الأمير سيف الدين الواقدي.
أحد أمراء الخميس بالقاهرة.
توفي رحمه الله تعالى فجاءة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
الأنساب والألقاب


ابن بنت الأعز: القاضي علاء الدين أحمد بن عبد الوهاب.
الأعسر: الأمير شمس الدين سُنقر.
أغرلو الأمير شجاع الدين ملك الأمراء.
عمل نيابة دمشق لأستاذه السلطان الملك العادل كتبغا، تولاها عوضاً عن الحموي في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وست مئة. ولما خُلع من الملك بقي أغرلو بدمشق أميراً كبيراً.
وكان فارساً بطلاً شجاعاً، أبلى في الحروب تقدماً ودفاعاً، له في الوقائع صولات، وحملات وجولات. وكانت الدول تعظمه لشجاعته المذكورة وفروسيته المشهورة.
ولم يزل على حاله إلى أن اختطفته عُقابُ الموت الكاسر، ونزل النساء يندبنه حواسر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودفن في تربته المليحمة شمالي الجامع المظفري بجبل الصالحية.
أغرلو الأمير شجاع الدين السيفي.
كان مملوكَ الأمير الدين بهادُر المعزي، والآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الباء، ولما حبُس أستاذه أخذهُ الأمير سيف الدين بكتمر الساقي، وجعله أمير آخور. ولم يزل عنده إلى أن توفي بكتمر رحمه الله تعالى، فانتقل إلى عند الأمير سيف الدين بشتاك على الوظيفة المذكورة. ثم إنه بعد بشتاك تولى ناحية أشموم، وسفك بها، ثم إنه جهز نائباً إلى قلعة الشوبك، ثم نقل منها، وعمل ولاية القاهرة مدةً في أيام الصالح إسماعيل، ثم إنه ولاه شد الدواوين، وتظاهر بعفةٍ زائدة، وأمانة عظمى.
ولما توفي الملك الصالح رحمه الله تعالى كان له في ولاية أخيه الكامل شعبان عنايةٌ تامّة، فقدمه، وحظي عنده، وفتح له باب الأخذ على الإقطاعات والوظائف، وعمل لذلك ديواناً قائم الذات وسمي ديوان البذل، ولما تولى الصاحب تقي الدين بن مراجل شاجحه في الجلوس والعلامة والتقدم، ودخلا إلى السلطان الملك الكامل، فترجح الصاحب تقي الدين، عُزل أغرلو.
ولما كان في واقعة الملك المظفر حاجي كان أغرلو ممن قام في أمره، وضرب الأمير سيف الدين أرغون العلائي في وجهه وسكن أمره بعد ذلك وخمد. ثم إنه حضر في أيام المظفر حاجي صحبة الأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري ليوصله إلى طرابلس نائباً، وعاد إلى مصر، وأمرُهُ ساكن إلى أن قام في واقعة الأمراء سيف الدين ملكتمر الحجازي، وشمس الدين أقسنقر، وسيف الدين قرابغا، وسيف الدين بزلار، وسيف الدين صمغار، وسيف الدين إتمش، فكان الذي تولى كبره، وأمسك جماعة من أولاد الأمراء، فعظم شأنه، وعلا مكانه، تفخم أمرُه، وأسمعَ زمره، وخافه أمراء مصر والشام، ونام في سكرةِ باطله وغروره وعينُ الدهر ما تنام. وأقام على ذلك مدة أربعين يوماً، وأمره يزداد في التعاظم والجبروت سوماً، إلى أن أتي من مأمنه، وثار إليه الحين من معدنه.
وقيل: إن الحرافيش أخرجوه من قبره، وأقاموه في زي عظمته وكبره، وجعلوا يشاورونه كما كان يفعل، ويترددون بينه وبين السلطان، وقد أضرم غيظه على الأمراء وأشعل، ويمسكون الأمراء كما كان يمسكهم ويقيدهم، ويميل لهم إلى مصارعهم ويحيدهم. ونوعوا به النكال والمثلة، ونصبوه بعد ذلك على أثلة، فغضب السلطان لذلك، وأمر الأوشاقية فنالوا من الحرافيش منالاً عظيماً، وأذاقوهم من القتل والقطع والضرب عذاباً أليماً، أخذاً بذلك ترات تراته، وكان مشؤوماً في حياته ومماته.


وقيل: إن السبب في قتله حضور رأس يلبغا إلى القاهرة، فإن الخواص من المماليك السلطانية دخلوا إلى السلطان وقالوا: لا بد من قتله، وجاء الخبر إلى الشام بقتله في مستهل شهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحسب الناسُ من قتله من الأمراء في مدة أربعين يوماً، فكان ذلك أحداً وثلاثين أميراً، وكان في أيامه يخرج من القصر، ويقعد على باب خزانة الخاص، ويتحدث في الدولة وفي الخزانة والإطلاق والإنعام، ويجلس والموقعون عنده، ويكتبون عنه إلى الولاة، ولكنه مات هذه الميتة القبيحة، وفُعلت به هذه الأحدوثة الفضيحة.
فقلت أنا مستطرداً:
وعاذل قال: عمري ... أعسى لعلك تسلو
أموت منك بغبني ... فقلت مروت أغرلو
أغلبك الأمير سيف الدين بن رمتاش - بضم الراء وسكون الميم، وبعدها تاء ثالثة الحروف وألف بعدها شين معجمة - الرومي.
كان أولاً مقيماً بصفد على إمرة عشرة، فوقع منه كلام في حق نائب صفد الأمير شمس الدين سنقرشاه المنصوري، فضربه قدامه واعتقله، ثم أفرج عنه، ونقل إلى دمشق.
ولما توجه السلطان إلى مصر سنة تسع وسبع مئة بالعساكر الشامية، كان هو من جملة الأمراء السلاح دارية.
ولم يزل بدمشق على حاله في الأمرة إلى أن جاء أغلبك الأمر الذي لا يغالب، والغريم الذي لا يطالع ولا يطالب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان لطيف النفس، شديد الأنس، تفعل الجفون المريضة فيه ما لا تفعله السيوف الماضية، وتسكره الريقة الرايقة بخلاف سُكر بنت العنقود الصافية، ويلعب بالقبق ويجيد ضربة وتره، ويتبع أرباب الملاهي، فما منهم إلا من يعود تابع أثره، إلا أنه كان بطلاً مقدماً، لا تزلزل له الحروب أقداماً، صياداً لا يخرج الصيد عن أوامر سهامه، ولا يفوته من يمينه أو شماله، أو من خلفه أو من أمامه، مع الرشاقة الحلوة، والخفة على ظهر مراكيبه التي هي من العيوب خلوة، وهو أخو صلاح الدين خليل بن رمتاش.
أغلبك الأمير زين الدين العادلي مملوك العادل كتبغا.
كان من جملة أمراء دمشق المشهورين، وأعيانهم المذكوري، وكان ينظر في أوقاف العادل، ويجالد عنها ويناظر ويجادل، فنقل إلى طرابلس أميراً، وفارق دمشق حسيراً، فمرض هناك، ووقع من العلة في شراك واشتراك، فحضر إلى دمشق ليتداوى، فما أقام بها ولا آوى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان قد ولي البر بدمشق في المحرم سنة ثلاث عشرة وسبع مئة عوضاً عن طرنطاي الحموي.
أفريدون بن محمد بن محمد بن علي التاجر الأصبهاني.
ورد إلى دمشق، وأعجبه المقام بها، وشرع في عمارة المدرسة المليحة الظريفة التي برّا باب الجابية بدمشق سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وأنفق على عمارتها إلى أن جاءه الأمر الذي لا يرد، والخطبُ الذي لا يصد، وما أغنى عنه ماله، ولا نفعه إلا أعماله.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
الألقاب والأنساب


الأفرم: نائب دمشق، اسمه أقوش.
الأفضل: صاحب حماة محمد بن إسماعيل أقبغا الأمير سيف الدين الناصري المعروف بأقبغا عبد الواحد.
تنقلت به الأحوال من الجمدارية إلى أن صار أمير مئة مقدّم ألف، أستاذ دار السلطان، مشد العمائر، مقدّم المماليك، أمير منزل خمس وظائف. وتأمر ولداه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد، وكان أخا الخوندة طغاي، امرأة أستاذه الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى من حرف الطاء في مكانه.
كان في أيام أستاذه في غاية التمكن والقدرة والتسلط والبأس والجبروت، لو ذكر اسمه للماء جمد، أو مر ذكره على الجمر خمد، ليس لأحد عنده مكانة، ولا يجد له خضوعاً ولا استكانة.
ولما توفي الملك الناصر، وتولى ولده الملك المنصور أبو بكر صادره وسلمه إلى الأمير علاء الدين طيبغا المجدي، وأخذ منه كل ما يملكه، وأمر برد كل ما اغتصبه، وأخذه بالي العادية على الناس، ولم يبق له تصرف في ماله، إلى أن طلب مئة درهم فأعطاه إياها الأمير علاء الدين طبيغا المجدي.


ولما تولى الملك الأشرف كجك أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى دمشق، فأقام بها قليلاً، وتوجه مع الفخري إلى مصر، فرسم له الناصر أحمد بنيابة حمص، فحضر إليها، وأقام بها إلى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ورسم بإحضاره إلى دمشق، فأتى إليها، وأقام بها من جملة أمراء المقدمين، فلما كان في شوال من السنة المذكورة حضر مرسوم الملك الصالح إسماعيل بإمساكه فأمسك هو والأمراء الذين اتهموا بالميل مع الناصر أحمد وأودع معتقلاً بقلعة دمشق، ثم إنه طُلب بعد قليل إلى مصر، فتوجه به الأمير بدر الدين بكتاش المنكورسي، وكان ذلك آخر العهد به.
آقبغا الأمير سيف الدين الحسني الناصري.
كان رفيعَ المنزلة والمكانة، مؤثل المرتبة من خاطر أستاذه، ثابت الركانة، إلا أنه زاد في دلاله، وأفرط في اعتدائه، قوامه بالغ في اعتداله، فمال أفاده سحر أجفانه، ولا نفعه تبسم ثغره عن أقحوانه، وهون اللطان على قلبه أمُره، وأخرجه إلى دمشق، ولكن على إمرة، فأقام بها على غير استقامة، وأصر على غيه، ولم يقبل نصحاً، ولم يصغ إلى ملامه، ولازم الشراب وعاقره، ونسي أمر تنكز عواقبه وعواقره، فكتب إلى السلطان في معناه، وجعل القلعة مغناه، ولبث معتقلاً في قلعة دمشق زماناً، ولم يجد من حادث الدهر أماناً، ثم إنه فك صفدُه، وجهز إلى صفد، فأقام بها، وفداءُ سعده ما وفد، إلى أن أذوى الحمام زهرته، وأسكنه حفرته.
وتوفي بصفد رحمه الله تعالى.
وكان قد اعتقل بقلعة دمشق زماناً، إلى أن قدم السلطان من الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأفرج عنه في المحرم، وجهز إلى صفد.
أقجبا الأمير سيف الدين المنصوري.
كان أحد الأمراء بدمشق. ولي شد الدواوين بدمشق بعد الأمير جمال الدين أقوش الرستمي، وعين لتقدمة الركب الشريف في سنة تسع وسبع مئة، ودار بالمحمل في أول الثلاثة أشهر على العادة، ثم إنه بطل الركب وتوجهه بسبب ما بلغ الناس من تحرك السلطان الملك الناصر من الكرك، وكانت فيه ديانة، وعفّة في المباشرات وأمانة، وحفظ للأموال وصيانة، تنقل في النيابات، وخرج سالماً مما فيها من الغيابات، وعمل الشد وما حلّ ولم يتعرض إلى حرم ولا ما حل، وعمل النيابة بغزة، وشرف نفسه عن أموال الرعايا ونزه، ثم إنه أقام على إمرته، وما أخمد الله ضوء جمرته.
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به أم دفر، ورحل إلى الآخرة مع ذك السفر.
ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة. ودفن بتربته خارج باب الجابية.
وكان قد باشر نيابة بعلبك، ومنها نقل إلى الشد بدمشق، وبقي مدة، ثم تولى نيابة غزة مدة عوضاً عن الأمير ركن الدين بيبرس الموفقي، ثم عزل وأقام على إمرته إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وكان قد ولي الشد أولاً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
أقجبا الأمير فخر الدين الظاهري.
حج بالركب الشامي في سنة ثلاث وسبع مئة.
وكان من أمراء دمشق والأعيان، وممن قدمت هجرتهم في خدمة السلطان، وثابت العدالة على الحكام، وملازم الصلاة في الجامع على مرّ الليالي والأيام، شرب كؤوس الصبا، فحده الدهر ثمانين، وتشعب به سعدُ الإمرة في أفانين.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الظاهري في باطن الأرض، وأقام فيها إلى يوم العرض، وحضر جنازته ملك الأمراء وجماعة من الأمراء، ودفن بسفح قاسيون قبالة زاوية ابن قوام، ووفاته تاسع عشري ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أقجبا الأمير فخر الدين الحموي.
نقل من حماة إلى القاهرة، وأعطي شد الشراب خاناه بالقاهرة في أيام الملك الصالح إسماعيل، وعلت عنده رتبتُه، وغلت من قلبه محبته، وسمت مكانته وتأثلت، ووقفت السعود في خدمته وتمثلت، ولم يكن في دولة الصالح له نظير غير الوزير، ولا ضاهاه أحدٌ في حسن السياسة والتدبير.
وكان يقضي غالب الليل عند السلطان، وإذا قرر عنده أمراً لا تسمعه آذان الحيطان، ويساهره ويسامره، ويأخذ بمجامع قلبه بود يخامره، ثم إنه أخرج من مصر بعد الصالح، وعاد إليها كراتٍ عودَ الطليح، بل الطالح.
ثم إنه ولي الحجبة آخراً في أيام الملك الناصر حسن، واختص بالأمير شيخو فانقاد له بالرسن.
ولم يزل على حاله إلى أن أدناه الجديدان إلى البلى، وولى سعدُه مدبراً بعد أن كان مقبلاً.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
وكان الأمير فخر الدين متصفاً بالمروءة في حق من يصحبه، كثير الود، نفع جماعة بصحبته.
ولما توفي الملك الصالح إسماعيل أخرجه الملك المظفر إلى حماة، وبقي فيها إلى أن أمسك يلبغا أبوه طابطا، وجهزا إلى مصر من حماة، فتوجه الأمير فخر الدين بهما، ولما وصلوا إلى قاقون أتاهم الأمير سيف الدين منجك، وجرى ما يأتي ذكره في ترجمة يلبغا، ثم إن فخر الدين توجه إلى مصر فرسم له المظفر بالإقامة في القاهرة، فأقام، وكان قد خدم يلبغا في الطريق، ولاطفه وصبره وسلاه وثبته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حماة، فأقام بها، ولما عاد الأمير شيخو وطاز من حلب في واقعة بيبغاروس عاد معهما، ودخل الديار المصرية، وأقام بها، واختص بالأمير سيف الدين شيخو، وولاه الحجبة بالقاهرة، ولما جرح شيخو انتصب الأمير فخر الدين لخدمته، وكان يباشر عمل المصلومة له بنفسه، وقل: إنه ربما أفطر في شهر رمضان لذلك.
أقسنطر الأمير شمس الدين السلاري.
سيرهُ السلطان الناصر محمد إلى صفد نائباً، فحضر إليها، ورأى أهلها منه من العفة والعدل ما لا رأوه من غيره، ثم نقله إلى نيابة غزة، فتوجه إليها.
ومات السلطان، وتولى الملك المنصور أبو بكر، وخلع، وتولى الأشرف كجك، وجاء الفخري لحصار الكرك، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن كثيراً، وتوجه الفخري إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب، ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به، وتوقى عزمه، وقال له: توجه أنت إلى دمشق واملكها، وأنا أحفظ لك غزة. وقام في هذه الواقعة قياماً عظيماً، وأمسك الدروب، فما جاء أحد من دمشق ولا من مصر بريداً كان أو غير ذلك إلا وحمله إلى الكرك، وحلف النسا للناصر أحمد، وقام ببيعته باطناً وظاهراً، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين، وقوّى عزمه وعضده. ولم يزل عنده بدمشق إلى أن جاء ألطنبغا من حلب، والتقوا، وهرب ألطنبغا، فاتبعه الأمير شمس الدين إلى غزة، وأقام بها، ودخلت العساكر الشامية إلى مصر.
ولما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك أعطى نيابة مصر للأمير شمس الدين أقسنقر، وبقي نائباً وأحمد في الكرك إلى أن تملك الملك الصالح إسماعيل، فأقره عليها، فسار فيها سيرة مشكورة، وأقام فيها مدة أحاديثها إلى الآن مذكورة، لا يمنع أحداً شيئاً يطالبه كائناً من كان، ولا يرد سائلاً يسأله، ولو لم يكن ذلك في الإمكان، وارتزق الناس في أيامه، وغرق الضعفاء في بحر أنعامه، وتقدم من كان مؤخراً، وجرى رخاءُ الرخاء بأمره مسخراً، حتى كان الناس يطلبون منه مالا لهم به حاجة، ولا لهم به ضرورة، وهو يقضي ما قابله جده أو واجه.
ثم إن السلطان الملك الصالح إسماعيل أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بيغرا أمير جاندار والأمير سيف الدين أولاجا الحاجب الآتي ذكرهما في موضعيه، والأمير زين الدين قراجا الحاجب، لأنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد بأمره، والله تعالى يتولى الباطن من سره، وأخرج فيما بعد عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
أقسنقر الأمير شمس الدين الناصري.
كان في حياة أستاذه أمير شكار وزوجه ابنته، وجعله أمير مئة مقدم ألف. ولما جاء الناصر أحمد من الكرك جعله أمير آخور، فلم يرضَ فأخرجه إلى غزة نائباً، وأقام بها إلى أن أمسك الفخري، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل فطلبه من غزة، وجعله أمير آخور، وعظمت مكانته عنده، وجّهزه مقدّم العساكر المصرية والشامية لحاصرة الكرك، ثم أبطل ذلك، وخرج عوضه في التقدمة الأمير سيف الدين بيغرا.

ثم إنه جهز إلى الكرك فأبلى بلاءً حسناً، وأنكى في ذلك، وجُرح جراحة مؤلمة، وعاد إلى مصر، وأراد التوجه إلى الحجاز بأهله، فمنع من ذلك، ولأن والدة الملك الأشرف كجك عنده زوجة، فخيف منه، وأخرج إلى طرابلس نائباً، فورد إلى دمشق على البريد، وعمل النيابة بطرابلس جيداً، وظهرت عنه مهابة وبطش وقمع للمفسدين، وعف عن أموال الرعايا ، وأقدم نائباً من أوائل شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر ، سنة وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة ست وأربعين وسبع مئة، وفي أول سلطنة الكامل شعبان، فطلبه إلى مصر، وتوجه إليها، وعظم أمره وأمر الحجازي إلى الغاية، فيقال: إنهما أحسّا في الباطن بالغدر من الكامل، فجهّزا في السر إلى الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، وقالا له: برّز أنت في ظاهر دمشق، فإننا قد عزمنا على أمر. وكان يلبغا إذ ذاك نائب دمشق، فبرز إلى ظاهر دمشق - على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وراحت الأخبار إلى الكامل بخروج يلبغا واتفاق نواب الشام معه، فلم يرَ الكامل بُدّاً من تجهيز عسكر إليه، فجرد جملة من عسكر مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، وإمّا الحجازي أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، إمّا الحجازية أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد من بعض الطريق، واجتمع الناس عليهما في قبّة النصر، وخرج الكامل، فجُرح الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وانهزم السلطان، ودخل القلعة، وطلع الأميران المذكوران إلى القلعة، وأخذ أمير حاج، وأجلساه على كرسي الملك وحلفا له وحلفا له العساكر، ولقباه المظفر، وزادت عظمة الحجازي وأقسنقر في أيام المظفر.
فلما كان في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة جاء إلى السلطان من كان معهما في الباطن، وقال: إنهم قد أجمعوا على الركوب غداً إلى قبة النصر، وأن يفعلوا بك ما فعلوه بأخيك، فأحضرهم العصر إلى القصر، وأمسكهم، وهم الأمير شمس الدين أقسنقر، والأمير سيف الدين ملكتمُر الحجازي، والأمير سيف الدين قرابغا الساقي صهر اليحيوي، والأمير سيف الدين إتمش، والأمير سيف الدين صمغار، والأمير سيف الدين بزلار، فأما الحجازي وآقسنقر فإنهما قتلا في الوقت الحاضر بالقصر، والبقية جهزوا إلى الإسكندرية، وقيل: إن السلطان ضرب قرابغا على كتفه بالنمجا، ثم إنه أمسك الأمير سيف الدين طقبغا الغمري، وأولاد الأمير علاء الدين أيدغمش وابن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وذلك كلّه بتدبير الأمير شجاع الدين أغرلو.
وكان الأمير شمس الدين المذكور رحمه الله تعالى شكلاً مليحاً، ووجهاً مع صباه صبيحاً. طويلاً فيه هيف، لو رآه الحمام لسجع عليه وغرد وهتف، يكرم من يودّه، ويُسلفه الإحسان ولا يستردُه، نفسه نفس الملوك في العطاء، وجوده لأصحابه بارز الشخص ما عليه غطاء.
وكان يكتب خطأ قوياً، متمكن الحروف سورياً، وكان إذا كتب لمن يكرمه ويصل حبل وداده ولا يصرمه، كتب: المملوك أقسنقر سلام عليك.
أقطاي الأمير سيف الدين الجمدار.
كان يسكن قبالة المدرسة التقوية داخل باب الفراديس، ثم إنه انتقل بعد ذلك إلى العقيبة، وكان أمير سبعين فارساً. وكان الأمير سيف الدين تنكز يعظمه. وهو والد الأمير سيف الدين سلامش.
وكانت بينه وبين الشيخ علاء الدين بن غانم صحبة ومودة.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
أقطاي الأمير سيف الدين العمري كان من جملة أمراء الطبلخانات بحلب.
توفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة.
ورسم بإمرته للأمير شرف الدين موسى بن الأمير ناصر الدين محمد بن شهري.
أقطوان الأمير علاء الدين الكمالي الحاجب بصفد.
حضر إليها أول أمره مشدّ الدواوين، ووالي الولاة لما كان الجوكندار نائبها، ثم إنه أعطي طبلخاناه، واقام على ذلك مدة، ثم رسم له بالحجوبية، وبقي فيها مدة طويلة، ثم إنه نقل إلى نيابة القلعة بصفد، وأقام بها مدة، ثم أعيد إلى الحجوبية.

وكان أميراً ذا بركٍ وعدة، يركب وينزل من مماليكه في عدّة، زائد التجمل في السلاح وآلات الحرب والكفاح، وهو رجل طوال، لا يُرد عنده من أحد سؤال، ذو طلعة بهيّة، وشيبة سنية، عرف الناسَ وأحبوه، ولبوه إلى ما يريده وأجابوه. وهو والد الأمير سيف الدين قرمشي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف القاف مكانه.
ولم يزل بصفد على حاله إلى أن خرب الموت ربع حياته، وقرر عنده أمر نزله وبياته.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وكتبت أنا إلى ولده الأمير سيف الدين قرمشي أعزيه:
تعز يا مولاي في الذاهبِ ... وأرضَ بأمر الطالبِ الغالبِ
واصبر تنل أجركَ في فقده ... فليس من يصبرُ بالخائبِ
قدر ركبَ الأعناقَ لمّا مضى ... لرَبِّه أفديهِ من راكبِ
وباتَ مندوباً لأنَّ العلا ... أمست بقلبٍ بعده واجبِ
وفاز لما حازَ طيبَ الثنا ... والذكر في الحاضرِ والغائبِ
بكاهُ حتى مستهل الحيا ... بدمعهِ المنحدرِ الساكبِ
لم ترمَ دونَ الناسِ من فقدهِ ... فيهِ بسهمٍ للردى صائبِ
بل الورى عمهُم رزؤه ... وكم فؤادٍ بعدهُ ذائبِ
وما ترى في النّاس غير امرئ ... وعينهُ تبكي على الحاجبِ
أقطوان الأمير علاء الدين الظاهري الساقي.
كان صالحاً يقوم الليل، ويجاهد في المحراب وعلى ظهور الخيل، ويلازم صلاة الجماعة، وما لحقوق الله تعالى عنده إضاعة. وكان يحفظ أشياء في الزهد يوردها، ويأتي بها من حفظه ويسردها.
ناب السلطنة بقلعة الجبل في أيام السعيد بن الظاهر لما توجه إلى الشام، ثم إنه نقل إلى الشام، وأقام به إلى أن صُرع الساقي، وظفر من عمله بالكنز الباقي.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم سنة ثمان عشرة وسبع مئة. وكان من أبناء الثمانين أو تجاوزها، ودفن بالقبيبات.
أقوش الأمير جمال الدين الشريفي.
كان والي الولاة بالصفقة القبلية بالشام، تولاها وهي كثيرة الهرج، مباحة الدم والفرج، قد غلب فيها العشير على حكام الدولة، وكادت قراها تحكي أطلال خولة، فأطلق فيها سيفه الماضي، ورفض التغافل والتغاضي، إلى أن هذب تلك الناحية، وميز الفرقة الناجية.
ولم يزل على حاله إلى أن بغته حمامه، وانقصف رمحه، وصدى حسامه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
آقوش حسام الدين أبو الحمد الافتخاري الشبلي.
سمع بالقاهرة من ابن رواج، والساوي، وجماعة. وسمع بدمياط الناسخ والمنسوخ للحازمي من الجلال الدمياطي. وسمع بدمشق من ابن قُميرة، وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة.
وكان متميزاً في الأجناد، موصوفاً بالسداد، وسمع بدمشق من ابن قميرة، وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة.
وكان متميزاً في الأجناد، موصوفاً بالسداد، يكتب خطاً فائقاً، راقياً في درجة الحسن رائقاً، له عناية بالخطوط المنسوبة وتحصيلها، وعنده بذل للجمل في تفصيلها.
وحدث قديماً مع أستاذه شبل الدولة كافور خزندار قلعة دمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن وقع الشبلي في شبكة الموت، وغرق في بحر الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.
آقوش الأمير جمال الدين المطروحي الحاجب بدمشق.
أباعه الكسروانيون للفرنج في واقعة غازان، ثم شراه ابن سعيد الدولة منهم، وأعطي طبلخاناه بعد الوقعة.
وكان شيخاً مليح الشيبة، ظاهر الهيبة، حاجباً جليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خيلاً، ناهضاً بالأعباء عاقلاً، لا تجده الدولة عن مصلحتها غافلاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن المطروحي على نعشه مطرحاً، وطحنته من المنية تلك الرحى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. باشر الطبلخاناه قليلاً، ومات رحمه الله تعالى.
آقوش الأمير جمال الدين الأفرم، نائب دمشق.
كان من مماليك الملك المنصور قلاوون القدُم الجراكسة، وهو من أكابر البرجية السلاح دارية. وكان في البرج مُغرى بالنشاب والعلاج والصراع واللكام والثقاف وتأمّر وهو على هذا.

ولما كان في أيام أستاذه تحدث مع بعض الخاصكية أن يخرج إلى الشام، فعرضوا به للمنصور، فقال: آقوش الأفرام يريد الرواح إلى دمشق، لا بد له من نيابة دمشق إلا ما هو في أيامي.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: حدثني جلال الدين محمد بن سلميان بن البيع الموقع عن الشهاب الرومي أن الأفرم حدثه أنه قال: كان يتردد إلي وأنا بمصر فقير مغربي، كان في القرافة الكبرى، فقال لي يوماً: يا آقوش إذا صرت نائب الشام أيش تعطيني؟ فقلت له: يا سيدي ما أنا قدرُ هذا. فقال: لا بد لك من هذا. أيش تعطيني؟ فقلت: يا سيدي الذي تقول. فقال: تتصدق بألفي درهم عند السيدة نفيسة، وبألف درهم عند الشافعي. فقلت: يا سيدي بسم الله. فضحك، وقال: ما أظنك إلا تنساها، وما تعود تذكرها إلا إذا جئت هارباً إلى مصر. قال: فوالله لقد جعلتُ كلام المغربي ممثلاً بين عيني حتى وُليت النيابة، فأنسانيه الله، ثم ما ذكرته حتى دخلتُ نوبة غازان مصر هارباً، فبينما أنا أسير هارباً إذ مررت بمكان الفقير، فذكرت قوله، فأحضرت على الفور الدراهم، وتصدقت بها.
وكان قد نقل الأفرم إلى الشام قبل النيابة، وأقام بها مدة طويلة في مجالس أنس ولهو وطرب، يغشى الناس ويغشونه. ولما كانت أيام العادل كتبغا، وتقدم حسام الدين لاجين، وصار نائب مصر، اشتد عضد الأفرم به، لأنهما كانا ابني خالة، فلما تسلطن لاجين كان الأفرم بدمشق فطلبه، وجعله حاجباً، وبقي بمصر مدة على ذلك، يبيت ويصبح بقلعة الجبل. ولما كان يوم الخميس وهو اليوم الذي قُتل فيه لاجين عشيةً، نزل الأفرمُ تلك الليلة، وبات في القاهرة في داره، وهي دار الشريف ابن ثعلب، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن جندر بك.
أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك. قال: بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يُطرق وقائل يقول: خلوا الأمير يكلم السلطان. وآخر في آخر في الحث في طلبه. فهم الأفرام بفتح الباب، فقلت له: تأنّ على نفسك، فخاطري قد حدثني بأمر، وأخشى على السلطان من أمرٍ حدث، فانتبه لنفسه، وقال: ما العمل؟ قلت: تحيل على من يخرج إلى السوق، ويكشف الخبر. فدلينا مملوكاً من السطح، فما لبث أن عاد إلينا بالخبر، فخرجنا على حمية، وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم، وكانت خراج البلد، فأخذنا الخيل وانعزلنا إلى القلوبية، واجتمع عليه مماليكه وأصحابه واللآجينية، ونشر أعلامه، ودقً طلبلخاناته، وبقي يتنقل حول بركة الحجّاج إلى عكرشة إلى المرش إلى ما دون بلبيس وهو على غاية الحذر، إلى أن ترددت الرسل بينه وبن أمراء القلعة، وتأكدت الأيمان بينهم، فهم بالطلوع إلى القلعة، ثم إنه رد من الثغرة، وفل أكثر من كان معه، وكاد يؤخذ، فأتى الله بالأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمراء المجردين بحلب، فانضم إليه الأفرم، وكان معه إلى أن قتل كرجي وطغجي، وتقرر الأمر على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء، وكان الأفرام سادسهم، فتصدر الكتب بخطوط السبعة والأفرم السادس، ولما حضر السلطان واستقرت دولته بعثه إلى دمشق كالحافظ لها، فوصل إليها على البريد في ثاني عشري جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة، وحكم فها بغير تقليده مدة. انتهى، أو كما قال.
ثم إن الأفرم سعى لها سعيها، فجاء تقليده بنيابة دمشق، وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجية.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال حدثني والدي، قال: دخلت يوماً على الأفرم وهو في بقية حديث يتشكى فيه من افتئات سلار والجاشنكير وما هما فيه، ثم التفت إلي وقال: يا فلان! والله هذا بيبرس، لما كنا في البرج كان يخدمني ويحكّ رجلي في الحمام، ويصبّ الماء علي، وإذا رآني والله ما يقعد إلاّ إذا قلت له: اقعد. وأمّا سلار فما هو منا ولا له قدر، أيش أعمل في دمشق؟ والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر، وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك بمصر.
وكان الأفرم يقول: لما توجه الناصر إلى الكرك: والله عملوا نحساً، كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح.
ولم يزل على هذا حتى تحتم الأمر، وخاف القتل، وانصرف إلى الجاشنكير.

ولما كانت كسرة المسلمين، وجرى من أهل كسروان ما جرى على العساكر أثر ذلك في قلبه، ولما عاد واستقرت الأمور توجه إليهم بنفسه، ونازلهم ولم يحصل على طائل، ووصلت الأراجيف بأحاديث التتار، فعاد عنهم، ولما قضى الله تعالى بالنصر في واقعة شقحب جعل كسروان دأبه، وكتب إلى نائب طرابلس ونائب صفد، وجمعوا الرجال وأحاطوا بالجبل من كل ناحية، فأظهره الله عليهم وظفره الله بهم، وكبتَ كتبَ البشائر بذلك، وأحسنُ ما وقع فيها الشيخ كمال الدين محمود بن الزملكاني لأنه افتتحه بقوله تعالى: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً " .
ومدح الأفرم في هذه الواقعة بعدة مدائح جمعها شمس الدين الطيبي هي وكثيراً مما كتب في هذه الواقعة، وسماها واقعة كسروان، وزاد تمكن الأفرم في نيابة دمشق إلى أن كان يكتب تواقيع بوظائف كبيرة، ويبعثها إلى مصر، ليعلم السلطان عليها.
وكتبت في دمشق على السلطان بالإشارة العالية الأميرية الكافلية الجمالية كافل الشام أعزها الله تعالى. وشكا إليه ضوء بن صباح أحد قصاد الخدمة أن جاميكته نقصت فقال: من فعل ذلك؟ فقال: ابن سعيد الدولة. وكان بان سعيد الدولة إذ ذاك مشير الدولة وجليس السلطان، ومكان ثقته، ولا يعلم الملك المظفر على شيء حتى يكتبَ عليه ابن سعيد الدولة: يحتاج إلى الخط الشريف، فكتب الأفرم إلى ابن سعيد الدولة هكذا ابتداء: وَالك يا بن سعيد الدولة! ما أنت إلا ابنُ تعيس الدولة، وصلتَ أنك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عينُ الإسلام، ومن هذا وشبهه، والله إن عدت تعرضت إلى أحد من الشام بعثت إلى من يقطع رأسك، ويجيء به في مخلاة، وجهز به مملوكاً من مماليك على البريد قصداً، وأمره أن يعطيه الكتاب في وسط المحفل، ويقول له من نسبة ما في الكتاب، ففعل ذلك، فدخل إلى السلطان، وأراه الكتاب فقرأه، ثم أطرق زماناً، وقال له: أرضِ الأفرم، وإلا أنا والله بالبراءة منك، والله إن عمل معك شيئاً ما نقدر ننفعك! ولم يزل على حاله إلى أن حضر السلطان الملك الناصر من الكرك، وقفز الأمراء إليه، وبقي الأفرم في دمشق وحده، فهرب هو والأمير علاء الدين بن صبح إلى شقيف بيروت، ثم إن السلطان آمنه فحضر إلى دمشق فأكرمه وأقره على نيابة الشام في الركوب والوقوف والخدمة، وقراءة القصص، وسافر معه إلى مصر على حاله، ولما استقر جلس السلطان على كرسي الملك أعطى الأفرم صرخد على عادة العادل كتبغا، وأخرج سلار إلى الشوبك.
ونقل إلى السلطان أن الأفرم وسلار يتراسلان فولى الأفرم نيابة طرابلس، وقال له: لا تدخل دمشق، خشية أن تنشب أظافره فيها، ويقول أهلها معه محبة فيه، فتوجه إلى طرابلس وهو على وجل، ويخرج كل ليلة بعد العشاء هو ومن يثق إليه من دار السلطنة إلى مكان ينامون فيه بالنوبة وخيلهم معهم، وربما هوموا على ظهور الخيل.
ثم إنه أتاه مملوك كان له في مصر، وقال له: السلطان رسم لك بنيابة حلب، ورسم لك أن تروح إلى مصر لتلبس تشريفك وتأخذ تقليدك وتعود، فطار خوفاً، وكان في مرج، فأتاه في الحال مملوك صهره أدمر الزردكاش يعرفه أنه مأخوذ، ويحرضه على الخروج، فخرج في الحال.
أخبرني القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله، وحكى لي عماد الدين إبراهيم بن الشيخ شهاب الدين الرومي أن الأفرم ما خرج إلى مرج لاجين، إلا بنية الهروب. قال: وكنت عنده قبل خروجه إلى المرج المذكور يوماً، فبينما نحن قعود نأكل إذ جاء إليه مملوك من مماليك قرا سنقر، فسلم عليه، ثم قعد يأكل معه حتى فرغنا، وخرجت المماليك، ولم يبق عنده أحد إلا جمدارية النوبة، وأنا لا غير، فقدم إليه المملوك، وقال له: أخوك يسلم عليك، وقد بعث لك معي هدية، فقال: وأين الكتاب؟ قال: ما معي كتاب، قال: فالمشافهة؟ قال: ما معي مشافهة، ولكن هدية لا غير.

فقال: هاتها، فأخرج خرقة وحلها، وناوله تفاحة، ثم ناوله بعدها مئزراً أسود، ثم ناوله بعدها نصفيّة هكذا على الترتيب، ثم خرج، فقال له: أقعد، فقال: ما معي دستور أن أقعد بعد إيصال الهدية، فوجم الأفرم، وساره في أذنه، وأعطاه نفقة، وسفرهُ لوقته. فلما خرج قال لي: أتعرف أيش هي الهدية؟ فقال له: لا والله يا خوند، لا يكثر الله له خيراً، قال: اسكت، وَالك، بعث يقول: إن كنت تريد تشم هواء الدنيا مثل ما تشم هذه التفاحة فأته في الليل الذي هو مثل هذا المئزر، وإلا فهذه النصفيّة مثل كفنك. قال: فعجبت لسرعة فطنة الأفرم لقصده وما رمز عليه.
وخرج الأفرم ولاقاه الزردكاش، وسارا معاً، وعبر الأفرام على مرج الأسل وبه العسكر المصري مجرداً لمنعه من اللحاق بقرا سنقر، فلما أشرف على المرج رأى العسكر قال: شدوا لي حماماً، وكان حصاناً له يعتمد عليه، فركبه وعليه كبرّ أطلس أحمر وكوفية ورمحه بيده، ثم قال للثقل يكاسرون ويعبرون، فلما عبروا لم يتعرض إليهم أحد، ثم أمر الطلب أن يدخل مفرقاً، وقال: لأن هؤلاء إذا دخلوا عليهم وما أنا فيهم ظنوا أنني في الصيد، وما القصد إلا أنا، فما يعارضونهم إليهم، ولما تعدوهم أقبل هو وحده، وشق العساكر، ولم يفطن له أحد، ولا عُرف أنه الأفرم. ولما خرجوا من المضيق اجتمعوا، ورفع العصابة فوق رأسه وسار ولم يتبعه أحد، ولما قرب من قراسنقر ما اجتمعا إلا بعد مُراسلات عديدة أيمان ومواثيق، لان الأفرم تخيل في نفسه أن قراسنقر عمل هذه الفعلة مكيدة عليه، وكان حزماً منه. ولما اجتمعا سارا في البرية وقصدا مهنا بن عيسى، وكان قرا سنقر قد ترامى إلى مهنا، وترامى الأفرم إلى أخيه محمد.
وحكى لي القاضي شهاب الدين، قال: حكى لي سنجر البيروتي، وكان أكبر مماليك الأفرم، قال: لما فارقنا البلاد التفتَ الأفرم إلى بلاد الشام، وأنشد:
سيذكرني قومي إذا وجد جدهم ... وفي الليلةِ الظلماءُ يُفتقدُ البدرُ
وبكى فقال هل قراسنقر: روح بلا فُشار، تبكي عليهم ولا يبكون علنيا. فقال والله ما بي إلا فراق مسوى ولدي، فقال له: أيّ بغاية بصقتَ في رحمها جاء منه موسى وعلي وخليل، وعدّة أمساء. وقال: ولم ندخل ميافارقين إلا وقد أملق ونفذ ما كان يقوم به إلا قرانقر، وألجأتنا الضرورة إلى أني كنت أحطب، والأفرم ينفخ النار، والمماليك تنام هنا وهنا، وما فيهم من يرحمه، ولا من ينفخ النار عنه فيقول لي: وَالك يا سنجر تبصر؟! فأقول له: أبصرت، فيتنهد وتتغرغر عيناه بالدموع، وفلما وصلنا إلى بيوت سوتاي أضافنا ضايفة عظيمة، ونصب لنا خيمة كبيرة كان كسبها من المسلمين أيام غازان وعيها ألقاب السلطان الملك الناصر. فلما قام الأفرم ليتوضأ قال لي: والك يا سنجدر، كيف نعاند القدرة، ونحن في هذا النكان، وقد خرجنا من بلاده، وهو فوق رؤوسنا، وإذا كان الله قد رفعه، وكيف نقدر نحن نضعه. قال سنجر: ومن حين دخلنا إلى بيوت سوتاي عاد إليه ناموس الإمرة، ومشت المماليك معه على العادة، وأجري علينا من الرواتب ما لم نحتج معه إلى شيء آخر، ولم يزل كذلك حتى وصلنا الأردو فازداد إكرامنا وتوالى الإنعام علينا.
وركب خربندا يوماً ودار حتى انتهى إلينا، فوقف، وخرج له الأفرم وضرب له جوكا وقدم له خيلاً بسروجها ولجمها وأشياء أخر، فقبلها، واستدعى بشراب فشرب منه، وأمسك له أياق، فضرب الأفرم له جوكا وشربه، فأمر له بخمسين ثوباً، فقبضناها من خواجا علي شاه، ثم أعطاه همذان، فتوجهنا إليها وأقام بها، وقصدته الفداوية مرات، ولم يظفروا به، وقفز عليه واحد منهم مرة، والأفرم قاعد وقدّامه بيطار ينعل له فرساً، فأمسكه بيده وضمه إلى إبطه، ولم يزل كذلك حتى أخذناه وقرره ثم قلته.
قال: وأحضر الأطباء فملؤوا فمي زيتاً وأعطوني محاجم، وبقيت أمص الجرح، ثم إنهم عالجوه وبرئ ولم يمت إلى حتف أنفه بهمذان.
وحصل له في سنة أربع عشرة وسبع مئة فالج وهو بهمذان.

قلت: وكان الأفرام ذا قوة ونجدة، يقاوم في الحروب بعدة، وما تمتع أحد بالقصر الأبلق كما تمتع، ولا ثبت له للهو كما ثبت له وما تتعتع، وكان مغرى بحب الصيد لا يكاد يمله، يطلع الهلال فيه ويبدر ويستهله، وكانت له خيول تشد للكر، وخيول تشد للقنص، وهو من هذا السرج إلى هذا السرج يعد ذلك من الفرص، وكانت أيامه ممتزقة في الصيود، والقنص بالجوارح والكلاب والفهود، ومع هذا لا يخل بالجلوس للأحكام، والتصدي لمصالح الإسلام، وقضاء حوائج الناس، وإغاثة ذوي اللفهافت والعدم والياس، وتحصين الحصون، وملء كل ثغر بما يحتاج إليه من الحاصل المصون، وترتيب رجاله، وتفقد أحواله، وإدرار النفقات عليهم، ووصول الإنعامات إليهم، وادخار السلاح، وما يحتاج إليه من زرديات وقسي وجروخ ورماح. ولا يزال يتفقد هذا بنفسه، ويتوكل بأمره في يومه كما كان في أمسه. وقصّاده لا تزلا في بلاد العدو، فرقة داخلين وفرقة خارجين، وبريد يخفق إلى باب السلطان بحركات العدوّ إن كانوا متحركين أو ساكنين. إلا أنه كان يسمع كلام كل قائل، ويميل إلى من لم يكن بطائل، ويبقى أثر ذلك في قلبه كامناً، إلا أنه كان يسمع كلام كل قائل، ويميل إلى من لم يكن بطائل، ويبقى أثر ذلك في قلبه كامناً إلا أنه لا يرتب تحريك أذى يكون ساكناً.
وكان واسع السماط، كثير الانشراح علي والانبساط، ويتخرق ريحه كرماً، ويضيء جوده للسائرين ضرماً، ولكنه قليل العطاء، ليس لبخل عنده، ولا لإمساك يوري زنده، ولكن لضيق ذات يدهِ، وعدمِ حاصل يضطرب جوده في إنفاق مدده. قال لي من اطلع على أمره: إنه أكثر ما ملك سبعة آلاف دينار، وكان خيراً عديم الشر والأذى، لا يحب أن يرى في عين أحد قذى، لا يؤثر الظلم، ولا يفارق حمى الأناة والحلم، ما سفك دماً إلى بالشرع، ولا غلّب أصل مأثمة على فرع.
ونادم في دمشق الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وبدر الدين بن العطار، والملك الكامل، وغيرهم من المطابيع الأفاضل والرؤساء الأماثل، وأحبه أهل دمشق، ونقشوا ركنه على أطرزتهم وآلاتهم، واستعملوه في جميع حالاتهم.
ونظم فيه الشعراء، ومن أحسن ما جاء فيه قول الشيخ نجم الدين هاشم البعلبكي الشافعي:
سيوفٌ سقاها من دماءٍ عُداته ... وأقمس عن ورد الردى لا يردها
وأبرزها في أبيضٍ مثل كفه ... على أخضرٍ مثل المسن يحدها
وكان زنكه غاية في الظرف، وهو دائرة بيضاء، يشقها شطب أخضر، عليه سيف أحمر، يمر من البياض الذي فوق إلى البياض الذي تحت على الشطب الأخضر. وقيل: إن النساء الخواطي وغيرهن كن ينقشنه حتى على معاصمهنّ وفروجهنّ.
ولم يزل على حاله في همذان داخل البلاد إلى أن جاءه الأمر الذي لا يرد قدومه، والخطب الذي لا يصد عن القطع قدومه.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بهمدان بعد العشرين وسبع مئة، ودفن بها.
وعمر الجامع الذي بالصالحية قبالة الناصرية، والتربة التي إلى جانبه. وجدد جامع التوبة الذي بالعقيبة.
ولما كان بصرخد، وكتب إليه الشيخ صدر الدين بن الوكيل قرين فاكهة جهزها وحلوى:
أيا جيرةً بالقصر كان لهم مغنى ... رحلتم فعادَ القصرُ لفظاً بلا معنى
وأظلم لما غابَ نورُ جماله ... وقد كانَ من شمس الضحى نورهُ أسنى
فلا تحسبوا أن الديار وحُسنها ... زمانكم لا والذي أذهب الحسنى
لقد كانت الدنيا بكم في غضارةٍ ... ونعمى فأعمى الله عيناً أصابتنا
ولا رقت الأصالُ إلا صبابةً ... ولا حركت ريحُ الصبا طرباً غُصنا
يعز عليهم بعد داري عنهم ... وقد كنتُ منها قاب قوسين أو أدنى
وأني ألاقي ما لقيتُ من الذي ... لقلبي قد أصمى وجسمي قد أضنى
لقد كنتُم يا جيرةَ الحي رحمةً ... أياديكُم تمحو الإساءة بالحسنى
فجاءته الأبيات والهدية صحبة قاصدة، وقد خرج إلى الصيد، فقال للخزندار: كم معك؟ قال: ألف درهم، فقال: هذا القدر ما يكفي الشيخ صدر الدين، يا صبيان أقرضوني حوائصكم، فأخذ من مماليكه عشرين حياصة وجهّزها قرينَ الدراهم، وقال لقاصده: سلِّم على الشيخ وقُل له:
على قدرِ الكسا مديتُ رجلي ... وإن طالَ الكسا مديت زاده

ولم ينتفع بعده أحدٌ بالقصر الأبلق، لأنه وسكنه مدة نيابته وهي تقارب الأربع عشرة سنة، وبعد سكنه قراسنقر أربعة أشهر، وخرج منه أقبح خروج، وسكنه كراي مدّة يسيرة وأمسك منه، وسكنه نائب الكرك دون السنة وعُزل. وأمّا تنكز - رحمه الله تعالى - فما سكنه ولا بات فيه. وأمّا الفخري فنزل فيه، فجرى له ما جرى. وأمّا طقزتمر فخرج منه في ليلة خرج إلى قبته في المرّة الثانية، ومنها هرب، وجرى له ما جرى، وأمّا أرغون شاه فمنه أخرج وذبح.
آقوش الأمير جمال الدين المنصوري، المعروف بقتال السبع.
بقي إلى أن عاد السلطان الملك الناصر من الكرك، وهو أمير كبير، وعظيم بالبأس والنجدة شهير، أملاكه موفورة، ومماليكه تضاهي شموس الأفق وبدوره، وله الحّمام التي عند حوض ابن هنّس في الشارع، وانتقلت إلى ملك الأمير سيف الدين قوصون أخيراً.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه الحمام فما أطاق رده قتال السبع، وبطش به غرب المنيّة وهو نبع.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة، في تاسع عشري رجب الفرد، وكان أمير علم.
أقوش جمال الدين البيسري، أحد الأجناد بطرابلس، كان له شعر ومُلح، ونوادر وفق المقترح، رأى الأكابر وقاسى أهوال الزمان وهو صابر وقارب المئة وهو برمح واحد، وصحب الدهر فما خانه في المدة إلى أن لحدهُ اللاحد.
وتوفي رحمه الله تعالى.. وسبعمئة.
قال رأيت في النوم من أنشدني:
لما بدا كقضيبِ البانِ مُنعطفاً ... وكان يشتم ريحُ المسك من فيهِ
فقلتُ يا لائماتي انظرنَ واحدةً ... فذلكن الذي لمتني فيه
قال فحفظتهما، ونظمت:
لامت نساءُ زرودٍ في هو قمر ... كل الملاحة جزءٌ من معانيه
وقلنَ لما تبدى ليس ذا بشراً ... فقلتُ: هذا الذي لمتنني فيه
وقال ما كتبَ على قبقاب:
كنت غُصناً بين الرياض رطيباً ... مائسَ العطفِ من غناء الحمام
صرتُ أحكي رؤوسَ أعداك في ال ... ذل أبرغمي أداسُ بالأقدامِ
وقال:
خودٌ من التّرك ذاتُ وجهٍ ... كالبدِ في هالة الكمال
جاءت بكيسٍ بغيرِ ياء ... تطلبُ زبداً بغير دالِ
آقوش الأمير جمال الدين الرسمتي.
كان خبيراً كافياً، عارفاً بالسياسات وافياً، له بأس ونجدة، وفي أخلاقه زعارةٌ وحدة، وولي شد الدواووين بدمشق، فضاق منه عطن الكتاب، وبطل منهم جماعة وانفصل غير واحد منهم وتاب، وحصل أموالاً واستفاد أحوالاً، ثم إنه عُزل وولي والي الولاة بالصفقة القبلية، فمهد البلاد، وأخذ بثأر الطارف والتلاد، وقمع أهل العدوان والفساد، وأصلح الرعايا فساد.
وكانت ولايته بعد الشريفي، فخمل به ذكره، وبطل بذلك حمدُه وشكره.
ولم يزل إلى أن قش الفناء آقوش، وطفئ نور وجهه بعدما كان كالدينار المنقوش.
ووفاته رحمه الله تعالى في يوم الأحد ثامن عشري جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة، ودفن بتربة الشيخ رسلان.
آقوش الأمير جمال الدين نائب البيرة، نُقل إليها بعد موت الأمير شرف الدين موسى أمير حاجب.
وكان الأمير جمال الدين أمير حاجب بحلب، فلما توفي موسى المذكور في نيابة البيرة جُهز الأمير جمال الدين إليها، وجُعل الأمير ناصر الدين محمد بن شهري أمير حاجب مكانه، أظنه توجه إلى البيرة في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبع مئة، فأقام بها قليلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان المذكور من مماليك الأمير سيف الدين سودي نائب حلب.
آقوش الأمير جمال الدين الرحبي - بالراء والحاء المهملة والباء الموحدة - المنصوري.
تولى مدينة دمشق أكثر من إحدى عشرة سنة، كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكل يحبّه، وإذا رأى عليه سوءاً يدفعه بجهده ويجبه، قل أن هتك ستراً، أو رأى شدة تطول إلا جعلها بسياسته بتراً.
ولم يزل على حاله إلى أن نُقل الرحبي إلى رحبة القبور، ودعا أهله بالويل والثبور.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.

وكان قد عزله السلطان الملك الناصر لما توجه من دمشق إلى مصر سنة تسع وسبع مئة، لأنه خرج هو والأمير سيف الدين أقجبا المُشد اليودعا السلطان، فغابا ليلة، ولما عاد الرحبي أدركه شرف الدين قيران بن الرستمي متولياً دمشق مكانه فعاد الرحبي، ولحق السلطان، وغاب أياماً، وعاد إلى مكانه واليَ المدينة وذلك دون العشرة أيام، وفرح به أهل دمشق، وتلقوه بالشموع.
وأمسكه تنكز في ذي الحجة سنة أربع عشر وسبع مئة. وصادر ولم يعزله.
ثم إنه في صفر سنة تسع عشرة، رتّبه تنكز في شد الدواوين عوضاً عن فخر الدين أياس الشمسي، فأقام إلى الحادي من جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وتوفي في التاريخ، وكان عمره خمساً وخمسين سنة.
وهو من قرية من قرى إربل، وسبي منها وبيع، فأقام بالرحبة مدة، وانتقل إلى بيت المنصور.
أقوش الأمير جمال الدين الكنْجي، بالكاف والنون الساكنة وبعدها جيم.
كان من الأمراء أولي الدربة، والعارفين بما يجلّي الكربة، قد ألف سياسة الباطنية، ويعلم ما لهم في أمورهم من ظاهر ونيّة، يعيّن لكل مهمّ رجلاً يعرفه، ويُنفذه في ذلك الشغل ويصرفه، وحصّل من الأموال ما يكاثر الأمواه، وأذهل العقول حتى سدّ الأفواه.
ولم يزل على حاله حتى قفز الفداويّ الذي يُخْطِه، وخرج إليه كما يقال من تحت إبطه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وكان في هذه النيابة بمصياف من الأيام الظاهرية، وعزل منها مرات، ويعود إليها، ولعله بلغ من العمر تسعين سنة.
آقوش بن عبد الله جمال الدين الشبلي الشافعي.
سمع من ابن عبد الدايم، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
آقوش الأمير جمال الدين الأشرفي نائب الكرك.
ولاّه الملك الناصر بعد مجيئه من الكرك نيابة دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين كراي المنصوري في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فأقام قليلاً دون السنة، وعزله بالأمير سيف الدين تنكز، وتوجّه إلى مصر، وأمسكه الملك الناصر، وبقي في الاعتقال إلى أن أفرج عنه في شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مئة.
كان معظماً إلى الغاية، يجلس رأس الميمنة، ويقوم له السلطان ميزة له عن غيره. وكان لا يلبس مفَرَّكاً، ولا مصقولاً، ويتوجه إلى الحمّام بنفسه وهو حامل الطاسة والمئزر، ويقلب عليه الماء، ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك. فاتفق أن رآه بعضُ من يعرفه، فأخذ الحجر، وحكّ رجليه وغسَّله بالسِّدر، ولم يكلّمه كلمة واحدة، ولما خرج وتوجّه إلى داره طلبه وقتله، وقال: أنا ما لي مملوك، وما عندي غلام، ما لي بابيّة، حتى تتجرّأ أنت عليّ.
وعمّر جامعاً ظاهر الحسينية، وكان إذا توجّه إليه عرف الناس خُلُقه، فلا يدخل معه أحد من مماليكه، ويخرج قَوَمةُ الجامع، ولم يبق معه أحد، ويدوّر هو الجامع وحده، ويتفقده، ويبصر إن كان تحت الحُصُر تراب، أو في القناديل تراب، فأيّ خلل رآه أحضر القيّم وضربه. فلما كان في بعض الأيام وهو بمفرده في الجامع المذكور، لم يشعر إلا وجندي من أكراد الحُسينية قد بسط سُفْرة وقصعة لبن ورقاق في وسطها، وقال: " بسم الله " . فالتفت إليه وقال: من أعلمك بمكاني أو دلّك علي؟ فقال: والله لا أحد. فطلب مماليكه، وأكل ذلك وأمر له بمبلغ ست مئة درهم.
فاتفق أن أتاه كرديّ آخر في الجامع بعد ذلك الوقت بمثل ذلك، فرماه، وضربه ست مئة عصاً، وكان قد اتخذ له صورة معبدٍ في الجبل الأحمر يتوجّه إليه وينفرد فيه وحده يومين وأكثر، وأقل، ورُبّما واعَدَ الغلام أن يأتي إليه بالمركوب في وقت، ثم إنه يبدو له فيأخذ ذيله على كتفه، ويدخل القاهرة إلى بيته ماشياً.
وولاّه السلطان الملك الناصر نظر البيمارستان المنصوري، فكان يدخل بعض الأوقات إلى المجانين، ويُدخلهم الحمّام، ويكسوهم قماشاً جديداً، وأحضر لهم يوماً جماعة من الجوالقية، فغنوا لهم بالكف، ورقص المجانين.
وكان يبرّ المباشرين الذين هم به بالذهب من عنده، ويطلع في الليل قبل التسبيح المأذنة، ويتفقد المؤذنين، وكان للبيمارستان به صورة عظيمة، وأملاكه محترمة لا يُرمى على سكانها شيء من جهة الدولة ولا يتعرض لهم أحد بأذيّة.

أخرجه السلطان في أول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في شهر ربيع الآخر وصل إلى دمشق متوجّهاً إلى نيابة طرابلس، فحضر إليها، وأقام بها مدة، وبالغ في طلب الإقالة، وأن يكون مقيماً بالقدس، فرُسم له بالحضور إلى دمشق، وخرج الأمير سيف الدين تنكز، وتلقاه، وعمل له سماطاً في دار السعادة، ودخل ليأكل، وحضر الأمراء فأمسكه على السماط، وأودع في قلعة دمشق معتقلاً، فأقام بها يسيراً. ثم إنه جهز إلى صفد، وحبس بها في برج، فدخل إليه بعض أهلها، وقال: يا خوند! ما تلبث إلا يسيراً، وتخرُج منه، لأنك دخلت في برج منقلب، فلما كان بعد أيام أخرجوه منه إلى غزة، فقال: لأي شيء؟ فقالوا: يا خوند! البرج قد انشق، ونخاف أن يقع عليك، فقال: صدق القائل، كان البرج ينقلب عليّ.
وكانت له أشياء غريبة، فيما يوقّع على القصص بقلمه؛ كتب إليه إنسان وهو بدمشق: المملوك يسأل الحضور بين يدي مولانا ملك الأمراء لينهي ضرورته، فوقّع على جانبها: الاجتماع مقدَّر.
وكتب إليه بعض من كان بها مليحاً يطلب إقطاعاً، فكتب له عليها: مَنْ كان يومه بخمسين وليلته بمائة ما له حاجة بالجندية.
وكتب إليه إنسان وهو بالكرك: إن هؤلاء الصبيان قد كثرت أذيتهم للمملوك؟ فوقّع له: إن لم تصبر على أذى أولادهم، وإلا فاخرج من بلاهم.
ووقّع لآخر، وكان قد جرت له كائنة في الليل: قد أحصيناك، وإن عدت إلى مثلها أخصيناك.
وقال للأمير سيف الدين تنكز لمّا أمسكه: أما أنا فقد أُمسكت، ولكن خذ أنت حذرك منه.
وأقام في قلعة صفد يسيراً، ثم إنه رُسم بتجهيزه إلى الإسكندرية، فأقام بها قليلاً.
وكان في رأسه سِلعة، فطالب قطعها، وشاوروا السلطان على قطعها، فرسم له بذلك، فقطعوها، فمات رحمه الله تعالى في الاعتقال بالإسكندرية سنة ست وثلاثين وسبع مئة فيما أظن.
وكان يضرب الألْفَ عصا وأكثر، مات، ضَربِه جماعة منهم باردار من باردارية السلطان رآه وهو يسير برّاً باب اللوق، وقد شتم كان عنده وشتم أستاذه، فأمسكه وأحضره إلى البيت وضرب أكثر من ألف عصا، وقال: والك أنت والسقاء تخاصمتما، أنا أيش كنت في الوسط؟! وكانت هذه الواقعة إحدى الذنوب التي عدّها السلطان عليه.
ومنها أنه قتل جارية السلطان امرأة بكتمر الحاجب بسبب الميراث، لأن ابنته كانت زوجة بكتمر أيضاً، فضربها ست مئة عصا. وأشياء غير ذلك.
إلا أنه كان زائد الكرم والسماح، تُقصر عن مباراته في ذلك هُوج الرياح.
كان السماط الذي يمده في بيته في العيد نظيرَ سماط السلطان، وربما يكون أصلف وألذ وأطيب وأظرف. وإذا جُرد في مهمّ من الريدانية لا يعرف جنديه يشتري طعاماً ولا عَليقاً، ولا يدري كل يوم إلاّ وقد صُرف له ما يكفيه من ذلك إلى أن يعود إلى الريدانية تعليقاً، وإذا كان لجنديه فرس حمل كفله إلى مطبخه، فيصرف له من ديوانه ست مئة درهم، وقد صار عادة لا يشاور عليها، ولا يشار إليها، حتى إن بعضهم تكون فرسه بمئتي درهم، فيذبحه، ويأخذ ذلك المبلغ، وكان في نيابة الكرك من سنة تسعين وست مئة إلى سنة تسع وسبع مئة وله بها آثار حسنة.
أكرم القاضي كريم الدين الصغير ناظِر الدولة بالديار المصرية.
كان في الجيش أولاً، ولما بقي خاله القاضي كريم الدين الكبير ناظر الخاص تولّى هو نظر الدولة، وكان يحبّ الكاتب الأمين، ويزيد معلومه وينقله إلى وظيفة أكبر من التي يباشرها، وكان يحضر مجلس خاله كريم الدين الكبير فيكون واقفاً يرفع رجلاً ويضع أخرى، وقد يكون في ذلك المجلس جالساً من لا يمكنه الجلوس في دسته، وإذا كان في مجلسه هابه الناس وعظّموه.
وحكى لي غير واحد أن أمراء العشرات وغيرهم من الأمراء يزدحمون في المشي قدّامه، ويقعون زحاماً، ويقال: إن الملك الناصر لمّا كان في الكرك قال: أنا أعود إلى مكان يكون فيه أكرم الصغير يضرب الجند بالعصي وأشفع فيهم ما يقبل شفاعتي؟! وكان يضرب الناش ضرباً سمّوه المقترح، وهو أن تؤخذ يد الإنسان ويضرب من ورائه على أكتافه، فإذا قعص ضربه آخر من قدّامه على صدره.
ولكنّ عفّته عن مال السلطان مفرطة إلى الغاية، وتشدّد على من يخون عن خارج الحد.

حكى لي أنه جاء إليه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وهو في الوجاهة والعظمة عند السلطان ما هو، فقام لتلقّيه، وجلس بين يديه، وقال: ارسم يا خوند! قال: هذا الكاتب صاحبي، فشفّعني فيه، واستخدِمْه في الوظيفة الفلانية، فقال: السمع والطاعة، كم في هذه الوظيفة في كل شهر؟ قال ذلك الكاتب: مئة وخمسون درهماً، وثلاثة أرداب قمحاً، فقال لصيرفي عنده: اصرف لهذا في كل شهر مئة وخمسين درهماً، ويجيء إلى الشونة في كل شهر، ويأخذ هذه الأرداب. فقال الكاتب: ما أريد إلا هذه الوظيفة، فقال كريم الدين: حتى تعلم يا خوند أنه لصّ، وما يريد المعلوم ما يريد إلاّ السرقة، فاستحيا الأمير ومضى.
ولمّا أُمسك كريم الدين أُمسك كريم الدين الصغير، وكاد العوام والناس يقتلونه، وأثبت القضاة فيه محاضر، منها ما هو بالكفر، ومنها ما هو بقتل النفوس، فرأى السلطان أنه ذاهب لا محالة، فقال: إذا قتل هذا ممن آخذ أنا مالي؟ اصبروا إلى أن نأخذ مالنا منه، وتسلّموه انتم. ثم إن السلطان سلّمه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي، وبقي عنده مُدَيده، ثم إنه أخرجه إلى صفد ناظراً، فجاء إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وضبطها، وحصّل أموالها، ثم إنه ورد المرسوم بإمساكه فأُمسك، وضُربت الحوطة على موجوده، ثم طلب إلى مصر وذلك في سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ثم إنه جُهز إلى دمشق ناظراً عوضاً عن الصاحب شمس الدين، فوصل إليها في ثالث عشري شوال من السنة، فكرهه الأمير سيف الدين تنكز أول حضوره لِمَا كان يبلغه عنه، ولما باشر عنده، ورأى عفّته وتنفيذه وحُسن مباشرته أحبّه ومال إليه ميلاً كلّياً. ثم إنه طُلب فخافه أعداؤه، وعملوا عليه، وبطّلوا ما كان تقرّر في أمره، ورموه بكل داهية، فأقام في بيته بطّالاً.
وخرج عليه ليلة وهو خارج من الحمام جماعةٌ بسيوف ليقتلوه، فداسهم بفرسه، وضرب بدبّوسه إلى أن خلص منهم بكتفه وهو بمفرده، ثم عملوا عليه، فرُسم له بالتوجّه إلى أُسوان، وجُهز في البحر، فأغرق فِرْعَونه في اليم، وخسف عُمْرُ بدره في التم، وكان ذلك في أواخر سنة ست وعشرين وسبع مئة.
وكان مدبّراً مصرّفاً مجمّلاً للمناصب مشرفاً، كاتباً ضابطاً، مقسطاً لا قاسطاً، ذا مهابة وسطوة، ورفعة عند الملوك وحظوة، شديد الانتقام، تصحّ بمباشرته الأسقام، وتتوفر السهام والأقسام، ويريح قلب السلطان بمرض الأقلام والأجسام، لا يحابي أحداً ولا يحاشيه، ولا يراعي مَنْ هو من ألزامه أو حواشيه، يود الكاتب الخائن أن يرى ملك الموت ولا يراه، ويود أن يموت جوعاً ولا يُعمل إليه سَيْرُه ولا سُراه، إذا هزّ عاملاً قلت: هذا كمّي هزّ عاملاً، وإذا طلب ناظراً أنكرتْه علائمه، أو مستوفياً لم تحمله من الحساب قوائمه.
وفيه قلت من قصيدة:
فأكرِم بديوانٍ بهِ قد تثمّرَت ... بأوراقه غلاّته ودراهمه
وأكرِم به يوماً إذا هزّ عاملاً ... تخور لهُ عند الحساب قوائمه
وكان طعامه نظيفاً فاخراً شهياً، ومرأى أوانيه في كل أوان بهياً، إلا أنه لم يكن في بذخ خاله، ولا تمييز حاله، فإن ذلك في عداد الملوك، ولبس كل ما يلبس من الوشي المحوك.
وكنت قد كتبت إليه وهو بصفد:
عساكَ ترقُّ يا ظبيَ الصَّريم ... على صبٍّ من البَلوة سقيم
وجدتُ هدى على نارٍ تبدّت ... بطور حشايَ من قلبي الكَليم
فإنْ أشكُ الغرامَ نفرتَ عُجباً ... فكيف تميلُ معَ مَرِّ النسيم
وخطَّ عذارك المسكيُّ لاماً ... بكهف الخدِّ يبدو كالرَّقيم
فذاك اخضرَّ لما احمرَّ هذا ... فأبصرنا نعيماً في جحيم
وأعجبُ كيف يبسُم فيك ثغرٌ ... ثَناياه منَ الدُّرِّ اليتيم
وهَبْ أنّ القضيب حكاك قدّاً ... فهل للغُصن مثلك جيدُ ريمِ
ولكن مثل ما حَكتِ الغوادي ... كريمَ الدين في الفضل العميم
فتى فاق الوَرى قَدْراً وفَضلاً ... وأين الليث من ظبي الصريم
ودبّر مُلْك مصرٍ فازدهارها ... وأسفرَها عن الوجه الوسيم
وحاطَ يراعُه شاماً ومِصراً ... فكان على صراطٍ مستقيم

تُصرِّف كفُّه رِزقَ البرايا ... بأمر الخالق الرَّبِّ الرحيم
إذا رسمتْ أناملُه سُطوراً ... تحارُ لذلك الدُّرّ النَّظيم
فأين ابنُ العميد إذا رآه ... يخطّ بنانه وابن العديم
وأين كفاءة الوزراء منهُ ... إذا ما قام في الأمر العظيم
له بأسٌ تخافُ الأُسْدُ منه ... ولُطفٌ ليسَ يُعهَدُ من حليم
أيا مَن سادَ أهلَ الأرض طُرّاً ... وأحيا ميّتَ الجود الرَّميم
لقد وحشْتَ مصر وساكنيها ... فما تفترُّ عن ثغرٍ بسيم
ستدخلها وأنتَ قرير عينٍ ... فتلفيها على العهْد القديم
أتيتُكَ إذْ سَبَرتُ الناسَ طُرّاً ... فلمْ أرَ غيرَ ذي نظرٍ سَقيمِ
وليس لما أروم سواك كُفوٌ ... لأنّ الدهر قد أضحى غريمي
وقلتُ لمقصدي أبشِر بنُحجٍ ... إذا كان القُدومُ على كريم
وحَسبي المَدح فيكَ عُلوَّ شانٍ ... وفخراً بين غادٍ أو مُقيمِ
فلا بَرِحَتْ بك الأيام تُزهى ... ونحن ببرد ظلِّك في نعيم
ابن الأكفاني: شمس الدين الطبيب، محمد بن إبراهيم.
الأكُز بضم الكاف وإشباعها لتُنشئ واواً، ثم زاي، الأمير سيف الدين الناصري.
كان أولاً جَمْداراً، وأمَّره أستاذه، وكان يتحقق أمانته، فجعله مُشدّ الدواوين، فعملُ الشَّد أعظمُ من الوزارة، وتنوّع في عذاب المصادَرين وغيرهم، وضربهم بالمقارع، وأحمى لهم الطاسات وألبسهم إياها، وأحمى الدسوت، وأجلسهم عليها، وضرب الأوتاد في آذانهم، ودقّ القصب تحت أظافرهم، وبالغ وشدّد.
وجاء لولو فَنْدش الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في حرف اللام، وأقامه السلطان معه مُشدّ الجهات، واتفقا على عقاب الناس، وجمع الله منهما بين الحجّاج والطاعون، واستخرجا الأموال، وأزهقا النفوس، وتضاعف البلاء، وعمَّ الأذى، وزاد الشقاء في أيامهما، وسكنت روعة الأكُز في القلوب، وكان الكاتب يدخل إليه ميتاً، ويخرج ميتاً.
ولم يزل كذلك إلى أن لطف الله بالناس، وقدّر أنه غضب على لولو المذكور، فأخذ العصا بيده، وضربه إلى أن هرب قدّامه، وهو خلفه إلى أن وصل إلى باب القلعة، ونزل شاشُه في رقبته، فراح لولو إلى القاضي شرف الدين النشّو ناظر الخاص، ودخل عليه وعلى قوصون، وبذل المال، واتفق أن كان الغلاء في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فقال السلطان: يا الأكُز لا تدع أحداً يبيع الأردبّ بأكثر من ثلاثين درهماً، وانزل إلى شُوَن الأمراء وألزمهم بذلك.
فأول ما نزل إلى شونة الأمير سيف الدين قوصون، وأمسك السمسار الذي له، وضربه بالمقارع، وأخرق بالأستادار، فطلع إلى قوصون، وشكا حاله إليه، فطلبه، وأنكر عليه ذلك، فأساء علي الردّ، فدخل إلى السلطان، فأخرق السلطان بقوصون، فأكمنها قوصون للأكُز، وعمل عليه باتفاق النشّو، ولم يَزالا عليه إلى أن غضب عليه السلطان ورماه قدّامه، وضربه بالعِصيّ، ورسم عليه أياماً، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في شوال سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
حكى لي القاضي ضياء الدين يوسف بن الخطيب محتسب القاهرة قبل إمساك الأكُز بأربعة أشهر أو ما يقاربها أنّ بعض المشايخ حدّثه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو جالس في صدر الإيوان والسلطان واقفاً أمامه على رأس الدرج وهو ينكر عليه، ويقول له: ما هؤلاء الظَّلَمة الذين أقمتهم، فقال: يا رسول الله من هم؟ ثم توجّه وغاب قليلاً، وأتى بالأكُز، فقال: اذبحه، فاتكاه وذبحه، فقال له: خلِّه الآن. فما كان بعد أربعة أشهر حتى جرى له ما جرى.
وكانت أيامه أيام سَخَط ومحنة ما أسعد من أبعد منزله عن مصر وشحط، قد تنوع في الظلم والجور، وتطوّر في القساوة والجبروت طوراً بعد طور، وبسط العذاب على الكتّاب، وأخذ الصالح بالطالح والبريء بالمرتاب.
وقطع جماعةٌ أشجار غيطانهم، وخربوا ما عُمِّر من حيطانهم هرباً من الخراج الذي قُرِّر في تلك الأيام على الثمار، وجباه الظَّلَمة من باعة الأزهار، ولكن الله لطف، وما جرى الظلم شوطاً حتى قَطَف، ولا لوى العدل جيده، وأعرض حتى عطف.

ولما وصل الأكُز إلى دمشق أقام بها دون السنة، وكَزَ الموت الأكُز ولكز، ونكره العيش لمّا ساوره أفعوان الحَيْن ونكز، وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة فيما أظنّ. وكانت مدة مباشرته في القاهرة أكثر من سنتين.
أَلْبكّي الأمير فارس، أحد مقدّمي الألوف بالديار المصرية، أظنه ابن أخي الأمير الكبير سيف الدين المِلك الآتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
أظنه ورد إلى غزة نائباً بعد الأمير سيف الدين دِلَنْجي في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. وتوجّه بعسكر غزّة إلى صفد لما كانت العساكر الشامية بصفد في حصار نائبها أحمد الساقي.
ولما أُمسك المذكور عاد هو إلى غزة، وأقام بها إلى أن عُزل بالأمير سيف الدين أرغون الإسماعيلي في العشر الأوسط سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وتوجّه إلى مصر، وأقام بها أمير مئة مقدّم ألف، وحضر صحبة الأمير سيف الدين طاز إلى حلب في واقعة بيبغاروس، وهو الذي حضر معه ألطنبغا برناق نائب صفد، والأمير علاء الدين ألطنبغا مشدّ الشرابخاتاه، والأمير سيف الدين شادي أخو أحمد الساقي والأمير سيف الدين أسنبغا الرسولي، وسيف الدين أسن بك بن خليل الطرقي ومهدي مشد حلب، لأنهم جُهّزوا معه من حلب إلى دمشق، واعتقلوا في القلعة إلى أن وُسِّطوا بسوق الخيل في دمشق.
وعاد الأمير سيف الدين ألبكي صحبة السلطان الملك الصالح إلى الديار المصرية، وأقام بها على الإمرة والتقدمة إلى أن وصل الخبر بوفاته في مصر إلى دمشق في أواخر شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة.
أَلْبكي بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف وياء أخر الحروف.
الأمير فارس الدين الظاهري، من كبار الأمراء وشجعانهم.
كان في السجن، ويطلبه الملك المنصور، ويتحدث معه، ويعيده إلى السجن، ثم أخرجه وولاّه نيابة صفد، فأقام نحواً من عشرة أعوام.
وكان كلّما ركب ونزل الجمدار شاشه، وفتحه وتركه، فإذا أراد الركوب لفَّ هو شاشه بيده مرة واحدة.
وكان مليحَ الشكل، ليس في وجهه شعر، وكان الأمير سيف الدين يلبان الساقي من أمراء صفد يهيم فيه عشقاً، ويكوت صبابة ووجداً، وكان كثير الآداب.
حكى لي عنه شيخنا الإمام الخطيب نجم الدين حسن بن الكمال الصفدي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الحاء رئاسة كثيرة وحشمة زائدة. وكان يحادثه ويسامره إلى نصف الليل. قال: ولم أره بلا خفّ قطّ، ولم يُبد رجله ولا مدّها ولا كشفها.
ولمّا غضب الأشرف بن قلاوون على حسام الدين لاجين وهو على عكا جهزه إلى صفد ليُعتقَل بالقلعة، فأخذ المقرعة الأمير فارس الدين وضربه عل كتفه وقال له: ما تمشي إلاّ خواتيني، وأخذ خوجة كانت معه وطرطوراً ضمن بقجة، وضرب الدهر ضرباته، وجلس حسام الدين لاجين على كرسي المُلك، ولما ثمّ له الأمر سيّر إلى الأمير فارس الدين يقول له: احتفظ بالبقجة والجوخة والطرطور، ففرّ من حمص وهرب مع الأمير سيف الدين قَبْجَق - على ما يأتي في ترجمته هناك - ومعهما بَكْتَمُر السلاح دار، وتوجهوا إلى قازان لنا بلغهم إسلامه فتلقاهم بالإكرام، وبالغ في الإحسان إليهم وزوج الأمير فاس بأخته، وكان يحكي عنهما لما حضر إلى الشام: هي مثل هذه الشمس، ولما عاد قازان تأخروا عنه، وأعطي الأمير فارس الدين نيابة حمص.
وكان وَجْهُه من الشَّعر خالياً، وبالمحاسن حالياً، كأنه طلعة القمر إذا سفر الظلام، ولبس حلة الكمال والتمام، خيِّراً وادِعاً، ساكناً بالحق رادعاً، لطيف الحركات يتجنب مواقع الهلكات، قريباً من الناس للخير رقيباً نجيباً في أفعاله الغريبة، ينقاد إليها مع الإخلاص جنيباً، معروفاً بالشجاعة والثبات، موصوفاً بالفروسية في الكرّ والفرّ والالتفات، أعظمه القان قازان، وبهره عقله الذي زان، وقيامه بآداب المغول، وسياستهم التي يغتال العقول منها غول، فقرّبه لمّا جرّبه، وردّ به الخطب حين درّبه، وزوّجه بالخاتون أخته، وزاد فيما خصّه به من محاسن رخته، وأفرط في دنّوه حتى كاد يجلسه على تخته.
ولم يزل بحمص عل نيابته حتى نزل به ما لا يُسمع معه مُشتكى، وقرّح الجفون على ألبكي بالبُكا.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة اثنتين وسبع مئة.
ألجاي الأمير سيف الدين الأبو بكري.
كان أحد الأمراء بدمشق، يسكن بدار الأعسر.

فيه خير وصلاح، وجهاد في رضى الله تعالى: إلا أنه لا يحتاج فيه إلى سلاح، يتردد إلى الجامع ماشياً بفَرْد مملوك، ويلازم الصلاة فيه بكرة وعشيّاً ووقت الدلوك، هذا مع تواضع يزينه، ويحسّنه ولا يشينه.
ولم يزل على هذه الطريقة، والسبيل التي هي مجاز إلى الحقيقة إلى أن ألجي ألجاي إلى الدخول في مَنْ غبر، فأصبح وقد طاب مبتدا ذكره والخبر.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي قبله ولده بقليل.
وكان شاباً حسناً، فذاق فقده، ورأى الموت بعينه بعده.
ألجاي الأمير سيف الدين الدوادار الناصري.
كان دواقاراً صغيراً مع أرسلان المقدم ذكره. ولما توفي استقلّ ألجاي بالدوادارية.
وكان شاباً طويلاً، ظريف الحركة هزيلاً تعلوه شقرة، ولونه يضرب إلى حُمرة، وكان طويل الروح لا يغضب، وإن غضب فعلى نفسه، ولا يواجه إلاّ بما أحبّ، مع عفّة وديانة، وخبرة تامة وصيانة، وكان عارفاً بأخلاق أستاذه الناصر، تُعْقَد على دُربَته وآدابه الخناصر.
وثق إليه السلطان كثيراً، وأحلّه من قلبه مكاناً أثيراً، ويكتب خطّاً من أين للروض طلاوته، أو للوشي رقمه وإجادته، وله فضائل، وعنده من العلم مسائل. لازمه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي كثيراً، وكان يُلزمه بالمبيت عنده في القلعة؛ ليكون له سميراً.
وبقي زماناً لا يؤثر الطبلخاناه مدة تزيد على العشرة أعوام خوفاً من إخراجه من بيت السلطان. ولما كان قبل موته بسنتين أو ثلاث أعطي طبلخاناه، واقتنى كتباً نفيسة إلى الغاية، عمَّر له داراً في الشارع، تأنق في بوّابتها ولم يكمل عمارة الدار. ولما مرض بالقلعة طلب النزول إلى داره ليُمرَّض فيها، فلامه أصحابه وأخصّاؤه، فقال: أنا أعْرَفُ بخُلُق أستاذي قد يريد أن يولي الدوادارية غيري، فنزل إليها، وأقام بها مدة يسيرة، وفرغ عمره، ونم نهيه في الدولة وأمره.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رجب الفرد سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حافلة. ووقع خلاف في وفاته بين الأمير صلاح الدين الدوادار والقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود كاتب السر، فقلت أنا: تُقرأ نصيبة قبره، فقال القاضي شرف الدين: هذا نقش في حجر، فنظمت أنا ذلك وقلت:
أخالف قوماً جادَلوني بباطلٍ ... متى مات أُلجاي الدّوادار أو غَبَرْ
وصَدَّقني فيه نصيبةُ قبره ... وكان الذي قد قُلتُه النَّقشُ في الحجرِ
ألتَمُر الأمير سيف الدين الأبو بكري. أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان شكله تامّاً وخَيْرُه عاماً، فيه سكون كثير، وركون إلى الدعة مثير.
وكان له ولدان، كأنهما فرقدان، ففرّق الموت منهم الشَّمل، وفاضت الجفون عليهم بالهَمْل.
وتوفي رحمه الله تعالى في أربع وأربعين وسبع مئة. ومات هو وولده الأكبر في دون الشهر.
ألْدَمِر بالهمزة واللام الساكنة والدال المهملة المفتوحة والميم المكسورة وبعدها راء.
الأمير سيف الدين أحد أمراء القاهرة. أظنه كان مُقدَّماً.
توجّه إلى الحجاز، فجرت تلك الفتنة في مكة، وقتل هو وولده وغيره. وحصل للسلطان لما بلغه الخبر أذى عظيم، وقام له وقعد، وبطل السماط، وجرد من مصر ألفي فارس كل واحد بخوذة وجوشن ومئة فردة نشاب وفأس برأسين أحدهما للقطع، والآخر للهَدّ، ومع كل فارس جملان وفرسان وهجين، ورسم لمقدم الجيش متى وصل إلى الينبع وعدّاه لا يرفع رأسه إلى السماء بل إلى الأرض، ويسفك الدماء من كل مَنْ يلقاه من العربان، إلا مَنْ عَلِم أنه أمير عرب، يقيده ويسجنه معه.
وجرّد من دمشق ست مئة فارس على هذا الحكم. ومن أعجب ما مرَّ بي أن الناس تحدّثوا وهم في صلاة العيد بالقاهرة بقتلة هذا ألدمر، ولم يقتل هو ومن معه إلاّ بَعْد صلاة العصر يوم العيد سنة ثلاثين وسبع مئة.
وكان أمير جاندار، وأظنه زوّج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدين القزويي، وسيأتي ذكر ولده أمير علي في مكانه من حرف العين.
ألْدَمِر الأمير سيف الدين المعروف بألدمر عبد الله أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
وكان قد توجّه أمير الركب في سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، وتسخَّط بذلك كثيراً. ولم أعاد أقام بدمشق.

وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبع مئة، وأعطي خبزه للأمير ناصر الدين محمد بن الخطير.
أُلْجِيبُغا الأمير سيف الدين المظفَّري الخاصكيّ.
تقدّم في أيام الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد. لم يكن عنده أحد في رتبته، ولم يزل أثيلاً عنده أثيراً، إلى أن جرى للمظفر ما جرى، على ما سيأتي في ترجمته. وتولى السلطان الملك الناصر حسن، فاستمر معظّماً.
وكان أحد أمراء المشْوَر الذين تصدر عنهم الأوامر والنواهي إلى أن وقه الاختلاف بين هؤلاء الأمراء، فأُخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين أمير أخور، وطُلب أمير آخور إلى مصر، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
يقال: إنهم اختلفوا بعد إخراج أحمد الساقي إلى صفد، فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: تخرجُ نائباً إلى طرابلس. فقال: إذا كان لا بد من خروجي فأكون في حماة. فقالوا له: نعم. وألبسوه تشريفاً، وخرج. ولمّا كان في أثناء الطريق ألحقوه بمن قال له: تَروح إلى دمشق أميراً. فجاء إليها. ولم يزل بها على إمرته إلى أن حضر الأمير سيف الدين قُجا السلاح دار في أثناء شعبان سنة تسع وأربعين فأخذه وتوجّه به إلى طرابلس نائباً عوضاً عن الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير، فأقام بها نائباً إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، وورد كتابه على أرغون شاه نائب الشام، ويقول فيه: أشتهي أن أتوجّه إلى الناعم أتصيّد به، وما يمكنني ذلك إلاّ بمرسومك. فقال له: " بسم الله " . المكان مكانك.
فحضر إلى الناعم، وأقام على بحرة حمص أياماً يتظاهر بالصيد، ثم إنه ركب ذات ليلة بمن معه من العساكر، وساق إلى خان لاجين، ونزل به، وأقام من الثانية في النهار إلى أن اصفرَّت الشمس، وركب بمن معه وجاء إلى أرغون شاه وهو مقيم في القصر الأبلق، وجرى له ما جرى على ما تقدّم في ترجمة أرغون شاه.
ويقال: إنه ما وصل إلى سوق الخيل حتى قضى له الشغل الأمير فخر الدين أياز السلاح دار. ثم إنه لما انفجر الصبح نزل بالميدان الأخضر، وطلب أمراء الشام، وأخرج لهم كتاب السلطان، وقال: هذا مرسوم السلطان بإمساك أرغون شاه، فما شك أحد في ذلك، واحتاط على أموال أرغون شاه وجواهره وجميع موجوده، وذلك في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول.
ولما كان في يوم الجمعة بكرةً ظهر الخبر أن أرغون شاه ذَبح روحه.
وكان قد جهز بريداً إلى باب السلطان بإمساكه، ومعه سيفه، وأقام والأمراء في خدمته إلى يوم الثلاثاء، فتحدث الأمراء فيما بينهم؛ لأنه أراد أن ينفق فيهم ويحلفهم، فأنكروا ذلك، ولبسوا السلاح، ووقفوا بسوق الخيل، ولبس هو وجماعة من الجراكسة وفخر الدين أياز ومماليكه، وخرجوا إلى العسكر، وكانت النصرة لألجيبغا، وقتل جماعة من أمراء الشاميين، ورموا الأمير بدر الدين أمير مسعود والأمير سيف الدين طَيْدمر أمير حاجب عن الفرس إلى الأرض، وقطعت يد الأمير سيف الدين ألجيبغا العادليّ، على ما سيأتي، وأخذ ألجيبغا الأموال والجواهر، وخرج العصر من دمشق على المِزّة، وتوجّه على البقاع إلى طرابلس، وأقام بها، فما كان بعد أيام إلا وقد جاءت الملطّفات إلى أمراء الشام من باب السلطان بإنكار هذه القضية، وأن هذا أمر لم نرسم به ولا لنا به علم فتجتهدوا في إمساك ألجيبغا وأستاذ داره تَمِربغا وتجهيزهما والكتاب الذي ادّعى أنه منا، وكتب بذلك إلى سائر نواب الشام، فجردت العساكر إليه، وربطوا الطرقات عليه، وسدّوا عليه المنافس. فبلغه الخبر، فخرج من طرابلس، وخرج عسكر طرابلس خلفه إلى أن جاء إلى نهر الكلب عند بيروت، فوجده موعّراً، والعساكر عنده، فوقف من الثانية في النهار إلى العصر، وكرّ راجعاً، فوجد العسكر الطرابلسي خلفه، فواقفوه. ولم يزل إلى أن كلَّ وملَّ وسلّم نفسه، فجاؤوا به إلى عسكر الشام.
وكان أياز قد تركه وانفرد عنه، وقدم العسكر الشامي بالجيبغا ومعه أياز مقيدين، واعتقلا بقلعة دمشق، ثم إنهم جهزوا ألجيبغا مقيداً إلى باب السلطان صحبة الأمير سيف الدين باينجار الحاجب، فوصل من مصر يوم الأربعاء سيف الدين قُجا السلاح دار، وعلى يده مرسوم السلطان بأن يُوسَّط ألجيبغا وأياز في سوق الخيل بحضور العساكر، ويُعلّقا على الخشب حتى يقعا من نتنهما.

فلما كان يوم الخميس ركب العسكر الشامي جميعه والأمير شهاب الدين أحمد الساقي نائب صفد، وأنزلوا ألجيبغا وأياز، وعُلِّقت أشلاؤهما على الخشب بالحبال والبَكَر على وادي بردى بسوق الخيل، وذلك في حادي عشري شهر ربيع الأخر سنة خمسين وسبع مئة، وتألم بعض الناس على ألْجَيْبُغا وتحقّقوا أن أياز غَرّه وحسّن له ذلك الفعل، والله يعلم حقيقة الحال.
وكان ألْجَيْبغا شاباً عضّاً، طريّاً في شبيبته بَضّاً، يميس قدّه قضيباً، ويميل من الصَّبا غصناً رطيباً، ممشوق القوام، مرموق الحسن على الدوام، لَمّا بقل عذاره، وطرّ شاربه، بدا في سماء الحسن كالبدر إذا حفَّت به كواكبه.
وكان عمره يوم وُسّط تسع عشرة سنة. فيا أسفاً له كيف ما تورّع عما فيه تورُّط، ويا عجباً له في أول شبابه كيف توسّط، قدّ السيف أضلاعه قدّاً، وألبس كافور جسمه برداً من عقيق دمه به تردّى، وعُفّر جسده في الثرى، وغسَّل بدموع جماعة من الورى، وظهر له ثبات عند الممات، وقوة جنان أصمت قلوب عداه بالصُّمات بخلاف أياز فإنه أظهر جزعاً شديداً، وأعلن بالبكاء صوتاً مديداً.
وقلت أنا في ألجيبغا:
لما بغى ألجيبغا واعتلى ... إلى السهى في ذبح أرغون شاه
قبل انسلاخ الشهر في جلّق ... عُلّق من عُرقوبه مثل شاه
ألجيبغا الأمير سيف الدين العادلي مملوك العادل كتبغا، من جملة مقدَّمي الألوف والكبار بدمشق.
كان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - قد أحبّه في آخر الأمر، ومال إليه، واختص به، فلما أُمسك وحضر بُشتاك إلى دمشق أمسك ألجيبغا العادلي وطيبغا حاجي، واعتقلهما بقلعة دمشق، وأقاما في الاعتقال إلى أن مرض السلطان المرضة التي مات فيها فأفرج عنهما، وأعيدت إليه الإمرة والتقدمة، وبقي على حاله كبيراً مشيراً.
ولما كانت واقعة أرغون شاه وركوب العسكر لألجيبغا وقع الأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي إلى الأرض عن فرسه، وتعلّق بالسرج ليركب، فضربه بعض مماليك ألجيبغا بالطبر أطار يده من نصف زنده.
ولما توجّه العسكر إلى سنجار كان هو المقدم عليه. ولمّا توجهت العساكر إلى صفد لمحاصرة أحمد كان هو المقدم عليها. ولمّا توجه الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى جهة مصر في واقعة بيبغاروس جعله في دمشق نائب الغيبة، وأقام على حاله والملك الصالح في دمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن مرض مرضة طوّل فيها، وزاره الضيف الذي لا يُرد، والقادم الذي إذا نزل بالملوك لا يُصدّ.
وكانت وفاته في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان كبير الوجه ألحى، يرى الناظر في محيّاه حُسناً وملحاً، طويل القامة، عظيم الهامة، له رغبة في اقتناء الخيول الثمينة، والمغالاة في أثمانها التي هي في الكثرة مكينة.
وله أرب في المتاجر، ودأب في تحصيل المكاسب التي تبلغ فيها القلوب الحناجر.
يقال: إنه لمّا توفي رحمه الله تعالى خلّف من جملة متاجره سُكراً قيمته ثمان مئة ألف درهم، إلى غير ذلك من الأصناف.
أُلطُقُصْبا الناصري الأمير علم الدين من قدماء أمراء دمشق. أظنه من مماليك الناصر صاحب الشام.
روى عن سبط السِّلفيّ.
كان شيخاً عاقلاً، لا يُرى في القيام إلى الخير متثاقلاً، ساكناً مهيباً، عارفاً لبيباً، أصابه زيار في ركبته، وهو في حصار قلاع الأرمن سكّن حركاته، وأزاره هلكاته، فحمل إلى حلب، ففارق فيها الحياة، وبكاه حتى الغمام بدموع المياه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
ألطنبغا الأمير علاء الدين الحاجب الناصري.
ولاّه أستاذه الملك الناصر محمد نيابة حلب بعد سَوْدي، وصل إليها في أوائل شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة، فعمل بها النيابة على أتمّ ما يكون من الدُّرْبة، وأحسن ما يكون من المعرفة التي يغنى بها عن الصمصامة والحَرْبة، وعَمَّر بها جامعاً حَسَناً، متفرداً بالطلاوة والسَّنا.

ولم يزل بها إلى أن أتى إليه الأمير سيف الدين أُلجاي الدوادار الناصري في المحرَّم سنة سبع وعشرين، وتوجّه به إلى مصر، وورد إلى حلب الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، على ما مرَّ في ترجمته، وأقام بمصر في جملة الأمراء الكبار إلى أن مات أرغون، فأعاده السلطان إلى حلب ثانياً نائباً، وفرح به أهل حلب، وصل إليها في أوائل جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ولم يزل بها إلى أن وقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، فطلبه السلطان إلى مصر، فتوجّه إليها، وما أقبل السلطان عليه، وبقي على باب الإصطبل والسلطان يُطعِم الجوارح بالميدان، ولم يستحضره حتى فرغ، وبقي بعد ذلك مقيماً بالقلعة إلى أن حضر تنكز، وخرج السلطان وتلقاه إلى سرياقوس وبير البيضاء، على ما يأتي ذكره في ترجمة تنكز، إن شاء الله تعالى. ولما استقرّ تنكز بباب السلطان أُخرج الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى غزة نائباً.
وبعد شهر ونصف خرج تنكز من مصر إلى الشام عائداً، فلما قارب غزة تلقاه ألطنبغا، وضرب له خاماً كبيراً، وأنزله عنده، وعمل له طعاماً، فأكل منه، وأحضر بناته له فتوجع له، وأقبل عليه بذلك، وخلع عليه، وتوجّه إلى دمشق.
ولم يزل بغزة نائباً إلى أن أمسك السلطان تنكز، فرسم لألطنبغا بنيابة الشام، فحضر إليها يوم الاثنين سادس المحرم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ودخلها والأمير سيف الدين بُشتاك والحاج أرقطاي وبَرْسْبُغا وبقية الأمراء الذين كانوا قد حضروا عقيب إمساك تنكز.
ولم يزل بدمشق نائباً إلى أن أُمسك السلطان المنصور أبو بكر، وتولّى المُلْك الأشرف كجك، وتنفس الأمير سيف الدين طشتمر بسبب خلع المنصور ومحاصرة الناصر أحمد في الكرك، فخافه قوصون، وكان هو القائم بتلك الدولة، فاستوحى الأمير ألطنبغا عليه، وكان في نفس ألطنبغا من طشتمر، فجرت بينهما مكاتبات ومراجعات، وحمل ألطنبغا حظ نفسه عليه زائداً، فتجهّز إليه بالعساكر، وخرج بعد صلاة الجمعة من الجامع في مطر عظيم إلى الغاية، والناس يدعون عليه بعدم السلامة؛ لأن عوام دمشق كرهوه كراهة زائدة، وكانوا يسبونه في وجهه، ويَدْعُون عليه، ونشب سنان شَطْفَتِه من خلفه في بعض السقائف، فانكسر، فتفاءل له الناس بالشؤم. ولم يزل سائراً إلى سلميّة، فورد عليه الخبر بأن طشتمر هرب من حلب، فساق وراءه إلى حلب، ونهب أمواله وحواصله وذخائره، وفرقها على الأمراء والجند نفقةً، وعند خروجه من دمشق حضر إليها الأمير سيف الدين قُطلوبغا الفخري، وملكها، وبرز إلى خان لاجين، وقعد هناك بمن معه من العسكر المصري، وتردّدت الرُّسل بينه وبين ألطنبغا مال الفخري على قوصون، ومال ألطنبغا إليه.
ولم يزل إلى أن حضر ألطنبغا بعسكر الشام وحلب وطرابلس في عُدّة تزيد على خمسة عشر ألف فارس. وتردّد القضاة الأربع بينهما، ووقف الصفان، وطال الأمر، وكره العسكر الذين معه مُنابذة الفخري، وهلكوا جوعاً، وألحّ ألطنبغا، وأصرّ على عدم الخروج عن قوصون، وأقاموا كذلك يومين. ولما كان بكرة النهار الثالث خامر جميعُ العساكر على ألطنبغا، وتحيزوا إلى الفخري، وبقي ألطنبغا والحاج أرقطاي والأمير عز الدين المرقبي والأمير علاء الدين طَيْبغا القاسمي والأمير سيف الدين أسَنْبُغا بن الأبو بكري، فعند ذلك أدار ألطنبغا رأس فرسه إلى مصر، وتوجّه هو والمذكورون على حميّة إلى مصر.
ولما قاربوها جهّز دواداره قراتمر إلى قوصون يخبره بوصولهم، فجهّز إليهم تشاريف وخيولاً، وبات على أنه يصبح فيركب لملتقاهم، فأمسكه أمراء مصر، وقيّدوه، وجهّزوه إلى إسكندرية، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته، وسيّروا تلقُّوا ألطنبغا ومن معه، وأطلعوهم القلعة وأخذوا سيوفهم وحبسوهم. ثم بعد يومين أو أكثر جهزوهم إلى إسكندرية، ولم يزالوا هناك إلى مجيء الناصر أحمد من الكرك.
وجاءت عساكر الشام، واستقرّ أمر الناصر أحمد، فجهّز الأمير شهاب الدين أحمد بن صبح إلى إسكندرية، فتولّى خنق قوصون وبَرْسْبُغا وألطنبغا وغيرهم في الحبس في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، أو في شهر شوال.

ويُحكى أنه ما جزع عند الموت بل توضّأ، وصلّة ركعتين، وقعد ولفَّ ذقنه بيده، ووضعها في فيه، واستسلم لوضع الوَتر في حلقه، وصبر لأمر الله تعالى وقضائه في خلقه، وبشَّ للذي أتاه، وخَنَق، وتلقاه بالرضى من غير حَنَق.
وكان رحمه الله تعالى خبيراً بالأحكام، طويل الروح على المنازعات والخصام، قد دَرِب الأمور وجرّبها، عمّر الوقائع وخرّبها، وباشر الحصارات، ودخل إلى بلاد سيس في الإغارات، ورتّب الجيوش وصفّها، وقدّمها وقت الفرصة وعند الخطر كفَّها، ودخلها مرات يجتلب ما تحويه ويحتلب، ويجعل علِيَها سافلها، والناس قالوا: سيس ما تنقلب.
وكان ألطنبغا رمّاحاً طُبْجيّاً، يرمي النشاب، ويلعب بالرمح، ويضرب الكرة، وتقاد له الفروسية في بُرَة، ولم يرمِ أحد في بيت السلطان جَنْبَه إلى الأرض، ولا جعل طوله إذا صرعه وهو عَرْض.
وكان لا يدَّخر شيئاً، ولا يستظل من الجمع فَيئاً، ولا يعمر له ملكاً، ولا يُجرى له في المتاجر حيواناً ولا فلكاً، وانفصلت في أيامه بدور العدل قضايا مرت السنون عليها لظلام أمرها، وغموض سرّها، وخفاء الحقّ فيها لدقته، وغلبة الباطل وعموم مشقته، وموت الخصوم في تمادي الحال وعدم الناصر، ورؤية المالك ثمار منافعها وباعه عنها قاصر.
وعلى الجملة كان فريداً في أثناء جنسه، مالكاً بالصبر أمر نفسه؛ إلاّ أن سفك الدماء عنده أمر هيِّن، وإزهاق الروح لا يعبأ به بأمر بيِّن أو غير بيِّن، فلذلك ما رزق سعادة في نيابة دمشق ومنها تعكس، وتنكد عيشه وتنكَّس، ولو قدر الله تعالى له أن يوافق الفخري ويدخل معه، وينزله القصر ويجلس هو موضعه لكان الفخري عنده ضيفاً. وما سلَّ أحد في وجهه سيفاً، ولا وجد له من أحد جَنفاً ولا حَيْفاً، ولكن هكذا قدَّر، وهذه العقبى جزاء ما صُدّر، فلا قوة إلاّ بالله.


ألطُنْبُغا الأمير علاء الدين المارِدانيّ الساقي الناصري.
أمَّره السلطان مئةً، وقدّمه على ألف، وزوّجه إحدى بناته، وهو الذي عمّر الجامع الذي برّا باب زُويلة عند المرحّليين، وأنفق على ذلك أموالاً كثيرة؛ لأنه مرض مرضة شديدة، طوَّل فيها، وأعيا الأطباء شفاؤه، وأنزله السلطان من القلعة إلى الميدان على البحر، ومُرّّض هناك قريباً من أربعين يوماً.
وكان ابن المرواني متولّي القاهرة يقف في خدمته، ويُحضر له كل ما في برّا باب اللوق من المساخر وأرباب الملاهي وأصحاب الحَلَق، وهو يُنعم عليهم بالدراهم والخلع والقماش.
ونزل السلطان إليه مرات، وكان الخاصكية ينتابونه جماعة بعد جماعة، وبيبتون عنده، وتصدّق في تلك الأيام بمائة ألف درهم، وشرع في عمارة الجامع المذكور. وهو أحد الخاصكية المقرَّبين.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي السلطان، وتولّى الملك المنصور أبو بكر. فيقال: إنه الذي وشى بأمره إلى قوصون، وقال له: قد عزم على إمساكك، وجرى ما جرى على ما يذكر في موضعه في ترجمة المنصور أبي بكر.
وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا المذكور عند المنصور أعظمَ مما كان عند والده؛ لأنه جعله مُوْدَع سرِّه.
ولما تولّى الأشرف، وماج الناس، وحضر الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري من الشام، وجرى ما جرى على ما تقدم في ترجمة ألطنبغا نائب الشام، وشغَّب المصريين على قوصون، فيقال: إن ألطنبغا المارداني كان أصل ذلك كله، ونزل إلى الأمير علاء الدين أيْدُعْمِص أمير آخور، واتفق معه على القبض على قوصون، وطلع إلى قوصون، وجعل يشاغله، ويكسّر مجاذيفه عن الحركة إلى بكرة الغد، وأحضر الأمراء الكبار المشايخ عنده، وساهره إلى أن نام، وهو الذي حطَّ يده في سيف ألطنبغا نائب الشام لما دخل القاهرة قبل الناس كلّهم. ولم يجسر أحد أن يمدَّ يده إليه.

وكان الأمير سيف الدين بهادُر التمرُتاشيَ، الآتي بذكره إن شاء الله تعالى في حرف الباء في الأول، هو آغا ألطنبغا المذكور وهو الذي خرَّجه وربّاه، ولما بَدَت منه هذه الحركات والإقدامات قويت نفسه عليه، فوقف فوق التمرتاشي فما حملها منه، وبقيت في نفسه. ولما ملك الملك الصالح إسماعيل صار الدست كلّه للتمرتاشي، فعمل على ألطنبغا المذكور، ولم يدر بنفسه إلا وقد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى حماة نائباً في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة فتوجّه إليها، وبقي بها نائباً مدة شهرين وأكثر إلى أن توفي أيدغمش نائب الشام، ونقل الأمير سيف الدين طُقُزْتمر من نيابة حلب إلى نيابة الشام، ورُسم للأمير علاء الدين ألطنبغا بنيابة حلب، فتوجّه إليها في أول شهر رجب من السنة المذكورة.
وجاء إلى حماة نائباً الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فأقام ألطنبغا في نيابة حلب مدة يسيرة، وتمرّض وقاسى شدة، وحضر له طبيب من القاهرة.
ولم يزل إلى أن كان القبر لجوهرته صدفاً، وراح شخصه لسهام المنايا هدفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل صفر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان شاباً طويلاً رقيقاً، يُدير من أجفانه رحيقاً، بوجه قد حلا، ومن العيب قد خلا، وللبدر قد جلا، ألطف من مرّ النسيم، وألذّ ذوقاً من التسنيم، معشَّق الخطرة إذا خطا، متأنق الفترة إذا سطا، كريم الكفّ، حكيم الشروع واللف، حَدْسُه صائب، ونفسه بالصبر تردّ ناب النوائب، عقله أكبر من سنّه، وأمره يأتي إليه على ما يغلب في ظنه.
وكان أستاذ له يتذلل، وهو يجفو عليه ويتدلل، وبجناحه طار طاجار، وأصبح وهو دوادار، ولكن خانه الزمان، ولم يؤخذ له من الحوادث أمان: وقلت أنا لما بلغتني وفاته:
خُذ من العيش ما أتاك بتقوى ... واغتنمُه من قَبل صَرف الزمان
وتأمّل بعين فِكركَ لمّا ... مارَ داني الفنا إلى المارداني
ألطنبغا الأمير علاء الدين بُرناق - بالباء الموحدة والراء والنون والألف والقاف - الجاشنكير نائب صفد.
لما خرج أحمد الساقي وهو بصفد على الملك الناصر حسن وعصي بقلعتها رُسم لهذا الأمير علاء الدين بنيابة صفد، فوصل إليها وهو نائب عزّة - على ما تقدم في ترجمة أحمد - واستقل بالنيابة من أوائل المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن ورد عليه المرسوم بأن يحضر إلى دمشق، ويكون مع نائبها الأمير سيف الدين أرغون الكاملي في واقعة بيبغاروس، فوصل إلى سعسع بالعسكر الصفدي، وكان نائب دمشق قد خرج منها ونزل على الكسوة، وجهز إليه طلبه، فوعده بالوصول إليه، لكنه استحوذ عليه جماعة ثنوا عزمه عن ذلك، سوَّلوا له التوجّه إلى بيبغاروس، فدخل دمشق، وشقَّها، وتوجّه إليه، واجتمع على خان لاجين، وجاء معه، ونزلوا على قبة يلبغا، وأقاموا هناك مدة أربعة وعشرين يوماً، ولما هرب بييُغا هرب ألطنبغا المذكور معه في جملة من هرب، ووصلوا إلى حلب، وحاصروا أهلها، فأسر الحلبيون منهم جماعة وفيهم ألطنبغا بُرناق وعلاء الدين ألطنبغا مُشدّ الشراب خاناه والأمير سيف الدين حاجي أخو أحمد الساقي والأمير سيف الدين أسنبغا الرسولي نائب جعبر وعز الدين مهدي مشدّ حلب، وأسن بك بن خليل الطُّرقي وبهادر الجاموس فيما أظن، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وتسلّمهم الأمير فارس الدين ألبكي أحد مقدَّمي الألوف المصريين، وأحضرهم إلى دمشق، واعتقلوا بقلعتها.
ولما كان ثالث شوال طلع السلطان الملك الصالح من القصر إلى قلعة دمشق وجلس في الطارمة، واستقبل سوق الخيل، وأحضر ألطنبغا بُرناق، وعُصر، وقرر على أمور، ثم إن الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز وسائر أمراء مصر والشام ونزلوا ووقفوا على باب خان الملك الظاهر، واستقبلوا السلطان، وقُدِّم هؤلاء السبعة المذكورون وفيهم برناق، ووسَّط الجميع، وعلّقوا على نهر بردى في ثالث شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وكان ذلك في يوم الاثنين، فسبحان الدائم الباقي بلا زوال، مقدّر الآجال.
وكان الأمير علاء الدين برناق رجلاً عاقلاً، ساكناً لا يرى قدمه إلى الشرّ ناقلاً، بعيداً من الظلم، مفيداً للأناة والحلم، لم يشكُ منه أحد من رعايا صفد.

وكان يتخوَّل بعضهم بالعطاء والصفد، وعمّر بصفد عمارة، تطل على بحر طبرية كان يستروح فيها ويصعد بمن يؤثره، ويحبُّ قُرْبَه إلى أعاليها.
وكانت له ابنة يحبها حباً زاد حَدّه، ويودّ أن يفرش لها إذا خطت دون الأرض خدّه، لا يزال قلبه بها معلَّقاً، وخدّه إذا غاب عنها بالدموع مخلّقاً، يجلس وهي في صدره، ويُعيذها من الزمان وغدره، ويجمع لها الذين يعملون الحلق تحت القلعة، ويصرف لهم لأجلها الخلعة بعد الخلعة.
ولما خرج من صفد ضمّها إلى صدره وودّعها، وكاد من الرِّقة عليها أن يخرج كبده ويقطّعها، وأذرى الدموع دماء وأجراها من الحرقة عندما فارقها عَنْدَما، وكان ذلك أخر عهدها به، ولم تشاهده والسيف قد جدَّ في تمزيق إهابه.
وقلت أنا فيه:
لا تقرَبِ الشَّرَّ إذا ما بَدا ... فهُوَ لنارِ الموتِ حَرّاقُ
فالسيف قد فرَّق ألطنبغا ... ولد يفِدْ بُرناق تِرياقُ
ألطُنْبُغا علاء الدين الجاوُلي.
هو مملوك ابن باخِل. كان عند الأمير علم الدين سَنْجَر الجاوْلي دواداراً لما كان في غزة أولاً نائباً، وكان يحبّه ويدنيه ويقرِّبه، ويبالغ في الإنعام عليه، والإحسان إليه.
وكان إقطاعه عنده يعمل عشرين ألف درهم خارجاً عمّا يبرّه، ويعطيه ويأخذه هو من منفوع الدوادارية.
قال لي: امتدحت الأمين الأمير مرة بقصيدة كانت ستين بيتاً، فأمر لي لكل بيت بدينار. وقال لي: لو كانت مئة ألف كانت مئة.
أخبرني من أثق بقوله: أنه كان في إصطبله تسعة سَرْجاً زرجونيّاً.
ولما شُنِّع على الجاولي أن إقطاعات مماليكه ثلاثون ألفاً وعشرون ألفاً راكَ الأخباز، وأعطى ألطنبغا المذكور إقطاعاً دون ما كان بيده أولاً، فتركه ومضى إلى مصر بغير رضى الأمير علم الدين، فراعى الناس خاطر مخدومه ولم يجسر أحد على أن يستخدمه، فأقام في مصر مدة زمانية ينفق من حاصله، ثم حضر إلى صفد، فأقبل عليه الحاج أرقطاي نائبها إقبالاً كثيراً، وكتب له مُرَبَّعة بإقطاع، وتوجّه بها إلى مصر، فخرج عنه، فعاد وجاء إلى دمشق وامتدح الأمير سيف الدين تنكز، ومدح ناصر الدين الدوادار وناصر الدين الخزندار بقصيدة أولها:
قد أيّد الرحمنُ ملَّةَ أحمد ... بالناصريْن محمدٍ ومحمدِ
فتوسَّطا له عند مخدومهما فأعطاه إقطاعاً في حلقة دمشق، وكان أمره أحد الأسباب التي أوقعت بين تنكز والجاوليّ، وبقي ألطنبغا بدمشق مقيماً، وأُمسك الجاوْليّ، وأقام في الاعتقال مدة، ولمّا أُفرِج عنه توجّه إليه ألطنبغا وخدمه مدة، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وجعله من جهته مشداً على الوقف المنصوري.
واجتمعتُ به كثيراً والقاهرة ودمشق، وبيني وبينه مكاتبات ومجاراة ومطارحات ومباراة؛ لأنه كان ينظم الدُّرّ شعراً، ويُباهي به النَّثْرة والشعْرى، قد جوَّد المقاطيع، وأبرزها كأزهار الربيع، ولكن قصائده دوَّنها في الطبقة، وبروقها ليست في سماء الإجادة مؤتلقة.
وكان يتمذهب للشافعي، وله اجتماع بالشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل وغيره من فضلاء العصر، ويبحث جيّداً، ولم يكن عن طرائق الفضل متحيداً. وعقيدته للأشعري منسوبة وفي عداد أصحابه محسوبة.
ولما توجه معي إلى الشيخ تقي الدين بن تيميه سال ذهنه إليه، وأقبل بجملته عليه، ومال إلى قوله، ودار من حوله . ثم إنه بعد فراقه تراجع عنه إلا بقايا، وادكر غدوات قربه والعشايا.
وكان وجهاً في حسنه بديعاً، ومحيا يذر قلب ناظره صريعاً، مديد القامة، يرهي على بدر وجهه من شعره ظلامة.
وكان بالكيمياء مغرى، قد أنفق فيها مالاً ودهراً. وخرج من الدنيا رحمة الله تعالى وهو يرى كفه صفراً.
وكان صحيحاً وده، منحك إخلاصه لا يرده، قل من صحبته فأنصفني مثله في الحضور والغيبة، لا أسمع منه كلمة جفاء، ولا يبلغني عنه غيبة. ولم يزل شملي به مجموعاً، وقولي عنده، كنا أمره عندي مسموعاً. إلى أن استقى على غير ظما. وصافحه في قبره الحور وملائكة السَّما.
وتوفي رحمه الله تعالى بعلة الاستسقاء في شهر ربيع الأول، ثامنه، سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
كتب إلي وقد وردت القاهرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة:
إليكَ صلاح الدين أُهدي تحيّةً ... كنشرِ عبيرٍ في الجُيوب إذا فُضَّا

ومِن عَجَبي أنّ الديارَ قريبةٌ ... وما فُزتُ منكمْ بالوِداد الذي أرضى
فمِنْ بعدكم قلبي تألَّف بالأسى ... ومِنْ بَعْدكم لم أدْرِ نوماً ولا غَمْضا
وإني على العهد الذي تعهدونه ... مقيماً أرى حفظ الوِداد لكَم فَرْضا
وأقسمَ قلبي لا يقرُّ قرارهُ ... ولا يرعوي حتى يرى بعضنّا بعضا
فكتبتُ أنا الجواب إليه ارتجالاً:
أيا جيرةً قد عُوّدوا والإغْضَا ... وحبُّهُمُ قدْ مازَجَ الروحَ والأعْضَا
وحقّكم ما أهملَ العبدُ خِدمةً ... لكُمْ وَجَبتْ لكنّها بَعْد ذا تُقْضى
أأنسى جَميلاً منكُم قَدْ ألِفتَهُ ... وحُسْنَ وِدادٍ يُشبّه الزَّهرَ الغَضّا
ولُطفاً يحاكي نَسْمَةَ الروضِ سُحْرةً ... فإنّ لها في العاشقِ البَسْطَ والقَبْضا
وأيام لهوٍ قَدْ تقضَّتْ بقُربكم ... نُداوي بها من دَهْرنا أنفُساً مَرْضى
ألا خفّفوا مِنْ عتبكم عن محبِّكم ... فذاكَ ضعيفٌ لا يُطيق به نَهْضا
فلا بُدَّ أنْ يأتي ويذكُرَ عُذْرَهُ ... فإنْ تقبلوه رحمةً قبَّل الأرضا
وأنشدني يوماً لنفسه:
انهلّ أدمعها دُرّاً وفي فمها ... دُرٌّ وبينهما فَرْقٌ وتمثالُ
لأنّ ذا جامدٌ في الثغر منتظَم ... وذاك منتثِرٌ في الخدّ سيّالُ
فأنشدته أنا لنفسي:
غانيةً في فمها جَوهرٌ ... بمثله تبكي هوىً هائلا
فراح ذا في نظمه واقفاً ... ولاحَ ذا مع نثره سائلا
وأنشدني لنفسه أيضاً:
وسُودٍ صَيَّرتْها السودُ بيضاً ... فلا تطلُبْ من الأيام بيْضا
فبعد السود ترجو البيضَ ظلماً ... وقد سلّتْ عليها السود بيْضَا
وأنشدته أنا لنفسي:
عجبتُ لدهرٍ سرّني زمنَ الصِّبا ... وكدَّرَ عَيْشي بالمشيب انتفاضُهُ

فبيَّض عُمْري من شبابي سواده ... وسَوَّد دهري من مشيبي بياضُهُ
وكتبتُ أنا إليه من صفد وهو بدمشق أتشوّق إليه في سنة ثماني عشرة وسبع مئة من جُملة قصيدة:
بالله يا بارقاً من قاسيون بَدَت ... أعلامُه خافقاتٍ في دَياجيه
قِفْ لي بتلك الربا إن شئت تُسعفني ... وأنْشُد فؤادَ شَجٍ قَدْ عَزَّ فاديه
ونبّه الوُرْقَ والظلماءُ عاكِفةٌ ... ليلاً لتحكي نُواحي في نواحيه
وخُذ أحاديث ما ترويه من خبرٍ ... وحالُ جسمي ضنىً إن كنت تحكيه
وقُلْ قضى نحبَه العاني أسىً وجوىً ... وما قضى ما ترجّى من أمانيه
كأنما مرَّ عَيشٌ كان غانية ... تُجلى بكم ولآليها لياليه
أحبابَنا إن تمادى البُعد واتّصلت ... أيّامه واستقلّت في تراخيه
فلا تضُّنوا على المُضْنى بطيفكم ... ففيه للوَالِه المشتاقِ ما فيه
يكفيه أنْ زارهُ طيفُ الخيال ولا ... يكفيه منكم بلى والله يكفيه
فالصَّبُّ إن عاقت الأيام مطلَبهُ ... يَرضى بدون المنى أو ما يدانيه
ألطنبغا الأمير علاء الدين الخازن الشريفي، أحد الأمراء الأقدمين بالقاهرة.
لمّا كان الأمير سيف الدين أرغون الكاملي على لُدّ في واقعة بيبغاروس ورسم السُّلطان الملك الصالح صالح للأمير شهاب الدين بن صبح، نائب غزّة بنيابة صفد رسم للأمير علاء الدين ألطنبغا هذا بنيابة غزة، فحضر إليها في شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبه مئة، وأقام بها نائباً إلى أن تُوُفِّيَ يومَ الأربعاء رابع شهر رجب الفرد سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان ساكناً عاقلاً وادِعاً، لا شرَّ فيه، طلب لبناته راتباً في السنَة على ميناء يافا بخمسة آلاف درهم تميزت في ضَمانها، فأُنعِم عليهنّ بذلك وما لحق التوقيع يجيء إلى دمشق ويُعلِّم عليه نائب الشام ويجهّزه إلى أن مات رحمه الله تعالى.
ألطنقش الأمير سيف الدين الجَمالي أستاذ الدار.

كان من مماليك الأفرم، ولما توجّه أستاذه إلى بلاد التتار وحضر هو إلى مصر حبسَه السُّلطان الملك الناصر، ثم إنه أخرجه وأمَّره فيما بعد طبلخاناه، ثم جعله أستاذ دار صغيراً وأضاف إليه فيما بعد أستاذ داريّة ابنه آنوك، وأقاك كذلك إلى أن توفي آنوك وتوفي السلطان.
ثم توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في سادس عشري شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
وكان جيداً مشكوراً، وهو خال الأمير صلاح الدين أيدُغْدِي الحاجب بالشام وأخَويه.
أَلِلْمِش بفتح الهمزة، وكسر اللام الأولى، وسكون اللام الثانية، وكسر الميم وبعدها شين معجمة.
الأمير سيف الدين الحاجب، كان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - قد جهّزه إلى جَعْبَر نائباً، ثم إنه كتب فيه وجعله أمير حاجب، فكان حاجباً كبيراً في آخر أيام تنكز، وأمسِك وهو أمير حاجب.
كان حسن الشكل ذا مَهابة، سديد الرأي كثير الإصابة، مُدَوَّر الوجه حُلْواً، مملوءاً من العقل، ومن الكِبْر خِلْواً، فيه سُكون ووقار، وحشمة يشكو الناس منها الافتقار.
ولم يزل على حاله في وظيفته إلى أن حَصَلَ له استسقاء أظمأه إلى الحياه، وأماته بحسرة نظر المياه. وقد كان توجّه إلى حولة بانياس فمات رحمه الله تعالى هناك وحُمِل إلى دمشق وصُلّي عليه في يوم الأربعاء عُشْري ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
أَلْماس بفتح الهمزة، وسكون اللام، وبَعْدَ الميم ألف وسين مهملة، الأمير سيف الدين أمير حاجب الناصري.
كان من أكبر مماليك أستاذه، ولمّا أُخرج الأمير سيف الدين أرغون الدوادار إلى نيابة حلب - على ما تقدم في ترجمته - وبقي منصب النيابة فارغاً منه عظمت منزلة ألماس، وصار هو في منزلة النيابة، خلا أنه ما يسمّى نائباً، يركب الأمراء كبار والصغار، وينزلون في خدمته، ويجلس في باب القلّة في منزلة النائب، والحُجّابُ وقوفٌ بين يديه. ولم يزل مقدّماً معظماً إلى أن توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، فتركه في القَلْعة هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين أقْبُغا عبد الواحد والأمير سيف الدين طَشْتُمُر حِمّص آخْضَر، هؤلاء الأربعة لا غير، وبقية الأمراء إما معه في الحجاز وإما أنهم في إقطاعاتهم، وأمرَهم أن لا يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز.
ولمّا حضر من الحجاز نقم عليه أمَراً ما صبر عليه، فأمسَكه إمّا في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وإما في أواخر سنة ثلاث وثلاثين، الصحيح أنه في عشر ذي الحجة سنة ثلاث وسبع مئة وأودعه في الاعتقال في بيت أقبغا عبد الواحد، وبقي ثلاثة أيام، ودخل في العَدم، وتخضّب السيفُ منه بدَم.
وأما أخوه الأمير سيف الدين قَرا فإنه قُتل بالسيف لوقته صَبْرَا، فأُخذت أموالُ ألْماس وجميع مَوجوده وموجود أقاربه، وأُخرج أقاربه إلى الشام وفُرِّقوا.
يقال إن السلطان لما مات بَكْتُمر في طريق الحجاز - على ما يأتي ذِكرُهُ إن شاء الله تعالى - احتاط على موجوده، وكان في جُمله ذلك حَرَمْدان، فأخذه السلطان وأوْدَعَه لبعض الجمدارية، ثم لمّا وصل قلعة الجبل واطمأنّ ذكره السلطان فأحضره فوجد مما فيه جَواب الأمير سيف الدين ألماس إلى الأمير سيف الدين بَكْتُمُر الساقي، وفيه: إنني حافظ القلعة إلى أن يَرِدَ عليَّ مِنك ما أعتمده، فكان ذلك سَببَ قَتله، والله أعلم.
وكان ألماس آسْمَرَ طُوالاً من الرجال، فيه ثبات الشيوخ وخِفّة الشباب العِجال غُتْميّاً لا يفهم شيئاً بالعربي، ساذَجاً يجلس في بيته فوق لُبّاد على ما اعتاد ورَبي. وكان أوّلاً يباري السحاب بكرمه، ويؤوي الناس إلى حَرَمه، ولكنه فهم عن السلطان أن ذلك ما يعجبه ولا يراه، فيقول به ويوجبه، فتظاهر بعد ذلك بالخِسّة، وكابَرَ فيه حِسَّه، إلى أن شاع ذاك وذاع، وملأ به المُدُن والبقاع. إلا أنه كان يَعْمِر المِلْك بخمسة عشر ألف درهم وأكثر، ويهبْه لبعض مماليكه، وهو الذي عمّر الجامع المليح الذي بظاهر القاهرة في الشارع عند حَدَرة البقر، وفيه رخام مليح فائق، وعمّر إلى جانبه هناك قاعة تأنّق فيها، وكان الرخام يُحمل إليه من جزائر البحر وبلاد الروم ومن الشام، ومن كل مكان، ولمّا أُمسِك وجدوا له أموالاً تُكاثر النجوم في الليلة الداجنة البهيمة.
أَلْمِلِك

بفتح الهمزة، وسكون اللام، وفتح الميم، وكَسْر اللام الثانية وبعدها كاف.
الأمير سيف الدين الحاج من كبار الأمراء المشايخ رُؤوس مشايخ المشور في أيام السلطان الملك الناصر، تردّد في الرُّسْلِيّة بين الملك المظفر وبين الملك الناصر وهو في الكرك، فأعجبه عقله وتأتّيه، وسيّر إليهم يقول: لا يعود يجيء إليّ رسولاً غَيْرُ هذا، فلما قدم مصر عظَّمه.
ولم يزل مُوقراً مُبجَّلاً، عمّر بالحُسينية جامعاً مليحاً إلى الغاية، وله دار عظمى مليحة عند مشهد الحُسين - رضي الله عنه - داخل القاهرة، ومسجدٌ حَسَنٌ إلى جانبها.
خرّج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي مَشْيَخة، وقرئت عليه مرّاتٍ وهو جالس في شبّاك النيابة بقلعة الجبل.
ولما تولى الملك الناصر أحمد أخْرَجه إلى نيابة حماة، فحضر إليها وأقام بها إلى أن تولّى الملك الصالح إسماعيل، فأقدمه إلى مصر وأقام بها على حاله الأولى.
ولما أُمسك آقسُنقر السَّلاّري - نائب مصر المقدَّم ذِكره - ولاّه النيابة مكانه، فشدّدَ في الخمر إلى الغاية، وحدّ الناس عليها وجنّاهم، وهَدَم خزانة البُنود، وأراق خُمورها وبناها مَسْجِداً وحَكرها للناس فعمّروها دوراً، وأَمْسَك الزمام زَماناً، وكان يجلسُ للحكم في الشبّاك طولَ نهاره لا يَمَلّ من ذلك ولا يسأم، ويَروح أصحابُ الوظائف ولا يبقى عنده إلا النقباء البطّالة.
وكان له في قلوب الناس مهابةٌ وحُرْمَةٌ، إلى أن تولّى السلطان الملك الكامل شعبان فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائباً عِوَضاً عن الأمير سيف الدين طُقُزْتُمر، فلما كان في أول الطريق حَضَر إليه مَنْ قال له: الشام بلا نائب، فسُق لتلحقه. فخفَّف من جماعته وساق في جماعة قليلة، فحضر إليه مَنْ أخذه وتوجّه به إلى صفد نائباً، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة. ثم إنه باطن الأمير سيف الدين تماري نائب طرابلس على الهروب أو الخروج على السلطان أُرْجَف الناسُ على السلطان، فحضر مِنْ مصر مَنْ كَشَف الأمر، وسأل هو التوجُّه إلى مصر فرُسِم له بذلك، فتوجّه. فلما وصل غزة أمسكه نائبها الأمير سيف الدين أراق، وجُهّز إلى الإسكندرية في أواخر سنة ست وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد به.
وكان خيّراً فيه دينٌ، وعبادة نورها على الجبين، يميل إلى أهل الخير والصلاح، ويتخذ من أدعيتهم السلاح، وكان بَرْكُه مَنْ أحسن ما يكون، وخَيْله تكاد إذا جَرَت ترمي الرياح بالسُّكون، وكان يقول: كل أميرٍ لا يقيمُ رُمحه ويسكب الذهب إلى أن يُساوي السّنان ما هو أمير.
وقلت أنا فيه:
ألَمْلكُ الحاجُّ غدا سعدُهُ ... يملأ ظَهْرَ الأرض مهما سَلكْ
فالأُمرا مِن دونه سوقة ... والملك الظاهر لي اَلْمَلكُ
ألْناق الأمير سيف الدين الناصري، كان أميراً من جملة أمراء دمشق يسكن بقرب مسجد الصفيّ بالعُقيْبة.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد منتصف صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
أميران الأمير الشيخ عزّ الدين، مِنْ بيت الشيخ عَدِيّ بن مُسافر.

ورد إلى بلاد الشام فأكْرمت الدولة الناصريّة نُزُلَهُ وعظَّمَتْ مثواه، وأُعطى بدمشق، إمْرةً، فأقام بها مُدّة، ثم أقام بصفد مدة، ثم عاد إلى دمشق وتَرَك الإمرة وآثر الانقطاع، وأقام بالمِزّة، وكانت الأكراد، تأتيه من كل قُطْر، وتَفِدُ عليه مِنْ كلّ فَجٍّ بصفايا أموالها ونفائس ما عِندها تقرُّباً إليه. ثم إن الأكراد المشارقة أرادوا الخروجَ على السلطان، وباعوا أموالهم بالهوان، واشتَرَوا بها أسلحة وخَيْلاً، ووعدوا رجالاً ممن تَبِعَهُم بالنيابات الكبار، وكان هو قد نول بأرض اللَّجُون مِنْ مَرْج بني عامر بصفد، وبلغ السلطان الملك الناصر أنهم لو يُؤْذوا أحداً في نفسٍ ولا مالٍ، فكتب إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بكشف أحوالهم، وأَمسَك السلطان مَنْ كان بالزاوية العَدويّة بالقَرافة منهم، ودَرَّك على أمير طبر، واختلفت الأخبار عنهم، فقيل: إنهم يُريدون سَلطنة مصر، وقيل: بل يريدون مُلْك اليمن. وقلق السلطان من أمرهم وأهمّه ذلك، فتقدم الأمير سيف الدين تنكز بإحضار الأمير عز الدين أميرَان المذكور، فأُمسِك وأُحضر إليه، فقال له: أيْش هذا الذي يفعله هؤلاء الأكراد؟ فقال: يا خوند هذا شيء تخيّلوه في نفوسهم، فقال له: لأي شيء ما تمْنَعُهم من هذا؟ فقال: يا خوند، هؤلاء يسجدون لي ولغيري من أهل بيتنا، لو قلتُ لهم ما عسى أن أقوله ما يسمعونه، ولكن يا خوند حُطني في هذه القلعة وقد تفلَّل جَمعهم، فعلم تنكز أن الذي يقوله حق، فطلع بع إلى القلعة، وطالع السلطان بأمره فانفلّ أمرهم وتفرقوا شَذَر مذَر، وتمزّقوا أيدي سَبَأ، وكان الأكراد يجيؤون بعد ذلك إلى البُرج الذي فيه الأمير عز الدين ويسجدون له.
ولم يكن لهم بلاغٌ ولا معاش، إلا أنهم يَجلبون المُحمّضات من الأُتُرجّ والليمون والكَبّاد، وغير ذلك من بانياس والأغوار، وأقصاب السكر على ظهورهم، ويَبيعون ذلك بدمشق، فرخُصَ هذا كلّه بدمشق في تلك المدة.
وكان طلبه وحبسُه في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
وكان الأمير عز الدين المذكور من أحسن الأشكال وأتمِّها، وأصبحِ الوجوه وأحلاها.
أمير كاتب ابن أمير عُمَر العميد بن العميد أمير غازي، الشيخ الإمام العلاّمة قوام الدين أبو حنيفة الفارابي الأتْقاني - بهمزة مفتوحة وتاءٍ ثالثة الحروف ساكنة وقافٍ بعدها ألفٌ ونون - الحنفي.
كان قيّماً بمذهب أبي حنيفة شديد التعصّب على الشافعية، متظاهراً بالغَضّ منهم وبالطعن عليهم، يوَدُّ لو حكم فيهم أو حُكّم في تَلافِهم دون تلافيهم، لا تأخذه فيهم لومة لائم، ويتمنى لو ناحت على مدارسهم الحمائم، واجتهد في ذلك بالشام وما أفاد ودخل مِصْر وهو مصرٌّ على ما عنده من العناد، وعمل على قَذْفهم وقَلْعهم بالقَلْع والمِقذاف وطاف عليهم بكؤوس خمرٍ خَمَرها بالسُّم وداف، فكفاهم الله محذوره، وجهل الله واقعتهم معه على مرّ الأيام مأثوره، وبدّل بغيظه فيهم سُروره، وعكس ما دبّره فيهم، " والله متمٌّ نورَه " .
وكان شديد الإعجاب بنفسه، يجيء بالتعظيم من حَسّه وبَسّه، يظن أن إمامه رضي الله عنه لو رآه لجعله أمامه، وأنّ أبا يوسف كان يتأسف إذا سمع كلامه، وأنّ زفر له زفرات على لُقِيّه وأن محمد بن الحسن ما يُحسن الوصول إلى رُقيِّه، إلا أنه شرح الأخْسِيكَثي وعُمْرُه دون الثلاثين شرحاً جيداً يُثني عليه فقهاء مذهبه ويُعظّمونه، وكان عارفاً بالعربية واللغة، قال في آخر شرح الأخسِيكثي إنه فرغ منه بتُسْتَر سنة ست عشرة وسبع مئة، وقال قبل هذا: فلو كان الأسلاف في حياةٍ لقال أبو حنيفة: اجتهدتَ، ولقال أبو يوسف: نارَ البيان أوقدت، ولقال محمد: أحسنت، ولقال زفر: أتقنّت، ولقال الحسن: أمعَنْت، ولقال أبو حفص: أنعمت فيما نظرت، ولقال أبو منصور: حققت، ولقال الطحاوي: صدقت، ولقال الكرخيّ: بورك فيما نطقت، ولقال الجصّاص: أحكمت. ولقال القاضي أبو زيد: أصبت. ولقال شمس الأئمة: وجَدت ما طَلَبْت، ولقال فخر الإسلام: مهرت، ولقال نجم الدين النَّسفيّ: بهرت. ولقال صاحب الهداية: يا غوّاصُّ، البحر عَبَرتْ، ولقال صاحبُ المحيط: فقت فيما أعلنت وأسررت: إلى غير ذلك من كبرائنا الذين لا يحصى عددهم. ولقال المتنبي: أنتَ من فصحاء عبارتهم:
مسكيّة النفحات إلاّ أنها ... وحشيّة بسواهم لا تَعبَقُ
ثم ما قاله.

ولم يزل القوام إلى أنْ مال عليه الحَيْن بكَلكِله، وأصبح الأتقاني وقد تهدّم من الحفر منزله.
وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عُشري شوّال سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان لمّا قَدِم دمشق اجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يَلبُغا - رحمه الله تعالى - وداخَله واختصَّ به وذكر له مَسْألة رفع اليدين في الصلاة، وادّعى بظلام الصلاة، فقام في دفاعه قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وهّى ما قاله وأفسده، واستدل على بطلان دعواه، فرجع الأمير سيف الدين يلبُغا بعد ما كان قد شُرِّبت أعضاؤه ذلك، ثم إنه طُلب إلى مصر وراح، فراج عند الأمير سيف الدين صرغتمش وعظّمه، وبنى له مدرسته بالقاهرة، وولاّه تدريسها، وكان قد قام في أيام الملك الصالح على الشافعية، وسعى في إبطال المذهب من رأس، وكاد ذلك يتم، إلا أن الله تعالى أعان بلطفه، ومَنّ بإخماد ناره.
وأخبرني من أثق أنه كان يأكل في كل يوم أوقيّة فُوم، وكان يأكل من الزنجبيل شيئاً كثيراً إلى الغاية.
ونقلتُ من خطّه ما صورتُه: تاريخ قدومنا دمشق في الكرّة الثانية في العاشر من شهر رجب سبع وأربعين وسبع مئة، ثم لبثنا ثمّة إلى أن خرجنا منها في ثامن صفر يوم السبت من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وقدمنا مصر يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، قال العبد الفقير إلى الله تعالى أمير كاتب بن أمير عمر المدعوّ بقوام الفارابي الأتقاني: كان تاريخ ولادتي بَأَتْقان ليلة السبت التاسع عشر من شوال سنة خمس وثمانين وستّ مئة، وفاراب مدينة عظيمة من مدائن الترك تسمى بلسان العوام: أوتراد، وأتقان اسمٌ لقصبة من قصَباتها، هذا ما أنشأ في أيام دولة السلطان مالك رقاب الأمم مولى مُلوك العرب والعجم قاهر الكفرة والمشركين، ناصر الإسلام والمسلمين، سلطان ابن السلطان ابن السلطان الملك الناصر بن الناصر ابن الملك المنصور حسن بن محمد بن قلاوون، خلّد الله ملكه ونوّر مرقد آبائه السلاطين في مدح المقَرّ العالي المجاهد المؤيّد المظفّر ذي اليُمن والبركات، والخير والمبرّات، فريد الدهر وحيد العصر سيف الدين سُيرغتمش أدامه الله في عافيةٍ وافية حين تمّ بناء مدرسته المخصوصة بالحنفية بالقاهرة المعزيّة في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وسبع مئة، وكان ابتداء العِمارة في خامس رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، الضعيف أبو حنيفة قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الفارابي الأَتقاني يوم أُجلِسَ فيها مدرِّساً بحضور القضاة الأربعة وجميع أمراء الدولة مثل المقرّ العالي شيخو، وحاجب الحجاب طشتمر القاسِمي. وتوقاي الدوادار وغيرهم في الساعة الثالثة من يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الأولى من السنة المذكورة، والقمر في السُّنبلة، والزهرة في الأوج، وكان تثليث المشتري والقمر:
أرأيتم مَنْ دَرَأ النُّوَبَا ... وأتى قُرَباً ونفى رِيَبا
فبدا عَلَماً وسَما كَرَماً ... ونَما قدَماً ولقد غَلَبا
بتُقى وهُدى ونَدى وَجَدا ... فغدا وشَدا وجَبى وحَبا
أبدى سَنَناً أحيا سُنناً ... حلّى زمناً عند الأُرَبَا
هذاك سُيرغتْمشْ سَكَبت ... أيامُ أماراته السُّحُبا
وأزال الجَدْبَ إلى خَصْبٍ ... والضَّنْكَ إلى رَغَدٍ قَلَبا
بإعانةِ جبّارٍ بَرٍّ ... ذي العرش وقد بذل النَّشَبا
ملك فَطنٌ ركن لسنٌ ... حَسَن بَسَنٌ ربّى الأدبا
ملكُ الكبرا ملكُ الأمرا ... ملكُ العُلما ملكُ الأُدبا
بحرٌ طامٍ طَوْدٌ سامٍ ... غَيثٌ هامٍ حامي الغُرَبا
بسياسته وحَماستِهِ ... وسَماحته جَلّى الكُرَبَا
وصيانته وديانته ... وأمانته حاز الرُّتبا
أبهى أصلاً أسنى نَسْلاً ... أحظى خَصْلاً بذّ العربا
نِعمَ المأوى مصرٌ لمّا ... شَملت قَوْماً قيلاً نُجُبا
فنَمت نَوْراً وسَمت نُوراً ... وعَلَت دوراً وأرت طَرَبا

نسقَت دوراً زسقت درراً ... ووعَت غُرَراً وحَوت أرَبا
وخْطَاء به افتخرت ونَمَت ... وسَمَت وزَرَت وحوت أدبا
خّذْ دُرّ ثنا ثم اجْنِ جنى ... منها ومُنىً فتعي طلبا
من كان عَنَى نَسبي علناً ... فارابُ لنا نِعْمتَ نَسَبا
كنوُّنِ أباً لحنيفة ثُمْ ... مَ قوام الدين بَدا لَقَبا
عِش في رجبٍ تَرَ مِنْ عجبٍ ... من منتجب عجباً عَجَبا
وأعطاني المقرّ العالي سُيرغتمش أيّده الله جائزة هذه القصيدة يوم أنشدتها عشرة آلاف درهم، ومَلأ يوم الدرس بِرْكة المدرسة بالسُّكّر وماءٍ وماء الليمون فسقى بذلك الناسَ أجمعين، وخلَع عليّ بعد الدرس خلعتين إحداهما فروُ السنجاب، ظَهارته صًوف أبيض وكفْتُه قندز، والأخرى فرجيّ من صُوف زيتي، وخلع على ابني هُمَام الدين أيضاً، ثم لمّا خرجتُ من المدرسة حملني على بغلةٍ شهباء مشتراها ثلاثة آلاف درهم من السَّرج المُفَصَّص واللجام، كان اليوم يوماً يؤرخ، فيا لها قصّةً في شرجها طُول.
تمّ ما نقلتُه من خطه رحمه الله تعالى، وتوفي في التاريخ المذكور، وما أفاده الطالع الذي تخيَّره لجلوس الدرس شيئاً، بل كانت المدّة ستة عشر شهراً.
الألقاب والأنساب


أمين الملك الصاحب أمين الدين: عبد الله ابن تاج الرئاسة.
الصاحب تاج الدين بن أمين الدين، المقدم ذكره: أحمد بن عبد الله.
أمين الدين ناظر الجيش كاتب طشتمر: إبراهيم بن يوسف.
إما المقام: إبراهيم بن محمد بن إمام المشهد المحتسب محمد بن علي.
الأمِلي عبد الكريم.
ابن الأميوطي قاضي الكرك: محمد بن أحمد أمير سلاح بكتاش.
الأمشاطي الأديب: أحمد بن عثمان.
أنَّاق الأمير سيف الدين الناصري، أحد الأمراء بالديار المصرية، تزوج ابنة الأمير سيف الدين أرغون النائب.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت زوجته قد توفيت قَبلهُ بشهر واحد.
الألقاب والأنساب



ابن الأنباري شيخ المُستنصرية ببغداد: عبد الله بن أبي السعادات.
الأنْدَرَشي أبو العباس: أحمد بن سَعدٍ النحوي.
أنَسُ بن كتبغا الملك المجاهد ابن السلطان الملك العادل كتبغا المنصوري.
كان مليح الشكْل شجاعاً، بطلاً في الحروب نَفّاعاً، عليه مهابة ووقار، وله جلالة الملك مع بعض افتقار. كان السلطان الملك الناصر يحبّه ويعظّمه ويُجلّه ويُقدّمه، وإذا حضر إليه قام له ورحّب به، والبِشْر قابله وآخذ بيده وأجلسه إلى جانبه، وربما قدّم له بعض مراكبه، إلا أنه كان قد عَمِيَ، وبرد حظه بعدما حَمي.
ولم يزل على حاله إلى أن ابتلعه الجَدَث، وأخذه ما قَدُمَ وما حَدَث.
ونوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وقد تجاوز الخمسين، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بالقرافة في تربتهم.
أَنَص بفتح الهمزة والنون وبعدها صاد مهملة. الأمير سيف الدين النائب بثغر بَهَسْنى.
لمّا توجّه الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير إلى نيابة طرابلس في نوبة الأمير سيف الدين يلبُغا اليَحيَوي رُسم للأمير سيف الدين أنَص بنيابة غزة مكانه، وحضر إليه مَنْ أخَذَه من بَهَسنى وتوجّه به إلى غزة، ثم إنه طُلب عُقيب ذلك إلى مصر في جمادى الأولى والآخرة وشهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فأقام قليلاً وجلس في جُملة أمراء المَشْوَر، ثم عاد إلى غزة مَقُدَّم عسكر، على عادة نوّابها.
ثم إنه رُسم له بالتوجّه إلى قلعة الروم نائباً في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين، فتوجّه إليها وأقام بها إلى أن سكنت حركته وذهبت من عمره بركتُه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة سنة خمسين وسبع مئة.
وكان شيخاً طُوّالاً، وجْهه بحُمرته وبياض شيبه يتلالا، عظيم الحرمة، كأنه هِمٌّ وهو شهاب الهِمّة، فسبحان من خَرّب جِسمه وأذْهب رَسْمَه.
آنُوْك بألف ممدودة مفتوحة، ونون مضمومة، وواو ساكنة، وكاف: ابن محمد بن قلاوون هو سيف الدين ابن السلطان الملك الناصر ابن الملك المنصور من الخوندة طُغَاي الآتي ذكرها في مكانه إن شاء الله تعالى.

لم يكن عند أبيه أعزُّ منه على كَثرة أولاده، وهو أحسنُ الإخوة، كان أخوه الناصر أحمد والمنصور أبو بكر وإبراهيم أكبر سناً منه، وهو وحده أمير مئة مقدَّم ألف، والباقون أمراء أربعين، وكان يحمل رَنْك جَدِّه المنصور.
وزوّجه السلطان وهو ابن عَشر سنين أو دونها بنت الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي، وكان له عُرس عظيمٌ ليلة الجمعة حادي عشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة حَضَرَهُ الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام، والأمير سيف الدين طَيْنال نائب طرابلس فيما أظن، ونصبَ الأمير سيف الدين قوصون صاريَيْن في الرحَبة قدّام الإيوان، عليهما أنواعٌ من الصور والبارود والنفط غَرِمَ عليهما ثلاثين ألف درهم، واجتمع الشمع بالنهار في الإيوان من قبل الظهر، وعُرض على السلطان وهو جالسٌ على باب القصر على المصطبة الواحدة، وآنوك على المصطبة الأخرى، وإذا عَرَض الأمير الشمع المختصّ به باس الأرض وباس يدَ السلطان ثم يبوس يد آنوك فُعِل ذلك أربع خَمْسَ مِرار، ثم مَنَعَ السلطان من بوس يد آنوك، ولم يزل الشمع يُعرَض إلى بعد المغرب، ولم يكمل عَرضُه، وكان مهمّاً عظيماً.
ورأيتُ أنا أبا العَروس وهو الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي وقد شدَّ وسْطَه وفي يده عصا، لا لأنه أبو العروس، بل لأنه عرسُ ابن أستاذه، ورأيت الجَهاز لمّا حُمل من دار أبي العُروس التي على بِرْكة الفيل ممدوداً على رُؤوس الحمّالين، وكان ثماني مئة حَمّال وستة وثلاثين قطاراً، غير الحُليّ والمصاغ والجواهر، وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة بَكْتُمر في حرف الباء. ولمّا صمدوا الشُّوار المذكور دخل السلطان ورآه فما أعجبه، وقال: أنا رأيت شُوار بنت سُلاّر وهو أكثر من هذا وأحسَنُ، على أن هذا يا أمير ما يقابل بن آنوك، والتفت إلى الأمير سيف الدين طُقُزْتُمر والأمير سيف الدين أقْبُغا وقال: جهّزا بنتيكما، ولا تتخاسّا مثل الأمير.
قلت: أخبرني المهذّب كاتب بكتمر أن الذهب الذي دخل في الزَّركش والمصاغ ثمانون قنطاراً، يعني بالمصري، وكان القاضي شرف الدين ناظر الخاص كاتب آنوك، والأمير سيف الدولة ألطُنْقُش أُستادار السلطان أستاذ داره.
وأخبرني من لفظه شرف الدين النشّو ناظر الخاص قال: الذي تحت يدي لسيدي آنوك، ويد خزنداره ست مئة ألف دينار غير ماله تحت يدي من المتاجر في جميع الأصناف.
وكان إخوته الكبار يركبون وينزلون في خدمته ويخلع عليهم ويعطيهم.
وُصِفَ له ابن قيران الأعمى وهو من أهل القاهرة يلعب الشطرنج عاليَة، فعجب منه وأحضره ولعب قدامه فأعجبه وأثنى عليه، فقال له يا خوند: لأي شيء ما تلعب الشطرنج؟ فقال: الملوك ما يصلح لهم الشطرنج حسام الدين لاجين ما قُتل إلاّ وهو يلعب الشطرنج.
وكان كثير الميل إلى اقتناء الأبقار والأغنام والإوز والبط، وما أشبه ذلك. سمعته وهو يقول لمجد الدين رزق الله أخي النشّو: والله يا رزق الله أنا أحبّ البقر أكثر من الخيل.

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 8 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:24 AM ]


وكان كثيرَ الحركة سريعَ التنقُّل ما له قرارٌ على الأرض ولا لبْثٌ، وجُدّر فتغيّرت محاسنُه.
وتوفي قبل والده بما يقارب نصف سنة، ووَجِد عليه وَجْداً كثيراً وذلك في سنة أربعين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى ذا صورة تروي الأقمارُ المحاسن عنها، ويستمد النهارُ ضياءَه منها، لم ترَ عيني مثلَ حلاوة عينه المجذّبة ولا مثلَ امتداد حواجبه المقوسة - واحتجت لأجل السجع أن أقول: المحدَّبة - ولا وقع ناظري على مثله في أولاد الأتراك، ولا دارت في عصره على مثله الأفلاك، كأنّ محاجره أثَرُ ظُفر في تفاحة، ونَكْهَتَه شَذا زهرات نفّاحة، يَبْسم عن دُرٍّ صَدفُه مَرْجان، ويسيل سالفه مسكاً ضمّه من كافور خديه مَرْجان. إذا خطا قلت: هذا غصنُ بان، يميس من أردافه على كثبان، تعلوه مهابة الملك وبهاؤه، وتلوحُ عليه عظمته - على صغر سنه - وسناؤه، هذا إلى شكل قد أتم الله خَلْقَه، وزيّنه لمّا لطّف خَلقهْ.


كان جسمه من الزَّبد مجمَّد، وكمال جماله مَنْ رآه صلى على محمد، رأيته ليلةً وقد أمر السلطان للنشّو أن يَعمَل له مولداً للنبي صلى الله عليه وسلم ويجمعَ له الفقراء بعد الختم في جامع القلعة فصنع له ذلك وجاءت مشايخ الصوفية، وعملوا سماعاً على باب دور السلطان، والنشّو واقف، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، ووقف أقبغا عبد الواحد وألطنقش الأُستاذ دار في خدمته طول تلك الليلة، ودخل هو ورقَص، وحكاه البدرُ فزاد والبَدر نَقَص، ما خطر إلا وبانت خَجْلَةُ الأغصان، ولا تَثَنّى إلاّ وقُلتُ: هذا قضيب النقا وأوراقه القُمصان، ورقص إخوته جُملةً معه. ونظرهم الناس فقالوا: هذه كواكب السماء مجتمعة، ولم يَنَم تلك الليلة فرحاً بما رآه، ولا استقر على الأرض لِمَا فارقه من الحجر علي ونآه.
وخلَع في تلك الليلة على جماعة المغاني والذين قرؤوا القرآن والسبع المثاني، ونقّط بجمل من الذهب، وفاق الريح لما جاء ووَهَبْ، وكانت ليلة ما عهد الناس مثلها في عصرهم ولا رأوه لك الوقت في مصرهم. ولكنه تجدّر قبل موته بقليل، وتحدّر ذاك الحبّ اللؤلؤي على خدّه الأسيل. فأطلع الله النجوم على صفحة البدر، وضمّ ذاك الجوهر على وجهه وكأنه حليّ نثر في صدر، فغَيَّرتْ من محاسنه شيئاً، ونسخت من ظلها فيئاً، ولكن معالم جماله كما هِيْ، وتخاطيط وجهه للشموس والأقمار تضاهي. ولمّا توفي رحمه الله تعالى وَجد أبوه عليه وَجْداً عظيماً، وكتم حزنه وأسفه عليه حتى راح كظيماً، ونثر عليه عِقدَ دموعٍ كان في عينيه نظيماً.
وقلت أنا فيه:
مضيتَ وكنتَ للدنيا جَمالاً ... وجَرّعْتَ الكواكبَ فيك فَقْدَكْ
ومنْ عَجَب الليالي فيك أن لا ... يموت أبوك يا آنوك بَعْدَكْ
وكان ذلك منّي كِهانة في حقه، ولم يكمل من السنة نصفها حتى لحقَه، وصَرَفه صَرف الزمان فيما احتاج إليه من النفقة.
أوتامِش الأمير سيف الدين الأشرفي.
كان مملوك الأشرف خليل، ولاّه الملك الناصر نيابة الكرك، وكان يَرْكَن إلى عقله ويسمّيه الحاج، وأرسله غير مرّة إلى القان بوسعيد، وتوجّه مرّة بطُلبِه وطبلخانية إلى تلك البلاد، وكان أولئك القوم يعظّمونه أيضاً ويَرْكَنون إلى عقله لأنه كان يعرف بالمغلي لساناً وكتابة، ويدْرِب آداب المُغْل ويحكم في بيت السلطان بين الخاصكية بالياسة واليسق الذي قرره جنكزخان ويعرف سترة جنكزخان ويطالعها ويراجعها، ويعرف بيوت المغل وأنسابهم وأصولهم، ويستحضر تواريخهم ووقائعهم، وكان إذا جاء من تلك البلاد كتابٌ إلى السلطان بالمغلي يكتب هو الجوابَ عنه، وإذا لم يكن حاضراً كتبه الأمير سيف الدين طاير بُغا خال السلطان.
أخبرني من أثق إليه عن الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي - وكان يدّعي أنه أخوه - قال: كنت ليلة أنا وهو نائمين في الفراش وإذا به قال: أرقطاي لا تتحرك، معنا عَقْرب، ولم يزل يُهِمهم بشفتيه، وقال: فقُمْنا فوجدنا العقرب قد ماتت، وكان يعرف رُقىً كثيرة منها ما يقوله على العقرب وهي سارحة فتموت، ومنها رُقيّة لوجع الرأس. وكان مُغرىً بلعب النَّرد.
أخرجه السلطان إلى صفد نائباً عن الحاج أرقطاي في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فتوجّه إليها وأحسن إلى أهلها، ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام.
ولم يزل فيها على حاله إلى أن عُطلت حواسُّه، وبَطلت أنفاسُه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة سبع وثلاثين وسبع مئة - فيما أظن - ودفن في تربة الحاج أرقطاي، جوار الجامع الظاهري بصفد.
وكان مشهوراً بالخير، والسكون الذي لا يرتاع معه الطير، صاحباً لصاحبه في السرّاء والضرّاء، مالكاً قلْب مَنْ يعرفه بخلائقه الزَّهراء، ولكنه كان يُنكَّد عيشُه ويثارُ طيشُه بوَجَعٍ المفاصل الذي يعتريه، وتَطول مدته حتى يقول:
آلا موتٌ يباع فأشتريه ... .................
وهو الذي توجّه إلى دمرتاش وأحضره من البلاد الروميّة، على ما سيأتي في ترجمته.
الأوحَد بن الزاهر: شادي، وولده الأمير صلاح الدين يوسف، وولده علي بن يوسف.
أَوْران بفتح الهمزة، وسكون الواو، وبعدها راء وألفٌ ونون، سيف الدين الحاجب بدمشق.

أنشَأه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، ثم إن الأمير سيف الدين تَنْكز أحبّه وقَرَّبه وأعطاه وإمرَةَ طبلخاناه، وجعله حاجباً بدمشق. ولم يزل عنده مكيناً إلى أن جَرى له مع قَطْلُوبغا الفخري - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة الفخري - فانحرف عنه وأبغضه وأبعده.
ولم يزل على ذلك إلى أن أطفأ الله مصباحه، ولم يطلع للحياة صباحه.
وتوفي رحمه الله تعالى - فيما أظنّ - سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وكان قد لبس للإمرة في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وتوجّه إلى ولاية الولاة بالقبليّة.
أَوْران الأمير سيف الدين السلاح دار، أحد مقدّمي الأُلوف بدمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن ضمّت أورمُ الأرض أَوْران، ولم يعد لمائه في الحياة فَوَران.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون دمشق، في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
أُوْلاجا بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وبعدها لام ألف وجيم وبعدها ألف: الأمير سيف الدين.
كان هو وأخوه الأمير زين الدين قَراجا في أيام الملك الصالح إسماعيل حاجبَيْن بمصر، والنائب شمس الدين آقْسُنقر السَّلاّري المقدم ذكره، والأمير سيف الدين بَيْغَرا الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الباء، فوُشي بهم إلى السلطان، ونُسبوا إلى أنهم في الباطن مع الناصر أحمد، وربما أنهم يكاتبونه، فأُمْسِكوا جميعاً في أول سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وقضى الله أمره في النائب، وبقي البقيّة، فشفع فيهم الأمير طُقُزتمر نائب الشام، فأُفرِج عنهم في شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وتُرك الأمير سيف الدين، وجُهّز أُوْلاجا وأخوه إلى دمشق، فأقاما بها بطّالين إلى أن توفي الملك الصالح رحمه الله تعالى، وتولى المُلك الكامل شعبان، فأُعطي أولاجا طبلخاناه، وجُهّز إلى حمص نائباً، فأقام بها مدة، ثم نُقِل إلى نيابة غَزّة، وفي تلك الأيام بَرَّز يَلْبُغا اليحيوي نائبُ الشام إلى الجسُورة، وخرج على الكامل وحضر إليه نائبُ حمص ونائب حماه، ونائب طرابلس ونائب صفد، والأمير سيف الدين أولاجا طَلَبَهُ فلم يحضر إليه، وأقام في غزة إلى أن خُلع الكامل ووُلّي المظفر حاجّي فرُسم لأولاجا بالعَوْد إلى حمص نائباً، فأقام بها.
ولمّا خرج يلبغا ثانياً على المظفر سيّر إليه فدافعه وماطله، ولم يحضر إلى أن انفصلت القضيّة وأُمسك الأمير سيف الدين يلبغا، ورُسم للأمير سيف الدين أرغون شاه بنيابة الشام، ورسم لأولاجا بنيابة صفد، فتوجّه إليها في أوائل شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد تعلق به وَخَم عظيم من حمص فزاد ضَعفُه بصفد، وطلب طبيباً من دمشق، فجُهّز إليه وعالجه وتماثل من الضعف، ثم إنه نقض عليه الوَخَم الحمصي، فتعلّل، ولم يزل إلى أن أُوِلج أُوْلاجا في الأرض، وسكنها إلى يوم العَرْض.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وأوصى إلى ثلاثة: دوا داره، وأستاذ داره، وآخر من مماليكه، وجعل الناظرَ عليهم الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام، وباشر هذه النيابات الثلاث مباشرة حَسُنَ فيها الثناءُ عليه، وأُهديت أنواع الشكر من الأنام إليه، عفافٌ وأمانة وخِبْرة تامة وديانة، وعَدْلٌ في قضاياه وصِيانة، لم يتعرض إلى أموال الرَّعايا ولم يَتَعرَّض أحداً فيُصْميه في الرمايا، وتأسف عليه أهل البلاد وودوا لو دام لهم بقاؤه ولو كانوا معه في جدالٍ وجلاد. وقَدِم على ربّه وترك أوِدَّاءه، وعَدِم شخصُه وأبقى ثناءه.
أولاق الأمير سيف الدين، كان من جملة أمراء دمشق يسكن فوق المدرسة الشامية البرانية، وكان قد تزوج ابنة الأمير سيف الدين كوكنجار ولم يدخل بها.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
أَيَاز بفتح الهمزة، وبعدها ياء آخر الحروف، وبعد الألف الثانية زاي: الأمير فخر الدين السلاح دار.

أظنه كان في مصر قبل خروجه إلى الشام من بعض مُشِدَّي العمائر السلطانية، ثم إنه خرج في حياة السلطان إلى طرابلس أميرَ عشرة، ثم نُقل إلى دمشق على عشرة في أواخر أيام الأمير سيف الدين تَنكز، فأقام بها إلى أن توجّه صُحبة العساكر إلى مصر مع الفخري، فرُسم له هناك بإمرة طبلخاناه، وحضر عليها إلى دمشق. ثم إنه وَلي شدّ الدواوين بالشام عوضاً عن الأمير سيف الدين ينجي السلاح دار، وباشره جيداً بحُرمَةٍ ومهابة.
ثم إنه عُزل في أيام الأمير سيف الدين طُقُزتمر وصار حاجباً، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي الأمير سيف الدين ألِلْمِش أمير حاجب المقدّم ذكره في أيام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فولي الحجوبيّة الكبرى وأحبّه يلبغا، وصار حظيّاً عنده لا يفارقه سَفَراً وحضراً.
ولم يزل على ذلك إلى أن طلبه الملك المظفر حاجّي إلى مصر، فتوجه إليها، ونزل عند الأمير سيف الدين أُلجيبغا الخاصكيّ المقدم ذكره، ورُسم له بنيابة صفد، فوصل إليها وأقام بها، وبعد حضوره إليها بقليل خرج يَلْبُغا على المظفر، وجرى له ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته، وهرب، فرُسم للأمير فخر الدين بأن يركب خلفه، بعسكر صفد إلى دمشق وتوجّه بهم وبعسكر دمشق إلى حمص، وأقام عليها. ولمّا أُمسك في حماة عاد بالعسكر وتوجّه إلى صفد، ورُسم له بنيابة حلب في شهر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة توجه إليها وأقام بها.
ولمّا كانت أول دولة الملك الناصر حسن حضر إليه الأمير ركن الدين عمر شاه يطلبه إلى مصر على البريد مُخِفّاً، فقابل ذلك بالطاعة، فلما كان في الليل بلغ عمر شاه أنه ربما قد عَزَم على العصيان، فأركَبَ الأمراء والعسكر الحلبي وأحاطوا بدار النيابة، فلمّا أحسّ بهم خَرَجَ إليهم وسلّم سيفه بيده إلى عمر شاه وقال: أنا مملوك السلطان وتحت طاعته الشريفة، فأمسكوه وقيّدوه واعتقلوه بقلعة حلب، وطولع السلطان بأمره، وكان ذلك في العشر الأوسط من شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأحضره الأمير سيف الدين بِلْجِك إلى قلعة دمشق مكبّلاً بالحديد، فأقام بها معتقلاً في القلعة أياماً يسيرة، ثم إنه طُلب إلى مصر ولمّا وصلها جُهز إلى الإسكندرية.
وحكى لي من أثق به انه لمّا وصل إلى دمشق أدخله الأمير سيف الدين أرغون شاه إليه في الليل فقال له: والله يا خوند رأيت في الطريق فلاحاً يسوق حماراً أعرجَ معقوراً وهو في أنحس حاله فتمنّيت لو كنت مثله فَرقَّ له.
ولم يزل معتقلاً بالإسكندرية إلى أن أُفرِج عنه وجُهّز إلى دمشق ليتوجّه إلى طرابلس ويقيم بها بطّالاً، فوصل في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وفي أوائل جمادى الأولى أعطي طَبْلَخاناه سُنقر الجمّالي بها، ثم إنه نُقل إلى دمشق فأقام بها، وأخذت المراسلات تدور بينه وبين الأمير سيف الدين أُلجيبغا نائب طرابلس إلى أن جرى ما جرى منه ومن أُلجيبغا، على ما تقدم في ترجمة الجيبغا. وهرب من دمشق مع الجيبغا، ولمّا امسك الجيبغا فارقه أياز وانفرد عنه في ثلاثة أنفار من مماليكه، فأمسكه ناصر الدين ابن المعين وبعضَ أجناد بعلبك في قرية العاقورة وقد لبس لبسَ الرهبان، وأحضره إلى بعلبكّ فقيّدوه ودخلوا به القلعة، ولمّا بلغ الخبر العسكر الشامي أخذوه من بعلبك وجاؤوا به إلى دمشق هو الجيبغا مكبّلين في الحديد وجرى لهما ما جرى، ووسّطوه في سوق الخيل بدمشق هو وألجيبغا على ما تقدّم في ترجمة ألجيبغا، وجزع جزعاً عظيماً وهلع وذل وخضع، وأخذ سكيناً من واحدٍ كان واقفاً إلى جانبه وأراد يذبحُ بها نفسه أو يجرح غيره فأعجلوه وضربوه بالسيف، ووسّط فخاض السيف في أحشائه واستقى نفسه من قليب قلبه برشائه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة.
وقلت فيه:
لما أنار أيَازُ في أفْق العُلاَ ... خَمَدت سريعاً لامعات علوّه
بالأمس أصبح نعمة لصديقه ... واليوم أمسى رحمة لعدوّه

وكان رحمه الله تعالى جيداً في حق أصحابه، مثابراً على تقدمهم فَرِحاً بهم في رحابه يبذل مهجته دونهم قبل ماله، ويجتهد في حق كل منهم حتى يصل إلى بلوغ آماله. وأحبّه أهل حلب كثيراً ووجدوا به فرشَ أيامه وثيراً، لأنه عاملهم بلطفٍ زائد ولين جانب وخضوع قرنه بجودٍ لم يُردّ أحد منهم وهو خائب، إلا أنه تحامل على أرغون شاه وزاد، وغدر به وكاد، وبعض من اطّلع على باطن أمره بَسَط عُذره، والله تعالى يتولّى ظاهر أمره وسرّه.
أياس الأمير فخر الدين الشمسي مملوك الأمير شمس الدين سُنفر الأعسر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه.
كانت له معرفة ودُرْبَه، وقوة نفسٍ يعدّ بها أن الناس من رجُلٍ والأرضَ من تربه، وحزم يؤدّيه إلى أن الإنسان كيفما كان فهو في دار غربه، فلهذا عمل شدّ الدواوين وما حَل، وفعل فيه ما حَرُم وما حَلّ. ثم إنه عُزل وتوجه إلى طرابلس، وكان فيها مَصرعه، وترك من دمشق مَرْبعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان نائباً بقلعة الروم، ثم نقل منها إلى حَماة، ثم إنه رُسم له بشدّ الدواوين بدمشق، فوصل إليها وباشر ذلك عوضاً عن الأمير زين الدين كَتْبغا في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة، وصلى الجمعة بالخلعة مع نائب دمشق في المقصورة، ولم يزل به إلى أن عُزل الأمير سيف الدين طوغان.
جاء من القاهرة في ثالث عشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وفي ذي الحجة توجه الأمير فخر الدين أياس المذكور من دمشق إلى طرابلس ليكون مقيماً في جملة الأمراء، وعزل من شدّ الدواوين بدمشق.
أَيان بفتح الهمزة، والياء آخر الحرف، وبعد الألف نون: الأمير سيف الدين الساقي الناصري.
كان أميراً بمصر يَسكن حِكْرَ جَوْهَر النوبي، اشترى دار الأمير شرف الدين حسين بن جُنْدُربك، ولمّا عاد أمير حسين إلى القاهرة أراد ارتجاعها، فدخل أيان على الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي فمنعه منها، وكان السلطان قد رسم بإعادتها، ثم إنه أُخرج إلى دمشق أميراً، فمكث بها مدة. ثم إن قوصون طلبه إلى مصر بعد خلع المنصور، فتوجه إليها، ولمّا جرى لقوصون ما جرى عاد إلى دمشق حاجباً صغيراً، وعَظُم إلى أن توجّه إلى حمص نائباً، وأقام بها قريباً من تسعة أشهر، ثم عُزل بالأمير سيف الدين قُطْلُقْتُمر الخليلي، وتوجّه أيان الساقي إلى غزة نائباً، فتوجه إليها مكرهاً، وأقام بها مدة شهر أو أكثر، ومرض مدة اثني عشر يوماً فكان بها أيّانُ وفاة أيَان، وأصبح بعد خبراً العَيان، وحُمل إلى القدس ودفن به.
وكانت وفاته في ثالث شهر رجب سنة ست وأربعين وسبع مئة.
وكان شديد الوطأة والعَبْسة، طويل النفس في الجَلْسة، لا يراعي خليلاً، ولا يحترم مَنْ كان جليلاً.
أيبك الأمير عز الدين التركي الحمويّ نائب السلطنة بدمشق، تولاّها بعد الأمير علم الدين الشجاعي في شوال سنة إحدى وتسعين وست مئة، ثم إنه عُزل عنها في سنة خمس وتسعين وست مئة، وولّى العادلُ مكانه مملوكه أغرْلو، وأُمسك بالقاهرة في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وست مئة وجُهّز إلى قلعة صرخد.


ثم إنه وُلي نيابة حمص، فوصل إليها وأقام بها شهراً واحداً إلى أن حُمّ أمر الحموي، فقضى نحبه ولحق من الأموات صَحبه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة في عشري شهر ربيع الآخر.
وكان معروفاً بالشهامة، موصوفاً بالحزم في الظعن والإقامة، عنده اتضاع، وسكونٌ يألفه من الرضاع، ولما توفي في حمص نقل إلى تربته التي هي شرقي عَقَبة دُمّر.
أًيْبَك الأمير عز الدين الموصلي المنصوري نائب طرابلس.
كان مهيباً ذا وقار، كأنّ مَشيبه خليط ثلج وَقار، مجاهداً في الفرنج والتتار، مباعداً ما يُكسِب الآثام والأوزار. سيرته جميلة، وثناؤه يحكي نفسُه زهْر خميلة. من خير أمراء دهره وأشرف أبناء عصره، ولم يزل إلى أن أُبعد الموصلي عن أحبابه، وانفرد عن لِدَاته وأترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس سنة ثمان وتسعين وست مئة.
أًيْبَك الأمير عز الدين الطويل المنصوري الخزندار.

كان أميراً ديِّناً، مؤهّلاً للصلاح معيِّناً، يواظب على التبكير إلى الجمعة، ويواصل التكبير بالتهليل مع إرسال الدمعة، تأمّر على الحج غَير مرّة، ولم يظلم أحداً بعصمة الله مِثقال ذرّة، طعَنَ في سنّه، وكم طَعَن في قِرنه، ولم يزل على حاله بدمشق إلى أن مضى لربّه حميداً، وترك " مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً " .
ووفاته رحمه الله تعالى يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول سنة ست وسبع مئة.
أيبك الأشكري الأمير عز الدين، أحد الحجاب بدمشق.
كان من جملة أمراء الطبلخانات بها.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أيبك الأمير عز الدين الزويزاني الحاجب.
تجاوز السبعين، وتوفي بقرية من قُرى الساحل في مستهل شعبان سنة تسع وتسعين أو سنة سبع مئة.
أيبك الأمير عز الدين الرحّالي، بالحاء المهملة المشددة.
كان بنابلس أظنه والياً.
توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع وسبع مئة، وكان له أولاد ملاح فضلاء.
أيْبك النجيبي.
الأمير عز الدين الدوادار.
كان أحد الأمراء، وفرداً في الكبراء، ولي البَرَّ فصدق في أقواله وبَرّ، فشكِرَتْ سيرته ما سَكِرَت بل صَحَتْ، وصحّت سَريرته، ولم تطل مدة الولاية، ولا امتدت به إلى غاية، إلى أن خَمَدت جمرته، وانجلت من خمار الحياة غمرته.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبع مئة.
أيبك الأمير عز الدين الجمالي.
تولّى نيابة قلعة دمشق عوضاً عن الأمير سيف الدين بلبان البدري في ثامن عشر جُمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ثم ورد المرسوم بأن يكون الأمير سيف الدين بُهادر الشمسي أحدَ الأمراء بدمشق نائباً بقلعة دمشق، ويكون الأمير عز الدين أيبك نائباً بالقلعة، وذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم إنه ورد المرسوم بأن يتوجه إلى نيابة الكرك في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وسبع مئة، فتوجه إليها وعُوّض عنه في نيابة دمشق بالأمير سيف الدين بهادر الشمسي.
أيبك الأمير عز الدين المعروف بكرحبي من كبار الأمراء دمشق ومقدّميهم، كان شجاعاً فارساً مقدّماً مجاهداً يحفظ أحاديث الجهاد.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
أيْبَك الأمير عز الدين المعروف بالبُدَيوي الظاهري، الجَمْدار المُشد على الأملاك الظاهرية.
كان له فهمٌ ومعرفة.
توفي بدار الحديث الظاهرية في ثاني عُشري المحرم سنة تسع وسبع مئة.
أَيْتَمُش الأمير سيف الدين المحمدي.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق، وكان سكنه بظاهر دمشق بناحية مسجد القصب، وهو والد خليل الذي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
كان الأمير سيف الدين تنكز يكرُمه وله عنده منزلة يرعاها.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم السبت سابع عشر رجب الفرد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
أَيْتمش الأمير سيف الدين الأبو بكري الناصري.
كان أحد الأمراء العشرات بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى في ثاني ذي الحجة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
أيتمش بفتح الهمزة، وسكون الياء آخر الحروف، وتاء ثالثة الحروف، وميم بعدها شين معجمة: الأمير سيف الدين الجَمْدار الناصري.
كان من مماليك الملك الناصر، أمّره طبلخاناه وهو وستة أمراء في يوم واحد، وكان هو الأمير ناصر الدين محمد بن أرغون النائب وبَيْدمر البدري، وذلك فيما يقارب سنة أربع عشرة وسبع مئة.
كان كثير السكون والأَناة، بعيداً من الشر والرداة، وافر الحشمة والأدب، حازم الرأي لا يقع في أمر يسوؤه فيه من عَتَبْ، ليس فيه شرٌّ ألبتّه، إذا رأى دنَسَ عيبٍ قرصه وحتّه، يجود في موضع الجود، ويحفظ ما هو في يده موجود.

ولي الوزارة في أيام الصالح إسماعيل، ثم عُزل منها، ووليَ الحجوبيّة بالديار المصرية، وتزوّج ابنته الأمير علاء الدين مُغُلْطاي أمير آخور - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الميم موضعه - ولمّا قُتل أرغون شاه نائب الشام - على ما تقدم في ترجمته ألزَمَه الأمراء أرباب الحلّ والعقد بالديار المصرية أن يتوجّه إلى دمشق نائباً، فامتنع، فما فارقوه حتى وافق، ودخل إلى دمشق على خَيْله في نفرٍ قليل من جماعته في حادي عشر جمادى الآخرة سنة خمسين وسبع مئة، وأقام بها لا يَرُدُّ مرسوماً، ولا يَعزل ولا يُوَلّي طَلَباً للسلامة، ولم يزل بها إلى أن خُلع السلطان الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح، فحضر إليه الأمير سيف الدين بُزْلار، وحلّفه وحلّف جميع العسكر، ثم إنه طُلب إلى مصر، فخرج من دمشق يوم الخميس ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وخرج العسكر معه إلى الجَسورة، وودّعوه.
ولما وصل مصر دخل إلى السلطان وسلّم وقبّل الأرض، وسلم على الأمراء، وتوجّه إلى الأمير سيف الدين قُبْلاي - الآتي ذكره - نائب مصر، فأمسكه وجُهّز إلى الإسكندرية، ولم يزل بها إلى أن ورَدَ المرسوم على نوّاب الشام ومضمونه أنّ الأمراء ببابنا الشريف، وقفوا لنا وشَفعوا في الأمير أيتمش، وسألوا الإفراج عنه لأن ذنبه كان خفيفاً، فتُعَّرِفونا مال عندكم في هذا الأمر، فأجاب الجميع بأن هذا مصلحة، فأُفرج عنه وجُهّز إلى صفد ليكون بها مقيماً بطّالاً إن اشتهى يركب وينزل، وإن اشتهى يحضر الخدمة، ووصل إليها في أوائل العشر الأواخر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، فأقام بها إلى أن طَلَبه بِيْبْغَاروس لمّا ورد دمشقَ خارجاً على السلطان، فاعتذر بأنه ضعيف، فأخذوه في محفّه وأقام عنده على قبّة يلبغا، ونفع أهل دمشق وشفع فيهم مرات.
ولمّا هرب بيبغا توجّه هو إلى السلطان الملك الصالح وحضر معه إلى دمشق، وأقام إلى أن توجّه السلطان إلى مصر في سابع شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة بعد أن خَلَعَ عليه، وولاّه نيابة طرابلس فتوجّه إليها.
ولم يزل بها مقيماً في نيابتها إلى أن جاء إلى دمشق من ينعاه، وتألّم له من كان يودّه ويرعاه.
وتُوفي رحمه الله تعالى في سلخ شهر رمضان بطرابلس، وذلك في سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ولد بدمشق داران: دار الأمير سيف الدين ينجي التي بَرّا باب السلامة ودار طيبغا حاجي التي في الشرف الأعلى الشمالي. وكانت ابنتاه إحداهما مع الأمير علاء الدين مُغُلْطاي القائم في تلك الدولة بإمساك النائب بيبغاروس والوزير منجك وغيرهما، والأخرى مع الأمير سيف الدين طشُبغا الدودار، وهو نائب الشام، فكان هو وصهراه عبارة عن تلك الدولة.
أَيْدغْدي الأمير علاء الدين شُقَير.
لمّا كان أميراً بدمشق كان عند الأفرم حَظيّاً، مُلازَمه بُكرة وعشيّاً، وكان ينادمه ويخلو معه على شرابه، ويَشْركهُ في لذّاته ونَيْل آدابه، ولمّا حضر الملك الناصر محمد من الكرك استحال على الأفرم، واختص بالناصر، وكان يحرق عليه الأُرَّم، وربما أنه الذي أوقد جَمْرَ الغضب عليه وأضرم، وصار عند الناصر من الخواصّ المقربين وأمراء اَلْمَشْوَر المدرّبين، وربما أفضى إليه بأسرار وتسلط به على إطفاء شَرار جماعة من الأشرار، ولكنه بعد قليل مجّه، وجادله فجدّله لما حجّه، قبض عليه وعلى غيره وقصّ جناحَ النجاح من طَيْره، وذلك في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان آيدُغدي شقير وبكتمر الحاجب وشرف الدين أمير حسين بن جندر هؤلاء الثلاثة أمراء عند الناصر محمد ثلاثة الأثافي والأصحاب الذين لا يخفى من السلطان عنهم خافي، وهم مَوْضع سرّه، وجعل الثلاثة أمراءَ مئين ومقَدَّمي ألوف، وكان أكبرهم رُتبةً أيدغدي.
حكى لي الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر قال: قال لي السلطان مرة: يا أمير شرف الدين قطّ ما أستشيرك في أمر أحد وإمساكه فتقول لي: أمسكه، بخلاف الأمير علاء الدين أيدغدي. قال: قلت له: يا خوند أيش هو أنا وأيش هو أيدغدي حتى تُشاورنا أنت، ما تقلق في الليل؟ فقال: بلى والله، قلت: ذاك الوقت أطلبْ من الله، ومهما حسّنه الله تعالى في عقلك افعل به واعمل عليه، قال: ولم يكن إلا بعد أيام قلائل حتى أمسكه، وما أثنى عليه بخير.

وداره بدمشق معروفة تحت مئذنة فيروز، وهي دار حَجّاج بن مَسلَمة بن عبد الملك بن مروان، وكثيرٌ من الناس يظنها دار الحجّاج بن يوسف الثقفي، وإنما هي كانت أولاً للحَجّاج، ولما ولد حجاج بن عبد الملك سماه والده حجاجاً باسمه وقال:
سمّيته الحَجّاج بالحَجّاج ... بالناصح المُعاون الدمّاجِ
نُصحاً لعمري غير ذي مداجي
فوهب الحجاج بن يوسف داره هذه التي بدمشق له، وهذا الدار كانت للأمير علاء الدين أيدغدي شقير، ثم إنها اتصلت للأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، ثم للأمير سيف الدين بَلْبان طُرْنا، ثم للأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، ثم للأمير نور الدين بن الأفضل.
أيُدُغدي الأمير علاء الدين الظَّهري.
كان أمير عشرة، وكان نقيب النقباء بدمشق، كان شيخاً قد أسنّ، وسلك كلًّ طريق عَنّ، قد مخض التجارب، وعرض للتصالُح والتحارُب ثَوّر نعمة طائلة وسَوّر أملاكاً هائلة. وكان يحفظ كفاية المتحفّظ ويسردها، ويعرف حُلَى الأنبياء عليهم السلام ويوردها. ولما أُمسك تنكز أُخرج من نقابة النقباء وجُهّز إلى نيابة قلعة صَرْخد، فأقام فيها مُدة، وحضر إلى دمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن لم يجد له الظهيري ظهيراً، وخَمل ذكره بعد أن كان شهيراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
أَيْدُغدي الأمير الكبير علاء الدين الخوارزمي، أمير حاجب بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى ليلة الأحد ثاني عشر شعبان سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكان توجه رسولاً إلى الغرب، وكان شيخاً طُوالاً تامّ الهيئة، عنده فهمٌ ومعرفة، وله كتبٌ يطالع فيها، وعلى ذهنه أشياء حسنة من تاريخ وغيره.
أَيْدُغْمش بفتح الهمزة، وسكون الياء آخر الحروف، وضمّ الدال المهملة، وسكون الغين المعجمة، وبعد الميم شين معجمة: الأمير علاء الدين أمير أخور الناصري.
كان أولاً من مماليك الأمير سيف الدين بلبان الطبّاخي الآتي ذكره، ولما جاء الناصري من الكرك ولاّه أمير آخور عوضاً عن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، وأقام على ذلك إلى أن توفي الملك الناصر.
وكان ممّن قام مع قوصون في أمر المنصور أبي بكر، ثم إنه وافَقَه على خَلْعه، ولولا اتفاقه معه لم يتم لقوصون أمرٌ. ثم إنه لمّا هرب من الفخري - على ما تقدّم في ترجمة ألطنبُغا - وقارب بُلْبِيس اتفق الأمراء مع أَيْدُغْمش على قوصون وحِزبه، فوافقهم على ذلك، وقبض على قوصون وجماعته، وجهّزهم إلى الإسكندرية، وجهّز من تلقّى ألطنبغا ومَنْ معه وأمسكهم، وجهّزهم إلى الإسكندرية أيضاً، وكان أيدغمش في هذه المرّة هو المشار إليه، وجهّز ولده ومعه جماعة من الأمراء المشايخ إلى الناصر أحمد إلى الكرك، ولمّا استقرّ أمرُ الناصر أحمد في مصر أُخرج أيدغمش إلى حلب نائباً، فلما وصل إلى عين جالوت لحق به الفخريّ مستجيراً به، فأكرم نُزُله وأضافه ونوَّمه في خيمة عنده، واطمأن الفخري وخلع آلة سلاحه ومماليكه، ولمّا كان بكرة أمسكه وجهّزه إلى الناصر. ثم إن أيدغمش توجّه إلى حلب ولم يزل بها مقيماً إلى أن تولى الصالح فرُسم له بنيابة الشام، وحضر إليه الأمير سيف الدين ملكتمر السرجَواني وأخذه من حلب وأتى به إلى دمشق، فدخلها بُكْرةَ الخميس عشرين صفر سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وأقام بها نائباً إلى يوم الثلاثاء بُكرة ثالث جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وعاد بعد ما أطعم طيوره، ونزل وجلس في دار السعادة وقرئت عليه قصصٌ يسيرة، وأكل الطعام وعلّم فوطة العلائم، وعرض طُلْبَه ومُضَا فيه، وقدّم جماعةَ وأخّر جماعة، ودخل ديوانه وقرؤوا عليه مخازيم، فقال لهم: هؤلاء الذين تزوّجوا من جماعتي، اقطعوا مرتبهم، وأكل بعد ذلك الطاري، وجلس هو والأمير رملة بن جمّاز يتحادثان، فسمع حسَّ جماعةٍ من جَواريه يتخاصَمْنَ، فأخذ العصا ودخل إليهن وضرب واحدة منهنّ ضربتين وأراد أن يضربها الثالثة فسقط ميّتاً، فَجَأة الموت فَجْأة وما سُمع له نَبْأه. فأمهلوه إلى يوم الأربعاء بكرة، وغُسِّل ودفن خارج ميدان الحَصا في تربةٍ عُمِّرت له هناك.

وكان زائد الجود بالغ الإكرام للوفود، قلّ من سَلّم عليه إلاّ وساق وفد الخلعة إليه. وكان الملك الناصر محمد قد أمرّ أولاده الثلاثة: أمير علي، وأمير حاج، وأمير أحمد لعلوّ مكانته عنده وما يراه منه إذا أورى زنده، وكان قد بلغ الملك الصالح أنه ربما يباطن الناصر أحمد، ويلاحظ دولتك بطَرْف أرْمَد، فأمر من يحضرُ للقبض عليه، فتلقاه الأمير أيان الساقي قي قَطْيَا، وقد توجه للقبض عليه فأعلمه بموته وردّه.
ولم أعهد أنا في عمري إلى حين تسطيرها في سنة ست وخمسين وسبع مئة أحداً من نُوّاب الشام توفي بدمشق غير هذا الأمير علاء الدين أيدغمش.
أيدكين الأمير علاء الدين الأركشي.
كان أوّلاً برُمح يسوق في البريد من جملة بريدية مصر، وكان محَذلقاً، توجه إلى البلاد الشرقية وعاد في مهم، فراج عند السلطان الملك الناصر محمد، وحكى له أنه مرت به أهوالٌ عظيمة في سفرته وتحيّل بحيل كثيرة حتى نجا، وذكر للسلطان شيئاً يُسْتَحْيا من ذكره، فضحك السلطان من ذلك وأمّره وولاّه القاهرة، فظلم وجار وأشبهت أيامه الظلم، وتاه في الولاية وزاد، ولم يعبأ بأحد من الخاصكية، فاتفقوا عليه وشَكِوه إلى السلطان، فعزله.
وما أظنّه أقام أكثر من سنة، وعاد إلى دمشق وكان السلطان قد ولاّه بعدما عزل الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وكانت من غرائب السلطان عزل مثل هذا وولاية هذا، وكان قد عُزل من ولاية القاهرة في حادي عُشري جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وتولاها بعده سيف الدين بلبان الحُسامي البَريدي.
أَيْدَمُر الجناحي، الأمير عز الدين.
كان نائباً بغزّة، له أموالٌ كثيرة، وفُرش سعادته وثيرة، وفِكرتُه في تحصيل المال للاكتساب مثيرة، حصّل من الذهب ما لو فرّقه على العفاة لمَا ذهب، وملك من العَين جُمله، تعجز المطايا عن النهوض به وما تطيق حَمله، إلا أنّه درب السياسة، واتّصف بالرياسة.
ولم يزل بغزة إلى أن قصّ الموت من الجناحيّ جَناحه، وأراه في قَبْره إمّا خيبتُه وإما نجاحه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مئة، وخلّف تركة هائلة من جملتها ما لا ورد به في وصية، ولا علم به أحد، بل تبرّع بإحضاره فخر الدين العزازي وكانت هذه الجملة، ذهباً وغيره، ما قُوّم بستين ألف دينار.
أَيْدُمُر الزرْدَكاش الأمير عز الدين.
قَفَّز مع الأفرم لأنه كان صِهره ولاقَيَا قرا سُنقر، ودخلا بلاد التتار إلى خَربندا، كما تقدم في ترجمة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم، وطلب ابنه وابن الأفرم إلى الديار المصرية فتوجها.
أيدمُر الأمير عز الدين الظاهري.
كان نائب الشام في الأيام الظاهرية.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول سنة سبع مئة برباطِهِ بالجبل، ودُفن هناك بالتربة على نهر ثُورا قبالةَ المدرسة الماردانية الحنفيّة.
وكان السلطان قد ولاّه نيابة الكرك، فأقام هناك إلى أن حضر السلطان الملك الظاهر إلى الكرك في المحرم سنة سبعين وست مئة وعاد منها وأخذ الأمير عز الدين معه إلى دمشق فولاّه نيابتها عوضاً عن الأمير جمال الدين النجيبي فأقام بها.
أيدمُر الأمير عز الدين دُقْماق نقيب العساكر المصرية.
كان محبوباً إلى الناس، فيه خيرٌ ورحمة.
توفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رجب سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
أيدمُر الأمير عز الدين المَرْقبي.
كان من خواصّ الأشرف، وأقام أميراً بدمشق مدة، ثم إنه نُقل إلى طرابلس على إقطاع إمرة، فأقام بها إلى أن توفي هناك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة رحمه الله تعالى.
وكان شكلاً مليحاً.
أيدمُر ابن عبد الله عز الدين السَّنَائي.
كان جندياً، كم اعتقل للغزاة رمحاً وتقلّد هندياً، وله معرفة بالتعبير، وكلامه في ذلك ألطفُ من نسمة عبير، وله معارف أدبية، وصَوارف إلى النكت العربية، ولم يزل يصوغ شعره إلى أن أظلم الوجود في عين السَّنائي، وقَرّب إليه من الحتف ما هو نائي.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في أول جمادى الأولى سنة سبع مئة، على ما ذكره الأُدْفُوي في تاريخه البدر السافر.
وكان عتيقَ أَقْطُوان الحاجبي والي قَلْيوب، ووَرِثه ابنه إبراهيم بالولاء.

ومن شعره:
تَخِذَ النسيمَ إلى الحبيبِ رسولاً ... دنفٌ حَكاه رقّةً ونُحولا
يُجري العيون من العيون صبابة ... فَتَسيل في أثر الغريق سُيولا
ويقول من حَسد له: يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
ومنه:
بعلبكُ دارٌ ولكنها ... دارٌ بلا أهل وجيران
كأنها ليلةُ وَصْلٍ مضت ... وأهلها ليلة هجران
وأنشدني من لفظه العلامة أبو حيان قال: أنشدنا المذكور لنفسه:
سَفَرت فخلتُ الصبحَ حين تَبَلَّجا ... في جنح فَوْدٍ كالظلام إذا سجا
فتانةٌ فتّاكة من طرفها ... كم حاول القلبُ النجاة فما نجا
نَحَلتْ نضيرَ قامَةَ قدِّها ... وحَبَتْ مهاة الجزع طرفاً أدُعَجا
تفترُّ عن بَرَدٍ تقيٍّ بَرْدُه ... بالرَّشف حَرَّ حُشاشتي قد أثْلَجا
ما إن دخلتُ رياض جنّةِ وجهها ... فرأيت عنها الدهر يوماً مَخْرَجا
ولَمَا رشفت رحيق فيها ظامياً ... فازددت إلا حُرقَة وتوهجا
تعطو برخص طَرَّفته بعَنْدم ... وتُريك ثغراً كالأقاح مُفَلّجا
أنّى نظرتَ إلى رياض جمالها ... عاينت ثَمَّ مُفَوَّفاً ومُدَبَّجا
زارت وعُمر الليل في غُلَوائه ... فغدا من الشمس البهيّة أبهجا
وسرى نسيم الروض ينكر إثرها ... فتعرَّفَت آثاره وتأرَّجا
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني المذكور لنفسه:
وَرَدَ الوَرْدُ فأوْرِدْنا المداما ... وأرِحْ بالراح أرواحاً هُيامى
واجْلُها بِكْراً على خُطّابها ... بنت كَرْم قد أبَت ألاّ كراما
ذات ثغرٍ لؤلؤي وَصْفُه ... في رحيقٍ رَشْفُه يَشْفي الأُواما
بُرقِعت باللؤلؤ الرطب على ... وَجْنَةٍ كالنار لا تألو ضِراما
أقبلت تسعى بها شمس الضحى ... تُخجل البدرَ إذا يبدو تَماما
بجفون بابليّ سِحرُها ... سُقمُها أبدى إلى جسمي السَّقاما
ونضيرُ الورد في وجنتها ... نَبْتُه أنْبَت في قلبي الغراما
ودّت الأغصانُ لمّا خَطَرت ... لو حكت منها التثني والقَواما
قال لي خالٌ على وجنتها ... حين نادَيْتُ: أمَا تخشى الضِّراما
منذ ألقيتُ بنفسي في لَظى ... خدِّها ألفيتُ بَرْداً وسَلاما
قلت: شعر متوسط.
أيْدمُر الأمير عز الدين الخطيري.
حَبَسه السلطان بعد مجيئه من الكرك، فسعى له مملوكه بدر الدين بيلبك أستاذ داره مع الأمير سيف الدين طغاي الكبير - الآتي ذكره في حرف الطاء مكانه - ولما خرج طلب حسابه من مملوكه المذكور، فقال له: سعيتُ لم به إلى أن خُلِّصْت. ثم إنه عظم شأنه عند السلطان، وكان يجلس رأس الميسرة، وأعطاه إقطاع مئة وعشرين فارساً، وكان لا يمكنه السلطان من المبيت في داره بالقاهرة، ولد دار مليحة في رُحَيبة العيد فينزل أيها بكرة، ويطلع إلى القلعة بعد العصر، كذا أبدا، وكانوا يرون ذلك تعظيماً له.
وكان في الأصل مملوك شرف الدين أوحد بن الخطير والد الأمير بدر الدين مسعود الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - مكانه، وكان لا يلبس قِباءً مطرّزاً، ولا يدع أحداً عنده يلبس ذلك. وكان يُخرج الزكاة.
وكنت يوماً عند أستاذ داره هذا بدر الدين بيلبك وقد زوّج السلطان ابنته بالأمير سيف الدين قوصون وقد ضربوا لدور الأمير عز الدين الخطيري دينارين وزْنُهما أربع مئة دينار وعشرة آلاف درهم برسم النقوط خارجاً عن عشرة تفاصيل قماش حرير ملونة، وقالوا له: يا خوند هذا السكّر الذي يعمل في الطعام ما يضر أن نعمله غير مكرر؟ فقال: لا، فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرر.
وعمّر الجامع المشهور في رَمْلَة بولاق على البحر وإلى جانبه الربع المشهور، يُقال إنه غرم عليهما نحواً من أربع مئة ألف درهم، وأكله البحر في حياته، ثم إنه رمَّه وأصْلحه بجملة من المال.

ولم يزل على حاله إلى أن وقع الخطيري من الموت في خَطَر، وراح كأنه لم يفز بأمنية ولا وطر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن.
وخلّف ولدين أميرين: علياً ومحمداً.
وكان ذا شيبة مبيّضة، كأنها في النقاء تجسّدت من دموع مرفضّة، أو تكوّنت من أزاهر روضةٍ غضّة، بوجه يُقطَفُ الورد من وَجَناته، والجلّنار من خمائله وجَنّاته، كريم الكف إذا نوّل، كبير النفس إذا أعطى أحداً أو خَوَّل، فيه تجمّل وحِشمة، وله همة وعزمة.
أَيْدمُر الأمير عز الدين أحد الأمراء بالديار المصرية.
ولاّه الملك الصالح نيابة غَزّة، فتوجّه إليها وأقام بها مُدّة، ثم إنه استعفى بعد موت الصالح وعاد إلى القاهرة.
ولمّا كانت الكائنة على يلبُغا اليحيوي في الأيام المظفريّة رُسم له أن يتوجّه إلى دمشق للحَوْطة على موجود يلبغا والأمراء الذين كانوا معه من إخوته وغيرهم، فحضر إليها ومعه الأمير نجم الدين بن الزيبق في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأقام بدمشق مدة تزيد على الثلاثة أشهر إلى أن أباع موجودهم، وتوجّه بالأموال جميعها إلى مصر هو والأمير شمس الدين آقسنقر أمير جاندار الذي أحضر أرغون شاه إلى نيابة دمشق، ولمّا وصلا بالمال إلى المظفر لم يلبثا إلا قليلاً، قريباً من الشهر، وخرجوا على المظفر، ولم يكن معه أحد من الأمراء إلا الأمير عز الدين الزرّاق وآقسنقر وأيدمر الشمسي، فنقم الخاصكية عليهم ذلك، وأخرجوهم إلى الشام، فوصلوا إلى دمشق نهار العيد أول شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. ورُسم للزرّاق بالمقام في دمشق، ثم ورد مرسوم الملك الناصر حَسَن بتوجهه إلى حلب، فتوجّه إليها في العشر الأوسط من شوال وَرَدَ منشوره إليه فيما بعد بإقطاع الأمير سيف الدين أَسَنْدَمُر الحسني.
وكان ديّناً، وطيء الجانب ليّناً، فيه خير وبرّ، وحِفظٌ لما عنده وسِرّ. ولم يزل على حاله إلى أن فرغ أجل الزَّرَّاق ورِزقه، واتّسع عليه من الموت خَرْقُهُ، وتوفي رحمه الله تعالى.
وكنت أنا بالقاهرة - في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وكتبتُ تقليده بنيابة غزة ارتجالاً من رأس القلم وهو: الحمد لله الذي زاد أولياء دولتنا القاهرة عزّاً، وجعل أصفياء أيامنا الزاهرة كُفاة تعود الممالك بهم حِرزاً، وجرّد مِنْ أنصارنا كلّ نَصْل راعَ حَداً وراق هزّاً، ووفّق آراءنا الشريفة لأن يكون مَنْ نعتمد عليه يُسنَد إليه العز ويُعزى. نحمده على نَعَمه التي عَمَّت، ومِننه التي طَلَعت أقمارها وتمّت، وأياديه التي قادت الألطاف إلى حَرَمنا وزَمَّت.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مهدّ الإيمان قَصْدها، وجدّد الإيقان عَهْدَها، وشيّد الإدمان مَجْدَها، وأيّد البرهانُ رُشدها.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي هدى به الأمة، وبدا به الأمور المهمّة، وجلا بأنوار بعْثَته من الكفر الدياجي المُدْلهمّة، ونفى بإبلاغ رسالاته ثبوت كلّ ثبور، وألَم كلّ ملمّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تلألأت أنوارهم، وتوضحت في آفاق المعالي أقمارهم وتوشّحت بلآلي السيادة أزهارهم، وتفتحت للسعادة بصائرهم وأبصارهم، صلاةً ظلالُ رُضوانها مديدة، وخِلالُ غفرانها عَديدة، ما افترّ ثغْرُ صْبح في لَعَس ظلام، واهتز في الحرب قَدُّ رمحٍ، وتورد بالدم خَدّ حسام، وسلم، وبعد:

فإن ممالكنا الشريفة منها ما هو عالي المكانة، داني المكان مُوَفّر الاستكانة، موفَّى النعمة بالسكان، مُوَطَّأ الأكناف، مُوَطَّد الأركان، موسَّع الأفنية، موشَّع الأفنان، وقد جاوز الأرض المقدّسة، وبَرَزَ رافلاً من خمائله في حلله المقدسة، ونوّه الذكر مَحاسنه لما نوّع الاعتدال خيره وجنّسه. كم فيه من كثيب رمل أوعَسْ، وحديقة إذا بكى الغمام عليها تبسم ثغر زهرها الألعس، وروضٍ حكى القدّ الأملدَ قضيبه الأملس، قد اكْتنفه البَرّ والبحر، وأحاطت به المحاسن إحاطة القلائد بالنحر، وبرز بين مصر والشام برزخاً، وكثرت خيراته فهو لا يزال مَهَبّ رُخاء الرَّخا، وإلى غزة ترجع هذه الضمائر، وعلى سرها تدل هذه الأمائر، كاد النجم ينزل إلى أرضها ليتنزه، وقصّر وصف الواصف عنها ولو أنه كُثَيّر وهي عَزّه، وكانت غُرّة في وجه الشام فنقّطها سواد العين بإنسانه فصارت غَزّه، وكفاها فخراً بما يُروى عنها أن الإمام الشافعي رضي الله عنه منها.
ولما كان المجلس العالي الأميري وألقابه ونُعوته من أعيان هذه الدولة، وأعوان هذه الأيام التي زانها الصَّون والصّولة، قد اتصف بالحلم والباس، والأناة والإيناس، والمهابة التي طَوْدُها راسخ راس، والشجاعة التي مرامها صَعْبُ المِراس، طالما جُرّد منه حسام حُمِدت مضاربه، وجُهّز في جيشٍ نَصَره الله على مَنْ يحاربه، وأطلع في أفق مهمٍّ شريف أحدقت به كواكبه اقتضت آراؤنا الشريفة إعلاء رتبته وإدامة بهجته وسرور مهجته وتوفير حركته، وأنْ نُفَوّض إليه تقدمة العسكر المنصور بغزّة المحروسة، فلذلك رُسم بالأمر العالي. المولوي السلطاني الملكي الصالحي العمادي أن يستقر فيما أشرنا إليه من ذلك، اعتماداً على ما قلناه من همّته، واستناداً إلى ما جرّبناه من شيمته، واجتهاداً في وقوع اختيارنا الشريف لِمَا أحمدَنا في الإخلاص من ثبوت قدمه، واعتقاداً في نهوضه بهذا الأمر الذي ألبسناه حُلَلَ نِعَمه، وارتياداً لاحتفاله بهذا المهم الذي لا يزال طائعاً طائفاً بحَرَمه، فليستقر فيما فوّضناه إليه مجتهداً في رضى الله تعالى، فإن ذلك أَوْلى ما نطق به اللسان، ورضى خواطرنا الشريفة، وهو مغدوق برضى الله الذي أمر بالعدل والإحسان، معتمداً على طلب الحق الجلي، والإقبال على المُستغيث به بوجه وَضِيّ، خُلُق رضيّ وعزم مَلِيّ، حتى يُنصف المظلوم من ظالمه ويُرشد الضالّ عن الصواب إلى معالمه، ويَبْسُطُ العدل في رعايانا، ويُجريهم على ما ألِفوه من الأمن والمَنّ من سجايانا؛ لأن العدل يُعمِّر البلاد، والجَوْر يُدمِّر العباد، والحاكم العادل من المطر الوابل، والأسَد إذا حَطَم خير من الوالي إذا ظَلَم، وهو يعلم أمر هذه الدنيا وما إليه تَؤول، ويتحقق أنه راعٍ وكل راع مسؤول. والشرع الشريف فليتقدم برفع مَناره، وتعظيم شِعاره، فإنه المحجّة السَّويّة والحجة القَويّة، فما شددنا السيف إلاّ لنُصرة الشرع، ولا نعتقد إلاّ أنه الأصل وبقية السياسات فَرْع. والعَسكر المنصور، فهم منا بمرأى ومسمع، وعنايتُنا بهم تامّة تمنحهم الخير وللشرّ تدفع، فليُراع حالهم ويَرْعَها، ويتّبعْ أصول أمورهم وفَرْعَها: إقطاع من مات منهم إلى رحمة الله تعالى لولده أو لقريبه، وكبيرهم وصغيرهم معامل بتوقيره وتوفير نصيبه وليُلزمُهُم بعمل الأيزاك المهمّة، والركوب في كل موكبٍ، والنزول في كل خدمة، حتى يكونوا على أهُبّة لورود المهمّات الشريفة والحركات التي هي بهم في كل وقت مُطيفة، والوصايا كثيرة، وتقوى الله تعالى ملاك الأمور، وفِكاك الأعناق من الأوزار وشِباك الأجور، فلا يبرح مِنْ حَرَمها المنيع ولا يسرح في سوى روضها المَريع، فإنّ مَن لازمها سَعِدَ دنيا وأخرى، وحاز في الدارين مَنْقَبة وفخراً، والله يزيده ممّا أولاه، ويُفيده الإعانة على ما ولاّه. والخطّ الشريف - أعلاه الله تعالى - أعلاه حجةً في ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.
إيْرَنْجي بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، وراء بعدها نون ساكنة وجيمٌ وياء آخر الحروف: النُّوَيْن التتري خال القان بوسعيد.

لمّا تبرّم من نائبة جوبان واستيلائه على الأمور واحتجاره عليه، تنفس إلى مقدمين يكرهون جوبان منهم أيْرنجي هذا وقُرْمُشي ودقماق، فقالوا له: إن أردت قتلناه. واتفقوا على أن يبيّتوه، وذلك في جمادى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ووافقهم على ذلك أخو دقماق ومحمد هريرة ويوسف ويعقوب المسخر، فهيّأ قُرمشي دَعوةً، ودعا جوبان إليها فأجاب ونفّذ له تَقْدمة سنيّة فقبلها، فنصحه تتريّ، فتحفّظ في الهروب، وترك خيامه، وأقبل قُرمشي في عشرة آلاف، وسأل عن جوبان، فقيل: في مخيّمه، فهجم عليه، وثار أجناد جوبان في السلاح، والتحم القتال، فقُتل نحو ثلاث مئة، ونَهبَ قُرمشي حَواصل جوبان، وساق في طلبه، وهرب إلى مَرَنْد معه ولدُه حسن وابنان، فأكرمه صاحب مَرَنْد، وأمَدّه بخيل ورجال، وأتى تبريز، فتلقاه علي شاه وزيّن البلد له، وجاء في خدمته إلى بوسعيد، وأثنى على جوبان وعلى شفقته وأنه والد، ثم دخل جوبان وبيجه كَفَنٌ وهو باكٍ وقال: يا خوند قُتلَتْ رجالي ونُهبَت أموالي، فإن كنت تريد قتلي فها أنا قد حضرت، وقد صرت في تصرفك، فتنصّل القان وتبرّى مما جرى، وقال له: حاربهم فهؤلاء أعداؤنا قال: فيساعدني القان، فجهز له جيشاً مع طاز بن النوين كتبغا ومع قراسنقر، وركب القان مع خواصه مع العسكر، وأما إيرنجي فإنه قصد تبريز في طلب جوبان، فأُغلق البلد في وجهه، وخرج الوالي إليهم، فأهانوه وعلقوه منكوساً حتى وزن أربع مئة ألف درهم، ثم ساروا إلى رَنكان، فالتقى الجمعان، فلما رأى إيرنجي القان وراياته سُقط في يده وقال لأصحابه: السلطان علينا فما الحيلة؟ فقال قرمشي: لا بد من الحرب، فالسلطان معنا، وسيّر قُرمشي إلى جوبان وقال: أنا معك، والتحم القتال وانكسر أيرنجي، وتحوّلت غالب عسكره إلى تحت رايات السلطان، ثم أُسِرَ أيرنجي وقرمشي ودُقماق، وعقد لهم مجلس بالسلطانية فقالوا: ما تحركنا إلاّ بأمر القان، فأنكر وكذّبهم وأمر بقتلهم، فقال إيرنجي: هذا خَطُّكَ معي أنا، فأنكر وجحد، فضرب إيرنجي بسيخ في فمه فهلك، وطيف برأسه في خراسان والعراق، وذلك في سنة تسع عشرة وسبع مئة، وقُتل قُرمشي ودُقماق مسلماً يُحبّ العرب ويكثر الصدقة، فحلقوا ذَقْنه وطِيف به، ثم رموه بالنُّشَّاب، وباد من المُغْل خَلْقٌ كثير في تلك الواقعة.

وكان إيرنجي هذا في حشمته فريداً، وفي عَظَمته وحيداً، وفي أصله مجيداً، وفي إحسانه مُجيداً، وله مهابة في السياسة، وقُدْرَه على اتّباع الياسه، ولكن البغي على جوبان صَرَعَه، وضَرَب بابَ هلاكِه وقَرعَه، ودخل السيخ فَمَه قال له البغي: قد زدتَ فَمه.
الأيكي: الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر.
أيمن بن محمد البُزولي بالباء الموحدة والزاي والواو واللام: الأندلسي الأصل، التونسي أبو البركات.
أخبرني العلامة أثير الدين قال: هو جندي، أنشدنا له بعضُ أصحابنا يهجو أبا سلامة ناجي بن الطوّاح التونسي أحد الطلبة الأدباء بتونس، وكان طويلاً رقيقاً، فيه انحناء:
ناجٍ من النَّجْو مُشْتَقّ وما العَذِرَهْ ... يوماً بأنْجَسَ مِنْ أرهاطه القَذِرَهْ
جِنْس الخراء طويلٌ رقّ منحنياً ... كبائلٍ قائمٍ والأرض منحَدرَهْ
غَذَتْهُ ألبان فِسق أمُّه وأبى ... أبوه إلاّ الخنا والفَرْعُ للشجرهْ
قلت: أظن أيمن هذا أبا البركات المعروف بعاشق النبي، وهو أيمن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد، أربعة عشرة محمداً، أتى إلى المدينة الشريفة، وأقام بها.
وأخبرني غير واحد أنه كان أوّلاً كثير الهجو والوقيعة في الناس، لكنه تاب إلى الله تعالى بعد ذلك وأقلعَ وأناب، وألزم نفسه أنه ينظم كل يوم قصيدةً يمدح بها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قي وقتِ عَزَم على العود لزيارة أهله بالمغرب؛ فرآه النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وقال له: يا أبا البركات كيف ترضى بفراقنا؟ أو ما هذا معناه، فعاد وبطّل المُضِيّ إلى أهله، وسمى نفسه عاشق النبي.
أنشدني من لفظه الشيخ الإمام الفاضل بهاء الدين محمد بن علي المعروف بابن إمام المشهد، قال: أنشدني أبو البركات أيمن لنفسه:

فَرَرْتُ من الدنيا إلى ساكنِ الحمى ... فرارَ محبٍّ عائذٍ بحبيب
لجأتُ إلى هذا الجنَاب وإنما ... لجأت إلى سامي العمادِ رَحيب
وناديتُ مولايَ الذي عنده الشِّفا ... لداءٍ عَليلٍ في الديار غريب
أمولاي دائي في الذُّنوب وليس لي ... سواك طبيبٌ يا أجلّ طبيب
تناومتُ في إظلام ليلِ شبيبتي ... فأيقظني إشراق صبحِ مشيبي
وجئتك لمّا ضاق ذَرْعي بزلّتي ... وأشفقت من جُرْمي مَجيء سليب
وما أرتجي إلا شفاعتك التي ... بها يبلُغ الراجي ثواب مُثيب
فقال: لك البشرى ظفرت من المنى ... بأسعد حظّ وافرٍ ونصيب
فدامت مسرّاتي وزادَت بشائري ... وطاب حُضوري عنده ومَغيبي
أنا اليوم جارٌ للنبيّ بطيبةٍ ... فلا طِيبَ في الدنيا يقاس بطيبي
ومن شعره أيضاً:
حللتُ بدارٍ حلّها أشرفُ الخلقِ ... محمدٌ المحمودُ بالخَلْق والخُلْق
وخلّفتُ خلفي كل شيء يعوقُني ... عن القصد إلا ما لديّ مَنْ العشق
وما بيْ نُهوضٌ غيرَ أنيَ طائر ... بشوقي وحسنُ العَوْن من واهب الرزق
محمد يا أوفى النبيين ذمّةً ... ظمئتُ وقدْ وافيتُ بابك أستسقي
تعاظَمَ إجرامي وجلّت خطيئتي ... وأشفقتُ من فِعلي القبيح من نُطقي
وأنت شفيعٌ في الذنوب مشفَّعٌ ... فخذ لي أماناً في القيامة بالعتق
صلاةٌ وتسليمٌ عليك ورحمةٌ ... على الآل والصَّحْب الكرام أولي الصدق
وجدت ما هو منسوب إليه من تثمين الأبيات المشهورة:
للعاشقين انكسارُ ... وذلّة وافتقارُ
وللمِلاح افتخارُ ... وعزّةٌ واقتدارُ
وأهل بَدري أشاروا ... وودّعوني وساروا
يا بدرُ أهلُك جاروا ... وعَلّموك التجرّي
كتبت والوجدُ يُملي ... جدَّ الهوى بعد هَزْلي
وحار ذهني وعقلي ... ما بين بدر وأهل
يا بدرُ فاحْكُمْ بعَدْل ... إذا أتَوك بعَذْلي
وحرّموا لك وَصْلي ... وحَلّلوا لك هَجري
لولا هواك المرادُ ... ما كنتُ ممّنْ يُصاد
ولا شَجاني البِعادُ ... يا بدر أهلك جاروا
غلطتُ جاروا وزادوا ... لكنهم بك سادوا
دع يفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر
وقد سبقه إلى مثل ذلك أبو عبد الله محمد بن جابر، فقال:
لم يبقَ فيّ اصطبارُ ... مذ خلّفوني وساروا
وللحبيب أشاروا ... جارَ الكرامُ فجاروا
لله ذاك الأُوارُ ... بانوا فما الدارُ دارُ
يا بدرُ أهلك جاروا ... وعلموك التجرّي
كانوا من الودّ أهلي ... ما عاملوني بعذلي
أَصْموا فؤادي بنبل ... يا بين بيّنت نكلي
يا روح قلبيَ قل لي ... أهُمْ دعوك لقتلي
وحرّموا لك وصلي ... وحللوا لك هجري
حسبي وماذا عناد ... هُمُ المنى والمراد
وإن عن الحق حادوا ... أو جاملوني وجادوا
يا من به الكلُّ سادوا ... والكلُّ عندي سداد
فليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهلُ بدر
قلت: الأول أحسن وأكثر مناسبة بالأصل.
قلت: وأقام في المدينة الشريفة ينظم كل يوم قصيدة، ويؤم الضريح الشريف ووصيده، فيفوز بالصلات العتيدة، والهبات التي رياح هباتها مديدة، فواصل لله له الرضى من عاشق، وجعل تربته رَوْضاً لناظر ومِسكاً لناشق.
ولم يزل على حاله إلى أن دنا من قبره فتدلّى، وأعرض عن الحياة وولّى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
إيوان

الأمير سيف الدين الناصري، أخو الأمير الدين بُشتاك.
لمّا أُمسكَ أخوه وقُتل أُخرج هو إلى حلب فأقام بها أميراً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر صفر في طاعون حلب سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
أيوب ابن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن إبراهيم بن طارق بن سالم، الإمام بهاء الدين أبو صابر بن النحاس الأسدي الحلبي الحنفي، مدرس القليجيّة، وشيخ الحديث بها.
قد سمع من مُكَرَّم، والموفّق يعيش، وابن رواحة، وابن خليل، وجماعة بحلب، وقال إنه سمع الصحيح من ابن رُوْزبة، وسمع ببغداد من الكاشْغَري.
لم يزل بمدرسته في الإفادة، وألِف هو هذه العادة، ورآها كما يرى المحبُّ محبوبته الغادَه، إلى أن نَحا النحاس حَيْنَه وتولع به بينه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
أيوب بن سليمان بن مظفر الشيخ المقرئُ المعمّر نجم الدين، مؤذن النجيبي.
كبير المؤذنين، كان يخرج بالسَّواد أمام خطباء الجامع الأموي بدمشق، كان صوتُه عالياً، إلاّ أنه في الطرب غالياً، وله أخلاق مرتاضة وحركاتٌ تُداوي من الصاحب أمراضَه، وله عدة أولاد يَجمع شَملهم ويلتزم حَملَهم.
ولم يزل على حاله إلا أن تعيّن النجيب على النجيبي ووجَبْ، وقضى الناس من أمره العَجَبْ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة، وعاش تسعاً وثمانين سنة.
أيّوب: بن أحمد بن النجم، المعروف بنجم الحطّيني، يأتي ذكره في حرف النون مكانه.
أيوب بن نعمة ابن محمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر، المُعمَّر المسند زين الدين النابلسي المَقْدِسي الكحّال.
اشتغل على طاهر الكَحّال، وبَرَع في الصنعة وتميّز وتكسب بها.
سمع من المُرْسي، والرشيد العراقي، وعثمان بن خطيب القرافة، وعبد الله بن الخُشوعي، وجماعة، وروى الكثير.
وسمع منه الكبير والصغير. وتفرّد في مصر والشام بما رواه، وساد بما عنده مما ضمّه من الرواية وحواه، وانجفل إلى مصر وأقام بها اثنتين وعشرين سنة يعالج الناس بالكحل ويخصّب أنوار العيون بعد المحل، ثم إنه رجع إلى دمشق وعجز وشاخ، وطفئ جَمْر شبابه وباخ.
ولم يزل على حاله إلى أن أغمض الكَحّال عَينَه فما فُتحت، وقيّد العُدْمُ حواسّه فما سَرحت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة. وخُرّجت له مشيخة، وأجاز لي بخطّه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
أيوب الملك الصالح ابن الكامل بن الموحَّد بن المعظَّم توران شاه بن الصالح بن الكامل بن العادل صاحب حصن كيفا.
وصل إلى دمشق في شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة قاصداً الحج، وتوجّه إلى خدمة السلطان الملك الناصر، وحجّ وعاد مسرعاً خوفاً على بلده، وجاء الخبر في ذي القعدة أنه حالَ وصوله إلى الحصن تلقّاه أخوه وهيّأ له مَنْ قتله وقَتَل ولده، واستقل أخوه بمُلك حصن كيفا.
أيّوب السعُودي الشيخ المبارك بزاوية الشيخ أبي السعود بباب القنطرة بالقاهرة.
كان يذكر أنه رأى الشيخ أبا السعود، وأنه سَلك ورآه في طريق الصعود. وضَعُف في آخر عمره، وذاق من العجز والكبر وبالَ أمرِه، فكان يُحمَلُ لحضور الجماعة، ويجد لذلك ألَماً أودعه صُحُفَه وما أضاعه.
ولم يزل على حاله إلى أن استوفى أجلَه، وظن أن الموت جاء على عَجَلة.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول صفر سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ودفن بالقرافة في زاوية الشيخ أبي السعود. وقال جماعة: إنهم ما رأوا مِثلَ جنازته، وكان قد قارب المئة.
حرف الباء


اللقبُ والنسبُ
باشقَرْد بباء موحّدة، وبعد الألف شين معجمة وقاف مفتوحة وراءٌ ساكنة ودال مهملة: الأمير ناصر الدين بن عبد الله الناصري.
سُجِن بالديار المصرية عقيب كسرة حمص، وبقي في الاعتقال إلى أن أُفرج عنه، وحضر إلى دمشق فبقي بها نحواً من عشرة أيام.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد ثالث عشر صفر سنة اثنتين وسبع مئة.
قرأ عليه الشيخ علم الدين البْرزَالي مجلس البطاقة بسماعه من عبد الله بن علاّق، عن البوصيري.


وكان من أكابر الأمراء وأفاضل النبلاء، عقله غزير، وفَضْله مُثْلُ أدبه كبير، له حُرمَة زائده، ووجاهة لم تكن عن القبول حائلة ولا حائده، وله نظم يَرُوق، وقريض يعلو إلى الأثير إن لم يصل إلى العَيُّوق.
أخبرني شيخنا نجم الدين الصفدي عمن أخبره عنه أنه قال: بقيت عشرين سنة لا أتلفظ باللغة التركية حرصاً مني على إتقان العربية.
البابي محمد بن عمر البابري سيف الدين أبو بكر البابصيري عبد العزيز بن أبي القاسم ابن باتكين مُحيي الدين أحمد بن نصر الله.
البانياسي الكاتب تقي الدين أبو بكر بن محمد.
الباردي صدر الدين سليمان بن عبد الحليم.
الباجريقي جمال الدين عبد الرحيم بن عبد المولى، وولده الشيخ محمد.
البارنباري تاج الدين محمد بن محمد، وجمال الدين عبد المحسن بن حسن.
البارشاه الحنفيّ ركن الدين عبيد الله. ابن البارزي فخر الدين عثمان بن محمد. والبارزي محمد بن عبد الرحيم، وقاضي القُضاة شرف الدين هبة الله بن عبد لرحيم، وقاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم.
الباجي الشيخ علاء الدين الأصولي علي بن محمد.
البالي علي بن محمد. البالسي محمد بن عثيل، ومحمد بن علي.
الباذراي محمد بن محمد بن حيدرة.
بُتْخاص بضم الباء الموحّدة، وسكون التاء ثالثة الحروف، وبعدها خاء معجمة وألف وصاد مهملة: الأمير سيف الدين.
كان بدمشق من جملة أمرائها، ثم حضر إلى صفد نائباً بعد الأمير سيف الدين كراي المنصور، وأقام بها ست سنين، وعزل وتوجّه إلى مصر، وهو من جُملة الأمراء البُرجية.
ولما كان بصفد أظهر المهابة، ومزّق من المؤذي إهابه، وتنوّع في إتلاف النفوس، وفَصْل الأجساد عن الرؤوس، ومهّد جبلَ عامِلَه، وروّى سيفه منهم وعامِله، أمسك سابق شَيْحَيْن وأذاقه الحَيْن في الحِيْن، وسمّر أولاده تحت القلعة على الخشب، وأراهم أباهم وقد طار من المنجنيق في الهواء وانقلب، ووسَّط جماعةً كثيرة وشَنَق، وخنق آخرين من غيظه والحَنَق، وسمّر جماعة إلى الجِمال وطاف بهم البلد، وأنزل بهم أنواعاً من النكال والنكد، قد تقمّص القساوة والتجبُّر، وزاد في التعاظم والتكبّر.
ولم يزل بمصر مقيماً من جملة الأمراء إلى أن حضر الملك الناصر من الكرك فعَزم على إمساكه، وكان في القلعة ساكناً في برجٍ من أبراجها، فلما أحسّ بذلك عَصى في داره، وأغلق الأبواب، ورمى الناس بالنشّاب من أعلى داره من شبّاك، وكان ذلك بعد مغيب الشمس، فرسم السلطان بإحراق داره، وأن يُرمى فيها قوارير النفط.
أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين أمير حسن بن جندر قال: جئت إليه ووقفتُ تحت الشباك وناديته: يا بُتْخَاص، أنا فلان، والك، أيش هذا الذي تعمل؟ تعال بلا فُشار، وانزل كلّم أستاذك، فإنه يطلبك ليتحدّث معك في أمرٍ يريده، ترمي بالنشاب! تعال انزل، ونفرتُ في مماليكه، ونفرت في الذين جاؤوا إليه من عند السلطان. قال: فانفعل لِما قلته، ونزل، فأخذناه وأتينا به السلطان، فأمر باعتقاله، وكان ذلك آخر العهد به، وذلك سنة عشر أو سنة إحدى عشرة وسبع مئة - فيما أظن - فباد وما أغنى عنه تجبُّره، ولا دافع عنه تكبُّره.
وجاءت الأخبار أنه توفي في حَبْس الكرك وهو وأسندَمر نائب طرابلس في القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ولم يَبْلغنا عن أحد من غيره من المراء الذين أمسكهم السلطان الملك الناصر من بعد الكرك وإلى أن مات أنه مانَعَ عن نفسه أو دافع.
بُتْخاص الأمير سيف الدين العادلي مملوك السلطان الملك العادل كتبغا، قتله حسام الدين لاجين، وقتل خوشداشه الأمير بدر الدين بكتوت الأزرق في يوم الاثنين ثامن عُشري المحرّم سنة ست وتسعين وست مئة، على ما سيأتي في ترجمة بكتوت.
البجدي: محمد بن أحمد.
ابن بحيح الحنبلي: زين الدين عمر بن سعد الله.
ابن البخاري: محمد بن علي، وشمس الدين محمود بن أبي بكر الحنفي.
ابن التخاص: ناصر الدين محمد بن عمر.
بدر الأمير بدر الدين أبو المحاسن الطَّواشي الحبشي الصوابي، وهو منسوب إلى الطواشي صواب العادلي.

كان إقطاعه مئة فارس، حج بالناس غير مرة، وأقام أميراً مقدّماً أكثر من عشرين سنة، وقرأ عليه الشيخ شمس الدين الذهبي جزءاً سمعه من ابن عبد الدايم، وكان بالشجاعة موصوفاً، وبالفروسية معروفاً، قد مارس الحروب، وعرف الفَرَّ والكَرَّ على الكروب، يطرق ويتعقل، ويدور على مَظانّ الصواب بفكره ويتنقّل، مع التثبت والرزانة، وملازمة الخير والديانة، ومواصلة البِرّ، وإسداء المعروف في الجَهْر والسر، يَعِمّ غلمانه وأصحابه بنواله، ويغنيهم بجوده عن سؤاله.
ولم يزل على حاله إلى أن انمحق بدره وانطبق عليه قبره.
وكانت وفاته فجأة بقرية الخيارة ظاهر دمشق، ونقل ودفن بتربته التي بناها بلحف الجبل شمالي الناصرية، وذلك سنة ثمان وتسعين وست مئة في جمادى الأولى، وقد نيّف على الثمانين.
اللقب والنسَبُ
البَدري نائب صفد وحمص وغيرهما، الأمير سيف الدين بلبان، وأولاده: الأمير سيف الدين محمد الحاجب، والأمير علاء الدين عليّ.
البدري نائب حلب، الأمير سيف الدين بيدَمُر. بُرَاق الشيخ الفقيه كبير الطائفة المنسوبين إليه. وَرَدَ إلى دمشق سنة خمس وسبع مئة، وقيل: سنة ست في جمادى الأولى في زمن الأفْرَم، ومعه جماعة كبيرة من أتباعه بعُدّة وافرة، كانوا مئة، وكان من جملة مريدي شيخٍ كان في بلاد الروم، ولما ورَد خرج القاضي قطب الدين ناظر الجيش إلى القابون وعَرضهم واستمساهم وحَلاّهم وعَدّهم، وجُهّزت بذلك ورَقة طيّ المطالعة إلى أبواب السلطان، وكان شعاره حَلْق الذقن كلها، وتَرْكُ الشارب فقط، وحَمْل الجوكان على الكتف، ولكل منعم قَرناً لُبّادٍ يُشبهان قَرنَي الجاموس، وهو مقلَّد بحبل كعاب بقر قد صبغت بالحنّاء، وعليهم الأجراس، وكلّ منهم مكسور التثنيّة العليا، إلا أنه كان يلازم العبادة والصلاة، وكان معه محتسبٌ يؤدّب أصحابه، كل من ترك منهم سُنةً من السنن ضربه عشرين عَصا تحت رجليه، ومعه طبلخاناه، وقيل له: يا شيخ لأي شيء ظهرت بهذا الشعار؟ قال: أردت أن أكون مسخَرةً للفقراء.
وأول ما ظهر بتلك البلاد ذُكر للقان غازان، فأحضره وسلّط عليه سَبُعاً ضارياً، فركب على ظهره، ولم ينل منه شيئاً، فأعظَمَ ذلك غازان، ونَثَر عليه عشرة آلاف دينار رائج، فلم يتعرض لشيء منها.
ولما أراد الدخول على الأفرم إلى الميدان أرسلوا عليه نعامة كان قد عَظُمَ أمرُها وتفاقم شرُّها، فلا يكاد أحدٌ يقاومها، فلمّا عرضوه لها قصدته، فتوجه إليها وركب عليها فطارت به في الميدان تقدير خمسين ذراعاً، إلى أن قرُبَ من الأفرم، فقال له: أطير لها إلى فوق شيء آخر؟ فقال: لا. ثم إن الأفرم أحسن تلقّيه وأكرمَ نُزُله، وطلب التوجُه إلى القدس، فرتّب له رواتب في الطرقات، فما قبلها، وأعطاه الأفرم من خزانته ألفي درهم، فما قبضها، وأخذها جماعته، وزار القدس، وأظنّه طلب الدخول إلى مصر فما مُكِّن، وعاد ودخل البلاد وتوجّه صحبة قطليجا نائب غازان إلى جبال كيلان لمّا حاربهم غازان بسبب ما طلبه منهم من فتح الطريق إلى بلاده وقالوا له: لا سبيل إليه لأنه يضرّنا، فأمسكوه وقالوا: أنت تقول إنك مسلمٌ وشيخ من الفقراء، وتحضر مع هؤلاء أعداء الدين، وسَلَقوه في دَسْت، وألقوه بعد ذلك في طَسْت، وذلك في سنة سبع وسبعُ مئة.
وكانوا أشكالاً غريبة، ولهم أحوال عجيبة. تفِرّ العقولُ إذا أقبلوا، وتتعجب منهم إذا نقَّروا وطبّلوا. تتحرك عليهم تلك الكعاب، ويهول مرآهُمُ العجوز والكَعَاب، قرونٌ من اللبّاد معقّفَه، وشوارب فوق شفاههم موقّفه، وعلى أكتافهم تلك الجواكين، وهيأتهم كما يقال: ما تنقطع بالسكاكين، إذا خطروا صوّتت تلك الأجراس وجعلوا ربوع العقول في عداد الأدراس، قصَّهمُ الناس في الخيال ورقّصوهم، وبخسوهم ما قصدوا به ونقصوهم، واشتغل الناس بهم زماناً بعد ذهابهم، ونظموا فيهم أشعاراً لم تكن داخلة في حسابهم.
أنشدني من لفظه الشيخ يحيى الخبّاز الحموي قال: أنشدني من لفظه لنفسه سراج الدين المحّار:
جَتْنَا عجم من جُوّا الروم ... صُوَر تحير فيها الأفكار
لهم قرون مثل الثيران ... إبليس يصيح منهم زنهار
كل واحد لُو شارب ... طويل ودقنو محلوقهْ

كِنُّو على فمه غرّه ... بلا خياطة ملزوقهْ
أقوام خوارج غيريّه ... مثل البهائم مَرْزوقهْ
شيء ما نظرناه في الدنيا ... ولا سمعناه في الأخبار
ما أنزل الله بو من سلطان ... ولا رضي عنُّو المختار
الشيخ براقَ الّي اغواهم ... واختار لهم هذا الحُلاّس
أكسى المريد منهم قرنين ... وأعطاه قلاده من أجراس
وأمّا الكعاب المصبوغة ... قال هي سُبَح هذي الأجناس
وأيا مكان حَلّوا فيه ... يسبّحوا تسبيح الغار
وإن زَفَروا تَسْمع أصوات ... مقارع أهل النار في النار
أعزّ من تبصر فيهم ... قبض الدكاكين في الأسواق
خَذْ من صغرهم عوّدهم ... لحس الزبادي والأمراق
ما يعرفوا آداب الناس ... ولا إيش يكون حُسن الأخلاق
ومحتسبهم قال لي إنسان ... كان يربّيه واحد خمّار
تعِبْ عليه حتى انُّوجا ... مثلو محارف قُودِ بشْلار
جازوا القرم وراموا فيها ... غارة في سوق الجزارينْ
على اللوايا المعلوفه ... وأكثرها مع ذا السلاّخينْ
وراح يجردهم ماعُو ... دائم في سوق الطباخين
ويطلب البنجك منهم ... المخبوز الخاص والخُشكار
وهو يدور بين البلدان ... دائم ويعمل ذا البيكار
يا شيخ براق والله إنك ... قد جيت في الدنيا بدعهْ
وما رأيناك في جامع ... صَلّيت سوا إن كان جمعهْ
وكان مرادك أن تُشهر ... لك في بلاد الشام سُمْعَهْ
وجئت إليهم في حاله ... ظهر عليك فيها إنكار
وما رأينا من قبلك ... فقير بسبعين جوكندار
يا من لا يتحقّق شكلو ... أقِف تقل لك كيف وصفُو
إنسان قرونو فوق راسو ... وجوكانو من فوق كتفُو
وسيف خشب مغمود ماعو ... والطبلخانه من خلفو
يُصَنّجُو بالصّينيّة ... والطبل مُكَّه والمزمار
شيء تضحك الناس من فعلو ... وقط ما يُرضي الحُضّار
يا شيخ براق إن كان تعمل ... شغل الفقيري من حَقّا
تقوّ من زاد التقوى ... واركب طريق أهل الخرقا
ولا تغرّك ذي الدنيا ... والآخرة خير لك وأبقى
ونْ كان في عزمك تبقى ... حليق وما تخشى من عار
الواجب إنك تتبّع ... طريق حميد المَحّار
إِنت الغريب جيت في فنك ... وَنَا الوحيد جيت في فني
نظمت أحسن ما يُنقَل ... عنك وما يُرْوى عني
قطعة ما يسمعها إنسان ... إلا ويطلبها منّي
تبقى على مرّ الأزمان ... تدور على روس الأدوار
وكنيتي ما احلا ماجت ... مخفيّة بين هذي الأسطار
قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان من قرية من قرى دوقات، وكان أبوه صاحب إمرة وولاية، وكان عمّه كاتباً مجيداً معروفاً، وسافر هو - يعني بُرَاق - وخدم الشيخ شريق القرمي وتتلمذ له، وهو الذي سمّاه بهذا الاسم فإنه أكل من قَيْئه فقال له: أنت برقي، وهي بالقبجاقية: " كَلْبٌ " . قال: وممّا يثنى به عليه أنه هو وجماعته يلازمون الصلاة، ومَنْ فاتته صلاة في وقتها ضُرب أربعين سوطاً، ولهم ذكر بين العِشائَيْن، وكَرَمُهُ زائد.
بُراق الأمير سيف الدين أمير آخور الإسطبل بدمشق المحروسة.
أصله من مماليك الأفْرَم - فيما أظن - وولي هذه الوظيفة بعد شهاب الدين الصوابي لمّا مات في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وأقام فيها إلى أن مرض بعلة الاستسقاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثامن عشري شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين.
وكان جيّداً خيّراً يتغالى في محبّة الشيخ تقي الدين بن تيميّة وأصحابه، ويحفظ كثيراً من الأحاديث. وكان كثيرَ الشفقة على خيل البريد إلى الغاية، لا يسمح بخروج الفرس من عنده إلاّ بَعْد شدة شديدة ومدة مديدة. ولمّا وَرَد السلطان الملك الصالح صّالح إلى دمشق في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة رسم له بعشرة، وكان من جملة أمراء العشرات بدمشق، وهو الذي وقف المحيّا في جامع الأمير سيف الدين تنكز بدمشق، ووقف عليه حوانيت بحمص.
البِرزالي: الشيخ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف، وبهاء الدين محمد بن يوسف بن محمد.
بَرَسْبُغا الأمير سيف الدين الحاجب الناصري.
ولاّه أستاذه الملك الناصر الحجوبيّة، فكان دون الأمير بدر الدين أمير مسعود، بن الخطير، ثم إنه بعد قليل عظم عند السلطان، وكان يجهّزه كاشفاً. ثم إنه لمّا أُمسك النشّو ناظر الخاص وأقاربُه وجماعته سلّمهم إليه، فعاقبهم وصادَرَهم، ولم يكن له غرض في إتلافهم، ولكن أمسكه يوماً الأمير سيف الدين بُشْتاك وتوعّده على عدم إتلافهم، فهلكوا عنده في العُقوبة. ثم إنه حضر مع الأمير بُشتاك إلى دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، وسُلّم إليه أهلُ البلد المصادرون وجماعة تنكز، فعاقبهم واستخرج الأموال منهم، وكان مقيماً بالنجيبيّة على الميدان، وكان يعاقب الناس في النهار والليل، ولم يكن في نفسه ظالماً ولا شريراً، لأنني أنا كتبتُ عنه إلى الأمير سيف الدين قوصون عدة مطالعات وهو يقول فيها: يا خوند أدركْ أهل دمشق، وادخُل فيهم الجنة، فإنني بَسَطتُ عليهم العقاب، وأخذت جميع ما يملكونه، ولم يبق معهم شيء، وهؤلاء ما هم مثل أهل مصر بل هم أناس محتشمون ما يحملون إهانة، ويكتب إلى السلطان أيضاً ببعض ذلك.
ولمّا حضر أولاً من مصر حضر معه مقدّم يَضرب بالمقارع، فلما رآه بعد يومين وهو نَحس في حق المصادرين نفاه، وقال: متى بِتَّ في دمشق قتلتك.
ولم يَزَل يتلطَّف إلى أن رُسم بالعَود إلى مصر، وكان قد أقام بعد بشتاك مُدَيْدة، فتوجّه، ولم يزل على ذلك والسلطان يسلّم إليه المصادَرين. وهو الذي ضرب الصاحب أمين الدين إلى أن مات.
ومات السلطان وتولّى ولده الملك المنصور أبو بكر، فانتحس عنده وعند قوصون، وأريد إخراجه إلى الشام، ثم إنه تدارك أمرَه عند قوصون فرضي عليه. ولما ملك الأشرف كجك بعد المنصور وجاء الفخري إلى دمشق أُخرج بَرَسْبُغا في جماعة من العسكر المصري إلى غزة فَوَصل إليها، وأقام بغزة مدة إلى أن وصل إليه الأمير علاء الدين ألطنبغا مهزوماً، فتوجه معه، فلمّا قاربوا مصر أُمسك الأمير سيف الدين قوصون وجُهّز إليهم من أمسكهم، فهرب بَرسْبُغا إلى جهة الصعيد فجُهز وراءه من أمسكه، وأحضره ولمّا وصل إلى القاهرة جُهّز إلى الإسكندرية واعتُقل بها، وبقي هناك إلى أن حضر الناصر أحمد من الكرك، وجاء الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري، والأمير سيف الدين طشتمر حمّص آخضر، فجُهز الأمير شهاب الدين أحمد بن صبح إلى الإسكندرية، فتولى قَتْلَ ألطنبغا وقوصون وبُرُسبغا، وذلك في شوال سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان بَرسبغا - كما تقدم - ليّنَ الجانب سليم الباطن، يُرى وهو للظلم مجانب، تغلبه الرقة والرحمة، وتستولي عليه الشفقة على من تنزل به النقمة، إلاّ أنه كان يلجأ إلى التظاهر بالشر،. والوثوب على أهل الأموال بالكر دون الفَرّ، وما أفاده خَيْر الباطن شيئاً مع شر الظاهر، ولا أعاده الدخول في الظلم لا إلى نجاسة الهلاك دون ما للنجاة من الطاهر. وقابل شخص المنيّة واعتنق، وخانه الزمان فأودعه السجن إلى أن اختنق.
بُرْناق الأمير سيف الدين المحمدي.
كان قد ورد إلى دمشق، ولمّا أُمسك الأمير سيف الدين جَرَكتمر المارداني في دمشق عند قدومه من الحجاز في سنة اثنتين وستين وسبع مئة جَهّز الأمير سيف الدين بُرناق معه إلى مصر، ولما عاد من ذلك رُسم له بنيابة قلعة دمشق، فلبس تشريفه بدار السعادة وتوجه إلى القلعة، وذلك في يوم الاثنين سادس عشري صفر سنة اثنتين وستين وسبع مئة، فأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في عشية الأربعاء حادي عشر شعبان سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
الألقاب والأنساب

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:28 AM ]


ابن برق: والي دمشق شهاب الدين أحمد بن أبي بكر، والده أبو بكر بن أحمد.

ابن البُرْطاسي: شرف الدين عيسى بن عمر.
البرلّسي: برهان الدين إبراهيم بن أحمد ناظر بيت المال.
ابن البرهان: الطبيب محمد بن إبراهيم.
البَرَواني: الأمير علم الدين سنجر، وابنه بهاء الدين محمد بن القاسم.
البزاغي: التاجر الشاعر أحمد بن خليل.
بُزْلار بضم الميم الموحّدة وبعدها زاي ساكنة ولام وألف وراء: الأمير سيف الدين أمير سلاح الناصري أحد أمراء المئات ومُقَدّمي الألوف بالقاهرة.
كان قد وَرَدَ إلى دمشق في البريد نهار الجمعة عاشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة ليُحلِّف الأمير سيف الدين أيْتِمش نائب دمشق والعساكر بها للسلطان الملك الصالح صالح ابن السلطان الملك الناصر محمد، ونول بالقصر الأبلق، وحلّف الناس، واحتفلوا بأمره، وقدّموا له أشياء مليحة، كل أحدٍ من المراء والمتعممين، وعاد ومعه شيء كثير من الخيل والقِماش وغير ذلك.
ولم يزل بمصر على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وورد خبره إلى دمشق في أوائل ذي القعدة سنة ستّ وخمسين وسبع مئة.
وهو الذي ساعد الأمير سيف الدين طاز على إمساك بيبغاروس في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة لمّا كانوا في طريق الحجاز، وكان يُحدّث نَفْسَه بنيابة دمشق، فسبقه الأجل وأخذه على عَجَل.
بَزُوجبي بالباء الموحدة والزاي المفتوحة والواو الساكنة والجيم والياء: الأمير سيف الدين أحد أمراء العشرات بدمشق.
كان قد تقدّم في أيام قوصون وأعطاه طبلخاناه، فلمّا زالت دولة قوصون أُخرج إلى دمشق بطّالاً، ورُتّب له على سوق الغنم، في كل عشرون درهماً، وأقام إلى أن حَضَر الملك الصالح صالح إلى دمشق فأعطي عشرة، فأقام عليها إلى أن توفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة ست وخمسين وسبع مئة بدمشق، وتوفي ابنه بعده بجمعة واحدة.
بَشْتَاك بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وتاء ثالثة الحروف وبعدها ألف وكاف: الأمير سيف الدين الناصري.
قرّبه السلطان وأدناه وأعلى محلّه، وكان يسمّيه بعد موت بكتمر الساقي بالأمير في غيبته، وكان زائد التيه والصلف، لا يُكلّم أستاذ داره وكاتبه إلا بترجمان. وكانَ يَعرف بالعربي ولا يتكلّم به، وكان إقطاعه سبع عشرة طبلخاناه، اكبر من إقطاع قوصون، وما يعلم قوصون بذلك.
ولما مات الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ورثه في جميع أحواله، في داره وإصطبله الذي على بركة الفيل، وفي امرأته أم أمير أحمد، واشترى جاريته خُوبي بستة آلاف دينار، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، واخذ ابن بكتمر عنده. وكانت الشرقية تُحمى له بعد بكتمر الساقي.
وزاد أمرُه وعظُمَ وثقل على السلطان، وأراد الفتك به فما تمكّن، توجّه إلى الحجاز، وأنفق في الأمراء وأهل الركب والفقراء والمجاورين بمكة والمدينة شيئاً كثيراً إلى الغابة، وأعطى من الألف دينار إلى الدينار على مراتب الناس وطبقاتهم. ولمّا عاد من الحجاز لم يَدْرِ به السلطان إلا وقد حضر إليه في نفر قليل من مماليكه، وقال: إنْ أردت إمساكي فها أنا قد جئت إليك برقبتي. فكَابَره السلطان وطيّب خاطرَهُ، ورُمي بأوابد ودواهي من أولاد الزنا، وكان السبب في تقدّمه أن قال السلطان يوماً لمجد الدين السلامي: يا مجد الدين، أريد أن تُحضر من البلاد مملوكاً يشبه بوسعيد - يعني ملك التتار - . فقال: هذا مملوكك بشتاك يشبهه، وكان ذلك سبباً لتقدمه.
وجرّده السلطان لإمساك الأمير سيف الدين تَنْكز، فحضر إلى دمشق بعد إمساكه هو وعشرة أمراء، ونزلوا القصر الأبلق، وفي خدمته الأمير سيف الدين أرقطاي وبَرسْبُغا وطاجار الدوادار وغيره. وحال نَزوله حلّف الأمراء كلهم للسلطان ولذريته، واستخرج ودائع تنكز وعرض حواصله ومماليكه وجواريه وخيله وكل ما يتعلق به، ووسّط طَغاي وجُنْغاي ملوكَيْ تنكز في سوق الخيل، ووسّط أوران أيضاً بحضوره يوم المواكب، وأقام بدمشق خمسة عشر يوماً أو حولها، وعاد إلى مصر، وبقي في نفسه من دمشق وما يجسر يفاتح في ذلك السلطان، فلمّا مرض السلطان وأشرف على الموت ألبس الأمير سيف الدين قوصون مماليكه، فدخل بشتاك وعرّف السلطان ذلك، فقال له: افعل أنت مثله، ثم إنه جمع بينهما وتصالحا قُدّامه، ونصّ السلطان على أنّ المُلك بعده لولده المنصور أبي بكر، فلم يوافق بشتاك، وقال: ما أريد إلاّ سيدي أحمد.

ولمّا مات السلطان وسُجّي، قام قوصون إلى الشُّبّاك، وطلب بشتاك، وقال: يا أمير تعالَ، أنا ما يجيء مني سلطان، لأني كنتُ أبيعُ الطسما والبُرغالي والكشاتوين. وأنت اشتريت مني، وأهل بلاد يعرفون ذلك مني، وأنتَ ما يجيء منك سُلطان لأنك كنت تبيع البوزا وأنا اشتريت منك، وأهل البلاد يعرفون ذلك منّا، ولا يكون سلطاناً من بيع الطسما والبُرغالي ولا مَن عُرف ببيع البوزا، وهذا أستاذنا هو الذي أوصى لمن هو أخبرُ به من أولاده، وهذا هو في ذمته وما يسعنا إلاّ امتثال أمره حيّاً وميتاً، وأنا فما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره، ولو أردت تعمل كل يوم سلطاناً ما خالفتك. فقال بشتاك: كل هذا صحيح والأمر أمرك. وأحضر المصحف وحلفا عليه بعضاً لبعض، وتعانقا وتباوسا، ثم قاما إلى رِجلَيّ السلطان فقبلاهما ووضعا أبا بكر ابن السلطان على الكرسي، وباسا له الأرض، وحلفا له وسمّياه المنصور.
ثم إن بشتاك طلب من السلطان الملك المنصور نيابة دمشق، فرسم له بذلك وكتب تقليده، وبرّز إلى ظاهر القاهرة، وبقي هناك يومين ثلاثة، ثم إنه طلع إلى السلطان ليودّعه، فوثب عليه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري، وأمسك سيفه، وتكاثروا عليه فأمسكوه وجهّزوه إلى الإسكندرية واعتقلوه بها، ثم إنه قُتل في الحبس في أول سلطنة الأشرف كُجُك في شهر ربيع الآخر تقريباً سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى شاباً أبيض اللون ظريفاً، مديد القامة نحيفاً، خفيف اللحية كأنها عِذار، أوليقة عنبر دار بها البركار، على حركاته رشاقة، وفي سكناته لباقة، حَسَنَ العمّة يتعمّم الناسُ أنموذجها، وكأنهم يتناولون منها حلوى فالوذجها، إلا أنه - رحمه الله كان غيرَ عفيف الفرج، زائد الهرج والمرج، لم يعفّ عن مليحة ولا قبيحة، ولم يدعْ أحداً يفوته ولو كانت بفرد عينٍ صحيحة، يمسك حتى نساء الفلاّحين، ومن هي من زوجات الملاّحين، واشتهر بذلك ورُمي فيه بأوابد، وأثار الناس عليه من ذلك لبؤاتٍ لوابد.
وكان زائد البذخ، منهمكاً على ما يقتضيه عنفوان الشبيبة والشرخ، كثير الصلف والتيه، لا يُظهر الرحمة ولا الرأفة في تأتّيه.
ولمّا توجه بأولاد السلطان ليفرجهم في دمياط رأيته في كل يوم يذبح لسَماطه خمسين رأس غنم، وفرساً لا بد منه، خارجاً عن الإوز والدجاج. وأخبرني سيف الدين طغاي مملوك الأمير شرف الدين حسين بن جندر، وكان أمير مجلس عنده قال: لنا راتبٌ في كل يوم من الفحم برسم المشوي مبلغ عشرين درهماً خارجاً عن الطوارئ، وأطلق له السلطان في كل بقجة قماش من اللفافة إلى الخف إلى القميص واللباس والملوطة والبغلَطاق والقباء، والقباء الفوقاني بوجه إسكندري على سنجاب طري بطرز زركش رقيق وكلوتة وشاش، ولم يزل يأخذها إلى أن مات السلطان، وأطلق له في يوم واحد ثمن قرية " يبنى " بساحل الرملة مبلغ ألف درهم، وهو أول أمير أمسك بعد وفاة الملك الناصر، وما أغنى المسكين عنه مالُه، وأوبقته في السجن أعماله. وقلتُ أنا فيه:
قالَ الزمانُ وما سمِعنا قولَه ... والناسُ فيه رهائنُ الأشراك
من ينصر المنصور من كيدي وقد ... صاد الردى بشتاك لي بشباكِ


اللقبُ والنسب
البَطَرني المقرئ أحمد بن موسى. البَصْروي الأمير نجم الدين الوزير محمد بن عثمان، وأخوه فخر الدين المحتسب سليمان بن عثمان.
ابن البصّال محمد بن محمود. ابن البُصَيص موسى بن علي. ابن بُصاقة جمال الدين الحَيسوب عبد الكافي بن عثمان.
ابن بُصحان محمد بن أحمد. ابن البعلبكي فخر الدين عبد الرحمن بن محمد. ابن البُشْطَاري: عثمان بن محمد، ومحمد بن عثمان.
بُغَا الدوادار الناصري.

كان مع الأمير سيف الدين أُلْجاي دواداراً صغيراً، ولما مات أُلْجاي ظنّ بُغا أن السلطان ما يَعدِل عنه، لأنّ بُغا كان أقدم من ألجاي وأكبر في بيت السلطان، فولّى السلطان الدُّوادريّة صلاح الدين يوسُف بن أسعد الآتي ذكره إنْ شاء الله تعالى في حرف الياء مكانه، فيَئس بعد ذلك بُغا من هذه الوظيفة. ولما عَزَل السلطان صلاح الدين المذكور من الدواداريّة وأخرجه إلى صفد، استقل بُغا بالدوادارية، واتفق له في دواداريته قدّم قصّة إلى السلطان على لسان ابن الدجيجاتي التاجر، وكان النشو ناظر الخاص قد رَمَى عليه شيئاً من متجر الخاص، فلمّا علم النشو بذلك عمل له عند السلطان، وساعده غيره على ذلك ممن يكرهه، وكان على ذهن السلطان منه أنه فيه لعبٌ، فعزله السلطان وأخرجه إلى صفد، فأقام بها مدة يسيرة.
وتوفي بُغا، ولم ينل من الدنيا ما بَغى، وذلك في سنة سبع مئة فيما أظن.
وكان رحمه الله تعالى يغلب عليه الخير والرأفة، وعنده من الرحمة التي لا يميل معها على ضعيف ولا يستأصل شأفه، ساكناً قليل الكلام، لا يسمع في أحد ما يؤلمه من الملام، إلا أنه كان يميل إلى الشباب، ويروقه الثنايا العِذاب. وكانت به قرحة تلازمه، وتُشَدّ لها من الألم حيازمه، فربما انقطع لأجلها عن الخدمة، ووجَدَ الطاعنُ عليه مكان الصدمة، ويظهر أن الانقطاع لضعفه المعلوم من القرحة، ويخلو بأولئك الشباب على الشراب لاقتطاف ثمرات المسرّة والفرحة، فما أثّر ذلك خيراً عليه، وذاق ثمرة ما جناه وجلبه إليه، فسُلّ من تلك الوظيفة كالشعرة من العجين، وتمكن منه من كانوا بإخراجه لَهِجِين، ولم يكن له إمرة طبلخاناه، إنما كان أمير عشرة إلى أخر وقت.
بَغداد بنت النُّوين جوبان زوج بوسعيد.
كان بوسعيد يحبها ويميل إليها ميلاً عظيماً، وكان أبوها يفهم ذلك فلا يدعها تقرب الأردو، ولكن تكون غائبة مع زوجها الشيخ حسن هُنا وهنا، فما كان إلا أن قتل بوسعيد أخاها خواجا، وهرب أبوها جوبان، ثم قُتل، ودخَل أخوها تمرتاش إلى مصر وحصل لبوسعيد الذي كان يرومه من قربها، فأخذها من زوجها، وأخذها عنده، وصارت عنده في مكانة عليا، وأثرها على مملكة الدنيا، وكان لا يصبر عنها، ولا يَرى أن الشمس تدنو منها، لِما حازته من الحسن البارع، والجمال الذي لم يقرع السمعَ بمثله قارع، تثنّى ولا غصن بانةٍ وَريق، وتبسَّم ولا قلادة جوهر في سَفَط عقيق، وترنو بعين ما نُفثَ السحرُ إلا من جفونها المكحّلة، ولا فتكت القواضب إلاّ من فَترتها المفحّلة، وجهها يشبه البدر لولا كَلَفه، ورائيها يحيا بنظرها إلا أنه يؤدّيه إلى ما فيه تَلفَه.
أخبرنا الخواجا مجد الدين السَّلاّمي قال: لم يكن في الأردو لها نظير، وإذا خطت قلتَ: هذا غُضنٌ والقلوب عليه تطير، وكان لها في الممالك القانيّة الأحكام النافذة، والمراسيم التي إذا برزت كانت على الأرواح آتية، وبالأنفاس أخذة، ولها هي من النساء وزيرة أيضاً تحكم حكم الوزير، وتتحدث فيما تشاء من الجليل والحقير، وتركب بغداد في مَوكب حفل من الخواتين، وتشدّ في وسطها السيف، ولكل نُوَين إليها رحلة الشتاء والصيف. ونفذت أحكامها وجالت، ومضت أوامرها وصالت، وهرب منها علي باشا خال بوسعيد، ولم يقرب الأردو خوفاً منها، فهو بقرابته لذلك بعيد، ولم تزل على ما هي فيه من الحكم وخَدّ الأردو بها مورِّد قانٍ، والناس تحت أوامرها وكيف لا وهي تحكم على نفس القان، لا يأخذه فيها لومة لائم، ولا يَسمع فيها عَذْلاً ولو كان من أسجاع الحمائم، إلى أن مات القان بوسعيد، وتولى القان أربكوون المقدّم ذكره، فأغصّها بريق حُسامه، وجعل فمها بالدم وَردةً بعد ما كان كالأقحوان في ابتسامه، وذلك في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وكانت كثيرة التنقيب على أخبار أخيها تمرتاش.

أخبرني من لفظه الخواجا مجد الدين السَّلاّمي، قال: لما كنت بالأردو وعزمت على الحضور إلى خدمة السلطان، دخلت عليها أخدمها وأودّعها، فقالت: يا خواجا، سلّم على السلطان وقل له أنا ابنته وجاريته، وأشتهي لا يخباني عن حاجة، فأنت تصرّفي وأمري في الأردو والممالك، فلا يكن يطلب حاجةً من غيري، قال: فضربت لها جوكاً ودعوت لها، فقالت: يا خواجا؛ أريدك تطلب أخي من السلطان حتى أراه. قال: فضربت لها جوكا، وبهتُّ حَيْرةً لا أدري ما أقوله، ثم ألهمني الله أن قلت: والله يا خوندَكار ما أنا قدر هذا الكلام، هذا ما يتحدث فيه إلاّ قان كبير مثله، فقالت: صدقت إلا يا خواجا ما يجيء أحد من عندكم وأسأله عن أخي فيقول إنه رآه، فقلت: يا خوندكار، لما خرج أخوك إلى المسلمين قال له السلطان: أي البلاد تريد حتى أعطيك، فخاف أن يطلب دمشق أو حلب أو غيرهما من هذه البلاد التي هي قريبة إلى هذه البلاد فيتهمه أنه يريد العود، فطلب منه إسكندرية، وهي خلف مصر من ذلك جانب فالذي يروح من عندكم إلى مصر ما يعبر إلى إسكندرية ولا يصل إليها، فلهذا ما يراه، فهزّت رأسها، وقالت: يكون..
اللقب والنسب


ابن البَقَقي فتح الدين أحمد بن محمد. البِقْراطُ محمد بن عبد الرحمن. بُكَا الأمير سيف الدين الناصري المعروف ببُكا الخضري كان من جملة الأمراء بالديار المصرية، وكان ممّن حضر مع بشتاك إلى دمشق بعد إمساك تنكز وعاد معه، ولم يزل بالديار المصرية على حاله إلى أن خاض السيف في أحشائه وجعله دَلْوين، إلاّ أن كلاً منهما غَنِّي عن رشائه، لأنه نُسب إلى الميل مع الناصر أحمد والخروج مع رمضان على الملك الصالح إسماعيل، فوُسّط في سوق الخيل هو وثلاثة من مماليك السلطان، وعُلّقوا على باب زُوَيله ثلاثة أيام، ولك في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
بكّار ابن الشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر بن الواني، سيف الدين البَريدي أخو الأمير علاء الدين بن الفَرّا، وسيأتي ذكر أخيه في حرف العين إن شاء الله تعالى.
توفي في رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة وعمره نحو الستين.
بكتاش الأمير بدر الدين نقيب النقباء بالديار المصريّة، أظنه تولاّها بعد الأمير صارم الدين صاروجا.
ولم يزل بدر الدين رجلاً جيداً محسناً إلى الناس.
توفي رحمه الله تعالى في آخر جمادى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
بكتاش الأمير يدر الدين المنكورسي أحد المنصورية.
كان من قدماء الأمراء، ولي نيابة بعلبك مرات، وفي آخر مرّة طلب الإقالة منها في سنة أربع وخمسين، ورسم لابنه بالتوجه في مقدمة الركب، فاحتاج أن يكون هو معه، فتوجه أمير الركب وعمل الأمرة على ما يجب من الرحمة وعلوّ الهمة.
ومتعه الله بحواسّه وعقله إلى أن توفي رحمه الله تعالى، في أوائل شعبان سنة سبع وخمسين وسبع مئة، عن مئة وسبع سنين، أخبرني بذلك ولده الأمير زين الدين عبد الرحمن.
وكان قد باشر شدّ الأوقاف بدمشق في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وعملها على القالب الجائز بجاه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وفي آخر أمَرْه اتّحد بالأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولما أمسك كان المنكورسي أيضاً في جُملة من أُمسك بسببه، وصودر، وأخذ منه مئتا ألف درهم، في غالب ظني، وكان يبالغ في اقتناء المصاحف العالية الغالية الأثمان وغيرها من الكتب، ونَزَل وهو في نيابة بعلبك أخيراً عن إقطاع الإمرة لولده.
بكتاش الأمير بدر الدين أمير سلاح الفَخْري.
كان من مماليك الأمير فخر الدين ابن الشيخ، وعاد من أكابر الأمراء الصالحية، يتردّد في الغزوات، ويجوب إليها الفلوات. وكان بالخير مشهوراً، وبالصدقات وهو أمير مأموراً، وافر الحُرمة في كل دولة، فارسَ الجوّ في كل جَوْلَه. لا يعارض مَنْ يُقدّمُهُ سعده، ولا يقارب من أخّره حظّه وبُعده. أقام أميراً دهراً طويلاً، ورأى من الإقبال حظاً جزيلاً.


ولما كان في سنة ست وسبع مئة طلب النزول عن الإمرة، ولزم داره إلى أن نزل به الأمر المحتوم، وأصبح وطينُ الأرض عليه مختوم، وذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة المذكورة. وكان رحمه الله تعالى لمّا قُتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين في سنة ثمان وتسعين وست مئة قد جُرّد إلى سيس هو وجماعة من أمراء مصر، ولمّا عادوا منها وقَربُوا من مصر أُخبر بما جرى من طُغْجي وكُرْجي في حقّ لاجين، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة لاجين في مكانه من حرف اللام. ولما عزم على الدخول إلى القاهرة طلب الأمراء الذين معه، ومَشَوا في خدمته، وركب طُغْجي لتلقيه، فلمّا رآه قال: كان لنا عادة من السلطان أنّا إذا قدمنا يتلقّانا، وما أعلمُ ما أوجب تأخيره، فقال طُغْجي: ما علم الأمير بما جرى، وأنّ السلطان قُتل؟ فقال: ومن قتله، فقال كرد الحاجب: قتله طغجي وكرجي، فأنكر عليهما، وقال: كلما قام للمسلمين سلطان تقتلونه؟ تقدّم عني لا تلتصق إليّ، وساق أمير سلاح، وتركه، فتيقّن طُغْجي أنه مقتول، فأراد الهروب، فانقضّ عليه بعض الأمراء وأمسكه بدبّوقته وضربه بالسيف، وتكاثروا عليه فقتلوه ومعه ثلاثة أخر، وركب كرجي في جماعة لنصرته فركب الجيش معه في خدمة أمير سلاح، وقتلوا كرجي والكَرموني، ودخل أمير سلاح وقعد والأمراء معه، ورتّبوا حضور السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، وإعادته إلى السلطنة، وهذه المرة الثانية من حضُوره من الكرك.
بكتَمُر الأمير سيف الدين الأبو بَكري المنصوري.
كان من كبار الأمراء مقدَّمي الألوف، وممّن هو للشجاعة حليف، وللفروسية ألوف، له الوجاهة الكاملة، والنباهة التي لم تكن في ذكرها خامله، يُعظّمه وجوه الدولة والسلطان، وَصَيتُه قد ملأ الأوطان.
لم يزل في معارج سُعوده، ومراقي عُلُوّه وصعوده، إلى أن أصابته عين الكمال فهبط، وجَرّد الخطب له سيفُه واخترط، وذاك أن السلطان الملك الناصر محمد رسم بأن يتوجّه إلى صفد هو وأولاده وجماعته وحاشته، فقال: أريد أن أعرف ذنبي ما هو. فتأذّى السلطان منه، وأمسكه وحَبَسه في القلعة، وذلك في ثالث شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ولم يزل في الاعتقال إلى أن توفي بقلعة الجبل في الاعتقال في نصف شعبان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وأُخرج ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.
بكتَمُر الأمير سيف الدين السلاح دار الظاهري المنصوري.
كان من أمراء المشاهير، وممّن تتشرف بألقابه التقاليد وتتجمّل المناشير، أحد مقَدّمي الألوف، ومن هو بالإقدام موصوف، وبالشجاعة معروف، خاف من السلطان حسام الدين لاجين، فنجا برأس طِمِرَّة ولجام، وسكر غَمّاً ولم يطفْ عليه للموت جام، وفرّ هو والأمير سيف الدين قَبْجق والأمير فارس الدين ألبكي ودخلوا إلى عند القان غازان، وجرى ما يأتي ذكره في ترجمة قبجق، وكان قد وصل من الديار المصرية إلى دمشق مجرداً في ثلاثة آلاف فارس هو مقدّمها في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وست مئة، وتوجه بالعسكر وأقام على حمص، وحضر إليه الأمير سيف الدين لاجين قبجق وبلغهم ما اعتمده الأمير سيف الدين منكوتمر نائب السلطان حسام الدين لاجين، فتحققوا أنه ما يبقي عليهم، فتوجّهوا إلى بلاد التتار في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة، وتألم الناس لذلك، ووصل الخبر إلى الشام بعد رحيلهم بقتل السلطان ومنكوتمر، وفي جمادى الأولى وصل الأمير سيف الدين بَلْغَاق وذكر أن قبجق وبكتمر وألبكي وصلوا إلى رأس العين، واحتاط عليهم جمع من التتار، وأنه قد يُئس من رجوعهم إلى بلاد الإسلام.
بكتَمُر الأمير سيف الدين الحاجب.
كان أولاً أمير آخور، ثم قَدِم دمشق وتولّى بها شد الدواوين في أيّام الأفرم، ولم يكن لأحد معه كلام في صَرف ولا في عزل. ثم وُلّي الحجوبيّة، وتوجّه إلى صفد كاشفاً على الأمير ناهض الدين عمر بن أبي الخير والي الولاة. ومُشد الدواوين بصفد، ونزل بالميدان، وكان معه القاضي معين الدين بن حشيش وحَرّر الكشف ودقّقه، حتى قال فيه القاضي زين الدين عُمَر بن حلاوات موقّع صفد:
يا قاصداً صَفَداً فًعُد عن بلدةٍ ... مِنْ جَوْر بكْتُمر الأمير خرابُ

لا شافعٌ تُغني شفاعته ولا ... جانٍ له ممّا جناه متابُ

حَشْرٌ ومِيْزان ونَشْرُ صحائفٍ ... وجرائدٌ معروضةٌ وحسابُ
وبها زبانية تحثّ على الوَرى ... وسلاسلٌ ومقامعٌ وعقاب
ما فاتهم من كل ما وعدوا به ... في الحشر إلا راحمٌ وهّابُ
قلتُ: وهذه أبيات لسبط التعاويذي معرفة في ديوانه وأولها:
يا قاصداً بغداد جز عن بلدةٍ ... للجور فيها زخرةٌ وعباب
وهي سبعة عشر بيتاً قالها في الوزير ابن البلدي، فأتى ابن حلاوات بالبيت الأول وليس للفاء في فعد محل.
وكان الأمير سيف الدين خبيراً بالأمور، بصيراً بحوادث الدهور، طويل الروح في الأحكام لا يمل من تطويلها، ولا يهابُ ما يأتي به الخصوم في تهويلها، لو قعد في الحكم الواحد بين اليهودي والأمير ثلاثة أيام، لم يلحقه سأمّ ولا يصدّه احتشام، مع معرفة تامة، وخبرة بالسياسة عامة، لم ير مثله في حقّ أصحابه، ولا أذكر منه لهم في حالتي بعده واقترابه، يفكر في مصالحهم وهم غُيب، ويتفقدهم أبداً، ومن جفاه عتب عليه وعيب، نفع بجاهه جماعةً كثيره، ووفّر عليهم أموالاً أثيره، إلا أنه كان مبخلاً، ساقط الهمة في ذلك وإن كان مبجلاً، له متاجر وأملاك، وسعادة لا تدور على مثلها الأفلاك، وله أموال كالبحر العجاج، أو التراب الذي تثير الريح منه العجاج، ومع ذلك فله قدور تكرى للحمص والفول، وغير ذلك من العدد والآلات التي يعتري الشمس منها أفول.
ولم يزل على حالهِ إلى أن ملأ التراب عينه، واقتضى الأجل منه دينه، وذلك في سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ولما قدم السلطان من الكرك إلى دمشق ولاه الحجوبية ودخل مصر وهو حاجبٌ، ثم أخرجه نائباً إلى غزة، فأقام بها قليلاً في سنة عشر وسبع مئة، ثم إنه طلبه إلى القاهرة وولاّه الوزارة بالديار المصرية عوضاً عن الصّاحب فخر الدين بن الخليلي في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة، ثم إنه قبض عليه في سنة خمس عشرة وسبع مئة مستهل شهر ربيع الأول لما قبض على أيدغدي شقير، وبقي في الاعتقال مدة سنة ونصف، وأخذ لهُ من ماله شيئاً كثيراً، ثم إنه أفرج عنه وجهزه نائباً إلى صفد في سنة ست عشرة وسبع مئة وأنعم عليه بمئة ألف درهم، فأقام بها عشرة أشهر، ثم طلبه إلى مصر وكان من جملة أمراء المشور، وإذا تكلم السلطان في المشور لا يرثد عليه غيره لما عنده من المعرفة والخبرة.
أخبرني الأمير شرف الدين حُسين قال: إذا جلسنا للمشور ما فينا أحد يعترض على السلطان ويرد عليه ويقول: جيد، أو ما هو جيدّ إلا بكتمر الحاجب. قلتُ له: فأنتم ما تقولون؟ قال: مهما قاله قلنا: هذا هو الرأي المبارك.
وكان قد تزوج ابنة الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وعمرَ له بمصر داراً ظاهر باب النصر على القاهرة، وعمّر هناك مدرسة إلى جانبها، وفي آخر أمره سُرق له مال كثير من خزانته ادّعى في الظاهر أنه مبلغ مئتي ألف درهم، وكان في الباطن على ما قيل سبعُ مئة ألف أو أكثر، فما جسر يتفوّه خوفاً من السلطان، وكان الأمير سيف الدين قدودار والي القاهرة، فرسم السلطان له بتتبع هذه العملة، فيقال إن بكتمر الساقي والوزير مغلطاي الجمالي والقاضي فخر الدين ناظر الجيش عاملوا في الباطن عليه، فشرعوا يُحجفون عن المتهمين، فإذا قال السلطان للوالي: أيش عملت في عملة الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب؟ يقول القاضي فخر الدين: يا خوند لعن الله ساعة هذه العملة، كل يوم يموت الناس تحت المقارع، وإلى متى يُقتل المتهم الذي لا ذنب لهُ، ثم إنه في آخر الحال وقف الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب في دار العدل وشكا وتضور، فأحضر السلطان الوالي وسبهُ، وأظهر غضباً عظيماً، فقال: يا خوند، اللصوص الذين أمسكتهم وعاقبتهم أقرّوا أن سيف الدين بخشي خزنداره اتفق معهم على أخذ المال وجماعة من ألزمه الذين في بابه، فقال السلطان للجمالي الوزير: أحضر هؤلاء المذكورين، عاقبهم. فأحضرهم وعاقبهم وعصر هذا بخشي: وكان عزيزاًعنده قد زوجه ابنته وهو واثق بعقله ودينه وأمانته فقال بخشي: يا خوند أنا والله الذي تحت يدي لأستاذي ما يدري ما هو فما أخلي غيري يأخذ معي ما أردت أن أسرقه.
ولما بلغ الأمير سيف الدين بكتمر عصر بخشي وجماعته علم أن ماله قد راح، فحصل له غيظٌ وغم وغبن، فمات فجأة من الظهر إلى العصر.

وكان حريصاً على اقتناء الأملاك وإنشاء العمائر في كل مدينةٍ بالقاهرة والشام بحيث إنه له في كل مدينة ديوان له مباشرون. وقلتُ أنا أشير إلى كثرة أمواله:
وصاحب أشأم من قاشر ... من شؤمه يفتقر الصاحبُ
يذهب ما قد حازَ من عينه ... لو أنه بكتمُر الحاجبُ
بكتمر الأمير سيف الدين المنصوري أمير جاندار.
وكان أولاً جوكنداراً، ويدعوه السلطان الملك الناصر يا عمي، وكان من أولاده أكبرهم يُدعى ناصر الدين محمد، لم يكن في مصر من يلعب الكرة مثله، ويدعوه السلطان: أخي، وكان لا يفارقه.
وكان بكتمر في أيّام سلاّر والجاشنكير أحد أرباب الحلّ والعقد، ثم إنهما عملا عليه وأخرجاه إلى الصُبيبة نائباً، فوصل إليها في شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبع مئة، فأقامَ بها مُدةً.
ولما توفي سُنقر شاه نائب صفد رسم له بنيابة صفد في شعبان سنة سبع وسبع مئة، فحضر إليها ومعه ثماني مئة مملوك، فإذا ركبَ فيهم كانوا قريباً من عسكر صفد، فأقام بها قريباً من سنتين، ولما خرج السلطان من الكرك لاقاه الأمير سيف الدين بكتمر إلى دمشق، وتوجه معه إلى مصر، وأقرّه في النيابة بمصر. ولم يزل في النيابة إلى أن أمسكه واعتقله، فأخذه إلى الأموات ونقله.
وكان بكتمر الجوكندار خيراً ساكناً، مائلاً إلى المسالمة راكنا، لا يرى سفك الدم، ولا يعتني بالقصاص ولا النقم، وإذا جاؤوه بقاتل ضربه ضرباً مبرحاً. وقال مصرحاً لا ملوحا: الحي خيرٌ من الميت، فليقم هذا من السجن في بيت، إلا أنه يضر به ما يقارب السبع مئة عصا، إلى أن يلوك من الألم الحصى، فكثر بذلك العبث والفساد في بلاد صفد، وزاد المتحرَّم وحشد.
وحجّ حجة وأنفق فيها أموالاً عظيمة، وأعطى الفقراء والمجاورين بالحرمين ما جلّى به لياليهم البهيمة، وحمل إلى مكتة القمح، وفرقه فيها بكفه السمح، وأنشأ بصفد مكاناً يعرف بالمغارة والصهريج، وعمره بنفسه وبمماليكه من غير ترويج، ودفن به إحدى زوجاته أم بنيه، ورتب له على الديوان ما يكفيه.
ولما كان بمصر وهو نائب نزلَ السلطان إلى المطعم، خرج من السرج ومال إليه وقال: يا عم ما بقي في قلبي من أحد من هؤلاء الأمراء أن أمسكه إلا فلان وفلان، وذكر له أميرين، فقال له: ما تطلع من المطعم إلا وتجدني قد أمسكتهما، وكان لك يوم الثلاثاء، فقال السلطان: لا يا عم ألاَ دَعْهُما إلى يوم الخميس أو يوم الجمعة نمسكهما بعد الصلاة، فقال: السمعُ والطاعة.
ثم إنه جهز له تشريفاً كاملاً ومركوباً هائلاً وإنعاماً من الذهب. فلما كان يوم الخميس قال له: غداً نمسكهما، فلما كان يوم الجمعة، قال له في الصلاة: أين هما؟ قال: حاضران، فقال بعد الصلاة تقدم بما قلتُ لك. فلّما انقضت الصلاة، قال: والله يا عم ما لي وجه أراهما وأستحيي منهما، ولكن إذا دخلتُ أنا في الدور أمسكهما أنت وتوجه بهما إلى المكان الفلاني، تجد منكلي، وقَجْليس سلمهما إليها وروح. فلما أمسكهما أنت وتوجه بهما إلى المكان الفلاني، تجد منكلي، وقجليس سلمهُما إليهما وروح. فلما أمسكهُما وتوجه بهما إلى ذلك المكان وجد الأميرين منكلي بغا وقجليس هناك. فقاما إليه وقالا له: عليك سمع وطاعة لمولانا السلطان، وأخذ سيفه، فقال يا خوش داش، ما هو هكذا الساعة كما فارقته، وقال: أمسك هذين وتوجه بهما إلى فلان وفلان فأطلقاهما وأمسكاه. وكان ذلك آخر العهد به، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة فيما أظن.
ولما كان في صفد كانت كتبُ السلطان ترد من الكرك إلى ابنه الأمير ناصر الدين مّحمد يقول له: يا أخي تقول لعمي كذا وكذا وطل روحك إلى أن يقدّر الله الخير.
بكتمُر الأمير سيف الدين الساقي الناصري.

كان أولاً من مماليك المظفر بيبرس الجاشنكير، ولّما استقر السلطان بعد مجيئه من الكرك أخذه ودخل في مماليكه، ولهذا كان غريباً في بيت مالهُ خوش داش، جميعُ الخاصكيّة مع أرغون الدوادار، ولما أمسك السلطان الأمير سيف الدين طغاي الكبير، وكان تنكز في دمشق يترامى إليه ويتعلق عليه، جهز السلطان يقول له: هذا بكتمر الساقي يكون لك بدلاً من طغاي، واكتب إليه بما تريد من حوائجك، وعظُم بكتمر وعلا محله وطار ذكرهُ، وكان السلطان لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً إلا أن كان في الدور، وهو إمّا أن يكون في بيت بكتمر أو بكتمر عنده، وزوجهُ أم أحمد ابنه وهي جارية السلطان وحظيّته، ولا يأكل السلطان إلاّ في بيت بكتمر مما تطبخه له أم أحمد في قدر فضّة وينام عندهم ويقوم، وكان الناس ما يعتقدون إلا أن أحمد ولد السلطان مما يطيل حمله وتقبيله، وقد تقدم ذكر أحمد المذكور في الأحمدين.
ولما شاع ذكر بكتمر وقُربه من السلطان، وتسامعَ الناس به قدّموا له غرائب كل شيء، وأهدوا إليه كل شيء نفيس، ومهما حُمل إلى السلطان من نوّاب الشام وغيرهم كان له مثله أو قريباً منه، والذي يجيءُ للسلطان غالبُه يصل إليه، إلى أن عظمت أمواله وظهرت أعماله.
وكان من أحسن الأشكال وأظرف الأشخاص التي تزول برؤيتها الأنكاد والأنكال، طلق المحيا بساما، حلو الكلام كأن ألفاظه الدر نظاماً، كأنما جسمه بُلاّر، وخداهُ ذوبُ عقيق أو جلّنار، أشقر بحواجب سود وعيون مثلها، وجفون قلما يرى في الناس مثلها، مستعذباً لطيفاً بمن يقصده، رؤوفاً بمن يلتجئ إليه ويرصده، لا تُرد له إشارة، ولا يعطّل السعدُ عشاره، فهو عبارة عن الدولة وسلطانها، وهو المتمتع بنيل أوطارها في أوطانها، وإذا ركب كان بين يديه ظمئتا عصا نقيبٍ، وإذا نزل إلى إصطبله فهي زورة حبيب غفل عنها الرقيب، عمر لهُ السلطانُ إصطبلاً على بِرْكةِ الفيل على الجسر الأعظم، وفيه دار قل أن رأت مثلها العيون، أو اقتضتها من الأماني ديون.
أخبرني نور الدين الفيومي، وكان شاهداً على هذه العمارة وهو صاحبي، أن نفقة هذه العمارة في كل يوم مبلغ ألف وخمس مئة درهم مع جاه العمل. لا، العجل من عند السلطان، والحجارين والفعول من المحابيس، فقلت له: فكم مقدار ذلك لو لم يكن جاه، فقال لي: على القليل في كل يوم ثلاثة آلاف درهم، وأقاموا يعمّرون فيها مدة أشهر. وخرجت أنا من القاهرة وهم يعملون في الجل ولم يصلوا إلى الرخام والمنجور وعرق اللؤلؤ والسقوف المدهونة بالازورد والذهب.
ولما توفي في طريق الحجاز عائداً في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، خلّف من الأموال والقماش والأمتعة والأصناف والزرد خاناه ما يزيد على الحد ويستحي العاقل من ذكره.
أخبرني المهذب كاتُبه قال: أخذ السلطان من خيله أربعين فرساً، قال هذه لي ما وهبته إياها، وأبعنا الباقي من الخيل، على ما نهبه الخاصكّية وأخذوه بثمن بخس بما مبلغه ألف ألف درهم ومئتا ألف وثمانون ألف درهم، خارجاً عما في الجشارات، وأنعم السلطانُ بالزرد خاناه والسلاح خاناه التي له على قوصون بعد ما أخذ منها سرجاً وسيفاً.
قال لي المهذب كاتبه: القيمةُ عن ذلك ست مئة ألف دينار، وأخذ له السلطان ثلاثة صناديق جوهراً مثمناً لا يُعلم قيمة ذلك، وأبيع له من الصيني والكتب والختم والربعات والحمايليه ونُسخ البخاري المختلفة ومن الأدوية الفولاذ والمطعمة البصم بسفط الذهب وغير ذلك، ومن الوبر والأطلس وأنواع القماش السكندري والبغدادي وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة، ودامَ البيعُ لذلك مُدة شهور، امتنع القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص من حضور بيع موجود بكتمر واستعفى، قلت له: لأي شيء فعلتَ ذلك؟ قالَ: ما أقدر أصبر على غبن ذلك لأنه المئة درهم تباع بدرهم.
ولما خرج السلطان خرج بتجمل زائد وحشمة عظيمة، كتب في سريا قوس فرأيت ما هالني وخرج ساقه للناس كلهم، وكان ثقله. وحاله نظير ما للسلطان، ولكن يزيد على ذلك بالزركش وآلات الذهب.
ووجدوا في خزانته في طريق الحجاز بعد موته خمسَ مئة تشريف منها ما هو أطلس بطرز زركش وحوايص ذهب وكلوتات زركش، وما دون ذلك من خلع أرباب السيوف وأرباب الأقلام، ووجدوا على ما قيل قُيوداً وزناجير، والله أعلم بحقيقة الباطن في ذلك.

وتنكر السلطانُ له في طريق الحجاز واستوحش كل منهما من صاحبه، فاتفق أنهم في العود مرض ولده أحمد، ومرض بكتمر والده بعده، ومات ابنه قبله بثلاثة أيام. وعمل السلطان لأحمد تابوتاً وغشاهُ بجلدِ جمل وحمله معه. ولما مات بكتمر أمرَ السلطان للأمير سيف الدين بهادُر المعزي أن يدفنهما في الطريق عند نخل، وحث السير بعد ذلك.
وكان السلطان بعد ذلك في تلك السفرة كلها لا ينام إلا في برج خشب وبكتمر عنده، وقوصون على الباب، والأمراء والمشايخ كلهم حولّ البرج ينامون بسيوفهم، فلما مات بكتمر ترك السلطان ذلك، فعلم الناسُ أن ذلك الاحتراز كان خوفاً من بكتمر، وقيل: إنه دخل إليه السلطان وهو مريض في الحجاز فقال: بيني وبينك الله، فقال: كل من عمل شيئاً يلتقيه.
ولما مات صرخت أم أحمد وبكت وأعولت إلى أن سمعها الناس تتكلم بكلام قبيح في حق السلطان من جملته: أنت تقتل مملوكك أنا ابني إيش كان؟ فقال لها: بس تفشرين، هاتي مفاتيح صناديقه أنا كل شيء أعطيته من الجوهر أعرفه واحداً واحداً، فرمت بالمفاتيح إليه فأخذها. ولما حضر السلطان أظهر الندمَ عليه والخزن والكآبة، وأعطى أخاه قُماري إمرة مئة وتقدمة ألف، وكان يقول: ما بقي يجينا مثل بكتمر، ثم إنه أمر بحمل رمّته ورمةِ ولده من طريق الحجاز ودفنهما في تربته بالقرافة.
وكان للزمان به جمال وعلى الملك به رونق.
جاء أحمد بن مهنّا بعد قدوم السلطان من الحجاز ودخل يوماً إلى قاعدة الإنشاد وقال لنا سراً: بيت السلطان الآن يعوز شيئاً، وذلك الشيء كان بكتمر الساقي.
وقيل: إن السلطان كان يسير في طريق الحجاز وراء محفّة بكتمر وهو فيها مريض قدر رمية نشّاب، فإذا وقفوا به وقف وإذا مشوا به مشى، ويُجهز إليه بُغا الدوادار لكشف خبره، فلما جاء إليه وقال: يا خوند، مات ساق في مماليكه الخواص، وقال للحاج بهادر المعزي: يا أمير قف وغسله وادفنه، خلاه وسار يحثث السير، فعند ذلك نزل الأمير سيف الدين قوصون عن هجينه بعد ما عرّج عن الطريق، يُظهر أنه بُريق الماء واستند إلى الهجين وجعل يبكي والمنديل على عينيه، فقال له المملوك الذي معه: يا خوند ليش تبكي، ما كان بكتمر عدوّك؟ فقال: والك أنا أنا ما أبكي إلى على نفسي هكذا يُفعل ببكتمر؟! ومن فينا مثل بكتمر؟! ومن بقي بعد بكتمر؟! ما بقي إلا أنا.
وكان قصر بكتمر في سريا قوس بخلاف قصور بقية الأمراء لأنه قبالة قصر السلطان بحيث إنهما يتحادثان من داخل القصر، وعمر له بالقرافة خانقاه وتربةً مليحتين، وكان في إصطبله على البركة مائة سطل نحاس لمئة سائس، كل سائس على ستة أرؤس غير ماله في الجشارات والقرايا، ومع هذه العظمة والتقدم التمكن لم يكن له حماية ولا رعاية ولا لغلمانه ذكر، ومن المغرب يغلق باب إصطبله وما لأحدٍ به حس، وكان يتلطف بالناس ويقضي حوائجهم ويسوسهم أحسن سياسة، وما يخالفه السلطان في شيء، وكان يحجر على السلطان ويمنعه من مظالم كثيرة ظهرت من السلطان بعد موت بكتمر رحمه الله تعالى.
ولما تزوج آنوك ابنُ السلطان - على ما تقدّم في ترجمته - كنت أنا بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ورأيت الشوار الذي حُمل من داره التي على بكرة الفيل إلى القلعة. وكان عدة الحًمالين ثمان مئة حّمال، المساند الزركش عشرة على أربعين حّمالاً، المدورات ستة عشر حمالاً، الكراسي اثني عشر حمالاً. كراسي لطاف أربعة حّمالين، فضّيات تسعة وعشرين حّمالاً سُلم الدكك أربعة حمالين، الدكك والتخوت الأبنوس المفضضة والموشقة مئة واثنين وستين حمالاً، النحاس الكُفت ثلاثة وأربعين حّمالاً، الصيني ثلاث وثلاثين حمالاً، الزجاج المذهب اثني عشر حّمالاً، النحاس الشامي اثنين وعشرين حّمالاً، البعلبكي المدهون اثني عشر حّمالاً، الخونجات والمخافي والزبادي النحاسي تسعة وعشرين حمالاً، صناديق الحوائج خاناه ستة حّمالين، وغير ذلك تتمة العدّ، والبغال المحمّلة الفرش واللحف والبسط والصناديق التي فيها المُصاغ تسعة وتسعين بغلاً.
وقال لي المهذب الكاتب: الزركش والمُصاغ ثمانون قنطار ذهب بالمصري.

وكان مما لبكتمر على السلطان من المرتّب في كل يوم مخفيتان يأخذ عنهما من بيت المال في كل يوم سبع مئة درهم، كل مخفية ثلاثة مئة وخمسون درهماً. وكان السلطان إذا أنعم على أحد بشيء أو ولاه وظيفة حتى يبوس الأرض ويبوس يده، يقول له: روح إلى الأمير وبوس يده.
وعلى الجملة فكان أمره غريباً، ولقد كان رحمه الله تعالى أهلاً لتلك النعم الجمةِ لأنه كان جيّد الطباع حسنّ الأخلاق ليّن الجانب سهلّ الانقياد، رحمه الله تعالى.
وكنت قد قلتُ:
بذلتُ موجودي إذ زارني ... حبي وأدنت على الباقي
فقال لي دُم هكذا قلتُ هل ... تحسبني بكتمُر الساقي
بكتمر الأمير سيف الدين الحسامي.
كان بدمشق حاجباً، ثم إنه ولي الشد، ثم ولي مكانه في الشد الأمير جمال الدين آقوش الرستمي، وأعيد سيف الدين بكتمر إلى الحجوبيّة بدمشق، وفرح بإقالته من الشد، وكان عزله من الشد في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة.
ثم إنّه توجّه لولاي الولاية بالقبليّة ورُسمَ بطلبه إلى مصر، فتوجّه في شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ولما وصل إلى القاهرة ولاّه السلطان ثغر الإسكندرية، فأقام بها إلى ورد البريد إلى دمشق وأخبرَ بوفاته في ثالث عشر شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وقال: وفاته في خامس شهر رمضان، وتولّى عوضه صلاح الدين دوادار قبجق.
بكتوت بدر الدين بن عبد الله المحمّدي.
أخبرني من لفظه العلاّمة أثير الدين قال: اشتغل علي بيسير من النحو، وأنشدني لنفسه:
بجلقٍ لي حبيبٌ ... بوصله لا يجُودُ
فقلبُه قاسيونٌ ... ودمع عيني يزيدُ
وأنشدني لنفسه أيضاً:
من لي بظبي غريرٍ ... باللحظِ يسبي الممالك
إذا تبدى بليل ... جلا سناهُ الحوالك
من حُور رضوانَ أنهى ... لكنه نجل مالك
قلتُ: شعر متوسط فارغ.
بكتوت الأمير سيف الدين شكار، نائب السلطنة بثغر الإسكندرية.
كان قد عُزل من النيابة، وبقي مدةً إلى أن توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في أواخر شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
بكتوت الأمير بدر الدين الأزرق مملوك السلطان الملك العادل كتبغا.
أمسكه حسام الدين لاجين وقتله، وقتل خواشداشه بُتخاص.
وكان الخلفُ قد وقع على اللجون في مرج بني عامر، ولّما بلغ ذلك الملكَ العادل خرج من الدهليز ولم يفطن به، وتوجه إلى جهة دمشق وساق حسام الدين لاجين للخزانة، والعساكر بين يديه، وذلك يوم الاثنين، ثامن عشري المحرم، سنة ست وتسعين وست مئة.
بكتوت الأمير بدر الدين القرماني.
كان عنده معرفة، والتفاتة إلى حُب الدنيا مسرفه، وتهور يقدم به على الخطر قبل أن يعرف مصرفه.
عالج صناعة الكيمياء حتى في الاعتقال، وكان الأولى به الفكر في الخلاص من تلك الضائقة والانتقال، وتنفس على تنكز فما نفسّ له خناقا، وضرب عليه في القلعةِ من البرجِ رواقا.
وكان قد باشر شد الدواوين بدمشق سنة إحدى عشرة وسبع مئة في شهر رمضان عوضاً عن الأمير سيف الدين طوغان، ثم إنه عُزل بفخر الدين أيّاس الشمسي، وجُهّز إلى الرحبة ثانياً في أول سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وتوجّه إلى نيابة حمص عوضاً عن الحاج أرقطاي في جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وأقام بها إلى أن حضر الأمير سيف الدين البدري عوضاً عنه في صفر سنة تسع عشرة وسبع مئة.
وحضر إلى دمشق ثم جرد إلى سيس صحبة العسكر في سنة عشرين وسبع مئة، وعاد، ولم يزل بدمشق إلى أن وقع له ما وقع مع الأمير سيف الدين تنكز، فأمرَ باعتقاله في قلعة دمشق في آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبع مئة، ولم يزل في الاعتقال إلى أن ورد المرسوم بتجهيزه إلى مصر مقيداً في حادي عشر شوال سنة سبع وعشين وسبع مئة، وفي مستهل المحرّم سنة أربع وثلاثين أفرجَ عنه وعن الأمير بهاء الدين أصلم وأخيه قرمشي.
بكتوت الأمير سيف الدين الغرزي العزيزي الناصري.
كان حاجباً بالشام مشكور السيرة، له همة مع كبر سنّه، مواظباً على المشي إلى الجامع في أوقات الصلوات وحده ويحمل نعله بيده، وسمع من النجيب عبد اللطيف الحراني هو وأولاده، وما روى شيئاً، وكان من أعيان الأمراء.

توفي رحمه الله تعالى خامس شهر بيع الأول تسع وتسعين وست مئة، دفن بسفح قاسيون.
الكنى


أبو بكر بن إسماعيل ابن عبد العزيز، الشيخ الإمام العالم الفقيه البارع المفتي مجد الدين السنكلوني: بالسين المهملة وبالنون الساكنة والكاف وبعدها لام وواو وميم، وسنكلونة قرية من أعمال بُلبيس، والناس يقولون: الزنكلوني.
تفقه على جماعة، وسمع من الأبرقوهي، ومحمد بن عبد المنعم، علي بن الصواف، ويحيى بن أحمد الصوّاف، وعدّة. لازم الحافظ سعد الدين وسمع منه في المسند، وصنف التصانيف منها: شرح التنبيه في خمس مجلدات، وشرح التعجيز في ثمانية، وشرح المنهاج ولم يطوله، واختصر الكفاية لابن الرفعة.
وخرّج له الشيخ تقي الدين بن رافع مشيخة، وحدّث بها، وأخذ عنه شمس الدين السروجي وابن القطب وأبو الخير الدهلي. ومم تفقّه عليه أقضى القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي الشافعي وغيره.
ودرس بجامع الحاكم وبالبيبرسيه، وأعاد بأماكن، وعرض عليه قضاء قوص فامتنع.
وكان قد برع في المذهب وحمل علمه المُذهب، وشارك في العربيّةِ والأصول، وجادل لا بل جالدَ بالنُصُول، مع تصون ووقار، وعبادةِ ورفض للدنيا واحتقار.
ولم يزل على حاله إلى أن هُدم من المجد ركُنه المشيد، وأصبح بعد ما كان فوق الأرض وهو تحت الصّعيد.
ووفاته في سابع شهر ربيع الأول سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده سنة بضع وسبعين وست مئة.
أبو بكر بن عبد الله ابن أحمد بن منصور بن أحمد بن شهاب، الصاحب ضياء الدين النشائي بالنون والشين المعجمة وألف ممدودة بعدها ياء النسبة.
وزر أيام الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وكان قد وليها في سنة ست وسبع مئة بعد عزل الصاحب سعد الدين محمد بن محمد بن عطايا في شهر المحرّم، وولي أيضاً تدريس قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه ومشيخة الميعاد بجامع ابن طولون.
ونظر الأحباس في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وكان بان سعيد الدولة معه مشيراً، وكان الأمر كله لابن سعيد الدول والاسم لضياء الدين. وولي نظر النظار بالقاهرة، ثم تولى نظر الخزانة قبل موته.
وكان الصاحب ضياء الدين مشكور السيرة، طاهر السريرة، فقيهاً فاضلاً، حبراً مناظراً مناضلاً، يعرف الفرائض جيداً، وغالبُ أقرانه يكون فيها عنه متحيّدا، وهو معروف بصحبة الشيخ شرف الدين الدمياطي، وله أخذ في الحديث وتعاطي.
ولم يزل على نظر الخزانة إلى أن فُك من النشائي ختمُ عمره، ومُحي من الوجود رسمُ سطره.
ووفاته رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ست عشرة وسبع مئة.
وفيه قال:
إن بكى الناسُ بالمدامع حُمراً ... فهو شيءٌ يُقال من حناءِ
فاختم الدست بالنشائي فإني ... لأرى الختم دائماً النشاءِ
أبو بكر بن محمد بن قلاوون السلطان الملك المنصور سيف الدين ابن السلطان الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور.
وصى أبوه الناصُر له بالملك بعده، وقام في صفّه قوصون، وقام بشتاك في صفّ أخيه أحمد، وجرى ما ذكرته في ترجمة بشتاك. وجلس على كرسي الملك في يوم الخميس عشري ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، ثاني يوم وفاة والده، واشتمل المنصور على طاجار الدوادار، فيُقال إنَّه حَسّن له القبض على قوصون، وقال له: ما يتم لك أمرّ وقوصون هكذا، فتحدّثوا في إمساكه وعنده جماعة من خواصّ والده، فنقلوا ذلك لقوصون، فاتفق قوصون مع أيد غمش أمير آخور وغيره من الأمراء وخَلّعوه، وأراد الركوب فخذله أيدغمش، ولو قدر الله بالركوب لنجا. ولم يمضِ لقوصون أمر، لأن الناس إذا ركبوا طلبوا السلطان وانضّموا عليه.
ثم إن قوصون أجل الملك الأشرف كجك على كرسي المُلك وحلفوا له العساكر، وكان صغيراً تقدير عمره ست سنين وما حولها، وجلس قوصون في النيابة، وجهّز المنصور إلى قوص ومعه الأمير سيف الدين بهادر بن جركتمر مثل الترسيم عليه، ومعه أخويه يوسُف ورمضان وغَرّقُوا طاجار الدوادار، وقتلوا بشتاك في السجن، واعتقلوا جماعة من الأمراء الذين حوله.


ثم إن قوصون كتب إلى عبد المؤمن متولي قوص، فقتله وحمل رأسه إلى قوصون سراً في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، وكتموا ذلك، فلّما أمسك قوصون تحققَ الناسُ ذلك، وجاء من حاقق بهادر، وطلبوا عبد المؤمن واعترف بذلك، وسمره الملك الناصر أحمد بالقاهرة، وكان لّما استقر أمرُ المنصور ألبس الأمير سيف الدين طقزتمر تشريف النيابة بمصر وهو حموه، وألبس الأمير نجم الدين محمود بن شروين تشريف الوزارة، ومشت الأحوال على أحسن ما يكون، وانتظمت الأمور، وحُلف نُواب الشام وعساكره، ولم ينتطح فيها عنزان، ولا جرى خلاف ولا سُل سيف، ولا سُفك دم، ولو ترك القطا ليلاً لنام ولكن لّما أرادوا خلعه رموه بأوابد ودواهي، وادعوا أنه يركب في الليل في المراكب على ظهر النيل، وقالوا أشياء الله أعلم بأمرها.
وكان رحمه الله تعالى شابّاً حُلو الصورةِ أسمر اللون مليح الكون، في قوامه هيف ولين، وحركةٌ داخلة تنتهي إلى تسكين، وهو أفحلُ إخوته أشجعهم، وأقربهم إلى دواء الملك وأنجعه، وكرمه زائد التخرّق في العطاء، والتوسع في كشف الغطاء، حُمل إليه مال بشتاك ومال آقبغا عبد الواحد ومال برسبغا، مّما يقارب أربعة آلاف ألف درهم، ففرقهُ على خواصّ أبيه مثل الحجازي ويلبغا وألطنبغا المارداني وطاجار الدوادار.
وكان والده رحمه الله قد زوّجه ابنة الأمير سيف الدين طقزتمر، ولّما جاء أخوه الناصر أحمد عمل الناس عزاءه ودار في الليل جواريه بالدرادك في شوارع القاهرة، وأبكين الناس ورحمه وتأسفوا على شبابه لأنه خذل وأخذ بغتة وقُتل غضاً طريّاً، ولو تُرك لكان ملكاً سَؤوساً.
كان في عزمه أن يُحيي رسوم جدّه الملك المنصور قلاوون، ويجري الأمور في سياسة الملك على قواعده ويُبطل ما أحدثه أبوه من إقطاعات العربان وإنعاماتهم.
وكانت مُدة ملكه شهرين وأياماً.
وقلت أنا في عزائه مُضمناً:
أقول وقد دارت جواري الدرادك ... لقبر ثوى بين اللوى فالدّكادك
أبتكين عجزاً كونها ما تهللت ... نواجذُ أفواه المنايا الضواحك
لقد خُذلك المنصور ظالماً ومادجا ... نهارُ وغاهُ من غبار السنابك
فصبراً على ريبِ الزمان وغدرهِ ... فما الناسُ إلاّ هالك وابن هالك
أبو بكر بن محمد ابن الرضي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسي الجَمَّاعيلي الصالحي القطّان.
الشيخ الصالح المقرئ، مسند وقته، أجاز له عيسى الخياط، وسبط السلفي، سبط الجوزي، ومجد الدين بن تيميّة، وخلق، وحضر خطيب مردا، والعماد عبد الحميد بن عبد الهادي، ثم سمع منه في سنة سبع، ومن إبراهيم بن خليل، وبعد الله بن الخشوعي، ومن ابن عبد الدايم والرضية بن البُرهان صحيح مسلم، سوى فوت مجهول يسير. وحضر أيضاً محمد بن عبد الهادي، وتفرد بأجزاء وعوَال، وروى الكثير.
وكان فيه غزير النوال. وكان شيخاً مباركاً، مكباً على التسميع لا تاركاً، حسن الصحبة، صادق المحبة، حميد الطريقه، يُجملُ بمحاسنة فريقه.
حدث بأماكن، أكثر عنه ابن المُحبّ، وأولاده، وأخوه، والسّروجي، والدهلي، ابنا السفاقسي، وخلق.
ولم يزل على حاله إلى أن انطبقت عليه الغبرا، وحُجبت عنه الخضرا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
أجاز لي بخطه في دمشق سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن يوسف ابن أبي بكر بن محمود بن عثمان بن عبدة، الإمام المدرس بقية المشايخ، زين الدين المزي الدمشقي الشافعي، يُعرف بالحريري، لأنّ أمه تزوجت بالشمس الحريري نقيب ابن خلكان، فربّاه.
تلا بالسبع على الزواوي وغيره، وسمع من الصدر البكري، وخطيب مردا، وجماعة، ودرس التنبيه وغيره، ودرس بالقليجية الصغرى وغيرها، وولى مشيخة القراءات والنحو بالعادلية مدة، وسمع ابنه وابن ابنه شرف الدين.
وسَمَع منه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة وابنه والطلَبة.
وكان ودُّه صحيحاً، وانحرافه عن أصحابه شَحيحاً، يصحب الناس، ويجانب الأدناس، بادي الخير لمن يعرفه، يَقْدر على الشر فيصرفه.
ولم يزل على حاله إلى أن نعي لمعارفه، وأنفقه الموتُ في مَصارفه.
ووفاته، رحمه الله تعالى، في نصف شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.

أبو بكر بن أحمد ابن محمد بن أحمد بن أبي بكر، الشيخ صالح العالم العامل الزاهد العابد، صفيّ الدين السّلامي.
كان رجلاً صالحاً سعيداً، سافر إلى البلاد في التجارة، وكان موصوفاً بالأمانة والديانة، ثم إنه ترك ذلك وانقطع بالقدس مدّة، ثم انتقل إلى المدينة النبوية في سنة عشر وسبع مئة واستوطنها، ويحج في كل سنة ويعود إلى المدينة، وربّما أقام بعض السنين في مكة، وحدّث بالحجاز بجزء الأنصاري بسَماعه من ابن البخاري.
وتوفي في سادس عشري ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن أيبك الأمير حسام الدين بن النجيبي.
كان آخر أمْره أمير عشرين فارساً بدمشق، كان من بقايا الناس وممن تأخر فيه رَمَق الإكرام والإيناس، يصحب أهل العلم ويودّهم ويكرمهم ولا يصدّهم، ويأنس بالفقراء والصلحاء، ويحنو على المساكين والضعفاء، وكان يعمل المولد النبوي في كل سنة ويدعو لمأدبته لجَفَلَى، ويحشر إليها الناس من أهل الحضارة والفلا، ويتنوّع في الأطعمة والمشروب والفواكه، ويحتفل بذلك فما يُرى له فيه مُشارِك ولا مشاكِه. وولي عدّة ولا يأت وباشر في عدة جهات، إلى أن سرى الفساد إلى كونه. وطُرِد الحِفاظ عن صونه.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان الأمير سيف الدين تنكر رحمه الله تعالى بحبه ويكرمه، وولاّه شدّ الأوقاف بدمشق في يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، عوضاً عن ناصر الدين بن بكتاش.
أبو بكر بن أحمد بن عبد الدايم ابن نِعمة المقدسي الصالحي، الشيخ الصالح المُعَمّر اليقظ، مسند الوقت يعرف بالمحتال.
سمع سنة ثلاثين وست مئة على الفخر الإربلي، وسمع الصحيح كلّه على ابن الزَّبيدي، وسمع من الناصح بن الحنبلي، وسالم بن صَصْرى، وجعفر الهمداني، والشيخ الضياء وجماعة، وأجاز له ابن روزبة وأقرانه من بغداد.
وحجّ ثلاث مرات، وأضرّ قبل موته بأعوام، وثقل سمعه، ولكن كان ذا همةٍ وجلادة وفهم.
وحدّث في زمان والده، وروى عنه ابن الخبّاز، وابن نفيس، والقدماء، وعاش كأبيه ثلاثاً وتسعين سنة.
انتهى إليه عُلُوّ الأسناد، وأصبحت الرواية به وارية الزناد، وراج كوالده في الإسناد، كالرمح أنبوباً على أنبوب، وكل مُحدّث إليه يقرع الظنبوب، وله أذكار وعبادة، وفيه رغبة عن الدنيا وزهَاده، وحدّث ب الصحيح غير مرة، وصار ذلك له عادةً مُستمَرّه.
ولم يزل على حاله إلى أن أتى الفناء إلى ابن عبد الدائم، واتصل بمن هو على كل نفس قائم.
ووفاته تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة خمس أو ست وعشرين وست مئة.
أبو بكر بن عمر ابن أبي بكر الشقراوي، بالشين المعجمة والقاف والراء، نسبة إلى وادي الشقراء بدمشق.
سمع من ابن عبد الدائم، وغيره.
وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن شرف. ابن مُحسِن بن معن بن عمّار، الشيخ الإمام تقي الدين الصالحي الحنبلي.
أخبرني الشيخ شمس الدين محمد بن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى، قال: هو رفيق الشيخ تقي الدين بن تيميّة في الاشتغال، وله تصانيف.
توفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر صفر سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شوال سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وسَمِع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وعبد الوهاب بن الناصح، وجمال الدين بن الصيرفي، والنجم عبد الرحمن بن الشيرازي، والشيخ شمس الدين الحنبلي، وابن البخاري وغيرهم. وله إجازات من جماعة، وسمع بالقاهرة وحلب، وكان فقيراً، وله أولاد، وكان فاضلاً، وله كلامٌ وعبارة فصيحة، ومعرفة بأنواع من الفضائل، وكان يجلس بجامع حمص ويتكلم وله قدرة على التفهيم وينفع السامعين.
أبو بكر بن أحمد بن برق السنبسي الدمشقي الأمير سيف الدين.
كان أمير عشرة، سمع من أبي اليسر ولم يُحدّث بشيء، ووقف سُبْغا بجامع الأموي، وكان من أبناء الثمانين.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة، وهو والد شهاب الدين بن أحمد بن برق متولي دمشق، وقد تقدّم ذكره.
أبو بكر بن عمر بن الجزري الشيخ الإمام الزاهد الورع تقيّ الدين المعروف بالمقصَّاتي.
كان رجلاً صالحاً، لا يزال ميزان حَسَناته راجحاً، عارفاً بالقراءات السبع، يرمي فيها عن قوس هي من النبع، واظب على إقراء القرآن بالعراق والشام أكثر من خمسين سنة، وجاهد على القراءة بها بمقلة وَسِنَه.
وكان عنده وَرَعٌ واجتهاد، وصَبرٌ على الطلبة ومتابعة الأوراد، وكان ينقل من الشواذ كثيراً، ويروي منها محاسن، وجوهها في العربية ناضرة ولم تجد لها نظيراً.
ولم يزل على حاله إلى أن قُصّ جناح المقصّاتي بجَلَم الموت، ودخل مع من دخل في نسخة الوجود بالفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة السبت حادي عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده بالجزيرة، وتجاوز الثمانين، ونشأ بالموصل وأقام ببغداد ودمشق ولازمها إلى أن مات.
وكان يعرف القراءات العشرة وغيرها، وعندها طرف من العربية، وروى القراءة والتيسير من الشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش البغدادي، ووليَ إمامة الرباط الناصري والمدرسة الظاهرية ودار الحديث الأشرفية. وناب في الإمامة والخطابة بالجامع الأموي أكثر من عشر سنين، وبه انتفع جماعة كثيرة. وتوفي بمنزله في باب البريد رحمه الله تعالى.
أبو بكر بن عبد العظيم القاضي الصدر أمين الدين بن وجيه الدين المعروف بابن الرقاقي - براءٍ وقافين بينهما ألف - المصري الكاتب.
كانت له مباشرات، وخلطة بالأكابر ومعاشرات، وعند رئاسة، ولديه في الإحسان نفاسه، باشر عدة وظائف بمصر والشام، وشكره في ذلك جميع الأنام، وتولّى بمصر نظر بيت المال ونظر البيوت ونظر الدواوين، وباشر نظر الدواوين بالشام مدة، ثم إنه انتقل إلى القاهرة.
ولم يول إلى أن خانت أمين الدين حياته، وأتاه بالرَّغْم مماتُه.
ووفاتُه رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة بالقاهرة.
وعزل من نظر الدواوين بدمشق في شهر رمضان سنة ثمان وسبع مئة. وكان قد وصل إلى دمشق على وظيفة النظر في مستهل جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة.
أبو بكر بن محمد القاضي الزاهد الوَرع العابد قطب الدين بن المكرَّم.
أحد كُتّاب الإنشاء بالديار المصرية، رافقته مُدّة بديوان الإنشاء بقلعة الجَبَل، وكان يَسْرد الصوم، ويتعبّد في الليلة واليوم، ويَكثر المجاورة بمكة والمدينة والقدس، ويخلو بنفسه في هذه الأماكن الشريفة فيجد البركة والأُنس. وكان ذا شَيْبة بيّضتها الليالي، ونوّرتها المعالي. وتَنَجَّز توقيعاً من السلطان الملك الناصر بأن يقيم حيث شاء من المساجد الثلاثة ويكون معلومه راتباً من بعده لأولاده ولأولاد أولاده أبداً، ولم أره يكتب شيئاً؛ لأنّ صاحب الديوان كان يُجلّه لتجلّيه، وجاور بمكة وأقام بها أخيراً، ثم إنه أتى إلى القدس الشريف وأقام به مُدّة إلى أن كَرّم الله لقاء ابن المكرّم، وخلّصه ممن تَجَرّأ أو تجرّم.
ووفاته بالقدس في أواخر شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، عن اثنتين وثمانين سنة وأشهر، رحمه الله وعفى عنه.
أبو بكر بن عمر بن السلاّر بتشديد اللام بعد السين المهملة، وبعد الألف راء، الفاضل ناصر الدين.
رَوَى عن ابن عبد الدائم. وكتب عنه الشيخ علم الدين البِرزالي وغيره.
وكان ذا جَلَدٍ على الجِدال، وقُدرةٍ على المناظرة والاستدلال، جيّد العبارة، بديع الكناية والاستعارة، تفنّن في الفضائل، وتوسّع في إيراد الدلائل، ونَظم شعراً كثيراً، وعلا به مَحَلاًّ أثيراً، وهو من بيت حشمة وإمارة، وللرياسة عليه دليلٌ وأَمَاره، مع عِزّة في نفسه، وإعراضٍ عمّا في أبناء جنسه، وهِمّةٍ تبلغ الثريّا، وعَزْمةٍ يتضوّع بها المجدرَيّا.
ولم يزل على حاله إلى أن استجنّه الضريح، وعَدَل الفناء إليه دون الكناية بالصريح.
ووفاته رحمه الله تعالى في شهر الله المحرّم سنة ست عشرة وسبع مئة.
أخبرني شيخنا نجم الدين بن الكمال قال: جرت بيني وبينه مباحث كثيرة في أصول الدين. وأثنى عليه شيئاً كثيراً.
ومن شعره ما كتبه إلى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم مع زنبيل أهداه وفيه تين:
يا سيِّدي وأجلَّ الناس منزلةً ... عندي وأرعاهم للعهد والذّممِ
لا تستقلّنّ شيئاً قد أتاك وقد ... علمْتَ أن الهدايا نبلغُ الهمم
وقد بعثْتَ بشيء فيه واحدةٌ ... تكفي الخلائق من عرب ومن عجم

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 10 )
زهرة الاصدقاء
مشرفة ركن الطفل
رقم العضوية : 677
تاريخ التسجيل : Jun 2009
مكان الإقامة : قطر-المعمورة
عدد المشاركات : 11,497
عدد النقاط : 195

زهرة الاصدقاء غير متواجد حالياً

افتراضي رد: مكتبة التاريخ : أعيان العصر وأعوان النصر

كُتب : [ 08-28-2011 - 06:32 AM ]


له الورى لازموا إلا القليل تُقىً ... وضيّعوا كل ذي قربى وذي رحمِ
وغيرُ بدعٍ إذا سرنا مسيرهم ... والناس أشبه بالأزمان في الشيم
ولو قدرْتُ على ما أرتضيه لكم ... سَيَّرت شمس الضحى والبدر في الظِّلم
وقد أشرت بزَنْبيلي إلى صفتي ... من كُدْيَتي لذوي الأيسار والعَدَمِ
فكتب الجواب إليه في غير الوزن، وهو تقصير:
يا خير مَنْ أمسكت أنامله الق ... رطاس للرقم فيه بالقلم
وخيرَ مَنْ خَصّه الإله وإن ... عمَّ البرايا بالعِلمِ والعلمِ
ومَنْ له منطقٌ بلاغتُه ... قد بلّغته جَوامعَ الكَلِمِ
مَنْ ذا يطيق الجواب عن أدبٍ ... منثّرٍ جوهراً ومنتظِمِ
موجّهاً أتعبت غوامضُهُ ... مقاصداً كل مِدْرَهٍ فَهِمِ
ألغزَ فيه محبّباً وكنى ... عمّا تلاه الزيتون في القسمِ
لفظٌ له معنيان مشترك ... دلّ على مفعم ومهتضمِ
حقّق فكري بالحدس مقدصه ... وليس فكري عندي بمتّهم
للغير ما قد أتى مغايرةً ... إلى فقيرٍ أشقى من العدمِ
فتينُ حوران ما مآكله ... لا أحورٌ بالجمال متِّسمِ
أنزله الله بالأثير إذا ... ما دار مثل الكثبان والأكم
مركزه والمحيط منه به ... لربّه نعمةٌ من النعم
من اصطكاك الأجرام فيه لها ... بمٌّ وزيرٌ يا طيّب النغم
وربّما عاد ربّه ولَه ... مدارع كالمداد للقلم
لكنّ ذا أصفرٌ وذاك غدا ... كالقار في حُلكةٍ وكالفحم
مضمّخاً من لطيمةٍ خلق الخَ ... لوق منها للمعَسر اللطمِ
لا زال تينُ الوتين ملتقطاً ... له وتين الأشجار من قسمي
وقد اعتصّ الزنبيل من ذل ... ك التين زبيباً تراه كالعَنَمِ
وهو كثير من يابس صفرت ... وَطاته من نوائب حُطمِ
من ابن هاني شيخ القريض ومن ... ميمون قيس وأشجع السلمي
وهم ملوك القريض قادته ... ومُنْشِؤوه من سالف القدمِ
فما عسى أن يقوله رجُلٌ ... جُمَيز بستان رأسه بَلمي
ومنه:
إن عتبا فعُذرنا قد نحققْ ... حين فارقتم الرفاق وجلق
كنتم روحَهم فصاروا جسُوماً ... مُزّقت بالغرام كل ممزّق
وكذا الروح إذ تفارق جسماً ... بعد وصل أوصاله تتفرّق
ومنه، دو بيت:
يا حُسنَ ذؤابةٍ بدت للناس ... في أسمر رمحٍ قدّه المياس
ما واصل إلا قلت إنّي مَلكٌ ... أولوه لواءً من بني العبّاس
ومنه:
وشادن زارني ليلاً فقلت له: ... في حسن وجهك ما يغني عن القمر
فخلّنا بك نخلو لا سمير لنا ... ففي حديثك ما يغني عن السمر
وأنشدني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، قال: أنشدني من لفظه لنفسه ابن السَّلاّر:
لعمرك ما مصرٌ بمصر وإنما ... هي الجنّة العُليَا لمن يتفكَّر
وأولادها الوِلدان من نسل آدم ... وروضتها الفردوس والنيل كوثرُ
ومن نظمه القصيدة الميميّة التي سمّاها القصيدة المُشِيعة لعقيدة الشِّيْعة، أولها:
سلام على أهل الهدى والتعلّم ... لطُرقْ الهدى من آخر ومقدّمِ
أبو بكر بن أحمد بن محمد ابن النجيب بن سعيد، الشيخ الأمين المقريء، شرف الدين الخلاطي الدمشقي سبط الشيخ أحمد إمام الكَلاّسة.
سمع من ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وابن أبي اليسر، وعلي بن الأوحد، ومحمد بن النشبي، والمجد محمد بن عساكر، وغيرهم.
وكان رجلاً جيداً، ولي إمامة الكلاسَة، وتركها ووليَ إمامة مشهد ابن عروة، وله إثبات وإجازات.

قال شيخنا علم الدين البرزالي: رافقته في الحج سنة عشر وسبع مئة، وقرأت عليه ببطن مَرٍّ، وبمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة. وكان ابتداء مرضه في العشر الأواخر من شهر رمضان، صلى ودعا، وحضر إلى بيته وهو لا يتكلم، ثم إنه مرض وتغيّر ذهنه، واستمر على ذلك إلى أن مات، وحرص أهله على أن يجيبهم أو يتكلم معهم فلو يسمَعُوا منه شيئاً، وكان يظهر عليه أنه يفهم كلامهم، ويبكي رحمه الله تعالى.
أبو بكر بن محمد بن إبراهيم ابن أبي بكر بن خِلطان: الشيخ القاضي نجم الدين بن القاضي بهاء الدين.
سمع المقامات من ابن أبي اليسر، وكتب عنه من شعره، وحدّث بالإجازة عن سبط السِّلفيّ.
كان فقيهاً يعرف الفرائض، ويُجيد ما في مسائلها من الغوامض، وتولّى ببعض البلاد الشامية والنواحي التي يغلبُ على أهلها العاميّة، إلا أنه كان في عقله اضطراب، بل في عقيدته الباطلة، ورُمي بأشياء ما نجا معها من السيف إلا لما لأجله من المدافعة والمماطلة. وكان يعتقد أنه يكون له دوله، وأن تسل السيوف إذا مشى حَولَه.
ولم يزل على ذلك إلى أن مات بغصّته، ولم يحصل له من الملك بعض حصّته.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة. وقد قارب الثمانين، وكان بالمدرسة الناصرية بالقاهرة.
/الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم


بقية الكنى

أبو بكر بن محمد بن سلمان

ابن حمايل: القاضي الفاضل الكاتب بهاء الدين بن القاضي شمس الدين بن غانم أحد الإخوة، تقدم ذكر أخيه شهاب الدين أحمد في الأحمد في الأحمدين، وسيأتي ذكر أخيه القاضي علاء الدين بن غانم في مكانه من حرف العين.
كان كاتباً بليغاً، لا يبيت من العي لديغا، إلا أن حظه لم يكن قويا، ولا هو في طريق المنسوب يرى سويا. وكان له ميل إلى الصور الجميله، والجفون الكحيله، والوجنات الأسيله، إذا رآها هام فيها صبابه، وذهبت نفسه إلا صبابه، على ما عنده من العفه، وثقل المسكة التي لا توازنها الشهوة بالخفه، وعليه روح في السماع، وحركات لا يخرج بها عن الضرب والإيقاع. يدور ودموعه سائله، ونفسه من الوجد زائله، فيجد الناس به أنسا، ويرون منه ما يسمعونه عن كآبة الخنسا.
كان كاتب إنشاء بطرابلس في أيام الأمير سيف الدين أسندمر، ثم إنه حضر إلى دمشق وكتب الإنشاء عند الصاحب شمس الدين بدمشق، ثم لما جرى للقاضي زين الدين عمر بن حلاوات ما جرى على - ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة عمر - جهز القاضي بهاء الدين بن غانم عوضه إلى صفد موقعاً، فأقام بها بين يدي نائبها الحاج أرقطاي تقدير تسع سنين.
ولما توفي زين الدين بن حلاوات موقع طرابلس نقل إليها القاضي بهاء الدين بن غانم، فتوجه إليها وأقام بها إلى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، فقضى بها نحبه، وفارق من ألفه وأحبه في ليلة الجمعة ثامن عشري صفر من السنة، وكان قد حفظ التنبيه، ومن مسموعاته مسند الإمام أحمد على ابن علان.
وكان في صفد قد حصل له ميل إلى مغن يدعى طقصبا، وصار يعمل به السماع في كل ليلة، وقرر ذلك كل ليلة عند واحد من أكابر الناس. وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا ترجّى مودةٌ من مغنّ ... فمعنّى الفواد من يرتجيها
أبداّ لا تنال منه وداداً ... ولك الساعة التي أنت فيها
وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه:
كدت أبلى ببليّه ... من جفونٍ بابليّه
فتكت في القلب لكن ... كانت التقوى تقيّه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من غدا مشتغلاً ... عمن به يشتغل
بيتك قلبي وهو من ... هجرك لي يشتعل
وأنشدني من لفظه لنفسه في بدر الدين بن الخشاب مشد صفد وشرف الدين بن كسيرات الناظر وكانت له عذبة:
يا ماعرا صفداً مذ حلّ منصبها ... وحلّ بالشدّ عقداً من مآثرها
دقّت بدرّة نحسٍ لا خلاق له ... أما تراها علت أكتاف ناظرها
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا سيّداً حسنت مناقب فضله ... فعلت بما فعلت على الآفاق
حاشاك تكسر قلب عبدٍ لم يزل ... توليه حسن صنائع الإشفاق


هب أنه أخطا وأذنب مرّةً ... مولاي أين مكارم الأخلاق
كتب هو إلي من طرابلس وأنا مقيم بدمشق، وقد تأخرت مكاتباتي عنه، ثلاثة أوصال ورق أبيض وفي ذيلها مكتوب، ولم يك فيها غير ذلك:
سبحان من غيرّ أخلاق من ... أحسن في حسن الوفا مذهبا
كان خليلاً فغدا بعد ذا ... لمّا انقضى ما بيننا طقصبا
أشار بذلك إلى أمر طقصبا المذكور، وكان له عم أسود زوج أمه يدعى خليلاً، وكان ينغص علينا الاجتماع بحضوره، ولما كتب هذه كان طقصبا المذكور رحمه الله تعالى قد توفي بصفد من مدة، فحسن لذلك إبراز هذين البيتين في هذه الصورة، فكتبت أنا الجواب:
يا باعث العتب إلى عبده ... وما كفاه العتب أو ندّبا
ومذكري عهداً لبسنا له ... ثوب سرور بالبها مذهبا
مرّ فلم يحل لنا بعده ... عيش ولم نلق الهوى طيّبا
ما كلّ ذي ودّ خليلٌ ولا ... كلّ مليح في الورى طقصبا
فحبّذا تلك الليالي التي ... كم يسّر اللّه بها مطلبا
ما أحدٌ في مثلها طامعٌ ... هيهات فاتت في المنى أشعبا
وينهي بعد دعاء يرفعه في كل بكرة وأصيل، وولاء حصل منه على النعيم المقيم، ولا يقول: وقع في العريض الطويل، وثناء إذا مر في الرياض النافحة صح أن نسيم السحر عليل، وحفاظ ود يتمنى كل من جالسه لو أن له مثل المملوك خليل، ورود المثال الكريم، فقابل منه اليد البيضاء بل الديمة الوطفاء، بل الكاعب الحسناء، وتلقى منه طرة صبح ليس للدجا عليها أذيال، وغرة نحج ما كدر صفاها خيبة الآمال، فلو كان كل وارد مثله لفضل المشيب على الشباب، ونزع المتصابي عن التستر بالخضاب، ورفض السواد ولو كان خالاً على الوجنه، وعد المسك إذا ذر على الكافور هجنه، وأين سواد الدجا إذا سجى من بياض النهار إذا انهار، وأين وجنات الكواعب النقية من الأصداغ المسودة بدخان العذار، وأين نور الحق من ظلمة الباطل، وأين العقد الذي كله در من العقد الذي فيه السبج فواصل، يا له من وارد تنزه عن وطء الأقلام المسوده، وعلا قدره عن السطور التي لا تزال وجوهها بالمداد مربده حتى جاء يتلألأ ضياء ويتقد، وأتى يتهادى في النور بالذي تعتقد فيه المجوسية ما تعتقد، ولكن توهم المملوك أن تكون صحف الود أمست مثله عفاء، وظن بأبيات العود السالفة أن تكون كهذه المراسلة من الرقوم خلاء:
لو أنها يوم المعاد صحيفتي ... ما سرّ قلبي كونها بيضاء
فلقد سودت حال المملوك ببياضها، وعدم من عدم الفوائد البهائية ما كان يغازله من صحيحات الجفون ومراضها، وما أحق تلك الأوصال الوافدة بلا إفاده، الجائدة بزيارتها التي خلت من الجود بالسلام وإن لم تخل زورتها من الإجاده، أن ينشدها المملوك قول البحتري. أبي عبادة:
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالوصل حتى إنني ... متخوّفٌّ أن لا يكون لقاء
يا عجباً كيف اتخذ مولانا هذا الصامت رسولاً بعد هذه الفترة، وكيف ركن إليه في إبلاغ ما في ضميره ولم يحمله من در الكلام ذره، وكيف أهدى عروس تحيته ولم يقلدها من كلامه بشذره، ما نطق هذا الوارد إلا بالعتاب مع ما ندر وندب، ولا أبدى غير ما قرر من الإهمال وقرب.
و:
على كلّ حالٍ أمّ عمرو جميلةٌ ... وإن لبست خلقانها وجديدها
وبالجملة فقد مر ذكر المملوك بالخاطر الكريم، وطاف من حنوه طائف على المودة التي أصبحت كالصريم، وإذا كان الشاعر قد قال:
ويدلّ هجركم على ... أنّي خطرت ببالكم
فكيف بمن دخل ذكره الضمير وخرج، وذكر على ما فيه من عوج، وما استخف بي من أمرني ومن ذكرني ما حقرني، والله تعالى يديم حياته التي هي الأمان والأماني، ويمتع بألفاظه الفريدة التي هي أطرب من المثالث والمثاني بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا هاجراً من لم يزل قلبه ... إليه من دون الورى قد صبا
أرسلت من بعد الجفا أسطراً ... أرقص منها السمع ما أطربا
شفت فؤاداً شفّه وجده ... من بعدما قد كاد أن يذهبا

قال لها العبد وقد أقبلت ... أهلاً وسهلاً بك يا مرحبا
أحلّها قلباً صحيح الولا ... ما كان في صحبته قلّبا
ولا نسي عهد خليل له ... قديم عهد كان مع طقصبا
وقبل مواقع تلك الأنامل التي يحق لها التقبيل، وقابل بالإقبال تلك الفضائل المخصوصة بالتفضيل، وقابلها بالثناء الذي إذا مر بالمندل الرطب جر عليه من كمائم اللطف وكمه فضل المنديل، وتأملها بطرف ما خلا من تصور محاسن صديق ولا أخل بما يجب من التلفت إلى خليل، وشاهد منه الروضة الغناء، بل الدوحة الفيحاء، بل الطلعة الغراء، فوجدها قد تسربلت من المحاسن البديعة بأحسن سربال، وتحلت من المعاني البديهة بما هو أحلى في عين المحب المهجور وقلبه من طيف الخيال. لكن مولانا غاب عن مملوكه غيبةً ما كانت في الحساب، وهجره وهو من خاطره بالمحل الذي يظنه إذا ناداه بالأشواق أجاب، واتخذ بدعة الإعراض عن القائم بفرض الولاء سنه، واشتغل عمن له عين رضىً عن نسيان ما مضى من كليلة ودمنه، فخشي المملوك من تطاول المده، وخامر قلبه تقلبات الأيام، فخاف أن تبقى أسباب المقاطعة ممتده، ووثق بما يتيقن من حسن الموافاة ويعتقد، فاقتضى حكم التذكار لطف الاقتصار، توصلا إلى تفقد التودد، ومن عادات السادات أن تفتقد بذكر أيام خلت مسرة وهناء، وليال أحلى من سواد الشباب، أولت بوصال الأحباب اليد البيضاء.
لو أنّ ليلات الوصال يعدن لي ... كانت لها روح المحبّ فداء
فيالها من مليحة أقبلت بعد إعراضها، ولطيفة رمقت بإيماء جفن مواصلتها وإيماضها، وبديعة استخرج غواص معانيها من بحار معانيها كل دره، وصنيعة أبدى نظام لآليها من غرر أياديها أجمل غره، ورفيعة جددت السرور وشرحت الصدور فعلت بما فعلت إكليل المجره، ومتطولة رغبت المقصر فيما يختصر وحببت، ومتفضلة قضت بحق تفضيلها على ما سبق وأوجبت:
مودّتها في مهجتي لا يزيلها ... بعاد ولا يبلي الزمان جديدها
والله يشكر ما خوله من فضل هذه المعالي والمعاني، ويمتع بفضائله التي تغني أغانيها عن المثالث والمثاني.
وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات غير هذه، وقد أوردت شيئاً من ذلك في كتابي ألحان السواجع.
وأخبرني يوماً أنه زار قبر طقصبا المذكور فوجد قبره قد نبت به أنواع من الزهر، وطلب مني نظم شيء في ذلك فأنشدته أنا لنفسي:
بنفسي حبيب قبره راح روضةً ... خمائلها مسروقةً من مخايله
درى أنّه لا صبر للناس بعده ... فأهدى لهم أنفاسه في شمايله
وأنشدته أيضاً لنفسي:
لا تنكروا زهراً من حول تربته ... أضحى نسيم الصّبا من نشرها عطرا
هذه محاسن ذاك الوجه غيّرها ... بطن الثرى فاستحالت فوقه زهرا
وأنشدته أيضاً لنفسي:
أفدي حبيباً غدا في الترب مضجعه ... وفي لذّ لجفني الدمع والسهر
تحكي نجوم السما أزهار تربته ... لأنّ طلعته تحت الثرى قمر
وأنشدني هو لنفسه في ذلك..
أبو بكر بن محمد بن محمود


ابن سلمان بن فهد، القاضي الكاتب الرئيس البليغ شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن القاضي شهاب الدين، كاتب السر بالشام ومصر وابن كاتب السر بالشام وابن كاتب السر بالشام، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر والده وجده في مكانيهما من حرف الميم.

كتب الخط الذي فاق، وسارت بأنباء محاسنه الرفاق، وتسرع ليتعلم لطفه النسيم الخفاق، وأبرزه مثل النجوم الزهر، فما تطلع منه كوكب إلا فاق في الآفاق، أتقن الرقاع ومزجه بالنسخ فجاء بديع المنظر، رائق المرأى قد سمج ورد الخد الأحمر لما تسيج بآس العذار الأخضر، وجود النسخ والثلث فما داناه فيهما كاتب في زمانه، وأبرزهما من القوة والصفاء في قالب يود لو نقطه الطرف بإنسانه، لو عاصره ابن البواب لكان مثل أبيه على بابه، أو ابن مقلة لعلم أنه ما يرضى به أن يكون من أضرابه، أو ابن العديم لعدم رقة حاشيته، وتطفل مع الوزارة لأن يكون من جملة حاشيته، هذا إلى نظم يترقرق زلاله، ونثر يفيء على نهر الطروس ظلاله، قد درب كتابة المطالعة ومهر، وزاد على إتقان أبيه وجده فيهما وظهر، هذا إلى شكل قل أن ترى مثله العيون، أو تقتضى من غير محاسنه ديون، وكرم نفس يخجل الغمائم، ولطف شمائل تفرد بالثناء عليها خطباء الحمائم، وحفاظ ود، ووثوق عهد وسلامة باطن، وبراءة من الخبث الذي تراه وهو في كثير من الناس مباطن.
ولي كتابة السر بدمشق بعد القاضي محيي الدين بن فضل الله، لأن القاضي علاء الدين بن الأثير لما انقطع بالفالج في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، طلب السلطان القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين والقاضي شرف الدين وولاه كتابة السر بدمشق، وأجلسه قدامه بدار العدل بقلعة الجبل، وقرأ قدامة القصص ووقع عليها في الدست، ورسم له أن يحضر دار العدل في دمشق، وأن يوقع على القصص بين يدي الأمير سيف الدين تنكز، فهو أول كاتب سر جلس في دار العدل، ولم يكن كتاب السر يجلسون قبل ذلك في الخدمة، فباشر ذلك.
وكان إذا توجه مع نائب الشام إلى مصر يحضره السلطان قدامه ويخلع عليه وينعم عليه، وكان يعجبه شكله كثيراً ويقول لألجاي الدوادار: يا ألجاي، هذا شرف الدين كأنه ولد موقعاً. ويروق له شكله وسمته، ويعجبه لباسه.
فلما توجه مع الأمير سيف الدين تنكز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ولاه السلطان كتابة سر مصر، وجهز القاضي محيي الدين وأولاده إلى دمشق، وتوجه القاضي شرف الدين مع السلطان إلى الحجاز، ووقع بينه وبين الأمير صلاح الدين الدوادار، وطال النزاع بينهما وكثرت المخاصمات، ودخل الأمير سيف الدين بكتمر الساقي رحمه الله تعالى بينهما وغيره، فما أفاد، فقلق القاضي شرف الدين وطلب العود إلى دمشق ولم يقر له قرار، فأعاده السلطان إلى دمشق، وطلب القاضي محيي الدين وأولاده إلى مصر وأقرهم على ما كانوا عليه. وكانت ولايته كتابة السر بمصر تقدير ثمانية أشهر، ولما عاد فرح به تنكز وقام له وعاتقه وقال له: مرحباً بمن نحبه ويحبنا وأقام بينه وبين حمزة التركماني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الحاء مكانه، فأوحى إلى تنكز ما أوحاه من المكر الخديعة والافتراء، فكتب تنكز إلى السلطان، فعزله بالقاضي جمال الدين عبد الله بن كمال الدين بن الأثير، وبقي في بيته بطالاً مدة، فكتب السلطان إلى تنكز يقول له: إما أن تدعه يوقع قدامك وإما أن تجهزه إلينا، وإما أن ترتب له ما يكفيه، فرتب له ثلاث مئة درهم وثلاث غرائر، ولما أمسك تنكز رسم السلطان أن يكون موقعاً في الدست بدمشق وولده شهاب الدين المقدم ذكره كاتب درج، فاستمر على ذلك إلى أن تولى الملك الصالح إسماعيل، فولاه وكالة بيت المال بالشام مضافاً إلى ما بيده، فأقام في الوكالة سنة أو قريباً منها، ثم إنه توجه إلى القدس للوقوف على قرية يشتريها الأمير سيف الدين الملك ليوقفها على جامعه بالقاهرة، فتوفي رحمه الله تعالى فجأة، لأنه دخل إلى بيت الخلا، فما خرج منه إلا إلى سرير البلى.
ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وكان رحمه الله تعالى عنده تجمل كثير زائد في أكله وملبسه ومركوبه، وكرم نفس، وفيه تصميم وبسط إذا خلا بمن يثق إليه، وكان فيه خواص، منها أنه يحلق رأسه بالموسى بيده، ويلف شاشة على طاقية من غير قبع فرد مرة ويصلحها بيده، وهي على رأسه ولا ينظر إليها وهي من أحسن ما يكون، وكان شديد القوى ذا همة وبطش.
أنشدني من لفظه لنفسه:
واللّه قد حرت في حالي وفي عملي ... وضاق عمّا أرجّي منكم أملي

أبيت والشوق يذكي في الفؤاد لظى ... نارٍ تؤجج في الأحشاء ذي شعل
ويصبح القلب لا يلهو بغيركم ... وأنتم عنه في لهوٍ وفي شغل
اللّه في مهجةٍ قد حثّها أجلٌ ... إن لم يكن صدّكم عنّي إلى أجل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
على خدّه الورديّ خالٌ منمّقٌ ... عليه به للحسن معنىً ورونق
وفي ثغره الدرّ النظيم منضّدٌ ... يجول به ماء الحياة المروّق
وما كنت أدري قبل حبّه ما الهوى ... إلى أن تبدّى منه خصرٌ ممنطق
عليه من الحسن البديع دلائلٌ ... تعلّم ساليه الغرام فيعشق
وأنشدني من لفظه لنفسه:
رأت مقلتي من وجهه منظراً أسنى ... يفوق على البدر المنير به حسنا
غزالٌ من الأتراك أصل بلّيتي ... معاطفه النشوى وألحاظه الوسنى
رنا نحونا عجباً وماس تدلّلاً ... فما أرخص الجرحى وما أكثر الطعنا
له مبسم كالدر والشّهد ريقه ... وليس به لكنّه قارب المعنى
وأنشدني يوماً من لفظه لنفسه ملغزاً في ليل:
أيّما اسمٍ يغشى الأنام جميعا ... وإذا فكّرت لي ثلثاه
أن تزل في هجائه منه حرفاً ... لك منه مصحّفاً طرفاه
فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في فيل:
أيّما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربعٍ تعالى الإله
حيوانٌ والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه
فكيف تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكساً يكون لي ثلثاه
وأنشدني يوماً لنفسه:
بعثت رسولاً للحبيب لعلّه ... يبرهن عن وجدي له ويترجم
فلمّا رآه حار من فرط حسنه ... وما عاد إلاّ وهو فيه متيّم
فأنشدته أنا لنفسي:
بي غزالٌ لمّا أطعت هواه ... أخذ القلب والتصبّر غصبا
ما أفاق العذول من سكرة العذ ... ل عليه حتى غدا فيه صبّا
وكتب هو إلي وأنا بالقاهرة يطلب مني الحضور إلى دمشق ليجهزني إلى الرحبة موقعاً:
يا فاضلاً فخر الورى بخلاله ... وعلا على أفق العلا بجلاله
فقلوبنا من شوقها جمراتها ... لم يطفها بالدمع فيض سجاله
فاجعل لنا من تبر فضلك فضلةً ... يغنى بها المضرور عند سؤاله
فكتبت أنا الجواب إليه:
شرّف دمشق أن ارتضيت بزورةٍ ... واشف الجوى من كلّ قلب واله
فلقد ملأت ديار مصر فضائلاً ... كم فاض منها النيل عند نواله
إن الكريم هو الجواد على الذي ... قد راح يسأل ما له في ماله
قم في الدّجى حتى الصباح وواله ... بدعا يقوه ببعض حقّ نواله
وأمل بما تمليه أعطاف الورى ... واحمد أبا بكرٍ على أفضاله
واسجع فإنّك ما برحت مطوّقاً ... إمّا بضافي جاهه أو ماله
مولىً غفلت ونمت عن ليل المنى ... فأبى وصيّرها شواغل باله
واستاقها غرّاً إليك وأنت لم ... تحتج إلى تحريكه بسؤاله
والبرّ أفضل ما أتى عفواً ولم ... تقبض يد الراجي حبال نواله
هذا هو الفضل الذي فضح الحيا ... وسما بجدواه على هطّاله
تلهو بنو الآمال عن مطلوبها ... علماً بأن لهم كريم خلاله
كرمٌ يفيض على العفاة سحابه ... ويسحّ وابله على استرساله
للّه سعيك في المعالي إنّه ... جعل الثريّا في عداد نعاله
وغدا يجرّ على المجرّة ساحباً ... يوم الفخار الفضل من أذياله
وسعى فأدرك غايةً من أمّها ... قامت ذراريها مقام ذباله
ما عاق نائله عن العافي مدى ... وعدٍ ولا شان العطا بمطاله
يا آل محمودٍ ليهنىء مجدكم ... شرفٌ أناف على الورى بجلاله

أقسمت ما لشبا السيوف إذا مضت ... في يوم معركةٍ جلاد جداله
كلاّ ولم ير قطّ بحراً مدّ من ... أمواهه ما بثّ من أمواله
خطٌّ أظنّ الروض جوّد عندما ... شقّت كمام الزهر تحت مثاله
وتلفّظٌ إن قلت سحرٌ لم يسع ... ني أن يكون حرام ذا كحلاله
وخلائق كالروّض أهدى نشره ... مرّ النسيم على ذوائب ضاله
وسياسةٌ طاش العدوّ لها وقد ... سكن الوليّ وقرّ من زلزاله
فاللّه يحرس للزمان بقاءه ... ويمتّع الدنيا بفضل كماله
وكتب هو إلي ونحن على الأهرام صحبة الركاب الشريف ملغزاً في القرط:
ما اسم ثلاثيّ ترى ... حلّته مفوّفه
اعمد إلى تركيبه ... فيه وصحف أحرفه
تجد جنىً يبطىء في ال ... عود به من قطفه
واعكسه إن تركته ... من بعد أن تحرّفه
تجد به ذا طرق ... بين الورى مختلفه
أبنه يا من فضله ... يعز من قد وصفه
فكتبت أنا إليه الجواب عن ذلك:
يا سيّداً قد زانه ... ربّ العلا وشرّفه
وقدّر الصّواب في ... أقلامه المحرّفه
وأوضح الفضل لمن ... يطلبه وعرّفه
أبدعت لغزاً حسناً ... صفاته مستطرفة
مثلّث الحروف كم ... ربّع ربّ معرفه
خضرته يانعة ... بهيئةٍ مشرّفه
كم زان أرضاً أقفرت ... ووجنةً مزخرفه
فالثلث منه سورة ... آياتها مشرّفه
بل جبلٌ أحاط بال ... أرض وذاك مغرفه
وانظر لثلثيه تجد ... كليهما في طرفه
بقيت ما جرّ النسي ... م في الرياض مطرفه
في ظلّ سعدٍ يرتقي ... من النعيم غرفه
وكتب هو إليّ أيضاً ملغزاً في حلفا:
يا ماجداً نجهد في وصفه ... وفضله من بعد ذا أوفى
ما اسمٌ إذا ما رمت إيضاحه ... عزّ وعن فكرك لا يخفى
وهو رباعيّ وفي لفظه ... تراه حقاً ناقصاً حرفا
صحّفه واحذف ربعه تلفه ... مدينةً كم قد حوت لطفا
وهذه البلدة تصحيفها ... خلقٌ يفوت الحدّ والوصفا
وإن تصحّف بعضها فهي ما ... زالت ترى في أذنٍ شنفا
وذلك الاسم على حاله ... حرّفه يرجع للصّبي جلفا
لم ير ذا حرب وكم شبّ من ... نارٍ لغير الرّوع ما تطفا
وإن تشأ صحّفه وانظر تجد ... خلقا سويا قطّ ما أغفى
أبنه يا من فكره لم يزل ... يرفع عن بكر النهى سجفا
لا زلت تبدي للورى كلّ ما ... يستوقف الأسماع والطّرفا
فكتبت أنا إليه الجواب عن ذلك:
يا سيّداً ألسن أقلامه ... كم صرفت عن عبده صرفا
ومحسنا ما زال طيب الثنا ... عيه حتى زيّن الصّحفا
ألغزت شيئاً لم يلن مسّه ... فراح إن صحّفته جلفا
ومفردٍ إن ألفٌ عوّضت ... أولاه يرجع بعد ذا ألفا
ونصفه حلّ وإن تحذف ال ... أوّل من أحرفه لفّا
وليس بالبدر على أنّه ... بالليل كم قد نزل الطّرفا
أمامنا في برّ مصر وإن ... صحّفت يصبح بعد ذا خلفا
إن زاحم الشاعر يذكر به ... كشاجماً في الحال والرّفّا
لا زلت ترقى في العلا صاعداً ... ما نظم الشاعر أوقفّا
في ظلّ عيش قد صفا ورده ... وراح بالإقبال قد حفّا
وكتب هو إلي ملغزاً في الهواء:
أيا ماجداً ما دهى فضله ... ونجم مكارمه ما هوى
أبن أيّما اسم خفى منظراً ... وخفّ ويلفى شديد القوى
ولا وزن فيه وفي وزنه ... إذا أنت حقّقت عمداً سوى

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
أيا من تقصّر أمداحنا ... وأوصافنا فيه عمّا حوى
كأنك ألغزت لي في الذي ... غدا وله النشر فيما انطوى
إذا مرّ في الروض خرّت له ... غصون الأراك وبان اللوى
يمدّ ويقصر في لفظه ... فللجوّ هذا وذا للجوى
وكتبت أنا إليه وهو بدمشق، وكنت يومئذ بصفد وقد جهز إلي نقدة ذهب:
يا نسمةً لأحاديث الحمى نقلت ... أملت قضب اللّوى من بعدما اعتدلت
خطرت ما بينها فاعتادها طربٌ ... فرنّحت عطفها بالسكر وانفتلت
فإن تكن فهمت معنى ظفرت به ... فعذرها واضح في كلّ ما فعلت
قد كان للمسك أنفاسٌ تضوع شذاً ... فمذ أتيت بأخبار الحمى خملت
باللّه كيف أحبّائي الذين نأت ... بي المنازل عن أقمارهم وخلت
قد كنت أبديت أعذاراً لقلبي فال ... بقاء من بعدهم باللّه هل قبلت
وهل عفا اللّه عنهم حال عهدهم ... فمهجتي ما انثنت عنهم ولا انتقلت
آهاً من البعد آهاً إنّ لي كبداً ... تضرّمت بلغى الأشواق واشتعلت
وأدمعاً إن جرى ذكر الوصال جرت ... شؤونها فتخال السّحب قد هطلت
ومهجةً سئلت لو كان ينفعها ... بأيّ ذنب على التحقيق قد قتلت
وعزمةً عاقها حظّ به ابتليت ... لولاه كانت على المطلوب قد حصلت
أشكو الليالي ومالي في الورى حكمٌ ... يكفّ عنّي عواديها التي اتّصلت
يا دهر هل نهضت منك الجبال بما ... نهضت فيك من البلوى أو احتملت
يا دهر إن عادت الأيام تجمعنا ... غفرت ما علمت مني وما جهلت
وإن ظفرت بلثم الترب بين يدي ... من أرتجي زالت البأساء وارتحلت
ذاك الذي إن علت زهر الكواكب في ... محلّها تلقها عن تربه نزلت
ذاك الذي لا أرى إلاّ سجيّته ... على الهدى والتقى والبر قد جبلت
ذاك الذي خلقت للجود راحته ... ففاقت الغيث إذا يهمى وما احتفلت
أقول إذ عمّني بالتّبر نائله ... هذا إلى السّحب إن جادت وإن بخلت
مكارمٌ فهمت ما أشتكي فهمت ... وهمّة فعلت ما لم يطق فعلت
كم نلت خمس مىءٍ من بعد خمس مىءٍ ... كذا أعدّدّها يوماً وما انفصلت
ماذا ترى في أيادٍ ما أقابلها ... بالشكر إلا أراها وهي قد فضلت
لولا علا شرف الدين التي بهرت ... كانت شموس الندى والفضل قد أفلت
أقلامه الحمر من صون الممالك لو ... تكون سطوتها للبيض ما نكلت
تهتزّ في كفّه من فوق مهرقها ... لأنّها من معاني لفظه ثملت
وكان فيما مضى للسحر ترجمة ... حتى تكلّم أضحت وهي قد بطلت
عبارة هي أندى من نسيم صبا ... مرّت على زاهرات الروض وانصقلت
وأسطر إن أقل مثل العقود فما ... أرى العقود إلى تلك العلا وصلت
واوحشتا لمحيّاه الذي نقصت ... لحسنه طلعة الأقمار إذ كملت
فلست أحسد إلا من تكون له ... عين بمرآه دوني في الورى كحلت
هل الليالي تريني نور طلعته ... فربما غلطت وربما عدلت
يا آل محمود لا ثلّت عروشكم ... ولا ذوت زهرة منكم ولا ذبلت
ولا تزل منكم الأعناق حاليةً ... فإنها إن خلت من فضلكم عطلت
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا فاضلاً منه أقمار العلا كملت ... وعنه آثار أرباب النهى اتّصلت
ومن محاسنه للناس قد بهرت ... ومن مكارمه كلّ الورى شملت
للّه درّ قوافٍ قد بعثت بها ... طالت وعنها نجوم الأفق قد نزلت

لقد أطاعتك أنواع البلاغة في ... ما قد أشرت من الترتيب وامتثلت
وما أظنك إلاّ قد بعثت لنا ... خميلةً عندها زهر الدجى خملت
فاللّه يشكر إحساناً حبوت به ... فمن أياديك أنواء الحيا خجلت
ما إن وعت أذنٌ معنى بلاغتها ... إلاّ وأمست بها الأعطاف قد ثملت
فالزهر قد أطلعت والدرّ قد نظمت ... والزهر قد فتّحت والسحر عنك تلت
شوقي إيك صلاح الدين ما علمت ... بشرحه ألسن الأقلام بل جهلت
وهل يحسّ جمادٌ بالذي فعلت ... بي النوى وعليه أضلعي اشتملت
وما أظنّ النوى أمست تزيد على ... هذا وقد فعلت فينا الذي فعلت
كأنّني بك قد أقبلت منتصراً ... يوماً على فئة بالحق قد خذلت
وقد تراجع فيك الدهر وانقطعت ... عصابة الجور عمّا فيك وانخزلت
فاصبر فما الصبر إلاّ شيمة كرمت ... وما التجلّد إلا رتبة نبلت
واللّه يبقيك في خيرٍ وفي دعةٍ ... ما حركّ الغصن أعطافاً قد انفتلت
وكتبت إليه:
وفى لها الحسن طوعاً بالذي اقترحت ... فلو رأتها بدور التمّ لافتضحت
كأنما البدر في ليل الذوائب قد ... تقلّدت بالنجوم الزهر واتّشحت
صحّت على سقمٍ أجفانها وكذا ... أعطافها وهي سكرى بالشباب صحت
تفري حشاي وتغنيها لواحظها ... ما ضرّ تلك الصفاح البيض لو صفحت
مهاة حسنٍ أداريها إذا نفرت ... عنّي وأعطفها بالعتب إن جمحت
قد حار في وصف أغزالي العذول بها ... وقال كيف حلت في غادة ملحت
بذلت في وصلها روحي فقد خسرت ... تجارة الحب في روحي وما ربحت
زارت لتمنحني من وصلها منناً ... أهلاً بها وبما منّت وما منحت
أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في ... روضٍ على مثل عطفيها ولا صدحت
وكلّما اعتدلت بالميل قامتها ... رأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت
وما اكتسى خدّها من لؤلؤٍ عرقاً ... لكنّها وردةٌ بالطلّ قد رشحت
ولي أمانيّ نفسٍ طالما كذبت ... فيها ولو جنحت نحو الوفا نجحت
وربّ ليلٍ خفيف الغيم أنجمه ... أزاهرٌ قد طغت في لجةٍ طفحت
يتلو الهلال الثريّا في مطالعها ... كأنّه شفة للكاس قد فتحت
وللنسيم رسالاتٌ مردّدة ... وجمرة البرق في فحم الدجى قدحت
والزهر قد أوقدت منه مجامره ... فكلما لفحت ريح الصبا نفحت
تحكي نداك الشذا الفياح طيب ثناً ... على علا شرف الدين التي مدحت
سهل الخلائق لا واللّه ما اغتبقت ... بمثلها عصبةٌ سكرى ولا اصطحبت
مسدّد الرأي لم تقصر إصابته ... عن الهدى إن دنت قصواه أو نزحت
رقى إلى غايةٍ ما نالها أحدٌ ... ولا سمت نحوها عينٌ ولا طمحت
بهمّة لجميع الناس عاليةٍ ... ونيّةٍ لمليك العصر قد نصحت
يدبّر الملك من مصر إلى حلب ... بعزم كاف به الأيام قد فرحت
يستعمل الحزم في كل الأمور فكم ... قد جدّ لمّا رأى بيض الظّبا مزحت
خصّته عاطفة السلطان فهو بها ... يأسو جوانح دهر طالما جرحت
حتى لقد نسخت أيات سؤدده ... آيات من قد مضى من قبله ومحت
يهذي عداه وليس البدر ينكر مع ... محلّه في كلاب الأرض إن نبحت
أضحت على الجود تبني راحتاه وما ... زالت كذاك وما انفكت وما برحت
كانت معاني الهدى والجود قد خفيت ... عنّا وعن مجده الوضّاح قد شرحت
وكان للجود أخبار فمذ رويت ... أنباؤه نسيت هاتيك واطّرحت

لولا الولوع بأن نلقى له شبها ... لما رنت مقلة للشمس إذ وضحت
دعني من الوزراء الذاهين فما ... رأت لواحظهم هذا ولا لمحت
هذا الذي إن تكن آراؤهم فسدت ... فإنها منه بالتأييد قد صلحت
لا زال يرقى ويلقى السّعد مقتبلاً ... ما انهلّت السحب بالأنواء وانسفحت
وما تألق برقٌ ليس يشبهه ... إلاّ دماء أعاديه التي ذبحت
فكتب هو الجواب إلي:
حمائم الأيك في الأفنان قد صدحت ... أم نسمة الزهر في الإصباح قد نفحت
أم روضةٌ دبّجتها كفّ ذي أدبٍ ... غضٍّ لغير صلاح الدين ما صلحت
يا فاضلاً فاق في الآفاق كلّ سنا ... بنور طلعته الغرّاء مذ لمحت
أوحشتنا شهد اللّه العظيم فكم ... جوارحٌ بسيوف السّقم قد جرحت
فلا رعى اللّه أياماً حوادثها ... على تفرّقنا قدماً قد اصطلحت
أهلاً بغادتك الحسناء إنّ لها ... محاسناً في بدور التم قد قدحت
أقسمت ما ظفرت يوماً بمشبهها ... قريحةٌ من أخي نظم ولا فرحت
خريدةٌ ولّدتها فكرةٌ قذفت ... بالدر من لجّةٍ بالفضل قد طفحت
فلا برحت ترينا كلّ آونةٍ ... قصيدةً لو رأتها الشمس لافتضحت
وبيني وبينه مراجعات ومكاتبات غير هذه، وقد ذكرت ذلك في كتابي ألحان السواجع.
أبو بكر المدّعي
في يوم الجمعة سلخ جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة ظهر بقرية حطين - وهي من عمل صفد، بها قبر ينسب لشعيب عليه السلام - شخص ادعى أنه السلطان أبو بكر المنصور بن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومعه جماعة تقدير عشرة أنفار فلاحين، فبلغ ذلك الأمي علاء الدين ألطنبغا برناق نائب صفد، فجهز إليه دواداره شهاب الدين أحمد وناصر الدين بن البتخاصي فأحضراه، فجمع له النائب المذكور الناس والحاكم، فادعى أنه كان في قوص وأن مؤمن لم يقتله، وأن أطلقه فركب البحر ووصل إلى قطيا، وبقي مختفياً في بلاد غزة إلى الآن، وأن له دادةً مقيمة في غزة عندها النمجا والقبة والطير. فقال النائب: وأنا كنت في تلك الأيام جاشنكيراً أولاً، وكنت أمد السماط بكرةً وعشياً وما أعرفك ؟! فأقام مصراً على حاله، وانفسدت له عقول من جماعة وما شكوا في ذلك، فطالع النائب بأمره السلطان، فعاد الجواب بتجهيزه محترزاً عليه في عشرة نفر إلى غزة، فخشبه نائب صفد وجهزه، وحضر من تسلمه إلى مصر، ثم حضر بعد ذلك كتاب السلطان يتضمن أن المذكور ظهر كذبه ووجد مقتولاً بالمقارع، وأنه سمر وقطع لسانه، وكان في هذه الحالة إذا شرب الماء يقول وهو على الخشب: أشرب ششني، وإذا رأى أميراً يقول: هذا مملوكي ومملوك أبي، ويقول: لي أسوة بأخي الناصر أحمد وأخي الكامل وأخي المظفر الكل قتلتموهم.
وظهر أخيراً أنه أبو بكر بن الرماح، وأنه كان يعمل وكيلاً في بلاد صفد، وأن شحنة بعض القرى قتله يوماً فآلمه الضرب فادعى ما ادعى.
قلت: هذا الذي اتفق جرى مثله في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وتسع وثلاثين وسبع مئة، وتسع وثلاثين وما بعدها، وهو ظهور الذي ادعى أنه دمرتاش بن جوبان، وجاء إلى أولاد دمرتاش ونسائه وأهله ووافقوه على ذلك، والتف عليه جماعة، وصارت له شوكة، وخيف على الشام ومصر منه إلى أن كفى الله أمره وقتل.
وكان ظهوره بعد موت دمرتاش بتسع سنين أو ما حولها، والتبس الحال في أمره حتى على السلطان الملك الناصر حتى إنه نبش قبره وأخرجت عظامه من مكانها برا باب القرافة بقلعة الجبل.

وكان المذكور قد خنق وقطع رأسه وجهز إلى القان بوسعيد، وكان يدعي أنه حصل الاتفاق في أمره وهرب من الاعتقال من سجن القلعة، ووصل إلى البحر وركب فيه مركباً وتغيب إلى أن ظهر، وأن الذي قتل كان غيره. وليس لذلك صحة أصلاً، بل الذي قتل وقطع رأسه بحضور أمناء السلطان ومماليكه الأمناء الخواص الذين لا يتجاسرون مع مهابة أستاذهم على وقوع شيء من ذلك، وهذا أمر اتفق وقوعه إلى حين تعليق هذه الأوراق، وهو شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وسبع مئة مرتين، الأولى هذه والثانية واقعة أبي بكر بن الرماح المذكور آنفاً، فلا ينكر على عاقل وقوع مثل هذه الأمور. وقد قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه نقط العروس: أخلوقة لم يسمع بمثلها، أتى رجل يقال له خلف الخضري بعد اثنين وعشرين سنة من موت المؤيد بالله هشام بن الحكم، ادعى أنه هشام، فبويع وخطب له على المنابر بالأندلس، وسفكت الدماء، وتصادمت الجيوش وأقام نيفاً وعشرين سنةً. وقال أيضاً: فضيحة لم يقع في العالم مثلها: أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها تسمى كل منهم بأمير المؤمنين، وهم خلف الخضري بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجريزة، ومحمد بن إدريس بن حمود بمالقة، وإدريس بن علي بن حمود.
وقال أيضاً في كتاب الملل والنحل: أنذرنا الجفلى لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر، فرأيت أنا وغيري نعشاً وفيه شخص مكفن، وقد شاهد غسله رجلان شيخان حكمان من حكام المسلمين من عدول القضاة في بيت، وخارج البيت أبي رحمه الله تعالى وجماعة عظماء البلد، ثم صلينا عليه في ألوف من الناس، ثم لم نلبث إلا شهوراً نحو التسعة حتى ظهر حياً وبويع بالخلافة، ودخلت إليه أنا وغيري وجلست بين يديه، وبقي كذلك ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام، حتى لقد أدى ذلك إلى توسوس جماعة لهم عقول في ظاهر الأمر، إلى أن ادعوا حياته حتى الآن، وزاد الأمر حتى أظهروا بعد ثلاث وعشرين سنة من موته على الحقيقة إنساناً قالوا هو هذا، وسفكت بذلك الدماء وهتكت الأستار وأخليت الديار وأثيرت الفتن.


انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى.
وقلت أنا في ذلك:
قد قتل المنصور في قوص ... واقتصّ من القتال في القاهره
وبعد اثني عشر عاماً مضت ... من صفد في عصبة فاجره
يطلب ملكاً في يدي غيره ... وهذه أعجوبة ظاهره
أبو بكر ابن القاضي بهاء الدين بن سكره


ناظر النظار بدمشق. كان رجلاً طوالاً إلى الغايه. دقيقاً لا إلى النهايه، كاتباً متصرفاً، مائلاً إلى الخير متعرفا، متطلعاً في الغدوات والروحات، إلى تحصيل الحسان من الزوجات، قد جعل ذلك دابه، ولو قدر ما ترك على ظهرها من دابه. أول ما علمته من حاله أنه كان مباشراً في القلاع الحلبية وبعض الثغور، ثم إنه حضر مع المباشرين في نوبة لولو غلام قندس سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وسلمهم الملك الناصر محمد إليه، فتولى عقابهم وصب على هذا بهاء الدين سوط عذاب، انحل به جسده وأذاب، ثم أخذهم وتوجه بهم إلى حلب، ثم إنني بعد ذلك رأيته في حماة وهو بها ناظر، وكنا قد توجهنا لتلقي الأمير سيف الدين طقزتمر من حلب لما رسم له بنيابة دمشق، فبالغ في إحسانه، وتفضل من يده ولسانه. ثم إنه صرف منها وتوجه إلى مصر.
ورسم له بنظر النظار بدمشق، فحضر إليها في أوائل شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وسبع مئة عوضاً عن القاضي مكين الدين بن قروينة، ولم يستقم له بدمشق حال مع النائب الأمير سيف الدين طقزتمر بواسطة أستاذ داره.
ثم إنه توفي في عاشر شعبان سنة ست وأربعين وسبع مئة - رحمه الله تعالى - ودفن بمقابر الشيخ أرسلان.
وكان قد اعتكف في شهر رمضان بالجامع الأموي، فأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شهاب الدين بن فضل الله:
بمدشق عجائب ... في الأحاديث منكره
العليم الذي روى ... واعتكاف ابن سكّره
أبو بكر بن محمد بن علي



الشيخ الفاضل تقي الدين البانياسي الكاتب المجود.
كان كاتباً جيداً فاضلاً، له نظم ونثر. انتفع الناس به وكتبوا عليه، وله أخلاق حسنة، وكان مقيماً بالمدرسة الجاروخية.
توفي رحمه الله تعالى في ثامن ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبع مئة.


ومولده تقريباً سنة ستين وست مئة.
أبو بكر بن بلبان


الأمير صلاح الدين ابن الأمير سيف الدين البدري.
كان أمير عشرة بدمشق، وهو أحد الإخوة.
توفي رحمه الله تعالى في ثالث شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
أبو بكر بن محمد بن عمر



ابن أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام بن منصور بن معلى البالسي: الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد الورع نجم الدين بن قوام الشافعي.
كان من بيت علم وصلاح، وخير وزهد وفلاح، صاحب زاوية وحال، وكرامات وكرم ونوال، يتلقى الواردين بإحسانه، ويوليهم الجود من يده ولسانه، يقرئهم ويقريهم، ويميرهم على ما بدته ويمريهم، يعتقد الناس بركاته، ويتوسمون الخير في سكناته وحركاته.
اجتمعت به غير مره، ورصع في جيدي من فضله كل دره.
ولم يزل على حاله إلى أن استسقى وما به ظما، وخر النجم إلى الأرض من السما.
وتوفي رحمه الله تعالى بهذه العلة في أوائل شهر رجب الفرد سنة ست وأربعين وسبع مئة، وكانت جنازته حفلة، وصلى نائب الشام عليه وجماعة من الأمراء.
وحدث عن ابن القواس وغيره.
وكنت قد كتبت له توقيعاً في أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى بنظر الشبلية، ونسخته: رسم بالأمر العالي المولولي السلطاني الملكي الناصري، لا زال نجم الدين به بازغا، ومنهل جوده لوارديه عذباً سائغا. وثمر كرمه لجناة رفده حلواً بالغا، أن يرتب المجلس السامي الشيخي النجمي أبو بكر في كذا، ثقةً بورعه الذي اشتهر، وفضله الذي بهر، وأصله الذي طاب فرعه فالتقوى له ثمر، والعلم زهر، فما خطب لمباشرة هذه الوظيفة إلا وثوقاً بصفاته الحميدة، وتمسكاً بما عرف من طريقته السديدة، واتكالاً على ما حازه من صفات جواهرها على جيد الأيام نضيده، وركوناً إلى بيته الذي له من سلفه أركان مشيده، ورغبةً في شمول هذه المدرسة ببركته التي هي بيت القصيدة. فليباشر ما فوض إليه مباشرةً سدادها في كفالة كفايته مضمون، ويغتبط بما يفوز به من هذا البر فإن له فيه أجراً غير ممنون، مجتهداً في تنمية ريع هذا الوقف المبرور، مقتصداً في تثمير ما يجره إليه من المنافع حتى يدل على أن فعله تعلق من بركته بجار ومجرور، معتمداً في إحياء ميته على من هو عدل في حكمه لا يحيف، مستنداً في استخراج حقوقه إلى الجلد حتى لا يقال إن أبا بكر رجل أسيف، مساوقاً مباشرته في جليله وحقيره، وقليله وكثيره، وغائبه وحاضره، ومعروفه ونادره، فلا يدع مستحقيه من صرف ما لهم في أوار ولا أوام، ولا يمكن أحداً منهم يسلك طريقاً معوجة فإنه ابن قوام، فلو لم يكن الظن به جميلاً ما عذق به هذا الأمر دون البريه، ولو لم يكن أسداً في الحق ما أسند إليه نظر الشبليه، وليتبع شروط الواقف حيث سارات مقاصده لأنه ناظر، وليصرف ما أمر به على ما أراده فإنه إن كان غائباً فله إله حاضر، والوصايا كثيرة ومنه تؤخذ فوائدها، وعلى جيد الزمن تنضد منه فرائدها، وهو بحمد الله تعالى ابن بجدتها علماً ومعرفه، وأدرى الناس بما يتحرك فيها من لسان أو شفه، ولكن التقوى زمام كل أمر، وعمدة الدين وعماده من زيد وعمرو، فلا ينزع منها حلة ارتداها، ولا يترك طريقاً سلكها عمره واقتفاها، والله تعالى يعينه في سكونه وحركته، وينفع الناس بعلمه وبركته. والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
أبو بكر بن محمد بن قاسم



الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون شيخ الإقراء والعربية بالشام، مجد الدين المرسي ثم التونسي الشافعي.
قدم القاهرة مع أبيه، وأخذ النحو والقراءات عن الشيخ حسن الراشدي، وحضر حلقة الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وسمع من الفخر علي والشهاب بن مزهر.
كان الشيخ مجد الدين آية في ذكائه، غاية في إكبابه على العلوم واعتنائه، تفرد في وقته بمعرفة العربية وغوامضها الأدبية، فلو رآه ابن السراج لما راج، والزجاجي لسود مصنافته بالعفص والزاج، أو السيرافي لقال لصاحبيه سيرا في المهامه، أو قفا بنا نسمع بعضاً أو كلاً من كلامه، أو الفارسي لترجل قدامه، وحمل لواء الفخر له ومعه قدامه.
وفيه قلت أنا:
تملّك النحو حتى ما لذي أدبفي الناس نون و واو بعدها حاء
هذا مليك لهذا العلم فاصغ لما ... أقوله لاكسائيٌّ وفرّاء


وكان مجيداً في غير ذلك من الفنون، معيداً مبدياً لما في سواه من النكت والعيون، تخرج به الأئمة، وملكهم ما أرادوا من المقادات والأزمه، ونالته محنة من كراي نائب الشام، وانتجع لها بارق الصبر وشام، وعلى يده ظهر غش الباجربقي، وبهرجة نقده، ولولاه لدام مدة وبقي.
ولم يزل على حاله أن أصبح مظهره في القبر ضميرا، وسكن المجد في الأرض حفيرا.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت سادس عشري ذي القعدة سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ست وخمسين وست مئة بتونس.
أقام بالقاهرة مدةً ودخل دمشق في ولاية قاضي القضاة عز الدين في الولاية الثانية، وحضر عند زين الدين الزواوي، ورتب صوفياً بالخانقاه الشهابية، وجلس للإقراء، ثم سكن العقيبة، وناب في الإمامة بجامعها ثم اشتهر أمره وشاعت فضائله، وحضر الدروس، وولي مشيخة الإقراء بالتربة الصالحية والتربة الأشرفيه، وولي تدريس النحو بالناصرية ودرس بالأصبهانيه، وصار شيخ البلد في الإقراء والعربيه، مع المشاركة في الفقه والأصول وغير ذلك.
حدثني غير واحد ممن أثق به أن الناس سألوا الشيخ شمس الدين الأيكي عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وعن الشيخ صدر الدين بن الوكيل أيهما أذكى ؟ فقال: ابن الزملكاني، ولكن هنا شاب مغربي هو أذكى منهما يعني به الشيخ مجد الدين. وامتحن على يد الأمير سيف الدين كراي فضربه بباب القصر ضرباً كثيراً لما ألقى المصحف - على ما سيأتي في ترجمة كراي - ولما سب الأمير الخطيب جلال الدين، قال له الشيخ مجد الدين: اسكت اسكت، وقوى نفسه ونفسه عليه فرماه وقتله، وكان في وقت قد انفعل للشهاب الباجربقي ودخل عليه أمره، ثم إنه أناب وأفاق وجاء إلى القاضي المالكي واعترف وجدد إسلامه - على ما سيأتي في ترجمة الباجربقي.
وكانت طريقته مرضية، وعنده دين وصلاح، وفيه مودة ومحبة للخلوة والانقطاع، وتلا عليه شيخنا الذهبي بالسبع، وانتقى له جزءاً من مشيخة ابن البخاري وحدث به. ومن الناس من يقول فيه: محمد بن قاسم، وشيخانا البرزالي والذهبي قالا فيه: أبو بكر بن محمد، والله أعلم.
أبو بكر بن إبراهيم بن حيدرة


ابن علي بن عقيل: الإمام العالم الفاضل جمال الدين القرشي المعروف بابن القماح.
اشتغل بالفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وعرض التنبيه عليه، ثم اشتغل على السديد الترمنتني وغيره، وقرأ الفرائض. وجاور بمكة سنةً، وولي عدة ولايات من جهة الكتابة بالقاهرة وأعمالها، وقدم في المحرم دمشق متوجهاً إلى حلب متولياً وكالة بيت المال.
وقرأ عليه الشيخ علم الدين البرزالي الأربعين الصغرى للبيهقي بسماعه من الشيخ شمس الدين أبي الفضل المرسي عن أبي روح، وهو عم القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن القماح نائب الحكم بالقاهرة، ثم إنه عاد إلى القاهرة، وتوفي بها إلى رحمة الله تعالى في ذي الحجة سنة ثماني عشرة وسبع مئة، ودفن بالقرافة الصغرى.
ومولده في شهر ربيع الآخرة سنة سبع وثلاثين وست مئة.
أبو بكر بن عبد الله



ابن عبد الله: الشيخ الإمام الفاضل سيف الدين الحريري الشافعي.
توفي رحمه الله تعالى في أواخر شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وتولى تدريس الظاهرية الجوانية الشيخ جمال الدين محمود بن جمله.
أبو بكرالأمير سيف الدين البابيري



بالباء الموحدة وبعدها ألف وبعدها ياء أخرى وياء آخر الحروف ساكنة وراء.

كان كردي الأصل، شيخاً قديم الهجرة تنقل في الولايات والمباشرات بحلب وطرابلس ودمشق، وكان قد طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، وولاه كاشفاً بالشرقية، فلم تطب له الديار المصرية، فتشفع بالأمير سيف الدين تنكز، فطلبه إلى دمشق وولاه الصفقة القبلية، وأمسك تنكز وهو بها.
ثم إنه انتقل إلى حلب ثم إلى دمشق، وولي شد الدواوين بدمشق مرات، وولي نيابة جعبر مرات، وآخر إمرة وليها لما كان الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز. بحلب في واقعة بيبغاروس، فتوجه إليها في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن جاء الخبر في شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة بوفاته رحمه الله تعالى.
وكان خبيراً درباً مثقفاً فيه ود وأنس، وعلى ذهنه تواريخ ووقائع وشعر وكان قد عدى السبعين.
أبو بكر بن عباس




القاضي جمال الدين الخابوري، كان قاضي بعلبك.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن محمد بن عنتر السلمي


أجازه سبط السلفي، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق.
أبو بكر بن محمد بن عبد الغني



الشيخ نجم الدين. أجاز لي بالقاهرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم عيد الفطر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
أبو بكر بن علي بن محمد الكلوتاتي



سمع من ابن النحاس والنجيب، وأجاز لي بمصر بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
أبو بكر بن نصر



القاضي زين الدين الإسعردي المحتسب بالديار المصرية، ووكيل بيت المال.
توفي رحمه الله في سادس عشر شهر رمضان سنة عشرين وسبع مئة، ودفن بالقرافة، وصلى عليه قاضي القضارة بدر الدين بن جماعة.
وولي مكانه في الحسبة قريبه القاضي نجم الدين محمد بن حسين بن علي الإسعردي كاتب الحكم بالقاهرة، وفي الوكالة القاضي قطب الدين محمد بن عبد الصمد السنباطي.
أبو بكر بن يوسف بن شاذي



يأتي تمام ترجمة نسبه في ترجمة والده في حرف الياء إن شاء الله تعالى.
الأمير أسد الدين ابن الأمير صلاح الدين ابن الملك الأوحد: أحد أمراء الطبلخاناه بصفد المضافين إلى دمشق.
كان شاباً حسناً عاقلاً ساكناً، فيه حشمةً وأدب. توجه أمير الركب سنة خمس وخمسين، وسبع مئة فلطف الله به وبالركب، وكنت أنا معهم في تلك السنة، فما رأينا إلا الخير في الذهاب والإياب. لم نجد في الطريق ولا في المدينة، ولا في مكة، من شوش على الركب بشيء مما يحكيه الحجاج من المتحرمة والنهابة.
ولم يزل الأمير أسد الدين بدمشق إلى أن ورد المرسوم بتوجه كل من له إقطاع في صفد إلى صفد والإقامة بها، فتوجه إليها مع من توجه، وأقام بها مدة فضاق عطنه وشاقه وطنه، فضعف هناك وورد إلى دمشق فأقام يومين أو ثلاثة.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر رمضان المعظم سنة سبع وخمسين وسبعمئة.
وسيأتي ذكر أخي أمير علي وذكر والدهما في مكانيهما رحمهم الله أجمعين.
أبو بكر بن سليمان بن أحمد



أمير المؤمنين المعتضد ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم العباسي، أبو الفتح.
كان شكلاً مليحاً تاماً، أسمر ذا لحية سوداء، صبيح الوجه، عليه خفر ومهابة، تقدم نسبه كاملاً في ترجمة أخيه أمير المؤمنين الحاكم بالله بن سليمان في الأحمدين.
قدم إلى دمشق في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة صحبة الملك الصالح صالح في واقعة بيبغاروس، ثم إنه قدمها ثانياً في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر صحبة الملك المنصور صلاح الدين محمد بن حاجي، وعاد إلى مصر صحبة السلطان.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي في غالب الظن في جمادى الأولى أو الأخرى سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وتولى الأمر بعده أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن المتوكل على الله.
اللقب والنسب



الأبوبكري الأمير سيف الدين بكتمر

ابنه الأمير علاء الدين علي.
أخوه الأمير شهاب الدين أحمد.
البكري نور الدين علي بن يعقوب.



بكلمش

بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وفتح اللام وكسر الميم وبعدها شين معجمة: الأمير سيف الدين أمير شكار الناصري.
كان الملك الناصر حسن قد جعله أمير شكار، ولما كان في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة أخرجه من مصر إلى طرابلس نائباً عوضاً عن الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير، ووصل بكلمش إلى دمشق في يوم الجمعة ثالث عشري شهر رمضان المعظم، وتوجه إلى طرابلس، ولم ير أهل طرابلس منه شيئاً من الخير، سوى أنه كان يجيد اللعب بالطير.
وكان حسن الشباب، وضيء الإهاب، بسط جوره على أهل طرابلس وظلمه، وأعاد أيامهم كأنها ليالي ظلمه، وربما تعرض إلى الحريم، ونزل بروضة فأصبحت كالصريم، ورحل منها جماعة لم يصبروا على هذا المضض، ولا صبروا على هذا المرض، ولم يزل بها وهو يطلب حريمه من القاهرة فما يجاب، ولا يرد جوابه على يد بريدي ولا نجاب.


وتوجه إلى صفد في واقعة أحمد الساقي وحصره في القلعة - على ما تقدم في ترجمة أحمد - وعاد إلى طرابلس، ولم يزل بها إلى أن خرج مع بيبغاروس وأحمد، ووصلوا إلى دمشق في نهار الأربعاء خامس عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وأقاموا بها أربعةً وعشرين يوماً على ما تقدم في ترجمة أحمد، وعاث الأمير سيف الدين بكلمش في مرج دمشق وأفسد، ولما هرب بيبغاروس، وعاد إلى حلب عاد بكلمش معه ودخلوا الأبلستين إلى عند ابن دلغادر، وأقاموا عنده، ثم إن أحمد وبكلمش حضرا إلى نواحي مرعش وناوشهما أهل القلاع القتال، ثم لحق بهما ابن دلغادر، ولم يزالا عنده إلى أن أمسكهما ابن دلغادر وجهزهما إلى حلب، فاعتقلهما نائبها الأمير سيف الدين أرغون الكاملي وطالع السلطان الملك الصالح صالحاً بأمرهما، فعاد الجواب على يد الأمير سيف الدين طيدمر أخي الأمير سيف الدين طاز بأن يجهز رأسيهما إلى مصر فحز رأساهما، وجهزا مع المذكور في العشر الأوسط من المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، فسبحان الدائم الباقي.
بلاط الأمير سيف الدين


كان معروفاً بالدين، موصوفاً بالعقل المتين، حسن الود لأصحابه، أفاق الدهر من سكرته وصحا به، كان مقدماً عند المظفر، ذا جانب على التقديم موفر، إلا أنه لحسن نيته، وسلامة طويته، سلمه الله من الناصر فما آذاه، ولاحظه السعد وحاذاه.
ولم يزل إلى أن جعل اسمه فوقه، ونزل به من الموت ما أعجز صبره وطوقه.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس في شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وكان قد أخرج من مصر إلى دمشق فأقام بها قليلاً، ثم نقل إلى طرابلس وبها مات رحمه الله تعالى.
بلاط قبجق



الأمير سيف الدين أحد أمراء الطبلخانات.
حضر إلى دمشق في أوائل خمسين وسبع مئة، وأقام بها أميراً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة ست وخمسين وسبع مئة.
بلاط قيى



بكسر القاف، وبعدها ياء وآخر الحروف، وألف مقصورة: الأمير سيف الدين.
توجه من القاهرة إلى نيابة بهسنى، وأقام بها مدة، ثم حضر إلى دمشق وأقام بها أميراً، إلى أن توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، كان يلعب الشطرنج بعد العشاء الآخرة وأصبح ميتاً من غير علة.
بلال الطواشي



الأمير حسام الدين أبو المناقب المغيثي الحبشي الجمدار الصالحي.
كان لالا الملك الصالح علي بن المنصور قلاوون، ثم إن العادل كتبغا جعله يتحدث في أمر السلطان الملك الناصر محمد، وهو كبير الخدام المقيمين بالحرم النبوي.
حدث بمصر ودمشق، وقرأ عليه الشيخ شمس الدين عدة أجزاء يرويها عن ابن رواج.
كان حالك السواد، تام الشكل، يهيم من المعروف في كل واد، له بر وصدقات، وبذل في الخير ونفقات، وله أموال عظيمة، وغلمان على أوامره ونواهيه مقيمه، وله في الدول الحرمة الوافرة والوجاهة السافرة.
حضر المصاف ورد، فأدركه أجله في سنة تسع وتسعين وست مئة فحمل إلى قطيا.
بلبان



الأمير سيف الدين المنصوري، ملك الأمراء الطباخي، نائب حلب.
كان أميراً جليلا، وللشجاعة خليلا، أبلى في نوبة غازان بلاءً حسناً وروع التتار، ورقص الخطية من غناء سيوفه، ومن روس المغل النثار، لأنه كان ذا بأس ونجده، وشهامة للقاء الأبطال مستعده، خيوله مسومه، وسهامه إلى نحور الأعداء مقومه، ولولا وجوده ذهب عسكر الإسلام في تلك المرة المره، وجرى الأمر على خلاف القاعدة المستمره، لكنه التقى ذلك البحر الزخار بصدره، وخاض في ذلك العسكر الجرار بنحره، فصرع الفرسان، وجد لهم فجدلهم، وبسط لهم بساط الحتف وبدلهم، وكان كثير الحشم، وافر المماليك والخدم، تولى نيابة طرابلس، وحصن الأكراد وحلب، وأقدم الخيرات بعدله إليها وجلب.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل به الأمر الذي لا يدفع، والحتف الذي لا يرفع.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الأول بالساحل سنة سبع مئة.
وغالب مماليكه تأمروا في أيام الملك الناصر محمد، وكانوا كبار الدولة، منهم الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور المقدم ذكره نائب الشام وحلب، والأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائب حلب وطرابلس، والأمير سيف الدين منكوتمر الطباخي، وغيرهم.
بلبان



الأمير سيف الدين الجوكندار.

كان نائب القلعة بصفد في نوبة غازان، فلما كسر المسلمون، وهرب الأمراء جاء الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أو الأمير سيف الدين سلار على وادي التيم، وحضروا إلى صفد، وطلبوا منه مركوبا ليحملهم عليه، فلم يعطهم شيئاً، فلما وصلوا إلى مصر عزلوه من نيابة قلعة صفد، وجهزوه أميراً إلى دمشق.
وكان ابنه الأمير علاء الدين قطليجا شاباً جميلاً حسن الوجه، فولاه الأفرم الحجوبية بالشام، ثم إنه في شهر ربيع الآخر سنة سبع مئة ولاه الأفرم شد الدواوين بدمشق، وفوض الأمر إليه، واشتغل بالشد، وانفرد الأفرم بقطليجا المذكور، لأنه كان طبجياً، وأقام على ذلك مدة.
ولما توفي الأمير علم الدين أرجواش نائب قلعة دمشق تولى هو نيابة القلعة في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة، ثم إنه في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبع مئة توجه لنيابة حمص، وأعيد السنجري إلى قلعة دمشق، تولى نيابة حمص فورد إليها.
ولم يزل بها مقيماً إلى أن فاءت إليه الوفاة، وفغر الموت له فكه وفاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة، وكان مبخلا، ولصاحبه مبجلا، أحسن في شد دمشق إلى من عرفه، وما جاءه أحد من صفد إلا وصرفه في أشغال الديوان، وما صرفه، وله بصفد حمام مليح بعين الزيتون، كنت أعهده نادراً في تلك البقعة، وهو كان في تلك الأيام طراز هاتيك الرقعة.
بلبان


الأمير سيف الدين طرنا، بضم الطاء المهملة وسكون الراء وبعدها نون وألف.
كان أمير جاندار بالديار المصرية، فجهزه السلطان إلى صفد نائباً بعد الأمير سيف الدين بهادر آص، فحضر إليها ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام، فعزله السلطان، ورسم له بأن يتوجه إلى دمشق أميراً، فتوجه إليها بطلبه، فدخل إليه ليقبل يده ويسلم عليه، فأمسكه في حادي عشري القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة، وبقي في الاعتقال عشر سنين فما حولها، ثم إنه شفع فيه فأخرج من الاعتقال وأعطي إقطاع الأمير شرف الدين حسين، وجعل أمير مئة مقدم ألف، ثم إن تنكز أقبل عليه واختص به، وكان يشرب معه القمز.
ولم يزل على حاله إلى أن قالت عقبان المنية قد طرنا إلى طُرنا، وحمنا عليه وحومنا ودرنا.
وتوفي رحمه الله تعالى حادي عشري ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن في تربته جوار داره دار الأمير علاء الدين أيدغدي شقير تحت مئذنة فيروز.
وكان رحمه الله تعالى ضخماً أبيض، جسيماً كأن وجهه جمر أومض، ولما كان يدور مع الزفة حول الدهليز يوقع بالعصا، ويضرب ذلك الرمل والحصى، وإذا خرج أولئك الرهجية وعدلوا عن النغمة الجهرية التفت إليهم، ووقع بالعصا على الأرض، ومشى أمامهم ذات الطول والعرض، ولذلك كانت عليه في السماع طلاوة، ولضخامته إذا دار حلاوة.
بلبان



الأمير سيف الدين السناني.
أحد أمراء الدولة الناصرية، له دار في رأس الصليبة تحت قلعة الجبل عند جامع الأمير سيف الدين شيخو، وأخرجه الملك الصالح إسماعيل إلى نيابة ثغر ألبيرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، فحضر إليها، ولم يزل بها إلى أن أمسك الملك الناصر حسن الوزير منجك، فطلب السناني إلى القاهرة، فتوجه إليها وجعله أستاذ دار، وأقام على ذلك إلى أن توجه إلى منفلوط لقبض مغلها، فتوفي هناك في شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وأخبرني الشيخ بهاء الدين السبكي أن المذكور توفي سنة اثنتين وستين أواخر سنة إحدى وستين وسبع مئة بمنفلوط، كذا جاء الخبر بذلك إلى دمشق ثم ظهر بعد ذلك أنه لم يمت، وإنما أخذت التقدمة والإقطاع منه للأمير عز الدين طقطاي الدوادار وأعطي السناني طبلخاناه ضعيفة، وأقام بالديار المصرية.
بلبان



الأمير سيف الدين الغلمشي، بضم الغين المعجمة وسكون اللام وبعد الميم شين معجمة.
حدث بدمشق عن ابن خليل وعن المرسي وغيرهما، وكان قد سمع في صغره من جماعة مع القاضي عز الدين بن الصائغ لأنه كان مملوكه، وانتقل عنه، وانتقل إلى أن صار أميراً بالقاهرة، وتولى الشرقية مرة وكان شهماً كافياً، فيه سياسة.
توفي في جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة.
بلبان



الأمير سيف الدين البدري أحد مقدمي الألوف بدمشق.

كان شيخاً عاقلاً مهيبا، قد وفر الله له من سلامة الباطن نصيبا، خلف ذهباً جما، أكله وراثه أكلاً لما، قيل: إن العين من الذهب وحده ثلاثون ألف دينار، خارجاً عن البرك والعدة والخيل وما مع ذلك من عقار، وخلف أولاداً أنجب منهم اثنان، وكان لهما في المباشرات شان زانهما وما شان.
ولم يزل إلى أن حلت به المثلاث، ونحت الموت منه الأثلاث.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الخميس يوم عيد الفطر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان قد توجه أمير الركب الشامي في سنة سبع وسبع مئة، وقد تولى نيابة قلعة دمشق عوضاً عن بهادر السنجري في شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وعزل منها وتوجه إلى نيابة صفد عن الأمير سيف الدين بلبان طرنا في ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة، وتوجه إلى حمص نائباً عوضاً عن القرماني في شهر صفر سنة تسع عشرة وسبع مئة، ولما توفي في حمص نقل إلى دمشق وصلي عليه بسوق الخيل، ودفن في جبل قاسيون.
بلبان


الأمير سيف الدين التتري.
كان رجلاً سليما، مأموناً حليما، لا يعرف ما الناس فيه، ويظن أن الناس ليس فيهم سفيه، وله أموال غزيرة وحواصل كثيرة، وأولاده الذكور والإناث نهاية في الجمال وغاية في الحسن والكمال.
ولم يزل إلى أن جاءه الأمر الذي لا يخدع، ولا يرد بحيلة ولا يردع.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وكان توجه أمير الركب في سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وهو من كبار المنصورية.
بلبان



الأمير سيف الدين القشتمري.
أحد الأمراء بدمشق كان يسكن بدرب الريحان بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة تسع وتسعين وست مئة.
بلبان الجمقدار



الأمير سيف الدين المعروف بالكركند.
كان من كبار الأمراء. أقام بدمشق مدة بدار فلوس، ثم نقل إلى الديار المصرية، ثم أعيد إلى دمشق، فأقام بها في دار بمحلة مسجد القصب ظاهر دمشق.
وفي سابع شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وسبع مئة توفي إلى رحمه الله تعالى ودفن بتربته بجبل قاسيون، وكان يوماً مطيراً.
وأظنه كان أولاً بصفد أمير عشرة في أيام الأمير سيف الدين بتخاص، والله أعلم.
بلبان



الأمير سيف الدين المهمندار الدواداري عتيق، الأمير جمال الدين موسى بن الأمير علم الدين الدواداري. كان أمير عشرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في نصف جمادى الأولى سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربة أستاذه بسفح قاسيون.
بلبان



الأمير سيف الدين الصرخدي الطاهري.
أحد أمراء الطبلخاناه بالقاهرة، كان قد تجاوز الثمانين وكان فيه خير، مواظب على الصلوات.
توفي رحمه الله تعالى في عشري جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبع مئة.
بلبان



الأمير سيف الدين العنقاوي، بعد العين المهملة نون وقاف وألف بعدها واو، الزراق المنصوري.
كان في الحبس وأفرج عنه، وكان قد جاوز السبعين سنة، وكان من أمراء الطبلخاناه.
توفي فجأة بعدما توضأ وتهيأ للتوجه لصلاة الجمعة في سابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ودفن بجبل قاسيون.
بلبان



الأمير سيف الدين المحسني.
أظنه كان أولاً من جملة البريدية بمصر، ثم إن السلطان جهزه لإحضار مباشري قطيا في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ثم إنه ولاه القاهرة بعد علاء الدين أيدكين، فيما أظن، فأقام فيها إلى أن ولاها علاء الدين بن المرواني، وجهز الأمير سيف الدين بلبان لنيابة دمياط، فأقام بها قليلاً، وانفصل في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، أظنه توفي معتقلاً.
وكان رجلاً جيداً خيراً مشكوراً.
بلبان



الأمير سيف الدين الإبراهيمي.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بحماة.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبع مئة، وكتب بإقطاعه لأسنبغا مملوك الأمير سيف الدين أسندمر العمري نائب حماه.

بلرغي



بباء موحدة ولام وراء وغين معجمة بعدها ياء آخر الحروف، ومنهم من يقدم الراء والغين على اللام: الأمير سيف الدين الأشرفي.

كان أميراً وجيها، لا يجد له في المضاهاة شبيها، مشهوراً بالتعظيم، والحفدة التي هي كحبات العقد في التنظيم، وثق إليه المظفر فجهزه إلى الناصر ليكون يزكا، ولم يدر أنه زرع الغدر فأثمر معه وزكا، وخامر عليه من الرمل وجمع به من الملك الشمل، ووصل إليه إلى غزه، فوجد بقربه ما كان يجده كثير من قرب غزه، إلا أنه لما دخل إلى مصر أمسكه، وأماته في السجن جوعاً وأهلكه.
ووفاته بقلعة الجبل سنة عشر وسبع مئة، ودفن بالحسينية.
بلغاق


الأمير سيف الدين: كان ناظر الحرمين: القدس وبلد سيدنا الخليل عليه السلام، وهو بلغاق ابن الحاج جغابن يارتمش الخوارزمي.
روى الحديث عن ابن عبد الدائم بالقدس ودمشق، وولي الحرمين آخر عمره، ورأيته بصفد مرتين أيام الجوكندار الكبير، وكان شيخاً قد أنقى، وعمل على ما هو في الآخرة خير وأبقى، مع سيرة مشكوره، ومعاملة مع الفقراء ما هي من مثله منكوره، معروفاً بالخير والبركه، موصوفاً بالصلاح في سكونه والحركه، كثير الاتضاع، غزير الجودة على ما ألفه من الرضاع.
ولم يزل على نظر الحرمين إلى أن أمسى ولم يحفظه من الموت حرم وراح إلى الله بعد ما كاد يصل إلى الهرم.
وتوفي بقرية الغازية من بلد صيدا أو بلد بيروت في جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة، ونقل إلى دمشق ودفن بسفح قاسيون.
ومولده بالقاهرة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وست مئة، وكان حكم البندق بالشام.
البلفيائي: القاضي زين الدين محمد بن عمر.
وشمس الدين محمد بن يعقوب.
بلك



الأمير سيف الدين الجمدار الناصري.
حضر مع الأمير سيف الدين بشتاك إلى دمشق في واقعة تنكز مع جملة أمراء الطبلخانات الذين حضروا في ذلك المهم، وتوجه معه إلى مصر، وأقام بها إلى أن رسم للأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي بنيابة حماة، وكان في صفد نائباً، فحينئذ رسم للأمير سيف الدين بلك هذا بنيابة صفد، وذلك في أيام الملك الصالح إسماعيل، فحضر إليها، وأقام بها مدة الأيام الصالحية، ولما توفي الصالح رحمه الله تعالى وولي الكامل شعبان أخرج الأمير سيف الملك إلى صفد نائباً عوضاً عن بلك، وعاد بلك إلى مصر وأقام بها أميراً على مئة في تقدمة ألف، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة.
ولم يزل بها مقيماً إلى أن فرق الموت بين بلك وما ملك، ولم يدر ذووه أيةً سلك.
توفي رحمه الله بعد عيد رمضان في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
بلك



الأمير سيف الدين أمير علم.
أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، لما عزل الأمير ناصر الدين محمد بن بهادرآص من نيابة حمص في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وسبع مئة رسم للأمير سيف الدين بلك بنيابة حمص، فتوجه إليها بمرسوم السلطان الملك الصالح صالح، فأقام بها نائباً إلى أن ورد عليه الأمر الذي لا يرد إذا دعا، ولا يصد منه مانع إذا ما نعى.
ووفاته في ثالث عشري شوال سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
البندنيجي: المسند علي بن محمد بن ممدود.
بهادر الشمسي



الأمير سيف الدين.
كان من أهل الصلاح والسلاح، وممن يتبع الصلاة بالصلات والسماح، ترك الإمرة مره، ونزل عما فيها من الدرة إلى الدره، ولبس زي الفقراء ورفض رياش الأمراء، ثم إنه أعيد، ورغب بالوعد وهدد بالوعيد، ورسم له بإعادته إلى الإمره، فعاد إليها ولم تعلم عوانه الخمره، وولي نيابة قلعة دمشق في جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وسبع مئة عوضاً عن القرماتي.
ولم يزل على حاله بقلعة دمشق إلى أن أنزله الموت منها على حكمه، ودخل به في عداد همه وبكمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وكانت نيابته ما يقارب السبعة أشهر، وكان موته فجأة.
وولي النيابة بعده الأمير علم الدين سنجر الدميثري.
بهادر الجوكندار



الأمير سيف الدين.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق وسكنه جوا باب الصغير، وكان يركب وينزل، ويرى أنه عن الدولة بمعزل، لكنه أمير خمسين فارسا. وعلمه لا يرى يوم الحاجة ناكسا.
ولم يزل على حاله إلى أن مر الأمير وما عاد، وبدل بالتعس على النعش بعد الإسعاد.
وتوفي رحمه الله تعالى في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وهو زوج بنت الأمير سيف الدين الجوكندار.
بهادر



الأمير سيف الدين المنصوري المعروف بالحاج بهادر.

كان من أكابر الأمراء بالديار المصرية متعيناً فيهم، فأخرج إلى حلب على إمرة، ثم نقل إلى دمشق، ثم أعطى بها تقدمة ألف، وأقام بها مدة، وداخل الأفرم، وصار من أخصائه، وكان معروفاً بالتجري، وعدم التحرز والتحري، محباً للفتن، يصدح فيها على فنن، لا يحظى بالسرور، إلا إذا أجرى قناة الشرور، وكان يؤلب على الجراكسه، ويعد المهادنة لهم من المماكسه، لا يكاد يصبر على تعاطي السلاف، ولا يرى الدهر يده فارغة من كاس، كأنها تلافيه من التلاف، قيل: إنه كان يمر بين القصرين، وهو يتناول الخمر، ويقدح في أقداحه الجمر، وربما فعل ذلك بدمشق إذا دخل من الصيد، ولا يبالي بما يقوله عمرو وزيد.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: أخبرني والدي أنه كان أشبه الناس بالملك الظاهر بيبرس، وأقام في طرابلس نائباً بعد أسندمر إلى أن هجم عليه هادم اللذات، وفرق بينه وبين الأتراب واللدات.
وتوفي رحمه الله في شهر ربيع الآخر سنة وسبع مئة.
ولما ولي الملك بيبرس الجاشنكير وفرح به الأفرم تغير الحاج بهادر على الأفرم بعد مداخلته مجالس أنسه، ومواطن إطرابه ولذاته، وأخذ في تغيير الأمراء عليه، ويقول لمن يخلو به: هؤلاء الجراكسة متى تمكنوا منا أهلكونا وراحت أرواحنا معهم، فقوموا بنا نعمل شيئاً قبل أن يعملوا بنا، وتحالف هو وقطلوبك الكبير على الفتك بالأفرم إن قدرا عليه، فأحس الأفرم بذلك، فلم يزل بالحاج بهادر إلى أن استصلحه على ظنه، وقال: بعد أن سلمت من هذه الحية ما بقيت أفكر في تلك العقرب، يعني بالحية الحاج بهادر، وبالعقرب قطلوبك.
ولما تحرك الملك الناصر من الكرك أرسل الأفرم الحاج بهادر وقطلوبك الكبير يزكاً قدامه، فنزلا على الفوار، وأظهرا للأفرم، وأبطناله الغدر، ثم إنهما راسلا السلطان الملك الناصر في الباطن وحلفا له، ثم سارا إلى لقائه، ودخلا معه إلى دمشق، وكان الحاج بهادر حامل الجتر على رأس السلطان يوم وصوله دمشق، ولما جلس على كرسي الملك بقلعة الجبل ولى الحاج بهادر نيابة طرابلس، فتوجه إليها وأقام بها إلى أن مات رحمه الله تعالى.
بهادر آص


الأمير سيف الدين المنصوري.
كان شكلاً طوالاً من الرجال، يباهي الغمام في فيض السجال، له صدقات ومعروف، وبشره للعفاة معروف، ذا رخت كثير، وتجمل في الإمرة غزير، وعنده خدام ومماليك، ودسته ترى الملوك فيه صعاليك، جهز السلطان الملك الناصر بعد موته، أخذ جماعة من مماليكه، عملهم سلاح دارية لأشكالهم الهائله، ومحاسنهم الطائله.
ولم يزل على إمرته في تقدمة الألف إلى أن برق ناظره، وهيأ له القبر حافره.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.
وكان هو القائم بأمر الملك الناصر لما كان بالكرك تجيء رسله إليه في الباطن، وتنزل عنده، وهو الذي يفرق الكتب ويأخذ أجوبتها، ويحلف الناس في الباطن إلى أن استتب له الأمر، وكان آخر من يبوس الأرض بين يدي السلطان في الشام، وجهزه السلطان إلى صفد نائباً بعد الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير في شهر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فأقام به مدة تقارب سنة ونصفاً، ثم أعيد إلى حاله بدمشق، فوصل إليها ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ولما كان مع الأمير سيف الدين تنكز في واقعة ملطية أشار بشيء فيه خلافه، فقال بهادرآص: كما نحن في الصبينة فلم يحملها منه، وحقدها عليه، فكتب إلى السلطان فقبض عليه وأقام في الاعتقال مدة سنة ونصف أو أكثر، ثم أفرج عنه وأعيد إلى مكانه وإقطاعه.
ولما توفي رحمه الله تعالى دفن في تربته برا باب الجابية، وخلف خمسة أولاد ذكور: الأمير ناصر الدين محمد، والأمير علي، والأمير عمر، والأمير أبو بكر، والأمير أحمد. فلحقه الأمير عمر، وكان أحسنهم وجهاً وقامةً، ثم أمير أحمد، ثم أمير علي.
وكان أمير عشرة، وكان أولاً وكيل السلطان وبيده إقطاع هائل إلى الغاية، وقفت أنا على ورقة فيها أسماء أماكن إقطاعه قبل الروك وهي: من دمشق: نهر قلوط.
من حمص: النهر بكماله، وأرض المرزات.
من الجولان: قرية سمكين، وقرية جلين بكمالها.


من البقاع: ثلث كفر رند، ثلث عين، دير الغزال بكمالها، ربع الرمادة، محمسة بكمالها، ربع الدلهمية، قرقما بكمالها، تعناييل بكمالها، حقل حمزة بكمالها، ربع علين، مزرعة الساروقية بكمالها، سدس عين حليا، القناطر بكمالها، علاق بكمالها، ربع يونين.
من بيروت: سبعل بكمالها.
من أذرعات: سدس كفرتا، نصف بيت الراس، ربع كفر الماء، ربع حديجة، ربع شطنا، ربع مهربا، ربع كفر عصم، نصف عونا من بصرى.
من صرخد: المحوسه، ربع نجيح، قيما بكمالها، نصف السعف، ربع قارا من زرع.
من جبل عوف: الغرية بكمالها، صوفة بكمالها، حنيك بكمالها، أم الخشب بكمالها، نصف دلاعا.
من البلقا: نصف ماجد، بيرين بكمالها، ثلاث مزارع بكمالها، ربع بقعة.
من نابلس: الكفر بكماله، صانور بكمالها، كفر كوس بكمالها.
من لد: خرنوبة بكمالها، أخصاص العوجاء بكمالها.
من عكا: عشرة أرماح بكمالها.
من صفد: المنيسة بكمالها، المناوات بكمالها، المعشوقة بكمالها، كفر كنة، وعوض عن ذلك جميعه بعد الروك: نمرين: من غور زعر بكمالها، الكفرين بكمالها، مردا. من نابلس ثلثا رويسون دير بجالا بكمالها.
بهادر بن عبد الله المنصوري


المعروف بالعجمي.
كان من جملة أمراء دمشق، وسكنه بالديماس، وكان في سنة خمس وتسعين وست مئة قد حج بالناس، وحمدت في المسير سيرته، وشكرت في الطريق طريقته. وكان شاباً حسن الطلعه، جميل الذهاب والرجعه، له دين متين، ومحبة لأهل العلم العاملين.
ولم يزل إلى أن ذوى غصنه الرطب، وفرغ عمره ما عنده في الوطب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وست مئة، ودفن بجبل قاسيون.
بهادر



الأمير سيف الدين المعزي.
كان أميراً كبيراً، قبض عليه السلطان الملك الناصر، وبقي في الاعتقال مدة زمانية، ثم إنه أخرجه في سنة ثلاثين وسبع مئة، فيما أظن، وأقبل عليه إقبالاً زائداً، وجعله أمير مئة مقدم ألف، وكان يجلس في دار العدل مع الأمراء المشايخ، وكان يسميه: وينعم عليه كثيراً.
وكان خيراً ساكناً وادعا، إلى المهادنة راكنا، يفتنه الناظر الفاتر، ويخلب لبه الجفن الساحر، يبالغ في إكرام مماليكه ويبرهم، ويسرهم بما فيه إطابة سرهم، لا يزال يغدق عليهم إنعامه ويفيء عليهم جوده وإكرامه، واقتنى منهم جملة جميله، وأخمل بهم زهرات الخميله.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح المعزي معزىً فيه، وعجز الطبيب في تلافه عن تلافيه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة أربعين وسبع مئة، أو آواخر سنة تسع وثلاثين.
وكان قد أمسك هو وبكتمر الحاجب، وأيدغدي شقير والخازن في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
بهادر سمز



بالسين المهملة والميم المكسورة وبعدها زاي، الأمير سيف الدين المنصوري.
كان من أمراء دمشق، معروفاً بالإقدام، مشهوراً في الحروب بثبوت الأقدام، لا يرد وجهه عن قلة ولا كثره، ولا يخشى من حسامه وجواده نبوةً ولا عثره.
كان مع الأفرم وهم يتصيدون بمرج دمشق على قرية بضيع، فدهمهم في الليل طائفة من عرب غزية، فقاتلوهم وقتل من العرب نحو نصفهم، ودخل هذا الأمير فيهم ولم يرجع عنهم، وأطال الغزو فيهم والمجاهدة لهم احتقاراً بهم، فطعنه من العرب فارس برمح في صدغه فصرعه، وعرض عليه صرف المنية فكرعه، وذلك في ثالث ذي القعدة سنة أربع وسبع مئة، ودفن بقبر الست ظاهر دمشق، وسمر من العرب واحد وطيف به إلى أن مات.
بهادر بن عبد الله



الأمير سيف الدين السنجري.
كان رجلاً سعيدا، ولم يكن من الخير بعيدا، تنقل في النيابات بالحصون وغيرها، وباشرها فغاضت بشرها، وفاضت بخيرها.
ولم يزل إلى أن دعاه ربه فأجابه، وأعظم الناس مصابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وهو بحمص نائب.
ولما كان في نيابة قلعة دمشق جاءه المرسوم بأن يكون نائب الغيبة بدمشق، لخلوها من نائب، وذلك في المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فحضر الموقعون والوزير، ونفذ وحكم، وولى عدة ولايات منها نظر البيمارستان لشرف الدين بن صصرى عوضاً عن بدر الدين بن الحداد، ولم تتم الولاية، وولى نظر الأسرى لعماد الدين بن الشيرازي، وولى نظر البيوت لشمس الدين بن الخطيري، وولى صحابة الديوان بالجامع الأموي لمحيي الدين بن القلانسي.


وطلب في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة على البريد إلى مصر فتوجه إليها، ودخل عوضه الأمير سيف الدين بلبان البدري، وعاد السنجري بعد فراغ رمضان متوجهاً لنيابة ثغر البيرة، وتوجه إلى غزة نائباً عوضاً عن الأمير علاء الدين طيبغا قوين باشي بحكم وفاته في شهر رمضان سنة اثنين وثلاثين وسبع مئة.
بهادر


الأمير سيف الدين الناصري الدمرتاشي.
كان قد ورد إلى البلاد صحبة تمرتاش، فرآه السلطان فأحبه، ولما قتل تمرتاش أخذه السلطان وقربه وبالغ في تقديمه، فلامه الأمير سيف الدين بكتمر الساقي، وقال: ياخوند، كل واحد من مماليكك يقعد في خدمتك ما شاء الله حتى تقدمه لإمرة عشرة، ثم تنقله لإمرة أربعين، وبعد مدة حتى يكون أمير مئة، فخالفه وأعطاه إمرة مئة، وقدمه على ألف، وزوجه إحدى بناته، وصار أحد الأربعة الذين يبيتون ليلة بعد ليلة عند السلطان، وهم: قوصون وبشتاك وطغاي تمر وبهادر الناصري، ولم يزل عنده إلى أن مرض، وطالت به علته وابتلي برمد أزمن، وقرحة طولت، ولازمه إنسان مغربي غريب البلاد، وعالجه بأشياء لم يوافقه الأطباء عليها، فلزم بيته وامتنع من الطلوع إلى القلعة إلا في الأحيان.
وكان شكلاً ظريفا، محبوباً إلى القلوب طريفا، ولم تكن عيناه متركه، ولا أفعالها للقلوب محركه، وله قامة مديده، ومحاسن هيفها عديده، إلا أن رمد عينيه أصدأ سيوف جفونها، وغير فتكات ظباها التي أغمدتها في جفونها، وكواه المغربي على جنبه فأنكاه، وكان سنه يضحك في السعادة فأبكاه، ولم يزل على ذلك إلى أن تولى السلطان الملك الصالح إسماعيل فاستحوذ على الملك لكونه زوج أخت السلطان، وسكن في الأشرفية دار قوصون، وصار الأمر والنهي والحل والعقد له، وأخرج الأمير علاء الدين الطنبغا المارداني إلى نيابة حماة.
ولما نقل الأمير سيف الدين طقزتمر من نيابة حلب إلى نيابة دمشق نقل الأمير علاء الدين الطنبغا إلى نيابة حلب، وأخرج الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي إلى نيابة حماة.
ولم يزل على حاله إلى أن أخذ في ليله، وعدم حوله وحيله، فبات وما أصبح، وخسر ما كان ظنه يربح، وذلك في أوائل شوال سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، رحمه الله تعالى.
بهادر



الأمير سيف الدين بن الكركري.
كان مشد الدواوين بحمص أيام تنكز، فأقام بها مدة، ثم إنه نقله إلى شد الدواوين بصفد، وولاية الولاة بها على إمرة طبلخاناه.
لم يكن عنده رقه، ولا يرعى في الحق لصاحب حقه، بطشه أسرع من رد طرفه، وهيج عضبه أشد من خطب الزمان وصرفه، لا يقوم لغضبه الجبل الراسي، ولا يداني الحديد البارد قلبه القاسي، ومات في عقوبته جماعه، ولم يخن سوء الذكر ولا سماعه، إلا أنه كان فيه مع ذلك خدمة ورياسه، ومخادعة لأرباب الجاه وسياسه. يقال إنه قتل ولده بالمقارع وألقاه على القوارع لشراب أخذ منه نشوته، وكشف بها الستر حشوته.
ولما جاء الأمير سيف الدين طشتمر إلى صفد نائباً وقع بينه وبينه، وصار لا يسمع منه ولا يخضع له ويترفع عليه، وإذا شفع في أحد عنده لا يقبل منه، وإذا علم أن الفلاح من جهته أو من جهة مماليكه قتله بالمقارع إلى أن يموت، فضاق عطن طشتمر منه وكظم غيظه، وصبر له إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز، فما ظن أن ابن الكركري ولا غيره إلا أنه يشنقه في أول وهلة، فلم يظهر له منه بعد تنكر تنكز، وتوجه طشتمر عقيب ذلك إلى باب السلطان، فأعطاه نيابة حلب، فباس الأرض، وطلب ابن الكركري من السلطان ليكون عنده في حلب مشدا، فوافقه السلطان على ذلك، لأنه كان يتحقق منه الأمانة والعفة عن مال الرعايا، ولم يزل بحلب إلى أن هرب طشتمر منها، على ما سيأتي في ترجمته، فما وفى له ابن الكركري ومال عليه، ولما عاد طشتمر من البلاد الرومية اعتقله، وتوجه إلى دمشق وتوجه منها إلى مصر، وجرى ما جرى من قتلة طشتمر، ثم إن ابن الكركري خلص بعد موت طشتمر من الاعتقال وبقي بطالاً، فحضر إلى دمشق في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر، ورتب له راتباً على الأموال الديوانية، ثم إنه رتب في شد الدواوين بدمشق وهو بلا إمرة، فأقام على ذلك قليلاً، وجهز إلى حمص مشداً، ثم إلى صفد مراراً كثيرة.


وباشر ولاية مدينة دمشق مدة بعد إقطاع، ثم طلبه الأمير شهاب الدين أحمد نائب صفد لشد صفد، فجهز إليها فأقام قليلاً، وكان ذلك في سنة تسع وأربعين في الطاعون، فتوهم الناس أنه يموت بها، فطلبه الأمير بدر الدين مسعود من السلطان أن يكون مشداً عنده بطرابلس على عشرة قد انحلت عنده، فرسم له بالتوجه إليها، فأقام بها قريباً من شهر، وجاءه القضاء الذي لا تحمى منه الحصون ولا يرى در حي دونه وهو مصون.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في جمادى الآخرة.
بهادر


الأمير سيف الدين الأوشاقي الناصري المعروف بحلاوة.
كان إذا ساق في البريد وجاء إلى مركز قال للسواق أو لأحد من غلمان البريد: تأكل حلاوة ؟ فإذا قال: نعم ضربه بالسوط الذي معه، فسموه بهادر حلاوة.
وكان أشقر، أزرق العين بنظر أخف على القلوب منه رؤية الحين، الظلم ملء إهابه، والقسوة لا تخرج عما تحت ثيابه. ساق في البريد زماناً وهو بالكوفية البيضاء، وشوته المهامة وما سوته بالرمضاء. وكان السلطان يندبه في مهماته، ويأمنه على أسراره في ملماته.
وكان الأمير سيف الدين تنكز يدعوه ابني تارة بالعربي، وتارة بالتركي، وكلما جاء في البريد أعطاه فروة قرظية بغشا كمخا على الدوام، ولما طال ترداده، وقضى الأشغال ألبسه السلطان الكلوتة، ولما أراد السلطان أمساك تنكز جهز بهادر حلاوة في البريد إلى طشتمر بصفد، وحضر معه إلى دمشق، ولما أحاطوا بباب النصر، وجرى ما جرى، وخرج إليهم تنكز ومشى ومشوا جميعاً، ولم يجسر أحد على كلامه، فقال بهادر هذا بالتركي: يا أمراء عجلوا بالمشي، فقال له تنكز: أنت الآخر يا روسي، وضربه بالمقرعة على أكتافه. ولما قبض عليه وقيد أخذ سيفه وتوجه به إلى السلطان، فوعده بطبلخاناه.
ولما حضر الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى دمشق تأمر بهادر حلاوة طبلخانه، ورسم له السلطان أن يكون مقدم البريدية بالشام، فأقام على ذلك مدة، ثم إن ألطنبغا ولاه بر دمشق، فأقام به مدة، وخدم الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري أتم خدمة لما كان على خان لاجين، ولم يزل على ذلك إلى أن توجه الناصر أحمد إلى القاهرة، فقطع خبزه ثم أعيد إليه.
ولما حضر الأمير علاء الدين أيدغمش إلى دمشق نائباً خرج إقطاعاً بهادر حلاوة لأحد أولاد أيدغمش، ثم أعيد له إقطاع آخر بالإمرة، وأقام على ولاية البر إلى أن حضر الأمير سيف الدين طقزتمر إلى دمشق نائباً، فورد المرسوم من مصر بنقلة حلاوة إلى أمراء حلب، فتوجه إليها وأقام بها مدة تقارب الأربعة أشهر أو أكثر، إلى أن ذاق حلاوة علاقم الموت، وحصل لوجوه العدم والفوت، وذلك في ثلاث عشر صفر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
قيل بين الأسما وبين المسمّى ... نسبةٌ تكتسي بذاك طلاوه
قلت هذا ما صحّ عندي لأنّا ... كم رأينا مرارةً من حلاوه
بهادر



الأمير سيف الدين بهادر الدواداري.
أول ما عرفت من أمره أنه كان في ولاية صيدا وكان يخدم الناس كلهم، ويحسن إليهم، خصوصاً العسكر الصفدي الذي يحضر لليزك بصيدا في كل شهر، ولما مات تنكز عزل من صيدا بعد ما أقام بها مدة زمانية، وتولى نابلس وهو على ذلك المنوال، ثم تولى كرك نوح بالبقاع، ثم عزل وولي أستاذ دارية السلطنة بدمشق، وهو بطال بلا إقطاع، ثم أنعم عليه بعشرة أرماح في أيام أرغون شاه.
ولم يزل عليها في الوظيفة المذكورة إلى أن دار الموت بالدواداري، وأصبح زند المنية فيه وهو واري، وذلك في يوم عرفة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وكان شيخاً طويلاً تام الخلق حسن الشكل والخلق، كأن الورد في وجهه تفتح والياسمين من شيبه بعارضيه مجنح.
بهادر



الأمير سيف الدين التقوي الساكن بدرب السوسي.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق، وأظنه كان أولاً بالقاهرة، وله دار على بركة الفيل في أول الجبانية، وكان قد جرد من دمشق إلى الرحبة، فأحسن إلى العسكر الذي كان معه، وأثنوا عليه ثناءً كثيراً.
توفي رحمه الله تعالى وهو عائد من الرحبة بالقريتين في نصف شعبان سنة ثلاثين وسبع مئة، وحمل إلى دمشق في محفة، ودفن بالقبيبات.
بهادر بن أولياء بن قرمان



الأمير سيف الدين، أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق، سكنه بالقبيبات بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى في أوائل صفر سنة سبع وخمسين وسبع مئة.


وأعطي إقطاعه للأمير زين الدين زبالة الفارقاني نائب قلعة دمشق، وأعطيت العشرة التي كانت معه لغرس الدين خليل بن قرمان.
بوسعيد


ملك التتار، القان بن القان محمد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو المغلي، صاحب العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والروم، والناس يقولون فيه أبو سعيد، على أنه كنية، والصحيح أنه علم، هكذا رأيت كتبه التي كانت ترد على السلطان الملك الناصر محمد، يكتب على ألقابه الذهبية بوسعيد باللازورد الفائق، ويزمك بالذهب.
لما وقعت المهادنة والصلح بينه وبين صاحب مصر أراد السلطان أن يبتدئه بالمكاتبة، فبقي السلطان يطلب كاتب السر القاضي علاء الدين بن الأثير بالمكاتبة، وهو يقول له: يا خوند إن كتبنا له المملوك قد لا يكتب المملوك وإن كتبنا له والده أو أخوه فهو قبيح. ثم قال له بعد شهر: ياخوند رأيت أنا نكتب موضع الاسم ألقاب مولانا الشيخ السلطان بالطومار ذهباً، ونكتب على الكل محمد بالذهب أيضاً نسبة طغرة المناشير، فقال: هذا جيد، وجهز الكتاب على هذا الحكم، وعاد الجواب كذلك خلا بوسعيد، فإنها كانت باللازورد المليح المعدني، فقال السلطان: ونحن نكتب كذلك، فقال القاضي علاء الدين بن الأثير: ياخوند لأنا نكون قد قلدناهم، فاستمرت المكاتبة بينهما كذلك إلى أن توفي بوسعيد رحمه الله تعالى.
وكان شاباً مليحاً، لا يرى في المكارم طليحا، مسلماً، إلى الخير مسلما، معلماً بالجود وللسكون معلما، كتب الخط المنسوب، ودخل في ذلك العدد المحسوب، ورأيت خطه على ديوان أبي الطيب كأنه باكورة زهر غب القطر الطيب، وأجاد الضرب بالعود ولعب به، فكانت يمينه سحابة تقهقه منها الرعود، وصنف مذاهب في النغم ونقلت عنه، ورواها أولو النغم وتداولوها، وأصلها منه، وأبطل كثيراً من المكوس وأطلق جماعة من الحبوس، وأراق الخمور، وصمم في من شربها على أمور، وهدم ما في بغداد من الكنائس، وتتبع من له في دين الإسلام دسائس، وخلع على من أسلم من الذمه، وجعل الترغيب في الدخول للإسلام من الأمور المهمه، وأسقط ما في ممالكه من مكوس الثمار، ولم يدع فيها أحداً يتعرض لهذا السبب إلى أخذ درهم ولا دينار، وورث ذوي الأرحام، ولم يأخذ منهم لبيت المال نصيبا، وأصبح في هذه المسألة لأبي حنيفة رضي الله عنه نسيبا، إلا أنه كانت به عنة، لا يجد له منها سوى بغداد جنة، وهو كان آخر بيت هولاكو وبانقراضه انقرضوا، ونكثوا حبل الملك ونقضوا.
ولم يزل في سعة ملكه والفرح بما في فلكه إلى أن زعزع الموت أركانه، وحرك كل قلب لما رأت العين إسكانه.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في الأردو بأذربيجان في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وقد أناف على الثلاثين سنة.
وكانت دولته عشرين سنة، ولم تقم بعده لملوك المغل قائمة.
وكان جلوسه على التخت في مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبع مئة بمدينة السلطانية، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة والله أعلم.
وكان قبل موته بسنة قد حج الركب العراقي، وكان المقدم عليه، بطلاً شجاعاً، ولم يمكن أحداً من العربان يأخذون من الركب شيئاً، فلما كانت السنة الآتية خرجت العربان على الركب ونهبوه، وأخذوا منه شيئاً كثيراً، فلما عادوا شكوا إليه، فقال: هؤلاء في مملكتنا أو في مملكة الناصر ؟ فقالوا: لا في مملكة الناصر ولا مملكتك إنما هؤلاء في البرية، لا يحكم عليهم أحد، يعيشون بقائم سيفهم ممن يمر عليهم، فقال: هؤلاء فقراء، كم مقدار ما يأخذون من الركب نحن نكون نحمله إليهم من بيت المال من عندنا كل سنة، ولا ندعهم يأخذون من الرعايا شيئاً، فقالوا له: يأخذون منهم ثلاثين ألف دينار، ليراها كبيرة فيبطلها، فقال: هذا القدر ما يكفهم ولا يكفيهم، اجعلوها كل سنة ستين ألف دينار، وتكون تحمل صحبة مسفر من بيت المال من عندنا مع الركب، فمات من سنته، رحمه الله تعالى، وجرت بعده أمور يطول شرحها، ولما بلغت وفاته السلطان الملك الناصر قال: رحمه الله تعالى، والله ما بقي يجينا مثل بوسعيد.
بولاي النوين التتري



أحد مقدهي التتار الذين حضروا مع غازان، اسمه على الصحيح مولاي وإنما الناس يحرفونه تهكماً به وبأمثاله كما يقولون في خداي بندا: خربندا.
لما أراد غازان العود من دمشق بعد ما ملكها إلى بلاده، ورتب الأمير سيف الدين قبجق نائب دمشق وجعل الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار نائب حلب والأمير فارس الدين البكي نائب السواحل كلها وزكريا بن الجلال وزيراً يستخرج الأموال من دمشق، وحلب وطرابلس، جعل بولاي هذا مقيماً بجماعة من عسكر التتار ردءاً لهؤلاء النواب إلى أن يستخدموا لهم جنداً، فنبت ببولاي الدار، وضاق عطنه من المقام بأرض الشام، وتذكر هو وقومه بلادهم وجنى له من دمشق جناية لما قدم من الغور في العشر الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة.
الألقاب والأنساب

توقيع : زهرة الاصدقاء

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعيان, مكتبة, التاريخ, العشر, النصر, وأعوان


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل يعيد التاريخ نفسه؟! ملكة الحب لوما التاريخ والآثار العربية والعالمية 0 08-15-2011 05:35 PM
قصة التتار زهرة الاصدقاء التاريخ الاسلامي 50 08-09-2011 11:06 PM
ابو بكر الصّديق رضي الله عنه سعدالدين امين الصحابه والتابعين والسلف الصالح 27 08-05-2011 08:04 PM
التحيز في كتابة التاريخ - المستشار طارق البشري الامبراطور - عين دالة مقالات وتقارير وملفات هامة 0 05-06-2011 02:50 AM
عجائب التاريخ مسافر بلاحدود التاريخ والآثار المصرية 10 09-03-2009 08:36 AM


الساعة الآن 11:13 AM.

converter url html by fahad7



الآراء المنشورة في المنتدى لا تعبر الإ عن وجهة نظر كاتبها شخصيا فردا فرداً وكلُ يتحمل مسؤولية ما يكتبه